← Тараджим

Тараджим · id 37651

جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

طاهر سليمان حمودة

Полный текст (419 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهناك عديد من الأمثلة تشهد لما نقول طيلة ذلك العصر، وقد تولى الفقهاء مناصب القضاء بالدولة، كما أسند إلى أبناء هذه الفئة بصفة عامة مناصب الوزارة وكاتب السر بالاضافة إلى وظائف التدريس بالمدارس. وقد اعتد رجال هذه الطائفة بأنفسهم وعمدوا في كثير من الأحيان إلى معارضة السلطان والأمراء دفاعا عن الحق أو مطالبة برد بعض المظالم أو رفع بعض المكوس، كما تعود كثير منهم انتقاد السلطان والأمراء في المجالس العامة ومن فوق منابر المساجد، ولعل أبرز المواقف في الفترة التي شهدها السيوطي ذلك الموقف الذي وقفه شيخ الاسلام أمين الدين الأقصرائي في وجه السلطان قايتباي حين حاول أن يمد يده إلى أموال الأوقاف وجمع القضاة ليفتوه بذلك فهاجمه الشيخ مهاجمة قوية أشاد بها معاصروه والمؤرخون له «١» كذلك مواقف الشيخ زكريا الأنصاري من السلطان قايتباي ومهاجمته له من فوق المنبر والسلطان جالس أمامه ولم يكن السلطان يزيد على أن يقبل يد الشيخ بعد الانتهاء من الصلاة، فضلا عن النصائح القوية التي كان الشيخ لا يفتأ يوجهها إلى السلطان «٢». وكان للسيوطي مثل هذا الاعتداد بالنفس وكانت له مواقف جليلة سنشير إليها بعد، ولم تكن هذه الأوصاف- بطبيعة الحال- مطردة على الدوام، فلقد تعرض الفقهاء وأهل العلم في بعض الأحيان للاضطهاد أو لحقد طبقة المماليك الذين رأوا فيهم منافسا لهم، وكثيرا ما وقعت المنافسات بين بعض الفقهاء وبين بعض أمراء المماليك. على أنه ينبغي ألا نغفل بعض مواقف الضعف التي كان يقفها بعض رجال هذه الفئة ترضيه للسلطان أو لكبار الأمراء كما فعل أحدهم حين أفتى بحلّ ما قصد إليه السلطان من فرض الضرائب الجائرة على الناس لجمع أموال يرضي بها مماليكه فتعرض الفقيه بذلك لغضب عامة الناس «٣»

стр. 37

وعلى أية حال فإن المكانة الكبيرة التي ارتقتها هذه الطائفة قد جعلتهم المعبرين عن الشعب والمدافعين عن حقوقه لدى الحكام، كما جعلتهم شفعاء للناس في قضاء حوائجهم لا سيما أن صلتهم بالناس أقوى بكثير من صلة المماليك الحاكمين. التجار: وهي الفئة الثالثة من فئات المجتمع، ولقد تمتع أبناؤها بثراء واسع ولا سيما أن مصر قامت بنشاط كبير في التجارة بين الشرق والغرب قبل اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح «١» وقد عمد السلاطين إلى تقريب التجار منهم إذ إنهم المصدر الأساسي الذي يمد الدولة بالمال، على أن كثرة الثروة في أيدي التجار قد جعلتهم في كثير من الأحيان مطمع سلاطين المماليك فأكثروا من مصادرتهم بين حين وآخر إذا ما احتاجوا إلى الأموال بسبب إرسال تجريدة «٢»، أو إنفاق نفقة على الجند أو غير ذلك فضلا عن الرسوم والضرائب الباهظة التي كانت تفرض عليهم. الصناع وأرباب الحرف: ووجد بالمدن المصرية في ذلك العهد طائفة كبيرة من العمال والصناع وأصحاب المهن الذين ينتمون لنظم معينة يدين بها أبناء الحرفة الواحدة، ولكل حرفة شيخ أو رئيس يرجعون إليه فيما يهمهم لا سيما في الوساطة بينهم وبين الحكومة، وكان للدخول في كل حرفة نظم خاصة فقد يقصر أبناء الحرفة حرفتهم على أنفسهم وعلى أبنائهم من بعدهم ولا يسمح لغيرهم بمزاولتها «٣». العوام «٤»: وقد اكتظت المدن المصرية في ذلك العهد بجمهور كبير من الباعة والسقائين

стр. 38

والمكاريين والمعدمين الذين يعبر عنهم في الكتب المعاصرة لهم بالعوام والزعر والحرافيش والمشاعلية، وقد لقى أبناء هذه الفئة ضيقا وعسرا في الحياة إذا ما قورنوا بغيرهم من الطبقات المنعمة حتى لاحظ بعض الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في ذلك الحين أن بالقاهرة عددا كبيرا يعيشون بلا مأوى في الليل والنهار سوى الطرقات وأجسادهم شبه عارية، وتفاوتوا في تقدير ذلك العدد بين خمسين ألفا ومائة ألف «١» وكان كثير من هؤلاء لا يجدون إلا ما يجود لهم به بعض السلاطين والأمراء وذوي الأموال من الصدقات مما دفع بكثيرين منهم إلى أن يمدوا أيديهم بالسؤال وأن يجعلوا منه حرفة لهم، وقد دفعهم حالهم السيئ إلى احتراف السلب والنهب وتحين الفرص للحصول على أكبر قدر من الغنائم لا سيما في أيام الفتن والاضطرابات «٢». أهل الذمة: «٣» كان أهل الذمة يكونون أقلية كبيرة في ذلك الحين، وقد قدر عددهم في القاهرة وحدها بعشرين ألفا نصفهم من اليهود والنصف الآخر من النصارى. ويبدو أن ثروة مصر واتساع تجارتها في ذلك العهد قد اجتذبت كثيرين منهم من البلاد الأجنبية فاستوطنوا المدن المصرية، وحظى كثيرون منهم بثراء واسع جعلهم أيضا مطمع السلاطين إذ كانوا يصادرون طوائفهم حين احتياجهم إلى الأموال «٤» وقد تعرضوا خلال هذه الفترة لبعض الاضطهادات بين حين وآخر، وتشير مراجع ذلك العصر إلى بعض ألوان الاضطهاد التي كانت تنتابهم «٥»، وإن كنا لا نكاد نجد شيئا من ذلك في الفترة التي عاشها السيوطي سوى مصادرة أموالهم

стр. 39

في بعض الأحيان شأنهم في ذلك شأن الأثرياء من الأمراء والتجار وأرباب الوظائف من المسلمين. الفلاحون: وإكمالا لطبقات المجتمع يحسن أن نشير إلى طبقة الفلاحين بالرغم من كونها فئة بعيدة عن حياة المدينة. ويبدو أن نصيب هذه الفئة لم يكن سوى الاهمال والاحتقار بالرغم من كونها أكبر فئات المجتمع ولعل وصف ابن خلدون لهذه الفئة كان يصدق عليها من قبله ومن بعده حيث وصف مهنتهم بأنها معاش المستضعفين وأن أهلها يختصون بالمذلة «١»، وقد عاش الفلاحون في مصر في ذلك العصر مشدودين إلى أرضهم وليس لهم من خيراتها إلا القليل لأن الأرض ظلت نهبا موزعا بين السلاطين والأمراء ومماليكهم وأوقافهم «٢» وكثيرا ما تعرض الفلاحون لنهب أمراء المماليك الذين كانوا يجوبون القرى فضلا عما كان يفرض عليهم من الضرائب الباهظة، وكثيرا ما تعرضوا لظلم ولاة أقاليمهم الذين كانوا يأخذون منهم «غير العادة أضعافا» «٣»، ولم تكفل الدولة لهم الأمن الكافي فكثيرا ما تعرضوا لغزوات الأعراب الذين كانوا ينهبون ضياعهم ومواشيهم وأمتعتهم، فضلا عما كانوا يفرضونه عليهم من إتاوات. الأعراب: ولا يسعنا- في الحقيقة- إلا أن نتحدث عن هذه الطائفة من طوائف المجتمع لما كان لها من أثر كبير في أحوال البلاد الداخلية. وقد شهدت الفترة التي ندرسها عديدا من القبائل التي انتشرت في أرجاء البلاد لا سيما في الشرقية والبحيرة والمنوفية والصعيد.

стр. 40

وقد أحصى القلقشندي والمقريزي قبائلهم بمصر وأماكن كل منها مما يتضح منه أنهم بلغوا عددا عظيما في ذلك العصر «١». وقد حاول الأعراب في أول عصر المماليك أن يقيموا حاكما من بينهم وأن يتخلصوا من سيطرة المماليك ولكن هذه المحاولة قد باءت بالفشل أمام جيوش المماليك المدربة، ولكن ذلك لم يمنع حدوث الصدام بين المماليك والأعراب على شكل أحداث متفرقة طوال العصر. وقد ظل العربان عنوانا للاخلال بالأمن والاضرار بالنظام والاعتداء على أهل البلاد الآمنين في المدن والقرى، ولم يسلم طريق الحاج من اعتداءاتهم المتكررة. والمتتبع لحوادث هذه الفترة تأخذه الدهشة من كثرة حوادث الأعراب وشغبهم وهو ما تسميه المراجع المعاصرة لهم بفساد العربان، فبينما يثور الأعراب بالشرقية ويفسدون في عام ٨٧٥ هـ وترسل الدولة بحملة إليهم «٢»، لا يكاد يمضي وقت حتى يعاودوا الفساد وفي هذه المرة يهاجمون القاهرة نفسها ويعملون بها النهب والسلب وينشرون الذعر «٣»، ثم يتجدد فسادهم في عام ٨٧٩ هـ ويهاجم بعضهم الجيزة في نفس العام وينهبون خيول المماليك ولا يستطيع السلطان الظفر بهم «٤»، وبينما يحدث اضطراب الأعراب حول القاهرة تأتي الأخبار باضطرابات عنيفة يقوم بها الأعراب في الصعيد حيث ينزلون الهزيمة بكاشف الوجه القبلي «٥»، وتحاول الدولة في كل ثورة أن ترسل إحدى الحملات لتأديب الأعراب وقد كان إعداد الحملات يكلف الدولة كثيرا من الأموال «٦»، وربما تقاعس السلطان عن إرسال هذه الحملات مكتفيا بانصراف الأعراب

