← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37654

جماليات المفردة القرآنية

أحمد ياسوف

Полный текст (324 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شكر واهداء أشكر الله أن قدّر لي العمل في خدمة القرآن الكريم والسنة الشريفة، كما أشكر جميع أساتذتي في كلية الآداب الذين دأبوا في تشجيعي على البحث العلمي وأرجو أن أكون عند حسن ظن أساتذتي، وأن يتقبل الله عني هذا العمل. وأهدي هذا البحث إلى أستاذي الفاضل الدكتور نور الدين عتر الذي سدّد خطاي وأضاء لي سبيل العلم، وزرع في أعماقي حب البحث العلمي والتفاني فيه، وأرجو من الله تعالى أن يجزيه الخير الكثير.

стр. 2

التقريظ بقلم الأستاذ الدكتور نور الدين عتر بسم الله الرّحمن الرّحيم رئيس قسم علوم القرآن والسنة في جامعة دمشق الأستاذ في كليات الشريعة والآداب بجامعتي دمشق وحلب الحمد لله الذي أنزل القرآن، معجزة باقية على مدى الزمان، وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بأعظم الدلائل والبينات وعلى آله وصحبه والتابعين لهم باحسان. أما بعد: فإن القرآن الكريم قد اختص بأنه معجزة بالغة تتحدى كل إنسان في كل زمان ومكان، أيا كانت ثقافته وأدبه، وقد أفادتنا الدراسات المتعددة التي قام بها أئمة البيان على مر العصور أن إعجاز القرآن لا يقتصر على مقياس فني معين في عصر من العصور، وأن أي عصر مهما تقدم في الدراسة الأدبية لا يحيط بإعجاز القرآن، بل إن القرآن معجز وفق أي مقياس فني أدبي صحيح وذوق جمالي سليم في كل عصر وزمان. ومن هنا يزداد إدراك القارئ لأهمية هذه الرسالة «جماليات المفردة القرآنية» التي أعدّها تلميذنا النبيه الأستاذ أحمد ياسوف معيدنا في كلية الآداب بجامعة حلب، لما أنه وفّى دراسة بحثه في ضوء الدراسات القديمة، كما وفى بسدّ حاجة القارئ وثقافة العصر من دراسات الأدب المعاصر. وقد استكمل الباحث دراسته، وأحاط بالموضوع في ضوء خطة شاملة جوانب الدراسة، فتناول فيها دراسة الجوانب الجمالية للمفردة القرآنية بصورة

стр. 3

عامة، ثم درس إسهام المفردة القرآنية في الجمال البصري، ثم أتبعه بجمال المفردة السمعي، ثم أكمل الجوانب ببحث الظلال التي تضفيها المفردة على المعنى .. إلى آخر ما هناك من دراسات فنية جمعت بين القديم والحديث، بالإضافة إلى فنون البلاغة واللغة والإعراب، وغير ذلك مما يحتاج إلى مزيد من الصبر والثبات لتقديم دراسة مبتكرة تفيد من دراسات القدامى ومن نظريات المحدثين. وهذا مسرد مراجع الرسالة يضع أمامنا ذخيرة من المصادر الواسعة والمتنوعة قديمة وحديثة: في التفسير، والحديث، وعلوم القرآن، واللغة، والبلاغة، وفقه اللغة، والإعراب، والتجويد، ودراسات القرآن، وعلم الجمال، والتنظير الفني والأدبي، والنقد الأدبي، وعلم النفس، وعلم التربية، بالإضافة إلى التاريخ، وتاريخ الأدب، وأصوله، أي ما يزيد على خمسة عشر علما وفنا رجع إليها الباحث، وأعمل ذهنه في أدواتها واستخدامها، لكي يقدم لنا هذا الكتاب، مما يدل ولا شك على تمكن وعلى مقدرة عالية في الدراسة والبحث. وقد خرج الكتاب بنتائج هامة في الدراسات القرآنية، في مقدمتها قضية على غاية الخطورة والأهمية، وهي أن المفردة لها مكانتها في إعجاز القرآن، ولها جوانبها المتعددة الثرية، وأن إعجاز القرآن ليس قاصرا على مفهوم عصر معين للجمال أو مقياس عصر ما في سمو الأدب، بل هو معجز وفق أي ذوق سليم وأي مقياس فني جمالي صحيح، يتجدد عبر العصور، فهو معجزة بيانية لا تنتهي على مدى الأعوام ولا على مدى الأزمان، تدعو الناس إلى تأمل جمالها المعجز، لتسير بهم من طريقه إلى الإيمان.

стр. 4

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فإن دراسة جمال المفردة القرآنية تعدّ عناية فائقة بجزئيات النصوص القرآنية وتدبّرها وتأملها واستنباط المنهج الفني الذي يسري في نسقها، وجوانب الجمال الذي تتسم به. وقد وجدت للدارسين- قدامى ومعاصرين- جهدا مبذولا في جمال المفردة القرآنية، وذلك في كتب الإعجاز والتفسير البياني، ولم يفرد الباحثون كتابا يجمع هذه النظرات الفنية ويناقشها، ويوضّح سمات هذا الجمال وعناصره، ولهذا أردت أن أجمع هذه النظرات من فصول كتبهم وتفسيرهم، وأبين ميزات هذا الجمال وأسسه، والمعيار الذي اعتمده الدارسون، وأوازن بين جهود القدامى وجهود المعاصرين، وقد وجدت أن المعاصرين يقتبسون غالبا من القديم، ولم يدرسوا نظرة الباحث القديم في جمال المفردة، كما أنهم خصّصوا الفصل أو الفقرة الصغيرة لجمال المفردة، وربّما يشمل الفصل الصغير كل جوانب جمالها في القرآن. ولقد حاولت أن أستقصي جمالية المفردة القرآنية في كتب البلاغة القرآنية والتفسير البياني خاصة، في العصور القديمة والعصر الحاضر، وقد تمخّض عن هذا الاستقصاء وجود صعوبات كبيرة، وذلك لأن مادة البحث لا تقتصر على كتب التفسير- على ضخامتها-، بل تشمل كتب الإعجاز، وهذا ما تطلب البحث في جزئيات فصول البلاغة القرآنية، فلا يوجد عنوان محدد نلجأ إليه، ونقتبس مادة البحث منه، ولم ندرس المادة في فصول جمال المفردة، بل سعينا إلى توضيح شأن المفردة في الصورة والنغم، فأوضحنا إسهامها في جميع فنون البلاغة القرآنية، كالتشبيه والكناية والاستعارة والإيجاز وغير هذا.

стр. 5

كما أننا تلمّسنا هذا الجمال في كتب اختصت بالبلاغة العربية، وبحثنا فيها عن لمحات الدارسين لدى الاستشهاد بالقرآن الكريم، ويضاف إلى هذا شمول البحث لجهود الدارسين منذ العصور الإسلامية الأولى، وهذا ما جعلنا نرجع إلى معظم المصادر في الشاهد الواحد، لإجراء موازنة في كثير من الأحيان، ولتوضيح إضافات اللاحقين على السابقين، واختلاف منحى كلّ دارس عن غيره. وتمثّلت الصعوبة كذلك في الرجوع إلى كتب ذات اختصاصات مختلفة، كان لها إشارات جيدة إلى بلاغة القرآن، وكتب الجاحظ خير مثال على هذا، وقد ألمّ العلماء المسلمون بفنون البلاغة على الرغم من اختلاف اختصاصاتهم، إذ كان القرآن الكريم الركيزة الثابتة في تكوين ثقافتهم، فلا يخلو واحدهم من الإلمام بفن القرآن الكريم، وإن كان دارسا للتوحيد، أو العلوم الطبيعية أو غير هذا. وموضوع هذا البحث ليس تقليدا مطروقا، بل فيه تجديد وابتكار، لأنه يقدّم دراسة فنية لنظرات الباحثين، ويقيمها وفق مبادئ الفن، ويحدد المعايير التي اعتمدها الباحثون من خلال مفهوم الجمال الفني. وبما أنني اتبعت المنهج التاريخي في دراسة كل جانب من جمال المفردة القرآنية، فكان لا بد من رصد هذه الجمالية في أوائل كتب الإعجاز مثل رسالة «البيان في إعجاز القرآن» للخطّابي، ورسالة «النّكت في إعجاز القرآن» للرّمّاني، إضافة إلى نظرات الجاحظ في كتابيه: «البيان والتبيين» و «الحيوان»، وكذلك اعتمدت على الباقلّاني صاحب «إعجاز القرآن»، وابن سنان في «سرّ الفصاحة»، وضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر»، وسرت وفق هذا السرد التاريخي، لأتبين معالم جمالية المفردة في «بديع القرآن» لابن أبي الاصبع، و «الطراز» ليحيى العلوي، ووقعت على تأملات رفيعة في كتب تتحدث عن علوم القرآن مثل «البرهان» للزركشي و «الإتقان» للسيوطي. أما كتب التفسير، فقد اقتصرت على التفاسير التي عنيت بالجوانب البلاغية في القرآن، فكان «الكشاف» للزمخشري أهمّ مصدر لي، وكذلك تفسير النّسفي

