لقد تنبّه الزمخشري إلى جمال المسّ في الآية الكريمة: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «١» حكاية عن مريم ﵍، إذ يقول: «جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه كقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ «٢» وأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ «٣» والزنى ليس كذلك، وإنما يقال فيه: فجر فيها، وخبث فيها، وما أشبه ذلك، وليس بقمين أن تراعى فيه الكنايات والآداب» «٤».
وهو يرى معمّما نظرته أن العلاقة الشرعية بين الرجل والمراة يكنّى عنها بالمسّ والملامسة، وليس يكون هذا في الزّنى، ويجب أن نضيف أنّ البيان القرآني لم يجنح إلى هذه الجمالية معتمدا على الفروق اللغوية، فيصرّح في الزّنى، ويلمّح في النكاح المشروع، فقد عبّر القرآن عن أبشع الزنى الذي ابتلي به قوم لوط بكلمة تتّسم بالظّلال، فنقرأ على لسانهم: ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ «٥»، فعبّرت كلمة «حق» عن قمة الهياج عندهم، والكلمة على أخلاقيتها التي تطفىء معنى الشّبق، وتزيحه من التصور، تدلّ على ثقة هؤلاء الماجنين بأنفسهم وإمعانهم في الضلال، فهم أصحاب حقّ كما يرون.
ونقرأ في سورة يوسف الآية: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ «٦» تلك السورة التي تعد منهجا أخلاقيا، ودرسا ربانيا في الصّبر على البلاء والشّهوة، وهذان الفعلان: «همّت، همّ» يختزنان بهدف الأدب كلّ تفاصيل الحادثة، وإلى هذا أشار أبو السعود في تفسيره قائلا: «ولعلّها تصدّت هنالك لأفعال أخر، من بسط يدها إليه، وقصد المعانقة، وغير ذلك مما يضطره ﵇ إلى الهروب نحو الباب .. ولقد أشير إلى تباينها حيث لم يلزّا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد همّا بالمخالطة، وكأنه ﵇ قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النّير على ما هو عليه في حدّ ذاته أقبح
стр. 247
ما يكون «١».
فقد اكتفى البيان القرآني بالهمّة والقصد، فما قرأنا انكشاف صدر، أو نزع ثياب، أو تأوّهات، كما هي الحال في كثير من الأدب الروائي، مما يثير الغرائز الحيوانية، ويستفزّ النوازع المريضة.
وضّح القدامى هذه الجمالية في معرض حديثهم عن الأسلوب الكنائي في القرآن، ونحن إذا قلّبنا صفحات كتبهم، وطالعنا أبواب الكناية نجد الشواهد الرائعة التي دلّت على ذوق وتدبّر.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد شاهدا يذكره الزّركشي في باب الكناية، وقد نقله السيوطي في باب الكناية أيضا مع غيره من الشواهد التي ذكرها سلفه، ولتوضيح هذا نذكر من الوقفات التي تفرد بها الزركشي ما كان في تأمل الآية:
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ «٢»، إذ يقول: ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللّمس والملامسة والرّفث، والدخول والنكاح ونحوهن، فكنى بالمباشرة عن الجماع، لما فيه من التقاء البشرتين» «٣».
فكأن الكناية هنا استلزمت أخذ جزء بسيط من المكنّى عنه، ونجد أن الزركشي يعوّل على الأصل اللغوي، ونظير ما جاء في تفسيره لمعنى الفرج، إذ يقول حول الآيتين: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «٤»، والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ «٥»: «أخطأ من توهّم هنا الفرج الحقيقي، وإنما هو من لطيف الكنايات وأحسنها، وهي كناية عن فرج القميص، أي لم يعلق ثوبها ريبة، فهي طاهرة الأثواب، وفروج القميص أربعة: الكمّان، والأعلى والأسفل، وليس
стр. 248
المراد هذا، فإنّ القرآن أنزه معنى، وألطف إشارة» «١».
وكأنه ينظر إلى قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢» الذي يعني تطهير الجسد، وعلى هذا فقد دلنا في المكان نفسه على لطيف العبارة في قوله : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
«٣» فقد كنّى التعبير القرآني عن الفروج الحقيقية بالجلود، وكذلك الآية: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ «٤» التي فسّرها على أنها كناية عن الزّناة، وقد نقل السيوطي شواهد الزركشي مع تعليقاته مختصرة في «إتقانه» «٥»، وهذا لا يدلّ على تحجّر فكر، بل على إجلال القدامى لجهود أسلافهم.
وقد اقتصرنا على هذه النّبذة اليسيرة من جهود العلماء خشية سرد ما هو مكرر، وهذا لا يدلّ على جفافهم، وإنما شغلوا بالصورة البصرية فاهتموا بالتشبيه والاستعارة، وقد أبرزنا بعضا من لمحاتهم الفنية في مكانها من البحث.
- نظرة جديدة:
إن مسلك اتكاء اللاحق على السابق خلّف تكرارا كثيرا، وتجاوزا لبعض المفردات، كما في قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ «٦»، فإن من الحق والترفّع أن تذكر طهارة النساء في الجنة، لأن كثرتهن أبعد ما تكون عن كونهنّ حلّا لكلّ رجل، فلكل مؤمن زوجاته الخاصات، والتطهير هنا يدلّ على رقيّ طبيعة المرأة في الجنة عن الحيض والنّفاس، وعلى طهارة الروح أيضا.
وكذلك في الآية التي تحدّد تنزيه الخالق، إذ يقول : أَنَّى يَكُونُ
стр. 249
لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ «١» فقد ذكر كلمة «صاحبة» لتدل على المصاحبة المؤقّتة بين الرجل والمرأة في الدنيا، وقصر فترتها، ولله الزّمن المطلق ولم يقل: زوجة، لأنها ربما أوحت إلى النفس بتفاصيل حسية، ﵎ الله عن هذه الطبائع البشرية.
وقد تجلّت السمة الأخلاقية في سورة يوسف في غايتها الكليّة المستمدة من سيرة هذا النبي، وفي انتقاء المفردات المعبرة عن محنته، فعلى لسان زوجة الملك يقول تعالى: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ «٢» ويتضح طابع التهذيب والسّمو في الاكتفاء بظلال كلمة «يفعل» وكلمة «ما آمره» بهاتين الكلمتين تم التعبير عن شهوة عارمة، وهذا يتمشّى وطابع الدين الإسلامي الذي يدعو إلى تهذيب الغرائز وتوجيهها، والحدّ من فاعليّتها، وليس قتلها، وكذلك يكمن هدف القصة القرآنية في الموعظة والاعتبار، ولا حاجة لتصوير يخدم الفنّ لأجل الفنّ.
ولا بأس أن نتأمل جمال التعبير عن الجماع في قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها، فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً «٣»، وفيه نؤكد أنّ التعبير أبعد كلمة جامعها أو ضاجعها، وإذا أردنا أن نعود إلى الأصل اللغوي، كما صنع الزركشي نصل إلى دلالات رفيعة، فالكلمة تعني التّغطية، فكأن الرجل غطاء للمرأة، وهذا يدل على رضاها التام، فلا ترى غيره، وهذا هو المثل الأعلى للحبّ الزّوجي والإنجاب وعمارة الأرض، والسكينة شرط أساسي في حياة الرجل والمرأة، لذلك ذكر الراحة النفسية أولا.
ولم ينظر المحدثون إلى جمال الرموز في الأمور الجنسية، وكأنما وجدوا ما هو كفاية في كتب سلفهم، وقد قدّموا أفكارا جديدة في المجالات الأخرى من الحياة.
وهنالك كتاب «قصص القرآن» لأحمد موسى سالم يقول فيه عن أمور
стр. 250
المرأة في القرآن: «ذكر القرآن من النساء الصالحات أمّ مريم، وذلك بنسبتها إلى زوجها، في قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي «١»، وكذلك ذكر القرآن من الصالحات منسوبة إلى زوجها امرأة فرعون، وأما غير الصالحات من النساء، فقد جاء ذكرهن كذلك منسوبات إلى أزواجهن في قصص القرآن» «٢».
