← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37654

جماليات المفردة القرآنية

أحمد ياسوف

Полный текст (324 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجعل بلاغة القرآن في عشرة أقسام، مثل: التشبيه والتلاؤم والإيجاز، وهو لا يذكر النظم صراحة مثل معاصره الخطّابي. وكذلك كان القاضي عبد الجبار صاحب «المغني في أبواب التوحيد» قد ذكر النظم في قالب فكري نتجاوزه لضيق البحث هنا «١». ولا نحبذ سرد آراء سائر دارسي الإعجاز، فقد لحظوا في انتقاء القرآن ما أدهشهم، ويكفينا اتخاذ نماذج حول هذه الثنائية: المفردة والنظم، لأن الكثير كانوا على شاكلة الخطابي، حيث يكون القول الأساسي بالنظم، ومن ثم نتلمس إمعانا جيدا في المفردة من غير أن ينكروا النظم، وهو المنهج الحق. ولا بأس أن نعرض للباقلاني «٢» الذي يوحّد بين المفردة والنظم، وإن كان يبهم أحيانا، فهو يقول بالنظم متأثرا بالجاحظ في أن الكلمات عادية، وأن الإعجاز يكون في سباكة هذه الكلمات وصياغتها، وفي أواصرها، وذلك على اختلاف المصطلح بين ربط ونظام، وإذ جاء في كتابه عن اختيار الكلمة في النص القرآني: «هو أدق من السحر، وأهول من البحر، وأعجب من الشعر، وكيف لا يكون ذلك، وأنت تحسب أن وضع الصبح موضع «الفجر» يحسن في كل كلام، إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى، بل قد تتمكن فيه» «٣». ولا يمكن أن نستشفّ منه رأيا في تأكيد أهمية المفردة، فهو لا يسير على وتيرة واحدة، إذ لا يقدم شواهد بشكل مباشر، وفي المكان نفسه، ويظل مفهوم المفردة مبهما عند ما نقرأ في كتابه إعجابه بقوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «٤»،

стр. 37

إذ يقول: «انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألّف بينها، واحتجّ بها على ظهور قدرته، أليس كل كلمة منها في نفسها غرّة وبمفردها درّة؟» «١». فالآية عنده أربع كلمات، والكلمة تساوي الفقرة أو الجملة، فقوله : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً كلمة، والجمال يشمل إذا الصورة البيانية كلّها في هذه الاستعارة، أما اختيار «العليم» و «العزيز» من أسمائه الحسنى ﵎، و «فالق» في الصيغة الاسمية لا «يفلق»، فلا شيء من هذا الذي يدل على تمكن الفاصلة، وهذا ما انتبه إليه الرماني عند ما أكد أن القافية يتبع المعنى فيها المبنى على عكس الفاصلة «٢»، وقد تبعه آخرون في شرح هذه الفكرة، فذكروا الإيغال والتوشيح، وردّ العجز، والتمكين «٣». والظاهر أن أبا بكر الباقلاني في تأمّله يؤكّد عدل الجاحظ في هذا الأمر، فجمال انتقاء المفردة متمم لأسلوب النظم، فهو يقول: «كل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها، تجري في الحسن مجراها، وتأخذ معناها» «٤». والمفيد في عبارته السابقة العودة إلى مصطلح الكلمة- المفردة،- وليس الكلمة- الجملة أو الفقرة أو حيّز الصورة الفنية. وقد سار على نهج الجاحظ في أن المفردة كائن معجمي لا جمال فيه ولا قبح ولا تصحّ نسبة الإعجاز إليها، طارحا العلاقة الوشيجة بين المفردة والفكرة كما سبق أن بيّن، فمن الطبيعي أن تكون في المعجم، وفي أقوال أخرى مشلولة حتى ينهض بها القرآن في أدق استخدام، مراعيا الفروق، ومفيضا عليها المعاني الجديدة والإيحاءات الخاصة التي لا تكون في العرف اللغوي، فقد جاء في أواخر كتابه: «والذي تحدّاهم به أن يأتوا بمثل هذه

стр. 38

الحروف التي هي نظم القرآن منظومة كنظمه، متتابعة كتتابعها، مطردة كاطّرادها، وما تحدّاهم إلى أن يأتوا بمثل هذا الكلام القديم الذي لا مثل له .. لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم، وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وكذلك ما دون الآية كاللفظة، وليست بمفردها بمعجزة» «١». ففي هذا الكلام نحسّ بوضوح روح الجرجاني الذي صال وجال، ليثبت هذه الفكرة، وفنّد وسفّه، ليبعد كلّ شبهة عن نظرية النظم، وفي هذا إهمال لتتابع الحروف وتلاؤم المخارج، وسهولة النطق، ومناسبة النغمة للموقف في المفردة، وهي الوحدة المكوّنة، وهذا يناسب كلامه الطويل عن «العذب والرّقيق والفصاحة» ويصبح بمنزلة تفسير لإجمالها. لم يكتف الإمام عبد القاهر بنتف متفرقة لتعريف نظريته، وبسط شاهد عابر، فكل كتابه «دلائل الإعجاز» شرح لها، وذلك في مسيرة ذات حدين: إيجابي يقول بالنظم، وسلبي: ينفي فصاحة المفردة بتاتا، ففي صريح العناوين يذكر نفي الفصاحة في عشرة فصول، ويعود إلى هذا بعد كل تقديم لوجه من وجوه النظم تقريبا، كأن ينتهي من التنكير أو الإضافة، فيعود إلى تسفيه من يؤيّد فصاحة المفردة. ومنهجه عملي إذ يعتمد التأمّل العميق في الأسلوب القرآني، ويستشهد بالشعر من غير أن يهمل النص القرآني، بل يكون الشعر عونا في كشف جمال القرآن، فالشعر لتبيان وجه الصيغة وقانونها، وليس للمقارنة بين مضمون ومضمون، أو صيغة وصيغة، حتى إنه يلجأ إلى تأليف جمل تساعده في توضيح الفكرة، كما هي الجال في فصل التنكير والمبتدأ والخبر، وهو على الرغم من إطنابه يعود، ليقدم تعريفا لنظريته، وكأنما يخشى خللا في تفهم القارئ، ومما يحسب له، ويحمد عليه، نظرته الكلية إذ استطاع أن يقدم نظريته في وقت كانت فيه النظرات جزئية منثورة، وسطحية أحيانا.

стр. 39

يرفض الجرجاني مصطلح الفصاحة المتعلق بالمفردات، ويعلقه بروابط الكلمات، وهذه الروابط مراعاة لقضايا النحو، وهو نحوي معروف، ولا بأس أن نذكر تعريفا مختزلا لنظريته الموضّحة تطبيقا وتحليلا في كتابه، وبعد هذا نعود إلى حجج مؤيدي جمال المفردة، ومن تصدّى لمغالاته، والنقاط التي تجاوزها ولعا بجديد، وخوفا من تصوّر تناقض فيه، فهو يعرّف النّظم قائلا: «واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه .. ذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق .. » «١». فقد استفاد من نحويته في كشف جماليات التركيب عند ما تملّى وجوه النظم بذوق سليم، مثل: التنكير والتعريف والاسمية والفعلية والاستفهام والتقديم والتأخير والوصل والفصل. فالجمال يتوقف على التركيب النحوي الذي يصل إلى النفس، وحتى الاستعارة ينظر إليها من وجهة نظر نحوية لما فيها من إسناد اسم إلى آخر، ومن الطبيعي أن يكون سابقوه قد تعرّضوا لهذه الأمور النحوية، إنما يعود الفضل إليه، عند ما فسّر المنهج وربطه بالجمال، واستوفى كل المسائل النحوية التي تبين الأسلوب البياني، وقد كان الأمر قبله مجرّد شذرات متفرقة في بطون الكتب وومضات عابرة في حاجة إلى توضيح الجرجاني وفق طابع تطبيقي مسهب. ومن الجدير بالذكر أنه يسلّم بأمر نكران التفاضل بين لفظتين، من خلال نكرانه للتفاضل بين دلالة كل لفظ على معناه، نراه يقول: «هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدّلالة حتى تكون هذه أدلّ على معناها الذي وضعت

стр. 40

له من صاحبتها على ما هي موسومة به، حتى يقال: إن «رجلا» أدلّ على معناه من «فرس» على ما سمي به» «١». ويربط تمكّن المفردة بعلاقتها بأخواتها، ونراه يفنّد تعبير «لفظ متمكن» بعيدا عن النظم إذ يقول: «تجوزوا فكنّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض، وكشف عن المراد، كقولهم: «لفظ متمكن» يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئنّ فيه» «٢». - حجج الدفاع عن المفردة: مما لا شك فيه أن الجاحظ وأقرانه نظروا إلى المفردة نظرتهم إلى هيئتها المعجمية، فرأوا الجمال في تكاتفها مع غيرها في النسق القرآني، ويبدو أن بعضهم تعثّر في رأيه هذا، ولم ينتبه إلى إضفاء كلمة واحدة معاني جليلة على النص، إضافة إلى استخدام المادة الصوتية في صيغ جديدة ما عهدها العرب، كالحاقّة والصاخّة والقارعة وغير هذا. وكذلك ينتقي القرآن كلمة «ربّ» في مكان احتياج الموقف إلى الرّبوبيّة، ولا يضع غيرها من أسمائه الحسنى ، فقد اطّرد ذكر هذه المفردة في حال الدّعاء حيث يكون المرء في ضعف، ومثل هذه المراعاة كثير، فالمفردة في نظرهم شيء معجمي، ولم يتدبّروا مواءمتها للموضوع، وما تختصّ به من دلالة خاصة فريدة، فتتملك موضوعها تملّكا نوعيا. وما يلفت الانتباه أن الجاحظ الذي أسس هذه النظرة والذي نحا الدارسون نحوه، هو أوّل من يبدي تأمّلا عميقا فاحصا في ملاءمة المفردة لموضوعها من خلال الفروق اللغوية، واحتواء المفردة لمخزون فكري خاص يعني أن الكلمات ليست متساوية في حجم المعنى وكيفيته، وهذا ما يفصّل القول فيه في موضع لا حق من البحث، ويهمنا أن نورد رأيه الذي ورد في «البيان والتبيين» إذ قال: «وقد يستخفّ الناس ألفاظا ويستعملونها، وغيرها أحقّ بذلك منها، ألا

