والمعنى، وهو في مفهومنا المعاصر احتواء المفردة موضوعها: «فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنّسبة إلى أخواتها، فإن «والله» و «بالله» أكثر استعمالا، وأعرف عند الكافّة من «تالله» لمّا كان الفعل الذي جاور أغرب الصّيغ التي هي في بابه، فإن «كان» وأخواتها أكثر استعمالا من «تفتأ» وأعرف عند الكافّة، ولذلك أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة «حرض»، ولمّا أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ «١»، لمّا كانت جميع هذه الألفاظ مستعملة، وعلى هذا فقس، والله أعلم» «٢».
فالغرابة تمثّل انسجام مفردة مع ما يجاورها، ويبدو أن غرابة الموقف تحكّمت في اختيار المفردات المعبّرة، إضافة إلى النّبرة القوية التي تمثّل غضبهم واشمئزازهم، وقد تحدثنا عن جمالية الصوت التي رآها عبد الكريم الخطيب في هذا الشاهد.
والجدير بالذكر أن هذه المفردة ذكرت مرة أخرى في السورة نفسها، فعلى لسانهم يقول : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا «٣»، والموقفان متشابهان.
ومما يعضد هذا تأمل الرافعي في كلمة «ضيزى» في قوله تعالى:
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «٤»، يقول: «وفي القرآن لفظة غريبة، وهي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قطّ إلا في موقعها منه، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصور في هيئة النّطق بها الإنكار في الأولى، والتّهكم في الثانية، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة
стр. 282
المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس، بهذين المدّين إلى الأسفل والأعلى» «١».
وإذا أقمنا موازنة في تلقّي غريب القرآن، فإنّنا نفضّل نظرة الرافعي على نظرة ابن أبي الإصبع، فالأخير يكتفي بوجهة علمية على الأغلب، ونظرة الرافعي والمحدثين على أغلبهم علمية وتأمّلية معا، فكلمة «ضيزى» تجسّم بحركاتها حركة المتهكّم، وهذا هو الشاهد الوحيد الذي عبّر فيه الرافعي عن تجسيم الصوت للمعنى.
لقد استنكر البيومي تأكيد ابن أبي الإصبع على وجود الغريب قائلا:
«فما توهّمه المؤلف من الغرابة في الألفاظ لا دليل يؤيّده، إلا إذا كان لفظ «حرضا» باعث هذه الغرابة، واللفظ الواحد لا يضرب مثلا لتناسب الألفاظ في الجملة» «٢».
فقد غابت عن ذهنه الغاية الجزئية في هذا الشاهد، وكان يجدر بالباحث المعاصر أن يشيد بنظرة سلفه بدلا من قطع العلاقة بين اللفظ والمعنى بحجّة سهولة ألفاظ القرآن ودورانها على الألسن، ففي الآية كلمات مجلجلة بصوتها، تصور الموقف بدقّة فائقة.
ولا يقدّم ابن قيم الجوزية ما هو جديد في هذا المجال، فكتابه لا يتّسم بالأصالة، إذ يتكئ فيه على آراء سابقيه «٣» بالنقل الحرفي على الأغلب، وذلك لا يقتصر على هذا المجال، بل يشتمل وجوه البلاغة القرآنية كافة.
- الفروق عند الزركشي:
ينفي الزركشي الترادف قائلا: «على المفسّر مراعاة الاستعمالات، والقطع بعدم الترادف، ما أمكن .. فمن ذلك «الخوف» و «الخشية» لا يكاد اللغوي يفرّق بينهما، ولا شكّ أن الخشية أعلى من الخوف، وهي أشدّ
стр. 283
الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشيّة، إذا كانت يابسة، وذلك فوات بالكليّة، والخوف من قولهم: ناقة خوفاء، إذا كان بها داء، وذلك نقص، وليس بفوات، ومن ثمّة خصّت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه:
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ «١».
وهذا الجنوح إلى الأصل الحسّي للمفردة قبل الاصطلاح الذهني المجرد مستفاد من سفر الراغب الأصفهاني الذي ردّ كلمات القرآن إلى الأصول الحسية، وهذا السّفر هو «الغريب في مفردات القرآن» وضعه في القرن الخامس.
وكأنّما أراد الزركشي أن يربط بين الطابع الحسّي في الأصل، وبين مقدار التأثير في الاصطلاح الجديد، فتوصّل إلى أن مخزون الخشية أعظم، وقلّما يعود الباحث المعاصر إلى الأصل اللغوي، أو يحكّم معيار اللغة، فقد قال شوقي ضيف في هذا الشاهد: «الخشية خوف ممزوج بتعظيم وإجلال، فهي أخصّ من الخوف، إذ الخوف توقّع العقوبة، والخشية انقباض وهيبة وسكون إلى الله بعمل الطاعات، وإخلاص واعتصام به من خوف عذابه» «٢».
ولا يفهم مما سبق أن الخشية اطّرد ذكرها متعلّقا بالله، والخوف بغيره، والحق أن الزركشي دأب دائما في استدراك الأمور كيلا يصل إلى تعميم مغلوط فقد قال: «فإن قيل: ورد يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٣»، قيل: الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمة الله ضعيف، فيصحّ أن يقول: «يخشى ربّه لعظمته، ويخاف ربّه، أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى، وفيه لطيفة، وهي أن الله لمّا ذكر الملائكة وهم أقوياء، ذكر صفتهم بين يديه، فبيّن أنهم عند الله ضعفاء، ولما ذكر المؤمنين من الناس
стр. 284
وهم ضعفاء، لا حاجة إلى بيان ضعفهم، ذكر ما يدلّ على عظمة الله تعالى» «١».
ولا بدّ من التنويه بأن الله قال: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢»، فلا يقتصر الخوف على الملائكة الأقوياء من مخلوقات الله.
ويعد البرهان أفضل الكتب التي تتحدث عن الفروق، لدقّة الباحث وشموله لما يظنّ فيه الترادف في القرآن، فقد بسط الفرق ببراعة بين الطّريق والسّبيل، وبين التّمام والكمال، وبين أتى وجاء وغيرها.
وهو لا ينكر فضل أبي هلال العسكري في هذا المضمار، وقد نقل السّيوطي شواهده هذه في «معترك الأقران».
وقال الزركشي عن الفرق بين العمل والفعل: «والفرق بينهما أن العمل أخصّ من الفعل، كلّ عمل فعل، ولا ينعكس، ولهذا جعل النّحاة الفعل في مقابلة الاسم، لأنه أعمّ، والعمل من الفعل ما كان مع امتداد، لأنّه «فعل» وباب «فعل» لما تكرّر، وقد اعتبره الله تعالى، فقال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ «٣» حيث كان فعلهم بزمان، وقال: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٤»، حيث يأتون بما يؤمرون في طرفة عين، فينقلون المدن بأسرع من أن يقوم القائم من مكانه، وقال تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا «٥»، فإنّ خلق الأنعام والثّمار والزّروع بامتداد وقال: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ «٦» وأَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ «٧» فإنّها إهلاكات وقعت من غير بطء» «٨»
стр. 285
إنه يشير إلى دقّة الزمن المطلوب في كل من الدلالتين، ولم يكن أساسه من الموروث اللغوي، بل برهن على اطراد هذا الاستعمال في القرآن، وهو لا يتأثّر بالخطّابي الذي رأى خصوصية «فعل» بالعقوبات، فقد اختصّ «فعل» بالأفعال القبيحة من البشر أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ «١»، فقد دلّنا الزركشي إلى أن «فعل» إذا نسب إلى الله فإنه يتّسم بالقوة والسرعة، ولا يقتصر على معنى العقوبة «٢»، كما مرّ في الفصل الأول، يقول تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ «٣». وكل مظاهر القيامة تدلّ على السرعة والقوة.
من يطالع أسفار الدارسين القدامى يجد أن هذه المادة أي- مناسبة المقام- وفيرة، وذلك لأسباب عدة، وهي أنهم ناضلوا بإخلاص جاهدين للرّدّ على الملاحدة الذين يدّعون التناقض في القرآن الكريم، والخطل في استعمال مفرداته، فكان لا بدّ من تبيين سبب ذكر الانبجاس في موضع، والانفجار في موضع آخر وعلّة تقديم موسى على هارون في موضع، وهارون على موسى في موضع آخر ﵉.
ويضاف إلى هذه الغاية الدينية الخالصة محبّتهم العميقة لأسلوب كتاب دنياهم وآخرتهم، فمنه استلهموا أسس حياتهم، وأرسوا قواعد مجدهم، وهذا مما حدا بهم على إبراز جماليات دقة الاختيار في الكتاب المعجز.
ومن هذه الأسباب وفرة الثروة اللغوية، فأكثرهم لغويّ متمعّن، كما يظهر في مناقشاتهم، ومنهم من كان ذا مكانة كبيرة في اللغة كالزمخشري والسّيوطي.
ومن هذه الأسباب أيضا قرب عهدهم بزمن الفصاحة، لذلك وجد المحدثون الكفاية في كتب أسلافهم، وأكثر من اهتمّ بالفروق عائشة عبد الرحمن، وقد ذكرنا نتفا من كتابيها في الفصل الأول، حيث كانت تنفي وجود الترادف في القرآن وتقرّ به في اللغة.
