← Тараджим

Тараджим · id 37651

جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

طاهر سليمان حمودة

Полный текст (419 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مظاهر ثلاثة أولها: وفود الطلبة إلى دور التعليم. وثانيها: كثرة العلماء والأدباء، وثالثها نشاط الحركة التأليفية «١»، وسنشير هنا إلى كل مظهر من هذه المظاهر الثلاثة: [نتائج نشاط الحركة العلمية] ١ - وفود الطلاب إلى معاهد العلم: كان للعناية البالغة بدور التعليم أثره الكبير في اجتذاب الأعداد الكبيرة من الطلاب الذين وجدوا البيئة المهيأة للاقامة والمعينة على التفرغ لطلب العلم، ولم تقتصر المدارس كما أشرنا من قبل على الطلبة المنتظمين بها والمنقطعين للعلم مقابل ما يجدونه من أموال الأوقاف، وإنما امتدت لتشمل عددا كبيرا من طلبة العلم الذين يتفرغون من أعمالهم بين حين وآخر ويحضرون من الدروس ما يشاءون حضوره مما تتيحه لهم أوقات فراغهم وبهؤلاء وهؤلاء زخرت المدارس والمساجد والخوانق وجميع معاهد العلم، وكان لذلك أثره في نشر الثقافة والمعرفة. ٢ - كثرة العلماء والأدباء: زخر العصر بعدد وافر من العلماء في شتى العلوم: في الفقه على المذاهب الأربعة، وفي علم الكلام والتصوف واللغة والنحو والأدب والطب والتنجيم والتاريخ والفلك وغير ذلك من العلوم. وقد قام كثير من هؤلاء العلماء بالفتوى والتدريس والوعظ والتأليف وشغلوا مناصب القضاء والكتابة وما إليها فنتج عن ذلك حركة فكرية نشطة سنرى شواهد عليها عند الحديث عن حياة السيوطي وما شهده عصره من منازعات فكرية ومنافسات بين العلماء. وكانت هناك مناظرات بين كثير من العلماء في شتى الموضوعات، كما كانت هناك رسائل ألفها بعضهم ردا على أقرانه. وقد شجع السلطان الغوري- وهو آخر السلاطين الذين عاصرهم

стр. 72

السيوطي- المناظرات العلمية بين العلماء في مجالسه التي تعوّد عقدها يومين كل أسبوع «١». ٣ - نشاط الحركة التأليفية: وهي أهم مظاهر النشاط العلمي وأهم نتائجه كذلك وأبقاها، فلقد أنتج علماء هذه الحقبة آلافا من الكتب في مختلف ألوان المعرفة، وقد عرف عن بعضهم أنه ألف مئات من الكتب وحده كابن تيمية الذي قيل إن مؤلفاته أربت على خمسمائة، وابن حجر الذي زادت مؤلفاته على مائة وخمسين، والسيوطي الذي وصلت مؤلفاته إلى نحو ستمائة. وكانت هذه الكتب تملأ خزائن العصر، وقد ضاع عدد كبير منها بعد فتح العثمانيين لمصر وخمود الحركة العلمية بالبلاد، ونقل كثير من الكتب إلى القسطنطينية. والذي يعنينا أن هذا العصر قد شهد مجموعات من الكتب الضخمة التي وضعت به في كل ناحية من نواحي المعرفة، وكنا نود أن نشير إلى بعض هذه الكتب في شيء من الايجاز لا سيما ما تناول منها التاريخ بفروعه والحديث ومصطلحه واللغة والنحو والفقه والتصوف، ولكننا نكتفي دفعا للاطالة وتجنبا للاستطراد بأن نذكر هنا أن هذه الفروع وغيرها من فروع المعرفة قد حظيت بعدد ضخم من الكتب التي وضعت فيها وكانت بمثابة مراجع للطلاب والشيوخ، ونكتفي بالاحالة إلى ما ذكره محمود رزق سليم عن مؤلفات هذا العصر في التاريخ وما يتصل به من تراجم وسير وكتب عن المدن والأمصار والخطط «٢»، وما ألف في فقه المذاهب الأربعة «٣»، وما ألف في التفسير وما يتصل به «٤»، وفي الحديث ومصطلحه «٥»، وفي التصوف والعقائد وما ألف في القراءات

стр. 73

والنحو والصرف وعلوم العربية وفي العلوم الكونية، ثم ما ألف من كتب جامعة «١». ولا نرى داعيا لتكرار ما سبق إليه الباحث ونكتفي بالاحالة إليه، ويكفينا أن نخلص إلى أن العصر قد شهد حركة تأليفية وعرفت خزائن الكتب آلافا من الكتب المتنوعة في شتى فروع المعرفة لا سيما الفقه والحديث واللغة والنحو. ومما يؤسف له أن كثيرا من هذه الكتب رغم قرب عهدها منا قد ضاع واندثر ولا نجد له ذكرا في فهارس المكتبات المصرية مخطوطا أو مطبوعا، على أن كثيرا مما تبقى لا يزال إلى اليوم مخطوطا لم تمتد إليه يد النشر. ويمكننا أن نذكر عدة ملاحظات عامة على التأليف والمؤلفات في ذلك العصر نجملها في النقاط التالية: [منهج التاليف فى العصر] ١ - الاتجاه الموسوعي: اتجه المؤلفون إلى وضع موسوعات علمية تجمع أشتاتا من علوم مختلفة، ويستطرد المؤلف فيها إلى كثير من الميادين حسب المناسبات، فنرى فيها التقويم والتاريخ والأدب شعرا ونثرا إلى جانب الفكاهة أو الحديث عن الحيوان والنبات أو الحديث في الطب وما شاكل ذلك وهي في جملتها تفي بجمع المعلومات المختلفة والحقائق المتفرقة، والنصوص المتباعدة المبعثرة التي تجمعها أدنى جامعة، ويربط بينها رباط يبدو واهيا، ويظهر فيها الاستطراد والتسلسل من موضوع إلى موضوع. ويدل وضع هذه الموسوعات على سعة علم واضعيها ومقدار اطلاعهم الواسع وصبرهم على تدوين ما لديهم من العلوم وتنسيقه، وليس وضع الموسوعات عملا آليا خاليا من الجهد العقلي كما يتهم أصحابه بذلك من قبل بعض المحدثين، وإن كان يؤخذ على هذه الطريقة خلطها بين المواد العلمية المختلفة وقلة العناية بوحدة الموضوع فإننا لا نستطيع أن ننكر ما لها من فوائد في حفظ هذه العلوم والأفكار من الضياع.

стр. 74

ولعل الدافع إلى وضع هذه الموسوعات والإكثار منها هو شعور علماء العصر بمسئوليتهم تجاه المسلمين في المشرق والمغرب بعد سقوط بغداد وضياع كثير من كنوزها العلمية على أيدي التتر. على أن كثيرا من المؤلفات التي وضعت في ميدان من ميادين المعرفة لم تخل من أثر الاتجاه الموسوعي في منهج تأليفها فنجد فيها الاستطراد إلى موضوعات خارجة، والتسلسل من موضوع إلى غيره، وهناك كثير من كتب اللغة والحديث والتاريخ والنحو والأدب لم تسلم من أثر النزعة الموسوعية إن قليلا وإن كثيرا وأشهر الكتب التي يتضح فيها الاتجاه الموسوعي هي: أ- لسان العرب: وهو المعجم اللغوي المشهور الذي ألفه ابن منظور المتوفى عام ٧١١ هـ، وفيه إلى جانب اللغة تطرق إلى كثير من مواد المعرفة. ب- إرشاد الساري إلى شرح البخاري لشهاب الدين القسطلاني المتوفى عام ٩٢٣ هـ وهو من معاصري السيوطي، وفي كتابه إلى جانب شرح الحديث بحوث تاريخية وفقهية وتطرق إلى موضوعات شتى، والكتاب في عشر مجلدات. ج- فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر العسقلاني المتوفى عام ٨٥٢ هـ، وهو كتاب ضخم وفي ثناياه بحوث فقهية وتاريخية. د- صبح الأعشى في صناعة الإنشاء لشهاب الدين القلقشندي المتوفى عام ٨٢١ هـ، وهو في عشرين مجلدا وفيه استطرادات تاريخية وتراجم ونصوص أدبية وتطرق إلى كثير من الموضوعات المتنوعة. إلى غير ذلك من الكتب التي يضيق المقام هنا عن ذكرها وإنما مثلنا بما قدمنا منها، وسنرى عند الحديث عن مؤلفات السيوطي أثر هذه النزعة الموسوعية في مؤلفاته. ٢ - ظاهرة التقليد: يبدو أن كثرة المؤلفات التي وضعت في هذه الحقبة وذيوع شهرة بعضها جعلت كثيرا من المؤلفين يتجهون إلى تقليد ما اشتهر منها لدى أشياخهم، ولهذا

стр. 75

التقليد في التأليف صور عديدة فقد نرى التقليد في تسمية الكتاب، أو في أسلوب التأليف، وقد يبدو التقليد واضحا حين يكون في الموضوع باعتماد المؤلف على كتاب أو عدد قليل من الكتب السابقة اعتمادا ظاهرا في مؤلفه الجديد دون إشارة إليها أو بإشارات قليلة بحيث يدرك الباحث مدى اعتماد المؤلف اللاحق على السابق. ٣ - ظاهرة المتون والشروح: كانت هذه الظاهرة نتيجة للحركة التثقيفية النشطة بالبلاد، فقد اتجه الشيوخ تيسيرا على طلابهم إلى وضع المتون التي تجمع مسائل الموضوعات في قليل من اللفظ حتى يتسنى لطالب العلم أن يستوعبها بأيسر طريق وفي زمن قليل، وقد غلا بعضهم في الايجاز وفي ضغط العبارة في هذه المتون حتى بلغت حد الرموز فاستغلق بذلك فهمها على الطلاب واحتاجت إلى شروح، فوضعت لها كتب شارحة ثم وضعت كتب أخرى أكثر تفصيلا تشرح الكتب الشارحة، ومن ثم تعددت الشروح التي تتناول المتن الواحد ما بين شرح مطول وآخر يميل إلى الايجاز كما نظمت كثير من العلوم في منظومات تعليمية احتاجت أيضا إلى وضع الشروح لها. وقد استفرغت المتون والشروح والمنظومات التعليمية جلّ مجهود قرائح العلماء في ذلك العصر، بل أصبح وضع هذه الأنواع يبدو في كثير من الأحيان تمرينات عقلية يريد بها الشيوخ إثبات مقدرتهم على التأليف ولكي يزداد عدد ما أنتجوا من كتب. وهكذا فقد امتلأ العصر بالمتون والشروح نثرا ونظما، فللمؤلف الواحد متن وشرح وهو بدوره يتناول متون السابقين ومنظوماتهم بالشرح والبيان، ولعل أشهر المنظومات التي لقيت عناية الشارحين في ذلك العصر هي ألفية ابن مالك في النحو. ثم نرى إلى جانب ذلك الحواشي والتعليقات التي يتكفل بها كثير من العلماء على الشروح السابقة أو يضعها واضعوها الأصليون، وسنرى جميع هذه الصور