стр. 6

«مدارك التنزيل وحقائق التأويل»، ثم تفسير العلّامة أبي السّعود المسمّى «إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم». أما المصادر الحديثة، فقد كان كتاب أحمد بدوي «من بلاغة القرآن» في مقدمة الكتب في معرفة نظرات المعاصرين، وكذلك سيّد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»، وكتابيه: «التصوير الفني في القرآن» و «مشاهد القيامة»، وهناك كوكبة من المعاصرين أفدت من كتبهم، مثل «إعجاز القرآن» للرافعي، خصوصا في مجال موسيقا القرآن، و «إعجاز القرآن» لعبد الكريم الخطيب، و «بيّنات المعجزة» لحسن ضياء الدين عتر، وكتاب «من روائع القرآن» لمحمد سعيد رمضان البوطي وغيرهم. واستعنت لتقييم نظرات الدارسين ببعض المراجع في النقد الأدبي، وعلم الجمال، وبعض المباحث اللغوية، خصوصا في مجال فقه اللغة، وقدّمت لي هذه المراجع مادة وفيرة تواكب نظرة الدارسين، ولا سيما القدامى منهم، وسمو تذوقهم للبيان القرآني. وإن هذا البحث يمثّل محاولة لرصد تأملات الدارسين في مفردات القرآن، وأرجو أن يكون هذا الرصد شاملا لتأملات كل الدارسين، وأن يكون عادلا، بحيث لا يجحف بكلّ من القدامى والمعاصرين. وقد وقع البحث في أربعة فصول، مهّد لها بمدخل حول مفهوم الجميل ووسائل تذوقه عند المسلمين، وذلك لنثبت أنّ للمسلمين نظرات واقعيّة في الجميل، وما يقترن به من مفاهيم جمالية، فعرضنا لرأي كلّ من الجاحظ وأبي حيان التوحيدي والغزالي، فقد أكّد هؤلاء أن وسائل تذوق الجميل هي السمع والبصر، وأنهما منفذان إلى القلب، والحق أن القرآن الكريم كثيرا ما يربط بين القلب أو الفؤاد أو العقل والسمع والبصر كقوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «١». وبيّنت في هذا التمهيد ارتباط الجميل الموضوعي بالنافع في منظور المسلمين. تناول الفصل الأول مفهوم المفردة في الأدب، والجوانب الجمالية فيها،

стр. 7

وعرضت لآراء بعض النقاد المعاصرين، لتكون هذه الآراء كشفا فنيا لوجهة نظر البحث والدارسين، وهنا لا تقدّم تعاريف جافة صارمة، بل يسعى البحث إلى توضيح وظيفة المفردة في النص الأدبي وفق لبوسها الجديد، وعرضت المسألة تجاوزها لحياد المعجم، وخصوصية دلالتها في القرآن، ثم عرضت لعلاقة المفردة بالنظم، وما يتوهم من تناقض بينهما، وأكدت أهمية الطرفين: المفردة والنظم في بنية الآية، وبيّنت الحجج التي ردّ بها على غلوّ الجرجاني إذ نبذ هذا الغلوّ بآراء جديدة تسعفها تطبيقات من القرآن، وكان لا بد أيضا من نفي الترادف في القرآن، لتأكيد تمكّن المفردة القرآنية من المقام عن غيرها، وقد بدأت الفقرة بتوضيح مصطلح الترادف، واقتبست بعضا من أقوال من يؤيد الترادف مثل ابن السّكّيت، وأقوال من يؤيد الفروق مثل أبي هلال العسكري وأبي منصور الثعالبي، وكانت هناك إضاءات للتنظير بالعودة إلى النص القرآني للبرهنة على دقة الفروق، وتوصلت إلى إمكانية وجود الترادف في اللغة، ونفيه من السياق القرآني. وختم الفصل بفقرة حول الأثر الموسيقى للقرآن، فعرضت للآيات التي تدعو إلى تذوق موسيقا حروفه ونسقه، وشفع هذا بما ورد في السّنّة النبوية الشريفة، ثم بينت مظاهر تعلق الرعيل الأول بالنسق الموسيقى، ثم بيّنت مسألة تشبيه القرآن بالشعر ومعارضة القرآن، وخصوصية الفن القرآني. وتناول الفصل الثاني إسهام المفردة القرآنية في الصورة البصرية، فقد أكدت أهميتها في الصورة، ودرست في الفقرة الأولى إسهام المفردة القرآنية في تجسيم المجردات والمعنويات عن طريق مصطلح الاستعارة أو التشبيه، وبدأت الفقرة بتعريف التجسيم لغة واصطلاحا، ثم عرضت لجهود القدامى والمعاصرين، وتبين لي أن القدامى أدركوا هذه الجمالية، وأهمية المفردة على أنّها العامل الأساسي الذي يضفي على المعاني صفات محسوسة تتجلّى للبصر، وفي الفقرة الثانية عرضت لمفردات الطبيعة التي ساعدت على جمال التصوير، وبدئت الفقرة بتوضيح مفهوم الطبيعة في القرآن، والانسجام بينها وبين الإنسان، على أنها مخلوق مسخّر له، وانقسمت الطبيعة إلى جمادات كالشجر والحجر، وإلى طبيعة متحركة حيوانية كالجراد والعنكبوت، وبينت مدى تفهم

стр. 8

الدارسين لملاءمة هذه المفردات لإخراج الصورة الفنية، ومدى تذوقهم للإشعاع النفسي المتوخّى في هذه المفردات، وقد أضفت شواهد متممة لنظرة الدارسين. وفي الفقرة الثالثة بحثت في إسهام المفردة القرآنية في تشخيص المعاني والمجرّدات، وقد تقدم الفكرة تعريف التشخيص لغة واصطلاحا، ووجدت أن القدامى قدّموا جهدا وفيرا لاهتمامهم الكبير بانتقال المفردة من مجال إلى آخر، وقد عرضوا تأملاتهم الفنية مؤكدين أهمية الكلمة المشخّصة وفق مصطلح الاستعارة أو المجاز، وأدركوا أن إضفاء الصفات الآدمية على الجمادات والمعنويات وبثّ الحركة فيها يعطي تأثيرا كبيرا في المتلقي، ودرست في الفقرة الرابعة تصوير المفردات للحركة، وهي حركة سريعة قوية كالزلزلة، وحركة بطيئة، وكانت هذه المفردات تعبّر عن مضمون الموقف، وقد وجدت أن الزمخشري خاصة تملى هذه الجمالية بذوق فريد، وأردفت الفقرة بلمحة عن تجسيم الحركة بوساطة التشكيل الصوتي للمفردة، وهذا ما دعي بالأونوماتوبيا التي تحدثت عنها بالتفصيل في الفصل الثالث. وتناول الفصل الثالث الجمال الموسيقى لمفردات القرآن، ودرست في الفقرة الأولى منه مسألة تلاؤم المخارج بدءا من الرماني، ثم عرضت نظرة ابن سنان وابن الأثير، ثم ذكرت رأي بعض المحدثين في هذا الشأن، وتوصلت إلى أن العبرة بطبيعة الصوت نفسه. ودرست في الفقرة الثانية جمالية المدود والحركات في المفردات، وحاولت أن أبين العلاقة الوشيجة بين شكل المفردة والموقف الشعوري، وفي الفقرة الثالثة درست طول المفردات وفق نظرة ابن سنان الذي قبّح طول المفردات، وفنّد هذا بمسلّمات الموسيقا اللغوية وطبيعة مفردات القرآن، وذكرت رأي ابن الأثير، ثم توضيح الرافعي، وانتهيت إلى أن جزئيات الكلمة في القرآن تنفي عيب الطول عنها، وفي الفقرة الرابعة بحثت مفهوم الرقة والمغالطة التي وقع فيها بعض الدارسين لتفسير الرّقة، وهنا استعين بطبيعة الأصوات اللغوية في فقه اللغة، وقورنت الرقة بالجزالة، ثم بينت أن الموضوع هو الذي يحدّد قوة الألفاظ وشدّتها أو رقتها، وربطت الصفة النّغمية للحرف بالموقف الشعوري، ودرست في الفقرة الخامسة مظاهر تجسيم الصوت للمعاني، أو ما يدعى «الأونوماتوبيا»، وقدمت لهذه الفقرة تنظيرا لغويا

стр. 9

بمنزلة تأصيل عربي لهذه الفكرة خصوصا في «الخصائص» لابن جني، وتوصلت إلى أن القدامى ربطوا النظرة بمعيار لغوي واضح، وأن بعض المحدثين اعتمد التوهم والمبالغة، وقد جنحت في بعض الأمكنة إلى تفسير محاكاة الصوت للمعنى والصور بمعطيات فقه اللغة وعلم التجويد لمعرفة صفات الحروف. وتناول الفصل الرابع الظلال النفسية التي توصّل إليها الدارسون في توضيح العلاقة بين المفردة والموضوع أو الفكرة، ودرست في الفقرة الأولى جهود الدارسين في دلائل صيغة المفردة، حيث ذكر البيان القرآني صيغا لمفردات تمتلك معاني لا تكون في صيغ أخرى، وهنا كانت للقدامى جولات رائعة لعلوّ فصاحتهم، وكثرة اهتماهم باللغويات، وهذا مهّد لهم لتبيين الجوانب الفنية في هذا المضمار، فقد أدركوا العلاقة بين التشكيل الداخلي ومعالم الموضوع، وفي الفقرة الثانية درست الجوانب التهذيبية السامية في اختيار مفردات القرآن، ودرست في القسم الأول من الفقرة التهذيب في اختيار مفردات تعبر عن المرأة وعلاقتها بالرجل، ثم درست في القسم الثاني التهذيب في الأمور العامة التي دل فيها القرآن على سمو خطابه، وهذا الإيماء الرفيع نجده في تأملات الدارسين تحت عنوان الكناية أو المجاز أو التلميح، وفي الفقرة الثالثة بينت وجه الإيجاز في المفردة، وأطلقت عليه اسم اختزان المفردة للمعاني الكثيرة، وبدأت الفقرة بإشارة الجاحظ، ثم وضحت الاختزان في صيغة المفردة، فالاختزان في جانب التهذيب، وختمت الفقرة بإضافة بعض الشواهد وتحليلها تأكيدا لنظرة الدارسين. وفي الفقرة الرابعة عرضت لجهود الدارسين في اختيار المفردة للموضوع، أي مناسبة المقام، وتضمنت الفقرة بعض الأفكار، مثل ملاءمة الغريب للموقف، والمنهج الذاتي والمنهج الموضوعي عند الدارسين، وفكرة مناسبة المقام من خلال الفروق اللغوية، وهنا يبرز جهد الخطيب الإسكافي الذي سار على نهجه الكثيرون، وكذلك قدّم لي الكشاف مادّة وفيرة، وختمت الفقرة بظلال الدلالة الخاصة لبعض المفردات القرآنية، إذ أضفى القرآن على بعض المفردات دلالة خاصة نتيجة صدورها عن الخالق ، وهذا مستفاد من إشارة للباقلاني. وفي الفقرة الخامسة بحثت في تمكن