стр. 286
ووقفات المحدثين على قلتها تتّسم بالغنى والعمق، وهي لا تأتي تحت عنوان معيّن، فهذه الجمالية لم تكن تحت عنوان ائتلاف اللفظ والمعنى، أو مشاكلة اللفظ للمعنى، أو الفروق اللغوية، أو مراعاة النظير، شأن القدامى، إن هي إلا نظرات فنية تستوفي الأبعاد النفسية، وهي التي لم يهملها أسلافنا في الغالب، إلا أنه يؤخذ على الباحث الحديث الاكتفاء بالذات الشاعرة، وهذا كثير في أسلوب سيّد قطب.
ومن الواضح الجلي الذي يدلّ على العمق النفسي ما يرد في كتب الدكتور نور الدين عتر على اختلاف مناهجها ومقاصدها، وقد قدّم شذرات رائعة في تفسيره لبعض
السّور، وفي قوله : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ «١» يدلنا على جمال الفرق، إذ يقول «فعبّر بكلمة «ووصّينا» بدلا من أمرنا، إشعارا بأنّ المسألة مفروغ منها تحتاج إلى تحريك النفس نحوها، لا إلى الإلزام» «٢».
وبهذه الطريقة السامية يقرّر القرآن الكريم أحكامه الشرعية، فقد أحاط بالإلزام رفعة المخاطبة مع بعث الرّحمة في التّوصية.
ونرى أن دراسة عائشة عبد الرحمن تتسم بالموضوعية الواضحة، لأنها تنطلق من الأصل اللغوي في استعمال العرب، وترصد استخدام المفردة المدروسة في القرآن كلّه، ومن ثمّ تفرغ للدلائل النفسية التي تبثّها المفردة المنتقاة من بين مرادفاتها، وهذا لم يبعد عن ذهن الزركشي مثلا.
- ظلال الدلالة الخاصة:
لا نقف هنا على الفروق، إنما نتتبّع ما ورد عند الباحثين حول اختيار مفردة تلقي إشعاعا شاملا في مفردات السياق كلّه، من حيث لا يسدّ غيرها هذا المكان، وتنفرد بمكانها من حيث ملاءمة أقصى التأثير، وقد تكون الكلمة عادية في استعمالنا، فإذا قرأناها في الآيات، وجدنا أنها تتجاوز كلّ تعابيرنا،
стр. 287
متمكنة من موضعها بمنزلة اللّبنة المطلوبة للبناء الكلّي.
من أولى هذه الملاحظات الفنية تأمل الرماني في تشبيه أعمال الكفار في قوله : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً «١» فإنه يقول: «ولو قيل يحسبه الرّائي ماء، ثم يظهر على خلاف ما قدّر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن، لأنّ الظمآن أشدّ حرصا عليه، وتعلّق قلب به» «٢».
وهو لا يكتفي بجمال التشبيه الحسّي، بل يؤكّد لنا إحكام الصورة بما يؤثّر تأثيرا حسّيا في المتلقي، ومن الواضح عدم الترادف بين الظمآن والرائي، وإن هذا الميل إلى الحسية يؤكد الحد الأقصى من التأثير في الإنسان، لأن أقوى متطلباته تتعلّق بالحسية.
ومنه على سبيل المثال قوله تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ «٣» واقترنت كلمة غليظ، بالميثاق ثلاث مرات في قوله تعالى:
وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً «٤» عن إمساك الزوجات أو تسريحهنّ، وقال عن بني إسرائيل: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً «٥»، وقال : وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً «٦».
وتشير كلمة «غليظا» هنا إلى أهمية الرسالة السماوية وصدق الأنبياء، كما أن غلظ العذاب مناسب للشعور بوطأته على جسوم الآثمين، فالانتقال من حسّية إلى حسية أعمق تأثيرا، والميثاق معنى ذهني، والغلظ يدلّ على تأكيده.
وقد قال تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ «٧» فقد عدل عن الإحراق إلى التّحطيم، لأن إيلام النار المحطّمة
стр. 288
أقوى، ولا يحيط به تصوّر، كما عدل عن الرؤية إلى الظمأ لعمق الصلة بالجسم.
وإذا كان الرماني قد وجد أن هذا يتطلبه التأثير الأقوى، وهو مناسب للموقف فإن أبا هلال العسكري يصنف مثل هذه اللمحة الفنية تحت عنوان «المبالغة» ومن شواهد هذا الفصل قوله : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ «١» وقد جاء فيه: «ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا، وبلاغة كاملة، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها، ولمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له» «٢».
ونستنتج مما سبق أن طريقة الرماني والخطابي أكثر إرضاء للذوق، فالرماني مثلا يقدّر كلمة بليغة، ويرى أن الكلمة القرآنية أبلغ، فالجمال درجات، أو كما يقول «طبقات»، ويؤخذ على العسكري تمسّكه بمصطلح «المبالغة» التي كثيرا ما تشين الشعر، ففي القرآن تأثير عميق، ولا يوجد مبالغة، ويبدو أنه يريد المبالغة في التأثير.
وقد عني الشريف الرضي بمجازات القرآن، وتفسيرها من خلال العودة إلى حيز الحقيقة، ولكنا لا نعدم شذرات رائعة تمثّل ذوقا رفيعا إزاء بعض المفردات القرآنية، وعندئذ يتناسى الاصطلاح وتقعيده، ويقول تعالى عن أهل الكتاب الذين كتموا خبر النبي المبعوث: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ «٣» وقد قال الشريف الرضي: «و
قوله سبحانه: فِي بُطُونِهِمْ زيادة معنى، وإن كان كلّ آكل إنما يأكل في بطنه، وذلك أفظع سماعا، وأشدّ إيجاعا، وليس قول الرجل للآخر: إنك تأكل النار مثل قوله: «إنك تأكل النار في بطنك» «٤».
стр. 289
فالكلمة تتخذ دلالة خاصة وإشعاعا يدلّ على القبح، خلافا لما جاء في الآية على لسان امرأة عمران: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً «١».
وقد علّق البيومي على الآية السابقة قائلا: «فإن تصوير ذلك باللفظ مما يعيد المنظر الهائل مفجعا مفزعا حين يتصوّره الخيال في أفجع مثال» «٢».
وقد وردت كلمة «بطون» بصيغة الجمع سبع مرات في مواقف تصوير العذاب، وأربع مرات مختصة بالحيوان كالأنعام والنّحل، مما يدلّ على أن الكلمة في شاهد الشريف الرضي توحي بالطّبع الحيواني وبشاعته عند من يتاجر بآيات الله، ويكذّب بها، وهي تهبط بآدميّته، خصوصا حين تصوّر الجشع والنّهم، كما وردت كلمة «الخرطوم» في الآية الكريمة: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ «٣» والمقصود أنف واحد من المشركين قيل: هو الأخنس بن شريق أو الأسود بن عبد يغوث أو الوليد بن المغيرة «٤».
والجدير بالذكر أنّ تصوير القبيح في القرآن يمتاز بقوة استمرار التأثير، وبحسّيته الواضحة، وقد قال جارييت حول وضوح القبيح: «مما يؤسف له أن الأشياء القبيحة التي نتحاشاها ندركها بالسّهولة التي ندرك بها الأشياء الجميلة «٥».
وهذا يؤكد كمال إعجاز القرآن، لأنه أتى بالجمال الفني من وجوهه كلّها الإيجابية والسّلبية.
وفي كشاف الزمخشري نقع على غزارة هذه المادة، وهو يعوّل على الواقع الملموس، والتّجربة البشرية، وطبيعة النّفس الإنسانية، وأحيانا يتّخذ المعيار اللغوي حكما، بيد أن الجانب النفسيّ للدّلالة الخاصّة مراعى في أغلب لمحات
стр. 290
الزّمخشري.
ففي تفسيره للآية الكريمة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «١» يقول: «فإن قلت: لم يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنّة الرّحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأنّ الشّرّ إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغمّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب، كان أسرّ، فكيف إذا كان الشّرّ من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقّع الغيث، ومن ثمّة اشتدّ على المتفكّرين في كتاب الله قوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «٢».
فهو هنا يحكّم الإحساس بالفجاءة في جمال «الغمام» وهذا الحكم يعتمد على طبيعة النفس الإنسانية.
ويرى مصطفى الجويني أن «شخصية الزمخشري قد طغى عليها العاطفة الدينية في الأمور الجمالية» «٣».
ويبدو لنا جليّا أن الدين والجمال لا ينفي أحدهما الآخر، وأن مظاهر الجنّة تعدّ دروسا في دربة الإحساس الجمالي، وكذلك مظاهر النار، فالجمال والدّين يتعاوران البيان القرآني في الكشاف، والجمال في القرآن ليس جمالا لذاته، بل هو مسخّر في نهاية الأمر للأغراض الدينية.
ويستشعر الزمخشري حسرة الأم التي تلد الأنثى في قوله عن امرأة عمران: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ «٤» فيقول: «إن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى، وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسّرا على ما رأت من خيبة رجائها، وعكس
стр. 291
تقديرها، فتحزّنت إلى ربّها» «١».
فقد كانت ترجو أن يكون المولود صبيا لكي يخدم بيت الله المقدّس، وليست الحسرة لمجرد كون المولود أنثى كما كان في الجاهلية، فهي كانت تظنّ أن الذكر أولى بالنّذر من الأنثى، وإلا فكمال العبودية يمنع من هذه الحسرة.