стр. 76

من المؤلفات في إنتاج السيوطي، على أن الاتجاه إلى الإكثار من الحواشي والتعليقات والتقريرات قد ازداد بعد ذلك العصر وكان الاتجاه السائد في مؤلفات العصر العثماني بمصر. وقد كان هذا الأسلوب الذي بيناه في مؤلفات عصر السيوطي يمثل ظاهرة واضحة وعرفا متبعا في التأليف لا يحيد عنه المؤلفون، وربما دفعهم التمسك بالشكل المنهجي إلى وضع المتون والشروح والمنظومات فيما لا تدفع إليه حاجة عملية، ولكن هكذا درجوا وعلى هذا المنهج ساروا كما هو عرف التأليف في عصرهم. وقد كان لهذا المنهج في التأليف أثره الخطير في الإنتاج العلمي لهذا العصر، فقد ضاع جهد المؤلفين واستفرغت ثمار أذهانهم في نظم المنظومات التعليمية التي احتذوا فيها حذو سابقيهم، وربما زادوا عليهم ما لم يذكروه، وربما لم يزيدوا شيئا له قيمته العلمية، كما تبددت جهودهم في الاختصار والتطويل والجمع والتنظيم والتبويب والتقسيم. ولعل طابع الزخرفة والتنسيق الذي ظهر في فنون العصر وأثر في الشعر والنثر وطبع الأدب بصنعة متكلفة ثقيلة، هذا الطابع ظهر أثره في المؤلفات العلمية وفي طريقة وضعها وتصنيفها بحيث نجد الاهتمام الأول لدى المؤلف ينصب على التنظيم والتبويب في مؤلفه، وقد يبتكر تنظيما لم يسبق إليه في علم من العلوم. على أن هذا الاهتمام بالناحية الشكلية في المؤلفات لم يقض قضاء تاما على الاهتمام بالقيمة العلمية في المؤلفات، ولم يصرف المؤلفين في بعض الأحيان عن التجديد والابتكار. والحقيقة أنه من العسير أن نجزم بطرافة بعض الأفكار وأوليتها لدى مؤلف من مؤلفي ذلك العصر، أو أن نجزم بأن صاحب المؤلّف هو أول من طرق فكرة ما أو نبه إلى حقيقة من الحقائق العلمية وسط هذا الركام الضخم من الكتب التي وجدت آنذاك، والتي وصل إلينا بعضها وكثير منها لم تنله أيدينا. غير أنه في إمكاننا أن نقرر أن عالما ما هو الذي اتضحت لديه فكرة معينة لم تتضح لدى سابقيه أو أنه هو الذي طرق بابا من الأبواب يظن أن غيره لم يعمد إلى طرقه.

стр. 77

ولكن هناك أمرا لا ينبغي أن نغفله وهو التجديد في التصنيف والتبويب في العلوم، فليس هذا عملا شكليا بحتا كما قد يتوهم لأول وهلة، بل إنه عمل تمليه عقلية علمية لها صفات تميزها عن غيرها، وتتجه بها وجهة فريدة في نوعها، بالاضافة إلى ما نجده لأصحاب هذه الكتب من الأفكار المبتكرة بين حين وآخر، وسنشير إلى ذلك في حديثنا عن مؤلفات السيوطي، ومهما يكن من شيء فإن هذه المؤلفات بطريقة وضعها تدل على مقدرة علمية كبيرة، وقدرة على الفهم والتحصيل عميقة، كما تدل في أحيان كثيرة على المقدرة الفائقة على تمثل أفكار السابقين واستيعابها وإخراجها في صورة جديدة. وليس من الانصاف أن نصف هذه الكتب بالتقليد والجمع دون تمحيص ونرمي أصحابها بأنهم محتطبون جماعون ليس لهم من الجهد العقلي شيء إذ تبدو كتبهم خالية من الابتكار، ذلك أن وضع هذه الكتب على محك النقد الصحيح الذي يضع في اعتباره الحقائق العلمية في المرتبة الأولى، ثم حالة العصر العقلية ومنهجه في التأليف في المرتبة الثانية، يجعلنا نعيد النظر فيما يلصق بهذه المؤلفات وأصحابها من اتهامات. لقد كان تأثر التأليف بروح الحفظ التي شاعت في العصر والتي تأثرت بحفظ الحديث، ثم تأثر المؤلفون بمنهج المحدّثين في النقل ذا أثر كبير في أن تعج المؤلفات بروايات عديدة وأسانيد تملأ أرجاءها بحيث يبدو كثير من المؤلفات مجموعات من النقول حشد كل منها إلى جوار الآخر. ولقد كان من الميسور على كثير من المؤلفين أو على بعضهم- إذا لم يقدروا الأمانة العلمية ويتبعوا المنهج العلمي الصحيح- أن يرسلوا القول فيما يؤلفون دون إشارة إلى من ينقلون عنه مع تغيير في العبارة حتى يتوهم القارئ أن هذه الأفكار لمن يقرأ لهم لا لمن ينقلون عنه ولن يتنبه لحقيقة الأمر إلا قلة من الممحصين، فلا ينبغي أن يكون الحرص على الأمانة في النقل دافعا لأن نصف هذه الكتب من قبلنا بخلوها من الابتكار، وبانصرافها إلى الجمع والترتيب دون تمحيص لما ينقلون، وإنما المنصف من القول أن نذكر ما عليه أصحابها من مقدرة علمية كبيرة على التمثل والتحصيل والتنسيق في العلوم، ثم ما لهم من فضل في حفظ كثير من الأفكار والنقول منسوبة إلى أصحابها الأوائل، ثم نتتبع بعد ذلك ما ذكروه من حقائق علمية نقلوها عن غيرهم، فما أقروهم عليه منه

стр. 78

فهو يدل على عقلية فالاختيار يدل على عقل صاحبه، وما عارضوا سابقيهم فيه له نفس الدلالة، كما يمكننا أن نتتبع ما ذكروه من تعليقات على ما نقلوه من النصوص، وسنثير هذه المسألة مرة أخرى عند بحث الجانب اللغوي عند السيوطي وهو ما يهتم به البحث. ذلك أن بعض هؤلاء كانت له في بحوثه شخصية وقوة تشعرنا بعمق الفهم وكمال الادراك وحسن التوجيه والتعليل. وفي كثير من ميادين البحث: في الحديث وأصوله، وفي اللغة والنحو والفقه وأصوله وغيرها من العلوم نبغ في هذه الحقبة لا سيما في مصر رجال كانت لهم اليد الطولى في إرساء قواعد هذه العلوم واستقرارها ولم تخل بحوثهم من جدة وحسن اختيار وشخصية تظهر بوضوح خلال البحث. ٤ - الاكمالات والتذييلات: قريب من المتون والشروح ما نراه من إكمالات وتذييلات، وهي ظاهرة شاعت في مؤلفات ذلك العصر لا سيما في كتب التراجم والتاريخ، وقد أفادت هذه الظاهرة العلم بأن وصلت حلقات الزمن المختلفة وحفظت لنا كثيرا مما كان مهددا بالضياع، فنرى على سبيل المثال كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان المتوفي عام ٦٨١ هـ وبه أكثر من ثمانمائة ترجمة بينها تراجم بعض أعيان القرن السابع، نرى ذلك الكتاب وقد ذيّله عالم متأخر هو ابن شاكر الكتبي المتوفى عام ٧٦٤ هـ بوضعه كتاب فوات الوفيات الذي ضمنه عشرات التراجم لبعض أهل القرن الثامن. ونجد هذه الظاهرة في بعض كتب التاريخ التي أكملها بعض المتأخرين لوفاة مؤلفيها السابقين كما صنع أبو المحاسن في كتاب «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» إذ جعل كتابه ذيلا لكتاب السلوك للمقريزي فيبدأ فيه من حيث انتهى المقريزي في سلوكه عام ٨٥٦ هـ، وبه تاريخ مصر مدة اثني عشر عاما مع كثير من التراجم، وسنرى اتباع السيوطي أيضا لهذا العرف عند إكماله التفسير الذي وضعه جلال الدين المحلي فقد أكمله على نفس المنهج والتنظيم

стр. 79

الذي اتبعه المفسر السابق. والمتتبع لكتب الطبقات يجدها حلقات يكمل كل منها الآخر، فهناك طبقات لمشاهير القرن السابع يضعها البرزاني المتوفى عام ٧٣٩ هـ، والأدفوي المتوفى عام ٧٤٨ هـ، يليها طبقات لرجال القرن الثامن يضعها ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) معتمدا على الصلاح الصفدي (٧٦٤ هـ) سابقه ومضيفا إليه ما فاته. ثم هناك طبقات لرجال القرن التاسع يضعها السخاوي (٩٠٢ هـ) والسيوطي كذلك، هذا على سبيل التمثيل فضلا عن عديد من كتب الطبقات التي ترجمت لرجال كل علم على حدة، أو ترجمت لرجال مصر من الأمصار، وقد أنتج السيوطي مجموعة من هذه التراجم ترجم فيها لكل طائفة في كتاب مستقل وسنشير إليها فيما بعد. وبصفة عامة فإن هذا المنهج في التأليف بما شاع فيه من ظواهر وما استقر فيه من أعراف قد خلف لنا عديدا من المختصرات والمتون والشروح والمنظومات والتذييلات والاكمالات والحواشي والتعليقات. وقد حظيت بعض المؤلفات بكثير من الشروح والتعليقات، واعتمد عليها المدرسون في دروسهم ولقيت رواجا بين الطلبة، يتضح ذلك من تتبع تراجم كثير من رجال العصر إذ يرى الناظر أن أكثر الكتب المدروسة بين الطلبة ذكرا هي الكافية لابن الحاجب في النحو وقد حظيت بشروح عديدة ومختصرات متنوعة، كذلك ألفية ابن مالك وكتاب الملحة في النحو أيضا، وفي الفقه وأصوله المنهاج الأصلي والمنهاج الفرعي وهما للنووي، ومختصر القدوري وجمع الجوامع، وفي اللغة فصيح تعلب، وفي الحديث ألفية العراقي والأربعون حديثا النووية، وصحيح البخاري وصحيح مسلم، والشاطبيتان في القراءات، والعمدة للنسفي في العقائد، وسنرى في ترجمة السيوطي حفظه لكثير من هذه الكتب في مقتبل حياته العلمية. ٥ - تنظيم العلوم واستقرار المصطلحات: نلاحظ فيما أنتجه العصر من مؤلفات ظاهرة واضحة تبدو في جميع ميادين