стр. 41

وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي كراهة النفقات الباهظة التي تتكلفها الدولة في إعداد هذه الحملات. وفي بعض الأحيان كانت تمنى حملات السلطان بالهزيمة أمام قوة الأعراب «١»، ولذلك فإن المماليك كانوا ينتقمون من الأعراب انتقاما شديدا بعد هزيمتهم، وكانوا يكثرون فيهم القتل والنهب والسلب كما كان سلاطينهم يبالغون في التمثيل بمن يؤتى به منهم أسيرا «٢» وكثيرا ما اضطربت أحوال البلاد بسبب الأراجيف التي تنتشر بنية الأعراب محاولة الهجوم على القاهرة لا سيما في أيام الأزمات أو وجود الجند خارج البلاد في إحدى الحملات «٣». وكثر قطع طريق الحجاج والاغارة عليهم وانتهابهم وتعويق بعضهم في الطريق «٤»، وهناك أمثلة أخرى كثيرة أشار إليها مؤرخو هذه الفترة تدل دلالة واضحة على الاضطراب والفساد الذي كانت تحدثه تحركات الأعراب ومهاجمتهم للمدن والقرى، وتدل على مبلغ قوتهم في هذه الآونة «٥»، فضلا عن اشتراكهم في بعض الأحيان في الفتن السياسية، وصراع قبائلهم فيما بينهم. وهكذا ظل الأعراب طوال هذه الفترة مصدرا هاما من مصادر القلق والفساد وعدم الاستقرار بالبلاد. الأقليات الأجنبية: بالاضافة إلى الطوائف السابقة وجدت بالبلاد مجموعة كبيرة من الأقليات الأجنبية، وقد قدر عدد الأجانب في بعض الأحيان بالاسكندرية بثلاثة آلاف تاجر مسيحي «٦»، وكان هناك عديد من الجاليات موزعة على المدن المختلفة،

стр. 42

وكان لأبناء كل جالية فنادق خاصة بهم يقيمون بها، وقد تمتع هؤلاء داخل فنادقهم بقسط وافر من الحرية ولكن المجتمع فرض عليهم نظما معينة في تصرفاتهم بالخارج فلم يسمح لهم مثلا بركوب الخيل شأن أهل الذمة كما فرض عليهم إغلاق أبواب فنادقهم مساء كل يوم ووقت صلاة الجمعة «١». وقد اعتبر السلاطين أولئك الأجانب رهينة لدى الدولة فإذا ما حلّ اعتداء من الدولة الأجنبية ببعض الثغور الإسلامية وأسر من المسلمين أحد أو نهب منهم شيء فان الاقتصاص قد يكون من الفرنجة الموجودين بمصر، أو يكون تهديد الدول المعتدية بذلك وإن تكن هذه الوسيلة غير مجدية في دفع الاعتداء «٢». الحياة في المدن: وإكمالا لحديثنا عن الجانب الاجتماعي فإنه يحسن أن نشير إلى نظام الحياة في المدن المصرية لا سيما القاهرة في ذلك الوقت. وقد اتصفت المدن في ذلك العصر بتلاصق منازلها وضيق دروبها واكتظاظ طرقاتها بالمارة والدواب، وقد أشاد الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر بعظمة المدن المصرية إذا ما قورنت بمثيلاتها من دول أوروبا آنذاك «٣»، وقد فاقت القاهرة في ذلك العصر جميع مدن العالم تقريبا من حيث السعة والنشاط الحيوي وكثرة السكان، وقد أشاد ابن بطوطة الذي زار مصر في القرن الثامن الهجري بعظمة القاهرة «٤». وبالرغم من ضيق طرقات المدينة فقد زخرت بألوان النشاط الانساني، يضاف إلى ذلك كثرة الدواب، فالخيول المطهمة يركبها المماليك ويركضون بها وسط الدروب والأسواق وهم يضربون الناس يمنة ويسرة دون اكتراث بهم، وليس مباحا لغيرهم من الفئات أن يمتطي الخيل إلا إذا كان من كبار أرباب

стр. 43

الوظائف بالدولة، والجمال العديدة تحمل القرب ويطوف بها السقاءون على المنازل، وقد قدر عدد جمال القاهرة في القرن الثامن الهجري بمائتي ألف جمل أما الحمير فبلغت عددا كبيرا، وكان جانب كبير منها يستأجر لقضاء الحاجات، وقد قدر ابن بطوطة عدد المكاريين في القاهرة بثلاثين ألف مكاري. «١» وكان على المحتسب أن يتولى تنظيم الطرقات وأن يضمن سلامة السير فيها، وكانت هذه الطرقات تضاء في الليل بالمصابيح، وقد ذكر بعض الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في هذه الفترة أن بالقاهرة أربعة آلاف شارع ودرب كل منها له بابان وحارسان، وفي بعض هذه الشوارع ما يقرب من خمسة عشر ألف مسكن، ولكل منها سوق كبير. «٢» وكانت الحراسة تشدد ليلا على هذه الشوارع، ومن سار في الليل لغير سبب معقول قبض عليه. وقد لقيت المدينة حظا لا بأس به من العناية بنظافة دروبها وطرقاتها كما زخرت بالأسواق العديدة التي حوت مختلف أصناف البضائع، وكان كل سوق ينفرد بنوع معين من البضائع فسوق للشماعين وآخر للدجّاجين ... وهكذا «٣»، أما الأسواق الخاصة بالمآكل والمشارب فقد كانت عديدة، وقد قدر عدد المطاعم والمطابخ في القاهرة بما يزيد على اثني عشر ألف مطعم عدا الباعة الجائلين الذين يقدمون بعض أنواع الطعام، وقد وضع هؤلاء تحت رقابة المحتسب حرصا على صحة الناس. «٤» وقد اشتهرت الحياة في المدن في ذلك العصر بالحفلات الصاخبة منها ما هو خاص كحفلات الزواج والختان والولادة، ومنها ما هو عام شعبي كالاحتفال بالمولد النبوي أو بموالد بعض كبار الأولياء أو غير ذلك من المناسبات الدينية والدنيوية، وقد بالغ السلطان والأمراء في إحياء هذه الاحتفالات على اختلافها

стр. 44

عامة كانت أو خاصة، وفي بعض الأحيان كان السلطان يحضر الاحتفال بالمولد بالقاهرة ثم يسافر لحضور الاحتفال بالاسكندرية «١». وحين قدوم السلطان من أسفاره كان يقابل بكثير من مظاهر الحفاوة ووجوه الاصلاح والزينة في الطرقات فضلا عن المواكب الكبيرة. «٢» وقد عرفت هذه الفترة عديدا من أنواع الاحتفالات التي كانت لا تفتأ تقام بالمدينة بين حين وآخر كما عرفت صنوفا من المواكب التي كانت تشق القاهرة آنا بعد آن احتفالا بمناسبة دينية أو وطنية أو استقبالا للسلطان أو أحد الأمراء أو استقبالا لزائر أجنبي «٣»، أو في حالات الزواج والختان والولادة أو لولاية ولاها السلطان أحدا من الناس. وكانت هناك مبالغات كبيرة في إعداد هذه الحفلات التي كانت تكلف الدولة أو تكلف أصحابها نفقات باهظة، وكانت حفلات الزواج تلقى عناية خاصة ويكلفها أصحابها أموالا طائلة «٤». القلق الاقتصادي: على أن القاهرة وأسواقها لم تبق على حال ثابتة من الهدوء والسكينة في ذلك العصر، بل كثيرا ما تأثرت المدينة وأسواقها بعوامل سياسية أو اقتصادية أو اعتبارات أمن أدت إلى اضطراب الأحوال فيها، فقد أدت كثرة المنازعات والفتن بين أمراء المماليك وأحزابهم كما أدت ثوراتهم المستمرة في وجه السلطان إلى اضطراب الأمن في كثير من الأحيان، وتعرضت الأسواق لهجماتهم التي تقصد إلى السلب والنهب، وتكاد تكون جميع حوادث الفتن السياسية مصحوبة بمهاجمة الأسواق ونهب ما فيها الأمر الذي كان يترتب عليه أن تغلق المتاجر وتتوقف الحياة داخل الأسواق لعدة أيام حتى يعود الهدوء، وكان يكفي أن

стр. 45

يرجف بموت سلطان أو بهزيمة جنوده حتى يحل الفزع والاضطراب في جميع أرجاء المدينة. وبالاضافة إلى عامل الفوضى الناتج عن الفتن السياسية نجد ثمة عاملا آخر هو اختلال الأمن نتيجة لهجوم العصابات المسلحة الكبيرة على المدينة بين حين وآخر، وبالرغم من الاحتياطات والتدابير التي كان يقوم بها المسئولون بالمدينة فإن أخبار هذه الحوادث وكثرتها يعطي صورة للقلق وعدم الاستقرار وعدم التمكن من السيطرة على المفسدين حتى عدّ القبض على بعضهم «من النوادر» «١». وقد كان لذلك أثره في إشاعة القلق والاضطراب. وفضلا عن ذلك فهناك العوامل الاقتصادية المتصلة حينا بانخفاض النيل وما يترتب عليه من نقص الأقوات «٢»، وحينا آخر بتلاعب السلاطين بالعملة، والتلاعب بالعملة مشهور في ذلك العصر، فكان السلطان يعمد إلى ضرب نقود جديدة ويجعل قيمتها أكبر مما في أيدي الناس فيخسرون بذلك أموالا طائلة ويكون هو المستفيد بفروق القيمة «٣»، ويحدث الاضطراب والقلق بين التجار وفي الأسواق. وحوادث تغيير العملة وإبطالها والتلاعب بها كثيرة في ذلك العهد «٤»، وقد تناول السيوطي ذلك في مبحث فقهي رائع عن أحكام الدّين بعد تغيير العملة وهل يطالب من عليه الدين بقيمته يوم اللزوم أو يوم المطالبة؟ وهل يأخذ الدائن من الفلوس الجدد المتعامل بها عددا بالوزن أو بالعدد؟ وقد تقصى بذلك إجابة على ما ورد عليه من الأسئلة في ذلك الحين. «٥»