стр. 10

الفاصلة، وهي الكلمة الأخيرة من الآية، وبدئت الفقرة بتعريفها لغة واصطلاحا، فتضمنت الفقرة فكرة ملاءمة الفاصلة لما قبلها من خلال مصطلحات القدامى، مثل الإيغال والتصدير والتوشيح، وفكرة استقلالها بمعنى جديد، وأهميته في الآية، وهنا يبرز جهد الخطيب الإسكافي، وابن أبي الاصبع خاصة، وانتهى البحث بخاتمة تلخص النتائج التي توصّل إليها. لقد كان الترتيب التاريخي عونا لي في توضيح تطور التذوق الفني لدى الدارسين، وقد عمدت في بعض الأحيان إلى إجراء موازنة بين علمين في شاهد قرآني واحد، لأبيّن تفاوت النظرات والمؤثرات في هذا التفاوت، وكذلك حرصت على أن تكون النماذج المقتبسة وافية، وألا يكون البحث انتقاصا من كلّ من القدامى والمعاصرين في مسلكهم، وأرجو أن أكون موفقا في جمع شتات جمال المفردة القرآنية، وتحديد المعيار، وتبيين عناصر هذا الجمال في كتب الإعجاز والتفسير، كما أرجو أن يكون هذا البحث جهدا مقبولا في خدمة القرآن الكريم والله من وراء القصد. أحمد ياسوف

стр. 11

مدخل في مفهوم الجميل عند العلماء المسلمين إن مسألة الجمال وإدراكه قضية فطرية، فطر الله الخلق عليها، وخلق صفة الجمال وصفة القبح، غير أن الفكر الإنساني تعرّض لهذه القضية بالدراسة، وكانت الفلسفة اليونانية قد عنيت بدراسة الجمال أو فن الجمال، وكان لهذه الدراسة اتجاهان: مثالي ومادي، ثم جاء المسلمون، وقدّموا أفكارا جديدة في هذا المضمار. ويجدر بنا هنا التوقف عند نظرات علماء مسلمين، لنبيّن وجهة نظرهم واهتمامهم بالمفاهيم الجمالية، لتكون هذه النظرات تمهيدا لفهم الجمال في المفردة القرآنية، فقد قدم المسلمون جهدا واضحا إلى الفكر الإنساني، ولم يكونوا بمعزل عن الحضارات بكل ما تتضمنه، كما أنهم أبدوا فاعلية كبرى في الفكر، يشهد لها التاريخ والنظرة العادلة. فالجاحظ «١» مثلا ارتبط مفهوم الجميل عنده بالنافع، فقد جاء في كتابه «الحيوان» عن حسن النار: «ولولا معرفتهم بقتلها وإتلافها، والألم والحرقة المولّدين عنها لتضاعف الحسن عندهم، وإنّهم ليرونها في الشتاء بغير العين التي يرونها بها في الصيف، ليس ذلك إلا ما حدث من الاستغناء عنها» «٢». فالمنفعة تزيد من حسن الجميل في نظر الإنسان، والدّفء المولّد عن النار

стр. 12

يزيدها حسنا، وهكذا نجد أنه يربط الجمال- أو الحسن على حدّ تعبيره- بالمنفعة خلافا للمدرسة الغربية المعاصرة، والجميل عنده موضوعي، ينبغ جماله من شكله، وتركيب أعضائه وجزئياته، إذ يقول: «وربّ شيء إنما الأعجوبة فيه إنما هي في صورته وصنعته وتركيب أعضائه وتأليف أجزائه، كالطاوس في تعاريج ريشه وتهاويل ألوانه، وكالزّرافة في عجيب تركيبها ومواضع أعضائها .. أو يكون العجب فيما أعطي في حنجرته من الأغاني العجيبة والأصوات الشّجية المطربة والمخارج الحسنة» «١». فقضية استيعاب الجميل تعتمد على الحسّ، لأن الجميل هنا موضوعي محسوس، فهو يدل على حاسّة البصر في جمال شكل الطاوس والزّرافة، وعلى حاسة السمع في جمال أصوات الطيور المغرّدة، وكذلك يدلّ على تناسق الشكل الذي ترتاح إليه العين، ولا تختلف مدارس علم الجمال في اختصاص هاتين الحاستين بإدراك الجمال. ولا يكتفي بالحواس الظاهرة، إنما يعدّها سبيلا إلى مكمن المشاعر أو القلب حسب تعبيره، إذ يقول: «وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغنّي حدّق إليها الطّرف، وأصغى نحوها السمع، وألقى إليها القلب الملك، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدّي إلى القلب ما أفاد منها قبل صاحبه» «٢». ولا يقتصر الجمال عنده على المحسوس المرئي أو المسموع، فهناك جمال معنوي مجرّد يتملّاه العقل أو القلب، ونحن نلتمس هذا من خلال حديثه عن القبيح، إذ يقول عنه: «الضيق في الملوك، والغدر في ذوي الأحساب، والحاجة في العلماء، والكذب في القضاء، والشّح في الأغنياء» «٣». وهذا الجمال المعنوي الأخلاقي لا يبتعد عن الشريعة الإسلامية، كالوفاء والعفّة والصدق والكرم والشجاعة، إلا أنه يريد شدة القبح في حالات معينة.

стр. 13

وإذا كان الجاحظ يكتفي بالحديث عن الجميل الموضوعي والمعنوي الأخلاقي فإن أبا حيّان التوحيدي «١» يركّز على الجمال المعنوي، ويضع العقل معيارا لفهمه، ويبسط القول على صفات الله قائلا: «وهي من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها شيء من المستحسنات، لأنها هي سبب كل حسن، وهي التي تفيض بالحسن على غيرها «٢». فالخالق هو الجميل المطلق، وهو خالق الجمال النسبي في الكون، فصفات الله هي أصل الحسن في المخلوقات، وأبو حيان يتحدث عن الجميل المعنوي، ويربطه بالخير، ويجعل العقل وحده معيارا في تذوقه واستيعابه، يقول: «إن العقل لا يستحسن ولا يستقبح شيئا من الأشياء إلا بقرائن وشرائط، وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف بالخير والشر، إن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم لما فيه من حياة الناس، وإذا وقع عليه اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحا لما فيه من تلف الحيوان» «٣». فالفعل لا يتّصف بالجمال أو القبح، حتى يتضح أثره وفائدته، أو ضرره في المجتمع، أو دلالة الشّرع، وهذا ما رامه بقوله: شرائط وقرائن، وبما أن الجميل هنا معنوي، فتناسب ربطه بالخير، على حين ربط الجاحظ الجميل الحسي بالمنفعة. ومعيار العقل مستمر في حكمه لا يتغير بتغير الأحوال، فهو يقول: «ما يستحسنه العقل، فهو أبدى الاستحسان له، وما يستقبحه، فهو أبدى الاستقباح له، ولا يتغير ذلك بتغير الأحوال» «٤».

стр. 14

ويفصل أبو حامد الغزالي «١» بين الجميل والنافع، بيد أنه لا يلغي لذّة النافع، إنما يقدّر له لذّته الخاصة به، فهو يقول: «كل جمال محبوب عند مدرك الجمال، وذلك لعين الجمال، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها، ولا تظنّنّ أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة، فإنّ قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحبّ الصور الجميلة لأجلها، وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ، فيجوز أن يكون محبوبا لذاته، وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء، وتؤكل الخضرة، أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية» «٢». يذكر الغزالي هذا في حديثه عن المحبة، وهنا يتحدث عن حبّ الأشياء المحسوسة، ويذكر حاسّة الرؤية، ويمكننا أن نعدّ كلامه تفسير لقوله عن الإبل: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ «٣». إذ ينص البيان القرآني على أن الأشياء ليست جميلة لذاتها بل لمنفعتها للإنسان في الوقت نفسه، وتمتع الإنسان بالصفات الجميلة يؤدي إلى تسبيح الخالق . فالموقف الجمالي بحسب المنهج القرآني يقول بالغائية، إلا أنه يدعو إلى الترفع عن المنفعة المادية المباشرة، فلا يرتبط بالنافع مباشرة كما في فلسفة سقراط، كما نجد هذا في الحواريات التي نقلها عنه تلميذه أفلاطون. والإبل مفيدة بلحمها وركوبها، وهنالك هنيهات تأملية سامية يتجلّى للبصر حينها جمال شكل الإبل، وهذا يدعو إلى تسبيح الخالق، فالشعور بالجمال يتكون بعد إشباع الحاجة المادية، فالظمآن لا يشعر بجمال خرير النهر، كما أن الجائع لا يشعر بجمال الثمار، لأن الجميل يعني إثارة وجدانية