стр. 80

البحث تقريبا، فهناك أولا محاولات عديدة لتنظيم العلوم وتقسيمها والتعريف بها وبمصطلحاتها وقد ألف في ذلك مؤلفات كان هدفها- على ما يبدو- أن تتيح للمتخصصين من أبناء كل علم أن يلموا بأطراف من العلوم الأخرى وأن يعرفوا عنها ما يريدون معرفته في وقت يسير، وحين أتى السيوطي ووجد قبله مجموعة من هذه الكتب فإنه على عادته أراد أن يدلي بدلوه بين الدلاء فألف كتابه «إتمام الدراية لقراء النقاية» ويسمى أيضا «الأصول المهمة في علوم جمة» وقد عرف فيه بأربعة عشر علما ذاكرا مبادئها وأصولها الأساسية. ونلاحظ أيضا استقرار مصطلحات العلوم في ذلك العصر، ويمكن إدراك ذلك مثلا في علم النحو بمقارنة ما وضع في ذلك العصر من كتب مثل الكافية لابن الحاجب والألفية لابن مالك وشروحها العديدة لكثير من رجال العصر كابن الصائغ (٧٧٧ هـ)، والبابرتي (٧٨٦ هـ) وناظر الجيش (٧٧٨ هـ)، وابن عقيل (٧٦٩ هـ)، والسيوطي (٩١١ هـ)، وغير ذلك من الشروح لنجد أن المصطلحات النحوية لا تتغير بين نحوي وآخر، فهي مستقرة متعارف عليها لديهم، وقد ندرك ذلك بوضوح إذا ما قارنا هذه الكتب بكتاب سيبويه وما وضع في النحو من الكتب الأولى، إذ يتضح لنا تغير اصطلاحات المتأخرين عن اصطلاحات السابقين في بعض المواضع، ذلك أن المصطلحات النحوية كانت إلى عهد سيبويه ومعاصريه من الكوفيين كالفرّاء لم يكتب لها الاستقرار والثبات، كما أن علم النحو إلى عهده كان علما غضا لم يتم نضجه بعد، أما عند هؤلاء فقد نضح واحترق، ونستطيع إدراك ذلك أيضا في كثير من العلوم الإسلامية إذ كانت في ذلك العصر في طور نضجها وكمالها. ٦ - العناية بتاريخ مصر: عني مؤرخو العصر بالكتابة عن تاريخ مصر بعامة وتاريخ القاهرة بخاصة، وقد بدأت هذه العناية عند المصريين قبل عصر المماليك، وقد اتضحت هذه الظاهرة في هذا العصر فظهرت موسوعات تاريخية ضخمة لتاريخ مصر وقاهرتها وأهم هذه المؤلفات: ١ - السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي المتوفى عام ٨٤٥ هـ، وهو تاريخ

стр. 81

مصر من عام ٥٧٧ هـ- إلى عام ٨٤٤ هـ مرتبا حسب السنين. ٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن بن تغري بردي المتوفى عام ٨٧٤ هـ، وهو في تاريخ مصر منذ الفتح الاسلامي حتى عام ٨٥٧ هـ. ٣ - حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور لأبي المحاسن وقد جعله ذيلا لكتاب السلوك للمقريزي فيبدأ به من حيث انتهى المقريزي في سلوكه عام ٨٥٦ هـ كما بينا. وهنا عديد من الكتب غير ذلك، ويأتي السيوطي فيؤلف في التاريخ كتاب «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» ومن بعده يضع ابن إياس كتابه المشهور «بدائع الزهور في وقائع الدهور» ويؤرخ فيه حوادث مصر حسب ترتيب السنين، وتمتد به الحياة حتى يشهد نهاية ذلك العصر ودخول العثمانيين مصر فيؤرخ فترة من حكمهم. ويبدو أن هذه النزعة في التأريخ لمصر كانت وليدة حب المؤلفين لمصر ولكونها أصبحت في هذا العهد ممثلة للزعامة الاسلامية بعد سقوط بغداد وانتقال الخلافة إليها.

стр. 82

الحياة الأدبية لست هنا بصدد دراسة الحياة الأدبية دراسة متعمقة فذلك أمر يطول شأنه ويحتاج إلى بحث مستقل، وإنما مقصودنا أن نعرض لهذه الحياة عرضا نستجلي به صورتها العامة والشكل الذي كانت عليه في عصر السيوطي، ونتعرف على الأنواع الأدبية من الشعر والنثر في ذلك الحين، وتجنبا للاطالة فإننا نكتفي بعرض سريع نتبين فيه الملامح العامة للنشاط الأدبي. وقد حرم الشعر والشعراء في هذه الفترة الحفاوة التي وجدها أسلافهم القدماء، ذلك أن رجال الدولة وكبراءها كانوا من الأتراك الذين لا تهتز أعطافهم للأشعار العربية على الرغم من أن لغة الدولة العربية ولغة العلم هي العربية كذلك. لذلك لا نجد من الشعراء من اتصل بالدولة أو بالسلاطين، وإنما اندس هؤلاء بين الناس وتناولوا حرفهم. وقد كان شعر هذه الفترة تقليدا لا استقلال فيه في أحيان كثيرة، وكان الشعراء يتتبعون في أشعارهم آثار أسلافهم الأولين مصيبين حينا ومخطئين أحيانا. ويمكن تقسيم شعر هذه الفترة إلى قسمين أولهما: شعر المناسبات وهو ما يخاطب به الحاكم والجماعة، والآخر الشعر الذاتي وهو ما يعبر به الشاعر عن مشاعره الذاتية بغض النظر عن الجماعة «١». وفي الأول نجد العناية باللفظ ولكنها عناية متغالية تجلب على الشعر التكلف

стр. 83

والصنعة والتقيد بالشكل في صوره المتعددة التي حرص عليها الشعراء، وفي الثاني نجد الميل إلى البساطة والتحلل من قيود الصنعة اللفظية إلا ما كان منها بغير تكلف. وهناك مذهبان في التعبير أولهما المذهب البديعي المتأثر بمذهب الكتاب، وقد كان للقاضي الفاضل أثر في إضفاء ألوان جديدة عليه حرص عليها الشعراء والكتاب من بعده بيد أنهم أسرفوا في حرصهم على المحسنات اللفظية، ولقيت العناية اللفظية بجميع ألوانها الاهتمام الأول لديهم على حساب المعاني «١»، وكان الشعراء يعمدون إلى المذهب البديعي في شعر المناسبات أو في قصائد المديح النبوي التقليدية. أما المذهب الآخر وهو مذهب المعاني فيظهر بوضوح في الشعر الشعبي ويتمثل في احتفال بالأفكار وعناية تامة بتصوير العواطف والمشاعر التي ينفعل بها الناس انفعالا صادقا بريئا من التكلف. «٢» وهناك بعض ظواهر يمكن ملاحظتها على الشعر والشعراء في ذلك العصر أولها قصائد المديح النبوي العديدة التي أنشأها شعراء العصر المملوكي معارضين بها بردة البوصيري فقل أن نجد شاعرا منهم لم يعارضها، بالاضافة إلى القصائد التي أنشئت في المديح النبوي في غير معارضة للبردة، والملاحظة الثانية هي أن كثيرا من علماء العصر وفقهائه كانوا ينظمون الشعر في أغراض كثيرة وأشهر هؤلاء ابن حجر ثم السيوطي، وثالثها شيوع الشعر التعليمي في دوائر العلماء والطلاب وسنشير إليه عند الحديث عن شعر السيوطي. وقد شهدت الفترة التي عاشها السيوطي عددا كبيرا من الشعراء وقد ذكر ابن اياس أنه كان بالقاهرة سبعة من الشعراء اجتمعوا في عصر واحد وكل منهم لقب بشهاب الدين، فكان يقال لهم السبعة الشهب وهم الشهاب ابن حجر وابن الشاب التائب، وابن أبي السعود، وابن مبارك شاه الدمشقي، وابن صالح، والشهاب

стр. 84

الحجازي، والشهاب المنصوري، فلما مات الستة رثاهم الشهاب المنصوري بقوله: خلت سماء المعاني من سنا الشهب ... فالآن أظلم أفق الشعر والأدب تقطب العيش وجها بعد رحلة من ... تجاذبوا بالمعاني مركز القطب «١» وأشهر هؤلاء جميعا الشهاب المنصوري الذي توفي عام ٨٨٧ هـ وكان جيد الشعر. وقد أصل جورجي زيدان الحديث عن شعر هذه الفترة بقوله: «ان الشعر أصبح صناعة لفظية بعد أن كان قريحة فطرية، واختلط الشعر بالأدب، وقلما نبغ شاعر لم يشتغل بغير الشعر، فإن أكثرهم ألفوا الكتب في الأدب وجمع الشعر والنكات والمواعظ والحكم ونحو ذلك، وابتذلت الصناعة الشعرية، وتعاطاها الناس لقضاء ساعات الفراغ فقط، وكثر الناظمون من الباعة وأرباب الحرف كالخياطين والنجارين والدهانين ونحوهم وليس ذلك خاصا بهذا العصر إذ كثيرا ما ظهرت القرائح الشعرية في طبقات العامة لكنهم كانوا إذا نبغوا استغنوا عن صنائعهم بتقربهم من بعض الأمراء أو الخلفاء فتشحذ قرائحهم ويأتون بالمعجزات كما اتفق لكثيرين من شعراء العصر الأموي والعباسي». «٢» والحق أن هذه الأوصاف تنطبق إلى حد كبير على العصر الذي نستوضح ملامحه، ولكن ينبغي التحفظ في إطلاق الأحكام، إذ إن العصر لم يعدم كثيرا من الشعر الجيد والشعراء الذين أجادوا في كثير من أشعارهم على الرغم من أن شاعرا منهم لم يخل شعره من الإسفاف والانحدار في بعض الأحيان، ومن تكلف الصنعة في أحيان أكثر، وذلك هو السبب في تعميم وصف الانحدار على العصر وشعرائه. أما النثر فله أنواع عديدة وصور متنوعة، ويمكن أن يندرج النثر بدوره من ناحية أسلوبه وطريقة التعبير فيه في قسمين رئيسيين أولهما: قسم تلقى فيه العناية