стр. 46

المجاعات والأوبئة: ويتصل بالقلق الاقتصادي ما كان يحدث بالبلاد من مجاعات نتيجة لانخفاض النيل وقلة الأقوات، أو نتيجة لاغتصاب المماليك أقوات الناس ودوابهم لا سيما في أوقات الاعداد لبعض الحملات الحربية كما حدث في عام ٨٩٠ هـ «١». وأخبار المجاعات والغلاء كثيرة في هذه الفترة وتعكس كثرتها صورة للاضطراب الاقتصادي بالبلاد وعدم استقرار الأمور على حال واحدة. «٢» أما عن الأوبئة فقد انتشرت عدة مرات خلال هذه الفترة، وقد حدث أن انتشر الطاعون في عهد قايتباي وحده ثلاث مرات كان أولها في عام ٨٧٣ هـ «٣»، وقد تزايد أمره بالقاهرة في شعبان من ذلك العام «وعمل في الأطفال والمماليك والعبيد والجواري والغرباء عملا بليغا ذريعا» «٤»، وقد كان من الشدة بحيث «صارت الغرباء يموتون في الطرقات بعضهم على بعض» «٥». وحدث الطاعون الثاني في عام ٨٨١ هـ أي بعد قرابة ثماني سنوات من انتشار الطاعون الأول وقد «كان طاعونا مهولا يموت فيه الانسان من يومه ... ومات فيه من الأعيان جماعة كثيرة» «٦»، وقد عدد ابن اياس معاصر هذه الفترة جملة من الأمراء الذين لقوا حتفهم بسبب هذا الطاعون وذكر أنه قضى به «من الأمراء والخاصكية ما لا يحصى عددهم» «٧»، هذا فضلا عن نحو ألفي مملوك من مماليك السلطان عدا من مات من مماليك الطوائف الأخرى «٨».

стр. 47

وفي عام ٨٩٧ هـ كان ثالث الأوبئة في عهد قايتباي، ويبدو أن الناس قد ألفوا هذه الأوبئة التي تنتاب البلاد والعباد بين حين وآخر، حتى اعتبروا أن مدة خمس عشرة سنة بين الوباءين فترة طويلة «١». وكان اعتقادهم أن حلول الطواعين إنما يكون بسبب ما أحدثوا في دينهم من الفساد، ويعبر ابن اياس عن ذلك بقوله: ان الطاعون «كان في مدة انقطاعه عن مصر كثر بها الزنا واللواط وشرب الخمر وأكل الربا وجور المماليك في حق الناس» «٢». وكان هذا الطاعون أشد من سابقيه إذ يذكر أن من مات به بمدينة القاهرة وحدها يقدر بمائتي ألف «٣»، ويؤكد السيوطي ذلك حيث يذكر أنه «ذهب فيه من القاهرة النصف أو أشد» «٤». ولا نلبث أن نجد بعد قليل أخبار طاعون رابع حدث بعد وفاة قايتباي وفي حياة السيوطي أيضا وذلك في عام ٩٠٣ هـ، وقد مات فيه «من المماليك والأطفال والعبيد والجواري جانب» «٥»، ومات فيه من هؤلاء قرابة ثمانية آلاف فضلا عن موت جماعة من الأعيان، هذا إلى جانب ما يقدر بمائتي ألف إنسان بالقاهرة، وقد مكث بالمدينة نحوا من ثلاثة أشهر «٦». والذي يحق أن نقوله هو أن البلاد المصرية لم تكن أسوأ بكثير من غيرها في الاصابة بالأوبئة، بل كثيرا ما كانت هذه الأوبئة تنتاب كثيرا من بلاد العالم «٧»، ولكن يبدو أن إصابة البلاد المصرية وفعل الأوبئة بها كان أكثر قوة ووضوحا نظرا لكثرة السكان، ولم يكن في مقدور الناس ومستواهم آنذاك حكاما أو محكومين أن يفعلوا شيئا، بل كان مشهورا عند كثير من علماء ذلك العصر أن الطواعين

стр. 48

من الأمراض التي ليس لها دافع من الأدوية، وقد أنشد السيوطي لذلك في مقامته منكرا على المتداوين: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة والطاعون والهرما «١» وإكمالا للحديث عن الحياة في المدن بصفة عامة وفي القاهرة بصفة خاصة يقتضي تناول بعض الظواهر الاجتماعية التي تميزت بها القاهرة في ذلك الوقت منها طرائق الاحتفال بالأعياد المختلفة ووصف مواكب السلاطين كذلك الحديث عن الألقاب والخلع والملابس التي تميز بها ذلك العصر ثم تناول الأمراض الاجتماعية التي مني بها المجتمع وأهمها الرشوة والزنا والخمر وبعض المعتقدات الفاسدة، ثم تناول روح المرح ووسائل التسلية، وتجنبا للاطالة في هذه الموضوعات رأيت أن أشير إليها بالحديث أثناء تناول حياة السيوطي وآثاره ذلك أنه قد عالج في كثير من رسائله جوانب تهم المجتمع في عصره وتعبر عن روحه وطابعه. على أن دارس الحياة الاجتماعية لا يستطيع بحال أن يغفل ظاهرة هامة تعدّ من أهم الظواهر الاجتماعية السائدة في مصر في تلك الفترة وهي ظاهرة التصوف، فقد اتخذ التصوف آنذاك طابعا اجتماعيا، ووجه حياة المجتمع وأثر فيها تأثيرا بالغا، لذلك فإننا نرى أن نتناول هذه الظاهرة ونحن نختتم الحديث عن الحياة الاجتماعية. التصوف والمجتمع: عرفت البيئة المصرية التصوف منذ عصر مبكر في الاسلام، فقد ظهر بها كثير من المتصوفة منهم ذو النون المصري، وقد عرفت هذه البيئة منذ ذلك الحين دراسة النفس الانسانية في صورة إشراقية تصلها بالملإ الأعلى عن طريق المقامات «٢». على أن قوة تيار التصوف وأثره في الجانبين الديني والاجتماعي وفعله القوي

стр. 49

في الحياة لم يأخذ صورة واضحة إلا في عصر المماليك. وقد ساعدت عوامل كثيرة على ازدهار التصوف بالبيئة المصرية وتغلغله إلى أعماقها، فهناك عامل البيئة وحب الشعب المصري وميله الطبيعي إلى التدين بما يحتويه من تصوف فضلا عن الميراث الحضاري والثقافي لهذه البيئة، يضاف إلى ذلك ما اختصت به هذه الفترة من ظروف، منها تعرض المسلمين في هذا العصر للغزوات المستمرة من التتار المشركين من جهة الشرق، ومن الصليبيين من جهة الغرب، بالاضافة إلى الأحوال الاجتماعية القاسية التي عاشها الناس والتي سبق أن أشرنا إليها، كذلك الأوبئة والأزمات المستمرة، كل أولئك وجه أنظار كثير من الناس إلى التصوف والانقطاع للعبادة التماسا للعدالة والنعيم فيما وراء الدنيا حيث افتقدوهما في حياتهم الأولى. وقد وفد على مصر في عصر المماليك كثير من مشايخ الصوفية المغاربة والأندلسيين كالسيد أحمد البدوي وأبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي، وقد لقيت مسالكهم قبولا لدى المصريين، كما ظهر بمصر كثير من المتصوفين كابن الفارض «١»، وساعد على انتشار التصوف كثرة البيوت الخاصة بالصوفية والتي أقيمت لهم وهي ما عرفت بالخوانق والربط والزوايا. وقد انقسم الصوفية إلى طرق عديدة لكل منها شيخها وشعارها، فالأحمدية- مثلا- نسبة إلى السيد أحمد البدوي وشعارها اللون الأحمر. على أن كلمات «الخوانق والربط والزوايا» تحمل دلالات مختلفة ومتقاربة لا حاجة بنا إلى تقصيها «٢»، فهي جميعا تدل على بيوت أنشئت لتقيم بها جماعات من الصوفية الذين انقطعوا للعبادة بشروط معينة. وقد شهد عصر السيوطي بالقاهرة عديدا من الخوانق وتحدث عنها في كتابه حسن المحاضرة خلال حديثه العام عن هذه المنشآت، فتحدث عن خانقاه سعيد السعداء التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي ووقف عليها أوقافا واستمرت

стр. 50

عامرة إلى عهد السيوطي «١»، ومن بعده «٢»، كما تحدث عن الخانقاه البيبرسية التي اعتبرت أعظم خانقاه بالقاهرة «٣»، كما ذكر خانقاه شيخو «٤»، ورباط الآثار «٥»، ولم يفرد حديثا لخانقاه سرياقوس إلا ضمن حديثه عن الخانقاه الأولى. وقد جرت العادة بأن يعين لكل خانقاه شيخ أو أكثر وعدد من الصوفية، كما كانت هذه المنشآت معاهد ثقافية تدرس فيها العلوم الشائعة ووقتذاك، فالشيخونية كان بها أربعة دروس للمذاهب الأربعة ودرس للحديث ودرس للقراءات، ومشيخة لسماع الصحيحين وقد تولى السيوطي تدريس الحديث بهذه الخانقاه منذ وقت مبكر في حياته (شعبان سنة ٨٧٧ هـ) «٦»، كما تولى مشيخة البيبرسية فيما بعد. وقد كان لكل خانقاه أوقاف سخية تفي بأجور القائمين بالتدريس فيها، كما ينفق منها على الصوفية، وقد حرصت الحجج المعاصرة الخاصة بأوقاف هذه المنشآت على وضع الشروط التي تكفل انقطاع الصوفية للعبادة وعدم تغيبهم عن الخانقاه. وقد كان للصوفية آداب وتقاليد مرعية، وكثيرا ما اجتمع الناس لمشاهدة صوفية خانقاه سعيد السعداء عند ذهابهم إلى صلاة الجمعة في خشوع ونظام تبركا بهم، وقد كان الصوفية بصفة عامة موضع إجلال الناس وتقديرهم في ذلك العصر، وكان الأمراء يتنافسون في بناء الزوايا لهم. غير أن الحال لم يبق على ذلك إذ تغير في أواخر ذلك العصر من الصلاح إلى الفساد، وتخلوا عن كثير من النظم والآداب التي عرفوا بها بين الناس كما أنشأ