وقد فسر في الموضع نفسه ذكر اسم مريم ﵍، لأنها تنفرد بحالة خاصة، فهي أمّ من غير زوج، وقصّة حملها خرق لنواميس الطبيعة البشرية.
وهذا الذي رآه الباحث موجود مثلا لدى السيوطي تحت عنوان «المبهمات» «٣»، وذكر فيه أسماء النساء والمنافقين والصحابة فيما ينتمي إلى أسباب النزول.
ويبدو أن الباحث يرجّح الجانب الفني، فإضافة إلى الأدب في عدم ذكر أسماء النّساء، فإن القضية تدور حول نموذج أبطال القصة، فمن هنا يجيء ذكرهن منسوبات طبيعيا،
إذ المهمّ أن يستمر الحدث حتى مرحلة الاعتبار، والأسماء لا تغيّر من طبيعة الشخصيات.
- جوانب تهذيبية عامة:
- تأملات الزمخشري:
خير من نبدأ به هو الزمخشري، ذلك المفسّر الذي يكشف النّقاب عن إيحاءات المفردة وظلالها النفسية، يقول : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ «٤»، فيستخدم أسلوب الفنقلة «٥» على جاري عادته في تفسيره، ويقول: «فإن قلت: فالإصبع التي تسدّ بها الأذن إصبع خاصة، فلم
стр. 251
ذكر العامّ دون الخاصّ، قلت: لأن السّبّابة فعّالة من السبّ، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن، ألا ترى أنهم قد استبشعوها، فكنوا عنها بالمسبّحة والسّبّاحة والمهلّلة والدّعّاءة، فإن قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟
قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد» «١».
لقد رأى في ذكر كلمة «سبابة» مدعاة لتذكّر فعل السب، وهو محرّم في القرآن، يقول تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ «٢»، فلا يصبح اسمه الجليل ممتهنا على الألسنة.
أما من تلا الزمخشري فقد فسّر وجود كلمة الأصابع على سبيل المجاز اللغوي، أي: إطلاق الكل على الجزء «٣» من غير تنبيه على رفعة الأسلوب.
فنحن نقع على هذا الشاهد إلى جانب شواهد أخرى حول المجاز مع شيء من التعليق المقتضب، ولا يعارض موقفهم تحليل الزمخشري، بل يكمله، فالمعنى لديهم المبالغة في إدخال غير المعتاد، لأن المقصود إدخال أطراف الأنامل، وإلى هذا المعنى الرفيع يشير أبو السّعود قائلا: إن إيراد الأصابع يدلّ على الأنامل للإشباع في بيان سدّها باعتبار الذات، كأنهم سدّوها بجملتها، لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد، ويجوز أن يكون هذا إيحاء إلى كمال حيرتهم، وفرط دهشتهم، وبلوغهم إلى حيث لا يهتدون إلى استعمال الجوارح على النّهج المعتاد، وكذا الحال في عدم تعيين الأصبع المعتاد، أعني السّبّابة، وقيل: ذلك لرعاية الأدب» «٤».
وهكذا نجد لدقة الاختيار هذه عند أبي السعود وجوها جمالية متعددة، وتعددية التعليل هذه هي أسلوب مطّرد في تفسيره النفيس، مما يوضح رجاحة عقل، وفتح منافذ عريضة أمام التأمل الفني، وكثيرا ما أضاف إلى لمحات الزمخشري محاسن أخرى، وهو هنا يشير إلى الحالة النفسية، وإلى التأدب
стр. 252
معا، بدلا من الاكتفاء بالقول: مجاز لغوي علاقته الكليّة.
ومن هذه النظرات التي نجدها في «الكشاف» التعبير عن أسلوب القرآن في انتقاء الكلمات المناسبة للمواقف، فقد رأى الزمخشري في الآية: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً «١» جمال تخصيص المؤمنين بالفعل «حشر»، وتخصيص الكفار بفعل «ساق» إذ يقول:
«ذكر المتقون بلفظ التبجيل، وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته، وخصّهم برضوانه وكرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين الكرامة عندهم، وذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف، كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء» «٢».
ويبدو أنه يريد تخصيص نوع من الأفعال في موقف موازنة فقط، أي عند ما يذكر مصير المؤمنين والكفار معا في مكان واحد، فجعل الحشر للمؤمنين والسوق للكفار.
والقرآن يسند فعل «ساق» إلى المؤمنين في قوله تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً «٣» فالفعل هنا مجرّد الجمع، وهنالك يقترب من معنى جمع البهائم، وكذلك لم يخصص فعل «حشر» للمؤمنين، فهو يسند في القرآن إلى الكفار والشياطين وسحرة فرعون، وهذا لا يعني عدم إحاطة الزمخشري، بل يدل على تذوقه الموازنة بين مصيرين في مقام تقصد فيه الموازنة.
ومن هذه اللفتات الجيدة التي نبّهته إليها الموازنة ما جاء حول الآية الكريمة: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ، وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا: أَلَمْ
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ
«٤»، فقد جاء في كشّافه: «فإن قلت: لم سمّى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟ قلت: تعظيما لشأن المسلمين، وتخسيسا لحظ الكافرين، لأن ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيء
стр. 253
ولمظة «١» من الدنيا يصيبونها» «٢».
يحاول الزمخشري جاهدا أن يقنعنا بجمال المفردة، وذلك بمعطيات الذوق السليم، والمنطق، والاستعمال الصحيح للغتنا، وهذا يطّرد في كل جوانب جمال المفردة، ولا يقتصر على جانب التهذيب.
- ابن أبي الإصبع:
ونصل إلى فترة التقعيد البلاغي، كما هي الحال عند ابن الإصبع المصري «٣» الذي تحدّث عن البلاغة القرآنية في كتابيه: «بديع القرآن» و «تحرير التحبير»، فنجده يرصد هذه الجمالية من خلال فنّ الكناية يقول: «الكناية هي عبارة تعبير المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن، وعن النّجس بالطاهر، وعن الفاحش بالعفيف، هذا إذا قصد المتكلم نزاهة كلامه عن العيب، وقد يقصده بالكناية عن ذلك، وهو أن يعبّر عن الصّعب بالسهل، وعن البسط بالإيجاز، أو يأتي للتّعمية والإلغاز، أو للستر والصيانة، فمما جاء منها للتعبير عن النّجس بالطاهر قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ «٤»، كناية عن الحدث، لأنه ملازم أكل الطعام وقوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ «٥» لأنه المنخفض من الأرض الذي يقصد لقضاء الحاجة، فسمّي الحدث باسم موضعه «٦».
стр. 254
وهو يرى أن السّتر واحد من أسباب هذه الكنايات، ويبدو في كلامه أثر العصر جليا، لكنه يقدم تعريفا وافيا هو بمنزلة تنظير فني، ويتجلى هذا الأثر في ذكر مصطلحات مثل الإلغاز والتعمية التي طالما أولع بها علماء عصره، لذلك نجده يفسّر هذه الجمالية من خلال صيغة التبويب والاقتضاب ونقرأ شواهد متوالية من غير تعليق أحيانا، وكأن الهدف تعليمي محض.
ومن المواضع التي أحسن فيها ودقّق النظر ما جاء حول الآية:
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ «١»، إذ يقول: «الرّكون إلى الظلم دون فعل الظّالم نفسه، ومسّ النار دون إحراقها والدخول فيها، والعدل يقتضي أن يكون العقاب على قدر الذنب» «٢».
وهو ينطلق من خلال الحسّ اللغوي بالفروق، فمقتضى الحال يتطلّب المسّ، لأن المخاطبين مؤمنون، وقرين هذا قوله في سورة الأنفال:
لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٣»، وذلك لقبول الصّحابة بفداء الأسرى، وتخصّص مفردات الإحراق التام والصديد، والنار في البطون، والمقامع، والملائكة الغلاظ للكافرين والمجرمين، فالمسّ يدلّ على الملاطفة في التنبيه، ويعدّ ما ذكره ابن أبي الإصبع بادرة فنية تستند إلى مقياس العدل في العقاب.
