← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الأول مقدّمة [المحقق] الحمد لله العزيز الوهاب، أنزل على عبده الكتاب، هدى وذكرى لأولى الألباب، والصلاة والسلام على سيد الأحباب، نبينا محمد- ﷺ النبي الأمي المبعوث بالحق والصواب، الشافع المشفع يوم الحساب، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب. أما بعد: فإن علوم القرآن الكريم أرفع العلوم قدرا، وأشرفها ذكرا، والاشتغال بها من أجلّ الأعمال وأفضل القربات، لأنها تتعلق بخدمة كتاب الله تعالى، وقد كان القرآن الكريم موضع عناية من النبي ﷺ وصحابته الكرام، ومن تبعهم من العلماء الأجلاء الذين عكفوا عليه يدرسونه ويستخرجون كنوزه، فأولوه عناية فائقة، فاعتنوا بتفسيره وبيان أساليبه وبلاغته، إلى غير ذلك، وتناولوا كثيرا من نواحيه بالبحث والتوضيح، وتنافسوا في هذا الميدان الفسيح، وأفنوا أعمارهم في تصنيف الكتب التي تخدم هذا القرآن العظيم، وهم بهذا يكونون قد أدوا واجبهم نحوه، كل بحسب ما أوتى من العلم، فخلفوا لنا تراثا علميا تزخر به المكتبات في أنحاء المعمورة، وكلها تدل على العناية بهذا الدستور الإلهي الرباني الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ... «١». ومعظم هذا التراث لا زال مخطوطا ينتظر من ينفض عنه الغبار، ويخرجه إخراجا سليما، بحيث يكون في متناول طلاب العلم والمعرفة، وبخاصة طلاب الدراسات العليا. ومن أجلّ هذه المخطوطات ما يسمى في اصطلاح المتأخرين ب «علوم القرآن»، واني أحمد الله الذي وفقني لتحقيق كتاب من خيرة الكتب التي صنفت في علوم

стр. 2

القرآن، ألا وهو «جمال القراء وكمال الإقراء» لموضوع بحثي، وهو لعلم الدين السخاوي المتوفي سنة ٦٤٣ هـ، وقد كنت أحد خريجي كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، وكنت شغوفا في حبي لكتاب الله تعالى ومعرفة علومه، ومنّ الله عليّ بالالتحاق بشعبة التفسير وعلوم القرآن من قسم الدراسات العليا، وكان عملي في مرحلة الماجستير في موضوع «عبد الرحمن الثعالبي ومنهجه في التفسير» فأردت أن أجمع بين الحسنيين، الموضوع والتحقيق، فاخترت هذا الكتاب وهو كتاب مهم ومفيد، إذ تناول فيه مؤلفه أنواعا من العلوم المتصلة بالقرآن الكريم، كمعرفة المكي والمدني، والكلام على إعجاز القرآن وفضائله، وكيفية تأليفه، وتجزئته وعدد آياته وسوره، وذكر الشواذ، وناسخ القرآن ومنسوخه، وغير ذلك، وهي موضوعات مهمة، كلها تتعلق بالقرآن الكريم. فألفيته جديرا بالاهتمام والتحقيق، وبخاصة أن مؤلفه علم الدين السخاوي الذي أجمع المؤرخون له على جلالة قدره، فشد هذا من أزري وشجعني على اختيار هذا الموضوع، ولا شك أن العمل في مجال تحقيق التراث، مجال فيه مشقة وتعب، وفي الوقت نفسه فيه لذة وسعادة، وإن بعض من لم يمارس عمل التحقيق ويكابد مشقته، يظن أنه عمل سهل وميسور، ويظن أنه مجرد إزالة الغبار عن كتاب مغمور ونسخه وإخراجه، والواقع أن تحقيق كتب التراث يحتاج إلى وقت وجهد كبير، ويتمثل ذلك في التعليق على بعض المسائل المهمة، وإيضاح القضايا العلمية التي تحتاج إلى إيضاح، وعزو الآيات القرآنية وتخريج الأحاديث النبوية، وترجمة الأعلام .. إلى غير ذلك، مما يخدم النص، ويخرجه إلى طلاب العلم والمعرفة بثوب يليق به، وهذا ما حاولت أن أسلكه في تحقيق هذا الكتاب، وقد كانت مهمتي شاقة، إذ أن الكتاب يشتمل على عدة علوم، كل علم يكاد يكون علما مستقلا بذاته ويحتاج إلى متخصص، وحسبي أني اجتهدت وبذلت طاقتي فإن أصبت فالحمد لله الذي وفقني للصواب، وإن أخطأت، فكل بني آدم خطاء، والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 3

تمهيد وقد ضمنته ما يأتي: أ) تعريف علوم القرآن. ب) أهم المصنفات في علوم القرآن منذ عصر التدوين حتى عصر علم الدين السخاوي. ج) أثر كتاب «جمال القراء فيمن جاء بعده من المؤلفين». وقبل الشروع في الحديث عن هذه القضايا أقول وبالله التوفيق: لقد كان الصحابة- ﵃ عربا خلصا، يتذوقون الأساليب الرفيعة ويفهمون ما ينزل على النبي ﷺ من الآيات البينات. فإذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن، سألوا عنه النبي ﵌ فيبيّن لهم ما خفي عليهم، لأن الله آتاه الكتاب وعلّمه ما لم يكن يعلم، فلم تكن الحاجة ماسة إلى وضع تأليف في «علوم القرآن» في عهده ﷺ «١». وظلت علوم القرآن تروى بالتلقين والمشافهة على عهده ﵌ ثم على عهد الشيخين أبي بكر وعمر- ﵄ وفي خلافة عثمان- ﵁ بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، فأمر عثمان أن يجتمعوا على مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف للأمصار، وأن يحرق الناس كل ما عداها «٢». وقد شكلت لجنة لهذا العمل الجليل برئاسة زيد بن ثابت- ﵁ فوضعت

стр. 4

لها منهجا اتبعته في رسم الكلمات التي ورد فيها أكثر من قراءة صحيحة، وبهذا تكون هذه اللجنة قد وضعت الأساس لعلم رسم القرآن «١». و «علوم القرآن» كلمة شاملة تعم كل ما يتعلق بالقرآن الكريم. وهذا موضوع واسع، وبحر لا ساحل له. يقول الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) (وعلوم القرآن لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى .. ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث «٢») اهـ. إذن فلم تكن علوم القرآن قد اتخذت وضعا مستقلا في العصور الإسلامية الأولى وإنما وردت متفرقة في روايات المحدثين، وأقوال العلماء ومقدمات كتب التفسير (كالطبري والحوفي والزمخشري وابن عطية والقرطبي .. ) «٣». وهناك بعض العلماء ألفوا كتبا في موضوعات مختلفة تتصل بالقرآن الكريم في جانب من جوانبه المتعددة، وكانت طريقتهم استقصاء جزئيات القرآن، ثم جمعت هذه المباحث تحت عنوان «علوم القرآن» «٤». أ) تعريف علوم القرآن: هذا اللفظ مركب إضافي، وله جزءان، مضاف وهو «علوم»، ومضاف إليه وهو «قرآن». وله معنيان، معنى باعتباره مركبا اضافيا، ومعنى باعتباره «علما». أما المعنى الأول: فيراد بكلمة «علوم» - وهو المضاف-: كل علم يخدم القرآن الكريم، ويتصل به، ويستند إليه، وينتظم ذلك علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم إعجاز القرآن، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم إعراب القرآن وعلم القراءات، وعلم عد الآي وفواصلها، وعلم الرسم العثماني، وعلم الدين من فقه وتوحيد وغيرهما، وعلم العربية من نحو وبلاغة وسواهما.

стр. 5

ويراد بكلمة «القرآن» وهو المضاف إليه: الكتاب المقدس المنزل على سيدنا محمد ﷺ المتعبد بتلاوته «١». والمعنى الثاني: يراد به أن لفظ «علوم القرآن»: نقل من هذا المعنى الإضافي، وجعل «علما» على الفن المدون، وأصبح مدلوله «علما» غير مدلوله مركبا اضافيا «٢». ويمكن تعريفه باعتباره «علما» بأنه المباحث المتعلقة بالقرآن من ناحية مبدأ نزوله، وكيفية هذا النزول، ومكانه ومدته، ومن ناحية جمعه وكتابته في العصر النبوي، وعهد أبي بكر وعثمان، ومن ناحية إعجازه وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأقسامه وأمثاله، ومن ناحية ترتيب سوره وآياته وترتيله وأدائه إلى غير ذلك «٣». وإنه لمن الصعب الجزم بتحديد أول من جمع هذه العلوم في كتاب واحد «٤». إلّا أن الشيخ عبد العظيم الزرقاني يذكر أن أول من ألّف في علوم القرآن هو علي بن إبراهيم بن سعيد المشهور بالحوفي المتوفي سنة ٤٣٠ هجرية. حيث صنف كتابه «البرهان في علوم القرآن» «٥». هذا ما يراه الزرقاني- ﵀ ولكن بالاطلاع وجدت أن هناك من ألّف في علوم القرآن من قبل الحوفي كالواقدي المتوفي سنة ٢٠٧ هـ حيث صنف كتابه «الرغيب في علم القرآن» وابن المرزبان المتوفي سنة ٣٠٩ هـ الذي ألّف كتابه «الحاوي في علوم القرآن» وغيرهما ممن سيأتي ذكرهم في الفقرة التالية. ب) أهم المصنفات في علوم القرآن من بدء التدوين حتى عصر السخاوي: لقد تتبعت المصنفات التي تحمل هذا العنوان «علوم القرآن» أو كلمة نحوها منذ عصر التدوين إلى عصر السخاوي، ورجعت في ذلك إلى كثير من مصنفات علوم القرآن، والفهارس العامة والمخطوطات، وظفرت بالكتب التالية: وسأرتبها حسب وفيات مؤلفيها، مع الإشارة إلى المطبوع منها أو المخطوط، وما وجدت إلى ذلك سبيلا:

стр. 6

[١] الرغيب في علم القرآن: لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ ذكره ابن النديم «١». وهو مخطوط «٢». [٢] الحاوي في علوم القرآن: لأبي بكر محمد بن خلف بن المرزبان المتوفى سنة ٣٠٩ هـ قال ابن النديم: كبير، سبعة وعشرون جزءا «٣». وكذلك قال إسماعيل باشا البغدادي «٤». وذكره الزركلي «٥»، والدكتور محمد سالم محيسن «٦»، دون أن يذكرا عدد الأجزاء، وهو مخطوط «٧». [٣] عجائب علوم القرآن: لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، تكلم فيه مؤلفه على فضائل القرآن، ونزوله على سبعة أحرف، وكتابة المصاحف، وعدد السور والآيات والكلمات «٨». وهو مخطوط «٩». وذكره الدكتور محمد سالم محيسن بعنوان «في علوم القرآن «١٠»». وتوجد منه نسخة في مجلد في مكتبة البلدية بالإسكندرية، مكتوبة بقلم نسخ واضح سنة ٦٥١ هـ بخط علي بن إبراهيم بن محمد (٣٥٩٩ ج) قال المفهرس: وقد أخذنا نسبة هذا الكتاب إلى ابن الأنباري من أوائل فصوله «١١» اهـ. [٤] الشافي في علم القرآن: تأليف يونس بن محمد بن إبراهيم الوفراوندي، ذكره ابن النديم «١٢» وهو مخطوط «١٣»، وذكره كذلك ياقوت الحموي «١٤».

стр. 7

[٥] الشامل في علم القرآن: لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ. ذكره ابن النديم «١»، وهو مخطوط «٢». [٦] المختزن في علوم القرآن: لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ٣٣٤ هـ «٣». وهو عظيم جدا «٤». [٧] إمام التنزيل في علم القرآن: تأليف الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠ هـ وهو مخطوط «٥». [٨] الأنوار في علم القرآن: لأبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم المتوفي سنة ٣٦٢ هـ ذكره ابن النديم «٦»، والزركلي بعنوان «الأنوار في تفسير القرآن «٧»». [٩] الآمد في علوم القرآن: تأليف عبيد الله بن محمد بن جرو الأسدي المتوفى سنة ٣٨٧ هـ وهو مخطوط «٨». [١٠] الاستغناء في علوم القرآن: لأبي بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ ذكره أبو شامة «٩»، والدكتور صبحي الصالح «١٠»، وأستاذنا الدكتور محمد سالم محيسن «١١». وهو مخطوط، قال الزركلي: يقع في مائة جزء، رأى منها صاحب «الطالع السعيد» «عشرين مجلدا» «١٢» هـ. [١١] التنبيه على فضل علوم القرآن: لأبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٦ هـ.

стр. 8

ذكره كل من الزركشي «١»، والسيوطي «٢»، ونقلا عنه. [١٢] البرهان في علوم القرآن: لأبي الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي المتوفى سنة (٤٣٠ هـ) يوجد من هذا الكتاب أجزاء كثيرة مخطوطة «٣». وأفاد الزرقاني أنه ظفر في دار الكتب المصرية بهذا الكتاب، وهو يقع في ثلاثين مجلدا، والموجود منه خمسة عشر مجلدا، غير مرتبة ولا متعاقبة .. إلخ. قال: وقد رأيته يعرض الآية الكريمة بترتيب المصحف، ثم يتكلم عليها من علوم القرآن «٤» .. إلخ. [١٣] البيان في علوم القرآن: لأبي عامر فضل بن إسماعيل الجرجاني المتوفى في حدود سنة ٤٤٥ هـ، ذكره حاجي خليفة «٥»، وإسماعيل باشا البغدادي «٦». [١٤] البيان الجامع لعلوم القرآن: لأبي داود سليمان بن نجاح المقرئ المتوفى سنة ٤٩٦ هـ ذكره الذهبي والزركلي، وقالا: يقع في ثمانمائة جزء «٧». [١٥] رسالة في علوم القرآن: لأبي محمد جعفر بن أحمد بن السراج المتوفى سنة ٥٠٠ هـ مخطوط في الظاهرية رقم ٥٩٨٧ ضمن مجموع «٨». [١٦] جواهر القرآن: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ ضمنها الكلام على أنواع علوم القرآن .. طبع عدة طبعات «٩». [١٧] مقدمتان في علوم القرآن: مقدمة ابن عطية المتوفى سنة ٥٤٢ هـ، ومقدمة المباني طبع في مصر- مكتبة الخانجي سنة ١٣٩٢ هـ بتحقيق آرثر جعفري.

стр. 9

[١٨] فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن: ويسمى: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن- لابن الجوزي طبع في المغرب- الدار البيضاء- سنة ١٩٧٠ م بتحقيق أحمد الشرقاوي «١». [١٩] المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن: لابن الجوزي، له نسخ كثيرة في دار الكتب الخديوية ودار الكتب المصرية «٢». [٢٠] مختصر فنون الأفنان في علوم القرآن: لابن الجوزي، مخطوط، منه نسخ خطية في دار الكتب الخديوية، ودار الكتب المصرية، ومكتبة الغازي حسر وبك في يوغسلافيا «٣». [٢١] المدهش في علوم القرآن والحديث: لابن الجوزي، نشره محمد السماوي- بغداد- مطبعة الآداب سنة ١٣٤٨ هـ، وفي بيروت- المؤسسة العالمية سنة ١٩٧٨ م «٤». [٢٢] المغني في علوم القرآن: لابن الجوزي «٥». [٢٣] نهاية التأميل في علوم التنزيل: لأبي حفص عمر بن الخطيب المتوفى سنة ٦٠٠ هـ، مخطوط، الخزانة التيمورية رقم ٤٧١ «٦». [٢٤] رسالة في علوم القرآن: للسخاوي علي محمد المتوفى سنة ٦٤٣ هـ «٧». هذا بالإضافة إلى كتابه «جمال القراء وكمال الاقراء» الذي نحن بصدد الحديث عنه، ثم جاء بعد ذلك أبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هجرية- تلميذ السخاوي-، فوضع كتابا في علوم القرآن سماه «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز». ثم جاء الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، فألّف كتابه «البرهان في علوم القرآن»،

стр. 10

وتبعه جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ فوضع كتابه «الإتقان في علوم القرآن» ثم تتابع العلماء بعد ذلك في وضع مصنفات، معظمها على هيئة مباحث متصلة بعلوم القرآن «١». ج) أثر كتاب (جمال القراء .. ) فيمن جاء بعده من المؤلفين: من يقرأ تاريخ العلماء يجد أن كثيرا منهم استفاد ممن سبقهم، وأفاد من جاء بعدهم، وهذا أمر مشاهد ومعروف، ومما لا شك فيه أن لشخصية المؤلف ومكانته العلمية دورا كبيرا في إفادة من جاء بعده. والإمام السخاوي شخصية علمية كبيرة اشتهر في البيئة التي نشأ فيها، وفي المجتمع الذي مكث يقرئ فيه نيفا وأربعين عاما، إذ كان الناس في إقبال شديد على تعلم أنواع العلوم، وبخاصة علوم القرآن الكريم، ثم إن كثيرا منهم ترك هذا الفن لصعوبة مسلكه وتشعب معلوماته، فظلت شخصية السخاوي محدودة لدى المتخصصين في علم القراءات، بل إن كثيرا من طلاب العلم عند ما يذكر له السخاوي، لا ينصرف ذهنه إلّا إلى شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المحدث المؤرخ المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، وبناء على هذا ظلت مؤلفات إمامنا السخاوي مغمورة محبوسة في المكتبات تنتظر من ينفض الغبار عنها ويخرجها إلى طلاب العلم والمعرفة، وقد وجدت بعض العلماء كأبي شامة وابن الجزري والسيوطي وغيرهم من السابقين نقل عن (جمال القراء .. ) بعض الفوائد، كما وجدت أيضا بعض العلماء المعاصرين من أفاد من هذا الكتاب، مثل شيخنا عبد الفتاح القاضي- رحمه الله تعالى-. وأستاذنا الدكتور محمد سالم محيسن- حفظه الله تعالى-. ولا شك أن هذا النقل والإفادة من كتب السابقين يعتبر دليلا واضحا على أهميتها. وتتميما للفائدة سأشير إلى بعض العلماء الذين استفادوا من كتاب (جمال القراء .. ): [١] أفاد الشيخ أبو شامة من كتاب «جمال القراء .. » في أماكن متعددة من كتابه (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز)، فقد أفاد منه عند كلامه على كيفية نزول القرآن، وتلاوته، وذكر حفاظه في ذلك الزمان. قال: قال الشيخ أبو الحسن في كتابه (جمال القراء .. ) في ذلك:- أي في إنزاله إلى سماء الدنيا- تكريم بني آدم .... «٢» الخ.