стр. 41

ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع إلّا في موضع العقاب، أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السّغب، ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث» «١». وتوثيقا لرأيه نورد بعض الآيات التي سدّد النظر إليها، وجعل منها معياره، بنظرة تشمل دقة الانتقاء القرآنى وبموافقة للوضع اللغوي السليم، يقول تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ «٢»، فالصيغة القرآنية اختصت المطر لا الغيث، لأنه أقوى، وأغزر تدفق مياه، فناسب عقوبة المجرمين، وقد ذكره القرآن على سبيل الاستعارة في قوله : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «٣». وفي كلامه على نعمته في الأرض، قال يدل البشر على سنّته في الكون في ترعرع النبات: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ «٤»، لأن النبات يريد رحمته التي تتجلّى في الماء الخفيف، فينتعش، ولذلك لم يذكر المطر الذي يغرقه. ومن هذا القبيل الفرق بين الجوع والسغب، يقول عزّ شأنه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ «٥»، فتطلّبت الإهانة والتهديد أقسى حاجة للطعام، فحقّ لهذه الكلمة أن تذكر في أصحاب النار، حيث يكون الجوع غاية الحاجة الفيزيولوجية للطعام، وفي أبشع طلب لهذه الحاجة. وليس كالسّغب الذي اختير في مكان الرحمة، وبعث همّة المؤمنين لمساعدة الآخرين المحتاجين خصوصا إذا كانوا يتامى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي

стр. 42

مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ «١». ولا يبدو الجاحظ متناقضا، فهو يؤكّد طرفي الصياغة: المفردة والنظم، ويرى أن في المفردة محاسن تضاف إلى محاسن النظم، فهي الوحدة المشكّلة له. لقد نوّه الجاحظ بجمالية أخرى للمفردة، يقول عن شكلها: «وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميّا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا ... إلا أني أزعم أنّ سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني» «٢». هذه النظرية الوسطية في شكل المفردة تخلّصها من الابتذال والتوعّر، وهذا ما أسهب فيه ابن الأثير وغيره من الدارسين، وهنا يقترب الجاحظ من مصطلح اللفظ- المفردة، وليس الصياغة كلها التي يترك لها مصطلح الكلام، ونظريته تنصبّ في انتقائية صوتية، معيارها الذوق السمعي. كذلك يطالعنا الخطابي في القرن الرابع بنظرات دقيقة في الفروق اللغوية عند ما دافع عن أسلوب القرآن، فقد أشار إلى فاعلية المفردة القرآنية من غير أن يدرجها في نطاق النظم، من استفهام وتقديم وتنكير وغيره، كما أراد بعده الجرجاني، وهو يختلف عن الجاحظ إذ قدم شواهد، وحلّلها عند ما نصّب نفسه للدفاع عن القرآن، وردّ تهمة اللّحن. وخلاصة جهده هذا نفيه للترادف والتطابق التام بين دلالتين، وقد استعان بأساس اللغة العربية وفنونها، وتذوقه الشخصي، وتبحّره في ظلال المفردات. وليست هذه الفروق التي يوردها مجرّد ملاحظات عابرة، فهو يحاول أن يقعّدها أحيانا بعبارة مطلقة، ومن ذلك قوله في تعليقه على الآية: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ «٣»: «إن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعنى، يحسبها أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد

стр. 43

والشكر» «١». وفي كلامه بعد نظر إلى ما أغفله الدارسون الذين تعاظموا مخالفة الجرجاني في مسألة النظم. وإذا كان في تعليقه السابق يبيّن خروج الناس عن الجادّة المستقيمة في استعمال القرآن، فإنه في مكان آخر يوغل في كشف العامل النفسي، والبعد الإنساني لتفضيل مفردة على أخرى، فهو يقول بصدد الآية الكريمة: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ «٢»: «وقولهم: إن المستعمل في الزكاة المعروض لها من الألفاظ الأداء والإيتاء والإعطاء، ونحوها كقولك: أدّى فلان زكاة ماله، وآتاها، وأزكى ماله، ولا يقال: فعل فلان الزكاة، ولا يعرف ذلك في كلام أحد، فالجواب أن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية، وإنما تفيد حصول الاسم فقط، ولا تزيد على أكثر من الإخبار عن أدائها فحسب، ومعنى الكلام ومؤدّاه المبالغة في أدائها، والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم، فيصير أداء الزكاة فعلا لهم مضافا إليهم، يعرفون به، فهم له فاعلون» «٣». فالأمر ليس مطابقة الدال للمدلول بقدر ما هو تأثير نفسي للكلمات وإيحائها بمعان سامية، وليس المقصود هنا المبالغة كما رأى، بل المقصود توصيل الشريعة الغراء للإنسان إلى أسمى المراتب، حتى تصبح المثالية الإنسانية طبعا فيه. والمسألة ليست لغوية فحسب، وإنما هي وجود لما لم يكن موجودا، وبما أن «الفعل» عام، ومظهر لوجود المرء، وشكل لفاعليته في معاشه، فكأن الزكاة طبع في المسلم، وهو بذلك أرقى من غيره، والفعل يدلّ على الحركة، فيتجاوز الأقوال، ويدلّ على الحركة والعمل، ليكفي المرء نفسه، ويعمل على مساعدة الآخرين. ومثل هذه الوقفات على الدّلالة النفسية كثيرة في «كشاف»

стр. 44

الزمخشري «١»، وهو الذي أدرك جودة التعبير والإيحاء الذي يخرج بالكلمة من مجال الاستعمال اللغوي المادي، كما سنرى في الفصل الرابع من البحث. لقد سبق أبو هلال العسكري «٢» الجرجاني بزمن، ووضع كتابه «الفروق في اللغة» مما ينفي الترادف، وعلى الرغم من هذا لا يعترف الجرجاني بالفروق، فكأن التفاضل مرحلة أوّلية يجتازها إلى كلية النظم، ورعايته لما اختير، وهو يرى أن قوالب النحو أهمّ ممّا في القوالب. ومن منطلق الفروق اللغوية انصبّت الانتقادات عليه، فالتنكير مثلا حين يكون في اسم ما داخل صياغة ينمّ على غموض وكثرة وتهويل، ولكن التنكير نفسه إذا وقع في اسم مغاير، ربّما يعطي تأثيرا أكبر، وتمكينا للمعنى المراد. لقد حسب الدارسون أن الزمخشري طبّق ما جاء في كتابي الجرجاني «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» في تفسيره، يذكرون ذلك غير آبهين غالبا بانتباه الزمخشري إلى ما عاداه الجرجاني من جمالية المفردات وتراكيبها الداخلية، فلم يكن هناك دارس بمستوى غلوّه، كما تبين لنا من الجاحظ والخطابي، وإذا أنكروا إعجاز المفردة، فهم لم ينفوا عنها الفصاحة. وبعض الدارسين يتحرّى جمال المفردات، وهو أقرب إلى النظم منه إلى المفردة، وذلك من دون تفريق، كما نجد عند ابن الأثير، فما موقع المفردة في الجملة إلا جزء من الصّياغة الكلية، وهي دائرة الجرجاني، يقول ابن الأثير: «جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلة

стр. 45

متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين، فأما الآية فهي قوله تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ «١»، وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي: تلذّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام وهذه اللفظة التي هي «تؤذي» إذا جاءت في الكلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به» «٢». وقد أتت الكلمة عند أبي الطيب عروضا للبيت، فهنالك وقفة، وقد تحدث ابن الأثير عن هذه الميزة في فصل جمال المفردة على الرغم من تعلق كلمة تؤذي بما بعدها، كما يقرّ هو. وقد اقتبس الشاهد مع موافقته في الرأي بعض المحدثين «٣»، وهم ممن نقدوا الجرجاني. وقد وردت مآخذ كثيرة على الجرجاني، بل اقترح عليه محمد رجب البيومي اقتراحا أن يدخل جمال المقطع واللفظ مستعينا بشواهد الجرجاني نفسها أحيانا «٤». وهذا يدلّ على شدة الهجوم على نظرية الجرجاني أو شدة تمسكه بمعاييرها التي تبعد جمال المفردة، إذ لا يليق أن يقترح معاصر على أديب قديم ما يراه بعد هذه الفترة الطويلة. ومنهم من نقده بطرح بدائل للكلمات، ومنهم من جعل عماد دراسته ردا ضمنيا عليه، كعائشة عبد الرحمن، ولم تقدم كلّ ما هو جديد، إنما اتسمت