стр. 85

اللفظية الحظ الأوفر من الكاتب، وتصل هذه العناية إلى حد التكلف مع الاسراف في استعمال المحسنات اللفظية على اختلاف ضروبها وهو ما نسميه بمدرسة البديع، والقسم الآخر ما لا يحفل الكاتب بالعناية اللفظية فيه بل يرسل قوله على عواهنه ولكن عيب هذا القسم الأخير كان يأتيه من انحدار الأسلوب وكثرة اللحن واستعمال العامية وهذا القسم يسمى بمدرسة المعاني. والأنواع الأدبية النثرية التي أنتجها العصر كثيرة ومتنوعة نكتفي منها بالحديث عن الخطبة والرسالة والمقامة لكونها أشهر الأنواع ولاحتفال الكتاب بها أكثر من غيرها، فهناك إلى جانبها الموازنات والتوقيعات والحكم والوصايا. الخطبة: كانت الطبقة الحاكمة بالبلاد كما رأينا من الأتراك الذين ديفت بالعجمة ألسنتهم وبالرغم من تعلم كثيرين منهم العربية لكونها لغة الدين والعلوم فإنهم- في الغالب- افتقروا إلى الفصاحة فيها- وبذلك فقد تغير الحال في الخطابة عما كان عليه زمن الخلافة العربية في عهد الأمويين والعباسيين، يضاف إلى ذلك ما أصاب اللغة من دخول كثير من الألفاظ التركية بها وانحدار كثير من أساليب الكتاب نحو العامية. وإذا كان العصر قد خلا من الخطب الرسمية التي كان يلقيها الحكام باستثناء بعض خطب خلفاء العباسيين في مصر فإنه لم يعدم وجود أنواع معينة من الخطب التي خلت في الغالب من أهم عناصر الخطبة وهو الارتجال، فكانت الخطب تعد إعدادا كالرسائل، وقل أن نجد الارتجال في غير المناظرات التي كانت تعقد بين العلماء حيث يضم جماعة منهم أحد المجالس. لهذا نلحظ على الخطب سمات الرسائل «١» حيث سلك الخطباء مسلك الكتاب فاتبعوا الأسلوب البديعي المسجوع وأكثروا من الاقتباس من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول ﷺ ومن أقوال السلف الصالح. وأهم الخطب التي نزعت هذا المنزع الخطب المنبرية التي كانت تعدّ من قبل

стр. 86

أصحابها قبل القائها أو من قبل غيرهم، ومن دواوين الخطب ديوان خطب الشيخ زكريا الأنصاري وهو معاصر للسيوطي، وقد امتد به العمر فتوفي عام ٩٢٦ هـ، واسم ديوانه «التحفة السنية» وهو مجموعة من الخطب المنبرية مرتبة حسب جمع الشهور العربية. «١» وهناك خطب كانت تقال في المناسبات التقليدية كالأعياد وأوائل الشهور الهجرية، والكسوف والخسوف والحفلات الاجتماعية وغير ذلك من المناسبات، وقد طبعت الخطب بما طبعت به الآثار الأدبية جميعها من احتفال بالصنعة اللفظية وحرص من الخطباء على الجمل المسجوعة التي تشيع في الخطبة ويبدو التكلف في إيرادها واضحا، فضلا عما تتحمله الخطبة من حشو لمراعاة السجع والجناس وسائر ضروب الصنعة اللفظية. الرسائل «٢»: حظيت الرسائل الديوانية والاخوانية بعناية بالغة من كتابها، بيد أن هذه العناية كانت منصرفة في غالبها إلى الألفاظ على حساب المعاني، وجرى الكتاب على تقليد من سبقهم في التزام المحسنات اللفظية بجميع ضروبها، وقد أدى ذلك إلى انحدار الأساليب وشيوع التكلف فيها، بل حرص الكتاب على وضع العناوين المسجوعة لرسائلهم فضلا عن عناوين الكتب المسجوعة، وبإجمال فإننا يمكن أن نلاحظ على كتابة ذلك العصر ما يلي: ١ - التزام السجع في جميع الرسالة، وربما تكررت قافية السجعة في عدة فقرات. ٢ - الاحتفال بأنواع البديع ولا سيما براعة الاستهلال والتورية والتضمين والاقتباس والتلميع إلى الحوادث الشهيرة وحل الأبيات وإدماج الأمثال، والاكثار من أنواع الاستعارة وضروب التشبيهات. ٣ - كثرة الحشو مراعاة للسجع والجناس ومراعاة لغيرهما من ضروب

стр. 87

المحسنات اللفظية. ٤ - استعمال الدخيل وعدم تحاشيه في المفردات والتراكيب، وقد كانت ألفاظ كثيرة من التركية والفارسية قد دخلت إلى العربية بعد غلبة العنصر التركي، ونتيجة لحكم الأتراك للبلاد. غير أن أساليب الكتاب المصريين بالرغم من ذلك كانت تمتاز بميزة تتضح لقارئها وهي السهولة والوضوح اللذان يدلان على ذوق سمح وفطرة مواتية، ولم تكن تميل- في الغالب- إلى الغموض أو التعقيد، وسنرى هذه الخصوصية واضحة في رسائل السيوطي جميعها على الرغم من أنها لم تخل من احتفال بالمحسنات اللفظية وحرص عليها شأن كتابات العصر. والكتاب- بطبيعة الحال- في ميدان السهولة والوضوح درجات يتميز أسلوب كل منهم بخصائص فردية تقربه أو تبعده عن السهولة والوضوح. المقامة: لم تكن المقامات في ذلك العصر تختلف عن الرسائل كثيرا، بيد أنها كانت أكثر احتفالا بالمحسنات اللفظية حتى ليبدو أمام القارئ أن أصحابها قد وضعوها ليحشدوا بها ضروب الصناعات اللفظية وليبينوا مهارتهم في ذلك، وإذا كانت المقامات العربية عند بديع الزمان والحريري قد اعتمدت على تسلسل القصة والحدث في تطور فني وعقدة تسلم غالبا إلى حل ذي مغزى وهدف، فإن المقامة في هذا العصر لم يراع فيها هذا التسلسل الفني في كثير من الأحيان. وقد تنوعت أغراض المقامات في ذلك العصر فتناول أصحابها في مقاماتهم شتى الموضوعات وسنرى مصداقا لما نقول عند الاشارة إلى بعض مقامات السيوطي التي تعددت أغراضها.

стр. 88

الفصل الثالث حياته وثقافته وآثاره مولده ونسبه: في العصر الذي بينا من قبل معالمه السياسية والاجتماعية والعقلية، وفي النصف الثاني من القرن التاسع وأوائل القرن العاشر كانت حياة السيوطي، فقد ولد ليلة الأحد مستهل رجب عام ٨٤٩ هـ «١»، ويوافق هذا التاريخ ٣ من أكتوبر عام ١٤٤٥ م «٢». ويجمع المترجمون له: من عاصره ومن جاء بعده على صحة هذا التاريخ فلا يحيدون عنه «٣»، إلا شيئا من الاختلاف اليسير حين يذكر ابن اياس أن مولده كان في جمادى الآخرة «٤»، ويمكن توجيه قوله بأنه كان في آخر جمادى الآخرة وفي ليلة أول رجب كما نصوا عليه. واسمه عبد الرحمن بن الكمال بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي «٥». وقد سماه والده عبد الرحمن، ولقبه بجلال الدين ثم عرضه على شيخه قاضي

стр. 89

القضاة عز الدين أحمد الكناني فيما بعد فكناه بأبي الفضل «١». وينتهي نسبه من جهة أبيه إلى أصل أعجمي، وقد رجح ذلك حين ذكر أن جده الأعلى كان أعجميا أو من الشرق وأن النسبة بالخضيري هي إلى الخضيرية محلة ببغداد «٢». وترجع نسبته إلى أسيوط لاستقرار أجداده بها، وقد ولد أبوه كمال الدين بها، وكان جده الأعلى همام الدين متصوفا، ومن دونه من آبائه كانوا من ذوي الوجاهة والرئاسة بأسيوط، منهم من ولى الحسبة أو الحكم، ومنهم من كان صاحب ثروة، أما والده فقد كان من المشتغلين بالعلم «٣». والنسبة إلى أسيوط أسيوطي بضم أولها، وقد ذكر صاحب القاموس «سيوط وأسيوط بضمهما بلدة بصعيد مصر»، فالنسبة على ذلك سيوطي وأسيوطي بالضم «٤»، وزاد ابن علان الكسر في ضبط النسبة إلى «سيوط» «٥». والده: ترجم السيوطي لأبيه كمال الدين ضمن الفقهاء الشافعية بمصر «٦»، كما ترجم له السخاوي معاصره «٧»، وقد ولد بأسيوط عام ٨٠٠ هـ، وتولى قضاءها زمنا، ودرس على بعض نابغي العصر كالقاياتي «٨»، والحافظ ابن حجر، ونبغ في علوم عدة منها فقه الشافعي والأصول والكلام والنحو والحديث، وأجيز بالتدريس

стр. 90

عام ٨٢٩ هـ، وبرّز في الانشاء ودرّس الفقه بالجامع الطولوني، وبرع في الخط وكان يخطب من إنشائه، وصنف بعض التصانيف وتوفي عام ٨٥٥ هـ. وكان لوالد السيوطي صلة طيبة بخلفاء بني العباس بمصر، وقد كتب صورة العهد بالخلافة لأحدهم كما سبق أن أشرنا «١»، وقد ذكر السيوطي أن والده كان إماما لهذا الخليفة وكان خصيصا به ثم يقول: «وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله» كما يذكر عن أبيه أنه لم يعش بعد وفاته إلا أربعين عاما «١». ولا ريب أن هذه الصلة فضلا عن المكانة العلمية، كانت تجعل منه رجلا له قدره في الحياة العامة، وقد كان الرجل من صوفية الخانقاه الشيخونية، وقد ولى تدريس الفقه بالجامع الشيخوني المقابل للخانقاه «٣»، بالاضافة إلى قيامه بالتدريس في جامع ابن طولون كما ذكرنا. ولم يذكر السيوطي في ترجمته لنفسه شيئا عن أمه، في حين ذكر السخاوي معاصره أنها أمة تركية «٤»، وقد تابعه في ذلك بعض المترجمين للسيوطي «٥»، على حين أغفل كثير منهم الحديث عنها لاغفال السيوطي ذلك، كما أغفلت التراجم الحديثة التي كتبت عن السيوطي الحديث عن أمّه تبعا لاغفال السيوطي ذكرها «٦».