ومن مظاهر تداخل المصطلحات البلاغية أن يعدّ ابن أبي الإصبع هذه الجمالية في باب ائتلاف اللفظ والمعنى في كتابه «تحرير التحبير»، وتوضع الشواهد نفسها تحت عنوان «فرائد القرآن» في كتابه «بديع القرآن»، وهو يعرّف هذا النوع قائلا: «وهو مختصّ بالفصاحة دون البلاغة»، لأنّه عبارة عن إتيان المتكلم في كلامه بلفظة تنزل منزلة الفريدة من حبّ العقد، وهي الجوهرة التي لا نظير لها، تدلّ على عظم فصاحته، وقوة عارضته، وجزالة منطقه، وأصالة عربيته، بحيث تكون هذه اللفظة إذا سقطت من الكلام عزّت الفصحاء غرابتها» «٢».
ونلاحظ في التعريف اهتمامه بالمتكلم، وهذا ديدن علماء البلاغة، فكأنهم يدرّسون هذا العلم، ويستعينون بالبلاغة القرآنية.
ويستشهد بالآية الكريمة: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ «٣»، ولا يبيّن لنا سمة هذا التفرّد، فلا يكفينا أن نعرف أن القرآن استقلّ بهذه الصّيغة أو تلك، إنما نريد التوصّل إلى أبعادها الجمالية، وكذلك لفظة «فزّع» في قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٤» فهو يقول: «فانظر إلى لفظة «فرّغ»، وتأمل غرابة فصاحتها، لتعلم أن الفكر لا يكاد يقع عليها» «٥».
стр. 292
ونحن لا ننكر جهوده في مواضع أخرى، كما تبين في الصفحات السابقة في هذه الفقرة، وما سيتبين في مسألة تمكّن الفاصلة القرآنية في الفقرة التالية، ولعلّ جمال «خائنة» يكمن في صيغتها على اسم الفاعل، وهي تدلّ على الحركة أكثر من الاسم، وتفيد الكثرة في استمرارها.
وقد قال البيومي عن شواهد ابن أبي الإصبع هذه: «فهذا الكلام- الفرائد- لو ترجم إلى لغة عصرنا لترجم عما يسمّيه النقاد باللفظ الموحي، وما يبعثه في الجملة من الظلال والأضواء، ووقوع ابن أبي الإصبع على هذه الألفاظ والجمل في كتاب الله يدل على ذوق بصير، ونحن نأخذ عليه أنه أحسن الاختيار، ولم يأت بما يجمل من التحليل» «١».
ونكتفي بهؤلاء الأعلام، لأن كل كلمة قرآنية يمكن أن تقع تحت عنوان «مناسبة المقام»، وأيضا لحذر الإطالة غير المجدية، فالتّكرار كان في الشواهد نفسها، وفي التّعليق الفني، فمثلا لا يبتعد أبو السّعود كثيرا عن تذوق الزمخشري، فهو يقلّده أحيانا بالنقل الحرفي أو بأسلوب التذوق، كما أعاد ابن قيّم الجوزية ما ورد عند الرماني حول كلمة «ظمئان» وغيرها «٢».
ولا بأس أن نجري هنا موازنة في شاهد واحد بين الزمخشري وسيّد قطب، لنعلم اختلاف النظرات، يقول تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ «٣» يقول الزمخشري حول كلمة «يتربّصن»: «إخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بما يجب أن يتلقّى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربّص، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرهنّ أن يقمعن أنفسهنّ، ويغلبنها على الطّموح، ويجبرنها على التّربّص» «٤».
فهو ينطلق من معيار جمال اللغة، ليقدمه تبريرا.
стр. 293
وفي المفردة نفسها يقول سيّد قطب: «إنه يلقي ظلال الرّغبة الدّافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة، رغبة الأنفس التي يدعوهنّ إلى التربّص بها، والإمساك بزمامها، مع التّحفّز والتّوقّر الذي يصاحب صورة التربص، وهي حالة طبيعية تدفع إليها المرأة في أن تثبت لنفسها ولغيرها، أنّ إخفاقها في حياة الزوجية لم يكن لعجز فيها أو نقص، وأنها قادرة على أن تجذب رجلا آخر» «١».
ولكن الشعور بالإخفاق لا يكون في حالة موت الزوج، فقد قال تعالى عن الأرامل: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً «٢»، وكان على سيد قطب أن ينتبه إلى هذا، فهذا وليد الإشعاع الذاتي لدى الدارس.
وقد وفّق في مواضع أخرى، كما ورد لدى الآية: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «٣» فهو يحدثنا عن تحقيق انسجام الأضواء في الصورة بكلمة «الفلق»، يقول: الجوّ كله ظلام ورهبة وخفاء وغموض، وهو يستعيذ من هذا الظلام بالله، والله ربّ كل شيء، فلم يخصّصه هنا «بربّ الفلق»؟ لينسجم مع جوّ الصورة كلّها، ويشترك فيه، ولقد كان من المتبادر أن يعوذ من الظلام بربّ النور، ولكن الذهن هنا ليس المحكّم، إنما المحكّم هو حاسّة التصوير الدقيقة، فالنور يكشف الغموض المرهوب .. والفلق يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية، ثم يتّسق مع الجوّ العام من الوجهة التصويرية» «٤».
ويمكننا أن نقول: إن المحكّم في كل نظرات سيد قطب هو التصوير الذي يشمل الصورة البصرية والإيحاء النفسي، والصورة السمعية أيضا، ومثل هذا الإيحاء ما ذكره عن ميل القرآن إلى تصوير قبح أعمال الكفار بمفردات توائم شنائعهم، يقول تعالى: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ «٥» عن اليهود، يقول سيّد قطب: «والنص على «الحريق» هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه،
стр. 294
ولتجسيم مشهد العذاب، بهوله وتأجّجه وضرامه، جزاء على الفعلة الشنيعة قتل الأنبياء، وعلى القولة الشنيعة: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «١».
وهو لا يذكر مثلا مساحة دلالة «الحريق» في اللغة مقارنة بالنار، وتحليله ليس ببعيد عما يسميه القدامى مراعاة النظير، فتربط الكلمة بسياق الآية كلها، وهذا ما وجدناه عند الخطيب الإسكافي وابن أبي الإصبع.
ولا يكاد يبتعد بدوي قيد شعرة عن منهج سيّد قطب، فهو كذلك يترك المعيار للنفس والتصور، ففي الآية الكريمة: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ «٢». يقول عن فعل «خلوا»: «ترى ما توحي به إلى نفسك من جبن هؤلاء المنافقين الذين لا يستطيعون أن يظهروا ما تكنّه قلوبهم إلا في خلوة لا يراهم فيها أحد» «٣».
وتعد دراسة عائشة عبد الرحمن جيدة، لأنها تنظر إلى قرائن السياق العام ففي الآية الكريمة: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً «٤» تبين البعد النفسي لفعل «أهلكت» قائلة: «ولم يقل أنفقت مع قربها، وذلك لأن الإهلاك أولى بالغرور والطّغيان، وأنسب لجوّ المباهاة والفخر المسيطر على المقام» «٥».
وهذا واضح في سورة البلد، ولا شكّ في وجود مفردات مختصة بدفع المال مثل أنفق وبذل وصرف، ولكن «أهلكت» فعل يعدّ استعماله مجازيا، وهو ليس من مرادفات أنفق، كما ترى الباحثة.
ولا بأس أن نقف عند كلمة «أخذ» الواردة في مقام التهديد، لتتضح الدلالة الخاصة لبعض مفردات القرآن، إنه فعل عادي إلا أن دلالته تتّسع في القرآن، ويتغيّر حجم مفعولها، ومن هذا قوله تعالى: وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ
стр. 295
بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «١».
وقديما ألمح الباقلاني إلى هذا الفعل في قوله تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ «٢» فقد قال: «هل تقع في الحسن موقع قوله «ليأخذوه» كلمة، وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة، وهل يسدّ مسدّه، في الأصالة نكتة لو وضع موضع ذلك «ليقتلوه» أو «ليرجموه» أو «لينفوه» أو «ليطردوه» أو «ليهلكوه» أو «ليذلّوه»، ونحو هذا ما كان بديعا ولا بارعا ولا عجيبا ولا بالغا» «٣».
وكان الباقلاني فهم أن هذا الفعل يدل على غاية العنف دون سائر أفعال الاجرام، ويدلّ على قوة الباطش وسهولة البطش، فالرسول لقمة سائغة، وكأنما تصوّر المفردة ضآلة حجمه، وضخامة حجومهم.
ومن هذا قوله ﵎: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً «٤»، ويقول البوطي: «وأي تصوير لضئلة شأنهم ونسيانهم أنفسهم أبلغ وأروع من هذه الكلمة» «٥».
فهنا يسند الفعل إلى الخالق الذي تنصاع له كل الكائنات، فيزداد عنفا وغموضا، ولا يستطيع الذهن أن يحيط بكل مساحة هذا الفعل، لأنه من عند الخالق ففيه الهول الأعظم، على الرغم من أن فعل «أخذ يأخذ» محدود الدلالة في استعمالنا.
وهنا يحضرنا قول «بختين» إن احتواء الكلمة لموضوعها فعل معقّد، ذلك أن أي موضوع مفترى عليه، ومختلف فيه، مضاء من جهة ومعتم عليه من جهة أخرى بالآراء الاجتماعية المختلفة وبكلمات الآخرين» «٦».