- مع المحدثين:
لقد دعا القرآن إلى تطهير الجسد، كما دعا إلى تطهير الروح من درن الدنيا وخبائثها، يقول تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ «٤»، فكلمة «رجس» تنم على إبعاد المؤمن عن أخلاقية دنيئة منشؤها معاقرة الخمر، واتباع الأصنام، ولعب القمار، وهذه الكلمة من المفردات التي لم يذكرها القدامى.
стр. 255
وعلى سبيل المثال لا الحصر كان التعبير عن فظائع الكافرين بكلمة «آسفونا» في قوله : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «١» وهي لا تتصل بالكناية أو التّعريض أو الإلغاز مما ذكر البلاغيون، وإنما هي كلمة تردّ على كلّ شنائع الكفار من استكبار واستهزاء وعبادة أصنام وقتل وشذوذ، وهي كلمة أليق بالذات الإلهية التي تقدم الرحمة على الغضب.
ومن هذا قوله تعالى في تعليم المؤمنين آداب الزيارة: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ، ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ «٢»، لقد اختصر البيان القرآني كلّ ما يمكن أن يحدث في عدم الاستئذان من قبائح ومنكرات بكلمة «أزكى»، ومن اشتقاقات المادة «الزكاة» التي تطهّر النفوس، وتحدّ من جبروتها.
إن ما نقع عليه في كتب المحدثين يختلف عن منهج القدامى، لأن المحدثين لا يعنون بجلاء المصطلح البلاغي في سياق تأملهم الفني، بل يعمّقون الإحساس في تملّي الجمال القرآني، ولا بأس أن نورد نبذة مما لدى المحدثين، ومن هؤلاء محمد عبد الله درّاز الذي تأمل بعض آيات سورة البقرة، وراح يفسّرها تفسيرا أدبيا، وكانت الآيات تتحدث عن بني إسرائيل، فتذكر النّعمة، ثم تذكر سفاهتهم مع موسى ﵇، وعبادتهم العجل يقول دراز: انظر إليه بعد أن سجّل على بني إسرائيل أفحش الفحش، وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبّيهم على أوامر الله، فتراه لا يزيد على أن يقول في الأولى إن هذا ظلم، وفي الثانية بِئْسَمَا «٣»، أذلك كلّ ما قابل به هذه الشّناعات، نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا» «٤».
ولا يصل بنا إجلالنا لمثل هذا التحليل إلى الإجحاف بالقدامى، فإننا على الأقل نحسّ نفس الزمخشري في نظرة درّاز.
стр. 256
ويمكن أن نضيف من هذه الكلمات على شاهده في الآيات نفسها أَفَلا تَعْقِلُونَ «١» وعَفَوْنا عَنْكُمْ «٢» مما يدل على لطف الخطاب ورفعة مستواه، وعلى رحمة الربوبية.
وقد حاولت الباحثة عائشة عبد الرحمن في كتابيها «التفسير البياني» و «الإعجاز البياني للقرآن» أن تثبت أن حصول الفواصل على الشكل الموجود ليس مراعاة موسيقية فحسب، بل موافقة للمعنى المطلوب قبل حلاوة النّغمة، وتقف عند الآية الكريمة: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٣» فتقول: «ويبقى القول بأن الحذف- في فعل قلى- لدلالة ما قبله من المحذوف، وتقتضيه حساسية معنوية بالغة الدقة في اللّطف والإيناس، هي تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى في مقام الإيناس: ما قلاك، لما في القلى من الطرد والإبعاد، وشدّة البغض، أما التّوديع فلا شيء فيه من ذلك، ولعلّ الحسّ اللغوي فيه يؤذن بالفراق على كره مع رجاء العودة» «٤».
فهي ترى أن «قلى» لم تنزل هكذا مراعاة للفواصل الأخرى: «ضحى، سجى، الأولى»، فتحذف كاف الخطاب، والحق أنها توصلت إلى كشف ميزات فنية متنوعة نتيجة محاولتها الأدبية في مسألة تمكن الفاصلة من المعنى، بيد أنها لم تتحدث إلا عن بعض السور القصار، وهي تنطلق من المعين العربي، أي إن معيارها لغوي بشكل أكبر، ولولا جزئية فكرتنا لوجدنا عندها مادة وفيرة.
وقد قدم أحمد موسى سالم كما أسلفنا دراسة فريدة لشخصيات القصة القرآنية، فحلّل الشخصيات، وقسّمها إلى خيّرة وشرّيرة، ورجال ونساء، وأصيلة وثانوية، ورأى أن من دواعي الأدب أن يسكت القرآن عن ذكر أسماء الطّغاة، ويقول: «كيف يكون لهؤلاء الأشرار الذين ليسوا في هذه الحياة إلا الظّلّ المنحسر، والوهم الزائل، خلود بأسمائهم في كتاب الله، لم نعرف اسم
стр. 257
فرعون موسى الذي لم يحمل أكثر من لقب طغيانه، وهكذا لم نعرف اسم ذلك الملك الذي رأى في مصر سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ «١»، في قصة يوسف، كما لم نعرف اسم ذلك الملك الذي كان يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً «٢» في قصة موسى وصاحبه «٣».
ولم يقتصر هذا على القصة، فقد ذكر أبو لهب بلقبه، واسمه عبد العزّى وهو طاغية، وكانت سورة المسد إثباتا لاستمراره في الكفر، واللّقب يذكّر بالنار التي تنتظره يوم القيامة.
والقرآن يتجاوز أشياء لا فائدة من سردها في القصة التي كان منهجها تربويا في كتابنا العظيم، فقد كفّ عن ذكر أسماء الصالحين، فلا نعرف اسم صاحب موسى ﵊، ولا اسم من دافع عنه كما جاء في الآية: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى «٤».
فيبدو أنّ الأمر أعلق بالجانب الفني منه بالسمة الخلقية، فالقصد من القصة القرآنية الموعظة، وعلى المؤمن أن يتّخذ نماذج منها تكون بمنزلة مرشد له في الحياة، ففرعون نموذج الشّر والطغيان، وكلّ شرّير فرعون زمانه، وكلّ مؤمن هو يوسف في عفّته، وأيوب في صبره، وسليمان في حكمته.
ويمكن أن نقع على سلبية ذكر الأسماء في الأساطير اليونانية الواردة في الإلياذة مثلا، فهناك حشد من الأسماء، إضافة إلى حشد من الحوادث تمثّل حشوا فارغا.
وأخيرا على الرغم من جهود القدامى التي كانت مفاتيح لنظرات المحدثين رغم ثقافتهم المتقدمة في الأدب والفنّ يظلّ القرآن معينا لا ينضب لمن يرهف الحسّ، ويتسلّح بالذوق الرفيع والتدبر العميق.
وقد نزل القرآن لينهض بالإنسان إلى أسمى المراتب، فليس من الغريب أن
стр. 258
يشارك الأسلوب في إبراز هذه الفكرة، فجاء الخطاب الإلهي ساميا يدعو إلى التهذيب، ويتّسم بالاحتشام والرّفعة، وقد تبين لنا في المفردات التي مررنا بها، أنّ البيان الإلهي يدلّ على خبرة الصانع بما صنع، أي اطلاع الخالق على طبيعة النفس البشرية ومواءمتها في الخطاب.
стр. 259
٣ - سمة الاختزان في مفردات القرآن
إنّ نظرة الباحث في آيات القرآن توحي له بأن الإيجاز مناط السّور المكية، وإن الإطناب أو دقّة التفصيل مناط السّور المدنية، ذلك لأن المرحلة المدنية من نزول القرآن مرحلة تشريع، فتطلّب الأمر بسط الأمور الفقهيّة للمؤمنين، كما هي الحال في سورة البقرة والنّساء والنّور، خلافا لمضامين السّور المكية، فهي تدور حول فكرة التّوحيد، وأمور الغيب والترغيب في وصف الجنّة، والتّرهيب في وصف أهوال النار.