стр. 46

دراستها بمنهجية وإحاطة ويعدّ كل ما ذكره المحدثون من جمالية سمعية أو بصرية أو نفسية ردا ضمنيا على غلوّه. وسوف نقتصر هنا على من نقد الجرجاني صراحة، يقول حفني محمد شرف: «إنني آخذ عليه إهماله موسيقا الألفاظ وفصاحتها مفردة ومركبة، وألتمس له العذر في ذلك، لأنّ نظرية الألفاظ وبلاغتها قد أعلنت الحرب شعواء على المعاني وبلاغتها، لذلك نجده قد جنّد نفسه لنصرة المعاني وبيان قيمها في نظم الكلام» «١». ولم يقع بين أيدينا فيما يخصّ الإعجاز ما كتب في نصرة الألفاظ لا المعاني والنظم، بدءا من الجاحظ حتى الجرجاني وعصرنا الحديث، فقد كانوا إذا استحبوا ألفاظا مدحوها خفية إن صحّ التعبير، وفي تطبيق مختصر، ولربما أدخلوا حسنها في نطاق النظم الذي جعلوه مناط إعجاز القرآن، إنما كان إكسير النحوية الجليّ من عند الجرجاني، فتحمّس للنظم من غير وجود منكرين له. ومن هذه المآخذ ما ورد عند البيومي، إذ يقول: «ولكنه أغفل إغفالا تاما مكانة اللفظ، ومكان المقطع والفاصلة، مدّعيا أن شيئا من ذلك لا قيمة له، ما لم يراع النظام النحوي في تركيبه، وفي ذلك بعض الغلوّ الذي ندفعه بما نملك من رأي .. جعل مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ب «يا»، ثم بإضافة الكاف إلى الماء، ثم بنداء السماء وأمرها .. وعلى قياسه نستطيع أن نقول: وقيل يا أرض اشربي ماءك، ويا سماء امنعي، وأزيل الماء، ونفّذ الأمر، واستقرت على الجودي، وقيل هلاكا للقوم الظالمين، فيتحقق بذلك ما جعله الجرجاني مبدأ العظمة وحده، ويوازي القول بالقول دون نقص، ولكن مهلا، فإن اختيار لفظ البلع دون الشرب، وكلمة «أقلعي» دون امنعي، وفعل «قضي» المبني للمجهول دون نفذ المبني للمجهول أيضا، واستوت على الجودي، دون استقرت، كل ذلك مما يرتفع بالآية إلى الإعجاز، وهو في صميمه راجع فيما يرجع إليه إلى اللفظ دون الإسناد» «٢».

стр. 47

لقد أهمل الجرجاني الجانب الموسيقى للمفردات ولمقاطع القرآن، واستبعد أن يكون فيهما الإعجاز، وفي هذا الصدد يقول درويش الجندي: «يصل عبد القاهر من ذلك إلى الحكم بالخطإ على قصر الفصاحة على كلمات من حيث هي ألفاظ منطوقة، وأصوات مسموعة، فادّعى أنه لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مخارج الحروف، حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان» «١». فالجرجاني عرض لأبيات شعرية يثقل نطقها بسبب تقارب المخارج أو تكرار حروف بعينها، وعند ما تأخذه الحيرة في أن يرفض هذه المراعاة، أو يدعها منتصرا للنظم، يقبل بها على أنها لا تضر بمنهجه، ويسلّم بأنها مما يفاضل به كلام على كلام، وبأنها داخلة في أحكام النظم «٢»، على الرغم من أنه لا علاقة للنحوية بهذا التلاؤم الموسيقى بين المخارج، إنما يدلّ هذا على عدله وذوقه، ويحسب له لا عليه. ومما يستدعي الانتباه أن يسخر من المتشدّقين والمطنبين من الخطباء قائلا: «وأن يستعمل اللفظ الغريب والكلمة الوحشية» «٣»، فهو يقر بجمال المفردات المأنوسة لا الوحشية الوعرة. ولهذه السلبية التي يذكرها مقابل إيجابي في القرآن حريّ بالدراسة. وهذه العبارة رآها المجذوب دلالة على تناقض الجرجاني يقول: «يؤخذ على عبد القاهر أن في كلامه نوعا من التناقض من حيث أنه يسلّم بأن الكلمات منها الغريب الوحشيّ، ومنها الذي يكدّ اللسان، ثم ينفي مع هذا كلّه أن تكون الكلمات متفاضلة غير متساوية قبل أن يشملها النظم» «٤». ونخلص مما سبق إلى أن الجرجاني- فيما يبدو لنا- لم ينف مراعاة السمع

стр. 48

كليا، بل جعل الأمر ثانويا، بالنسبة إلى ما أجهد نفسه في الدّفاع عنه، فقدّم حصيلة بيانية جيدة، ونحن نقرأ في رسالته الشافية، ما ينمّ على قانون ذوقي ذاتي لا يميل إلى الموضوعية كما في شرحه في النظم،- فقد قال: «واعلم أن لكل معنى نوعا من اللفظ هو أخصّ به وأولى، وضربا من العبارة، هو بتأديته أقوم، وهي فيه أجلى وما إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقول أخلق، وكان للسّمع أدعى، والنفس إليه أميل» «١». ونطرح جانبا مفهوم «اللفظ» الذي ربما نحا فيه نحو الجاحظ، فعنى به هنا الصّيغة الفنية كلّها، وما ندعوه في عصرنا بالشّكل، خصوصا أنه لم يقل: لفظة أو ألفاظ، ويبقى لنا من عبارته ما يكون «أدعى للسّمع»، ولعله يريد الصورة الأولى من حيث حلاوة النغم والبناء الداخلي للمفردات، أي ما يتعلّق بالسمع قبل ميل النفس إلى جليل المحتوى، ولا نتكئ على قول عابر لنعبّر عن تزحزحه عن مزايا النظم وطواعيته للنحو. لم يخرج المحدثون على نظرية عبد القاهر، ولم يحاولوا إبطالها، فقد أقرّوا بها، وبينوا الجوانب التي أغفلها، فلم يقدموا المفردة بديلا، بل أضافوا جمالها إلى السياق الكلي، ومعظمهم ينقده من الجانب الشكلي للمفردة، وهذا ما يتّضح لدى سردنا لجهود الدارسين في الجمال السمعي. ومن الذين طبّقوا فكرتهم على شواهد الجرجاني أحمد بدوي، إذ جاء في كتابه الذي يذكر فيه الآية: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي «٢»: «وجاء بكلمة «بعدا» دون «هلاكا» مثلا، إشارة إلى أن هؤلاء القوم الظالمين، إنما قصد إبعادهم عن الفساد ... وأحسّ في كلمة «بعدا» دلالة على الراحة النفسية التي شعر بها من في الكون بعد أن تخلّصوا من هؤلاء القوم الظالمين» «٣».

стр. 49

فالجرجاني يقف على «بعدا» ويرى جمالها في التنكير فقط، لأنه يدل على الكثرة والتهويل والغموض، وهذا واضح، أما الدلالة التي أضافها بدوي فهي البعد النفسي في اختيارها هي لا الهلاك، فتصوّر الكلمة كرههم، وهم موتى كيفما كان هلاكهم، فهم في منطقة بعيدة، وهذا يريح النفس، ووجود «هلاكا» لا يخلّ بالنظم الذي رامه الجرجاني. ولا يعني هذا أن البعد النفسي قد غاب عن الجرجاني، ولكن هذه المفردة «بعدا» تعني تملّك المفردة لموقف خاص، ففيها إيحاء نفسي واضح، ولكن انتبه الجرجاني إلى كون المفردة المعبرة عنه في حالة التنكير، وهذا ينطبق على الفرق بين «جفّفي .. و .. ابلعي» كما جاء عند البوطي. ففي الآية نفسها يقول محمد سعيد رمضان: «أرأيت أنه لم يقل: «جفّفي ماءك» مثلا مع أنه هو التعبير المتفق مع طبيعة الأرض وشأنها، وإنما قال: «ابلعي ماءك» ليصور لك بأن الأرض لما اتجهت إليها إرادة العزيز الخبير انقلبت مسامّها وشقوقها إلى أفواه فاغرة تبتلع بها المياه ابتلاعا: فهي لم تنفّذ الأمر بالطبيعة المألوفة لها، وإنما بالانقياد لأمر خالقها ﷻ » «١». ولا يجوز أن نعد كلام محمد سعيد رمضان البوطي ضربا من التأويل الخاص الذي يتخذ سمة دينية، لأن الحدث، كما يصوره المؤرخون الآن، ومنقبو الآثار، عظيم جدا، وقد كان خرقا للنواميس مصدره خالق هذه النواميس «٢». وبهذا التأويل الجمالي تتحقق الغاية الدينية في صدق الصورة، وترسم الكلمة مشهد الطوفان الهائل، وما تبعه من ابتلاع، وليس التجفيف، الذي يدلّ على قلّة المياه، وهذا ما فات الجرجاني، لأن فعلي «جفّفي وابلعي» من جهة الإسناد متساويان فالمخاطب واحد، ولا إخلال بالنظرية المبنية على علم النحو.