وفي القرآن نجد أن الفعل «يذر» مع تصريفاته يرد إحدى وثلاثين مرة، وثلاث مرات منها تختصّ فيها بالخالق ، مع أن الدّلالة واحدة في
стр. 296
المعجم، وهذا يؤكد السّياق الخاص لآيات القرآن الذي ينفي الترادف، إذ تصل بنا الآيات إلى دلائل متعددة لمادة واحدة، فنحن نقرأ قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً «١» فالفعل «يذرون» يعني المغادرة والتّرك، إذ تقرّر الآية المدنيّة مسألة فقهية.
أما قوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ «٢» فإنّ الكلام يعجز عن التعبير عن هول هذه المفردة وهالاتها الخاصة، نتيجة صدورها عن الخالق، وكذلك قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا «٣» وقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «٤» والآيات الثلاث هذه من السّور المكية، والأخيرتان منها من أوائل نزول الوحي المبارك.
ففي هذه الكلمة إثارة للتخيل تبعدها عن المعنى المعهود، وذلك لأنها تثير في الذّهن كيف تنفرد القوة المطلقة بما خلقت، وتبعث في النفس الرّهبة والإجلال، وخصوصا إذا أعربنا «وحيدا» حالا لضمير الياء.
ومن يطالع أبحاث محمد سعيد رمضان يقع على مادة وفيرة تدلّ على إحساسه الفني بدلالات المفردات، وذلك لا يقتصر على كتابه «من روائع القرآن» الذي تحدّث فيه عن البيان القرآني، فنحن الآن مع كتيّب في الدّعوة الإسلامية بعنوان «منهج تربوي فريد في القرآن» وقد تأمل الآية الكريمة: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما «٥»، فمما يدل على أصالة فنية وتفرّد ذوقي قوله: «لو حذفت هذه الكلمة- عندك- من الآية، لاختفى منها أعظم عوامل التأثير فيها: إنها كلمة واحدة، ولكنها تفيض بشحنة هائلة من العواطف المثيرة، إذ هي تصوّر للمخاطب حالة والديه، وقد انتهينا من الضّعف والشيخوخة إلى أن غدا كلّ منهما يعيش في كنفه، وفي ظلال عطفه ورعايته بعد أن كان هو الذي يعيش في كنفهما،
стр. 297
وفي ظلال عطفهما ورعايتهما «١».
فهذه الكلمة التي هي ظرف مكان، تثير كوامن من الرحمة في أعماق الإنسان وتسمو به، مع أنها كلمة عادية، إذ اكتسبت هذه الظلال نتيجة وجودها ضمن هذا الموضوع رعاية الوالدين.
ويدلنا محمد سعيد رمضان على إيثار العفو على القصاص في الإسلام، فيلمّح القرآن إلى سبيل التراحم مع تقريره لحدود الله، فعن حدّ القتل قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
«٢».
يقول رمضان: وانظر إلى طبيعة هذه الكلمة- أخيه- وموقعها من الآية إنها تذكّر وليّ المقتول تذكيرا دون أن تأمره أو توجّهه إلى شيء، كلمة تحاول بتصويرها العاطفي المباشر أن تذكّر وليّ القصاص بأنه أخ قريب للقائل، وأن تنسيه أنه وليّ للمقتول» «٣».
لقد استطاع الدارسون أن يربطوا وجود الكلمة بسياق الآية، فبيّنوا حاجة المقام إليها، واستحقاقها بالمكان، وتفرّدها به، وقد عوّلوا على منطق اللغة العربية فكان معيارا واضحا.
وعوّلوا على التذوق، فكان معيارا ناجحا على الأغلب في تأملات القدامى منهم، لأن بعض المحدثين اعتمدوا الإسقاط النفسي الشخصي كما رأينا، ولم يكن إجمال القدامى يدلّ على خطل أو تعسّف، وقد دأب القدامى في الإحاطة بالأمر، وغالبا ما استعانوا بالفروق ليبيّنوا أهمية المفردة، فكانوا موضوعيين.
ولا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة التكرار التي ورد شيء منها في الفقرة هذه لا تدل على تحجر، بل تدل على إجلال اللاحق للسابق، ويمكن أن نلتمس
стр. 298
العذر لهم بأن كثيرا من الكتب وضعت في علوم القرآن كلها أو البلاغة القرآنية بجميع وجوهها، وربما كان بعض الباحثين غير مختص بفنون البلاغة اختصاصا متعمقا كالأئمة البارعين فيها.
стр. 299
٥ - تمكن الفاصلة القرآنية
- تعريف الفاصلة:
الفاصلة لغة هي ما يفصل بين شيئين، وهي في علامات الترقيم في الكتابة العلامة التي توضع بين الجمل التي يتركب منها كلام تامّ الفائدة، وبين الكلمات المفردة المتصلة بكلمات أخرى تجعلها شبيهة بالجملة في طولها «١».
أما الفاصلة اصطلاحا، فهي كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع، وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب، لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام.
وتسمّى فواصل، لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها، ولم يسمّوها أسجاعا، فأما مناسبة فواصل، فلقوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ «٢» وأما تجنّب أسجاع، فلأنّ أصله من سجع الطير «٣».
فالفاصلة في القرآن كلمة تختم بها الآية وغالبا ما تضمنت الواو والنون، أو الياء والنون، وذلك لأهمية التّطريب، ففاصلة الآية الكريمة: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ «٤» هي كلمة «ساهون» لأنها تفصل بين آيتين.
- السجع والفاصلة القرآنية:
تقوم الفاصلة القرآنية بدور الإحكام، فتربط بالمعنى الكلي الذي يسبقها في الآية ذلك إضافة إلى ترنيمها الموسيقى الواضح، فهذا الإحكام يتّسم بوظيفتين في الشكل والمضمون.
стр. 300
والحديث عن الفاصلة قديم قدم الدراسات الأدبية للقرآن، فقد أكّد الرماني في تعريفه الأدبي للفاصلة سموّها واختلافها عن الأسجاع، وقال: «الفواصل حروف متشابكة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، ذلك لأن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها» «١».
والرماني يرى أن التعلق الشكلي المتعيّن في مماثلة الأصوات في الرّويّ يدعو إلى التكلّف المستهجن، وهذا مستفاد من أصل تسمية الأسجاع، فسجع الحمام يعني ترديد الصوت نفسه، وكذلك السّجع في فنّ النثر، وكأنّ الرماني يلمّح إلى وجود فواصل متقاربة الروي في القرآن، فبناء الفواصل ينطوي غالبا على المغايرة والتنويع، مراعاة
للمعاني، وهذه الفضيلة تبعد السّجع عن أسلوب القرآن.
ومن الذين تحمّسوا قديما لقضية نفي السجع أبو بكر الباقلاني، وهو يقوم بهذا الردّ جاهدا في ربط المفردة الأخيرة من الآية بسياق المعنى الكلي، يقول:
«ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا:
شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجّة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النّبوّات، وليس كذلك الشعر» «٢».
فهو بعد هذا الرد المنطقي يذكر شواهد من مثل تقديم موسى على هارون في موضع، وهارون على موسى في موضع آخر.
ونقف عند نقطتين في عبارة الباقلاني، الأولى: أن كلامه يوحي بأن جميع القرآن متّهم بالسجع، وإذا كان السجع مماثلة في الرويّ، فقد وقع في القليل منه، وإذ استقلّت الفواصل المتماثلة بإحدى عشرة من السّور القصار وهي: القمر والقدر والعصر والكوثر والأعلى، والليل والشمس والمنافقون والفيل والإخلاص والنّاس.
стр. 301
أما مقارنة البيان القرآني بالشعر فهي بعيدة عن التحقيق، لأن قيود القافية والوزن أبعد ما تكون عن نظم القرآن.
والنقطة الثانية: خروج القرآن عن أساليب كلام العرب، وقد دأب دارسو الإعجاز يعلّلون الصور والمجازات بقولهم: كانت العرب تقول كذا، وربما كان هذا زائدا عن حدّه أحيانا.
ولقد توسّم ابن سنان غاية الفصاحة في وجود بعض المماثلة في الكلام، فلا يكون كلّه مسجوعا، يقول: «إن القرآن أنزل بلغة العرب، وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كلّه مسجوعا، لما في ذلك من أمارات التكلّف والاستكراه والتصنّع، ولا سيّما فيما يطول من الكلام» «١».
ويستفاد هنا من كلام ابن سنان أن المواضيع القرآنية هي التي تتحكم في وجود السجع أو قرب السجعة أو بعدها، وهذا جليّ في أسلوب القرآن، فالسور المدينة تحتاج أفكارها إلى التفصيل، مثل آية الدّين، وآية الحجاب، وآيات التّوريث، فهذا يحتاج إلى دقّة تشريعية، وكذلك الأمر في العتاب والأخلاق وأمور الفقه كافة، وهذا يختلف عن أسلوب السور المكية القصار التي شملت مواضيعها الترهيب والترغيب وقضايا التوحيد، ووصف الجنة والنار، وكانت نبرة الغضب والزجر لا تتطلب النّفس الطويل، فتأتي الفاصلة بسرعة، وكأن المشهد قذيفة في إثر قذيفة، كما أنّ القصص يختلف أسلوب سردها بين السّور المكية وبين السّور المدنية، وعلى الرغم من هذا لم تتماثل الفواصل تمام التماثل غالبا، وذلك لأغراض فنية عميقة.