стр. 91

نشأته وحياته العلمية والعملية نشأته: ولد السيوطي بالقاهرة بعد انتقال أبيه إليها بمدة طويلة حيث كان يعمل مدرسا للفقه الشافعي بالجامع الشيخوني، وقد سبق بيان ما كانت عليه بيئة القاهرة من عظمة في نواحيها الفكرية والحضارية، ونتيجة لغلبة الطابع الصوفي على البلاد من ناحية، ولكون والده من صوفية الشيخونية من ناحية أخرى حمله بعد مولده إلى أحد كبار الأولياء بجوار المشهد النفيس، وهو الشيخ محمد المجذوب فباركه «١»، وكان والده قد قارب الخمسين من عمره في ذلك الحين. وعند ما بلغ السيوطي الثالثة من عمره وكانت شهرة الحافظ ابن حجر تملأ الدنيا وكان شيخا لأبيه اصطحبه والده إلى مجلس الحافظ ابن حجر في إحدى المرات «٢»، وقد كان لحضور هذا المجلس أثره العميق في نفسية السيوطي وفي حياته العلمية فيما بعد. ولم يلبث والده أن توفي بعد قليل في صفر عام ٨٥٥ هـ- مارس ١٤٥١ م «٣»، حين كان ابنه لم يتمّ السادسة من عمره، وقد ولى الوصاية عليه بعد أبيه أحد أصدقائه من الصوفية وهو الشيخ جمال الدين بن الهمام «٤». وقد أنشأ السيوطي يحفظ القرآن قبل وفاة أبيه، وقد بلغ في الحفظ عند وفاته إلى سورة التحريم «٥»، وقد واصل الحفظ بعد وفاته فأتم القرآن الكريم ولم يبلغ

стр. 92

الثامنة من عمره «١». دراسته: دلّ السيوطي بحفظه المبكر للقرآن الكريم على ذكاء متوقد، وذاكرة قوية وقد حفظ بعد ذلك عمدة الأحكام، والمنهاج الفرعي في الفقه للنووي، والمنهاج في الأصول له أيضا على ما ذكر، وإن كان السخاوي ينص على أنه لم يحفظه كله وإنما حفظ بعضه «٢»، وألفية ابن مالك في النحو «٣»، ومنهاج البيضاوي «٤»، وقد أتم حفظ هذه الكتب وعرضها على شيوخ عصره، ومن ثم فقد أصبح أهلا لأن يطلب العلم على أيدي علماء العصر في مختلف مناحي العلم. ومنذ مستهل عام ٨٤٦ هـ وحين كان السيوطي لم يتم الخامسة عشرة من عمره أنشأ يطلب العلم، فأخذ الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ منهم الشمس محمد بن موسى الحنفي إمام الشيخونية في النحو، وعن الفخر عثمان المقسي والشموس البامي وابن الفالاتي وابن يوسف أحد فضلاء الشيخونية، والبرهانين العجلوني والنعماني بعضهم في الفقه وبعضهم في النحو «٥»، وأخذ الفرائض عن العلامة فرض زمانه شهاب الدين الشارمساحي الذي كان قد بلغ المائة من العمر «٦». وقد أجيز بتدريس العربية في مستهل عام ٨٦٦ هـ أي حين كان في السابعة عشرة من عمره «٧»، وقد ابتدأ التأليف في هذه السنة فكتب شرحا للاستعاذة والبسملة وأطلع عليه شيخه علم الدين البلقيني شيخ الاسلام فكتب عليه تقريظا «٧»، وقد لزم عليه كثيرا من أبواب الفقه وأجازه بالتدريس والافتاء في عام

стр. 93

٨٧٦ هـ حين كان السيوطي في السابعة والعشرين من عمره، وحضر تصديره، وقد توفي البلقيني عام ٨٧٨ هـ. كما لزم السيوطي شيخ الاسلام شرف الدين المناوي فقرأ عليه بعض كتبه في الفقه والتفسير «١». ولزم في الحديث والعربية العلامة تقي الدين الشمنيّ أربع سنين وكتب له تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية، وكان شيخه يشهد له بالتقدم ويثق في علمه وسعة اطلاعه «١». وقد أخذ جملة من العلوم منها التفسير والأصول والعربية والمعاني عن العلامة محيي الدين الكافيجي الذي لازمه السيوطي أربع عشرة سنة، وكتب له الكافيجي إجازة عظيمة بذلك، كما حضر دروسا عديدة عند الشيخ سيف الدين الحنفي «٣». وقد أغفل السيوطي حين ترجم لنفسه كثيرا من الشيوخ الذين درس على أيديهم، ويبدو أنه قد اكتفى في ذلك بالمعجم الذي وضعه لهم في حين ذكر المترجمون له من خصومه وأنصاره أسماء بعض الذين أغفل ذكرهم، ويمكننا من دراسة ترجمته الذاتية ومقارنتها بما كتبه عنه معاصره وخصمه السخاوي وبما كتبه المحايدون من المترجمين وبما كتبه أنصاره من معاصريه أو لاحقيه أن نخلص إلى استجلاء المعالم الرئيسية في حياة السيوطي في وضوح نطمئن إليه، وأن نقف على الأصول والبواعث التي كان لها أثرها في توجيه حياته، وتكوين عقليته وكل أولئك نسترفده عند حديثنا عن منهجه في التفكير وأصول هذا المنهج. حاض السيوطي كما رأينا حياة دراسية شاقة بالقاهرة درس فيها على كثير من النابهين من علماء عصره، ويلاحظ أن الشيوخ الذين لزمهم مدة طويلة كانوا من شيوخ الخانقاه الشيخونية، حيث كان لأبيه من قبل صلة بها وحيث عمل هو بعد ذلك بها، ولم يكتف بذلك بل رحل طلبا للعلم إلى بعض البلاد فسافر إلى دمباط والاسكندرية والفيوم والمحلة ثم حج إلى مكة عام ٨٦٩ هـ وجاور بها

стр. 94

سنة كاملة كما انتقل إلى بلاد الشام واليمن والهند والمغرب والتكرور (غينيا الآن) وقد حصل على إجازات كثيرة من الشيوخ الذين درس عليهم ورحل إليهم «١». شيوخه: ذكر الداوديّ تلميذ السيوطي أسماء شيوخ السيوطي قراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم واحدا وخمسين «٢»، وقد حاولت العثور على ترجمة الداوديّ لشيخه في طبقات المفسرين فلم أجد لها ذكرا، ولعله ترجم له في مكان آخر اطلع عليه الناقلون عنه ولم يصل إلينا «٣»، وقد ذكر السيوطي أن شيوخه في الرواية سماعا وإجازة يبلغون مائة وخمسين «٤»، أما عدة من درس عليهم وأخذ عنهم فقد بلغت ستمائة شيخ، وقد وضع السيوطي كتابين في أسماء شيوخه هما معجم الشيوخ الكبير ويسمى حاطب ليل وجارف سيل، ومعجم صغير يسمى المنتقى، ولم أتمكن من الوقوف على أحد المعجمين، وليس هذا بالأمر الخطير إذا عرفنا أن أهم الذين درس عليهم قد ذكرهم في ترجمته الذاتية، كما ترجم لهم في بعض كتبه الأخرى، كما تناولهم غيره بالترجمة. وقد روى الشعراني تلميذ السيوطي عن شيخه أن شيوخه بلغوا ستمائة وقد نظمهم في أرجوزة، وقسمهم إلى طبقات أربعة: الأولى: من يروي عن أصحاب الفخر بن النجار والشرف الدمياطي ووزيره والحجار وسليمان بن حمزة وأبي النصر بن الشيرازي ونحوهم، والثانية: من يروي عن السراج البلقيني والحافظ أبي الفضل العراقي ونحوهما وهي دون التي قبلها في العلوم، والثالثة: من يروي عن الشرف بن الكويك والجمال البجيلي ونحوهما وهي دون الثانية، والرابعة: من يروي عن أبي زرعة العراقي وابن الجزري ونحوهما.

стр. 95

ولئن كان أساتذة السيوطي من الكثرة بحيث يتعذر علينا لضيق المكان التعريف بهم على الوجه الأكمل فليس أمامنا سوى التعريف بأكثرهم تأثيرا في نفسه وعقله وأقواهم فعلا في حياته وألصقهم به. ١ - ابن حجر العسقلاني: وأول هؤلاء الأساتذة ابن حجر العسقلاني، وبالرغم من أن السيوطي- على وجه التحقيق- لا يعد من تلاميذه إذ إنه لم يحضر مجلسه إلا في طفولته صحبة والده «١»، فإنه تأثر به تأثرا كبيرا، وقد كان أمله في يوم من الأيام أن يصل إلى مرتبته في الحديث «٢»، وقد كان السيوطي بعد نفسه من تلامذة ابن حجر العسقلاني ويتحدث عنه أحيانا بعبارة «شيخنا» وقد روى عنه متعمدا على الاجازة العامة، وقد قال عن نفسه: «ولي منه إجازة عامة، ولا أستبعد أن يكون لي منه إجازة خاصة، فإن والدي كان يتردد إليه وينوب في الحكم عنه، وإن يكن فاتني حضور مجالسه والفوز بسماع كلامه، والأخذ عنه فقد انتفعت في الفن بتصانيفه، واستفدت منها الكثير، وقد غلق وختم به هذا الشأن» «٣». وقد ترجم السيوطي لابن حجر في كتابه نظم العقيان فذكر أنه «فريد زمانه وحامل لواء السنة في أوانه ... إمام لهذا الفن للمتقدمين، ومقدم عساكر المحدثين، وعمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابي التعديل والتجريح» «٤». كان ابن حجر أولا وقبل كل شيء إماما في الحديث وحسبه شرح البخاري الذي نبه ابن خلدون من قبل على أنه دين على هذه الأمة، وله إلى جانب جهوده في علوم الحديث مشاركة في كثير من العلوم والفنون، وهو شاعر مجيد وأحد السبعة الشهب الذين سبقت الاشارة إليهم، وقد ولى في حياته وظائف