стр. 51

شيوخهم يمدون الأسمطة الحافلة وينفقون أموال الأوقاف في غير وجوهها. ويبدو أن انتشار الفقر وسوء الأحوال الاجتماعية الذي سبق الاشارة إليه قد حدا بكثير من الناس إلى أن ينتظموا في سلك الصوفية عن غير استعداد حقيقي الأمر الذي جعل هذه المنشآت الصوفية تضم كثيرا من الدخلاء والأدعياء «١». ولما رأى السيوطي حين توليه مشيخة البيبرسية ما آل إليه أمر هؤلاء قطع اعطاء بعضهم ورأى أنه لا حق لهم فيه وهم لا يتخلقون بأخلاق الأولياء و «من يأكل المعلوم بغير تخلق بأخلاقهم حرام» «٢»، فثار ثائرهم عليه وكادوا يقتلونه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية وشكوه إلى الأمير طومان باي الذي كان مبغضا له «٣». وقد كان لكبار المتصوفة في هذه الفترة مكانة كبيرة في المجتمع، ولم تحجب الظلال المنفرة التي خلقها وجود الأدعياء في صفوفهم من أن يبقى للصوفية مكانة مرموقة مبجلة في المجتمع، وهناك عديد من الأمثلة التي تدل على تلك المكانة التي تبوأها الصوفية منها أن السلطان قايتباي قبّل قدمي رجل اعتقد أنه الشيخ عبد القادر الدشطوطي وشكا إليه ما بينه وبين ابن عثمان سلطان العثمانيين «٤»، وقد ذكر الشعراني عن الشيخ أبي السعود الجارحي المتوفي سنة نيف وثلاثين وتسعمائة أنه كان له «القبول التام عند الخاص والعام والملوك والوزراء وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين وعملوا بأيديهم في عمارة زاويته في حمل الطوب والطين» «٥»، وذكر عن غيره أنه كان «كثير الشفاعات عند السلطان والأمراء» «٦». وقد بلغ من نفوذ أبي السعود الجارحي بالبلاد أنه بعد موت الغوري اختار الأمراء طومان باي ليلي السلطنة فامتنع بسبب قلة الأموال ولا

стр. 52

ينتظر أن يمتثل الأمراء لرأيه دون أن ينفق عليهم الأموال، فذهب الأمراء إلى الشيخ أبي السعود فأحضر مصحفا وطلب من الأمراء أن يقسموا عليه بطاعة طومان باي، وألا يخونوه ففعلوا فاستقر بالسلطنة «١». وفي هذا دلالته على أنه كان آثر عند الحكام والشعب من كبار الفقهاء والعلماء المعاصرين. وقد حظى هؤلاء الصوفية لدى العامة بنفوذ أكبر وكان اعتقادهم فيهم أعظم، وإذا تعرض لهم أحد بما يمسهم قام العامة عليه وأرادوا قتله «٢». وهكذا يتضح لنا كيف تمتع الصوفية في هذا العصر بنفوذ كبير بين جميع فئات المجتمع بما فيهم العلماء والفقهاء الذين نصبوا أقلامهم وألسنتهم في كثير من الأحيان للدفاع عن التصوف ورجاله، وقد كان السيوطي أحد هؤلاء العلماء الذين مالوا إلى التصوف وانتظموا في سلكه ونافحوا بأقلامهم عن أعتابه.

стр. 53

الفصل الثاني الحياة الثقافية أشرنا من قبل إلى المكانة التي احتلتها مصر بين دول العالم الاسلامي، وإلى المنزلة التي تبوأتها القاهرة بعد سقوط بغداد. والنشاط العقلي غالبا ما يرتبط بألوان النشاط الأخرى في بيئة ما، فيزدهر بازدهارها ويخمل بخمولها، إذ إن عناصر الحياة والنماء في سائر الأنشطة متصلة الأسباب مختلطة الأمشاج. وقد شهدت مصر قبيل سقوط بغداد حركة علمية نشطة في العصر الأيوبي، وقد شجع ملوك بني أيوب هذه الحركة وبعثوا فيها الحياة والنشاط وكان هدفهم من ذلك بعث المذهب السني في البلاد وإحيائه والقضاء على ما خلف الفاطميون من آثار التشيع. وقد عرف كثير من ملوك الأيوبيين بميلهم إلى العلم ومشاركتهم فيه، وإغداقهم على العلماء وتكريمهم، فكان صلاح الدين شديد الكلف بعلوم الدين، وكان يحضر مع أبنائه دروس الحافظ السلفي بالاسكندرية، كما سمع من غيره وحضر كثيرا من مجالس العلماء المشهورين «١»، وقد سلك ملوك بني أيوب مسلك صلاح الدّين في تشجيع العلم وتقريب العلماء، وقد أنشأ صلاح الدين عديدا من المدارس لنشر المذهب السني ولم يكن بالبلاد مدارس قبل ذلك، فابتنى مدرسة بالقرافة الصغرى بجوار الامام الشافعي، وأنشأ أخرى بجوار المشهد الحسيني، وأقام ثالثة وخصصها للحنفية وقد عرفت هذه في عهد السيوطي بالسيوفية، كما خصص للشافعية مدرسة عرفت بزين التجار وكانت

стр. 54

على عهد السيوطي تعرف بالشريفية، وبنى مدرسة للمالكية عرفت على عهد السيوطي بالقمحية، كما أنشأ خانقاه سعيد السعداء حيث أقام بها الصوفية وكان بها دروس علمية «١». وكان لكل مدرسة مدرسون ومعيدون وطلبة تجرى عليهم الأرزاق من الأوقاف التي وقفها السلطان لذلك، وقد اتبع كثير من ملوك بني أيوب هذه السنة في إنشاء المدارس والخوانق والمساجد. وحين خلف المماليك بني أيوب في حكم مصر فانهم لم يكونوا أقل تحمسا للعلم وأهله وللمذهب السني من أسلافهم، لذلك دأب ملوكهم على إنشاء المساجد والمدارس والخوانق ووقفوا عليها الأوقاف السخية التي تمدها بما تحتاج إليه من الأموال، هذا فضلا عن أن مصر قد غدت في أيامهم محور النشاط العلمي والديني في العالم الاسلامي بعد سقوط بغداد في أيدي التتار وأصبحت القاهرة قبلة علماء المسلمين ومحط رحالهم ومركز علمهم، وغدت تموج بألوان النشاط العقلي المتنوعة. ولقد حرص كثير من سلاطين المماليك على تشجيع الحركة العلمية بالبلاد والمشاركة في العلوم في بعض الأحيان وإن تكن مشاركتهم لا تقاس إلى مشاركة أسلافهم الأيوبيين. وكان للغوري- وهو آخر من عاصرهم السيوطي- مجالس علمية تعقد مرتين أو أكثر في كل أسبوع «٢». وهكذا شهد العصر المملوكي نشاطا ثقافيا واسعا كما شهد كثيرا من المنشآت العلمية التي تمثلت في المدارس والخوانق والأربطة والزوايا والمساجد، وجميع هذه المنشآت- غير المدارس- كانت أماكن للدرس فضلا عن وظائفها الأساسية، أما المدارس فلقد كان غرضها الأساس أن تكون أماكن لالقاء الدروس وإقامة الطلاب، وقد ذكر ابن بطوطة أن مدارس مصر في القرن الثامن- وهو القرن السابق للقرن الذي عاش فيه السيوطي- «لا يحيط أحد بحصرها لكثرتها» «٣».

стр. 55

وكان إلى جانب هذه المدارس مكاتب صغيرة ملحقة بها تعنى بتعليم الصبية مبادئ القراءة والكتابة وطرفا من العلوم الأولية وتحفيظ القرآن، وكانت هذه المكاتب تمهد للالتحاق بالمدارس الكبيرة. وكانت هذه المدارس بمثابة جامعات علمية عظيمة الشأن من حيث طريقة التدريس ومستوى الدراسة ونظم التلقي والإقامة، وكان لها نظم وقواعد محكمة ومرعية في مختلف مناحيها، بل إنها تمتاز عن الجامعات الحديثة بأن طلابها كانوا لا يجدون من العقبات والعوائق ما يحول بينهم وبين تحصيل العلوم فضلا عما كانوا ينالونه من ضروب التيسير والمساعدة. وقد روعي في تصميم المدارس الأغراض التعليمية وعدد المذاهب ومساكن الطلبة والمعيدين فضلا عن خزائن الكتب والمصاحف، ولم يكن بناء المدرسة مستقلا في كثير من الأحيان، بل كان بناء ملحقا بالقبة التي بناها السلطان أو الأمير منشئ المدرسة ليدفن فيها بعد وفاته، ومبعث اختيارهم أن يدفنوا إلى جوار المدارس هو طلب الرحمة باعتبار المدارس أماكن تدرس فيها العلوم الدينية «١»، وكان بالمدرسة مسجد وله عدد من المؤذنين وكان يؤم المصلين بها أحد القائمين بالتدريس أو المعيدين «٢». وجرت العادة عند الفراغ من بناء مدرسة للسلطان أن يحتفل بافتتاحها في حفل كبير يحضره الأمراء والفقهاء والقضاة والأعيان ويأكلون من سماط يزخر بألوان الأطعمة، ثم يخلع السلطان على كل من أسهم في بناء المدرسة «٣»، ويعيرى لها موظفيها من المدرسين والمعيدين والمؤذنين والقراء وغيرهم. أما العلوم الأساسية التي كانت تدرس في هذه المدارس فقد ارتبطت بأصول الدين كالفقه والحديث والتفسير أو العلوم اللغوية وما يتصل بها كالنحو والصرف والبيان، فضلا عن الدراسات العقلية كالفلسفة والمنطق أو العلوم العملية كالفلك والكيمياء والطب.