ومن خلال هؤلاء الأعلام نستنتج تواتر التحرّج من مسّ القرآن باصطلاح «السّجع»، لأصله اللغوي في صوت الحمام، ولعيوبه الكثيرة التي لمسوها عند الخطباء المتقعّرين، وبعض المؤلفين في العصر العباسي، وانزاحت هذه الصورة من أذهانهم مع تقدم الزمن، لذلك رأينا السماحة في قبول مصطلح السجع، على أن سجع القرآن سجع محمود لا تكلّف فيه.
стр. 302
وتكمن مشكلة التسمية إذن في رغبتهم في تنزيه القرآن، وإلى هذا توصّل السيوطي فقال: «وأظنّ أن الذي دعاهم إلى تسمية جلّ ما في القرآن فواصل، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة، وهذا غرض في التسمية قريب» «١».
والمشكلة ليست في الاسم، بل في تبعيّة الشكل للمضمون في الفاصلة، وقد ذهب الفراء «٢» في تفسيره «معاني القرآن» إلى القول بسجع القرآن، ورأى أن ليس من المعيب الحرص على الرنّة الموسيقية، ودعم رأيه بشواهد من السّور القصار، فرأى أن الغاية الموسيقية هي التي تتحكم في صيغة الفاصلة، فلا بأس أن يوجد الحذف، أو إفراد المثنّى، أو جمع المفرد، وغيرها من الأحكام.
فقد رأى في سورة الضحى أن السجع هو علّة الحذف في قوله تعالى:
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٣»، فأصل الكلام عنده: «ما ودّعك ربّك وما قلاك» فهو يقول: «يريد ما قلاك، فألقيت الكاف، كما تقول أعطيك وأحسنت، فهو يقول: «يريد ما قلاك، فألقيت الكاف، كما تقول أعطيك وأحسنت، ومعناه أحسنت إليك، فتكتفي بالكاف من إعادة الأخرى، ولأن رءوس الآيات بالياء، فاجتمع فيه ذلك» «٤».
فالسبب الأول هو أن البلاغة الرفيعة على هذا المنوال، والسبب الثاني مراعاة رويّ الفواصل الأخرى، فلا يكتفي بناحية الشكل كما نرى، بيد أننا بينا في مكان سابق كيف توسّمت عائشة عبد الرحمن التهذيب في حذف
стр. 303
الكاف، ولم تحتكم إلى عادة الاستعمال اللغوي هنا.
ومن شواهده على أنّ المضمون مسخّر لأجل الشكل قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى «١»، يقول: «يراد به فأغناك وآواك فجرى على طرح الكاف، لمشاكلة رءوس الآيات، ولأن المعنى معروف» «٢».
وهو لا يوضّح هنا تعاضد الشكل والمضمون، كما أنه لا يشير إلى جمال هذا التنغيم الذي هو علّة الحذف، ولا يعطيه حقّه من التّبيان والتعليل، وكأنه يريد أن يرجّح العلة الشكلية فحسب.
لم يكن الفراء وحده آخذا بهذا الرأي، وجاهدا في الدفاع عن سبب الشكل في الحذف في مثل هذه الكلمات، فهناك النيسابوري، والفخر الرازي «٣».
وقال السيوطي: «ألّف الشيخ شمس الدين بن الصّائغ الحنفي كتابا سماه «إحكام الرأي في أحكام الآي» قال فيه: اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول» «٤»، ومن هذه الأحكام صرف ما لا ينصرف، وحذف المفعول، وغير هذا.
ويرى أحمد حسن الزيات أن «وجود الازدواج والسجع في القرآن الكريم في حالة تجوز لبعض الصيغ والألفاظ، ما يقطع بلزومه في البيان العربي، فأعجاز النخل مرة «خاوية»، ومرة «منقعر» «٥».
ومن الحيف أن يكتب هذا في مستهل القرن العشرين، وقد مضت قرون على نظرة الفراء، وجهد القدامى في تأكيد تمكّن الفاصلة، واستقلال كلّ صيغة بمعنى، ويعدّ ما ذكروه دراسات جمّة تردّ على الفراء بأن تمكّن الفاصلة بعيد
стр. 304
عن مجرّد المناسبة اللفظية.
وقد كانت حجّة الزيات أن الله يقول في سورة القمر: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «١»، وفي سورة الحاقة يقول: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «٢»، والمقصود بهذا التشبيه واحد، يقول المبرّد في مخطوطة المذكر والمؤنث: «ليس في إحدى الآيتين رعاية للفاصلة، وما أغنى القرآن عن رعايتها لو أدخلت على المعنى، وإنما قصد جنس النخل في التذكير، وأريدت جماعته في التأنيث، وبكلتا الصيغتين نطقت العرب، وعلى كلتيهما بنت تصرّفها في الكلام» «٣».
هذا من جهة التذكير والتأنيث أما اختلاف نعت أعجاز النخل مرة خاوية ومرة «منقعر» فإننا نجد أن كلمة «خاوية» معناها ساقطة، وقد ناسبت هذه الفاصلة ما قبلها دون «منقعر» في هذا المقام، لأن القوم صرعى ألقت بهم الريح العاتية على الأرض، كما ألقت بأركان بيوت القرية في قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها «٤»، فهنا يقصد مجرد السقوط، وعند ما قصد البيان الإلهي خفّتهم أمام قوة الريح ذكر كلمة «منقعر»، وفي هذا يتضح التمكن في أقصى غاياته.
ونحسّ في تفصيلات الزمخشري دفع تهمة السجع، وذلك من خلال نظرية النظم، وهو يصرح بهذا قائلا: «لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلّا مع بقاء المعنى على سردها على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه .. وبني على ذلك أن التقديم في وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ «٥»، ليس لمجرد الفاصلة، بل لرعاية الاختصاص» «٦».
فهو يثبت أن التقديم كان لأهمية ما يوقن به المرء في الدرجة الأولى، ويأتي
стр. 305
ترنيم الواو والنون في الدرجة الثانية.
والمحدثون لم يميلوا إلى جانب سيطرة الشكل على المضمون، فهم يعترفون برنة الفاصلة من حيث هي قرار موح، وترجيع رائع، ولكن هذا مرتبط أشدّ الارتباط بالمعنى، فأحمد بدوي يقول: «فإنك لتجد أن الفاصلة القرآنية كالقافية الشعرية، وتزيد الفاصلة على نظيرتها بشحنة المعنى، ووفرة النّغم، والسعة في الحركة» «١».
وقد حاولت عائشة عبد الرحمن جاهدة الردّ على الفراء الذي قال بعلّة السجع في وجود الفاصلة، وكان اختيارها لتفسير قصار السور مناسبا، لأن الفراء فسّر مقولته بشواهد من السّور القصار.
ومعيارها الاستخدام الصحيح للغة، والأسلوب الخاص للبيان القرآني من خلال اطّراد صيغ ما، فلا يوجد إسقاط نفسي يدعو إلى الأخذ به، أو إلى رفضه، بل اللغة الصحيحة التي تعلّمنا الفروق الدقيقة هي المتحكم، وفي كل وقفة لها نقع على احتراز من توهم المراعاة الشكلية للفواصل.
وتقول في الآية الكريمة: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «٢»: «لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم لمجرد رعاية الفاصلة، ولا قصد بها المفاضلة بين أكرم وكريم، على ما تأوّله المفسّرون، فالغاية من صيغة أفعل هي أبعد ما يكون من التصوير».
وهذا ما تراه أيضا في اسم الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٣»، تقول:
«وإنّما القصد المضيّ بالعلوّ إلى نهايته القصوى بغير حدود ولا قيود» «٤».
وهي تنظر في صيغة الفاصلة، وتبحث عن نظائرها محافظة على أسلوبها الشمولي، ففي الآية: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى «٥» تقول: «واستعمال العسرى
стр. 306
كاستعمال اليسرى ليس ملحوظا فيه المصدرية كالعسر واليسر، وإنما الملحوظ فيها بصيغة فعلى أقصى اليسر، وأشدّ العسر، أو هما اليسر الذي لا يسر مثله، والعسر الذي ما بعده عسر، ونظيرهما في القرآن الكريم من غير المادة:
«البطشة الكبرى والنّار الكبرى» «١».
فقرين هذا في الآية الكريمة: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى «٢» وقوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «٣».
والجدير بالذكر أن صيغة الكبرى لم ترد إلا مسندة إلى آيات الله، وفي وصف القيامة، وهذا يحقق غاية الفاعلية، ليظلّ التفكير يحوم حول مدى قدرة الله المطلقة.
وفي تفسيره سورة الهمزة تذكّر بالاستعمال الصحيح الذي تعدّه سلاحا في رفض القول بالسجع، قال تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ «٤».
وهي لا ترى في الأفئدة معنى عضويا إذ تقول: «إذن يكون إيثار الأفئدة هنا لا لنسق الفاصلة فحسب، ولكنه كذلك لتخليص الأفئدة من حسّ العضويّة التي تدخل على دلالة لفظ القلوب فيما ألف العرب من لغتهم، ولا نزال نستعمل القلب بمعناه العضويّ، ولا نستعمل الفؤاد بهذا المعنى قطّ» «٥».