стр. 11

وكان أحيانا يتكلم على القضية، ثم يقول: وقد تكلم على ذلك شيخنا أبو الحسن- ﵀ ببعض ما ذكرناه «١». * وعند كلامه عن كتابة القرآن وجمعه، كان من كلامه: أن أبا بكر- ﵁ قال لعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت: «أقعدوا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى فاكتباه» اهـ. ثم قال أبو شامة: قال الشيخ أبو الحسن في كتابه (جمال القراء .. ): ومعنى هذا الحديث- والله أعلم- «من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وإلّا فقد كان زيد جامعا للقرآن «٢» .. » اهـ. [٢] كما نوه المحقق ابن الجزري بهذا الكتاب وأثنى عليه ونقل منه في كتابه النشر، وقد روا هـ بإسناده إلى المؤلف ضمن الكتب التي ذكر كيفية روايته لها «٣». [٣] واقتبس منه أحمد بن محمد القسطلاني عند كلامه عن حكم القراءة الشاذة، قال: وقد أجمع الأصوليون والفقهاء وغيرهم على أن الشاذ ليس بقرآن ... صرح بذلك الغزالي وابن الحاجب .. والسخاوي في (جمال القراء .. ) «٤». [٤] واقتبس منه البدر العيني عند شرحه لحديث بدء الوحي، قال: وقال السخاوي: ذهبت عائشة- ﵂ والأكثرون إلى أن أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى قوله: ما لَمْ يَعْلَمْ «٥» «٦» .. الخ. [٥] والإمام السيوطي يعتبر من المكثرين من النقل عن السخاوي المتأثرين به تأثرا واضحا في كتابه (الإتقان في علوم القرآن)، حيث نقل عنه في أماكن كثيرة، وعزا ذلك إلى (جمال القراء .. ):- * فهو يعد (جمال القراء) من الكتب التي اعتمد عليها «٧».

стр. 12

* وأفاد منه عند كلامه عن الآيات المستثناة من المكي والمدني. * وعند كلامه عن الحضري والسفري، وعن النهاري والليلي. * وعند كلامه عن (ما تكرر نزوله)، وعند كلامه عن كيفية إنزال القرآن الكريم. * وكذلك عند حديثه عن أسماء السور، وعن تقسيمات القرآن بحسب سوره. * وعند جمعه وترتيبه، وعدد سوره وآياته وكلماته وحروفه «١» .. الخ. وأفاد منه كل من: [٦] الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي «٢». [٧] والشيخ محمود بن عبد الله الآلوسي «٣». [٨] وشيخنا عبد الفتاح القاضي- ﵀ «٤» -. [٩] وأستاذنا الدكتور محمد سالم محيسن «٥».

стр. 13

القسم الأول الباب الأول حياة المؤلف «١» وقد ضمنته ما يأتي: أ) اسمه وكنيته ولقبه «٢»: هو علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن غطاس «٣»

стр. 14

الهمداني المصري السخاوي الشافعي. * كنيته: أبو الحسن باتفاق من ترجم له. وقد وردت آثار تحث على التكني، وترغب في إشاعتها، ولا سيما إذا كانت الكنية غريبة، ولا يكاد يشترك فيها أحد مع من تكنّى بها في عصره، فإنه يطير بها ذكره في الآفاق، وتتهادى أخباره الرفاق «١» .. * ولقبه: (علم الدين) باتفاق المترجمين له. واللقب إن دلّ على ما يكرهه المدعو به كان منهيا، وأما إذا كان حسنا فلا ينهى عنه، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم، تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير «٢». * نسبته: نسبه بعض المترجمين إلى همدان «٣»، وهمدان: قبيلة من اليمن «٤» قال ابن حزم: وهمدان هو ابن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ «٥» اهـ. وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان «٦». وقد اشتهرت نسبته ب (السخاوي) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة، وبعدها ألف، هذه النسبة إلى (سخا)، وهي بليدة بالغربية من أعمال مصر «٧»، وقياسه (سخوي)، لكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى «٨». وهذا المكان يسمى الآن بكفر الشيخ «٩». وكثيرا ما يلتبس صاحبنا علم الدين السخاوي المقرئ المجوّد المتوفى سنة ٦٤٣ هـ

стр. 15

بشمس الدين السخاوي المحدث المؤرخ المتوفى سنة ٩٠٢ هـ لاشتهار كل منهما. وقد اشترك مع الإمام السخاوي في هذه النسبة جماعة من قبله ومن بعده، وهم: [١] زياد بن المعلى أبو أحمد «السخاوي» توفي ب «سخا» سنة ٢٥٥ هـ «١». [٢] أبو الفتح بن عبد الرحمن بن علوي بن المعلى «السخاوي» الحنفي فقيه أديب ناشر شاعر خطيب، له مصنفات في فروع الفقه، توفي بدمشق سنة ٦٢٩ هـ «٢». [٣] علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة الكندي (السخاوي) المالكي شرف الدين، أبو الحسن، أديب نحوي شاعر، حفيد إبراهيم بن جبارة شيخ علم الدين السخاوي- الآتي ترجمته- إن شاء الله تعالى- توفي سنة ٦٣٢ هـ «٣». [٤] نصر الله بن عبد الرحمن بن مكارم الأنصاري «السخاوي» الحنفي أبو الفتح فقيه، توفي بدمشق سنة ٦٣٣ «٤» هـ. [٥] محمد بن أبي الكرم عز الدين الحنفي (السخاوي)، كان نائبا في الحكم زمن الجمال المصري قاضي القضاة إلى أن مات سنة ٦٤٧ هـ «٥». [٦] علي بن عبد الحميد (السخاوي)، حافظ زمانه، وواحد أوانه، ولي القضاء بدمشق نيفا وسبعين يوما، وأدركه الأجل فمات سنة ٧٥٦ هـ «٦». [٧] مساعد بن ساري بن مسعود المصري (السخاوي) الشافعي، فرضيّ، سكن دمشق، وتوفي بها سنة ٨١٩ هـ «٧». [٨] محمد بن الحسن بن علي (السخاوي)، فاضل، من آثاره (بضاعة المجود) كان حيا سنة ٨٤٦ هـ «٨».

стр. 16

[٩] محمد بن محمد بن محمد الأنصاري (السخاوي) بدر الدين المصري الشافعي، له (شرح تنقيح اللباب) توفي سنة ٨٦٩ هـ «١». [١٠] محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عثمان شمس الدين، أبو الخير (السخاوي) وهو أشهرهم في هذه النسبة كما قلت- فقيه محدث مؤرخ- توفي سنة ٩٠٢ هـ «٢». [١١] محمد بن محمد (السخاوي) مؤلف (تخميس طي البردة وتلخيص نثر الوردة) «٣». [١٢] عبد القادر بن علي (السخاوي) الشافعي، له (الرسالة العثمانية، او السخاوية في علم الحساب) «٤». [١٣] عبد المعطي بن أحمد بن محمد (السخاوي) المدني، مفسر فقيه مؤرخ، من آثاره تفسير القرآن، وسمّاه (فتح المجيد) في ستة أسفار كان حيا حوالى سنة ٩٦٠ هـ «٥». ب) مولده: اختلف المترجمون في تاريخ مولده، فمنهم من قال: ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة «٦». وقال ابن خلّكان: ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة «٧». وقد تابع ابن خلكان كلّ من السيوطي «٨»، وابن الغوطي «٩»، والزركلي «١٠»، ورضا كحالة «١١».

стр. 17

ج) أسرته: لم تسعفنا المصادر بذكر شيء ذي بال عن أسرة الإمام السخاوي فلم نجد لها ذكرا في كتب التراجم والطبقات، إلّا ما ذكره أبو شامة- تلميذ السخاوي- إذ قال:- في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة- وفيها توفي شمس الدين محمد ابن شيخنا علم الدين السخاوي- ﵀ بدمشق، ودفن بالجبل «١» اهـ. وكذلك ذكر أبو شامة- عند ترجمته لأحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي- أحد تلاميذ السخاوي- أن أحمد هذا تزوج ابنة الشيخ علم الدين السخاوي، فولدت له، وماتت هي وولدها قديما. قال: ثم بقي عندنا مدة عمره، وخلف كتبا وثروة، ووقف داره على فقهاء المالكية «٢» هذا كل ما وقفت عليه فيما يتعلق بأسرته. والله تعالى أعلم. د) شيوخه ومدى تأثره بهم: بدأ السخاوي طلب العلم في سن مبكرة في بلدة (سخا) «٣» مسقط رأسه، فحفظ القرآن «٤» وتلقى مبادئ الفقه المالكي، ثم رحل إلى الاسكندرية سنة ٥٧٢ هـ، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة وتلقى فيهما العلم على خيرة العلماء «٥» ثم انتقل إلى دمشق «٦»، وجلس إلى أئمتها الأعلام، فأخذ كثيرا من العلوم، وبرز في فنون شتى، وبخاصة علم القراءات وما يتعلق بها. وبناء على هذا يمكنني أن أصنف شيوخه الذين أخذ عنهم إلى ما يأتي: أولا: شيوخه في القراءات. ثانيا: شيوخه في الحديث. ثالثا: شيوخه الذين أغفلت المصادر ذكر المادة العلمية التي أخذها منهم.