стр. 50

ولربما يظن بعض ممن يقتبس من كتاب ابن الأثير حول المفردة، أن الرجل قد سفّه نظرية الجرجاني، فابن الأثير، رأى أنّ الخطوة الأولى في البلاغة انتقاء المفردات، فتحدّث عن محاسنها ومعايبها، ثم تحدث في مكان أوسع عن جمال التركيب مقتفيا أثر ابن سنان في «سرّ الفصاحة»، إنه يقول: «إن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ، أكثر مما يقع في مفرداتها، لأن التركيب أعسر وأشقّ، وبعد أن يستشهد لهذا التنظير بالآية السابقة من سورة هود التي تأمل فيها الجرجاني داعية النّظم، يقول: «يخيّل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة» «١». فالمفردة هي جزئيات النظم، وقد اعترف ابن الأثير بجمال الطرفين: المفردة والنظم، بمعياره الذوقي المتعلق بالجانب الموسيقى. وفي هذا الصدد يقول عز الدين إسماعيل: «وإذا كان ابن الأثير يشير إلى اختيار الألفاظ من حيث هو الخطوة الأولى للتأليف، فليس معنى هذا أنه تحوّل عن فهمه هذا» «٢». لذلك نراه أولاها اهتماما بالغا، فمحّص في موسيقاها مستقلة من خلال مخارج الحروف، وعدد الحروف، واشتراكها مع غيرها في الإيقاع الكلي، ومكانها بين الكلمات، وذلك توسيعا لما نقله عن ابن سنان والرماني. لم يكن بعد الجرجاني من هو مغال غلوّه في النظم، فكلهم قال به، فكانوا متسامحين غير متشددين في النظم وحده، ويبدو أنهم استوعبوا ما قاله، وما قاله غيره أيضا، فنثروا تأملاتهم الرفيعة في بطون كتبهم مع أن القول الأساسي للنظم، يقول زغلول سلام: «ضياء الدين لم يتأثر بالقول بالنظم والتأليف عن طريق عبد القاهر ولا الخطّابي، بل عن طريق الجاحظ والرماني» «٣».

стр. 51

ومثل هذا صحيح إلا في مساواة الخطابي بعبد القاهر، لأن الأول عني بدقّة اختيار القرآن لمفرداته في مواضع كثيرة من رسالته على ضآلة حجمها، مشيرا إلى الفروق والإيحاءات، وسوف نجد أمثال نظرات الخطّابي في الفصل الرابع. وقد عجب الباحث زغلول سلام من شمول نظرة ابن الأثير التي ترى المفردة والنظم كلّا متكاملا، وذلك عند ما رآه ينتقل من باب جمال المفردة إلى باب جمال التركيب، فيقول: «ومنه يتضح أن ضياء الدين لا يأخذ بالرأي القائل بفصاحة المفردة دون النظم، وهو مع ذلك لا يرده، ويبدو من قوله هنا، وفي مواضع اخرى، أنه متردّد مضطرب بين رأي ابن سنان، ورأي عبد القاهر الجرجاني» «١». لكننا نرى ابن الأثير عادلا، وليس مترددا، إنما هو تكامل يدلّ على رحابة صدر، فإذا أخذنا برأي زغلول سلّمنا بتردد من كان على شاكلة ابن الأثير كالزمخشري والسيوطي، بيد أنهم كانوا منصفين، وإذا كانت نسبة تأكيدهم على النظم أكبر من عنايتهم بالمفردة، فهذا لأن الوسائل متوفرة في دراسة النظم، لأن النحو يحيط بهم أكثر من فن نغم الكلمات، وأكثر من علم النفس الأدبي الذي يقدم الإيحاءات جلية. وهذا التكامل استمر حتى القرن العاشر الهجري، فالسيوطي في أسلوبه النّقلي يبسط آراء سابقيه، ويبيّن مفهومهم عن وجه الإعجاز المتمثل في النظم، ومن ثم يقول هو بنظم الحروف والكلمات محتذيا بمنهجهم، وعلى الرغم من هذا لا ينسى أن يدلي برأي عادل إذ يقول: «اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يخبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال» «٢».

стр. 52

والمقارنة بين الألفاظ- فيما يريد السيوطي- هي البحث في المادة الصوتية لألفاظ متقاربة المعاني، فيفضّل ما هو أفصح، وأحق بالموضوع، وأحلى نغما، وهذا متحقّق في القرآن الكريم بجانبيه: الشكل والمضمون، وسنقع على تأملات للسيوطي وغيره في تطبيقات نسردها في مكانها تعدّ بمنزلة إضافات جمالية إلى نظرية النظم. إن الجرجاني كان مدركا للجماليات التي تتضمنها المفردة، وقد تجاوزها على أنها مرحلة أولى تسبق النظم أو تتبعه، وصبّ عنايته على النّسق الكلي، وله عبارات تدلّ على اعترافه بقيمة الكلمة المفردة، لكنه يعبّر عن ذلك بقوله: «في مكانها» وهو يقترب قليلا مما نبتغي منه، يقول عن آية سورة هود: «إن شككت فتأمل! هل ترى لفظة منها، بحيث لو أخذت من بين أخواتها، وأفردت، لأدّت من الفصاحة ما تؤدّيه، وهي في مكانها من الآية؟ قل «ابلعي» واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها. وكذلك فاعتبر سائر ما يليها» «١». وعبد القاهر عند ما يقول إن الكلمة المفردة ليست بليغة فهو لا ينفي عنها فصاحتها وهذا يعني إدراكه لجمال شكلها، وهذه التفرقة لم ينتبه إليها المعاصرون، ولهذا وصمه بعضهم بالتناقض، فحاربوه في معركة لم يكن موجودا فيها، والكلمة وحدها لا تكون بليغة، ونحن معه في هذا الرأي، وجمال النظم يضيف إليها من المحاسن الكثير بعد الجمال في دقة الاختيار، فيجب ألا نتجنب السياق الذي يشتمل على المفردات.

стр. 53

٣ - الترادف والفروق - معنى الترادف: لعلّ من المفيد في مستهل هذه الفقرة أن نلجأ إلى المعجم العربي، لنبيّن الأصل اللغوي لمصطلح «الترادف»، وليتبدّى لنا ما في خصائصه الكامنة من صفات، تظلّ ثابتة في استعمال فقهاء اللغة. فالفعل «ردف» ردفا ركب خلفه، ويعني: تبعه أيضا، ومنه الفعل المزيد بالهمزة في أوله، فالفعل «أردف»، يعني توالى وتتابع، ومنه قوله تعالى عن العون السماوي في غزوة «بدر» المشرقة: فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ «١» أي متتابعين، يلحق بعضهم بعضا، وفي سورة النمل قال : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ «٢» أي قرب، وفي المعجم الوسيط: «أردف فلان فلانا ركب خلفه، ورادفت الدابّة: قبلت الرّديف، وقويت على حمله، فالرّديف: الراكب خلف الراكب» «٣». وفي القرآن الكريم- وهو المنهل الأول لصحة الاستعمال اللغوي- إشارة إلى معنى المرادف، ففي الحديث عن طواعية الكون للخالق يوم القيامة يقول : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ «٤»، وهي النفخة الثانية لدى جميع المفسّرين «٥». فالرديف ليس الراكب الأصلي، والعذاب الذي ردف أي اقترب بعض من العذاب الكلي بعد الموت، والرّجفة الثانية- حتما- ليست الأولى، وكون

стр. 54

الملائكة مردفين أي هناك تتابع، ويكون بعضهم قبل بعض، وإذا تميزت الرادفة بالحوادث نفسها. فهناك- على الأقلّ- فارق زمني بين الرّجفتين يميز الثانية من الأولى، لذلك نستشف في الأصل اللغوي أن المعجم يصرّح بكون المرادف لاحقا، وليس هو الشيء نفسه، بيد أننا سوف نسير مع الدارسين على أن الترادف تطابق، وليس حسب الأصل اللغوي تجاوزا. وفي القرآن الكريم دعوة إلى عدم استخدام لفظة مكان لفظة، مراعاة للمواقف بكل أطرافها، وهو الكتاب الذي يعدّ الكلمة شكلا حضاريا راقيا، وسوف يؤكد لنا التطبيق أن لا ترادف في القرآن. وهناك آيتان وردت فيهما الدعوة المنوّهة بالفروق وإن كانت غير مباشرة، لكنها كسب لهذه الفقرة، فالمقصد الأساسي فيها كان تهذيبا أخلاقيا ودينيا، إذ يقول تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ «١»، فهناك فرق شاسع بين طواعية شكلية تدلّ على استسلام ظاهري، وبين الإيمان وهو التصديق الداخلي الراسخ، يقول أبو السعود «٢» في أسباب نزول الآية: «نزلت في نفر من بني الأسد، قدموا المدينة في سنة جدب، فأظهروا الشهادتين .. فإن الإسلام انقياد ودخول في السّلم، وإظهار الشهادة، وترك المحاربة مشعر به» «٣»، وكانوا محيطين بالمدينة. ويقول حفني محمد شرف حول هذه الآية: «كل لفظة من ألفاظ القرآن وضعت لتؤدي نصيبها من المعنى أقوى أداء، ولذلك لا نجد فيه ترادفا، بل كل كلمة تحمل إليك معنى جديدا» «٤». والحق أن هذا الرأي في نفي الترادف في القرآن ينطبق على كل دارسي

стр. 55

الإعجاز المحدثين إلا صبحي الصالح «١» الذي يقول بالترادف، أما القدامى فقد لفتت نظرهم هذه الفروق في دراستهم للبيان القرآني، فوصلتنا نظرات متفرقة وكتب وافية. ومن المحدثين من وقف على الآية الثانية التي نستدل بها على دعوة القرآن إلى عدم الترادف، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا، وَقُولُوا انْظُرْنا «٢». فأدلى برأي الترادف وهو يحسب أن القرآن «كفى شر استعمال هذه المفردة عند ما انطلقت من ألسنة سفهاء اليهود، وأرشدهم إلى مرادف لها في «تمام الدلالة» لأنهم اقتربوا بها من معنى الرّعونة» «٣». ولا شك أنه دلّهم على لفظة أخرى، ومعنى آخر، وفي هذا يقول أبو السّعود: «المراعاة المبالغة في الرعي، وهو حفظ الغير، وتدبير أموره، أي راقبنا وانتظرنا، وتأنّ بنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، وكانت لليهود كلمة عبرانية أو سريانية يتسابّون بها فيما بينهم، وهي كلمة (راعينا)، قيل معناها اسمع لا سمعت، فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترصوه، واتخذوه ذريعة إلى انتقاص النبي ﷺ بتلك المسبّة، أو نسبته إلى الرّعن، وهو الحمق والهوج» «٤». نستنتج أن الكلمة المرادفة، هي أقرب الكلمات من حيث اشتراك المعنى في بعض أجزائه، ولا تعني المطابقة تماما، واللغة لا تقدّم كلمة أخرى في المعنى نفسه إلا إذا حصل تغيّر، طفيفا كان أو كبيرا في المعنى المطلوب.