стр. 15

لمشاعر راقية. وفي منظور الغزالي يتمتع الجمال الموضوعي بصفة الجمال عند ما تحضر فيه الصفات اللائقة به كما خلقها الله ، إذ يقول: «كلّ شيء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كانت جميع كمالاته الممكنة حاضرة، فهو في غاية الجمال، وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر- ولكل شيء كمال يليق به، وقد يليق بغيره ضدّه، فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به، فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس» «١». وهذا يذكّرنا بتأليف الأعضاء كما جاء عند الجاحظ، فالجمال متفاوت، لأن هناك نسبا مختلفة في حضور الصفات الجميلة، وهذا يصل بالغزالي إلى أن الكمال لله وحده، إذ يقول: «وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص، بل كونه عاجزا مخلوقا مسخّرا هو عين العيب والنقص فالكمال لله وحده، وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه الله» «٢». وهذا أيضا يذكّرنا بفيض الحسن من الخالق على المخلوقات، كما ورد عند أبي حيان التوحيدي. وبما أن المقصد من ذكر حب الجميل أخلاقي ديني عند الغزالي، فإنه لا ينسى أن يذكر الجمال المعنوي، إذ يقول: «إن الجمال والحسن موجود في غير المحسوسات، إذ يقال: هذا خلق حسن وهذا علم حسن، وهذه سيرة حسنة، وهذه أخلاق حسنة، وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة» «٣». فالجميل عند الغزالي مطلق، وهو الخالق ، ومنه يفيض الجمال على الأشياء، وجمال موضوعي محسوس يعتمد على الحواس، وجميل معنوي يعتمد على البصيرة، كحبّ العلماء والعلم والطاعات والأخلاق

стр. 16

الحميدة. لقد تحدّث علماؤنا بوضوح عن المفاهيم الجمالية خلافا لتعقيد الفلاسفة الغربيين وتناقضهم أحيانا، كما نجد هذا في الجمال عند هيغل ومسألة المطلق والروح وأمثال هذه المصطلحات الغامضة، أو تعلق الجمال بالحدس كما هي الحال عند كروتشه. وقد ذكروا أمثلة من الواقع الملموس تثبت صحة نظرهم، ونخلص مما سلف إلى أن الجميل الموضوعي يعتمد على جزئيات هذا الجميل، وهذا يقترب من مفهوم الجميل في البحث، إذ يعتمد على حاستي البصر والسمع إضافة إلى القلب، وهذا ما تتفق فيه الدراسات الجمالية كلّها. ولا بدّ من الإشارة إلى أن اقتران الحب بالجمال في الفلسفة اليونانية لا يمتّ بصلة إلى ما جاء عند الغزالي، لأن الغاية عنده دينية، ليس فيها التجريد الفلسفي وما سمي بالمثل، كما أن حديث المسلمين عن الجمال البصري يتحدّد في الأشكال، وفي الصور المرئية، وليس فيه ترّهات الغرب، وتجسيد المثل أو الفكرة المطلقة، وما يتبع هذا من خطل وتعقيد، وكذلك لا نحب أن نربط بين ما ذكره التوحيديّ والغزالي عن فيض الجمال على المخلوقات بما جاء في نظرية الفيض عند أفلوطين، فنظرة علمائنا تتّسم بالأصالة، لأنها تنبع من أصول العقيدة الإسلامية. وإذا كانت المذوقات والمشمومات والملموسات أدخل في الالتذاذ الجسدي من المرئيات والسمعيات، فإن الجمال القرآني يثير هذه الأحاسيس أيضا، لأنه فن قولي يتمتّع بطابع زماني لاعتماده الكلمة والنسق الموسيقى، ومكاني بمشاهده المؤثرة في المشاعر، ولأجل الإيغال في التأثير الحسي يحرك كلّ الحواس، حتى إن سماع بعض الكلمات يشبه الإدراك المرئي، فيتخذ بعدا مكانيا. والجمال القرآني متكامل من حيث الانسجام بين الشكل والمضمون فيه، وهو لا يقدّم شكلا فارغا، بل إن ما فيه مسخّر في نهاية الأمر لرفع مستوى الوعي الجمالي، ومن ثمّ لتحقيق الهداية، ومن يقرأ آياته يدرك أن الشكل

стр. 17

يحتوي المضمون ويتّحد به، وبحيث لا ينفصمان، وما الإعجاز البياني إلا الشكل الراقي لدعوة البشر إلى الحق. ويمكننا أن نقول إن الجميل في القرآن هو كلّ ما ترتاح إليه النفس بعد مروره بالحواس، وذلك في الطبيعة والحياة الاجتماعية، وفق ما يقتضي الخير والشر من مظاهر وعلاقات إنسانية، وذلك بالإضافة إلى جمال الأفكار والمشاعر الذي ينسكب في الباطن، ويحدث لذة جمالية معنوية وفق طبيعة النفس الإنسانية كما فطرها الخالق . والجميل في القرآن كل ما يخاطب المشاعر، وما يتصف بمعنى المؤثّر في أرقى أشكاله، إن في تصوير ما ترتاح إليه العين والأذن، أو في ما ينفّر عنه التصوير من خلال دقّة بارعة لتصوير القبيح، كما في رسم مشاهد الكفار، ولذلك نقول: إن الغائية الأخيرة في الجمال القرآني غائية دينية، هي هداية البشر بالترغيب والترهيب، وإن هذه الغائية تعتمد على فنون اللغة بغناها، وتبثّ فيها روح السموّ، فالقرآن معجزة بيانية. ولا بدّ هنا من توضيح المقصود من كلمة، «مفردة»، فهي ذلك الكائن الذي يساهم في الفن القولي في أسلوب القرآن، وهو موضوع البحث، ولا ترادف مصطلح الكلمة، لأن الكلمة قد تعني أحيانا كل العمل الأدبي، فهي أداته الفنية، كما أن النغمات أداة الموسيقا، وتعني بالتالي المادة التي ينسج منها النصّ، وهي تشتمل حسب تقسيم النحاة على الاسم والفعل والحرف، إلا أن الحروف تخرج عن نطاق هذا البحث، لأنها أعلق بمسألة النظم أي ما يربط بين المفردات، وقد أفاض الجرجاني في هذا. فالمفردة تعني الاسم، وتعني الفعل حين يرتبط الاسم بعامل زمني معيّن، ويدلنا المعجم على أن المفردة تلتقي مع الفرد والإفراد والمفرد والفرديّة والجوهرة الفريدة والانفراد، وتدل على العدد واحد، وهذا كله نقيض التثنية والجمع، يقول تعالى على لسان النبي زكريا ﵊: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ «١».

стр. 18

ويمكن القول إن المفردة هي المجموعة الصوتية التي تدلّ على معنى، وهذه المجموعة هي وحدة كلامية تقوم مقام الجزء من الكل في الجملة، وهي الجزء الأوّلي في بناء النظم والوحدة المكوّنة له، فلا يغني أحدهما عن الآخر، كما سيتّضح في طيّات البحث، وهي ليست كائنا معجميا، إذ يتبين لقارئ القرآن أنها تمتاز بدلالة جديدة يضفيها الموضوع على حياد المعجم. أما المراد ب «جمالية المفردة»، فنقصد به الجمال الموضوعي الذي ينشأ من أجزاء الموضوع الجميل وتركيبه، وهو موضوعي لأنه يستند إلى فن الأدب وطبيعة النفس البشرية، فجمال المفردة في هذا البحث موضوعي لأنه واضح الأسباب ويعتمد على جزئيات المفردات. أي أن المراد القيمة الفنية للمفردة في سياق البلاغة القرآنية، واستقلالها بأهمية كبيرة في مجال التأثير الوجداني. فهو جمال حسي بصري يبين أثر الكلمة المفردة في توصيل الصورة الفنية إلى الذهن، ويشمل تجسيم المعنويات وتشخيص الأشياء، وبثّ الحركة والحيوية في الصورة. وهو جمال حسي سمعي يبيّن جوانب موسيقية في المفردة، من حيث وقع حروفها وصفات هذه الحروف، وملاءمتها للمقام، وما تمتعت به المفردة من مدود وحركات. كما أنه جمال نفسي للقلب فيه النصيب الأكبر في تلقّيه، وهذا الجمال ينشأ من علاقة المفردة بالموضوع أي علاقة الدال بالمدلول، وتفردها بالموضوع واستيعابها له، واتسامها بالغاية القصوى في التأثير من خلال صيغتها، وظلالها الخاصة في القرآن، وإيجازها للمعاني الكثيرة، ورفعتها في مخاطبة الإنسان، وهكذا نجد أن جمال المفردة القرآنية تصويري وصوتي وفكري معنوي. ويعني «الجماليّ» في دراسات علم الجمال الظواهر الجميلة والقبيحة، وما يتفرّع عنهما من قيم إنسانية، إن في الحياة، أو في الفن، وقد درجت دراسات فنية على استعمال صيغة «جمالية» التي تجمع على جماليات، فقالوا:

стр. 19

جمالية الفن العربي وجمالية الأسلوب وغير هذا، وهم يريدون الصّفات الجميلة فقط. أما ما نعنيه في هذا البحث بالجماليات فهي سمات جمال المفردة القرآنية، ولذلك قلنا جماليات لوجود التعدّد، وهو مصطلح يشتمل على الجميل وعلى القبيح من خلال تصوير القرآن له، كأشكال الكافرين وأعمالهم ومظاهر تعذيبهم. وقد عمدنا إلى استخدام مصطلح- المفردة، ولم تذكر اللفظة، لكي نؤكّد من خلال الاشتقاق انفراد الكلمة الواحدة بالجمال الفني، ولا نرى مانعا من ذكر الألفاظ إلا هذا السبب، وقد استخدم مصطلح «المفردة» في الأدب واللغة وكتب الإعجاز إلى جانب مصطلح الألفاظ. وقصدنا بكتب التفسير التفسير البياني، أي ما عني بالجوانب البلاغية، وتتبّعنا هذا في التفاسير الكاملة، وفي بعض الكتب المفسرة لبعض السور أو بعض الآيات فكلّ هذا نعدّه كتب تفسير بياني.