стр. 96

سنية منها «تدريس الحديث بالشيخونية وبجامع القلعة وبالجمالية، وبالبيبرسية، وتدريس الفقه بالمؤيدية وبالشيخونية وولى مشيخة الشيوخ بالبيبرسية، ومشيخة الصلاحية بجوار مشهد الامام الشافعي رحمه الله تعالى، وولى قضاء القضاة بالديار المصرية» «١»، وله عدد كبير من المصنفات. ٢ - علم الدين البلقيني: هو علم الدين صالح بن شيخ الاسلام سراج الدين عمر، ترجم له السيوطي في أماكن متفرقة من كتبه فأوجز فيما أورده عنه في نظم العقيان «٢»، وبسط القول بعض البسط في حسن المحاضرة «٣»، وقد خصه بترجمة مفردة لم تصلنا، كما ترجم له تلميذه السخاوي «٤». وقد أخذ السيوطي عنه الفقه وأشاد بتمكن شيخه فيه فذكر أنه إمام الفقهاء في عصره وحامل لواء مذهب الشافعي في عراقه وحجازه وشامه ومصره. ولد البلقيني عام ٧٩١ هـ، وتلقى العلم على يد مشاهير عصره ومن بينهم أبوه، وقد تولى عدة وظائف قام فيها بتدريس الفقه والحديث والتفسير، ثم تولى القضاء الأكبر سنة ٨٢٦ هـ، وتكرر عزله وإعادته، وقد اختتم السيوطي ترجمته بقوله: «وأخذ عنه الجم الغفير وألحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد ... قرأت عليه الفقه وأجازني بالتدريس وحضر تصديري، وقد أفردت ترجمته بالتأليف، مات يوم الأربعاء خامس رجب سنة ٨٦٨ هـ» «٥»، وقد ذكر ابن إياس وفاته عام ٨٦٩ هـ «٦» والصواب ما ذكره السيوطي. ٣ - شرف الدين يحيى المناوي: ولد سنة ٧٩٨ هـ، ولازم أعيان شيوخ عصره، وتصدى للإقراء والافتاء،

стр. 97

وولى تدريس الشافعية وقضاء الديار المصرية، وله عدة مصنفات قال عنه السيوطي: «هو آخر علماء الشافعية ومحققيهم»، وقد رثاه ببعض الشعر «١»، وقد سمع السيوطي عليه دروسا في الفقه والتفسير يبدو أنها غير قليلة «٢»، بالرغم مما يغمز به السخاوي معاصره السيوطي بأنه «حضر عند الشرف المناوي يسيرا جدا» «٣». وقد كان المناوي معاصرا للبلقيني وكانا يتعاقبان قضاء الشافعية يعزل أحدهما فيولى «٤» الآخر. ٤ - تقي الدين الشّمنيّ الحنفي: ذكر السيوطي أنه لزمه في الحديث والعربية أربع سنين، وقد كتب له تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جميع الجوامع في العربية والمؤلفان للسيوطي، كما شهد له بالتقدم في العلوم «٥». والشمني هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن كمال الدين، ترجمه السيوطي في كتابيه حسن المحاضرة «٦»، وبغية الوعاة «٧»، ترجمة تفيض بالاعجاب نعته فيها بأبلغ الأوصاف التي تدل على تنوع معارفه. ولد الشمنيّ بالاسكندرية عام ٨٠١ هـ، وقدم القاهرة مع والده، وأخذ عن جماعة من أعيان علماء عصره منهم العراقي والبلقيني، ثم استحصدت قوته فتعرض للنفع العام بعلمه فأقرأ التفسير والحديث والفقه والعربية والمعاني والبيان وغيرها، وتزاحم الناس عليه، وافتخروا بالأخذ عنه، وقد تولى مشيخة عديد من المدارس، وطلب لقضاء الحنفية فامتنع، وله مصنفات عديدة منها حاشية على

стр. 98

مغنى ابن هشام سماها «المنصف من الكلام على مغنى ابن هشام» تعقب فيها الدماميني كثيرا «١»، وله نظم حسن. وقد سمع السيوطي عليه قطعة كبيرة من المطول للشيخ سعد الدين، ومن التوضيح لابن هشام، وسمع وقرأ عليه في الحديث عدة أجزاء، وكانت صلة السيوطي بشيخه طيبة طيلة حياته، وقد مدحه بشعره، ورثاه بمرثية طويلة بعد وفاته التي كانت في ذى الحجة عام ٨٧٢ هـ. ويعد الشمني شيخ السيوطي من أشهر نحاة القرن التاسع وقد رزق مؤلفه «المنصف من الكلام» رواجا كبيرا في عصره. ٥ - محيي الدين الكافيجي: لقب بالكافيجي على ما يقال لكثرة اشتغاله بكافية ابن الحاجب في النحو، وقد لازمه السيوطي أطول مدة إذ بلغت أربع عشرة سنة، وأخذ عنه أكثر ما أخذ، وقد جمعتهما صلات طيبة يوضحها قول السيوطي: «ما كنت أعد الشيخ إلا والدا بعد والدي لكثرة ما له علي من الشفقة والافادة، وكان يذكر أن بينه وبين والدي صداقة تامة، وأن والدي كان منصفا له بخلاف أكثر أهل مصر» «٢». وقد ترجم له السيوطي ترجمة تفيض بالاعجاب والتقدير «٣»، شأن الترجمة السابقة للشّمنيّ، وهو محيي الدين محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي، وقد اشتهر بأنه علامة وقته في المعقولات: «الكلام وأصول اللغة والنحو والتصريف والاعراب والمعاني والبيان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة بحيث لا يشق أحد غباره في شيء من هذه العلوم «٤»، هذا إلى جانب دراسته للعلوم النقلية ومعرفته بها كالتفسير والحديث والفقه وقد صنف كثيرا من الكتب في العلوم العقلية ويبدو أن كثيرا منها قد أتت عليه يد الحدثان وأكثر تآليفه مختصرات.

стр. 99

وقد تولى مشيخة التصوف بتربة الأشرف برسباي، وتولى مشيخة الشيخونية بعد أن رغب عنها ابن الهمام، وقد عاصره السيوطي بالشيخونية إذ كان السيوطي يلي تدريس الحديث بها. ويعد الكافيجي من أشهر علماء عصره، ويعد هو والشّمني أشهر نحاة القرن التاسع، وقد نص السيوطي على أنهما أنحى من رآه من الشيوخ «١»، وقد أورد لهما في كتابه جمع الجوامع بعض الآراء والاختيارات النحوية، وخالفهما في بعض الأحيان، وقد توفي الكافيجي عام ٨٧٩ هـ، وقد رثاه الشهاب المنصوري شاعر وقته «٢». ٦ - سيف الدين الحنفي: حضر السيوطي عنده دروسا عديدة كما ذكر عن نفسه في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه وتلخيص المفتاح. وهو محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا البكتري «٣»، ولد في عام ٨٠٠ هـ، وأخذ عن شيوخ عصره ولازم الكمال بن الهمام الذي كان يلي مشيخة الشيخونية، وبرع في الفقه والأصول والنحو، وقد ولى التدريس بكثير من المدارس، واستنابه ابن الهمام في مشيخة الشيخونية مدة حجه، وقد ولى مشيخة المؤيدية ثم آلت إليه فيما بعد مشيخة الشيخونية، ومن ثم فلقد عاصر السيوطي بها حين كان يقوم بتدريس الحديث، توفي السيف الحنفي في ذي القعدة عام ٨٨١ هـ، وقد ذكر السيوطي أنه آخر شيوخه موتا لم يتأخر بعده أحد ممن أخذ عنهم، وقد رثاه بعد موته، وأهم مصنفاته حاشية على توضيح ابن هشام. هؤلاء أهم شيوخ السيوطي الذين درس على أيديهم وتلقى عنهم وكان لهم تأثير في عقليته ومنهجه الفكري وتوجيه حياته، وقد كان من تحدثنا عنهم- في حقيقة الأمر- أشهر رجال عصرهم في الفنون التي ثقفها على أيديهم السيوطي،

стр. 100

فابن حجر أكبر علماء العصر في الحديث، والبلقيني أكبر فقهاء الشافعية في وقته، كذلك كان الشرف المناوي في التفسير والفقه، أما الكافيجي فهو أكبر علماء وقته في المعقولات، ويعد هو والشمني أكبر النحاة الذين عرفهم ذلك القرن، وكان السيف الحنفي من العلماء المبرزين، وكان لهؤلاء جميعا مكان مرموق بالمجتمع وقد تولى عدد منهم قضاء القضاة ورشح بعضهم لذلك وامتنع بمحض اختياره. وهناك إلى جانب هؤلاء عدد كبير من الشيوخ الذين درس السيوطي على أيديهم أو لقيهم، ولكنا لا نرى موجبا لإيرادهم لما في ذلك من الاطالة فضلا عن أثرهم القليل نسيبا في عقله وتفكيره، وقد اكتفيت فيما تقدم بايراد أهمهم وأكثرهم تأثيرا في حياته وعقله.