стр. 56

- تأكيد الترادف: اصطلح فقهاء اللغة على أن الترادف يعني تعدّد الأسماء للمسمّى الواحد، بوقوع الألفاظ على المعنى الواحد، ونتيجة لهذا التطابق التام بين المترادفات يصحّ في نظر مؤيدي تبادل المترادفات فيما بينها في أيّ سياق. وحجّتهم في هذا هي تعايش اللغات بعد ظهور وضعين اثنين للمعنى الواحد، وقد ذكر السيوطي في كتابه «المزهر» أن الترادف «إنما يكون من واضعين، وهو الأكثر بأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمسمّى الواحد، من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان» «١». ولا بأس أن نعرض لبعض من يؤيّد الترادف من الأعلام العرب، وننتقل بعدئذ إلى بعض مؤيدي الفروق الذين أنكروا الترادف، إذ لا تكفي هذه العجالة لرصد كل الأعلام، ولمعرفة بداية فكرة الترادف. وقد كان ابن السّكّيت «٢» وهو من لغويي القرن الثالث ممن أقرّ بوجود الترادف أي التطابق التام بين الدلالتين، بيد أنه لم يفرد بحثا لهذا الشأن، وقد نقل عنه السيوطي قوله: «العرب تقول: لأقيمنّ ميلك وجنفك ودرأك وصغاك وقذلك وضلعك، كلّه بمعنى واحد» «٣». وقد أفرد ابن خالويه «٤» وهو من أعلام القرن الرابع بحثين للكلمات

стр. 57

المترادفة، أحدها في أسماء الأسد، والآخر في أسماء الحية «١»، ولم يصلنا واحد منهما، ثم تبعه الرماني ببحث يقع في خمسين صفحة من القطع الصغير، يتسم بالجانب التطبيقي مباشرة، فهو لا يقدّم لنا أسباب وجود الترادف، أو مجرد الشكّ في تعميم هذه الفكرة، مما يمثل تنظيرا لغويا، وربّما ذهب هذا التنظير مع الزمن وضياع النسخ. والرماني يضع كلمة بمنزلة عنوان، ويكون شرحها مجموعة من المترادفات، فعن الفرح يقول: «السّرور والحبور والجذل والغبطة والبهج والارتياح والاغتباط والاستبشار» «٢». فكلّ هذه المفردات بمعنى واحد، خصوصا أن بحثه الوجيز يحمل عنوان «الألفاظ المترادفة»، وهو أوّل بحث يحمل هذا العنوان، وكذلك يقول عن الغنى: «السّعة والجدة والثروة والميسرة واليسار، والزيد والرشاش والجدا والاقراب والوفر» «٣». وتعرّض أبو الفتح بن جني أيضا لهذه الظاهرة اللغوية في سفره النفيس «الخصائص»، وتحت عنوان «باب تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني» نجد إقرارا بوجود الترادف نتيجة الأصل الحسي للمترادفات، فالطبيعة والغريزة والنّقيبة والنحيزة والنّحيتة والضّريبة بمعنى واحد، لأنه استنتج أن المشقّة موجودة في كنف أصولها الحسية، فالطبيعة من: طبعت الشيء، كما يطبع الدّرهم والدّينار، والنحيتة من نحتّ الشيء أي ملّسته وأقررته على ما أردت منه، والغريزة لتغريز الشيء بالآلة التي تثبت الصورة، والنقيبة من نقبت الشيء وهو نحو من الغريزة، والضريبة كذلك لأن الطّبع لا بدّ له من الضّرب، لتثبت الصورة المرادة «٤».

стр. 58

وقد أفاض ابن جني في هذه النظرية أي ترادف كلمات المعاني المجردة، لتلاقي الأصول الحسية، وقدّم شواهد وافية، لسنا بصدد ذكرها، لكنه لم يذكر كلمة «الترادف»، ولكن يبدو أنه يقرّ به، وإن خطرت ببالنا هذه الفروق الدقيقة في المرحلة الحسية بين الضّرب والنّحت والطّبع. ويقول أيضا، «ومن ذلك ما جاء عنهم في الرجل الحافظ للمال الحسن الرّعية له والقيام عليه، يقال: هو خال مال، وخائل مال، وصدى مال وسرسور مال، وسؤبان مال، ومحجن مال، وبلو مال، وعسل مال، وزرّ مال، وجميع ذلك راجع إلى الحفظ له والمعرفة به» «١». ويذكر السيوطي أن الفيروزآبادي «٢» أيضا صاحب القاموس المحيط الشهير وضع بحثين في الكلمات المترادفة، ولم يصلنا واحد منهما، ويحمل الأول اسم «الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف»، ومن الطبيعي أن نجد فيه أسماء الخمر والسيف والإبل، وغير هذا، مما يردّده فقهاء اللغة، وخصّص البحث الثاني لأسماء العسل، وسماه «ترقيق الأسل لتصفيق العسل» ذكر فيه ثمانين اسما للعسل، ثم استدرك عليه السيوطي اسمين آخرين، إلا أن السيوطي يقرّر أن هناك أسماء للذات كالسيف «٣»، وأسماء للصّفات كالمهنّد أو الخمر والصّهباء، وهذا ما تمسّك به من سلك مسلك الإنكار للترادف كما سنجد. فمن أسماء العسل كما ذكر السيوطي: «الضّرب والضربة والضريب والورس والذوب واللومة والنّسيل والشّهد والمحران والطّرم والغرب والأسّ والصّبيب» «٤».

стр. 59

وكأنما يضيف السيوطي هنا سببا آخر لوجود الترادف، يضاف إلى سبب تعايش اللغات، وهو حرية التصرف بصوتيات الكلمة، مثل: التصرف في الضّرب والضّريب، ويتضح هذا بشكل جلي في مثاله الآتي: «يقال: أخذه بحذافيره وجذاميره وجزاميره وجراميزه» «١». والجدير بالذكر هنا أن الرماني الذي وضع بحثا في المترادفات هو نفسه صاحب الرسالة النفيسة «النّكت في إعجاز القرآن» التي ذكر فيها أن المعنى هو المقدّم في وجود الفاصلة القرآنية «٢»، كما أن السيوطي هو نفسه صاحب «معترك الأقران في إعجاز القرآن «ذلك السّفر الجليل الذي ذكر فيه الفرق بين الفعل والعمل، وبين الخشية والخوف في سياق القرآن كما سنجد في الفصل الرابع» «٣». وهذا يدلّ على أنهما اعترافا بالترادف ظاهرة لغوية واقعية، ونفياها من القرآن، لأنّ السياق القرآني أفضل جانب تطبيقي يبين ظلال الفروق الدقيقة بين هذه المفردات المترادفة. أما علماء اللغة المعاصرون، فيجمع أكثرهم على إنكار التطابق التام بين المترادفات، وهنالك قلّة منهم يؤيدون الترادف، ومن هؤلاء علي عبد الواحد وافي، فقد وجد أن اللغة العربية كثيرة المفردات والمترادفات، لعراقتها وكثرة احتفاظها بمفردات اللغة السامية الأم، يقول: «ومن أهم ما تمتاز به العربية أنها أوسع أخواتها الساميات ثروة في أصول الكلمات، فهي تشتمل على جميع الأصول التي تشتمل عليها أخواتها السامية .. وتزيد عليها بأصول كثيرة احتفظت بها من اللسان السامي الأول، ولا يوجد لها نظير في أية أخت من أخواتها، هذا إلى أنه قد تجمّع فيها من المفردات في مختلف أنواع الكلمة اسمها وفعلها وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء والصفات والأفعال ما لم