стр. 20

الفصل الأول الجوانب الجمالية في المفردة القرآنية

стр. 21

١ - جمال المفردة في الأدب ما من إنتاج فكري إلّا احتاج إلى الكلمة مسموعة أو مكتوبة، حتى إنهم يعدّون التفكير كلاما صامتا، والكلمة تميّز وعي البشر، وسموّهم على مخلوقات الله، لأنها نتاج فكر. والأدب هو الحقل الفكري الذي تغرس فيه الكلمات طمعا في ثمرة التأثير الوجداني، وهو يتخذ من الكلمة الوسيلة الجمالية، لأن غايته لا تقتصر على الإفهام والتعبير المباشر، بل تتعدّى هذا إلى مستوى فاعلية في المتلقي، إذ يوجد تعامل خاص مع الكلمات يختلف عن المجالات الأخرى. وفي دراستنا للقرآن في هذا البحث ننطلق من كونه نصا أدبيا انكبّ على تأمل جماله اللغوي مجموعة من الدارسين مخلصين له النية، وكانت لهم نظرات شتى، وسبل مختلفة، فالقرآن كتاب هداية، ولكنّ الجانب الديني ليس المعنيّ هنا إلا في قدرة اللغة على توصيله في أرقى صور التعبير. وقد أشرنا سابقا إلى تعريف المفردة في المعجم، وهاهنا نقدم نبذة يسيرة حول مفهومها في النقد الحديث، وهو تنظير تؤيده استشهادات دارسي الإعجاز، فتكون هذه الآراء عونا لنا في مناقشتهم للبيان القرآني، وليست غايتنا إلحاق الكلم الربانية بقوانين بشرية مختلفة المناهج، بل هي مفاتيح نلجأ إليها، لتفسر لنا البيان القرآني، فلا ضير في أن نسوق بعض الآراء التي سنجد لها تطبيقا في جهود الدارسين قديما وحديثا، وجلّ هذا الكتاب أن يحصر في قوالب نقد قد تولّد نتيجة معايشة عميقة لنتاج الفن الأدبي البشري. - تجاوز المرحلة المعجمية: من المسلّم به أن المفردة الأدبية كائن جديد متميز من المفردة المعجمية، فهي في الأدب تلبس لبوسا فريدا مع شحنة روحية، مما يجعلها تتجاوز كونها أصوات مادة معجمية، وهي ترسم وتشخّص وتجسّم حالة شعورية، فتتسع دلالتها الإشارية الضيقة، وتحمل دلالة أخرى في حالة الاتساع.

стр. 22

لا تقف المفردة الأدبية في حياد المعجم، فإن غزت موضوعها واستوعبته تملّكته، فكانت آية في الجمال، وإن خسرت معركتها اقتربت من الفوضى والهذيان، وصارت إلى زوال وابتذال، يقول بختين في هذا الصّدد: «الكلمة في الفكر الأسلوبي التقليدي لا تعرف إلا ذاتها أي سياقها هي، وموضوعها هي، وتعبيريتها المباشرة ولغتها الواحدة الوحيدة، أما الكلمة الأخرى الموجودة خارج سياقها، فلا تعرفها إلا بوصفها كلمة محايدة من كلمات اللغة، إلا كلمة لا تخصّ أحدا، إلا مجرد إمكانية كلامية» «١». ولعل هذه المعجمية هي التي نفّرت الدارسين- ولا سيّما القدامى منهم- من استقلال المفردة بالجمال، وحقّها بالمقام الرفيع، لأنها في نظر بعضهم موجودة في الصفات نفسها قبل أن يشملها التشكيل اللغوي، وترعاها الفنون من هنا وهناك، وفي هذا تقصير، لأن المفردة أثبتت جدارتها في حاجة التشكيل إلى مادة بعينها، وليس إلى غيرها من ذلك الرّصيد الواسع في نطاق المعجم، ليكمل التشكيل بناءه الجمالي. وهذا هو الفرق بين الكتابة العلمية والكتابة الأدبية، فالأولى لا تهتمّ بالانتقاء، لأنها لا تعنى بالاعتبارات الوجدانية، فتقلع عن جمال النحو بعلائقه المؤثرة، كما تقلع عن جمال الصرف الذي يعطي الصيغة الفاعلية الجمالية، وتتجاهل الفروق الدقيقة بين المفردات، كل ذلك لأنها كتابة مباشرة لا تخاطب الشعور، والمفردة في مضمارها إن هي إلا وسيلة لمخاطبة العقل مباشرة. أما الكتابة الأدبية فهي بناء لغوي جميل، والأديب يرى أن المفردة كائن حي ودلالة حيوية، تقوم بوظيفة نقل المشاعر في صيغ مغايرة للاستعمال المعهود، ولا تنتهي غايته عند صياغة الفكرة فقط، بل عند بثّ الروح في حنايا الكلمات، فتغدو بدائل عنه، وهذه المعايشة بين المفردة والمبدع تحتاج إلى وقفة ذوقية لأجل عملية الانتقاء، لأن الكلمة سترسم صاحبها بملامح جسدية، وملامح ذهنية في سجلّ خيالي، وهذا ما يحوجه إلى التأمل في المفردة قبل

стр. 23

وصولها إلى النص، فيغربل المفردات، لأنه يخشى زللها. يقول برتيليمي مشيدا برفعة الكتابة الأدبية: «في الوقت الذي يهتم فيه الفيلسوف بالحقائق والأفكار فحسب، ويقف فيما وراء الألفاظ، يقف الشاعر فيما قبلها، لأنها ليست بالنسبة إليه علامات فحسب، بل هي كذلك- وقبل كل شيء- كائنات ينظر إليها، ويفحصها ويتأمل فيها، ويعجب بها، كما يعجب الإنسان بحصاة أو بحشرة أو بطير ما» «١». فالكلمة تترك ساحة دلالتها اللغوية عند ما تكون في الأدب، وإذا كنا نحن إزاء دراستها في القرآن، فهل يطبّق هذا الرأي عليها؟. هنا تتجلى ميزة القرآن، فهو كتاب هداية وعلم، وليس يقصد الفن الأدبي وحده فيه، فهو موجود ليتمم الفكرة الدينية، ويوصلها في أجمل وأبهى صورة، وهو كتاب علم وعقيدة وتشريع سماوي، ومواعظ وأخبار، وعلى الرغم من هذا لم تؤثر فيه علميته في أن يبقى منها بلاغيا، ونصا أدبيا راقيا. ومن يطوّف في رحاب التفاسير اللغوية البلاغية يجد وقفات طويلة في مفردات السور المدنية التي كان طابعها التشريع، لأن التشريع قد عني أيضا بنفسية المؤمن، ومن خلال رسم السلوك البشري السّوي، وإلقاء الأوامر الإلهية، إذ برزت للدارسين جماليات في مناسبة المقام بمفردات تختزن طاقة وجدانية كبرى. ولا شكّ في أن المفردة تكتسب هذه الميزة الجديدة من الظلال الروحية التي تحيط بها داخل النص، فتتخذ لها معاني ثانوية يجود بها الموضوع المرتجى، وهذا ما أسماه أحمد الشائب بالصفات الهامشيّة، إذ قال عن كلمة «الربيع»: «حين تقتصر على المعنى المعجمي المحايد، فهي تعني هذا الفصل من العام، وما فيه من اعتدال الجو، وكثرة الخضرة، وهذا ما يدعى بالدّلالات المركزية، وهي تليق بعلماء الطبيعة .. ولكن الربيع لدى الأديب حين يستغل عاطفته، ويشحن دلالته بصفات هامشية، يكون الربيع مبعث حزن أو فرح

стр. 24

وينبوع رجاء» «١». ولا ريب في أن اختلاف المواقف يتأتّى منه اختلاف الصفات الهامشية، فالكلمة رهينة تلك الحالة الشعورية، وقد كسرت قيود الدلالة اللغوية المركزية، وهذه مقولة يتفق عليها كل النقاد، فهي في عداد النواميس الأدبية. وقد ذكر لاسل آبر كرمبي ما يشبه كلام الشائب، فجعل المركزية نواة، والمعاني الأدبية تطوف حولها، وذلك يتحدد في قدرتها على ملائمة قرائنها في الموضوع «٢»، ومخزونها التأثيري في المتلقّي بهذه الطائفة من المعاني الثانوية، ولكنّ التفاوت يعود في رأيه إلى تخصيص المكان المناسب للمفردة، وهذا من صلب نظرية النظم للجرجاني «٣» الذي أطنب في شرحها. بيد أن الخطوة الأولى التي تسبق ذلك التركيب الإبداعي تتعيّن في اختيار المفردة، وسوف نعود إلى توفيق الدارسين بين المفردة والنظم وعدم الإجحاف بطرف منهما في مكان لاحق، وفي هذا يقول الزيات: «وفي اختيار الكلمة الخاصة بالمعنى إبداع وخلق، لأن الكلمة ميتة ما دامت في المعجم، فإذا وصلها الفنان الخالق بأخواتها في التركيب، ووضعها موضعها الطبيعي من الجملة، دبّت فيها الحياة، وسرت فيها الحرارة» «٤». يسعى الأديب إلى اختيار أسلوب فريد لمادته الكلامية، وذلك حفاظا على منحى الإبداع، وعدم الدّوران في فلك الآخرين، والاتكاء على تعابيرهم، فيبثّ إيحاءه الشخصي، ليجتاز إيحاءات غيره، وفي هذا يقول بختين: «إن