وهي قلّما تسهب في بسط الجوانب النفسية، إذ تكتفي غالبا بذكر التمكن اللغوي، إلا أن أسلوبها يوحي بمجاوزة البعد اللغوي، لأجل تبيين المقدرة التصويرية من خلال الفروق، فهي لا تعلّق مثلا على أهمية الأفئدة لا القلوب بشكل واضح، مما يفسّر العذاب الذي ينال النّفس.
وبعد هذا لا بدّ من الإشارة إلى أن الدراسين لم ينكروا مراعاة الفواصل
стр. 307
تماما خصوصا إذا أمعنّا النظر في سياق كلامهم، فنجد عبارة «لمجرد مراعاة الفواصل»، فهم على يقين بانسجام الشكل والمضمون، إلا أنهم يقدّمون المضمون على الشكل.
- مناسبة الفاصلة لما قبلها:
غايتنا هنا البحث عن العلائق المعنوية التي تربط مفردة الفاصلة بما يسبقها من كلام، وهذا ما يمكن أن يسمى مراعاة النظير، فتكون المفردة تتويجا لما يسبقها، بحيث تناسب فحوى المعنى الوارد.
لقد بذل الخطيب الإسكافي جهدا كبيرا في المتشابهات في اللفظ، وذلك في كتابه «درّة التنزيل» الذي عني فيه بالآيات المتشابهات، قال تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ «١».
ففي تذييل الآية الأولى نجد كلمة الفاصلة «يتفكّرون» وفي تذييل الثانية كلمة «يعقلون» وفي تذييل الآية الثالثة «يذّكّرون»، يقول الخطيب الإسكافي في هذا التنوع: «إن التفكير إعمال النظر، لتطلّب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا فكّر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل .. فهذا موضع تفكّر بعث الناس عليه، ليفضي بهم إلى المطلوب منهم، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار، وما سخّر في الهواء من الأنواء بقوله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فلأن متدبّر ذلك أعلى رتبة من متدبّر ما تقدم، إذ كانت المنافع المجعولة فيها أخفى وأغمض ..
وأما الآية الثالثة وهي لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ فلأنه لما نبّه في الأوّلين على إثبات الصانع، نبّه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع» «٢».
لقد دلّ على تماسك كلمات القرآن، وربط معنى الفاصلة بالآية، بل إنه دلّ على ارتباط «يذكرون» بتنزيه الخالق كما ورد في أول السورة: سُبْحانَهُ
стр. 308
وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «١».
ونظير هذا ما ورد عند تملّي الزمخشري جمال آيات سورة الأنعام، فهو يقول عند الآية: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «٢»، وعند الآية التي تتلوها قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ «٣»: «فإن قلت: لم قيل: «يعملون» مع ذكر النجوم، و «يفقهون» مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدقّ صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له» «٤».
ومن هذا جاءت تسمية تفاصيل التشريع الإسلامي فقها، لأنه يعتمد الفهم لدقائق الأمور، مما يحتاج إلى دقّة وفهم واسع، كذلك فقه اللغة، والزمخشري لا يتعرض هنا للجانب الموسيقى، فكلا الفاصلتين على الواو والنون، وهو الأكثر في القرآن.
يضع ابن أبي الإصبع أمثال هذه الشواهد تحت عناوين متعددة هي التوشيح، أي دلالة أول الكلام على آخره، والتصدير الذي هو في الشعر ائتلاف القافية مع سائر كلمات البيت، والإيغال الذي هو تتميم المعنى، وما قد ذكره الزمخشري نجده تحت عنوان «التخيّر» فالتذييل ينتهي بقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «٥» وهو يقول: «إن نفس الإنسان وتدبّر خلق الحيوان أقرب إليه من الأول، وتفكّره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح تقتضي رجاحة العقل ورصانته» «٦».
وقد امتاز الخطيب الإسكافي والزمخشري بصفاء الذّهن والترفّع عن التعلّق
стр. 309
بالمصطلحات والتفريعات، كما صنع ابن أبي الإصبع، إذ كان يردّد الشواهد نفسها تحت عنوان آخر، على الرغم من إدراكه جمالية تماسك آيات القرآن.
وهو يستشهد للتّصدير ببعض الآيات، ومن شواهده قوله تعالى: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «١» ..
ويعلق على هذا التذليل قائلا: «إنّ هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال، كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرّشد، لأن الحلم: العقل الذي يصحّ به التكليف، الرّشد حسن التصرف في الأموال» «٢».
إنه يستعين بما يعرف في الشرع عن التكليف، وحقّ التصرف في الأموال، ويمكن أن يضاف هنا بعد التهكّم في الكلمتين.
ويستشهد للتّوشيح بقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ «٣»، ويعرّفه قائلا: «سمّي هذا الباب توشيحا، لكون أوّل الكلام يدلّ على لفظ آخره، فيتنزّل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزّل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح» «٤».
ونحن لا نرى هذا الفرق الذي يحدو به على تخصيص مكان للتوشيح، وآخر للتّصدير، فكلاهما يعني العلاقة القوية بين الأوّل والآخر، وكان يكفي الحديث عن التمكن من غير هذه التفريعات، إلا أن هذه التفريعات لا يخلو مضمونها من نظر ثاقب وتذوق رفيع مبدع.
ويتبع السيوطي خطا ابن أبي الإصبع، وينقل رأيه قائلا: لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء: التمكين والتصدير والتوشيح والإيغال» «٥».
ثم ينقل شواهده مع اختصار التّعليق الفني، وبعد هذا يذكر ما يحصل من
стр. 310
تقديم وتأخير وغيره لمراعاة الفاصلة، وينقل أحكام ابن الصّائغ «١» من كتابه «إحكام الرأي في أحكام الآي» «٢»، وكأنّ الأصل ليس على ما جاءت عليه الفواصل، إنما خولفت الأصول التي يريدها ابن الصائغ لأجل مراعاة لفظية.
وعند أبي السعود نجد تعدّدا لا يدل على تناقض، فهو يضيف إلى أهمية النظم- كما رأيناها عند الزمخشري تتخذ الأولوية- مراعاة الفواصل، ومن هذا ما جاء في تفسيره للآية الكريمة: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ «٣» فهو يقول: والتقديم لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل» «٤».
والمحدثون لم يخصّصوا فصلا في أسفارهم لتمكّن الفاصلة، واحتوائها لمعناها صنيع القدامى، فذلك نجده منثورا في صفحات جمال اللفظة القرآنية بشكل كلي.
ولهذا يلفت الدارس نظرنا إلى جمال المفردة، فنجد أن هذا الجمال يشمل فصولا متعدّدة من بحثنا، ولا ريب في أنّ المفردة القرآنية تتّسم بتعدّد جوانب جمالها، فهناك الصوت الموسيقى، وهناك الإيجاز والتهذيب، ومناسبة المقام وإحكام الصورة، وغير هذا.
وقد خصصت عائشة عبد الرحمن جانبا لتمكّن الفاصلة، كما وجدنا سابقا، وكذلك في الفصل الأول، وسائر الدارسين المحدثين لم يبخلوا بعطائهم في إثبات تمكّنها وجمالها، لكنّهم ينظرون إليها على أنها مفردة، ولذلك مرّت بنا فواصل كثيرة في فقرات سابقة.
стр. 311
ونورد هنا ما قاله حفني محمد شرف الذي سار على نهج القدامى، فقد جاء في كتابه: «ومن دقّة اختيار ألفاظ القرآن، والتمييز بين معانيها ما نجده في التفرقة في الاستعمال بين لفظ «يعلمون» و «يشعرون»، وقد كثر دورانهما في القرآن، فنجد أنه في الأمور التي يرجع إلى العقل وحده في الفصل فيها يستعمل كلمة «يعلمون»، لأنها صاحبة الحق في التعبير عنها، وأما الأمور التي يكون للحواس مدخل في شأنها فيستعمل كلمة «يشعرون» «١».
وإذا تلمسنا ورود كلمة «يشعرون» مثلا نجد أنها أعلق بحاستي السمع والبصر، كقوله : فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ «٢»، ولا شكّ أن التتبّع الدقيق والتفسير القويم يوصلانا إلى نتيجة تطابق ما ذكره شرف.
وهذه النظرة تتكئ على ما ذكره القدامى، بيد أنّ الباحث ينظر إلى القرآن كلّه، وقد ظلّ الزمخشري مثلا يقتصر على الآية التي يفسرها، ولا يصل بنا إلى النظام القرآني الكلي، إلا أنه لا جديد إزاء ما بذل القدامى من جهد في هذا الشّأن.
- انفراد الفاصلة بمعنى جديد:
ثمّة فواصل تحسبها النظرة السطحية زائدة عن المعنى، وأنّها أضيفت لأجل النّسق الموسيقى، وقد لفت بعض المحدثين الأنظار إلى مثل هذه الفواصل، وما تضيئه في النص، وحجم فاعليتها في التأثير، ولم تكن هذه السّمة بعيدة عن تذوّق القدامى، فقد سمّاها ابن أبي الإصبع إيغالا، ومن شواهده قوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ «٣»، وقد قال: «فإن قيل: فما معنى «مدبرين»؟ وقد أغنى عنها قوله: «إِذا وَلَّوْا» قلت:
لا يغني عنها قوله: «ولّوا»، فإن التولّي قد يكون بجانب دون جانب، وبدليل
стр. 312
قوله تعالى: أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ «١»، أراد تتميم المعنى بذكر تولّيهم في حال الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصمّ يفهم بالإشارة ما يفهمه السّميع بالعبارة، ثم اعلم أن التولّي قد يكون بجانب من المتولّي، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتولّ به» «٢».