стр. 18

أولا: شيوخه في القراءات: [١]- داود بن أحمد بن محمد بن منصور بن ثابت، أبو البركات البغدادي، ولد سنة ٥٤٢ هـ، روى القراءات سماعا عن أبي الكرم المبارك ابن الحسن الشهرزوري، روى القراءات عنه أبو الحسن السخاوي، ولد ببغداد ومات بدمشق، توفي سنة (٦١٦ هـ) «١». [٢]- زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي البغدادي المولود سنة ٥٢٠ هـ التاجر المقرئ النحوي الحنفي، شيخ القراء والنحاة بدمشق، قرأ القرآن تلقينا على أبي محمد سبط الخياط، وله نحو سبع سنين. قال الذهبي: وهذا نادر، وأندر منه أنه قرأ بالروايات وهو ابن عشر حجج، وما علمت هذا لأحد أصلا، قرأ على كثير من المشايخ، وتفقه على مذهب الإمام أحمد وكان حسن الاخلاق، متبحرا في عدة علوم. قرأ عليه القراءات علم الدين السخاوي وغيره، وسمع منه خلق لا يحصون، توفي سنة (٦١٣ هـ) «٢». قال ابن كثير: قال السخاوي: كان عنده- يعني شيخه الكندي- من العلوم ما لا يوجد عند غيره .. إلى أن قال: وقد مدحه السخاوي بقصيدة حسنة اهـ «٣». وقال ابن الجزري: قرأ السخاوي على أبي اليمن الكندي القراءات الكثيرة، وأخذ عنه النحو واللغة والأدب اهـ «٤». وقال أبو شامة: قال السخاوي في شرح المفصل: لقيت جماعة من أهل العربية منهم الشيخ أبو اليمن الكندي ﵀ وكان عنده في هذا الشأن ما لم يكن عند غيره، وأخذت عنه كتاب سيبويه، وقرأت عليه كتاب الإيضاح لأبي علي «٥» مستشرحا، وأخذت عنه كتاب اللمع لأبي الفتح «٦» وكان واسع الرواية، وافر الدراية اهـ «٧».

стр. 19

[٣]- غياث بن فارس بن مكي، الأستاذ أبو الجود اللخمي المنذري المصري، المولود سنة ٥١٨ هـ الفرضي النحوي العروضي الضرير، شيخ القراء بديار مصر، كان ديّنا فاضلا بارعا في الأدب. قرأ عليه خلق كثير منهم علم الدين السخاوي، توفي سنة (٦٠٥ هـ) «١». [٤]- القاسم بن فيرة «٢» بن خلف بن أحمد الإمام أبو محمد وأبو القاسم الرعيني الشاطبي الضرير، ولد سنة ٥٣٨ هـ، أحد الأعلام، قرأ ببلده القراءات وأتقنها، ثم ارتحل إلى شاطبة، فعرض بها القراءات على مشايخها، وارتحل ليحج، فسمع من أبي طاهر السلفي وغيره، واستوطن مصر، واشتهر اسمه وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي، وكان إماما علامة ذكيا، كثير الفنون منقطع النظير، رأسا في القراءات حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، واسع العلم، وقد سارت الركبان بقصيدته «حرز الأماني» في القراءات، قرأ عليه بالروايات عدد كبير، منهم أبو الحسن علي بن محمد السخاوي، قال ابن الجزري: وهو من أجل أصحابه. اهـ، توفي سنة ٥٩٠ هـ «٣». ثانيا: شيوخه في الحديث: [١]- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو طاهر السّلفي «٤»، حافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسنادا في الحديث والقراءات، مع الدين والثقة والعلم، ولد سنة ٤٧٢ هـ وقيل غير ذلك، وتوفي سنة ٥٧٦ هـ، نص ابن الجوزي على أن السخاوي سمع من السلفي بمصر «٥».

стр. 20

وقد ذكره السخاوي عند كلامه على فضل سورة (يس). قال: حدثنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني ﵀ ... الخ «١». كما ذكره أيضا عند كلامه عن آداب حملة القرآن وفضلهم، فقد ساق بالسند عن شيخه هذا إلى الطبراني إلى الحسين بن علي بن أبي طالب: (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة) وسيأتي إن شاء الله في موضعه «٢». [٢]- إسماعيل بن صالح بن ياسين بن عمران أبو الطاهر المصري المسند الصالح العابد، حدث عنه السخاوي وابن الحاجب وغيرهما توفي سنة (٥٩٦ هـ) «٣». [٣]- حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرصافي الحنبلي، روى مسند أحمد بالسند عن مصنفه، وخرج من بغداد، واستقدمه ملوك دمشق إليها، فسمع الناس بها عليه المسند، نص ابن الجزري على أن السخاوي سمع منه، رجع إلى بغداد وتوفي بها سنة (٦٠٤ هـ) «٤». [٤]- عبد الخالق بن فيروز الجوهري أبو المظفر الهمذاني الواعظ أكثر الترحال، حدث عنه السخاوي عند كلامه عن (منازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم)، ذكر فاتحة الكتاب «٥». قال: حدثنا أبو المظفر ... وساق السند الى الإمام النسائي، وكذلك عند كلامه على فضائل آية الكرسي، قال: حدثنا أبو المظفر عبد الخالق بن فيروز الجوهري بالسند المتقدم، وكلما أذكره عن النسائي فهو بهذا الإسناد .. الخ «٦». قال الذهبي: لم يكن ثقة ولا مأمونا اه «٧». [٥]- القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين،

стр. 21

أبو محمد بن عساكر الدمشقي المولود سنة ٥٢٧ هـ، مصنف (فضائل القدس) كان محدثا صدوقا، متوسط المعرفة، وأبوه أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر مؤلف (تاريخ دمشق) المشهور. ذكر السخاوي شيخه القاسم هذا في آخر كلامه على الناسخ والمنسوخ قال: سمعت كتاب «الناسخ والمنسوخ» لهبة الله بن سلامة من أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله الحافظ ... الخ «١»، كما نص ابن الجزري على أن السخاوي سمع من القاسم هذا «٢» توفي سنة (٦٠٠ هـ). [٦]- محمد بن أحمد بن حامد بن مفرح الأرتاحي أبو عبد الله ولد سنة ٥٠٧ هـ، حدث عنه السخاوي أثناء كلامه عن فضل حامل القرآن ... إلخ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن حامد بن مفرح الأرتاحي ﵀، وساق بسنده إلى عمر بن الخطاب ﵁ «لقد أتى علينا حين ... الخ» وسيأتي- إن شاء الله- في موضعه (ص ٣٥٨) وهو من بيت القرآن والحديث والصلاح، توفي سنة (٦٠١ هـ) «٣». [٧]- محمد بن يوسف بن علي الإمام شهاب الدين أبو الفضل الغزنوي المولود سنة ٥٢٢ هـ المقرئ الفقيه الحنفي، نزيل القاهرة، قرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، وحدّث ببغداد والشام ومصر وتصدر للإقراء، قرأ عليه الإمامان علم الدين السخاوي وجمال الدين بن الحاجب وغيرهما، توفي سنة (٥٩٩ هـ) «٤». ذكره السخاوي عند كلامه عن «نثر الدرر في ذكر الآيات والسور». قال: حدّثنا شيخنا أبو الفضل محمد بن يوسف الغزنوي- ﵀ وساق بسنده إلى الترمذي إلى أنس بن مالك (ص ١١٢). وذكره أيضا عند كلامه على فضائل القرآن (ذكر فاتحة الكتاب)، قال: وعن

стр. 22

الترمذي بالإسناد المتقدم- وكلما أذكره عنه فهو بهذا الإسناد الذي ذكرته عن الغزنوي (ص ٢٣٠). ثالثا: شيوخه الذين نص العلماء على سماعه منهم دون تعيين للمادة العلمية: [١]- إبراهيم بن جبارة السخاوي أبو إسحاق. قال ابن الشعار: قرأ:- أي علم الدين السخاوي- على أبي إسحاق السخاوي. اه «١» ولم يشتهر هذا الشيخ، اذ إنني لم أجد له ذكرا في كتب التراجم، والله أعلم. [٢]- إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف، أبو طاهر الزهري العوفي الاسكندراني المالكي، المولود سنة ٤٨٥ هـ، إمام عصره وفريد دهره، وعليه مدار الفتوى مع الورع والزهد وكثرة العبادة «٢». سمع السخاوي منه في الاسكندرية «٣» توفي سنة (٥٨١ هـ). [٣]- عساكر بن علي بن إسماعيل أبو الجيوش المصري المقرئ النحوي الشافعي المولود سنة ٤٩٠ هـ أخذ عنه علم الدين السخاوي وغيره توفي سنة ٥٨١ هـ «٤». [٤]- عمر بن محمد بن معمر بن يحيى المعروف بأبي حفص بن طبرزد «٥» البغدادي، سمع الكثير وأسمع، قدم مع حنبل بن عبد الله دمشق، فسمع أهلها عليهما، نص ابن الجزري على أن السخاوي سمع منه وعاد إلى بغداد وتوفي بها سنة (٦٠٧ هـ) «٦». [٥]- هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت الخزرجي المعروف بالبوصيري «٧» المولود سنة ٥٠٦ هـ، أبو القاسم، كان أديبا كاتبا، له سماعات عالية، ولم يكن في آخر عصره