стр. 56

وبطبيعة الحال فلقد تفاوتت هذه المدارس بحسب ما رصد لكل منها من أوقاف وما كان لكلّ من الشهرة بحسب شهرة العلماء القائمين بالتدريس فيها، ولذلك فكثيرا ما نرى من علماء العصر من قام بالتدريس بإحدى المدارس الصغيرة ثم تركها وانتقل إلى مدرسة أخرى أكثر شهرة وأوسع أوقافا. أما فيما يخص الطلبة فقد كان الواحد منهم يحضر دروس أحد المدرسين حتى يأخذ منه كفايته ثم ينتقل إلى الآخر حتى يصل من يأخذ العلم عنهم بضع مئات في بعض الأحيان، ونلاحظ ذلك من مطالعة تراجم كثيرين من علماء ذلك العصر، وكثيرا ما تطلبت هذه الطريقة من طالب العلم أن يرحل إلى مختلف المدن فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك وكتب له إجازة يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الاجازة «١»، ولا شك أن لهذه الطريقة مزايا متعددة تتمثل في حرص الطالب على حضور دروس أكبر عدد من الشيوخ والسماع منهم، كذلك الحرص على حضور دروس كبار الأساتذة والعناية بها للحصول على إجازات منهم، وقد كان الحصول على الاجازات يستلزم من الطالب إتقان ما درسه على الشيخ واستيعابه وتفهمه وحفظه في بعض الأحيان فإذا ما أتم ذلك استوجب أن يمنح إجازة بتدريس كتاب ما أو الافتاء في مذهب من المذاهب الفقهية، وقد ظل هذا التقليد ذائعا ومرعيا طيلة هذه الفترة. وعرف في هذه المدارس نظام المحاضرات التي عرفت بالمجالس إذ كان بعض المدرسين يملي مجالسه على طلبته، وقد ذكر السيوطي عن الحافظ العراقي أن الله تعالى أحيا به سنة الاملاء فأملى أكثر من أربعمائة مجلس «٢»، كما ذكر أن ابن حجر أملى أكثر من ألف مجلس وأن الله قد أحيا به وبشيخه العراقي سنة الاملاء «٣».

стр. 57

وكانت وظيفة التدريس بالمشهور من هذه المدارس جليلة القدر يخلع السلطان على صاحبها في كثير من الأحيان، أي أن تعيين المدرس لا يتم إلا بموافقة السلطان نفسه وعلمه. ولم تكن في دور التعليم نظم محددة ومناهج موضوعة يلتزم بها القائمون بالتدريس أو الطلبة، بل ثمة كتب في الفقه أو الحديث أو النحو أو اللغة أو غير ذلك يدرسها الشيوخ حسب اختياراتهم ويسمعها من الشيخ من شاء من الطلاب وغيرهم، ولم تكن المساجد أو غيرها من دور العلم تفترق في ذلك عن المدارس، غير أن الحصول على الاجازة هو الذي كان يستلزم مواظبة الطلاب في السماع وحضور الدروس. وكانت هناك عناية فائقة بحفظ عدد من الكتب المشهورة في كل فن من الفنون، ونرى في تراجم علماء العصر أسماء الكتب التي حفظوها، وقد كان ذلك بالطبع أثرا من آثار العناية بعلم الحديث وحفظه حيث انتقلت العناية بالحفظ من الحديث إلى غيره من العلوم. دور العلم: كانت مراكز العلم في ذلك العصر منحصرة في ثلاثة أنواع من المنشآت هي المدارس والخوانق وما يشبهها من الربط والزوايا والمساجد، وسنعرض هنا لكل منها باعتباره مركزا علميا ذاكرين بعض الأمثلة: ١ - المدارس: وقد أشرت من قبل إلى بداية إنشائها في عهد الأيوبيين، ثم كثرتها في عهد المماليك حتى أصبح من العسير إحصاؤها إذ بلغت عددا كبيرا، ووجد بالمدن المصرية غير القاهرة عديد من المدارس، ولكن القاهرة قد حظيت بالحظ الأوفر منها، وقد أشار السيوطي إلى بعض هذه المدارس منها ما كان قائما في عهده، ومنها ما انتهى أمره وبقي أثرا بعد عين، ونشير هنا إلى بعض المدارس التي كانت لا تزال قائمة إلى عهد السيوطي:

стр. 58

المدرسة الصلاحية «١»: أنشئت بجوار الامام الشافعي، بناها صلاح الدين الأيوبي وجعل التدريس والنظر بها للشيخ نجم الدين الخبوشاني وحدث أن خلت من مدرس ثلاثين سنة واكتفى فيها بالمعيدين وكانوا عشرة، وممن ولى التدريس بها من شيوخ السيوطي ابن حجر العسقلاني والقاياتي شيخ والده، والشرف المناوي، وكان قائما بالتدريس بها على عهد السيوطي الشيخ زكريا الأنصاري. مدرسة السلطان حسن «٢»: أنشأها السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، وهي أكبر مدارس مصر في عمارتها وحسن هندامها، وقد شرع في بنائها سنة ٧٥٨ هـ، وتم بناؤها بعد ثلاث سنوات، وبها أربعة دروس للمذاهب الأربعة، وقد تعرضت للتخريب ونهب محتوياتها في فتنة أقبردي الدوادار «٣»، ويفهم من ذلك أنها كانت لا تزال عامرة إلى ذلك الوقت الذي شهده السيوطي. مدرسة صرغنمش: كانت تقع خارج القاهرة بجوار جامع ابن طولون، أنشأها الأمير سيف الدين صرغنمش الناصري، وقد تمت عمارتها عام ٧٥٧ هـ، وقد رتب بها درس للحنفية وآخر في الحديث «٤». وقد بقيت هذه المدرسة عامرة إلى عهد السيوطي كما يفهم مما ذكره عنها ابن إياس في تاريخه «٥». إلى جانب هذه المدارس كان هناك كثرة كاثرة من المدارس في عهد السيوطي تؤدي دورها في خدمة العلم وأهله منها المدرسة الأشرفية والايتمشية

стр. 59

والجانبكية «١»، وغيرها من المدارس التي لا حاجة بنا إلى تقصيها في هذا المكان لضيقه عن ذلك «٢». خزائن الكتب: وكان بكثير من هذه المدارس خزائن كتب حفلت بالكتب الثمينة في شتى العلوم والفنون وكانت على درجة كبيرة من الاعداد والتنظيم، «٣» فكان بالمدرسة الظاهرية القديمة خزانة كتب جليلة، وكان للمدرسة المحمودية خزانة كتب ضخمة وقد أفاد منها السيوطي، وكذلك المدرسة الجمالية وعديد من المدارس غير ما ذكرنا، كما ألحقت خزائن كتب ببعض الخوانق والمساجد. وقد عنى المماليك أنفسهم بالكتب عناية فائقة دل عليها احتفاظهم في قلعة الجبل بمكتبة ضخمة بها أكبر عدد من الكتب «٤». ٢ - الخوانق والربط والزوايا: رأينا من قبل في حديثنا عن التصوف والمجتمع كيف انتشر التصوف في البلاد المصرية، وقد استتبع ذلك وساعد عليه في نفس الوقت كثرة البيوت التي أنشئت للصوفية وعرف بعضها بالخوانق وبعضها الآخر بالربط كما عرف قسم ثالث بالزوايا. وتكاد تنعدم التفرقة بين مسميات هذه الأسماء حتى وقع خلط فيها لدى المؤرخين فذكر ابن بطوطة أن الخانقاه هي الزاوية وأن المصريين يطلقون على زواياهم اسم خانقاوات أو خوانق «٥».

стр. 60

والذي يهمنا الآن هو أن نذكر أن هذه المنشآت التي أنشئت لإقامة الصوفية لم تخل من الجوانب العلمية، بل إنها جعلت- على مر الأيام- تحل محل المدرسة تدريجيا، وسنرى الآن أن بعض هذه الخوانق فضلا عن قيامها بوظيفتها الأولى وهي إيواء الصوفية وإقامة شعائرهم قد أصبحت دورا للعلم تضارع أعظم المدارس في عصرها، ووجد بها تدريس كثير من المواد الدراسية المعروفة، ولعل هذا الاتجاه العلمي للخوانق هو الذي جعل بعض المؤرخين يطلق على بعضها اسم المدرسة مرادفا للخانقاه «١»، وهو كذلك ما حدا بالسيوطي إلى أن يذكر الخوانق المصرية أثناء حديثه عن المدارس في الفصل الذي عقده عن المدارس والخوانق حيث لم يفصل المدارس عن الخوانق «٢»، مما يدل على كونها من الناحية العلمية كالمدارس سواء بسواء، وسنشير هنا إلى بعض هذه الخوانق التي تولى السيوطي مشيخة اثنتين منها. خانقاه سعيد السعداء «٣»: كانت دارا لرجل اسمه قنبر أو عنبر ولقبه سعيد السعداء، وهو أحد الأساتذة الذين خدموا في قصور الفاطميين وكان له شأن في دولتهم، فلما آلت سلطنة مصر إلى صلاح الدين الأيوبي وقفها على الصوفية في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وكان شيخها يلقب بشيخ الشيوخ، وظل ينعت بهذا اللقب حتى بنى محمد بن قلاوون خانقاه سرياقوس فدعي شيخها بشيخ الشيوخ، إلى أن كانت الحوادث عام ٨٠٦ هـ وتلاشت الرتب أو فقدت شيئا من مدلولاتها فتلقب شيخ كل خانقاه بشيخ الشيوخ. وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم. وممن ولي مشيختها قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز والقاضي بدر الدين بن جماعة والقاياتي والقلقشندي.