стр. 60

يجتمع للغة سامية أخرى» «١». وهكذا تتسع الدائرة من مجال اللغات العربية كما عهدنا عن القدامى لتشمل اللغات السامية ولم يكن من داع لهذا الاتساع، إلا أن الباحث لم يتطرّق لمفردات القرآن. ووضع صبحي الصالح كتابا بعنوان «مباحث في علوم القرآن»، وتعرّض فيه للإعجاز البياني، وفي كتابه «دراسات في فقه اللغة» يؤكد فكرة الترادف في سياق الآيات القرآنية، وكأنما لم يتمكن له النظر إلى سياق القرآن الذي تفردت فيه كل كلمة بمعناها الخاص. وهو يعزو سبب الترادف إلى اختلاف لهجات العرب أو لغاتهم على الأصحّ ثم تعايش هذه اللغات، مما يدعو إلى استعمال كلا المفردتين، والقرآن في رأيه يؤكّد هذا، فقد جاء في كتابه: «إن خفاء الواضعين حين لم يمنع اشتهار الوضعين قد زاد من ثروة اللغة المثالية حتما ... وعلى هذا الأساس نقرّ بوجود الترادف في القرآن الكريم، لأنه نزل بلغة قريش المثالية، يجري على أساليبها وطرق تعبيرها، وقد أتاح لهذه اللغة طول احتكاكها باللهجات العربية الأخرى باقتباس مفردات تمتلك أحيانا نظائرها» «٢». وسائر دارسي الإعجاز على خلاف منه، وقد قدم شواهد قرآنية تدعم رأيه، ومن هذه الشواهد استعمال القرآن للفعلين: أقسم وحلف، فهو يرى أنهما لغتان عربيتان مدلولهما واحد. وندفع هذه المقولة بالرجوع إلى السياق الخاص للقرآن، يقول : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ «٣»، وقد ذكر الحلف مختصا بالكذب والمنافقين، أما القسم فقد خصّ بالصدق والمؤمنين، يقول تعالى:

стр. 61

فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ «١». فهناك فرق في الاستعمال. وقد اهتمت عائشة عبد الرحمن بهذا الشأن، واتسم أسلوبها بالاستقراء الشامل للمفردات التي تتعرض لها، فهي بعد أن تذكر ما ورد في الشعر القديم مما يؤكد الترادف، وعدم التفريق بين هاتين الدّلالتين في الاستعمال تقول: «العرب تقول: حلفة فاجر وأحلوفة فاجر، ولم يسمع حلفة برّ، وأحلوفة صادقة إلا أن تأتي في بيت شعر» «٢». فالشعراء لم يكونوا يفرقون بينهما، ولا بأس أن نتخذ من تمحيصها ردّا على صبحي الصالح، إذ ترى أن فعل حلف يسند إلى المنافقين في القرآن، وأسند مرة واحدة إلى المؤمنين في قوله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ «٣» فوجبت عليهم الكفّارة لخطئهم. وتبرّر ذكر القسم أيضا على لسان الكفار قائلة: «يسند القسم إلى الضالين حين يكون قسمهم عن اقتناع منهم بالصدق قبل أن ينكشف لهم أنهم على ضلال» «٤». ويصبح القسم حسب تعبيرها هنا بمنزلة الحلف كما في قوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قُلْ: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «٥»، وهذه الآية هي شاهد صبحي الصالح، الذي لم ينتبه إلى خصوصية الاستعمال القرآني الذي لا تبديل لكلماته. ونرى أن ذكر القسم هنا يدلّ على إصرارهم على المعجزات المادية، وعلوّ عنجهيّتهم وسخريتهم، والشّدّة في طلبهم، ويرافق هذا الإصرار كذبهم، فهم

стр. 62

لن يؤمنوا، وإن جاءت المعجزات المادية، والله عليم بقلوبهم، ولهذا لم يحقّق لهم ما أرادوه. ولا تدلّ ظاهرة الترادف في لغتنا على نقيصة، بل تدل على سعة الفكر العربي وابتكاره، وتمثل طبيعة الظروف المعيشة، حيث استقلال القبائل وتلاقيها، ولهذا نستنتج أن من أسباب الترادف أخذ الرواة للكلمات من قبائل مختلفة، وهنا تبرز أهمية اللهجات أو اللغات المتعايشة مما أدّى إلى تعدد الكلمات الدالّة على مدلول واحد. وكذلك كان أصل كثير من الكلمات المرادفة صفات للاسم، ثم صارت مع الزمن اسما مثل السّيف والصارم، وبعض هذه المرادفات كان مجازا في الأصل مثل كلمة الوغى التي كانت تعني اختلاط أصوات المعركة، ثم صارت تعني المعركة ذاتها بعد أن كانت تعني جزءا منها. وكذلك أدّت حرية التصرف بأصوات الكلمات إلى وجود مرادفات مثل كلمة كمح الدابة وكبحها، ورأيت هذا عن كثب وعن كثم، وفلح الأرض وفلعها، وهذه في الأصل من باب الإبدال، وإن أدخلها بعضهم في باب الترادف «١». ويرى عاطف مدكور أن أكثر علماء اللغة اليوم لا يأخذون بالتطابق التام بين المترادفات، ويقول في الموضع نفسه: «وفي رأينا أن الترادف موجود ولكن في حالات فردية نادرة يحدّدها السياق، ولكنه ظاهرة نادرة الحدوث، ولا تجود بها اللغة بسهولة، وأكثر ما نراه فيما يسمى «الكلمات المعتمة» التي لا شفافية فيها مثل «أمام وقدّام، خلف ووراء، شمال ويسار، تحت وأسفل» «٢». وهي معتمة من جهة عدم وضوح الفرق بين الدّلالتين، ولا تقصد هنا عتمة معنى الكلمة ذاتها. ولم يكن استخلاصنا للأصل الحسي لاصطلاح الترادف في أول هذه الفقرة

стр. 63

دافعا إلى نفي هذه الظاهرة اللغوية، ولكنا رأينا أن كون الرّديف غير الراكب الأساسي يدلنا على أن المترادفات مشتركة في المعنى الواحد اشتراكا فقط، ولا يوجد تطابق تام، بحيث يمكننا التبديل من غير أن نمسّ المعنى المبتغى. والترادف على أية حال ظاهرة لغوية ملموسة، ولكن الاستعمال القرآني واقع أدبي خاص يتنزّه عن إمكان تبديل كلماته من غير أن يتغيّر معنى المقام المطلوب. وإذا كان المدلول واحدا، والدلالة متعددة، فلا أقلّ من انتقاء صوتي يجعلنا نفضّل ما ترتاح إليه الآذان، وتميل إليه النّفس، فننتقي كلمة كبش، ونستبعد الشّقحطب ونقول: لمع البرق دون جثجث، ونقول: رأس الورك دون الحرككة، ونقول دهان ألواح السفينة دون جلفاطها، يقول جارييت: «إن المترادفات المختلفة للشيء الواحد قد تتفاوت من حيث الجرس واللفظ» «١». فهنالك بواعث جمالية تدفعنا إلى تفضيل مفردة على أخرى في حال التطابق التام المفترض بين معنى الدّلالتين، والقرآن يبيّن لمتدبره أنه لم يكتف بانتقاء المفردة الخاصة بالمعنى المحدّد المطلوب، بل جمع بين عذوبة الصوت وبين المعنى الخاص. - تأكيد الفروق: لقد سلك اللغويون مسلكين ففريق أيّد الترادف، وقد بيّنا منذ قليل بعض آرائهم، وفريق أنكر الترادف، ومن هؤلاء المبرّد «٢»، وقد نسبت إليه عائشة عبد الرحمن هذا خطأ لتأليفه كتاب «ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد» «٣»، لأن العنوان يدلّنا على أنه عني في كتابه بالمشترك اللفظي أي

стр. 64

تعدّد المعاني للمفردة الواحدة وفق السياق الخاص للآية، مثل كلمة الهدى التي رصدوا لها سبعة عشر معنى، فهي مثلا بمعنى البيان في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ «١» وبمعنى التوراة في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى «٢» وبمعنى المعرفة في قوله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ «٣». وقد ذكر هذا السيوطي تحت عنوان «الوجوه والنّظائر» «٤». وقد كتب في هذا العلم مقاتل بن سليمان صاحب «الوجوه والنظائر»، ورأى أن الصلاة مثلا تكون من الإنسان دعاء، ومن الخالق رحمة، فهذا مشترك لفظي في منظوره، وقد ردّ عليه الحكيم الترمذي المحدث الصوفي الكبير في «تحصيل نظائر القرآن» ورأى أن الجامع بين الصلاتين هو العطف، وعلى هذا يجب أن نسميه مشتركا معنويا لا لفظيا، وهذا أيضا رأي النحوي المعروف ابن هشام. وقد نقل أبو هلال العسكري رأي المبرّد في كتابه «الفروق في اللغة» وصنّف في هذا المجال أبو منصور الثعالبي «٥» كتابه «فقه اللغة وسرّ العربية»، إذ تحدّث في القسم الأول منه عن الفروق، ولأحمد بن فارس «٦» كتاب «الصاحبي في فقه اللغة». يرى المبرّد أن جواز العطف يعني تفرّد كل اسم بمعنى خاص مستشهدا بالآية: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «٧»، يقول: «عطف شرعة على