стр. 25

الوعي اللغوي النشيط أدبيا كان يجد في كل زمان ومكان «لغات» وليس لغة، كان يجد نفسه أمام ضرورة اختيار اللغة» «١». واختيار اللغة هاهنا يبدأ من اختيار المادة ثم الصّيغة، وهذا مبدأ كل من ابن سنان وابن الأثير «٢»، إذ يبدأ جمال اللغة في كتابيهما: «سرّ الفصاحة» و «المثل السائر» بباب طويل السّرد والشرح عن جمال المفردة، يليه باب جمال النظم، وباب جمال الحروف، وتبعهما رجال البلاغة في هذا الترتيب. ولا مندوحة لنا من أن نضيف إلى كلام «بختين» أن المبدع يجتاز حياد المعجم، ويجتاز نشاطات الغير إن وقفوا على مادة نصه نفسها، أو خطرت على قلوبهم التجربة الشعورية نفسها، وهذا لا يعني أن تفقد المفردة حدّ المعقول، فيجنح الشاعر إلى موقف هزلي بين المادة والموضوع، فيصاب أدبه بداء الإغراب، لأنه لا يطالب ببديل عن الواقع، إنما يطالب بتلوينه بعيدا عن الخطل قدر المستطاع، بحيث لا يخفق في استدامة العلاقة بينه وبين المتلقي، مما يعود بالمفردة جثّة هامدة لا تمتّ بصلة إلى الوضع الاجتماعي. - خصوصية المفردة القرآنية: لقد أثبت البيان القرآني جدارته بصفة الربط بين المتلقّى والنص بوشائج متينة، وهذا الاستحقاق يكمن في ديمومة ربط المرء بالواقع: الواقع النفسي في القدرة على إثارته على مرّ العصور، فتنبش مكوّنات أساسية في السلوك

стр. 26

البشري، وهاهنا مخاطبة الخالق لما خلق، وكذلك الواقع المحسوس في تصوير جزئياته في الطبيعة الصامتة والمتحركة، والمشاهد المألوفة، وتقريب ما هو ليس بمألوف بإثارة الحواسّ والبصيرة، واستدامة صورته الفنية هي نتيجة ثبات الحواسّ وتأكيده على ربط الصورة بالحواسّ، وهكذا لم يرفض الواقع، بل نهض به ولوّنه. ولغة القرآن الكريم عربية، ولا نحبّ أن نثبت له الصّفة الدينية فقط، أو الجهة العلوية، لنقرنه بالسّموّ، فهذا لا يدحض كلام جاحد، ولا يدفع هجوم منكر، والصحيح أن هذا الكتاب العظيم استخدام المفردات العربية أحيانا في غير مجالها المعهود، ففي مجال المضمون قلّص دلالات كثيرة، وبثّ فيها المعاني المغايرة بصبغتها الدينية، والشواهد كثيرة على هذا كالمصطلحات الدينية في العقيدة والتشريع «صلاة، نفاق، صراط .. ». وإذا كان جمال مفرداته من مصدر إلهي، فهذا يعني بالضبط سموّ الفن القرآني في مضمار الفن الأدبي، وحجّته الأولى هي اللسان العربي الفصيح، وطبيعة الفن، وليس الدافع الديني، فنحن نلمس السرّ الإلهي في الكلام المبين من خلال الآثار الجليّة التي تدلّ على وجوب الاعتراف بالبيان لمن علّم البيان، يقول عبد الكريم الخطيب: «أفاض الله سبحانه عليها- الكلمات- هذا الفيض، ونفخ فيها من روحه، كما نفخ في عصا موسى، لكنه مع ذلك أبقى على تلك الكلمات طبيعتها التي يعرفها الناس منها، كما أبقى على عصا موسى طبيعتها كذلك» «١». وهذا السر الإلهي ليس خفيّا على متذوق للعربية وفنّ الكلام، وهذه الخاصية للمفردة القرآنية تسري في الآيات في تلاؤم تام، ولا يمكن أن نعدّها تفضّلا أو ترفا ذهنيا، كما هي الحال في كثير من الأدب، وهي- المفردة- سامية بنسبتها إلى منزلها في إطار من البيان الذي يعيه العرب خاصة، فعلى قدر ما تكون الجهة المبدعة قوية، تخرج الكلمات قوية مؤثرة، وقريب من هذا ما يقوله لا سل آبر كرمبي: «إن المهارة في الأدب لا تتناول سوى الألفاظ التي

стр. 27

يستخدمها الكاتب، بينما مهارة الحديث تتناول أيضا ما للمحدّث من شخصية قد يكون أثرها أكبر وأعمق من أثر الألفاظ» «١». والقرآن كلام الله ، وهو أقرب من حبل الوريد، فلا عجب في أن يضاف إلى حيّز الأدب سموّ المحدّث ﵎، وهذا سيتّضح في دلالات خاصة للمفردات في فقرة لا حقة، قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ «٢». - الشكل والمضمون: تتمتع الكلمة في المضمار الأدبي بثنائية الشكل والمضمون، وفي الأدب الراقي يتضح أن الشكل ليس زخرفة بالية، بل يساند المضمون الفكريّ، ومؤيدات هذا التلاحم، وهذا التلاؤم المنسجم بين الطرفين تنبع من النص نفسه، وتنطلق الأحكام من خلال جوّ المفردة في خضمّ المفردات، وهي تصافح حاسة السمع قبل أن تطرق باب المشاعر، أي ترجمتها في سجلّ الوعي، ذلك لأنها صوت أولا، ومعنى في الدرجة الثانية. لقد جنح الشعر الحديث إلى الموسيقا الداخلية المتوخّاة في طيّات الكلمات، إذ استعاض بها عن الوزن والقافية، والأديب البارع من يوظّف القيمة الصوتية في رسم المعاني، ويشخصها للمتلقي، لأنّ الإيقاع يجب أن يمثّل الحالة الشعورية، ولن يبلغ الشّعر شأو القرآن. والاهتمام بجمال صوت الكلمة- أي صورتها الأولى- قديم قدم الأدب العربي، ولطالما جنح النقاد ودارسو الإعجاز القرآني إلى استحباب ألفاظ لمجرّد حلاوة نغمها، وذلك دونما توهم يربط بين الصوت والمعنى، كما سنجد في كثير من تعليقات الدارسين. والحق أن «رقة اللفظ، وحلاوة الحروف، والسّلاسة والسّهولة والعذوبة، إشارات مصيبة، ووعي سابق على عصرنا، وهي تدلّ على تذوق أسلافنا

стр. 28

للجمال السمعي. ولا ريب في أن كلا الطرفين: الصوت والمعنى في تلازم دائم، وأن التعلّق بالصوت مرحلة أوّلية يجب أن تجتاز، وفي هذا يقول جيروم ستولينتز: «إن الكلمة ليست مجرد شكل على الورق، أو صوتا نسمعه إذا كانت منطوقة، وإنما هي لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى الطفل الصغير، أو شخص لا يعرف اللغة، ... ولكن على الرغم من ذلك يظلّ التمييز قائما بين اللون والصوت الذي لا يقدّم للوعي إلا ذاته، وبين الكلمة التي يكون معناها أكثر من مجرد المظهر الذي تتخذه للإحساس» «١». وقد يكون من هذا الباب كره ابن سنان وابن الأثير لطوال الكلمات في الشعر واستحبابها في القرآن، والقضية لم تكن في الطول بقدر ما تكون في التشكيل الصوتي ومادّته ونغمته. أما أن الصوت لا يقدّم للوعي إلا ذاته، كما يقول ستولينتز، فهذا لا ينطبق على كلمات القرآن، فهي وعاء للمعنى في البعد الأول، حسب الوضع الاجتماعي، وهو يواكب المعنى في تصوير المطلوب من الأشياء في عملية محاكاة للحدث، فله أحيانا وظيفتان. ولا بأس أن نستشهد بآية قرآنية، وندع ما قاله الدارسون إلى مكانه من البحث، إذ يقول تعالى عن سليمان ﵊: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً «٢»، ففي كلمة «رخاء» جزئيات الحركة المعنيّة، وتصوير للحدث، وذلك بعيدا عن المعنى، فالصوت هو الذي يوحي الآن، ويرسم الحركة في عملية نطق تحاكي الحدث، فإنّ الضمة على الراء تعني انضمام الشفتين على حرف ليس من حروف اللّين، واستدارة الشفتين تتطلب جهدا، وفي هذا قوّة الريح، ثم يأتي الانتقال من الضمّ إلى الفتح على حرف حلقي ليدعو إلى تصوّر بدء سهولة، وتكثر السهولة في مدّ الألف، فليس هناك انقباض ولا انكماش، بل تدرّج من الصّعب إلى السهل، مما يمثّل طواعية الريح للنبي

стр. 29

بأمر الخالق ولا يكون هذا في كلمة سوى «رخاء». بسط المحدثون القول في هذه الناحية مضيفين إلى إشارات القدامى نظرات عميقة، وتحليلا مقنعا أحيانا، مثل الرافعي، وبدوي، وحفني شرف، وغيرهم، وقد طرق القدامى هذه المسألة، وعلى وجه الخصوص قدامى علماء اللغة، كابن جني «١» في «الخصائص» وهي تدعى ب «الأونوماتوبيا» أي محاكاة الوضع اللغوي لمظاهر الطبيعة، وفي العربية الكثير من المفردات المحاكية، وقد استخدم القرآن مثل هذه المفردات عند ما بثّ الحركة فيها، وجسّم معانيه، وخاطب الحواسّ عند تقديم الذهنيات. وأخيرا نستنتج أن الاهتمام بالشكل الذي يطمس المعنى، هو تعلّق زائف لا يجدي نفعا، كما في مذهب الرمزية المغرقة في الشعر، والكلمات أصوات ومعان، ولا يمكن التفريق بينهما إلا على سبيل الافتراض عند الدراسة النقدية، والصوت والمعنى وجهان لورقة واحدة في الأدب، ولا تظهر للعيان الارتباطات الموسيقية في الكلمة إلا وهي داخل النص. ولا تتكشف هذه المساندة لأي قارئ، فالأمر يتطلّب تمحيصا، وسلامة ذوق، وتدبرا عميقا. ونحن لا ندّعي مساندة الشكل للمضمون في مفردات القرآن إلى درجة المحاكاة التي لم تحظ برضى الكثير من اللغويين، بل نرى في القرآن مناسبة تامة بين الشكل والمضمون، فلا أقلّ من العودة إلى القرآن الذي قدّم الحالة النفسية، وتصوير أجواء المواقف في المدود والغنّات والتنكير والسّكنات والحركات، فالمواقف مختلفة، والتشكيل الصوتي تبعا لها مختلف، وكأنّ الحرف يمثّل ويرسم، والحركات تضيف الأطر اللازمة للصورة، فالهمس في مواقف اللّين والهوادة، والإطباق والشّدّة في مواقف التهديد والوعيد، ومثل

стр. 30

هذا منثور في الآيات الكريمة، وسيتضح في دراسات الإعجاز البياني في الفصول الآتية. وفي نهاية المطاف نؤكد أن المفردة القرآنية تجاوزت حدودها المعجمية، وقد تجاوزت أحيانا إيحاءاتها المعهودة، واعتمدت التأثير الحسي، وحافظت على تلازم الشكل والمضمون، وهي قد أنبأت باسمى التنظير الفني في عصرنا.