стр. 61

وانتهى السيوطي في ذكر شيوخها إلى الكوراني الذي يذكر ابن اياس وفاته في رجب عام ٨٩٤ هـ فهو من معاصري السيوطي ثم جاء بعده السنتاوي وليس الفتاوي كما هو محرف في كتاب ابن اياس، وهو الشيخ زين الدين عبد الرحمن السنتاوي الذي تولى مشيختها في شعبان من نفس العام «١»، وهو آخر من أوردهم السيوطي من شيوخ هذه الخانقاه. وقد ذكر ابن إياس بعد ذلك تولي عبد القادر بن النقيب مشيختها في عام ٩٠٣ هـ «٢». وفيما أوردنا دلالة على أن هذه الخانقاه ظلت منذ زمن إنشائها وطيلة عهد السيوطي قائمة تؤدي دورها الذي أنشئت من أجله. ويتضح من أسماء الذين تولوا مشيختها أنهم كانوا من فضلاء أهل العلم والفقه في ذلك الحين ولا ريب في أن ذلك قد جعل من هذه الخانقاه مركزا من مراكز العلم فضلا عن إيواء الصوفية وإقامة شعائرهم، نستطيع أن نذهب إلى ذلك بالرغم من عدم وجود نصوص لدينا تدل على وجود دروس علمية منظمة بها. خانقاه شيخو «٣»: أنشأها الأمير سيف الدين شيخو العمري في حي الصليبة تجاه جامعه في عام ٧٥٦ هـ ورتب بها دروسا عديدة، منها أربعة دروس في الفقه على المذاهب الأربعة، ودرس في الحديث ودرس في القراءات، ومشيخة لاسماع الصحيحين والشفاء. وقد اشترط في شيخها الأكبر حضور التصوف وتدريس الحنفية وأن يكون عارفا بالتفسير والأصول وألا يكون قاضيا. وأول من تولى مشيختها الكبرى الشيخ أكمل الدين البابرتي، وهكذا يلاحظ

стр. 62

أن مدرس الحنفية هو الذي كان يتولى مشيختها في الغالب وفقا لشروط الواقف، وقد أورد السيوطي أسماء جميع من تولى مشيختها الكبرى حتى انتهى إلى الشيخ باكير «١»، ولم يرد بكتاب السيوطي الذي بين أيدينا بعد الشيخ باكير أحد، بالرغم من أن الذين ولوا مشيختها بعد ذلك كانوا معاصرين للسيوطي وكان بعضهم من شيوخه، فمنهم الشيخ محيي الدين الكافيجي المتوفي عام ٨٧٩ هـ «٢»، ثم وليها الشيخ سيف الدين الحنفي المتوفي عام ٨٨١ هـ «٣»، وبعد ذلك وليها الشيخ محب الدين بن الشحنة «٤»، وقد نص السيوطي في أماكن أخرى على تولي هؤلاء مشيخة الشيخونية «٥». ويبدو أن كتاب حسن المحاضرة الذي بين أيدينا لم يسلم من نقص تعرض له كما لم يسلم من زيادات دخلت فيه، وما قدمنا دليل على ما نقول، فلعل السيوطي كان حريصا كل الحرص على ذكر أسماء شيوخه ومعاصريه الذين تولوا مشيخة الشيخونية، يدل على ذلك ذكره لهم في أماكن أخر وسنشير إلى هذه النقطة مرة أخرى في مناسبتها. وجدير بالذكر هنا أن السيوطي قد تولى منذ وقت مبكر تدريس الحديث بهذه الخانقاه وذلك في شعبان عام ٨٧٧ هـ «٦»، بعد وفاة فخر الدين المقسمي. وهكذا يتضح لنا أن خانقاه شيخو كانت تعد مدرسة كبيرة لها وزنها في المجتمع آنذاك فضلا عما كانت تؤديه من إيواء الطلبة والصوفية، وقد كان لها أوقاف سخية ينفق منها على شيوخها وطلبتها وسائر مرافقها وقد عظم قدرها وتخرج فيها كثير من أهل العلم، وسنشير إلى هذه الخانقاه عند الحديث عن حياة السيوطي لأن والده كان من صوفيتها وقد تولى تدريس الفقه الشافعي بالجامع الشيخوني المقابل للخانقاه كما أن السيوطي قد تولى أول وظائفه العلمية بها.

стр. 63

الخانقاه البيبرسية «١»: بناها الأمير بيبرس الجاشنكير في عام ٧٠٧ هـ وأغلقها الناصر بن قلاوون مدة ثم أمر بفتحها، وقد ذكر المقريزي أنها أجل خانقاه بالقاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة والشباك الكبير الذي بها هو الشباك الذي كان بدار الخلافة ببغداد وكانت الخلفاء تجلس فيه، ويبدو من وصف المقريزي أنها ضمت من الصوفية عددا بلغ أربعمائة يجري عليهم من أوقافها ما يكفيهم في معيشتهم، ومما يذكر أنه كان بها درس للحديث وكان بها مجموعة من القراء وكان لها أوقاف عديدة بدمشق وحماة وبمواضع متفرقة في مصر. ويبدو أن أوقافها الواسعة ومبانيها الضخمة فضلا عن كثرة صوفيتها ومدرسيها قد أضفى عليها مسحة من الجلال والعظمة بين سائر المدارس والخوانق المعاصرة لها وجعل مشيختها منصبا يطمح إليه شيوخ المدارس الأخرى. والجدير بالذكر أن السيوطي قد تولى مشيختها بعد وفاة الجلال البكري وقد ساعده في بلوغ هذا المنصب الخليفة عبد العزيز «٢»، وكان ذلك في ربيع الآخر عام ٨٩١ هـ. وأقام السيوطي في وظيفته بهذه الخانقاه حتى كانت سلطنة طومان باي وكان بينه وبين السيوطي عداوة فاختفى في رجب عام ٩٠٦ هـ وعزل من وظيفته وقرر فيها الشيخ يس البلبيسي، وسنشير إلى ذلك عند حديثنا من حياة السيوطي، وهذه الخانقاه هي المعروفة الآن بجامع بيبرس بشارع الجمالية بالقاهرة «٣». وهناك عدد من الخوانق شهدها عصر السيوطي غير ما قدمنا منها خانقاه سرياقوس التي أشار إليها السيوطي عرضا ولم يفرد لها ذكرا مع نصه على أن

стр. 64

شيخها كان يلقب بشيخ الشيوخ «١»، وقد جدّد الناصر محمد بن قلاوون عمارتها في عام ٧٢٣ هـ «٢»، وكانت عامرة تؤدي دورها في حياة السيوطي. ٣ - الجوامع: استقر العرف اللغوي على إطلاق «الجامع» على المسجد الذي تقام فيه الجمعة، و «الجامع» في الأصل وصف للمسجد كان يلفظ به مقترنا بموصوفه فيقال المسجد الجامع أو مسجد الجامع، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فاستعملت الكلمة وحدها لكل مسجد تقام به الجمعة. ولم يقتصر الغرض في إنشاء المساجد عند المسلمين منذ أوائل عهودهم على إقامة الصلوات فحسب وإنما امتد إلى الأغراض العلمية والسياسية. وقد عرفت مصر في عصر المماليك عددا ضخما من المساجد قدّرت بالقاهرة على عهد المقريزي بمائة وثلاثين مسجدا تقام بها الجمعة «٣»، على حين قدرها غيره بأكثر من ألف مسجد «٤». وقد شهد كثير من هذه المساجد ألوانا متنوعة من النشاط العلمي، وقام بالتدريس فيها كبار علماء العصر، وكثيرا ما نرى في تراجمهم أسماء المساجد التي كانوا يترددون عليها. فالكمال السيوطي كان يدرس الفقه بالجامع الشيخوني المقابل للخانقاه، وابنه الجلال السيوطي قام بالتدريس في نفس المسجد مكان أبيه «٥»، كذلك تردد السيوطي على جامع ابن طولون يملي الحديث «٦». وكان لكل مسجد أوقاف سخية تقوم بسداد احتياجات المسجد والإنفاق على مرافقه والعاملين به كما تكفل أموال القائمين بالتدريس فيه في بعض الأحيان.

стр. 65

وقد أفرد السيوطي في كتابه «١»، فصلا للحديث عن جوامع مصر، فذكر أربعة منها هي جامع عمرو وجامع ابن طولون والجامع الأزهر وجامع الحاكم، وسنشير هنا إلى المساجد الثلاثة الأول باعتبارها دورا للعلم لم تكن تقل شأنا عن المدارس أو الخوانق، بل اننا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن بعضها قد بذّ جميع المدارس وتفوق عليها في ضروب نشاطه العلمي في بعض الأحيان. ولم تكن الدراسة بهذه المساجد مقصورة على العلوم الدينية واللغوية فحسب، بل تعدتها إلى غيرها من العلوم كالطب والفلك والحساب وغيرها، وكانت مشيخة الجامع لا سيما إذا كان كبيرا من الوظائف الهامة بالدولة وكانت تسند إلى المبرزين في العلوم الدينية. جامع عمرو «٢»: أسسه عمرو بن العاص بعد فتح مصر ولا يزال قائما إلى اليوم، وقد عني بتجديده وتوسيعه كثيرون من أولي الأمر بمصر، وهو أول مسجد أسس بالديار المصرية ويسمى أيضا بالجامع العتيق. وقد أفاض السيوطي في ذكر تاريخه والمعتنين بأمره والقائمين على صيانته، وكانت تعقد به حلقات تدرس فيها شتى العلوم بلغ تعداد هذه الحلقات قبل عام ٧٤٩ هـ بضعا وأربعين حلقة لا تكاد تبرح منه، وكان بالجامع زوايا يدرس فيها الفقه منها زاوية الامام الشافعي التي يقال إنها عرفت باسمه لأنه درس بها بعد مجيئه إلى مصر، ومنها الزاوية الصاحبية رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن بهاء الدين ووقف عليها وجعل لها مدرسين أحدهما مالكي والآخر شافعي، ومن ذلك يبدو أن الحركة العملية بجامع عمرو كانت قوية نشطة، ويبدو أن النشاط العلمي ظل على حاله بالمسجد في عهد السيوطي حيث لم يذكر انقطاع هذا النشاط.