стр. 23

مثله، سمع الكثير، ورحلوا إليه من البلاد، نص ابن الجزري على أن السخاوي سمع من البوصيري في مصر «١» وكان يسمّى (سيد الأهل) لكن هبة الله أشهر، توفي سنة ٥٩٨ هـ «٢». مدى تأثره بشيوخه: قد كان لشيوخ السخاوي الأثر الواضح في ثقافته، إذ انعكست ثقافتهم عليه انعكاسا واضحا، ومن خلال دراستي لحياة السخاوي العلمية، وجدته قد تأثر ببعض شيوخه تأثرا واضحا. وهذه أمثلة لذلك: أولا: تأثر السخاوي بشيخه «الشاطبي» في التصنيف، ودليل ذلك أنه أول من شرح قصيدته المعروفة بالشاطبية، كما قام بشرح منظومته المسماة ب «عقيلة أتراب القصائد» في رسم القرآن «٣». ثانيا: تأثره ببعض شيوخه في الإقراء، إذ منهم من عكف للإقراء، كشيخه أبي اليمن الكندي وكذلك غياث بن فارس الذي كان شيخ الإقراء بديار مصر، فتبعهم السخاوي، ومكث نيفا وأربعين عاما يقرئ الناس وتخرج به عدد لا يحصيهم إلّا الله «٤». ثالثا: من شيوخه من كان رأسا في العربية كشيخه أبي اليمن الكندي، الذي خلّف كثيرا من المؤلفات، منها مائة وثلاثة وأربعون مجلدا في اللغة «٥» فلازمه السخاوي، وتلقى عنه كتاب سيبويه وغيره، ووجد عنده ما لم يجد عند غيره، فاقتدى به السخاوي وعمل شرحا للمفصل للزمخشري، وسمّاه «المفضل شرح المفصل» وألّف كتابين كذلك في اللغة، أحدهما سمّاه «سفر السعادة وسفير الإفادة» والآخر «منير الدياجي في شرح الأحاجي» «٦». قال الصّفدي: وكان- يعني السخاوي- أقعد بالعربية من شيخه الكندي «٧» اه.

стр. 24

من هذا كله نخرج بصورة واضحة جلية عن مدى تأثر السخاوي بشيوخه، واقتفائه آثارهم في التصنيف والإقراء. هـ) تلاميذه ومدى تأثرهم به: تصدر الإمام السخاوي- ﵀ إلى تعليم القراءات القرآنية وغير ذلك من العلوم الشرعية، وقد أخذ عنه جمع غفير لا يمكن حصرهم، فقد ذكر بعض من ترجم له أنه مكث يقرئ الناس نيفا وأربعين سنة، فقرأ عليه خلق لا يحصيهم إلّا الله تعالى «١». وليس هذا غريبا، فإن السخاوي كان بحرا في علوم شتى، وقصده طلاب العلم ينهلون من علمه، ويأخذون منه القراءات والتفسير والحديث والفقه واللغة وغير ذلك، إلّا أن الذين ترجموا لهؤلاء التلاميذ كالذهبي وابن الجزري نصوا على من تلقى عنه القراءات، لأنه اشتهر بهذا، وهذا لا يمنع ان يكون هؤلاء التلاميذ أنفسهم الذين تلقوا عنه القراءات، تلقوا عنه- أيضا- علوما أخرى. وهناك عدد قليل من هؤلاء التلاميذ نص العلماء على أنهم رووا عنه الحديث، أو سمعوا منه دون تصريح بالعلوم التي سمعوها. وبناء على هذا فسأقوم بالترجمة الموجزة لمن وقفت على ترجمته في كتب التراجم والطبقات، مبتدئا بالذين تلقوا عنه القراءات لأنهم- كما قلت- هم الأكثرية الغالبة، ثم الذين تلقوا عنه الحديث، ثم الذين أغفلت المصادر ذكر المادة العلمية التي أخذوها عنه: أولا: تلاميذه في القراءات: [١]- إبراهيم بن أبي الحسن المخرّمي «٢»، قرأ على السخاوي، وروى عنه «٣»، قال ابن الجزري: قرأ عليه ختمة. اه «٤». [٢]- إبراهيم بن داود بن ظاهر بن ربيعة، الإمام أبو إسحاق الفاضلي العسقلاني، ثم الدمشقي إمام حاذق مشهور، ولد سنة ٦٢٢ هـ قرأ على السخاوي، ولزمه ثماني

стр. 25

سنين، نقل عنه كثيرا، قال الذهبي: جمع عليه سبع ختمات للسبعة، وحمل عنه الكثير من التفسير والأدب والحديث. اه توفي سنة ٦٩٢ هـ «١». [٣]- أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء، الإمام شرف الدين أبو العباس الفزاري البدري، المقرئ النحوي الشافعي، خطيب جامع دمشق، ولد سنة ٦٣٠ هـ. قال الذهبي: قرأ القرآن لنافع وابن كثير وأبي عمرو في عدة ختمات على الشيخ علم الدين السخاوي، وسمع عليه الكثير، وعلى غيره، توفي سنة (٧٠٥ هـ) «٢». قال ابن الجزري: وذكر الحافظ الذهبي أنه قرأ على السخاوي لأبي عمرو أيضا، ولم يذكر عاصما، والظاهر أنه وهم، فإني وقفت على إجازة من الفزاري، فلم أره أسند قراءة أبي عمرو عنه. اه «٣». [٤]- أحمد بن سليمان بن مروان، ابن البعلبكي، شهاب الدين العالم الأديب، أحد عدول القضاة الضعفاء. قرأ على السخاوي بثلاث روايات «٤» وعرض عليه الشاطبية، ورواها مرات عدة، توفي سنة (٧١٢ هـ) «٥». [٥]- أحمد بن عبد الله بن الزبير الإمام شمس الدين أبو العباس الخابوري ثم الحلبي، المقرئ الشافعي، خطيب جامع حلب، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي وغيره، وتقدم في الفقه والعربية وتصدر للإقراء ببلده، اشتهر ذكره، وقرأ عليه جماعة، كان من كبار المقرئين توفي بحلب سنة (٦٩٠ هـ) «٦». [٦]- أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي الصقلي ثم الدمشقي المقرئ الأديب. قال الذهبي: لزم السخاوي مدة، واتقن القراءات وسمع من القاسم بن عساكر وطائفة، وقرأ الكثير على السخاوي وطبقته. اهـ «٧».

стр. 26

ووصفه أبو شامة بقوله: رفيقنا في القراءة على شيخنا علم الدين السخاوي- ﵀ وكان تزوج ابنته، فولدت له وماتت هي وولدها قديما، ثم بقي عندنا مدة عمره وخلف كتبا كثيرة وثروة، ووقف داره على فقهاء المالكية، صليت عليه إماما سنة (٦٦٣ هـ) اه «١». [٧]- أحمد بن محمود القلانسي، قرأ على السخاوي وروى عنه «٢». [٨]- إسماعيل بن عثمان بن المعلم الرشيد أبو الفداء الحنفي، إمام عالم، قال الذهبي: وكان من كبار أئمة العصر، قرأ بالروايات على السخاوي، قال: ولو أراد لما عجز عن إقرائها، لكنه كان ضيق الخلق، فلم يقدر على الأخذ منه، واعتلّ بأنه تارك، وهو آخر من قرأ القراءات على السخاوي، توفي بالقاهرة سنة (٧١٤ هـ) «٣». [٩]- إسماعيل بن مكتوم صدر الدين الدمشقي، الشيخ المسند المعمر، قال الذهبي: ذكر لي أنه قرأ ختمة على السخاوي، وسمع من غيره، توفي سنة (٧١٠ هـ) «٤». [١٠]- الياس بن علوان بن ممدود ركن الدين المقرئ الملقّن، قرأ على السخاوي، وتصدر للإقراء بجامع دمشق زمانا، يقال: ختم عليه أكثر من ألف نفس، توفي سنة (٦٧٣ هـ) «٥». [١١]- أبو بكر بن أبي الدر المعروف بالرشيد- أو رشيد الدين- إمام حاذق مصدر ماهر، قرأ على السخاوي، ورحل إلى الاسكندرية، فقرأ على مشايخها، توفي سنة (٦٧٣ هـ) وقد عاش نيف على التسعين «٦». [١٢]- جعفر بن القاسم بن جعفر بن علي الرّبعي المعروف بابن الدبوقا، أبو دبوقا الدمشقي الحرّاني المقرئ، ولد سنة ٦٢١ هـ. قدم إلى دمشق وقرأ بها القراءات على السخاوي، ثم أضر في أواخر عمره فجلس للاقراء عند قبر هود من الجامع الأموي.