ومن هذا القبيل ما لفت الجاحظ إليه أنظارنا، إذ وجد أن الإيجاز والإطناب من حق ملاءمة المقام، فهو يقول: «ورأينا الله ﵎ إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل، أو حكى عنهم جعله مبسوطا، وزاد في الكلام» «١».
وهو يرمي إلى تفوّق العرب على اليهود في مضمار الفصاحة، واشتهارهم بقلّة الألفاظ للمعاني الكثيرة، فإذا كان الإيجاز نتيجة للموضوع، فإن النظرة المتفحصة في الآيات القرآنية تؤكّد أن هناك إيجازا أو اختزانا من نوع آخر، وهو يتعلّق بجزئيات مكوّنة للموضوع، ألا وهو اختزان المعاني بمفردات معيّنة، وذلك يطّرد في جميع المواضيع القرآنية، ولا يقتصر على موضوع مخاطبة العرب.
وإننا لنجد الغيبيات وجوانب التوحيد في السّور المدنية، كما نجد وصف الجنة والنار، وكذلك نقرأ مفردات مدنية النزول أغنت عن عبارات مطوّلة، وإن كان الموضوع فقهيا يتطلّب التفصيل.
والقرآن الكريم من جهة أسلوبه المعجز نصّ أدبي يخلو من حواشي الكلام، ومع هذا وافق المنطق والطّبع البشري، وواءم كلّ العصور في تشريعاته، وهذا هو معنى الإحكام والتفصيل كما نصّت الآيات مثل قوله
стр. 260
عز وجل: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «١»، فمن الطبيعي أن يتحلّى هذا النص الأدبي بما هو مقرّر في فن الأدب الراقي، لذلك يجنح البيان القرآني إلى اختزان المعاني إلى حد مرض لا يصل بنا إلى التعتيم.
إن الإيجاز سمة الأدب الرفيع، ويلحظ في الشعر بشكل جليّ عند استخدام الرموز الموحية، وفي هذا يقول «لاسل آبر كرمبي»: «فن الأدب فنّ استخدام وسائل محدودة لتجارب غير محدودة، فكان لا بدّ للفنان الأديب من أن يعرف كيف يجمع في فنه كل ما احتوته الألفاظ من قوّة التعبير والتصوير» «٢».
فلا بدّ للأدب الرفيع من الجنوح إلى الإيماء، ومن ثمّ تتفاعل النفس مع المعاني العريضة التي يكتنفها اللفظ، وكأنه نواة لكل ما يدور من معان وتفصيلات وظلال نفسية.
ويمكن أن تنسب إلى مواد هذه الفقرة شواهد الجانب التهذيبي التي وردت في الفقرة السابقة، ورأينا ألا نضعها هناك مع قرائنها من الشواهد، لنستطيع توضيح سمة
الاختزان بجميع وسائله في المفردات.
وسوف نبتعد عن اختلاف القدامى في المصطلح، فهذه الجمالية اللغوية موزّعة تحت عناوين الإشارة والكناية والإيجاز والتّلميح والتّلويح والتّعريض، كما أن مفهوم الاختزان هاهنا لا يطابق الإيجاز كما ورد في كتبهم، لأنه يتضمن عندهم الإيجاز في الحذف، كحذف جواب الشرط مثلا، وقد يعني إيجاز الآية بكليتها، وغايتنا الإيجاز في المفردة فقط.
وتتناول هذه الفقرة منهج تذوق الدارسين لجمالية الاختزان، وذلك من خلال نماذج نسردها من بطون كتبهم، والجدير بالذكر أننا لا نعنى بالأقوال العامة المبهمة في إيجاز القرآن، لأننا نقصد سرد تطبيقات واضحة قدر الإمكان، تكون هذه التطبيقات في الوقت نفسه مصداقا لمديحهم المجمل، وتحقيقا لوجهة النظر.
стр. 261
- إشارة الجاحظ:
لعلّ الجاحظ أول من أشار إلى جمالية الاختزان في ألفاظ القرآن، وإن كان التفسير بالمأثور قبله يفصّل معاني الألفاظ، ولا سيما كتاب أبي عبيدة «مجاز القرآن»، بيد أن الجاحظ ينظر إلى هذا الأمر من زاوية فنية بلاغية، فقد جاء في كتابه الحيوان أنّه رصد شواهد كثيرة في كتاب له مفقود اسمه «نظم القرآن»، ويقول: «ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف فضل ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول، والاستعارات، فمنها قوله تعالى حين وصف خمر أهل الجنة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ «١» وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا، وقوله حين وصف فاكهة أهل الجنة، فقال: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ «٢»، جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني» «٣».
وهكذا تشير الآية الأولى مثلا إلى أن خمر الأرض تسبّب السّكر ثم التنازع والفراق، وكثرة الإحن والشّغب، وفيها ذهاب العقل والمال، فتختصر الكلمتان كلّ ما يمكن أن يحدث من قبائح مادية وروحية نعرفها في عصرنا من جرّاء معاقرة هذه الخمر.
والجدير بالذكر أن هذين الشاهدين يردان في معظم مصنّفات الدارسين بعد الجاحظ «٤»، وهذا ديدنهم غالبا، إذ كرروا الشواهد مع التعليق، ولهذا سوف نسعى إلى ذكر نماذج متمايزة تمثّل النظرة العامة لديهم، ونبتعد عن تكرارهم.
وفي كتاب «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة، نجد نقولا عن أستاذه الجاحظ، وذلك من غير ذكر اسمه، ومن هذا القبيل ما ورد في باب العصا عند
стр. 262
الجاحظ حول الآية الكريمة: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها «١» فهو يستخدم ألفاظه معيدا إياها: «كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر، والحبّ والثّمر والحطب والعصف واللباس والنار والملح، لأن العيدان والملح من الماء» «٢».
وأحيانا ينفرد بالنظرة، فيستطيع أن يبرز جمال الاختزان، كما صنع في تأمله في الآية: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ «٣»، يقول: «والتعريض في الخطبة أن يقول الرجل للمرأة: إنك والله لجميلة، ولعل الله أن يرزقك بعلا صالحا، وإن النساء لمن حاجتي، هذا وأشباهه من الكلام» «٤».
فكلمة «عرّضتم» تشمل معاني جمّة تتبادر إلى الذهن، وليته ربط هذه الإشارة بالغائية الأخلاقية في المفردة، فبها ينهج القرآن للمؤمنين منهج السّتر والتأدب في خطبة المرأة المعتدّة، وهي ممنوعة من النكاح، والكلمة توحي بكسر فاعلية اعتراض الرجل للمرأة في هذه الحالة.
ولعل البلاغيين استمدوا من هذه المفردة اسم مصطلح التّعريض الذي قيل في تعريفه: «أن نذكر شيئا يدلّ على شيء لم يذكر، وأصله التّلويح عن عرض الشيء» «٥».
- الإيجاز عند الرماني والباقلاني:
يتخذ مفهوم الإيجاز طابعا عاما لدى الرماني، فشواهده تدلنا على جميع أقسام الإيجاز، وهي تشمل المفردات التي ذكرها الجاحظ، فهذا الإيجاز يشمل الحذف كحذف المفعول به وجواب الشرط، واختزال عدد الكلمات، وغير
стр. 263
هذا، يقول: «الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، وإيجاز باعتماد الغرض دون تشعّب، وإظهار الفائدة بما يستحسن دون أن يستقبح، لأن المستقبح ثقيل على النفس، فقد يكون للمعنى طريقان أحدهما أقرب من الآخر، كقولك: تحرّك حركة سريعة في موضع، وأسرع» «١».
إنه يعطينا البعد النفسي للاختزان، وينظر إليه بعين الجمال، بيد أنه لا يقدّم شواهد وفيرة، لأن بحثه رسالة، وهو لا يربط الإيجاز بالمفردات شأنه شأن الباقلّاني الذي يرى في الآية: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً «٢» جمال حذف جواب الشرط، فهو إذن إيجاز جمل لا مفردات «٣».
وبعد الباقلاني يضع أبو منصور الثعالبي كتابه «الإعجاز والإيجاز» الذي مهّد له بفنّ الإيجاز القرآني، إلا أن هذا يقع في أربع صفحات فقط، وهو يقول: «من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوّه على سائر الكلام، فمن ذلك قوله عزّ ذكره: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا «٤» استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانزجار «٥».