стр. 31

٢ - المفردة والنظم في كتب الإعجاز - مناهج الاهتمام بالمفردة القرآنية: الكلمة هي اللّبنة المستخدمة في البناء اللغوي، ذلك البناء الفكري الذي يعدّ مظهرا من مظاهر وعي الإنسان، وسموّه على المخلوقات الأخرى، وقد كرّمه المولى بها، لأنها وسيلة تعايش وتآنس، وهي أداته التعبيرية في توصيل المعنى، في القول العادي، وهي الوسيلة الجمالية في صياغة النتاج الأدبي، كما كانت الألوان وسيلة الرسم، والنغمات وسيلة الموسيقا، والحجر وسيلة النحت. وهي في مجال الأدب شحنة روحية، وليست مجرّد أصوات، لأنها ستتغير وتكتسب دلائل جديدة، وتوظّف الحروف للتأثير الوجداني. لقد عني القدامى بالمفردة القرآنية وفق منهجين من الدراسة: - المنهج الأول: تقريب المجاز إلى الحقيقة، وهو مناط التفسير بالمأثور، كما هي الحال في تفسير الطبري «١» المشهور، وفي دراسة خاصة لأبي عبيدة «٢» في كتابه «مجازات القرآن»، وقد أردفه الشريف الرضي «٣» بكتاب له العنوان نفسه «تلخيص البيان في مجازات القرآن» مضيفا نظرات جمالية، إذ

стр. 32

كان همّ الأول ردّ المعنى إلى ساحته الأولى، لكي يتوضح، ولا يعني هذا أن التفسير بالمأثور يغفل الجانب الجمالي أو لا يفهمه فما من مفسر أثبت إسناد الجناح للرحمة أو للذل حقيقة كما في قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ «١»، لكن النكت البلاغية والاهتمام بالشئون الفنية مما يندر في هذا التفسير. ومن هذا النهج الكتب التي ألّفت في غريب القرآن، وأشهرها في هذا المضمار: «الغريب في مفردات القرآن» في القرن الخامس الهجري لصاحبه الراغب الأصفهاني «٢»، وهو يبحث في الأصل المادي للمفردة القرآنية في دراسة مفهرسة وافية تفيد في بيان دقة الانتقاء القرآني نتيجة معرفة أصل الوضع للمفردة. أما ابن قتيبة «٣»، فقد عني بالمفردة في كتاب بعنوان «تفسير غريب القرآن»، وفي كتابه المشهور «تأويل مشكل القرآن»، بحث في المعاني المختلفة للفظ الواحد، وقد درس فيه بعناية ما يشبه انتقال المفردة من الحقيقة إلى المجاز، وفي فصل سماه «باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة» أورد فيه في خمسين صفحة أربعا وأربعين مفردة فيما يمكن تسميته بالمشترك اللفظي، مثل: الدين والخلق والأمة والقنوت والهدى. وقد تبع ابن قتيبة كثير من الدارسين، فقدّموا جهدا لغويا حول علاقة اللفظ بالمعنى، ومن هذا الجهد عدّة فصول في «الاتقان» للسيوطي «٤» وكذلك في

стр. 33

كتابه «معترك الأقران في إعجاز القرآن» مثل فصل ما وقع فيه بغير لغة الحجاز وفصل «الوجوه والنظائر» وكذلك سبقه إلى هذه العناوين الزركشي «١» في الجزء الأول من «البرهان في علوم القرآن». وربما انبثقت عناية الأسلاف بلغوية المفردات القرآنية من سؤالات نافع بن الأزرق «٢» للصّحابي الجليل ابن عباس ﵄، مع أن القرآن يبقى دائما موضوعا للتساؤل. فقد كان يسأل عن ذكر العرب للمفردة، فيردّ عليه ابن عباس ببيت شعري موثّقا عربية المفردة القرآنية، ومثل هذا قول ابن الأزرق: أخبرني عن قوله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا «٣»، قال رحمة من عندنا، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد يقول: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقد أورد السيوطي هذه السؤالات في خمس وعشرين صفحة «٤». - المنهج الثاني: الدراسات الجمالية التي ركّزت على فنية الكلمة، وهذه مبثوثة في أولى دراسات القرآن لدى أبي عبيدة على قلّة، ثم كثرت هذه الإشارات أو اللمحات الفنية في كتب الإعجاز والتفسير بالرأي، وذلك بطرائق

стр. 34

مختلفة نتيجة الوجه المدروس للمفردة، وتميّز نظرة الباحث وثقافة عصره، وهذا النّمط هو الذي يخصّ بحثنا. - نظرية النظم: لم تكن نظرية النظم وليدة فكر الإمام عبد القاهر الجرجاني، فقد كانت صلب دراسة الإعجاز البياني عند الجاحظ وغيره، ولهذا فقد تداولوا معانيها وأسسها، وشرحوا شيئا من ماهيتها وأصولها إلى أن وصلت إليه، فلا يوجد دارس قبله قد نفى فكرة النظم. وغايتنا في هذه الفقرة البحث فيما إذا كانوا صارمين مغالين فيها، ومتجاهلين استقلال المفردة بجمالها، أم أنهم اعترفوا هنا وهناك بفصاحة المفردة ودورها في الأداء. ومما لا شك فيه أنه لم يكن هناك أشدّ مغالاة من الجرجاني الذي بيّن هذه الفكرة، ووضع قوانينها الواضحة في تحليله الوافي، وسوف نبحث في حجج تؤيد النظم، وحجج تؤيّد استقلال المفردة بالجمال في كتب الإعجاز. يتبيّن في جهود الأسلاف أنهم لم يبدوا الرأي المتشدّد الذي لا يتزحزح في تأكيد النظم، بل ترجّحوا بين المفردة والنظم، ولا يهمنا هنا سبق الجاحظ أو غيره إلى وضع هذا المصطلح البلاغي، على الرغم من أن له كتابا مفقودا بعنوان «نظم القرآن»، وقد تبعه آخرون في وضع كتب بالعنوان نفسه أمثال أبي بكر السجستاني وأبي زيد البلخي، وابن الإخشيد في القرن الرابع الهجري، كما يقول أحمد صقر، وشوقي ضيف الذي وجد أن الجاحظ هو من ابتكر هذا المصطلح «١»، وما يهمنا أن نبحث في جذور هذه الفكرة في كتب الإعجاز المطبوعة. إذا كان كتاب الجاحظ مفقودا- ويغلب أنه تضمن سائر وجوه البلاغة- فإن

стр. 35

ما في كتبه الموجودة يعد شذرات نفيسة حول النظم، إذ يقول في رسائله موضّحا غلط الناس في شأن جمال المفردة: «لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة، لتبيّن له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها ... وليس ذلك في الحرف والحرفين والكلمة والكلمتين، ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربّنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كلّه في القرآن» «١». ولا يريد من كلمة «لفظ» إلا الصياغة الفنية الكلية المتعينة في النظم، ومن المؤكّد أنه يريد بالنظام مفهوم النظم نفسه، ذلك النسق الذي يربط الكلمات فيما بينها، وهو أوّل من أولى النظم أهمية، وأوّل من فرّق بين الشكل والمضمون، ورأى روعة البيان في الصياغة، لأن المعنى في رأيه متوفر لكل شخص، على الرغم من أنه وقف على جماليات المفردة في مواضع كثيرة من كتابيه «الحيوان»، و «البيان والتبيين» كما سنرى. ولكن العلماء بعده قد تمسّكوا بالنظم، وجعلوه مناط الإعجاز البياني، لأن القرآن- في رأيهم- يتشكل من مفردات عربية متداولة، وجارية على الأفواه، وذلك تأسّيا- فيما يبدو- برأي الجاحظ. ويطالعنا الخطّابي «٢» في القرن الرابع بنظرات في النظم القرآني، ويبدو أنه يؤكد فكرة النظم من غير المغالاة فيها، إلا أنه لا يقول برأي صريح في جمال المفردة إلا عرضا، وفي تعرّضه للفروق كما سنرى. وقسم الرماني «٣» البلاغة إلى ثلاثة أنواع، وجعل المرتبة العليا للقرآن،