وكأن عنوان هذا الفن يوحي بأن البيان القرآني يوغل في المعنى، وفي رسم المشاهد حتى يكون التصوير واضحا للعيان، ومؤثّرا بشكل أقوى.
والشواهد التي قدّمها ابن أبي الإصبع تميل إلى المعيار اللغوي دائما، ولهذا لم يكن منه تخيّل للإيحاءات النفسية التي تضيفها الفاصلة الموغلة، وهذا نستشفّه في تفسير أبي السّعود الذي سار على خطا الزمخشري، ففي تفسيره للآية: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ «٣» يقول: «والجلود عطف على «ما» وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل، أو للإشعار بغاية شدّة الحرارة، بإيهام أنّ تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس» «٤».
فهو لا يسمّي هذا الفنّ، ولا يذكر شواهد شعرية شأن ابن أبي الإصبع، وهذه طبيعة كتب التفسير البياني المختلفة عن طبيعة كتب الإعجاز والبلاغة، ولكن يؤخذ عليه هنا تعدّد في الرأي، فرأيه بين مراعاة الفواصل، وأهمية معنى الجلود.
ولا شك أن كلمة الجلود هنا تنمّ على الإحساس بالنار التي تصهر، وهي كذلك توحي بالفروج، وما يتصل بها من زنى وقبائح، وأنّ الوقوف عليها يبعث في روع المرء رهبة، وقد تبيّن في العلم الحديث أنّ الجلد مستقل بمراكز إحساس، ولا يتلقّى الإحساس من الباطن.
لقد وردت في القرآن فواصل يظنّ أنها زائدة، وفائدتها تكمن في إحكام
стр. 313
الصورة الفنية، وهذا ليس ببعيد عن معنى الإيغال الذي ذكره لنا ابن أبي الإصبع.
وهذه الفاصلة تقع من جهة الإعراب صفة للكلمة التي تكون قبلها، فتعطيها إيغالا، وزيادة تأثير، ومن هذا قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ «١»، فإنّ هذه الفاصلة أضافت إلى غباء الحمر ضعفها، فهي تهرب من اللّيث، وهذا يصوّر مقدار إنكار الكفار وتهربهم من الرسالة السماوية.
وكذلك قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى «٢» فالفاصلة توحي باستدامة هذه النار، والفاعلية تضاف إلى الماهيّة، ويمكن أن نقول هذا في قوله تعالى:
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ «٣»، وكذلك قوله: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ «٤»، فهاتان الكلمتان تكملان الصورة أمام البصر ولا تدعان للنّقص مكانا، إضافة إلى جمال المحافظة على الرّنّة الموسيقية.
نستنتج مما سبق أنّ جمالية تمكّن الفاصلة لم تكن وليدة عصرنا، فقد أفاض القدامى في بيان مضمون الفاصلة، وحقّه من الوجود، وبعدها عن التكلّف والقلق في مكانها، وردّوا تهمة السّجع، بيد أنهم لا ينفون قصد القرآن إلى الترنيم بالفواصل، وذلك بتقديم معنى الفاصلة وأهميّته في الآية على المراعاة اللفظية.
وكان لكلّ دارس أسلوبه في إبراز تمكّن الفاصلة، وقد أثبتنا في الفقرة وقفات رائعة لهم، وبيّنّا المعيار الذي يعتمده كلّ منهم، فهناك المعيار اللغوي، ودقّة الاستعمال والفروق، وهناك معيار النظر إلى أوّل الآية، ولم تخل نظراتهم من تمحيص وكشف لظلال الفاصلة، وقد وجدوا جمالها يتوزّع بين مناسبتها لما قبلها، وإضاءتها للنص بمعنى جديد، وقد تبيّن لنا أن القدامى بذلوا جهدا كبيرا في هذا المضمار، لم يزد عليه المحدثون كثيرا.
стр. 314
- رأي الدّاني في الفاصلة:
والجدير بالذكر أن هناك تعريفا للفاصلة انفرد به أبو عمرو الدّاني «١»، إذ يرى أنّ الفاصلة هي كلمة آخر الجملة، وليس آخر الآية، كما هو متعارف عليه، وقد نقل الزركشي رأيه هذا، إذ يقول أبو عمرو: «أمّا الفاصلة فهي الكلام المنفصل مما بعده، والكلام المنفصل، قد يكون رأس آية، وغير رأس، وكذلك الفواصل يكنّ رءوس آي وغيرها، وكلّ رأس آية فاصلة، وليس كلّ فاصلة رأس آية، فالفاصلة تعمّ النّوعين، وتجمع الضربين، ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافي يَوْمَ يَأْتِ «٢» وما كُنَّا نَبْغِ «٣»، وهما غير رأس آيتين بإجماع- مع وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ «٤»، وهو رأس آية باتّفاق» «٥».
وإذا كانت الفاصلة القرآنية قرينة السّجعة والقافية، فإنّ هذه الفواصل الداخلية تختلف برويّها عن الفاصلة في رأس الآية، ومما يفاد من نظرة أبي عمرو الدّاني أنّ الوقوف على رأس الجملة لتحديد الفاصلة يعدّ مظهرا آخر لتمكّن الكلمات من أماكنها.
ومما يفاد أيضا أنّ الوقوف الجائز على رأس الجملة لا يفقد القارئ شيئا من الترنيم الذي يكون في فاصلة رأس الآية، ويبدو مما اقتبسناه أنّ سيبويه ذكر هذا فقرن «يأت» مع «يسر».
ولم يناقش الزركشي هذا الرأي، وكأنّه ذكره لأجل استيفاء الآراء في تعريف الفاصلة، ونودّ أن نقف عند قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا
стр. 315
بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «١» في الحديث عن يوم القيامة، فإنّ الوقوف على كلمة «يأت» لا يخلو من نغم، وكذلك يعني الوقوف هنا استحضار الذّهن لتلقّي النتيجة حيث الشّقاء والسّعادة.
وكذلك في قوله عن موسى ﵊ وفتاه عند ما نسيا الحوت: قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً «٢» فإنّ الوقوف على كلمة «نبغ» يعني استحضار تأمّل النبي الكريم موسى، وصمته وفهمه لحكمة ربّه، ومن ثمّ يأتي الحديث عنهما، بعد كلام النبي.
وقد بينّا في الفصل الأول كيف حضّت الأحاديث النبوية الشريفة على القراءة المتأنّية للقرآن، وقد ذكر السيوطي أن الوقوف على كل كلمة جائز «٣».
ويمكن أن نطبّق رأي أبي عمرو الدّاني في الفاصلة في آية الكرسي، وهي من الآيات الطوال، يقول : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ، مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «٤».
فنحن في هذه الآية إزاء تسع فواصل: «القيّوم، نوم، الأرض، بإذنه، خلقهم، شاء، الأرض، حفظهما، العظيم»، فالمدّ الجميل ذو الحركات السّتّ في كلمة القيّوم، ويتبعه جمال الوقوف عند «نوم»، مع إطالة الإحساس بالواو قبل التّركيز على الميم، وكذلك كلمة «الأرض»، ثم يأتي الوقوف عند «بإذنه»، حيث تشبع كسرة الهاء، فتحدث في الأذن تطريبا، وكذلك «خلفهم» ثم المدّ الجميل يكون في شاء، لينسجم مع سكون الميم الشّفوية، وكذلك المدّ في «حفظهما» ينسجم مع الوقوف على الضّاد «الأرض»، ثم يأتي مسك الختام في المدّ الذي يسبق الميم «العظيم»، وهي الفاصلة التي تعارف عليها الدارسون.
стр. 316
ونلتمس من رأي الداني جمالا في الشكل بحيث أكّدت لنا التلاوة جمال الوقوف على أواخر الجمل: اسمية أو فعلية، وهذا ما يدفع شبهة السّجع بقوّة، لأجل تنوّع رويّ هذه الفواصل بشكل واضح، كما يؤكّد مفهوم الفاصلة في رأس الجملة مناسبة كلّ كلمة قرآنية للمقام، هذا من جهة المضمون، أما الشكل فقد دلّتنا نظرة الدّاني على جمال موسيقي في تركيب الجمل ومشاركتها للفواصل بالأنغام الداخلية.
стр. 317
الخاتمة
تقع المفردة في غاية الأهمية في دراسة بلاغة القرآن، من حيث إنها الوحدة المكونة للآيات، وإنها عنصر فعّال في توصيل المعنى إلى المتلقّي بصورة بيانية، ومن حيث إن الكلام الرّبّاني محكم متماسك لا غنى فيه عن مفردة، بل عن حرف.
وقد تبين لنا في هذا البحث أن جمال المفردة مرئيّ من حيث التصوير، وسمعي من حيث متعة الأنغام، ونفسي من حيث إمتاع الوجدان وموافقة المواقف.