إنه يخص المفردة باهتمامه، فهو ينحو منحى الجاحظ، وقد سرد شواهد متلاحقة مما يدلّ على إحاطته وعمق تدبره، وقد حرص على أن الإيجاز في كلمة واحدة، مستخدما كلمة «جمعت» كما كان من الجاحظ.
وهو يحاول تبيين العلّة في جمال الكلمة المختزنة كما جاء في تأمله للآية الكريمة: لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ «٦» إذ يقول: «فالأمن كلمة واحدة تنبئ
стр. 264
عن خلوص سرورهم من الشوائب كلّها، لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف» فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم، وارتفع بارتفاعه المكروه، وحصل السرور المحبوب» «١».
وهو يبين طبيعة النفس البشرية التي يوائمها بعد الخوف والحزن، كما في قوله تعالى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٢» فقد قال: «فقد أدرج فيه إقبال كلّ محبوب عليهم، وزوال كلّ مكروه عنهم، ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف، لأن الحزن يتولّد من مكروه ماض أو حاضر، والخوف يتولّد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرّم» «٣».
لقد أشار إلى أسلوب القرآن الذي يقدم مادة لغوية قليلة للدلائل الكثيرة في كلمته «أدرج»، وكلمته التي تتكرر أيضا «كلّ»، ونحن لا نراه يقف على اللغة، بل يحاول أن يبسط جمال الاختزان من خلال واقع البشر، وهكذا شملت كلمتا الخوف والحزن كلّ مراحل حياة الإنسان.
وتعدّ وقفات الزمخشري على جمال المفردة كثيرة وغنية المحتوى، وهو يدل على ذوق رفيع ومعرفة لغوية واسعة، ومن هذا تأمله للآية: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٤»، فهو يقول: «فإن قلت: لم عبّر عن الإتيان بالفعل، وأيّ فائدة في تركه إليه؟ قلت: لأنه فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا، فيقال لك: نعم ما فعلت، والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا ووجازة عن طول المكنّى عنه» «٥».
فهو يلتفت إلى شمول «تفعلوا»، وكأنه يرى في استعمال الكناية أن كل شيء في التصرفات الإنسانية هو فعل، فهو أعمّ من أفعال أخرى، مثل: أتى أو نظّم أو كتب، ونرى أنّ عموم الفعل يدلّ على منتهى عجزهم عن معارضة القرآن مهما تعدّدت القوى والوسائل البشرية.
стр. 265
ويضع ابن أبي الإصبع أمثال هذه الشواهد تحت عنوان الإشارة، أي اللفظ القليل للمعاني الكثيرة، ومما يلفت النظر أنه من أعلام القرن السابع الهجري الذي كثر فيه النّقل عن المتقدّمين، وعلى الرغم من هذا يعدّ ما وقع عليه في هذا المجال تفرّدا ودليلا على تذوق وتفهم كبيرين، يقول عن قوله تعالى:
وَغِيضَ الْماءُ «١»: «فإنّ غيض الماء يصير إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء، ولولا ذلك لما غاض الماء» «٢».
فقد أغنت الكلمة عن كلمات أخرى لتصوير الحدث، كذلك ما جاء حول الآية الكريمة: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ «٣» فيدلّ على تعمّق قائلا: «فانظر إلى ما أشارت إليه لفظة «الأمر» من ابتداء نبوة موسى ﵇، وخطاب الحقّ له، وإعطائه الآيات البيّنات من إلقاء العصا، لتصير ثعبانا، وإخراج يده بيضاء، وإرساله إلى فرعون، وسؤاله شدّ عضده بأخيه هارون، إلى جميع ما جرى في ذلك المقام، وأمثال هذه المواضع كثيرة إذا تتبّعت خرجت عن حدّ الحصر في الكتاب العزيز» «٤».
فقد استعيض عن تكرار ذكر الأحداث بهذه المفردة الجامعة، وهذه السمة متواترة في القصة القرآنية، وإننا لنرجح ما جاء لدى الجاحظ والثّعالبي، ولأن المفردات عندهما أغنت عمّا لم يذكر، وهي هنا أغنت عن التّكرار، ويبدو ذكرها أقرب إلى الاعتيادي في الكلام.
ويمكن القول إن الدارسين استفادوا بعض الشيء من إشارة الجاحظ إلى إيجاز الكلمات الجامعة في القرآن، وكان في إمكانهم الاعتماد عليها في ذكر كلمات أخرى مع منهج فني متخصص.
- الاختزان في الصيغة:
وفي هذا المجال لا بدّ من المرور بأهمية الصيغة: صرفية وغير صرفية مما
стр. 266
يغني عن مفردات كثيرة أو عن جملة خبيئة في طيّات هذه الصيغة.
والحق أن الجرجاني أبدى اهتماما كبيرا بأثر الصيغة، إلا أنّ هذا مرتبط عنده تماما بمسألة النظم، وهو لا يخص المفردة بجمال، لأنه مهتم بالسياق الكلي حسب العلاقات النحوية.
إن أول ملاحظة لهذه السمة الفنية نجدها في كتاب «الحيوان» للجاحظ في مكان منه مخصوص لميزات الكلب، فيقف عند الآية: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ «١» إذ يقول: «فاشتقّ لكل صائد وجارح كاسب من باز وصقر وعقاب وفهد وشاهين وزرّق ويؤيؤ وباشق وعناق الأرض من اسم الكلب، وهذا يدلّ على أنه أعمّها نفعا، وأبعدها صيتا وأنبهها ذكرا» «٢».
فقد استغنى المقام باشتقاق «مكلّبين» من الكلب عن تعداد الكثير من سباع البهائم والطيور.
وقرين هذا ما ورد لدى تلميذه ابن قتيبة حول الآية الكريمة: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ «٣»، إذ يقول: «أي كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدّوابّ» «٤».
وهو يكتفي بجانب التوضيح اللغوي صنيع الجاحظ في كلمة «مكلّبين»، وقد أسهب في ذكر أشعار وردت فيها كلمة «ذي ظفر» بدلا من أن يقدم شواهد أخرى.
ومن هذه الوجهة اللغوية ينطلق الشريف الرضي عند ما يتأمل بعض الصيغ، فلا يضفي على الجانب اللغوي شيئا من الأثر الوجداني، كما جاء في تأمله للآية الكريمة على لسان إبليس: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا «٥»، فهو يقول
стр. 267
عن اشتقاق فعل احتنك: «هو أن يكون الاحتناك هاهنا افتعالا من الحنك، أي لأقودنّهم إلى المعاصي، كما تقاد الدابّة بحنكها غير ممتنعة على قائدها» «١».
ولا شك أن الإيجاز الذي تأتّى هنا من الصيغة يناسب نبرة الغضب والتمرد التي تتطلب قلّة العبارات، فالغاضب لا يفصّل كلامه تفصيلا، بل يلقيه قذائف، والكلمة توحي بالمستوى البهيمي لمن يتبع الشيطان وأتباعه، والشريف الرضي مقلّ في هذه التأملات.
أما الزمخشري فغالبا ما يربط جمال الصيغة بأهمية التهذيب في الأسلوب القرآني، وهو لا يردد ما سبق من تلميحات، كما أنّه يضيف إلى معرفته النحوية واللغوية شيئا من التذوّق الرفيع، ليفسّر الجمال اللغوي وأثره النفسي.
- الاختزان في التهذيب:
لا شك أنّ الكلمات التي وردت لغاية التهذيب مالت بغالبيّتها إلى الاختزان، فالقرآن الكريم يذكر مفردات تغني عن التفصيل الذي ربما يجنح إلى تجريح المخاطب، أو إلى ذكر ما هو فاحش رذيل، ومثل هذا ورد في الكنايات.