стр. 65

منهاج، لأن الشّرعة لأوّل الشيء والمنهاج لمعظمه ومتّسعه، ويعطف الشيء على الشيء، وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر» «١». وينقل أبو هلال هذا الكلام عن المبرّد، ويتبعه في الرأي، فقد رأى في الموضع نفسه أن ليس من الذكاء أن يضع الواضع اللغة، ويعطف زيدا على أبي عبد الله إذا كانا شخصا واحدا. ولم يكتف أبو هلال بالعطف فقط، ليؤكد عدم الترادف، إذ يضع شرطا لمنهجه يشرحه في مقدمة كتابه فهو يقول: «إذا اعتبرت هذه المعاني وما شاكلها في الكلمتين- الاشتياق والحنين- ولم يتبين لك الفروق بين معنيهما، فاعلم أنهما من لغتين مثل القدر بالبصرية، والبرمة بالمكية، ومثل قولنا: الله في العربية، وآزر بالفارسية» «٢». وهذا الشرط الذي اتخذه العسكري، ليحدّ من شمول نظريته، اتخذه علي وافي وجعله مناط الاعتراف بالترادف، كما رأينا. ولمنهج العسكري ميزات ترفع من شأن كتابه، وتفضله على كتاب الثعالبي، فقد جعل كلّ كتابه للفروق، فمن جهة الكم قدّم مادة وفيرة، وهو لا يترك القارئ من غير إقناع، بما تسعفه ذاكرته من أمثلة من القرآن والشعر وأمثال العرب واستعمالهم، وإضافة إلى هذه الميزة الجيدة، اقتصر على ما هو مشهور، ولم يتعرّض لكلمات غريبة متخذا فذلكة فارغة لا طائل لها. وما يعنينا من اقتصاره هو اشتماله على مفردات القرآن التي يشتبه في ترادفها، ويعنينا أنه يحدّد في المقدمة نفيه للترادف في القرآن قائلا عن المبرّد: «والذي قاله هاهنا في العطف يدل على أن جميع ما جاء في القرآن، وعن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا من العقل واللب، والكسب والجرح، والعمل والفعل معطوفا أحدهما على الآخر، فإنما جاز هذا لما بينهما من الفرق

стр. 66

والمعنى» «١». ولا بدّ من تعليق على تقليص نظريته بشرط عدم تعايش لغتين، وهذا لم يطّرد في القرآن، وكذلك العطف الذي يمكن الاستعانة به في تجربة عملية تقضي بعطف كلمة قرآنية على أخرى قريبة من معناها، فنزيل غشاوة الترادف، ذلك لأن المفردة القرآنية غنية عن العطف، ليظهر تمكّنها من معناها واستقرارها. ومما ينظر إليه بتقدير أنه يخصص بابا حول العلم مثلا، ويبحث في الألفاظ متقاربة المعنى في مفردتين، فنحصل على الفروق الدقيقة المهمة بين العلم والمعرفة والفهم وغير هذا، ويخصص لكل فرق بين مفردتين ما لا يقل عن أربعة أسطر يدعمها بالشواهد المختلفة، وكل هذا في اللغة الواحدة كما يؤكد. لقد خصص الثعالبي القسم الأول من كتابه للفروق، وقد اتخذ منهجا مغايرا، ووصل بإسهابه ومحاولته لاستيفاء كل المفردات إلى ذكر الغريب والوحشي الذي ربما يدهش معاصريه وفقهاء عصره، ناهيك عن عصرنا الذي حافظ القرآن فيه على جزء مهم من الرصيد الكبير، فنقع على مفردات دثرتها العصور الخالية، ونبذها الاستعمال، يقول في فصل تفصيل الكثير، على سبيل المثال: «الدّثر المال الكثير، الغمر الماء الكثير، المجر الجيش الكثير، العرج الإبل الكثيرة» «٢». ومثل «المجر والعرج» يندر استعماله في الشعر القديم فضلا عن القرآن الكريم، وقد ذكر أبو الطيب هذه الكلمة إذ نجد في شعره الكثير من المفردات غير المستعملة يقول: وتضريب أعناق الملوك وأنت ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر «٣»

стр. 67

وهذا طبيعي في كتب اللغة لأنها لا تغفل اللفظة لندرة استعمالها، لأنها إنما تؤرخ فلا بد من الجمع الوافي. وكما نرى مفردات الثعالبي ليست بين طرفين كما هي الحال عند العسكري، بين السيّد والصّمد، والعزّ والشّرف، والصحّة والعافية، والقدرة والطاقة، إنما يخصص الفصل لترتيب الأسماء وفق الحالة الموجودة، وقلّما يجنح إلى القرآن، ليكون حجّة لتقسيماته، وقد احتج بالقرآن في فصل سمّاه «فيما يحتج على الشّدة من القرآن»، فجاء فيه: «الهلع شدّة الجزع، واللّدد شدة الخصومة، والحسّ شدة القتل، والبثّ شدة الحزن، والنّصب شدة التعب، والحسرة شدة الندامة» «١» وكلها مما ورد في القرآن. ومن الجدير بالذكر أن أحمد بن فارس رفض مسألة الترادف بعلّة تعايش اللغات، فهو يرى أن للسيف اسما واحدا، وباقي الأسماء صفات له كالصّمصام والباتر والصّارم، قال: «ويسمّى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف والمهنّد والحسام، والذي نقوله في هذا إن الاسم واحد هو السيف، وما بعده من الألقاب صفات ومذهبنا أن كل صفة منها معناها غير معنى الأخرى، وقد خالف في ذلك قوم، فزعموا أنها- وإن اختلفت أصواتها- فإنها ترجع إلى معنى واحد، وذلك نحو قولنا: سيف وعضب وحسام، وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير معنى الآخر» «٢». وكأنه يريد أن طول استعمال الصفة إلى جانب الموصوف جعل الناس يكتفون بالصفة، فأبدلوا السيف المهنّد بقولهم المهند أي سيف من الهند. ومن مظاهر استيفاء المفردة القرآنية لطرفي الشكل والمضمون ما جاء في الآية تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا «٣»، وقد جاء في الاتقان عن البارزي «٤» أنّه

стр. 68

أعجب ب «آثرك» وحسنها الزائد على «فضّلك» «١»، وظنّ أن الأمر- فيما يبدو لنا- هو هذا المدّ الطويل بعد الهمزة ثم الفتح على حرف لثويّ خفيف، وصعوبة الوقوف والتّشديد على الضاد، وهو من حروف الإطباق. ويضاف أن القرآن ذكر «فضّل» في سبعة عشر مكانا، مثل قوله تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً «٢»، فالتفضيل كما توحي المقارنة كان نتيجة عمل، ولم يكن له سابق تصميم أو إرادة، إنما هو نتيجة عمل، وإذا عدنا إلى «آثر» مثل: وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا «٣»، وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «٤»، فالعدالة السماوية تتأكد في سابق اختيار المرء للشر، والإيثار يكون له ثواب عند ما لا يكون جبرا، فيؤثر المؤمن أخاه عن سابق اختيار. ودلالة «آثر» في القرآن أقرب إلى الذهنيات منها للمحسوسات، أو هي اختيار بعد اختيار، يقول أبو هلال: «الفرق بين الاختيار والإيثار أن الإيثار على ما قيل هو الاختيار المقدّم» «٥». وفي عصرنا أخذت عائشة عبد الرحمن على عاتقها نصرة استقلال جمال المفردة القرآنية من خلال الظلال النفسية للفروق، فانتدبت نفسها لهذا في كتابيها: «التفسير البياني» بجزئيه، و «الإعجاز في البيان» وقد وقفت في الأخير على هذه المسألة منظّرة، ومن ثمّ مطبّقة في عشر مسائل، مثل: الفرق بين الرؤيا والحلم، والنأي والبعد، وتكاد تشتمل على معظم ما يظنّ فيه الترادف في القرآن.

стр. 69

وقد استعانت بالمنهج الاستقرائي الإحصائي وبالمقارنات، مما ساعدها على استنتاج موفّق مؤدّاه أن الفروق لا يمكن أن تمحى، وذلك منذ عام ١٩٦٤ حين وضعت بحثا في «مشكلة الترادف اللغوي في ضوء التفسير البياني»، وتقول: «شهد التّتبّع الدقيق لمعجم ألفاظ القرآن، واستقراء دلالتها في سياقها، بأن القرآن يستعمل اللفظ بدلالة محدودة، ولا يمكن معها أن يقوم لفظ مقام لفظ آخر» «١». ولم يكن لهذه الباحثة نظرات متفرقة في هذه الفكرة، فهي قوام دراستها التفسيرية لقصار السور في جزئي «التفسير البياني»، ويمكن أن يعدّ كتاباها معجمين للفروق البيانية القرآنية، وقد فنّدت آراء القدامى، وذلك خلافا لما نجد في كتب كثير من المحدثين المتكئين في نفي الترادف على شذرات متفرقة من «الكشّاف» و «المثل السائر» خاصة، فدراستها تتسم بالجدة والأصالة، وكثيرا ما ظل غيرها في إسار التقليد من غير تحرّ لمادة البحث. وعلى سبيل المثال نورد تفسيرها للآية: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ «٢» تقول بعد العودة إلى الأصل المادي: «وتفترق الخشية عن الخوف، بأنها تكون عن يقين صادق بعظمة من نخشاه، كما يفترق الخشوع، بأننا لا نخشع إلا عن انفعال صادق بجلال من نخشع له، أما الخوف فيجوز أن يحدث عن تسلّط بالقهر والإرهاب، كما أن الخضوع قد يكون تكلّفا عن نفاق وخوف تقيّة ومداراة، والعرب تقول خشع قلبه، ولا تقول خضع قلبه إلا تجوّزا» «٣». وأخيرا لا يعني ما تقدّم أننا ننفي- كليا- القول بالترادف، فعائشة تعود إلى شرط تعدد اللغات قائلة: «وإنما يشغلنا الترادف حين يقال بتعدّد الألفاظ للمعنى الواحد، دون أن يرجع هذا إلى تعدد اللغات، ودون أن يكون بين

стр. 70

الألفاظ المقول بترادفها قرابة صوتية» «١». وعلى الرغم من هذه القرابة الصوتية، فهي لا تطبّقها في الفرق بين النّعمة والنّعيم، فقد وجدت في الأولى معنى النّعمة العامة لكل الناس، وفي الأخرى معنى الخير في اليوم الآخر، فيتخذ النعيم سمة إسلامية «٢». نخلص مما سبق إلى أن خصوصية الانتقاء القرآني تدعونا إلى الإقرار بتفرّد كل كلمة بمعناها الخاص، مستندين إلى السياق القرآني، فإذا كان الترادف موجودا في اللغة، فهو بعيد عن تهذيب القرآن اللغوي، وتمكّن مفرداته من معانيها وظلالها الخاصة، وسوف يتضح هذا في تطبيق الدارسين: أسلافا ومعاصرين.