стр. 27

قال الذهبي: وروى الحديث عن السخاوي. اه، توفي سنة (٦٩١ هـ) «١». [١٣]- الحسن بن الخلال، سمع من السخاوي وقرأ عليه «٢». [١٤]- الحسن بن أبي عبد الله بن صدقة بن أبي الفتوح أبو علي الأزدي الصقلي، إمام زاهد كبير القدر، قرأ على السخاوي القراءات، وهو من جلة أصحابه، وسمع الكثير، وأجاز له المؤيد الطوسي، وكان ورعا مخلصا متقللا من الدنيا، توفي بدمشق سنة (٦٦٩ هـ) «٣». [١٥]- خضر بن عبد الرحمن بن خضر، سديد الدين أبو القاسم الحموي المقرئ، قرأ القراءات على أبي الحسن السخاوي، وتصدّر ببلده للإقراء، وعمر دهرا، وكان عارفا بالفن، توفي سنة (٦٨١ هـ) «٤». [١٦]- دانيال بن منكلي بن صرفا القاضي ضياء الدين أبو الفضائل الشافعي المقرئ ولد سنة ٦١٧ هـ، قدم دمشق وقرأ القراءات على السخاوي، وكان فقيها مقرئا عالما مجموع الفضائل، قال الذهبي: وهو ممن أدركناه من أصحاب السخاوي، توفي سنة (٦٩٦ هـ) «٥». [١٧]- صالح بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الملقب بالضياء، الأسعردي الأصل الفارقي المولد، الدمشقي الدار، المصري الوفاة، إمام جامع الحاكم بالقاهرة شيخ ماهر، قرأ السبع على السخاوي وابن الحاجب وروى «الشاطبية» عن السخاوي، وعن السديد عيسى، توفي بعد الثمانين وستمائة «٦». [١٨]- عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس أبو محمد المالكي الزواوي، ولد سنة ٥٨٩ هـ، شيخ مشايخ الإقراء بدمشق، إمام بارع، صالح محقق فقيه ثقة، قدم

стр. 28

مصر وهو شاب فقرأ على مشايخها بالاسكندرية. ثم قدم دمشق سنة سبع عشرة وستمائة، فقرأ القراءات على شيخها أبي الحسن السخاوي، وباشر مشيخة الإقراء الكبرى بالتربة الصالحية، بعد أبي الفتح- أحد تلاميذ السخاوي-، مع وجود أبي شامة، فانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام، توفي سنة (٦٨١ هـ) «١». [١٩]- عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو القاسم المقدسي ثم الدمشقي الشافعي، المعروف بأبي شامة- لأنه كان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة- الشيخ الإمام الحجة الحافظ ذو الفنون، قرأ القراءات على السخاوي سنة ست عشرة وستمائة، وكتب وألّف، وكان أوحد زمانه، صنّف الكثير في أنواع من العلوم، ومنها كتاب «الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز» توفي سنة (٦٦٥ هـ) «٢». [٢٠]- عبد الواحد بن كثير المصري ثم الدمشقي، جمال الدين المقرئ، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي، وترك ونسى، توفي سنة (٦٩٦ هـ) «٣». [٢١]- عيسى بن علي بن كجا بن إسماعيل أبو الروح سيف الدين الحلبي ثم البعلبكي الحنفي المقرئ المجود الماهر، تلا بالسبع بحلب على الشيخ أبي علي الفاسي، وبدمشق على أبي الحسن السخاوي سنة ست وثلاثين وستمائة، وتولى بعلبك فأقرأ بها، وبقي إلى بعد التسعين وستمائة «٤». [٢٢]- أبو المحاسن بن الخرقي، ذكره ابن الجزري ضمن الذين قرءوا على السخاوي وسمعوا منه «٥». [٢٣]- محمد بن أحمد العقيلي القلانسي الكاتب، الرئيس العام زين الدين، قال الذهبي: قرأ القراءات على السخاوي، وعرض عليه «القصيد» سمعتها عليه، وكان حسن السمعة .. توفي سنة (٦٩٨ هـ) «٦».

стр. 29

[٢٤]- محمد بن الحسين بن رزين بن موسى أبو عبد الله العامري الحموي الشافعي، ولد سنة ٦٠٣ هـ، قاضي القضاة، شيخ الإسلام تقي الدين .. أخذ الفقه عن ابن الصلاح والقراءات عن السخاوي .. والعربية عن ابن يعيش، تفقه به عدة أئمة، وانتفعوا بعلمه وهديه وسمعته وورعه ﵀، وتوفي سنة (٦٨٠ هـ) «١». [٢٥]- محمد بن عبد الخالق بن مزهر الإمام شهاب الدين أبو عبد الله الأنصاري الدمشقي، قرأ القراءات على السخاوي، وروى الحديث وكان عالما فاضلا، ذاكرا للروايات، حسن المعرفة، له مشاركة في الفقه والنحو، توفي سنة (٦٩٠ هـ) «٢». [٢٦]- محمد بن عبد العزيز بن أبي عبد الله بن صدقة أبو عبد الله الدمشقي، المعروف بابن الدمياطي، مقرئ عارف ثقة، قرأ القراءات مفردا في عشر ختمات، وجامعا في ختمة على أبي الحسن السخاوي، واختص به وسمع منه ومن غيره، وكان حسن الأخلاق، جلس للاقراء احتسابا في جامع دمشق، تلا عليه أبو عبد الله الذهبي وغيره، ولد في حدود العشرين وستمائة، وتوفي سنة (٦٩٣ هـ) «٣». [٢٧]- محمد بن عبد الكريم بن علي أبو عبد الله التبريزي، ثم الدمشقي الملقب بنظام الدين، مقرئ معمر مسند، حفظ القرآن، وسافر به والده إلى مصر، فقرأ على شيوخها، ثم قدم دمشق فتلا السبع على السخاوي سنة ٦٣٥ هـ، وكان حسن الأخذ متواضعا، له حلقة إقراء بالجامع ثم انقطع، ووقع في الهرم- ﵀ ولد في حدود العشر وستمائة وتوفي سنة (٧٠٤ هـ) «٤». [٢٨]- محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي الأندلسي الشافعي الإمام النحوي، ولد سنة ٥٩٨ هـ، إمام زمانه في العربية، قدم دمشق فأخذ عن أبي الحسن علي بن محمد السخاوي، وسمع منه ومن غيره، قال ابن الجزري: وقد شاع عند كثير من منتحلي العربية ان ابن مالك لا يعرف له شيخ في العربية ولا في القراءات، وليس كذلك، بل قد أخذ العربية في بلده عن ثابت بن خيار .. وأخذ عن

стр. 30

السخاوي العربية والقراءات ... وتوفي سنة (٦٧٢ هـ) «١». [٢٩]- محمد بن عثمان بن سليمان أبو عبد الله الزرزاري الإربلي الرهاوي، حافظ ثقة مقرئ خير، تلا بالسبع على السخاوي بدمشق، وعلى غيره بالقاهرة والاسكندرية، توفي سنة (٦٨٨ هـ) «٢». [٣٠]- محمد بن علي بن موسى أبو الفتح شمس الدين الأنصاري، الدمشقي، شيخ القراء بعد السخاوي بالتربة الصالحية، وكان من أجلّ أصحابه، قرأ عليه القراءات السبع أفرادا وجمعا، توفي سنة (٦٥٧ هـ) «٣». [٣١]- محمد بن قيماز عتيق بشر الطحان الحاج أبو عبد الله الدمشقي، مقرئ، تلا بالسبع على الإمام السخاوي أفرادا، وكان معه إجازة، توفي سنة (٧٠٢ هـ) «٤». [٣٢]- المهذب بن أبي الغنائم التنوخي، العدل الكبير، زين الدين، المولود سنة ٦١٨ هـ) «٥». [٣٣]- يعقوب بن بدران بن منصور، التقى أبو يوسف الدمشقي، ثم المصري، المعروف بالجرائدي، إمام مقرئ، كان شيخ وقته بالديار المصرية، أخذ القراءات على الإمام السخاوي وغيره، ولد بعد الستمائة بدمشق، وتوفي بالقاهرة سنة (٦٨٨ هـ) «٦». ثانيا: تلاميذه في الحديث: [١]- إبراهيم بن معضاد بن شداد الجعبري أبو إسحاق الزاهد الواعظ، روى عن السخاوي، وسكن القاهرة، وكان لكلامه وقع في القلوب لصدقه وإخلاصه، وصدعه

стр. 31

بالحق، وكان شافعيا، سمع الحديث من أبي الحسن السخاوي، وقدم القاهرة، وحدث بها، فسمع منه أبو حيان وغيره، توفي سنة (٦٨٧ هـ) «١». [٢]- محمد بن يوسف بن البرزالي، الإمام العدل الكبير بهاء الدين قرأ بالروايات على جده علم الدين القاسم .. وحدث عن السخاوي وجماعة، توفي سنة (٦٩٩ هـ) «٢». ثالثا: تلاميذه الذين أغفلت المصادر ذكر المادة العلمية التي أخذوها عنه: [١]- إبراهيم بن علي بن النصير، قال الذهبي: وهو آخر من بقي من الذين سمعوا على السخاوي اه «٣». [٢]- أحمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد شرف الدين أبو العباس الشافعي، خطيب دمشق ومفتيها، وشيخ الشافعية بها، أجاز له أبو علي بن الجواليقي وطائفة، وسمع من السخاوي وابن الصلاح، وتفقّه على ابن عبد السلام وغيره، وبرع في الفقه والأصول والعربية، وكان متواضعا متنسكا، توفي سنة (٦٩٤ هـ) «٤». [٣]- أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع، موفق الدين أبو العباس الكواشي- قلعة من بلاد الموصل- المولود سنة ٥٩٠ هـ، الشافعي المقرئ المفسر الزاهد، بقية الأعلام، قرأ على والده، وقدم دمشق، وأخذ عن السخاوي وغيره، وتقدم في معرفة التفسير والقراءات والعربية، توفي سنة (٦٨٠ هـ) «٥». [٤]- عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء، ولد سنة ٦٢٤ هـ، العلامة، الإمام المفتي، فقيه الشام، تاج الدين الفزاري البدري المصري الأصل الدمشقي الشافعي، سمع من السخاوي وغيره، وسمع منه ابن تيمية وغيره، وانتهت إليه رئاسة المذهب، ومحاسنه كثيرة، توفي سنة (٦٩٠ هـ) «٦».