ولنتأمل قوله عن مباهج الجنة التي يرغّب بها المؤمنين: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ «٢»، فهذه الكلمات تختصر معالم كثيرة ورغائب وفيرة من نساء وطعام وشراب وخضرة، وصيغة التعميم تدلّ على إفساح المجال للخيال، وتصوّر ما قد يخطر على النفس وما ترتاح إليه العين.
وقد قال ابن أبي الإصبع في هذه الكلمات: «فألمح إلى كلّ ما تميل النفوس إليه من الشهوات، وتلذّه الأعين من المرئيات، لتعلم أن هذا اللفظ القليل جدا عبّر عن معان كثيرة لا تنحصر عدّا» «٣».
إذن فقد حصرت هذه الكلمات كل جمال لا يتوقع في عالمنا الدنيوي،
стр. 268
وهو يشتمل على المرئيات والمسموعات مناسبا الحاستين البشريتين اللتين توائمان الحسّ الجمالي.
ومثل هذا ما ورد في وصف نساء الجنة، فيعبّر البيان القرآني بالكلمة والكلمتين عن الجمال الشكلي وجمال المضمون الخلقي، ومنه قوله تعالى:
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ «١»، فعبر بهاتين الكلمتين عن عفافهن وشرفهن وفرحة أزواجهن، وما يتصل بالقناعة والرضا وعدم التطاول، ويكتفي الدارس القديم عادة بالقول: إن هذا من باب الإشارة كما كان من ابن قيم الجوزية «٢».
وقد حضّ القرآن الكريم على طاعة الوالدين، ومن هذا قوله :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ «٣» فكلمة «أفّ» تشمل ترك التعرض لهما بيسير من الإيلام النفسي فضلا عن كثيره، ولا شك أنّ انتزاع المفردة من عملية حسية هي النّفخ في التراب، وما إلى ذلك، جعلها تصوّر بحسية هذا الموقف، فهي اسم صوت بمعنى أتضجّر، وهي تختزن ما يقال قبلها، وما يقال بعدها من كلمات غير لائقة بمكانة الوالدين السامية، فقد مثّلت الحالة النفسية بحسّيتها.
ولنتأمل تصوير الكفار يوم القيامة في قوله : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ «٤»، فإن كلمة «خفيّ» تختزن كلّ المعاني النفسية التي يتّسم بها ذلك الذليل، وهي منتزعة من صورة بصرية، وتختزن كلّ تأوّهاته وحنقه على من أضلّه، وقد رأى العذاب، وتوحي بإيجاز رائع بخجلته من خالقه وانكساره.
إن الاختزان المتصل بالتهذيب وارد بكثرة في مفردات سرد القصة القرآنية، كما وجدنا في الفقرة السابقة ما جاء في الحديث عن قوم لوط وقصة يوسف ﵉.
وكما أن التهذيب لا يقتصر في القرآن على الأمور النسائية، فكذلك
стр. 269
اختزان التّهذيب، فهناك الكثير من المفردات دلّ عمومها على ملاطفة وحسن خطاب، ومن ذلك إطلاق كلمة «الناس» على المنافقين في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ «١»، وهي أكثر ما وردت في سورة البقرة، ونجد أنها مرة تعني الكفار، ومرة تعني المنافقين، ومرة تعني اليهود، ومرة تعني بني آدم جميعا، وهي تفيد عموم الرسالة السماوية، فلا عصبية ولا قبلية ولا جنس أو عرق، إلا أنّ عمومها في الحديث عن المنافقين يدلّ على ملاطفة الخالق لهم، واستجلاب قلوبهم، وفي هذا يقول بدوي: «ألا ترى في اختيار كلمة «الناس» وعمومها عدم مجابهة المنافقين بتعيينهم، وفي ذلك ستر عليهم، وإغراء لهم بالإقلاع عن نفاقهم، ذلك أنهم ما داموا لم يعيّنوا من المتوقع أن يصغوا للقرآن» «٢».
لقد كان في الإمكان ذكر أسماء شخصيات من اليهود والمسلمين الذين كانوا يظهرون الحقّ ويخفون الباطل، ومثل هذا في قوله ﵎: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «٣» فالكلمة تشير إلى رءوس النفاق ذوي الكلام المعسّل والضمائر الحاقدة، وقوله : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ «٤»، فهي تعني المشركين الذين يعرفون ملّة إبراهيم ﵇، واليهود الذين قرءوا في التوراة عن قبلة النبي الجديد، وفي هذا غاية الأدب من حيث لا يهان من كان على الدين، ويستّر على أخطائهم، ومثل هذا يقع عند الزركشي والسيوطي تحت عنوان «المبهمات» «٥»، فقد ذكرا أسماء من نزلت فيهم مثل هذه الآيات.
وقد تواتر هذا في الدراسات الإسلامية في عصرنا، فكثيرا ما يعبّر الباحث في الفكر الإسلامي عن المتطرفين في الدّين، أو عن أصحاب الفكر المعارض للإسلام، وكل من يعادي الإسلام بكلمة «الناس»، وهذا يدلّ على تأدب، ويلحق به أيضا عدم ذكر اسم الشخص الذي ينال من الإسلام أو يغالي فيه.
стр. 270
وفي سورة يوسف نقرأ قوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً «١»، وكلمة «متّكأ» تعني للوهلة الأولى تلك النّمارق المعدّة للجلوس، ولكنها بعد التمحيص تتكشّف عن ترفّع محقّ لتصوير انبساطهن، وكيفية الجلوس، والحديث الفكه مع الراحة، وهذه الكلمة أبعدتنا عن جوّ الجوع والطّعام، وفي هذا يقول البوطي: «لم يعبّر عن ذلك بالطعام، فهذه إنما تصور شهوة الجوع، وتنقل بالفكر إلى «المطبخ»، بكل ما فيه من الطعام ورائحته وأسبابه، «متّكأ» كلمة تصور ذلك النوع من الطعام الذي يقدم إلى المجلس تفكّها وتبسّطا، وتجميلا للمجلس، وتوفيرا لأسباب المتعة فيه، ولذلك فالشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتّكاء» «٢».
وجميع التفاسير لا تبعد عن كون المتكأ نمارق للجلوس والإمساك بالسكاكين «٣»، ومن هنا يتبين لنا أن المحدثين تعمّقوا في جمالية الاختزان الذي يدعو إلى الترفع والتأدب في كلمات لا علاقة لها بالنساء، إذ كان نصيب التهذيب في شئون المرأة كبيرا عند القدامى.
- مفردات الإعجاز العلمي:
وأخيرا لا بدّ من القول إن التفسير العلمي الحديث جعلنا نتأكد من أن بعض المجاز في القرآن حقيقة، وذلك في مواءمة المفردة لكلّ عصر، فالدلالة تستمر وتتسع لمفاهيم كل عصر، ويتلقّف هذه المفردة كلّ حسب فهمه وقدراته العقلية ونوع ثقافته، وذلك من غير إقحام أو تقوّل، لأن مرونة الكلمة القرآنية ليست عشوائية.
يقول تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً «٤» والاختزان يكون في إفهام هذا وذاك من البشر، وهذا مما يجعل في العقل مرونة، ويفتح باب التفكير.
стр. 271
والكلمتان «سراجا، منيرا» تحملان في طيّاتهما كلّ المعاني المتغيرة مع تغير الزمن وتقدّم العلوم وتبدّل أفهام الناس، وقد قال البوطي: «فالعامي من العرب يفهم منها أن كلّا من الشمس والقمر يبعثان بالضياء إلى الأرض، وإنما غاير في التّعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعا للفظ، وهو معنى صحيح تدلّ عليه الآية، والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدلّ على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة، فلذلك سمّاها «سراجا»، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه، وهو أيضا معنى صحيح تدلّ عليه الآية دلالة لغوية واضحة، أما الباحث المتخصص في شئون الفلك، فيفهم من الآية إثبات أنّ القمر جرم مظلم، وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبّهها بالسراج» «١».
لقد قدّم البوطي بعض الشواهد في هذا المجال، وهي تقرن بكل ما يجيء لدى كتب التفسير العلمي الذي يبحث في دقائق القرآن الطبية والفلكية والجيولوجية وغيرها، وقيمة الاختزان تتجلّى في عدم انغلاق المعنى على نفسه، بل يظلّ مفتوحا أمام القارئ، وكأن المفردة تمتلك أكثر من معنى، وذلك عند ما يفهمها كلّ حسب ثقافته، وهذا من مزايا إعجاز القرآن الكريم.