стр. 101

مراحل حياته سبق لنا بيان المرحلة الأولى من حياة السيوطي التي ابتدأت بمولده وما تبعه من دراسته وتلقيه عن الشيوخ حتى أجيز بتدريس العربية ومن ثم فقد أصبح مشاركا في الحياة بصورة أخرى، ومنذ ذلك التاريخ تبدأ مرحلة متميزة من مراحل حياته دأب فيها على التلقي والدراسة مع مشاركة في الحياة العامّة. وقد أجيز بتدريس العربية منذ وقت مبكر (عام ٨٦٦ هـ) إذ لم يكن قد أتم السابعة عشرة، وقد ابتدأ التأليف منذ ذلك الوقت، ولهذا دلالته على قدرته الفائقة ونبوغه المبكر. وقد أسهم الرجل منذ ذلك الحين في الحياة العملية وتصدي للنفع العام بعد قليل فقصد مسجد ابن طولون وأملى به الحديث من مستهل عام ٨٧٢ هـ «١»، فكان يملي به الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة اتباعا للخطيب البغدادي وابن السمعاني وابن عساكر، وخلافا للعراقي وولده وابن حجر فإنهم كانوا يملون يوم الثلاثاء «٢»، ويحاول السخاوي الغض من قيمة عمل السيوطي فيتهمه بأنه كان يدرس لجمع من العوام أملى عليهم الحديث وأنه توسل بذلك إلى الوصول إلى منصب التدريس بالشيخونية «٣». وقد حصل السيوطي على إجازة بالتدريس والافتاء من شيخه البلقيني عام ٨٧٦ هـ، تصدر على أثرها للتدريس والافتاء، وحضر شيخه تصديره «٤»، وكانت سنه آنذاك تقترب من السابعة والعشرين، وهي سن صغيرة لمن يتصدى لمثل ذلك، وقد ساعده شيخه البلقيني في تولي وظيفة تصدير الفقه بالجامع

стр. 102

الشيخوني وهي الوظيفة التي كان بها أبوه من قبل «١». وفي العام التالي (شعبان ٨٧٧ هـ)، تولى السيوطي تدريس الحديث بالخانقاه الشيخونية بعد وفاة الفخر المقسي «٢»، وقد أعانه في الوصول إلى هذه الوظيفة. الأمير إينال الأشقر «٣». كما تولى السيوطي إلى جانب ذلك وظيفة أخرى هي مشيخة التصوف بتربة برقوق نائب الشام بالقرافة، وقد ساعده في توليها أبو الطيب السيوطي «٤»، وبقي السيوطي يجمع هذه الوظائف في يده حتى ناهز الأربعين من عمره. وتبدأ مرحلة ثالثة من حياة السيوطي حين بلغ الأربعين من عمره يلاحظ عليه فيها ميله إلى الهدوء وزهده في الدنيا، وقد حاول في بداية هذه المرحلة أن يعتكف وينقطع إلى الله تعالى، فترك وظائفه السابقة بيد أن اعتزاله التام لم يدم سوى بضعة شهور انتقل بعدها إلى وظيفة أكبر شأنا مما كان تحت يده وهي مشيخة الخانقاه البيبرسية وذلك في ربيع الآخر عام ٨٩١ هـ بعد وفاة الجلال البكري، وقد ساعده في الوصول إلى منصبه الأخير صديقه الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز «٥». وبالرغم من أن مشيخة البيبرسية كانت أعظم الوظائف التي تولاها السيوطي وأكبرها أجرا فإنه كان يميل آنذاك إلى الزهد، وكان يتجه بحياته نحو الاعتكاف

стр. 103

والانقطاع إلى العبادة والتأليف. والذي يدلنا على تميز هذه الفترة من حياة السيوطي بالميل إلى العزلة والانقطاع أنه قد حاول العزلة التامة لبضعة أشهر قبل توليه مشيخة البيبرسية ترك فيها الاقراء والافتاء وقد اتهمه معاصره السخاوي بأنه بعد استقراره في البيبرسية «خمد من ثمّ بل جمد بحيث رام ستر نفسه بقوله: تركت الافتاء والاقراء وأقبلت على الله» «١». وهناك ما يلقي الضوء على هذا التحول في حياة السيوطي بعد بلوغه الأربعين، ذلك أنه قد تعرض لأزمة بينه وبين السلطان قايتباي بسبب صعوده إليه بالطيلسان، ولم يستحسن السلطان ذلك منه، وتمسك السيوطي بموقفه وكادت الأمور تسير سيرا حسنا لولا أن ابن الكركي خصم السيوطي أوفر صدر السلطان وزين له البطش بالسيوطي مما دعاه إلى أن يحجم بعد ذلك عن الصعود إلى السلطان وألف رسالة سماها «ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين»، وقد ألف في لبس الطيلسان رسالة سابقة يدعم بها موقفه واستفتى السلطان العلماء في شأن موقف السيوطي، ولكنهم لم ينصروا الحق مما دعاه إلى أن يعتزل وظائفه السابقة «٢». وهنا نستطيع أن نقرر أن اعتزال السيوطي واعتكافه حين بلوغه الأربعين كما روى ذلك المترجمون له «٣»، كان في الفترة التي أعقبت اعتزاله لوظائفه السابقة وقبل توليه مشيخة البيبرسية، وقد كان اعتزالا موقوتا، ولم يكن دائما كما توهم التراجم السابقة، وإلا فإننا لا نستطيع أن نفسر اعتكافه مع توليه فيما بعد مشيخة البيبرسية ومكوثه بها نحو خمسة عشر عاما (٨٩١ هـ- ٩٠٦ هـ) مع مشاركته في الحياة العامة. ونحن نقول إنه مال إلى الزهد والعبادة منذ ذلك التاريخ ولكن اعتزاله

стр. 104

وانقطاعه عن الناس في بيته بالروضة كان في مرتين أولاهما لم تدم أكثر من بضعة أشهر كتب فيها مقامته اللؤلؤية التي تسمى أيضا «التنفيس في الاعتذار عن ترك الفتيا والتدريس». واعتزاله الثاني واعتكافه كان بعد عز له عن مشيخة البيبرسية في عام ٩٠٦ هـ، وقد صمم في هذه المرة على عزلته وانقطاعه حتى وفاته عام ٩١١ هـ. على أن المقامة التي كتبها في الاعتذار عن الافتاء والتدريس تطلعنا على الآلام التي كان يعانيها من معاصريه والأذى الذي تعرض له من بعض من يكيدون له، كما تبين لنا حالة الفساد التي ظهرت بالبيئات العلمية وجعلت الرجل يفكر في اعتزالها، وفي هذه المقامة يعتذر السيوطي إلى أصدقائه عن تركه الحياة العامة فيذكر كثيرا من الأعذار مجملها أن الزمان قد فسد وظهر به من العلامات «ما أمر النبي ﷺ بأن يلزم العالم عندها خاصة نفسه، ويجلس في بيته ويسكت ويدع أمر الحياة من ذلك الشح المطاع، ودنيا مؤثرة، وهوى له ذو أتباع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وذلك عين الابتداع، وقد مزجت الأمانات والعهود، وكثر القائلون بالزور والشهود ... الخ» «١». ويتضح من حديث السيوطي كثير من أوجه الفساد التي عانى منها عصره والتي تطرقت إلى الحياة العلمية، كما يدافع عن نفسه ويروى أن كثيرا من علماء السلف المعروفين قد اعتزلوا الحياة العامة حين شاهدوا فسادها، ويتحدث عن اعتزاله للتدريس فيذكر أن تلامذته طبقات ثلاث: أولاها كان فيها خير، والثانية كان بها خير وشر، والثالثة كانت شرا كلها وساء حالها، وهو يحاول بذلك تصوير استشراء الفساد شيئا فشيئا. ويذكر السيوطي أن فتاواه قد ملأت الأرض وأنه أهل للفتيا وقد انتفع الناس بعلمه، ويبدو من أسلوبه العنيف في آخر رسالته مدى العداء الذي كان يناصبه أعداؤه، فهو يهاجمهم هجوما لا هوادة فيه إذ يصف نفسه وما يبذله من الجهد في العلم وما يأتي به من أمور يعجز غيره عنها ثم ينظر فيجد نفسه بعد ذلك «بين

стр. 105

راء بجهام، ورام بسهام وطاعن بكلام، وظاعن بملام، وراجم بسلام غير راحم بسلام» «١». كما يشيع في الرسالة اعتداد السيوطي بنفسه وعلمه، فهو يعبر عن ذلك نثرا ثم لا يلبث أن ينظم شعرا يقول فيه: إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر إلى أن يقول: ولست بإمعة في الرجال ... أسائل هذا وذا ما الخبر ولكنني مدره الأصغرين ... أقضى بما قد مضى ما غبر ثم يهاجم السيوطي أعداءه الكثيرين ويبدو من رسالته أنه يخص بالهجوم ابن الكركي الذي كان يشي به آنذاك عند السلطان، وكان ابن الكركي إمام السلطان قايتباي، ويشتد السيوطي في هجومه حتى يقول عن خصمه «كلما سمع مني بمسألة يجهلها أكثر النعيق، وتابع النهيق ... فيا سبحان الله ما أنت وذا هل أنت إلا مغنّ وراء الزفف ... الخ» «٢». وهكذا يستمر السيوطي في مهاجمة ابن الكركي ومهاجمة غيره بأعنف أسلوب يمكن أن يكتب في الهجوم، ويعتمد السيوطي على ثروته اللغوية في هجومه الشديد وهجائه لخصومه فهو يصفهم بأنهم «حثالة حقالة حفالة رذالة بذالة نخالة سحالة وصالة هزالة نقالة غسالة بوالة زيالة ... الخ» «٣». وقد أورد السيوطي في رسالته مجموعة من الأشعار صور بها نواحي الفساد التي تخللت البيئات العلمية مما جعله يؤثر الابتعاد عنها والانقطاع في بيته فمن ذلك قول الشاعر: رأيت فقيه الشكل لا علم عنده ... ويقنع من حال الفقاهة بالاسم فقلت وقد وافى بتضليع عمّة ... تضلّع جهلا ما تضلع من علم

стр. 106

وقول القائل: دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا ويطفو فوقه جيفه وقول القائل: وعاش بدعوى العلم قوم وما لهم ... من العلم حظ لا بعقل ولا نقل فوا عجبا للعلم يحرم رزقه ... عليم وللأغمار ترزق بالجهل «١» ويبدو أن حالة السيوطي النفسية وما عاناه من آلام تسبب في إذكاء نيرانها خصومة، وما آل إليه أمره بعد ترك وظائفه السابقة التي كانت تأتيه بنصيب لا بأس به من أوقافها، هذه الحالة قد دفعته لأن ينفث في رسالته تعبيرا عما يحس به داخل نفسه، وتخفيفا لآلامه. فهي تصور حالة نفسية في وقت من أوقات الشدة التي مر بها ولجأ إلى قلمه عساه يجد فيه صديقا يشكو إليه ألمه بعد أن اعتزل جميع الأصدقاء. ولا تخلو هذه الرسالة من مبالغات في وصف الفساد واتهام الخصوم، ويبدو أن الخليفة عبد العزيز المتوكل على الله الذي كان صديقا للسيوطي ومخالطا له في أكثر الأحيان قد آلمه ما آل إليه أمر صديقه، وكان يعرف عنه اعتداده بنفسه، فسعى له في تولي مشيخة البيبرسية. والواقع أن مشيخة البيبرسية- في ذلك الحين- كانت أكبر الوظائف التي يتولاها القائمون بالتدريس لأنها كانت أعظم الخوانق المصرية وأوسعها أوقافا، وأكثرها صوفية، ولا نستطيع أن ننكر أن السيوطي قد قرت عينه بهذا المنصب الجديد، وربما يكون قد سعى في سبيل الوصول إليه، ولعله كان يرى نفسه أكفأ وأصلح من غيره لأن يوضع في هذا المكان، وأيا ما كان الأمر فإن ذلك لا ينفي عنه نزعة التصوف الحقيقي التي كانت تخالط وجدانه والتي تمثلت في ميله إلى العزلة.