стр. 32

[٥]- عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش أبو محمد البغدادي، شيخ القراء ببغداد، إمام عارف وأستاذ محقّق، زاهد ثقة ورع، قرأ القراءات على الفخر محمد بن أبي الفرج الموصلي ... وروى بالإجازة عن أبي الفرج بن الجوزي وأبي الحسن السخاوي، توفي سنة (٦٧٦ هـ) «١». [٦]- عبد الله بن يحيى أبو عبد الله الجمال الجرائدي، المحدث المتقن نزيل دمشق، روى عن أبي الخطاب بن دحية والسخاوي وخلق، وكتب الكثير، وصار من أعيان الطلبة، من العبادة والتواضع، توفي سنة (٦٨٢ هـ) «٢». [٧]- محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر، الشيخ مجد الدين، أبو عبد الله بن الظهير الإربلي الحنفي الأديب، المولود سنة ٦٠٢ هـ، سمع بدمشق من السخاوي وغيره، وروى عنه أبو شامة والدمياطي- تلميذا السخاوي- وغيرهما، ولد بإربل، وتوفي بدمشق سنة (٦٧٧ هـ) «٣». [٨]- محمد بن الخيسي (العز) قال أبو شامة: شاب من المشتغلين بالعلم المحصلين له، المجتهدين فيه، من أصحاب شيخنا أبي الحسن السخاوي وأعزهم عليه- ﵀ شهدت الصلاة عليه وشيعته «٤». اهـ. [٩]- محمد بن علي بن منصور اليمني المعروف بابن الحجازي، قال أبو شامة: كان من فضلاء الشبان- هو وأبوه- من أصحاب شيخنا أبي الحسن- أي السخاوي- المختصين به، ودفن بجبل قاسيون سنة ٦٤٣ هـ- ﵀. اهـ «٥». [١٠]- المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقي الحنبلي، زين الدين أبو البركات، ولد سنة ٦٣١ هـ، أحد من انتهت إليه رئاسة المذهب أصولا وفروعا، مع التبحر في العربية والنظر والبحث وكثرة الصيام والصلاة والوقار والجلالة، سمع من السخاوي وجماعة توفي سنة (٦٩٥ هـ) «٦».

стр. 33

[١١]- موهوب بن عمر الجزري ثم المصري الشافعي صدر الدين ولد سنة ٥٩٠ هـ، أخذ عن السخاوي وابن عبد السلام وغيرهما، وكان إماما علامة عابدا، وكان بارعا في المذهب، ومن فضلاء زمانه «١». قال أبو شامة: كان رفيقنا في الاجتماع عند الشيخ علم الدين السخاوي اهـ، توفي سنة (٦٦٥ هـ) «٢». [١٢]- يحيى بن فضل الله بن السيسي شرف الدين، إمام المدرسة الصالحية، قال أبو شامة: وكان من أصحاب شيخنا أبي الحسن السخاوي ﵀ بدمشق، وهو أول من أمّ بدار الحديث الأشرفية في زماننا، ثم أنتقل إلى القاهرة، فأقام بالمدرسة النجمية، وكان عنده تعصّب وكرم وله قراءة حسنة، توفي سنة (٦٦١ هـ) «٣». مدى أثر السخاوي في تلاميذه: مما تقدم يتبيّن لنا جليا أنه قد تتلمذ على الإمام السخاوي عدد كثير من طلبة العلم وبخاصة في علم القراءات، وقد سلك كثير منهم مسلك شيخه واقتفى أثره في الإقراء والتأليف- فمنهم من صنّف في القراءات، تأثرا بشيخه مثل (أبي شامة) إذ شرح قصيدة الشاطبي المسماة «حرز الأماني» كذلك، وسمى شرحه «إبراز المعاني في حرز الأماني» «٤» وكذلك قام بشرحها الشيخ يعقوب بن بدران تقي الدين الدمشقي، المعروف بابن الجرائدي، اقتصر فيه على حل مشكلاته، وسمّاه «كشف الرموز» «٥». قال الذهبي: ونظم في القراءات أبياتا كثيرة، حل فيها رموز القراءات، وجعلها بدل الأبيات المرموزة في «الشاطبية» تسهيلا على الطلبة، اهـ «٦». ومنهم من روى أكثر من ثلاثين كتابا في القراءات، كالشيخ عبد الصمد ابن أحمد «٧». - وكذلك قام ابن مالك باختصار «الشاطبية» سمّاه «حوز المعاني في اختصار حرز

стр. 34

الأماني» «١» وصنّف أيضا في القراءات قصيدة مرموزة في قدر «الشاطبية» «٢». - وهذا أبو عبد الله محمد بن القفّال الشاطبي- تلميذ السخاوي- عمل شرحا على «عقيلة أتراب القصائد» «٣» التي شرحها شيخه كذلك وسمّى السخاوي شرحه «الوسيلة إلى شرح العقيلة» «٤». - ومنهم من صنّف في علوم القرآن كالشيخ أبي شامة الذي ألّف كتابه القيم «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز». وقد أفاد في مواطن كثيرة من كتاب «جمال القراء .. » لشيخه السخاوي «٥»، وكذلك الشيخ عبد السلام الزواوي حيث صنّف في عدد الآي والوقف والابتداء «٦». - ومنهم صنّف في التفسير كالشيخ أحمد بن يوسف الكواشي، سمّاه «التلخيص» ضمّنه القراءات أيضا «٧». وهو بهذا متأثر بشيخه السخاوي إذ عمل تفسيرا للقرآن الكريم، وصل فيه إلى سورة الكهف، وتوفي قبل أن يتمّه، من وقف عليه عرف قدر الرجل «٨». - ومنهم من قام بشرح بعض مصنّفات شيخه، كما فعل الشيخ أبو شامة أخصّ تلاميذ السخاوي إذ شرح «القصائد السبع النبوية» التي نظمها شيخه «٩»، وسمّاه «كتاب شرح المدائح النبوية» ويعد هذا الشرح من أول مؤلفاته «١٠». - ومنهم من ألّف في النحو كالشيخ أبي شامة إذ ألّف كتاب «المقدمة» «١١»، وكذلك

стр. 35

ابن مالك الذي تلقى عن السخاوي القراءات والنحو، وقد ألّف كتاب «الفوائد» في النحو، اختصر التسهيل منها «١». - كما تصدّر بعضهم للإقراء ببلده كالشيخ أحمد بن عبد الله الخابوري ثم الحلبي، والشيخ الياس بن علوان، حيث ختم عليه أكثر من ألف نفس- كما سبق- والشيخ جعفر بن القاسم، والشيخ خضر بن عبد الرحمن الحموي، والشيخ عبد السلام الزواوي الذي باشر مشيخة الإقراء الكبرى بالتربة الصالحية، وانتهت إليه رئاسة الإقراء- كشيخه السخاوي- والشيخ عيسى بن علي الحلبي الذي أقرأ في بعلبك، والشيخ محمد بن عبد العزيز الذي جلس للإقراء احتسابا في جامع دمشق، وكذلك الشيخ الدمياطي جلس طرفي النهار يقرئ الجماعة احتسابا «٢»، وكذلك الشيخ محمد بن علي بن موسى أبو الفتح شيخ الإقراء بعد شيخه السخاوي بالتربة الصالحية وغيرهم، إلى غير ذلك مما قام به تلاميذ السخاوي من خدمة للعلم، إذ برعوا في أنواع من العلوم سوى ما تقدم كالحديث والفقه والتاريخ، ومن هذا يتبيّن مدى تأثرهم بشيخهم واقتفائهم أثره. و) مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: عاصر الإمام السخاوي الكثيرين من علماء عصره، وتقدم عليهم في كثير من الميادين العلمية، واعترف له المؤرخون المعاصرون له واللاحقون بالصلاح والتقوى، ووصفوه بأنه كان مقرئا، مجودا، متكلما، مفسرا، محدثا، فقيها، أصوليا، أديبا، لغويا، نحويا، شاعرا ... وفيما يلي نماذج من ثناء العلماء عليه: أولا: ثناء المعاصرين له: [١]- فهذا ياقوت الحموي يترجم له في معجم الأدباء، ثم يقول: وكتبت هذه الترجمة سنة تسع عشرة وستمائة (٦١٩ هـ) وهو بدمشق كهل يحيا «٣» ... وقال أيضا في كتابه معجم البلدان: .. وبدمشق رجل من أهل القرآن والأدب، وله فيهما تصانيف، اسمه علي بن محمد السخاوي، حي في أيامنا، وهو أديب فاضل ديّن، يرحل إليه للقراءة عليه ... اهـ «٤».