والقرآن كتاب هداية وإرشاد، وليس من مهمّته الحديث عن حقائق الوجود العلمية، ومع ذلك لم تخل آياته من التعبير عن حقائق كثيرة أثبتها العلم الحديث، ودلّت هذه الآيات على إعجاز القرآن وبيان مصدره الإلهي.
ومن هذه الآيات قوله عن تلقيح السحاب: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً «٢»، وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً،
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
«٣»، فالمفسّر القديم يرى في ذكر لواقح مجازا من المجازات البلاغية، لأنها في الأصل تعني اجتماع الذكر بالأنثى للناقة أو الشجرة، والعلم الحديث يؤكّد أن السّحاب
стр. 272
مكهرب، وأنّ الموجب والسالب لا يتنافران، كما أثبت «فرنكلين» لأول مرة عام ١٧٥٢ م، فالتأليف بين السّحاب إشارة واضحة، ووصف دقيق للتقريب بين السحاب مختلف الكهربائية «١» وهذا المفهوم الحديث لا يتناقض مع مفهوم المفسّر القديم، الذي يرى في التأليف أو التلقيح مجرّد ضمّ السّحابة إلى سحابة أخرى.
وهكذا وجدنا أن اختزان المفردة للمعاني الكثيرة يتجلى في عدة مجالات، وأن القدامى قدّموا أفكارا جيدة عند ما نهجوا نهج الجاحظ، وعند ما تقدمت فنون البلاغة وضعوا هذه السّمة تحت عناوينهم المختلفة، وهم- وإن اعتمدوا النّقل عن أسلافهم- قد أبدوا تأملات لهم تدلّ على تذوق وتدبّر، خصوصا الزمخشري وبعض ممّن تبعه، وجاءت جهود المحدثين مكمّلة لجهود القدامى، ولا بدّ من الإشارة إلى أن المعين لن ينضب لدراسة أدبية توضّح سمة الاختزان في مفردات القرآن.
стр. 273
٤ - مناسبة المقام
من الطبيعي أن تكون كل مفردات القرآن تحت عنوان مناسبة المقام، ذلك لأن نظمه المعجز يتضمن كلمات لا تكون نافرة متقلقلة في مكانها، ولا تكون حشوا يستغنى عنه، والموضوع القرآني كذلك خصّص له حجم معيّن، فلا زيادة فيه ولا نقصان، ولا يكون الإيجاز قائما مكان الإطناب، ولا الإطناب مكان الإيجاز، لأنّ الفكرة هي التي تحدّد أسلوبها.
وهذه الفقرة تعيّن مناسبة المقام في اختيار مفردة من المفردات، أو تخصيص دلالتها اللغوية، لتحقق إيحاء نفسيا، أو توسع ظلال الدلالة اللغوية، والمفردة قد تكون عادية، فإذا قرئت في القرآن، وجدنا لها طعما آخر، وتأثيرا فريدا لا نعرفه في حدودها الطبيعية المتعارف عليها.
سوف نسرد هنا نماذج مما ورد في كتب الإعجاز والتفسير متّخذين المنهج التاريخي عونا لنا في الترتيب، وقاصدين تباين الأذواق، وأثر العصر في كشف هذه السّمة، ونتجنّب ما هو متكرر حذر الإطالة، كما نتجنّب الأقوال العامة في ملاءمة المفردة للموضوع، لنفرغ لتحليلهم الفني الذي يعدّ زادا وفيرا، وعطاء زاخرا، كما أننا نتجاوز ما ورد عند الجرجاني حول تمكن المفردة في سياق الآية، لأنه لا يوليها الاهتمام فهو ينظر إلى النصّ كلّه بعد دخول المفردة، وينظر إلى العلاقة النحوية بشكل كلي.
- معيار اللغة والذوق الفني:
لقد مر بنا سابقا كيف ألمح الجاحظ في «البيان والتبيين» إلى دقّة النّظم القرآني ومراعاة الفروق الدقيقة التي تدلّ على مقدرة لغوية فائقة، فقد فرّق الأداء القرآني بين الجوع والسّغب، وبين المطر والغيث.
أما الخطّابي فنراه يفنّد حجج الملاحدة والفسّاق الذين ادّعوا إسفاف كلمات القرآن وتناقضه، وبعد الكلمة المختارة فيه عن القانون اللغوي المعهود.
стр. 274
ومن ذلك بيانه دقّة كلمة «أكله» في الآية الكريمة: وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ «١»، يقول الخطّابي: «فإن الافتراس معناه في فعل السّبع القتل فحسب، وأصل الفرس دقّ العنق، والقوم إنّما ادّعوا على الذئب أنّه أكله أكلا، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه، فلم يترك مفصلا ولا عظما، ذلك لأنهم خافوا مطالبة أبيهم إيّاهم بأثر باق منه يشهد بصحّة ما ذكروه» «٢».
فالناقدون يرون الصّحة في «افترسه» الذّئب، والخطّابي يرى أنّ البيان القرآني لا يتّسم بالزّلل والفوضى في إلباس المعاني بالألفاظ، فالفعل أكل يدلّ على إخفاء آثار الجريمة، وخصوصية الموقف تتطلّب هذا الفعل لا غيره.
ويؤيّد ما ذهب إليه الخطّابيّ أنّ «أكل» ورد قبل أن يدّعوا ما ادّعوا، فعلى لسان أبيهم يعقوب ﵇ جاء في السورة: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ «٣». إنّه الأكل وليس الافتراس.
وفي كتاب «تلخيص البيان في مجازات القرآن» للشريف الرضي لمحات جيدة، وإن كان لا يعير الجانب النفسي اهتماما، ففي الآية:
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ «٤» يقول: «ولفظة الإيلاج هاهنا أبلغ، لأنّه يفيد إدخال كل واحد منهما في الآخر، بلطيف الممازجة، وشديد الملابسة» «٥».
لقد ذكرت هذه المفردة عشر مرات، وهي من البلاغة، بحيث حقّقت الواقع المدروس في علم الفلك الآن من حيث دوران الأرض وكرويتها، وكثيرا ما يكتفي الشريف الرضي بأنّ هذه المفردة أبلغ من غيرها، من غير
стр. 275
أن يسبر غورها أو يذكر معيار القيمة.
وقد وضع الخطيب الإسكافي «١» كتابا نفيسا سمّاه «درّة التنزيل وغرّة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز» وقد عرض فيه الآيات التي تتشابه مفرداتها، وتتغيّر فيها كلمة أو كلمتان، فاستطاع أن يقنعنا بارتباط هذا التغيّر بالموقف الذي يبسطه القرآن.
ومن ذلك تفسيره للآيتين: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً «٢»، ولَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً «٣» إذ قال: «قيل الإمر إنّه الداهية، وقيل إنه العجب، والنّكر ما تنكره العقول ولا تعرفه ولا تجوزه .. والنّكر لا يستعمل إلا في المذموم الذي يخرج عن المعروف في العقل أو الدّين، فاختص الأول بالأمر، لأن خرق السفينة التي لم يغرق فيها أحد أهون من قتل الغلام الذي قد هلك» «٤».
وهكذا يمهّد بمعرفته اللغوية لبيان حقّ المفردة في الوجود دون غيرها، ويمتاز أسلوب الإسكافي بالإحاطة، فلا توجد آيات متشابهة الألفاظ إلا أوردها، ويمتاز أيضا بدقّة المعيار اللغوي، ولا يكتفي به في بعض الشواهد، كما في تفسيره للآيتين: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ «٥» والآية: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
стр. 276
تُكَذِّبُونَ «١»، فهو يقول عن زيادة كلمة «غمّ» في الآية الأولى: «فلمّا وصفهم بأنّ العذاب من جميع الجوانب اكتنفهم، صاروا بإحاطة ذلك بهم، وسدّ أنفاسهم عليهم بمنزلة البعير المغموم بالغمامة التي تسدّ منفسه، فلا يجد فرجه، والآية التي في سورة السّجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب بهم من ذكر الثّياب من النار وصبّ الحميم وإذابة الشّحوم» «٢».