стр. 36

وجعل بلاغة القرآن في عشرة أقسام، مثل: التشبيه والتلاؤم والإيجاز، وهو لا يذكر النظم صراحة مثل معاصره الخطّابي. وكذلك كان القاضي عبد الجبار صاحب «المغني في أبواب التوحيد» قد ذكر النظم في قالب فكري نتجاوزه لضيق البحث هنا «١». ولا نحبذ سرد آراء سائر دارسي الإعجاز، فقد لحظوا في انتقاء القرآن ما أدهشهم، ويكفينا اتخاذ نماذج حول هذه الثنائية: المفردة والنظم، لأن الكثير كانوا على شاكلة الخطابي، حيث يكون القول الأساسي بالنظم، ومن ثم نتلمس إمعانا جيدا في المفردة من غير أن ينكروا النظم، وهو المنهج الحق. ولا بأس أن نعرض للباقلاني «٢» الذي يوحّد بين المفردة والنظم، وإن كان يبهم أحيانا، فهو يقول بالنظم متأثرا بالجاحظ في أن الكلمات عادية، وأن الإعجاز يكون في سباكة هذه الكلمات وصياغتها، وفي أواصرها، وذلك على اختلاف المصطلح بين ربط ونظام، وإذ جاء في كتابه عن اختيار الكلمة في النص القرآني: «هو أدق من السحر، وأهول من البحر، وأعجب من الشعر، وكيف لا يكون ذلك، وأنت تحسب أن وضع الصبح موضع «الفجر» يحسن في كل كلام، إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى، بل قد تتمكن فيه» «٣». ولا يمكن أن نستشفّ منه رأيا في تأكيد أهمية المفردة، فهو لا يسير على وتيرة واحدة، إذ لا يقدم شواهد بشكل مباشر، وفي المكان نفسه، ويظل مفهوم المفردة مبهما عند ما نقرأ في كتابه إعجابه بقوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «٤»،

стр. 37

إذ يقول: «انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألّف بينها، واحتجّ بها على ظهور قدرته، أليس كل كلمة منها في نفسها غرّة وبمفردها درّة؟» «١». فالآية عنده أربع كلمات، والكلمة تساوي الفقرة أو الجملة، فقوله : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً كلمة، والجمال يشمل إذا الصورة البيانية كلّها في هذه الاستعارة، أما اختيار «العليم» و «العزيز» من أسمائه الحسنى ﵎، و «فالق» في الصيغة الاسمية لا «يفلق»، فلا شيء من هذا الذي يدل على تمكن الفاصلة، وهذا ما انتبه إليه الرماني عند ما أكد أن القافية يتبع المعنى فيها المبنى على عكس الفاصلة «٢»، وقد تبعه آخرون في شرح هذه الفكرة، فذكروا الإيغال والتوشيح، وردّ العجز، والتمكين «٣». والظاهر أن أبا بكر الباقلاني في تأمّله يؤكّد عدل الجاحظ في هذا الأمر، فجمال انتقاء المفردة متمم لأسلوب النظم، فهو يقول: «كل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها، تجري في الحسن مجراها، وتأخذ معناها» «٤». والمفيد في عبارته السابقة العودة إلى مصطلح الكلمة- المفردة،- وليس الكلمة- الجملة أو الفقرة أو حيّز الصورة الفنية. وقد سار على نهج الجاحظ في أن المفردة كائن معجمي لا جمال فيه ولا قبح ولا تصحّ نسبة الإعجاز إليها، طارحا العلاقة الوشيجة بين المفردة والفكرة كما سبق أن بيّن، فمن الطبيعي أن تكون في المعجم، وفي أقوال أخرى مشلولة حتى ينهض بها القرآن في أدق استخدام، مراعيا الفروق، ومفيضا عليها المعاني الجديدة والإيحاءات الخاصة التي لا تكون في العرف اللغوي، فقد جاء في أواخر كتابه: «والذي تحدّاهم به أن يأتوا بمثل هذه

стр. 38

الحروف التي هي نظم القرآن منظومة كنظمه، متتابعة كتتابعها، مطردة كاطّرادها، وما تحدّاهم إلى أن يأتوا بمثل هذا الكلام القديم الذي لا مثل له .. لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم، وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وكذلك ما دون الآية كاللفظة، وليست بمفردها بمعجزة» «١». ففي هذا الكلام نحسّ بوضوح روح الجرجاني الذي صال وجال، ليثبت هذه الفكرة، وفنّد وسفّه، ليبعد كلّ شبهة عن نظرية النظم، وفي هذا إهمال لتتابع الحروف وتلاؤم المخارج، وسهولة النطق، ومناسبة النغمة للموقف في المفردة، وهي الوحدة المكوّنة، وهذا يناسب كلامه الطويل عن «العذب والرّقيق والفصاحة» ويصبح بمنزلة تفسير لإجمالها. لم يكتف الإمام عبد القاهر بنتف متفرقة لتعريف نظريته، وبسط شاهد عابر، فكل كتابه «دلائل الإعجاز» شرح لها، وذلك في مسيرة ذات حدين: إيجابي يقول بالنظم، وسلبي: ينفي فصاحة المفردة بتاتا، ففي صريح العناوين يذكر نفي الفصاحة في عشرة فصول، ويعود إلى هذا بعد كل تقديم لوجه من وجوه النظم تقريبا، كأن ينتهي من التنكير أو الإضافة، فيعود إلى تسفيه من يؤيّد فصاحة المفردة. ومنهجه عملي إذ يعتمد التأمّل العميق في الأسلوب القرآني، ويستشهد بالشعر من غير أن يهمل النص القرآني، بل يكون الشعر عونا في كشف جمال القرآن، فالشعر لتبيان وجه الصيغة وقانونها، وليس للمقارنة بين مضمون ومضمون، أو صيغة وصيغة، حتى إنه يلجأ إلى تأليف جمل تساعده في توضيح الفكرة، كما هي الجال في فصل التنكير والمبتدأ والخبر، وهو على الرغم من إطنابه يعود، ليقدم تعريفا لنظريته، وكأنما يخشى خللا في تفهم القارئ، ومما يحسب له، ويحمد عليه، نظرته الكلية إذ استطاع أن يقدم نظريته في وقت كانت فيه النظرات جزئية منثورة، وسطحية أحيانا.

стр. 39

يرفض الجرجاني مصطلح الفصاحة المتعلق بالمفردات، ويعلقه بروابط الكلمات، وهذه الروابط مراعاة لقضايا النحو، وهو نحوي معروف، ولا بأس أن نذكر تعريفا مختزلا لنظريته الموضّحة تطبيقا وتحليلا في كتابه، وبعد هذا نعود إلى حجج مؤيدي جمال المفردة، ومن تصدّى لمغالاته، والنقاط التي تجاوزها ولعا بجديد، وخوفا من تصوّر تناقض فيه، فهو يعرّف النّظم قائلا: «واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه .. ذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق .. » «١». فقد استفاد من نحويته في كشف جماليات التركيب عند ما تملّى وجوه النظم بذوق سليم، مثل: التنكير والتعريف والاسمية والفعلية والاستفهام والتقديم والتأخير والوصل والفصل. فالجمال يتوقف على التركيب النحوي الذي يصل إلى النفس، وحتى الاستعارة ينظر إليها من وجهة نظر نحوية لما فيها من إسناد اسم إلى آخر، ومن الطبيعي أن يكون سابقوه قد تعرّضوا لهذه الأمور النحوية، إنما يعود الفضل إليه، عند ما فسّر المنهج وربطه بالجمال، واستوفى كل المسائل النحوية التي تبين الأسلوب البياني، وقد كان الأمر قبله مجرّد شذرات متفرقة في بطون الكتب وومضات عابرة في حاجة إلى توضيح الجرجاني وفق طابع تطبيقي مسهب. ومن الجدير بالذكر أنه يسلّم بأمر نكران التفاضل بين لفظتين، من خلال نكرانه للتفاضل بين دلالة كل لفظ على معناه، نراه يقول: «هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدّلالة حتى تكون هذه أدلّ على معناها الذي وضعت

стр. 40

له من صاحبتها على ما هي موسومة به، حتى يقال: إن «رجلا» أدلّ على معناه من «فرس» على ما سمي به» «١». ويربط تمكّن المفردة بعلاقتها بأخواتها، ونراه يفنّد تعبير «لفظ متمكن» بعيدا عن النظم إذ يقول: «تجوزوا فكنّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض، وكشف عن المراد، كقولهم: «لفظ متمكن» يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئنّ فيه» «٢». - حجج الدفاع عن المفردة: مما لا شك فيه أن الجاحظ وأقرانه نظروا إلى المفردة نظرتهم إلى هيئتها المعجمية، فرأوا الجمال في تكاتفها مع غيرها في النسق القرآني، ويبدو أن بعضهم تعثّر في رأيه هذا، ولم ينتبه إلى إضفاء كلمة واحدة معاني جليلة على النص، إضافة إلى استخدام المادة الصوتية في صيغ جديدة ما عهدها العرب، كالحاقّة والصاخّة والقارعة وغير هذا. وكذلك ينتقي القرآن كلمة «ربّ» في مكان احتياج الموقف إلى الرّبوبيّة، ولا يضع غيرها من أسمائه الحسنى ، فقد اطّرد ذكر هذه المفردة في حال الدّعاء حيث يكون المرء في ضعف، ومثل هذه المراعاة كثير، فالمفردة في نظرهم شيء معجمي، ولم يتدبّروا مواءمتها للموضوع، وما تختصّ به من دلالة خاصة فريدة، فتتملك موضوعها تملّكا نوعيا. وما يلفت الانتباه أن الجاحظ الذي أسس هذه النظرة والذي نحا الدارسون نحوه، هو أوّل من يبدي تأمّلا عميقا فاحصا في ملاءمة المفردة لموضوعها من خلال الفروق اللغوية، واحتواء المفردة لمخزون فكري خاص يعني أن الكلمات ليست متساوية في حجم المعنى وكيفيته، وهذا ما يفصّل القول فيه في موضع لا حق من البحث، ويهمنا أن نورد رأيه الذي ورد في «البيان والتبيين» إذ قال: «وقد يستخفّ الناس ألفاظا ويستعملونها، وغيرها أحقّ بذلك منها، ألا
следующие страницы →