стр. 71

٤ - الأثر الموسيقى لمفردات القرآن امتاز العرب برهافة الحس، فهم يتأثرون أشدّ التأثّر بما يسمعون، وللكلمة قدسيّتها، وهي تفعل فعلها إلى أبعد مدى، فيحاربون ويصالحون، ويضحّون ويكرمون نتيجة سماع كلمات، وهم سيدركون القيمة الموسيقية في القرآن بسبب معايشتهم لفن الشعر والخطابة، واهتمامهم البالغ بالكلمة، وقد قال الزرقاني: «هذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي، هو أول شيء أحسته الآذان العربية أيام نزول القرآن، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام، سواء أكان مرسلا أم مسجوعا، حتى خيّل إلى هؤلاء العرب أنّ القرآن شعر» «١». ونحو ذلك ما ذكره الرافعي إذ يقول: «رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم» «٢». فما كان عليهم- وقد أصرّوا على الإشراك- إلا الهرب من سماعه على ملأ من القوم، والتلصّص لسماعه ليلا، مما يؤكد عدم موضوعيتهم في كرههم للقرآن، وقد قال عنهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٣»، فقد طغت المكانة العشائرية، ولكنها لم تمسح في نفوسهم تذوقا سمعيا فطريّا. ويمكن أن نعزو هذه الملكة السمعية إلى ضخامة مساحة الأميّة بين العرب حينئذ، بالإضافة إلى كثرة استماعهم للشعر الذي صوّر شئون حياتهم جميعها،

стр. 72

ولهذا كان السمع هو المعيار الأول، وفي هذا الصدد يقول إبراهيم أنيس: «وفي رأيي أن هذه الظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تعزى إلى تلك الأمية حين كان الأدب أدب الأذن لا أدب العين، وحين اعتمد القوم على مسامعهم في الحكم على النص اللغوي، فاكتسبت تلك الآذان المران والتمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة» «١». ولا يعني هذا مجرد استمتاعهم بصوتيات القرآن، فقد عرفوا أيضا أنها قوالب فنيّة لمضامين فكرية جديدة، فالتعلّق لم يكن شكليا محضا، ونحن نعترف بأن كتابة الشعر كانت قليلة في الفترة الجاهلية، وهنالك أمم كثيرة بدأت نتاجها الأدبي بالأدب الشفوي، وكانت تهتم بتصوير الأساطير، ولكن لا تمتلك لغاتها هذه الموسيقية، إلا أنها غنّت نتاجها الأدبي، وكذلك كانت الالياذة والأوديسة. ونرجّح أن السبب هو طبيعة اللغة العربية التي نشأت موسيقاها وفق ذوق أوّلي، ثم صار هذا الذوق قانونا موسيقيا، ثم نزل القرآن الكريم بتشكيل فريد، وذلك بلجوئه إلى مزية خاصة، وتخيّره وتهذيبه للمفردات، وليس من الضروري أن يكون تفشّي الأمية السبب الوحيد، لأن الشعر قديم، ولكل قديم منه معايشة شفوية في زمن ما. ونودّ في هذه الفقرة أن نبين أن دراسة العنصر الموسيقى للقرآن ليست وليدة عصرنا، وما يشغلنا هاهنا محاولة استقصاء بعض الدلائل والمواقف التي تبرهن على وجود تذوق سمعي عاصر البعثة النبوية الشريفة، وكذلك نبحث في الدلائل القرآنية الداعية إلى مراعاة الإعجاز الموسيقى وتفهّمه، وكذلك لا بدّ من الإشارة إلى مقارنتهم القرآن بالشعر وقضية المعارضة التي تتصل بموسيقا القرآن.

стр. 73

- في القرآن والحديث: نجد في رحاب الآيات الكريمة تسمية الكتاب العظيم بالقرآن، فقد ورد هذا الاسم سبعين مرة، وهذا أضعاف ذكر أيّ اسم غيره كالفرقان والكتاب، مما أحصاه العلماء، وكانت الكلمة الأولى من الوحي «اقرأ» في الآية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «١»، وقد اشتقّت كلمة «القرآن» من القراءة، فهي تتطلب السمع. وحضّ القرآن على استعمال حاستي السمع والبصر، وهما وسيلتا تذوّق الجمال مثل قوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «٢» وقوله : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ «٣». وليس ما استنبطه علماء التجويد إلا أصلا في قراءة العربية، وقد قال السيوطي: «إن العرب لا تنطق بكلامها إلا مجوّدا» «٤»، وقد استخلص عبد العزيز بن عبد الفتاح قواعد التجويد من جهود السّلف، ووضع مصنفا قال في مقدمته: «والمقصود الرئيسي خدمة القرآن الكريم، والتوصل إلى النطق العربي النبوي الفصيح بكتاب الله، وليعلم كلّ من درس هذا العلم، أو قام بتدريسه أنه- وإن كان يعتمد على النقل والرواية فحسب، إلا أن مصدره ومرجعه في الحقيقة الذوق العربيّ الفصيح» «٥». فالتجويد ليس شيئا إضافيا أو زركشة لتزيين كلمات القرآن، فهو إعطاء الحرف حقّه في الأداء، وبما أن النسق القرآني فريد النوع، فقد كانت قواعد التجويد بالغة الأهمية، لأنها تبرز جمالا سمعيا غير معهود، كما أن مراعاة قوانين التجويد مراعاة للعربية التي هي المادة الصوتية لهذا الكتاب العظيم، وهي لغة تستبعد بطبيعتها الوعورة والثّقل، فقد اختار الناطق بها كلّ سهل مستساغ، وكان القرآن اختيارا آخر، ولهذا كانت آياته إعجازا لهم، لأنه يفوقهم

стр. 74

في هذا المجال بمراعاة دقائق فنية موسيقية، وهي ما يدعى بالموسيقى الداخلية، ومن الجهل أن يعدّ التجويد زركشة، ذلك لأن الذوق والقانون الصوتي متلازمان. وفي القرآن نجد حضّا على جمال الأداء في قوله : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا «١»، ويؤكّد لنا فعل الترتيل بالمفعول المطلق، وهو ما يفوق الإنشاد والقراءة العادية، ويسمو على مطّ الغناء واضطرابه، وقد ذكرت هذه الآية في سورة تحمل اسما من أسماء القرآن، إنها سورة الفرقان، أما المكان الثاني الذي يذكر فيه الترتيل، فهو سورة المزمل، أوائل نزول الوحي المبارك، وفي هذا حجّة على إعجاز نسقه، والسورتان من العهد المكي، حيث تعنّت الكفار وعنادهم، يقول تعالى في سورة المزمل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «٢». وكذلك يؤكّد الفعل بالمفعول المطلق، وهنا يختصّ الترتيل بزمن الليل زيادة في جماله في هدأة الليل، حيث صفاء النفس، وذلك لأن المولى عليم بأن السمع نافذة على النفس، وحافز على الانفعال والتفاعل مع متطلبات دينية حيوية وأخروية. وقد سبق علم التجويد تشجيع الرسول ﵊ على الأداء الحسن الذي يركّز على الإحساس بالتشكيل الموسيقى في إيقاع القرآن، ذلك الأداء الذي يراعي دقائق داخلية يمتاز بها النّسق القرآني من مدود وصفير وجهر وقلقلة «٣»، مما يعرف عن صفات الحروف، إضافة إلى تجميل الصوت عند أداء القرآن. وقد روي أن الرسول ﷺ : «قرأ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على

стр. 75

راحلته فرجّع في قراءته» «١». فقد كان يهتم بالأداء الحسن، وهذا يتضمن مراعاة لفظ الحركات، وإعطاء الوقفات والغنّات «٢» ومخارج الحروف حقّها، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر به» «٣». ويعلّق الغزالي على هذين الحديثين قائلا: «قيل أراد به الترنّم، وترديد الألحان به، وهو أقرب عند أهل اللغة» «٤». بيد أن هذا اللحن ليس بمطّ مبتذل، فهو محكوم بقوانين اللغة التي تساعد على إبراز النظم الموسيقى المعجز، وهذا التّغنّي لا يصل إلى مرتبة الغناء والإنشاد ولا يهبط إلى مرتبة القراءة، وإلى هذه المعيارية يشير الحديث النبوي: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتابين، وأهل الفسق، فإنه سيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة» «٥». وعلى هذا المنهج سار السلف الصالح، فلا يميلون إلى درجة الغناء، ولا إلى الغمغمة السريعة، وفي هذا الوعي المتجلّي في التأنّي نجد ابن عبّاس ﵄ يقول فيما نقله الغزالي: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبّرهما، أحبّ إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة» «٦». فللتأنّي في تلاوة القرآن فضيلة المتعة السمعية، وهذا لا يكون إلا مع تدبّر
следующие страницы →