стр. 107

وبالرغم من الوظائف الجليلة التي تولاها السيوطي فإنه- على ما يبدو- لم يقنع بها بل كان يرى نفسه أهلا لأن يلي من الأعمال ما هو أجل مما وصل إليه لا سيما بعد أن بلغ من العلم مبلغا، وكانت وظائف القضاء- كما أشرنا من قبل- لها شأنها في المجتمع، وكانت وظيفة قاضي قضاة الشافعية التي يمكن للسيوطي باعتباره فقيها شافعيا أن يطمح إليها في يد الشيخ زكريا الأنصاري (٨٢٤ هـ- ٩٢٦ هـ) وكان أسنّ من السيوطي وقد تولى هذا المنصب منذ وقت مبكر (٨٨٦ هـ)، وكان معروفا بالنزاهة والعدالة والميل إلى الزهد والتمسك بالحق «١»، وقد قبل منصب القضاء بعد تمنع وإباء وقد مكث به نحو عشرين عاما حتى ضعف واعتزل بنفسه عام ٩٠٦ هـ «٢»، ثم أعيد إليه مرة ثانية، لذلك لم يشأ السيوطي أن ينافسه لزهده وعفته وصافته الحميدة التي جعلت منه صديقا له ومؤيدا في بعض المواقف «٣» وكان سلوك الشيخ زكريا لا يدفع أحدا إلى منافسته لا سيما أنه كان عزوفا عن الدنيا غير راغب فيها، مألفا يحبه الناس ويجتمعون إليه. لم يحاول السيوطي أن ينافسه في الوصول إلى منصب القضاء برغم صلاته القوية بالخلفاء وبعض رجال الدولة لما قدمنا من أسباب، ولأن هذه المحاولة من شأنها أن تسيء إلى السيوطي وتبغضه إلى الناس وإلى أولي الأمر إذا أقدم عليها. ولكن طموح السيوطي وتطلعه إلى منصب القضاء جعله يتخذ وسيلة أخرى لذلك إذ اتصل بصديقه المتوكل على الله الخليفة العباسي في ذلك الوقت (صفر ٩٠٢ هـ)، واقترح عليه أن يجعله رئيسا لجميع القضاة بمذاهبهم الأربعة، ولم تكن هذه الوظيفة معروفة بمصر آنذاك إذ إن قضاة كل مذهب كانوا يتبعون قاضي قضاة المذهب، وبذلك فإن أعلى مراتب القضاء كانت وظائف قضاة القضاة الأربعة، ولكن السيوطي أفهم الخليفة بأن وظيفته التي يقترحها كانت بمصر زمن الأيوبيين، وقد تولاها القاضي ابن بنت الأعز، وأن من حق الخليفة

стр. 108

أن يكلها إلى من يراه أهلا لذلك، ومن ثم فإن صاحب هذه الوظيفة تكون له السلطة على قضاة القضاة الأربعة فمن دونهم. وقد مال الخليفة إلى اقتراح السيوطي، وكان السيوطي في ذلك الحين قد بلغ مكانة علمية ممتازة فضلا عن مكانته الاجتماعية ونشاطه السابق ومشاركته في الحياة العامة بمصر، وأعلن الخليفة أنه عهد للسيوطي بهذه الوظيفة في صفر عام ٩٠٢ هـ «١». ولم يكن هذا التصرف- بطبيعة الحال- مرضيا للقضاة بل كان سببا لثورتهم ومعارضتهم وهاجموا الخليفة وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حلّ ولا عقد ولا ولاية ولا عزل ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا. وكان السلطان آنذاك الناصر محمد بن قايتباي، ولم يكن يبلغ أن العشرين من عمره، وكان على ما وصفه المؤرخون به طيش وظلم، ويبدو أن الخليفة تخوف من مساعي القضاة لدى السلطان وتأليبهم السلطان عليه بحجة أنه فعل أمرا ليس من حقه، وإنما هو من حق السلطان، وقد شرحنا من قبل ما كان عليه أمر الخلافة العباسية في مصر طيلة ذلك العهد، لذلك لم يستطع الخليفة الصمود في وجه تيار الثائرين عليه من القضاة فرجع عن ذلك وتعلل بأن الشيخ جلال الدين السيوطي هو الذي حسن له ما فعل، وأشهد على الخليفة بالرجوع عن العهد الذي عهد به إلى السيوطي ويبدو من سياق ما أورده ابن إياس عن هذه القصة أن السيوطي بعلمه وعقليته الكبيرة ولما بينه وبين الخليفة من صلات طيبة قد استطاع التأثير على الخليفة وإقناعه بأن يقدم على عمل لم يكن معهودا في عصره، ولم يقدر عاقبته، ولم يحتط لما سيترتب عليه من ثورة القضاة. ولنترك جانبا هذه القصة التي تدل على طموح السيوطي إلى تولي القضاء، ولعله كان يبغي شيئا من الاصلاح، ولنتجه مرة أخرى إلى السيوطي حيث لا يزال يشغل مشيخة البيبرسية كبرى الخوانق وأوسعها أوقافا في عهده، وكانت البيبرسية تضم أكبر عدد من المتصوفة الذين تجري عليهم الأرزاق من جنى

стр. 109

أوقافها، وقد رأى السيوطي ما آل إليه أمر التصوف في عهده من كثرة الأدعياء الذين استمرءوا العيش داخل الخوانق دون عمل، ولم يقوموا بواجباتهم في العبادة والتخلق بأخلاق التصوف الحقيقة، لذلك فقد وجه إليهم السيوطي نصحه بأن «الصوفي من تخلق بأخلاق الأولياء ... ومن يأكل المعلوم بغير تخلق بأخلاقهم حرام» «١». وقد عمد السيوطي إلى قطع جعلية هؤلاء الصوفية، ولكنهم ثاروا عليه، وكادوا يقتلونه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية «٢»، وكانت هذه الحادثة في جمادى الآخرة عام ٩٠٣ هـ، ولم يكتف الصوفية بإهانتهم للشيخ بل إنهم شكوه إلى السلطان وسعوا لديه في سبيل قتله، وقد شجعهم وأعانهم على ذلك الأمير طومان باي الذي كان يلي «الدوادارية الكبرى» ويعد صاحب المنصب الثاني في الدولة بعد السلطان، وكان بين السيوطي وبين طومان باي عداوة، وقد مر السيوطي ببعض المحن خلال هذه الأزمة، وقد سعى طومان باي جاهدا في سبيل قتله كما لم يكف أعداؤه عن تأليب ذوي الشأن من العلماء والأمراء عليه، ويبدو أن السيوطي أبدى من الشجاعة ورباطة الجأش خلال أزمته ما جعل تلميذه الشعراني يذكر أنه «لم يتغير منه شعرة واحدة» «٣»، ويدافع الشعراني عن السيوطي ويهاجم الذين ثاروا عليه كثيرا حتى يقول: «إن جميع من قام على الشيخ حصل له مقت بين العباد ومات على أسوأ حال» «٤». ويستدل بعض الباحثين بهذه الحادثة على فساد التصوف، وانتشار الجهل بين الصوفية الذين ارتفع قدرهم بين العامة على قدر العلماء، كما يرى أن السيوطي كان على حق في سلوكه مع هؤلاء الصوفية «٥». ولم ينل أعداء السيوطي الذين انتهزوا هذه الأزمة للايقاع به ما يبتغون،

стр. 110

ومرت الفتنة وظل السيوطي في مشيخة البيبرسية، ولم تكن هذه الحادثة سببا في فقده لمشيخة البيبرسية كما توهم كاتب ترجمته في دائرة المعارف الاسلامية «١»، وقد وقع في هذا الوهم أيضا عبد الوهاب حمودة «٢»، وليس الأمر كما ذهبا إليه لأن هذه الحادثة كانت في جمادى الآخرة عام ٩٠٣ هـ، وقد نص عليها ابن إياس المؤرخ المعاصر لهذه الفترة، ثم إن تركه لمشيخة البيبرسية لم يكن إلا في رجب عام ٩٠٦ هـ أي بعد ثلاث سنوات من الحادثة السابقة، ولم يكن سبب تركه لها هو أصداء الحادثة المذكورة، بل كان سبب عزله من مشيخة الخانقاه كما سنرى هو تولي طومان باي السلطنة بعد أن كان يشغل منصب الدوادارية الكبرى، وحينئذ تخوف السيوطي على نفسه فاختفى في جهة غير معلومة وكان السلطان قد طلبه ليفتك به «فلما اختفى قرر السلطان الشيخ يس البلبيسي في مشيخة الخانقاه البيبرسية عوضا عن الجلال السيوطي بحكم صرفه عنها»، وقد نص على ذلك ابن اياس في حوادث جمادى الآخرة عام ٩٠٦ هـ «٣». وهكذا فلقد ظل الرجل بعد حادثة الصوفية في مشيخة البيبرسية بالرغم من كثرة الأذى الذي تعرض له، والثورة الجامحة التي شارك فيها أعداؤه المتربصون به والتي كادت تعصف به. ويبدو أنه قد تعرض لبعض الأذى من أعدائه بعد هذه الحادثة مما جعله ينفث ما يشعر به من ظلم في رسالته «تأخير الظلامة إلى يوم القيامة» «٤»، وبالرغم من اتباعه في رسالته منهجه في التأليف الذي يكثر فيه من النقول، وعلى الرغم من أن الرسالة في جملتها مجموعة من النقول والقصص التي تذكر ليكون للمؤتسي بأصحابها أسوة حسنة فإن روح الرسالة تشعرنا بمدى ما تعرض له وأحس به خلال هذه الفتنة وبعدها. وقد تطورت الأحداث بعد ذلك على غير ما يهوى السيوطي، فقد آلت
следующие страницы →