стр. 36

[٢]- وقال ابن خلكان: ثم انتقل السخاوي إلى مدينة دمشق، وتقدّم بها على علماء فنونه واشتهر، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم .. ورأيته بدمشق، والناس يزدحمون عليه في الجامع، لأجل القراءة، ولا تصح لواحد منهم نوبة إلّا بعد زمان، ورأيته مرارا يركب بهيمة، وهو يصعد إلى جبل الصالحية، وحوله اثنان «١» وثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر، والكل في دفعة واحدة، وهو يرد على الجميع، ولم يزل مواظبا على وظيفته إلى أن توفي اه «٢». [٣]- وقال القفطي: واستوطن دمشق، وتصدّر بجامعها للإقراء والإفادة، فاستفاد الناس منه، وأخذوا عنه، وصنّف في علم القراءات، وشرح قصيدة شيخه في القراءات شرحا وافيا كافيا، ونقل عنه، وشرح المفصل للزمخشري شرحا حسنا، وطيء الألفاظ، أراد به وجه الله تعالى، فالنفوس تقبله، وهو مقيم على حالته في الإفادة بدمشق في زماننا هذا، وهي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (٦٣٢ هـ) «٣». [٤]- كما وصفه تلميذه أبو شامة بقوله: « .. علامة زمانه وشيخ عصره وأوانه ... » اه «٤». ثانيا: ثناء العلماء اللاحقين به: وهم كثيرون، أذكر كلام بعضهم على سبيل المثال، وفيه ما يكفي لأن معظم كلام غير هؤلاء إنما يعد تكرارا لما كتبه الأولون. [١]- ترجم له الذهبي فقال: كان السخاوي إماما علامة مقرئا محققا، ونحويا علامة، مع بصره بمذهب الشافعي- ﵁ ومعرفته بالأصول، واتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وأحكامه لضروب الأدب، وفصاحته في الشعر، وطول باعه في النثر، مع الدين والمروءة، والتواضع واطّراح التكلّف، وحسن الأخلاق، ووفور الحرمة، وظهور الجلالة، وكثرة التصنيف .. إلى أن قال: وقد كان الشيخ علم الدين من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم، حلو النادرة، مليح المحاورة ... اهـ «٥». [٢]- وقال السبكي: كان فقيها يفتي الناس، وإماما في النحو والقراءات

стр. 37

والتفسير، قصده الخلق من البلاد لأخذ القراءات عنه، وله المصنفات الكثيرة، والشعر الكثير، وكان من أذكياء بني آدم ... اه «١». [٣]- وقال ابن كثير: شيخ القراء بدمشق، ختم عليه ألوف من الناس، وكان قد قرأ على الشاطبي المتوفى سنة ٥٩٠ هـ وشرح قصيدته وله شرح المفصل، وله تفاسير وتصانيف كثيرة، ومدائح في رسول الله ﵌، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح وبها كان مسكنه ... اه «٢». [٤]- ووصفه ابن الجزري بقوله: كان إماما علامة محققا مقرئا مجودا، بصيرا بالقراءات وعللها، إماما في النحو واللغة والتفسير والأدب أتقن هذه العلوم اتقانا بليغا، وليس في عصره من يلحقه فيها، وكان عالما بكثير من العلوم غير ذلك، مفتيا أصوليا مناظرا، وكان- مع ذلك- ديّنا خيرا متواضعا، مطرح التكلّف، حلو المحاضرة، حسن النادرة، حاد القريحة، من أذكياء بني آدم، وافر الحرمة، كبير القدر، محببا إلى الناس، ليس له شغل إلّا العلم والإفادة، أقرأ الناس نيفا وأربعين سنة بجامع دمشق .. ثم بتربة الصالح، ولأجله بنيت، وبسببه جعل شرطها على الشيخ أن يكون أعلم أهل البلد بالقراءات اه «٣». [٥]- ونعته السيوطي بقوله: طويل الباع في الادب، مع التواضع في الدين، والمودة وحسن الخلق، من أفراد العالم، وأذكياء بني آدم مليح المحاورة، حلو النادرة، حاد القريحة، مطرح التكلّف اهـ «٤». ومن ينعم النظر فيما قاله هؤلاء العلماء في حق الإمام السخاوي يظهر له جليا: - أنه لم يكن مقرئا مجودا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك مفسّرا، كما ذكر مترجموه أن له تفسيرا وصل فيه إلى سورة الكهف «٥». وقد ذكره كل من السيوطي والداودي ضمن علماء التفسير في طبقاتهما. - وإلى جانب كونه مقرئا مجودا مفسرا، كذلك كان محدثا فقد روى الحديث عن

стр. 38

مجموعة من شيوخه، وكذلك روى عنه بعض تلامذته، إضافة إلى ذلك فقد جعله الإمام الذهبي من العلماء المحدثين «١». - كما كان- ﵀ لغويا نحويا بارعا، ومما يدل على ذلك أن القفطي ترجم له في كتابه «أنباه الرواة على أنباه النحاة» والسيوطي في «بغية الوعاة في أخبار النحاة»، كما ترجم له عبد الباقي اليمني في كتابه «إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين» «٢». - كما كان السخاوي فقيها على مذهب الإمام الشافعي، نصّ على ذلك الذين ترجموا له، ومنهم الأسنوي والسبكي في طبقات الشافعية، وقد جعله السيوطي ضمن فقهاء الشافعية الذين كانوا بمصر «٣». والخلاصة أن الإمام السخاوي كان علما لا يباريه أحد في علمه ﵀. ز) - استقلاله العلمي: إن الناظر في كتاب (جمال القراء .. ) وبخاصة كلام السخاوي فيه على الناسخ والمنسوخ، يتضح له جليا شخصيته الواضحة، حيث إنه- رغم اعتماده على مصادر عدة- لم يكن مجرد ناقل فحسب، بل إنه سلك مسلك النقد لكثير من الآراء التي نقلها عن العلماء، والدليل على ذلك ما يأتي: * فعند كلامه عن إنصاف الأحزاب قال: نصف التاسع والخمسين في المطففين: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] هكذا ذكروا، وهو غلط، بل النصف وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ «٤» وقيل آخرها. * وقال: الموضع الحادي والعشرون: قوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً «٥» [النساء: ٧١] قالوا: هو منسوخ بقوله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢] قال: وما أحسب هؤلاء فهموا كلام الله اهـ. ثم أخذ يعلّل لذلك ويرد على قولهم. * وفي الموضع الثلاثين من سورة النساء عند قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ

стр. 39

الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥] قال: زعموا أنه منسوخ بقوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا .. «١» قال: متعجّبا من قولهم- فما أدري أي الأمرين أعجب، إدخال النسخ في الأخبار، أو جعل الاستثناء نسخا؟!. * وعند قوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... إلى قوله: كُلَّ مَرْصَدٍ «٢»، حكى قول القائلين بأن هذه الآية نسخت مائة وأربعا وعشرين آية، ثم نسخت بقوله في آخرها: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ لم يرتض هذا القول، بل ردّه بقوله: ولا يقول مثل هذا ذو علم، إنما هو خبط جاهل في كتاب الله اهـ. * وعند قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «٣»، يقول السخاوي: قال بعضهم: هذه الآية نصفها محكم، ونصفها منسوخ، قال: وهذا كأنه نوع من اللعب اهـ. * ومن هذا القبيل قوله: إن سورة مريم ليس فيها من المنسوخ شيء، قال: وقال قوم: إن قوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ «٤»، نسخ بآية السيف، قال: وهذا من أعجب الجهل، أترى أنه لما نزلت آية السيف بطل إنذاره وتذكيره بيوم القيامة؟!. * وكذلك عند قوله سبحانه: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ «٥» قال: قال ابن حبيب: هو منسوخ بقوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٦» ثم قال: وليس هذا بمنسوخ كما ذكر .. وكيف يظن من له تحصيل أن قوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ تفويض؟ وهذا قول مظلم كيف ما تدبرته ازداد ظلمة، ومما فيه أنه كان لنا أن نعمل ما شئنا من غير مشيئة الله تعالى ثم نسخ بأنّا لا نشاء شيئا إلّا أن يشاء الله، وهذا ضرب من الهذيان اهـ. * وكذلك فعل عند قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا «٧» حيث نقل القول بنسخها بقوله تعالى بعدها وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نقله عن ابن سلامة، ثم

стр. 40

قال: وهذا ضرب من الجهل عظيم، فإنه لم يطلق المشيئة للعبيد، ثم حجزها عنهم ونسخها، وإنما أعلم أن العبد إذا شاء أمرا من صلاح أو ضلال، فلا يكون ذلك إلّا أن يشاء الله، وهذا وعيد وتهديد ... الخ. * وعند قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ «١» نجده ينقل عن الضحاك قوله بأنها منسوخة بالأمر بالإقبال عليهم وتبليغهم الرسالة ووعظهم اهـ. ولم يسلم بهذا القول، بل فنّده ودحضه بقوله: ويلزم من هذا أنه أمر في هذه الآية بترك التبليغ للرسالة، ثم أرسل بعد ذلك، فنسخ ما كان أمر به من ترك الرسالة والإنذار، وهذا لم يكن قط ... إلخ ثم ذكر وجهة نظره وما يراه صحيحا في معنى الآية. * وعند قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... «٢» الآية. نجد السخاوي ينقل قول هبة الله بن سلامة بأنها منسوخة بما بعدها، وهو قوله تعالى: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، ثم يعقب على هذا بقوله: وهذا كلام ساقط وأخذ يعلل لذلك .. * وكان أحيانا ينقل بعض التفسيرات لبعض الأحاديث، ثم يقول: وكل هذه الأقوال غير مستقيمة، ثم يأخذ في التعليل لاعتراضه، مبيّنا وجهة نظره فيقول: أما قول أبي عبيد ... ، فتأويل لا دليل عليه. وأما قول الأصمعي ... ، فذلك خلاف ما جاء في الأخبار الصحاح. وأما قول من قال كذا ... ، فذلك أيضا غير صحيح. وأما قول من قال كذا ... ، فكلام لا معنى تحته «٣». وهكذا كان- ﵀ يجول بفكره، ويرد على بعض الأقوال بأسلوب مهذب مقنع. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على كثرة علمه وقوة شخصيته ورجاحة عقله. ح) مذهبه: كان للبيئة التي نشأ فيها السخاوي وترعرع في أحضانها أثر في اتباع مذهب الإمام
следующие страницы →