стр. 66

جامع ابن طولون «١»: بناه أحمد بن طولون بالقطائع عام ٢٦٣ هـ، وفرغ من بنائه في عام ٢٦٦ هـ، وقد لبث هذا المسجد منارة تشع نور المعرفة والعلم في مصر زمنا طويلا، وقد اتخذ المسجد طابعه العلمي منذ أول يوم أنشئ فيه إذ خطب فيه أبو يعقوب البلخي وأملى به الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وقد قرر به ابن طولون جماعة من العلماء والفقهاء وأجرى عليهم الرواتب والصدقات وقد بلغ ما ينفق من الرواتب والصدقات في اليوم الواحد ألفا ومائتا دينار وكان هناك «مارستان» ملحق بالمسجد لايواء المرضى والضعفاء «٢». وقد لقي المسجد عناية السلطان لاجين الذي تولى عام ٦٩٦ هـ بعد أن ناله غبار الاهمال فوقف عليه السلطان أوقافا ثمينة ورتب فيه دروسا عديدة للحديث والتفسير والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات. وقد عدد السيوطي أسماء الذين تولوا نظر المسجد منذ اعتنى به السلطان لاجين فكان بعض نظاره من أمراء المماليك وبعضهم من القضاة، واستقر الأمر بأن يلي القضاة نظره وهو ما كان في عهد السيوطي إذ يذكر أن نظره عاد «إلى القضاة بعد الصفوي وهو بأيديهم إلى اليوم» «٣»، وقد سبقت الاشارة إلى أن السيوطي كان يختلف إلى هذا الجامع يملي به الحديث. الجامع الأزهر: أنشأه بالقاهرة القائد جوهر الصقلي مولى المعز لدين الله الفاطمي وقد تم بناؤه في رمضان عام ٣٦١ هـ، ثم جدده الحاكم بأمر الله ووقف عليه أوقافا. وكانت الحكمة واضحة في إنشاء هذا المسجد لأن الدولة الفاطمية دولة الشيعة الامامية وقد عملت على نشر مذهبها فأقامت هذا المسجد، وقد مكث يتمتع برعاية الدولة الفاطمية طيلة عصرها مسجدا لإقامة الشعائر ومعهدا

стр. 67

تدرس فيه العلوم المختلفة. ولما تولى صلاح الدين أبطل الجمعة بالجامع الأزهر وأقرها بالجامع الحاكمي غير أن صفة المسجد العلمية ظلت قائمة فكان مقصد كثير من العلماء المبرزين ومستقرهم زمن الأيوبيين وقد لبثت الجمعة مطلة بالمسجد حتى أيام الظاهر بيبرس «١»، وقد كان للجامع أهمية كبيرة في عصر المماليك كما قام بدور كبير في الحياة الثقافية في تلك الأيام بالرغم من المنافسة القوية بين المدارس والجوامع المختلفة في اجتذاب العلماء والطلبة إليها. وقد بلغ عدد الفقراء الذين أقاموا به أوائل القرن التاسع الهجري سبعمائة وخمسين رجلا من مختلف البلاد، وكان لكل طائفة رواق يعرف بهم ويشتغلون فيه بالعبادة والعلوم الدينية، كما قصده كثير من الناس بألوان البر إعانة لطلبته «٢»، وقد أبدى سلاطين المماليك عناية خاصة بالجامع الأزهر فكانت الأحباس والهبات الثابتة تتوالى على الجامع وطلبته، وكان أكثرهم تحمسا السلطان قايتباي معاصر السيوطي الذي قام بتجديد المسجد وإصلاحه وأنفق عليه الأموال، وأنفق على طلبته «٣». وهكذا فلقد كان القرن التاسع الهجري عصر الأزهر الذهبي حيث شهد الجامع عددا كبيرا من العلماء في كل علم وفن، وإذا كان هذا القرن يمثل نهاية ازدهار العلوم وتنوعها واتساع آفاقها وكثرة العلماء المبرزين في كل علم فلقد كان بينهم كثيرون يترددون على الجامع الأزهر لالقاء الدروس أو الخطب ويكفي أن الحافظ ابن حجر في أوج مكانته العلمية قد تولى الخطابة بالأزهر مدة طويلة «٤». والمتتبع لتراجم رجال هذا القرن التي كتبها معاصروهم يرى حرصهم على ذكر وظائف التدريس التي تولوها بالجوامع والمدارس والخوانق دون تفرقة، إذ كانت كلها من الوظائف الجليلة التي يخلع السلطان على صاحبها، كما يلاحظ

стр. 68

كثرة هذه الدور التي كانت بمثابة معاهد علمية عالية الشأن، وثمة ملاحظة ثالثة يمكن إدراكها وهي أن شهرة العالم ومواهبه كانت تجعله أهلا لأن يجمع في يده أكثر من وظيفة واحدة فنراه يلي مشيخة مدرسة ما ويدرس إحدى مواد الدراسة بغيرها، ويختلف إلى أحد الجوامع لإلقاء بعض الدروس ونحو ذلك. كما نرى منهم من ولى التدريس بالجامع الطولوني والجامع الحاكمي ومدرسة السلطان حسن والشيخونية والجمالية والمؤيدية والأشرفية وغيرها «١»، ونرى عالما كبيرا طبقت شهرته الآفاق كابن حجر تسند إليه وظائف تدريس الحديث بالشيخونية وبجامع القلعة وبالجمالية والبيبرسية، ويسند إليه تدريس الفقه بالمؤيدية والشيخونية إلى غير ذلك من وظائف القضاء التي تولاها. وفيما أوردنا دليل على كثرة معاهد الدرس وتنوعها والعناية العظيمة التي لقيتها في هذا العهد، كما كانت وظائف التدريس بمكانتها المرموقة في المجتمع حافزا للعلماء على الإجادة والاجتهاد في علومهم فضلا عن الحوافز الدينية المخلصة التي وجدت عند كثيرين منهم والتي دفعتهم إلى الانتاج في العلوم الدينية واللغوية حسبة لله ورغبة في ثوابه فلا عجب أن تقوى الحركة العلمية في ذلك العصر وأن تبلغ أوج ازدهارها في أواخره أي في الفترة التي عاش فيها الجلال السيوطي، حيث شهدت هذه الحقبة من الزمن عددا ضخما من العلماء في كل فن. بالاضافة إلى ما سبق كانت هناك عوامل عديدة سبقت الاشارة إلى بعضها ضمنا وإلى بعضها تصريحا، ساعدت هذه العوامل على نشاط الحركة الثقافية وازدهارها أولها انتقال النشاط العلمي إلى القاهرة بعد سقوط بغداد، وقد بينا من قبل مكانة القاهرة في العالم الاسلامي بعد سقوط الخلافة في بغداد وانتقالها إلى القاهرة، وكان لما قام به التتر من تخريب بغداد وتبديد الكتب الاسلامية وإلقائها في دجلة وقتل كثير من العلماء أثره البالغ في نفوس علماء عصر المماليك بصفة عامة إذ شعر هؤلاء بأن عليهم تبعة كبيرة ورأوا أنفسهم مسئولين أمام الله

стр. 69

تعالى عن دينه وأمام التاريخ وأمام ضمائرهم عن إنهاض العلم وإقالة عثاره وجمع ما تفرق منه فدفعهم هذا الشعور إلى الجد في العمل والتحصيل، وكان لهذا الشعور نفسه أثر في ظاهرة شاعت في مؤلفات ذلك العصر وهي ظاهرة الموسوعات العلمية. وقد اجتذبت البيئة المصرية وعاصمتها القاهرة بما لها من مكانة إسلامية وحضارة مزدهرة وما بها من تشجيع للعلم وأهله كثيرا من العلماء والطلاب الذين هوت أفئدتهم إليها من مختلف بلدان العالم الاسلامي، وقد ظل وفود هؤلاء العلماء إلى مصر مستمرا طيلة عصر المماليك، ومن هؤلاء ابن مالك الأندلسي وابن أبي حجلة المغربي، وابن خلدون وكثيرون غيرهم ممن وفدوا على البلاد وازدهرت بهم الحياة العلمية بها. وقد وصف ابن خلدون نشاط الحركة العلمية بالقاهرة وعلل هذه الظاهرة تعليلا دقيقا فقال: «ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر، وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعلم العلم، وأكد ذلك وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم بنظر عليها، أو نصيب منها، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير، والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد وكثر طلب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم، وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها، والله يخلق ما يشاء» «١». ولئن كان هذا الوصف الدقيق صادقا على القرن الثامن الهجري الذي عاش

стр. 70

فيه ابن خلدون فلقد كان القرن التاسع الهجري الذي عاش فيه السيوطي وارثا لحضارة القرن السابق عليه مع ما فيه من زيادة عليه ما يعطي صورة للحركة الثقافية المزدهرة في تلك الأيام. ولا ننسى ما كان لتشجيع السلطان والأمراء من أثر في ازدهار الحياة العلمية فقد حرص ولاة الأمر على إظهار غيرتهم على الاسلام والمسلمين في كثير من الأحيان، كما شجع كثير منهم العلماء وأغدق عليهم وأقام لهم المدارس والخوانق والمساجد، كما وجد العلماء- كما سبق أن أشرنا في الحديث عن طبقات المجتمع- كثيرا من مظاهر التكريم والحفاوة وكان لهم كلمة مسموعة بالبلاد، وقد تولوا كثيرا من المناصب الهامة بالدولة لا سيما مناصب القضاء ودواوين الانشاء والتدريس. كما أن إنشاء دور الكتب الجديدة التي ألحقت بالمدارس والمساجد والخوانق كان له أثره في نشاط الحركة العلمية، فقلّ أن تجد دارا للعلم لا يلحق بها خزانة للكتب. وقد عني السلاطين والأمراء ومنشئو المدارس باختيار مدرسيها من بين العلماء الأفذاذ المعروفين في عصرهم، ولذلك فقد كانت وظائف التدريس في المدارس المشهورة محتفظة- في الغالب- بمكانتها العالية في المجتمع. وقد كان لتنافس العلماء في سبيل بلوغ المناصب الهامة المتاحة لهم أثره المباشر في نشاط الحركة العلمية، إذ كان على كل طامح إلى أحد المناصب أن يسعى إلى مطمحه من ناحية العلم أولا، فكان عليه أن يتتلمذ وينتقل من شيخ إلى شيخ وأن يدأب على الدرس والمطالعة والحفظ، وأن يلم بشتات من علوم عدة، ثم عليه أن يتصدى للتدريس والفتيا بعد ذلك وأن يتصدى للنفع العام بعلمه فإذا ذاع صيته وكثر ذكره دعي من قبل الملوك والأمراء إلى تولي المناصب الكبيرة، وإذا لم يدع فإن من اليسير عليه أن يسعى لديهم بواسطة أحد أولئك الأمراء أو الأعيان في سبيل بلوغ حاجته. وهكذا نشطت الحركة العلمية في العصر الذي نتحدث عنه، وكان لنشاطها