وقدّمنا الجمال البصري على الجمال السمعي لكثرة الاهتمام به، إذ رأينا أن الأسلاف الميامين يعنون بالجمال البصري، ويبذلون الكثير في تبيينه، لأنه أعلق بالصورة البيانية، وسنذكر أهم الاستنتاجات التي توصّل إليها البحث:
١ - أسهمت المفردة القرآنية في تبيين جمال الصورة البيانية، فكانت عنصرا مهما من عناصر الجمال البصري، لأنها حلقة الوصل بين المعنى وبين توصيله بصورة جمالية رفيعة.
فالمفردة القرآنية تجسّم المعاني وتحيلها إلى مشاهدات بعد أن تكون دفينة مكنونة ومشاعر ومجرّدات، ومن جوانب هذا الجمال البصري إسباغ الصّفات الآدمية على الجمادات، فالمفردة تشخّص، فترتفع بالأشياء بعد أن تلقي عليها الأحاسيس واللواعج البشرية، كما أنّها تصوّر الحركة المنشودة المناسبة للموقف وتترجم بسرعة الحركة أو بطئها المشاعر الخبيئة.
ومما أسهم في تصوير الجمال البصري ذكر أسماء من الطبيعة الجامدة والحيوان، ووجدنا أن ما استعير منهما كان مناسبا للمواقف، ومتميزا بطابع الاستمرار والشّمول، ورأينا أن القرآن اقتصر على الصّفات القبيحة في الحيوان لدى الاستعانة بها في تصوير الكفار والمنافقين، كما أنّه نفى الحياة عن النبات المستعار، ليدلّل على صفة الجمود في تفكير الكفار، وإصرارهم الفارغ
стр. 318
كالنّخل الخاوي والعصف المأكول.
وتأكدنا أن الحسية المطلوبة في التجسيم وغيره مرحلة أوّلية، وواضحة السّبل إلى الأثر النفسي، فلا يوجد في القرآن إثارة حسّية تقصد لذاتها، بل الغاية الدائمة هي سبر أغوار النفس، وتوصيل رسالة الهداية.
٢ - وقد اتسمت المفردة القرآنية بجمال الشكل والمضمون، فجمعت بين قوة تأثير التصوير، وبين عذوبة الصوت، ونقصد بالعذوبة سهولة نطق مخارجها، وشهادة السّمع بسهولة أصواتها، وهذه العذوبة لم تنتج عن اجتماع الأصوات الرّخوة أو تباعد مخارج حروف المفردات، إذ تبيّن لنا أن العبرة بصفات الحروف لا بمخارجها العضوية.
وقد استعنّا بمعطيات علم التجويد وفقه اللغة لمعرفة صفات الحروف من حيث الشّدة والهمس والإطباق والذّلاقة والقلقلة وغير هذا، ولدى تطبيقنا لهذه المعطيات تبيّن لنا في دراسة بعض المفردات أنّ ثمّة انسجاما ملموسا بين هذه الصّفات مما يبعد الثّقل عنها، كما أن ثمة علاقة وشيجة بين طبيعة الأصوات وتشكيلها وبين المواقف التي تذكرها.
وقدمنا بعض الشواهد التي تثبت العلاقة بين الأصوات الشديدة وبين مواقف الوعيد والترهيب، والعلاقة بين مواقف الرحمة وبين الأصوات اللينة، وقد عمدنا إلى مصطلح «الشّدة» لا مصطلح «الثّقل» لعدم وجوده في مفردات القرآن مقابلا لمصطلح الخفّة.
وتعرّضنا في البحث للمفردات ذات الحروف الكثيرة، ونفينا عنها عيب الطّول من خلال التّنويه بأهمية التشكيل الداخلي الصوتي، وإفاضة هذا الطول لبعض الإيحاءات مما ينفي عيب الطول ووطأته.
وكان للمفردات القرآنية جمال خاص، من حيث إن بعضها مصوّر بأصواته للحدث وهو ما دعي ب «الأونوماتوبيا»، ولكي نبعد طابع الرمز المغرق، لجأنا إلى علم اللغة لمعرفة صفات الحروف، وإمكان ربطها بالتصوير، وقد أكّدنا وجود جذور لهذه الفكرة في التراث العربي، على الرغم من وجودها في الأدب الأوروبي.
стр. 319
ولدى ذكر بعض الشواهد تبيّن لنا أن على الدارس أن يتسلّح بمعطيات علم اللغة وعلم التجويد، ليتفهّم صفات الحروف، فيربطها بالمواقف أو يبحث في صحة محاكاتها للمعاني والأحداث، لكي لا يقع في تخمين ووهم، وقد رأينا أن الحركات تشارك الحروف في المحاكاة، وأنّهما لا يوظّفان لمطلب المحاكاة في كل موضع.
٣ - ثمّة جانب آخر لجمال المفردة تتلقّفه البصيرة، ويدخل في أغوار النفس، ويحيط بأحكام المنطق وثباته، وهو ليس بالجمال الحسّي كالمرئي والمسموع، بل يدل على إقناع وموافقة السّياق الكلي، وقد حرصنا على كشف المعالم الفنية في اختيار المفردة، ومن خلال أسلوبها في التعبير عن المعنى.
وهاهنا درسنا الأبعاد الفنية لصيغ المفردات، وخصوصية التعبير بصيغة ما، فوجدنا أن الصيغة تختصر الكثير من المفردات، وأنها تنمّ على رفعة البيان القرآني ودعوة
إلى التهذيب، وأنها تلقي ظلالا نفسية خاصة.
ورأينا أن ثمة مفردات قصد فيها البيان القرآني الإيماء وعدم التصريح بالمعنى فوضع مفردات شفّافة تومئ إلى المعنى إيماء، وهذه المفردات تخصّ المرأة وعلاقتها بالرجل، وأضفنا إلى هذا مفردات في شئون عامة دلّ فيها القرآن على سموّ خطابه ورفعته.
وكذلك درسنا المفردات التي تختزن المعاني الكثيرة التي تدلّ على تماسك الآيات، وهي تضاف إلى إيجاز الآيات، وقد حاولنا تبيين التوقيع على أوتار النفس بهذا الاختزان، وقدرة القرآن على التوصيل بأقلّ عدد من المفردات.
وقد حاولنا أن نبيّن سيطرة المضمون على الشكل في فواصل الآيات، إذ ربطنا المفردة بما يسبقها، واختصاصها بمعنى جديد على سائر مفردات الآية، وبهذا نفينا أن تقصد المراعاة الموسيقية في وجود مفردة ما أو صيغتها، إذ المعنى هو المقدّم.
وقد بيّنّا استيعاب المفردة لجوانب المعنى من خلال الاستعانة بالفروق الدقيقة بين المفردات، وأضفنا إلى هذا الدّلالة الخاصة لبعض المفردات التي
стр. 320
يضفي عليها السّياق القرآني دلالة خاصة تبعدها عن المعنى المتعارف عليه، ومن هذا ما يسند إلى الخالق من مفردات تثير الخيال البشري، وتؤكّد الهيبة العظمى.
٤ - ومن النتائج التي توصل إليها البحث إمكان استقلال المفردة بجمال فعّال في سبك الآيات، وقد أكّدنا عدم وجود الترادف في القرآن، فكلّ مفردة تستقلّ بمعنى لا يكون في مرادفة لها، وأقررنا بوجود الترادف في العربية لأسباب عدّة كتعدّد الواضعين والتّصرّف بالصوتيات ووجود المجاز وغير هذا، وقد أثبتنا بعض الشواهد التي تؤيّد الفروق اللغوية بالاستعانة بجهود العلماء.
٥ - لم تنف المفردة جمال النّظم القرآني، بل يضاف جمالها إلى نظرية النظم، لأنّ المفردة تعدّ من جزئيات النّظم، وهي الخطوة الأولى في بناء الجمل، ولهذا تسبق الجمال الناشئ عن العلاقات النحوية بين المفردات.
٦ - دلّ القرآن والحديث النبوي على جمال التشكيل الصوتي للقرآن، وقد وقع الدارس القديم على هذا الجمال، ودلّ على مواطن الحسن أحيانا، إلا أن اهتمامه كان ينصبّ في تبيين الصورة البيانية، وتوصيل المعنى، ولهذا لم ندّع أن المحدثين هم مكتشفو الجمال الموسيقى.
٧ - إن تذوق البلاغة القرآنية لم يقتصر على الأدباء وحدهم، كما أنّ هذا التذوّق لا يقتصر على عصر معيّن، فالإعجاز القرآني تحدّ لكل عصر، وإن تقدّم الفنون والدراسات يعدّ مفتاحا لقراءة جديدة فنية لبسط معالم جديدة في جمال القرآن، ونقصد بجمال القرآن، جمال الشكل الفني المعجز، وليس جمال المحتوى الدّيني فيه. وأبعاده الإنسانية كصفات الخالق وعلاقة الإنسان بخالقه وغير هذا.
هذا من حيث بيان وجوه جمال المفردة وأسلوبها في القرآن، أما من الوجهة التاريخية فقد توصّل البحث إلى الاستنتاجات الآتية:
١ - استطاع القدامى معرفة إسهام المفردة في الصورة الفنية، وبيّنوا إضاءتها للنص، وانفرادها بالجمال البياني، وكانوا يهتمون بتوصيل إقناعها للعقل وأثرها في الوجدان، وأدركوا أن الحسّية تقصد لأجل زيادة الأثر النفسي، كما