стр. 71

مظاهر ثلاثة أولها: وفود الطلبة إلى دور التعليم. وثانيها: كثرة العلماء والأدباء، وثالثها نشاط الحركة التأليفية «١»، وسنشير هنا إلى كل مظهر من هذه المظاهر الثلاثة: [نتائج نشاط الحركة العلمية] ١ - وفود الطلاب إلى معاهد العلم: كان للعناية البالغة بدور التعليم أثره الكبير في اجتذاب الأعداد الكبيرة من الطلاب الذين وجدوا البيئة المهيأة للاقامة والمعينة على التفرغ لطلب العلم، ولم تقتصر المدارس كما أشرنا من قبل على الطلبة المنتظمين بها والمنقطعين للعلم مقابل ما يجدونه من أموال الأوقاف، وإنما امتدت لتشمل عددا كبيرا من طلبة العلم الذين يتفرغون من أعمالهم بين حين وآخر ويحضرون من الدروس ما يشاءون حضوره مما تتيحه لهم أوقات فراغهم وبهؤلاء وهؤلاء زخرت المدارس والمساجد والخوانق وجميع معاهد العلم، وكان لذلك أثره في نشر الثقافة والمعرفة. ٢ - كثرة العلماء والأدباء: زخر العصر بعدد وافر من العلماء في شتى العلوم: في الفقه على المذاهب الأربعة، وفي علم الكلام والتصوف واللغة والنحو والأدب والطب والتنجيم والتاريخ والفلك وغير ذلك من العلوم. وقد قام كثير من هؤلاء العلماء بالفتوى والتدريس والوعظ والتأليف وشغلوا مناصب القضاء والكتابة وما إليها فنتج عن ذلك حركة فكرية نشطة سنرى شواهد عليها عند الحديث عن حياة السيوطي وما شهده عصره من منازعات فكرية ومنافسات بين العلماء. وكانت هناك مناظرات بين كثير من العلماء في شتى الموضوعات، كما كانت هناك رسائل ألفها بعضهم ردا على أقرانه. وقد شجع السلطان الغوري- وهو آخر السلاطين الذين عاصرهم

стр. 72

السيوطي- المناظرات العلمية بين العلماء في مجالسه التي تعوّد عقدها يومين كل أسبوع «١». ٣ - نشاط الحركة التأليفية: وهي أهم مظاهر النشاط العلمي وأهم نتائجه كذلك وأبقاها، فلقد أنتج علماء هذه الحقبة آلافا من الكتب في مختلف ألوان المعرفة، وقد عرف عن بعضهم أنه ألف مئات من الكتب وحده كابن تيمية الذي قيل إن مؤلفاته أربت على خمسمائة، وابن حجر الذي زادت مؤلفاته على مائة وخمسين، والسيوطي الذي وصلت مؤلفاته إلى نحو ستمائة. وكانت هذه الكتب تملأ خزائن العصر، وقد ضاع عدد كبير منها بعد فتح العثمانيين لمصر وخمود الحركة العلمية بالبلاد، ونقل كثير من الكتب إلى القسطنطينية. والذي يعنينا أن هذا العصر قد شهد مجموعات من الكتب الضخمة التي وضعت به في كل ناحية من نواحي المعرفة، وكنا نود أن نشير إلى بعض هذه الكتب في شيء من الايجاز لا سيما ما تناول منها التاريخ بفروعه والحديث ومصطلحه واللغة والنحو والفقه والتصوف، ولكننا نكتفي دفعا للاطالة وتجنبا للاستطراد بأن نذكر هنا أن هذه الفروع وغيرها من فروع المعرفة قد حظيت بعدد ضخم من الكتب التي وضعت فيها وكانت بمثابة مراجع للطلاب والشيوخ، ونكتفي بالاحالة إلى ما ذكره محمود رزق سليم عن مؤلفات هذا العصر في التاريخ وما يتصل به من تراجم وسير وكتب عن المدن والأمصار والخطط «٢»، وما ألف في فقه المذاهب الأربعة «٣»، وما ألف في التفسير وما يتصل به «٤»، وفي الحديث ومصطلحه «٥»، وفي التصوف والعقائد وما ألف في القراءات

стр. 73

والنحو والصرف وعلوم العربية وفي العلوم الكونية، ثم ما ألف من كتب جامعة «١». ولا نرى داعيا لتكرار ما سبق إليه الباحث ونكتفي بالاحالة إليه، ويكفينا أن نخلص إلى أن العصر قد شهد حركة تأليفية وعرفت خزائن الكتب آلافا من الكتب المتنوعة في شتى فروع المعرفة لا سيما الفقه والحديث واللغة والنحو. ومما يؤسف له أن كثيرا من هذه الكتب رغم قرب عهدها منا قد ضاع واندثر ولا نجد له ذكرا في فهارس المكتبات المصرية مخطوطا أو مطبوعا، على أن كثيرا مما تبقى لا يزال إلى اليوم مخطوطا لم تمتد إليه يد النشر. ويمكننا أن نذكر عدة ملاحظات عامة على التأليف والمؤلفات في ذلك العصر نجملها في النقاط التالية: [منهج التاليف فى العصر] ١ - الاتجاه الموسوعي: اتجه المؤلفون إلى وضع موسوعات علمية تجمع أشتاتا من علوم مختلفة، ويستطرد المؤلف فيها إلى كثير من الميادين حسب المناسبات، فنرى فيها التقويم والتاريخ والأدب شعرا ونثرا إلى جانب الفكاهة أو الحديث عن الحيوان والنبات أو الحديث في الطب وما شاكل ذلك وهي في جملتها تفي بجمع المعلومات المختلفة والحقائق المتفرقة، والنصوص المتباعدة المبعثرة التي تجمعها أدنى جامعة، ويربط بينها رباط يبدو واهيا، ويظهر فيها الاستطراد والتسلسل من موضوع إلى موضوع. ويدل وضع هذه الموسوعات على سعة علم واضعيها ومقدار اطلاعهم الواسع وصبرهم على تدوين ما لديهم من العلوم وتنسيقه، وليس وضع الموسوعات عملا آليا خاليا من الجهد العقلي كما يتهم أصحابه بذلك من قبل بعض المحدثين، وإن كان يؤخذ على هذه الطريقة خلطها بين المواد العلمية المختلفة وقلة العناية بوحدة الموضوع فإننا لا نستطيع أن ننكر ما لها من فوائد في حفظ هذه العلوم والأفكار من الضياع.

стр. 74

ولعل الدافع إلى وضع هذه الموسوعات والإكثار منها هو شعور علماء العصر بمسئوليتهم تجاه المسلمين في المشرق والمغرب بعد سقوط بغداد وضياع كثير من كنوزها العلمية على أيدي التتر. على أن كثيرا من المؤلفات التي وضعت في ميدان من ميادين المعرفة لم تخل من أثر الاتجاه الموسوعي في منهج تأليفها فنجد فيها الاستطراد إلى موضوعات خارجة، والتسلسل من موضوع إلى غيره، وهناك كثير من كتب اللغة والحديث والتاريخ والنحو والأدب لم تسلم من أثر النزعة الموسوعية إن قليلا وإن كثيرا وأشهر الكتب التي يتضح فيها الاتجاه الموسوعي هي: أ- لسان العرب: وهو المعجم اللغوي المشهور الذي ألفه ابن منظور المتوفى عام ٧١١ هـ، وفيه إلى جانب اللغة تطرق إلى كثير من مواد المعرفة. ب- إرشاد الساري إلى شرح البخاري لشهاب الدين القسطلاني المتوفى عام ٩٢٣ هـ وهو من معاصري السيوطي، وفي كتابه إلى جانب شرح الحديث بحوث تاريخية وفقهية وتطرق إلى موضوعات شتى، والكتاب في عشر مجلدات. ج- فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر العسقلاني المتوفى عام ٨٥٢ هـ، وهو كتاب ضخم وفي ثناياه بحوث فقهية وتاريخية. د- صبح الأعشى في صناعة الإنشاء لشهاب الدين القلقشندي المتوفى عام ٨٢١ هـ، وهو في عشرين مجلدا وفيه استطرادات تاريخية وتراجم ونصوص أدبية وتطرق إلى كثير من الموضوعات المتنوعة. إلى غير ذلك من الكتب التي يضيق المقام هنا عن ذكرها وإنما مثلنا بما قدمنا منها، وسنرى عند الحديث عن مؤلفات السيوطي أثر هذه النزعة الموسوعية في مؤلفاته. ٢ - ظاهرة التقليد: يبدو أن كثرة المؤلفات التي وضعت في هذه الحقبة وذيوع شهرة بعضها جعلت كثيرا من المؤلفين يتجهون إلى تقليد ما اشتهر منها لدى أشياخهم، ولهذا

стр. 75

التقليد في التأليف صور عديدة فقد نرى التقليد في تسمية الكتاب، أو في أسلوب التأليف، وقد يبدو التقليد واضحا حين يكون في الموضوع باعتماد المؤلف على كتاب أو عدد قليل من الكتب السابقة اعتمادا ظاهرا في مؤلفه الجديد دون إشارة إليها أو بإشارات قليلة بحيث يدرك الباحث مدى اعتماد المؤلف اللاحق على السابق. ٣ - ظاهرة المتون والشروح: كانت هذه الظاهرة نتيجة للحركة التثقيفية النشطة بالبلاد، فقد اتجه الشيوخ تيسيرا على طلابهم إلى وضع المتون التي تجمع مسائل الموضوعات في قليل من اللفظ حتى يتسنى لطالب العلم أن يستوعبها بأيسر طريق وفي زمن قليل، وقد غلا بعضهم في الايجاز وفي ضغط العبارة في هذه المتون حتى بلغت حد الرموز فاستغلق بذلك فهمها على الطلاب واحتاجت إلى شروح، فوضعت لها كتب شارحة ثم وضعت كتب أخرى أكثر تفصيلا تشرح الكتب الشارحة، ومن ثم تعددت الشروح التي تتناول المتن الواحد ما بين شرح مطول وآخر يميل إلى الايجاز كما نظمت كثير من العلوم في منظومات تعليمية احتاجت أيضا إلى وضع الشروح لها. وقد استفرغت المتون والشروح والمنظومات التعليمية جلّ مجهود قرائح العلماء في ذلك العصر، بل أصبح وضع هذه الأنواع يبدو في كثير من الأحيان تمرينات عقلية يريد بها الشيوخ إثبات مقدرتهم على التأليف ولكي يزداد عدد ما أنتجوا من كتب. وهكذا فقد امتلأ العصر بالمتون والشروح نثرا ونظما، فللمؤلف الواحد متن وشرح وهو بدوره يتناول متون السابقين ومنظوماتهم بالشرح والبيان، ولعل أشهر المنظومات التي لقيت عناية الشارحين في ذلك العصر هي ألفية ابن مالك في النحو. ثم نرى إلى جانب ذلك الحواشي والتعليقات التي يتكفل بها كثير من العلماء على الشروح السابقة أو يضعها واضعوها الأصليون، وسنرى جميع هذه الصور
следующие страницы →