فقد انتبه إلى هذه العلّة نتيجة تفهمه للآيات، والإسكافي وضع كتابه مهتمّا بالمتشابهات، وهذه الغاية الدينية تمتّعت بنظرات فنية تعتمد غالبا على الموروث اللغوي، ويبدأ كلامه عادة بعبارة «للسائل أن يسأل».
يمكننا هاهنا أن نذكر وقفات الزمخشري التي بسط فيها الظلال النفسية، ولتجاوز ما يستمدّ من المعرفة بالفروق كالفرق بين الكبير والعظيم، وبين الأذى والضرر، ففي قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً، فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «٣» يقول: «ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن إعلاما بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وقيل: «فإن طبن لكم عن شيء منه» ولم يقل «فإن سمحن لكم عنه» بعثا لهنّ على تقليل الموهوب» «٤».
فالكلمة تنمّ على راحة صدرها وهي تتخلّى عن بعض صداقها، وكما نرى لا يكتفي بمطابقة الحقيقة، كما يكون في الاعتماد على اللغة، والحق أن الزمخشري كثيرا ما يقف في إبراز بلاغة القرآن حتى في الآيات الفقهية التي تبيّن الأحكام الإسلامية، وتبعه في هذا المسلك أبو السّعود وسيّد قطب خاصة، وهنا يحضرنا قول نعيم الحمصي: «إن القرآن على الرغم من أنه يتناول أبحاثا من طبيعتها إلا تتناول في أسلوب فصيح بليغ، لأنها تعبّر عن فكرة مجرّدة، أو عن واجبات دينية اجتماعية، فهو يعبّر عنها فيما هو
стр. 277
الغاية في الجمال والفصاحة» «١».
وهذا مما يحدو بنا على القول إن التشريع الإسلامي يتّسم باتصال الحق بالوجدان في تطبيق هذا التشريع، وفي أسلوب الحديث عنه.
ويوازن الزمخشري بين «دمعت» و «تفيض» الواردة في قوله عن الرّهبان: تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «٢»، يقول:
«معناه تمتلئ من الدّمع حتى تفيض، لأنّ الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو إقامة المسبّب مكان السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنّها تفيض بأنفسها: أي تسيل من الدّمع من أجل البكاء، من قولك: دمعت عينه دمعا» «٣».
إنه يردنا إلى الأصل اللغوي مما يجعلنا نتأمل في إسهام هذه المفردة في التصوير بالاستعارة، وقد يجتمع أكثر من معيار في رصد جمال المفردة في كشّافه، فمرة يكون للنفس حظّ كبير، ومرّة يفتح بالشّرح اللغوي أبواب تملّي الجمال، فنجد هنا إيثار «تفيض» التي تتصل بالمياه الغزيرة المتدفقة، وكأن جفونهم ينابيع تفيض بالدمع الذي هو دلائل على عمق الإيمان، فالكثرة معبّرة عن المضمون، كما أن الفيض يعبّر عن استمرار أكثر مما يعبّر الامتلاء، فالفيض امتلاء بعد امتلاء، وقد ينقص القدامى الكثير من التخيّل بيد أن هذا لا يمسّ الزمخشري إلا قليلا.
ولا يعني هذا أن الزمخشري بمنأى عن المزالق التي تبعد عن المعنى الحقيقي متأثرا بمفهوم خاطئ مثل تفسيره لقوله : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا «٤» إذ يقول: «وكان رسول الله ﷺ نائما بالليل متزمّلا في قطيفة، فنبّه ونودي بما يهجن إليه الحالة التي كان عليها من التزمل في
стр. 278
قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمّه أمر، ولا يعنيه شأن ... » «١».
ويرد عليه الدكتور عتر من منطلق لغوي يقوّم النظرة، ويصحح تقويم الزمخشري للداعية العظيم رسول الله، فقد جاء في كتابه «محاضرات في تفسير القرآن»: قيل: المعنى يا أيها الذي زمّل أمرا عظيما هو أمر النبوة والزّمل: الحمل، ويدلّ على بطلان فهمه هذا- يعني الزمخشري- أمور نذكر منها:
١ - أن هذا الأسلوب في وصف المخاطب ليس نصا ولا ظاهرا في إفادة ما زعمه الزمخشري، فصيرورته إليه تحكم في النص.
٢ - أنّ الذم أو التهجين إنما يتأتّى لمن توجه إليه الأمر، ولم يعطه الاعتناء اللازم أو الاجتهاد اللازم، وهو غير وارد هنا، لأنه لم يسبق هذا النداء تكليف بقيام الليل، فعلام التهجين» «٢».
فقد أخذ الزمخشري بمعنى المتلفّف بثيابه من كلمة «المزّمّل» ولم يأخذ بمعنى حمل أعباء الدعوة التي تشعر بعلوّ مقام النبوة، ثم أساء في تمكين هذه الكلمة بوصفه لعدم مبالاة النبي ﵊، ولم نجد عند من خصّص دراسة لتفسير الزمخشري مثل مصطفى الجويني أو درويش الجندي إشارة إلى مثل هذا التأويل المتعسّف.
- الذوق الذاتي عند ابن الأثير:
يعنى ضياء الدين بن الأثير بجمال المفردة في كتابه «المثل السائر»، إلا أن هذا الجمال النابع من دقة الفروق ومناسبة المقام لا يحظى بالكثير من اهتمامه، ذلك لأنه شغل بالجمال الموسيقى، وجمال الصّيغ والتركيب الداخلي للمفردات، فإذا أعجب بوجود كلمة في القرآن واستقبح وجودها في الشعر، فإن هذا يعود إلى إيقاع الآية، وموقع الكلمة في هذا الإيقاع، ونغمة حروفها.
стр. 279
وإذا أنعمنا النّظر في كتابه ألفينا أن معيار الذوق هو الذي يفرّق فيقبل ويرفض، وهذا مرتبط بالفطرة، فهو يقول: «ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ، فيضعها في موضعها، ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدّة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرّق بينهما في مواضع السّبك، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه، وجلّ نظره، فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «١»، وقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً «٢»، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع البطن، ولا البطن موضع الجوف، واللفظتان سواء في الدّلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل» «٣».
نلحظ إذن أنّ الجانب الموسيقى يطغى على إحساس ابن الأثير بالفروق، فإذا كان قد تحدّث فيما سبق عن الخفّة والعذوبة، ولذّة السمع، وسهولة النّطق وغيرها، فإنه هنا يحتجّ بشكلية المفردات، فيعدّ الحروف، وينتبه إلى الوزن، ثم يعود إلى الذوق، وكأنه يريد أن الاستعمال القرآني وجود لا يفسّر، ويجب أن يتّبع.
ويخيّل إلينا أن الأمر يعود إلى الدّلالة الإيحائية في الشاهدين، ذلك أن مادة كلّ منهما تختلف كلّ الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى، فمادة «الجوف» توحي بالضّمور والخلوّ والانحسار والعمق، خصوصا بما يرسمه حرف الجيم، وبعده حرف الواو الساكن، ثم حرف الفاء الذي تنضم عنده الشفاه من دلالة إيحائية.
وذلك على عكس «البطن» التي توحي بالنّتوء والبروز والانكشاف،
стр. 280
وهي أنسب للحامل من مادة «الجوف» فالجنين المكنّى عنه بقوله تعالى على لسان أم مريم ﵍ «ما فِي بَطْنِي» يناسبه كثيرا النتوء والبروز والانكشاف، مثلما هي حال الحامل، وتبعا لذلك استحق السياق مفردة «بطن» لا «جوف» «١».
ولقد اطّرد استعمال «البطن» للحامل في القرآن كما في قوله :
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ «٢»، وفي تصوير أجواف الكفار قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ «٣»، فتعبّر الكلمة أيضا عن امتلاء الآكل بالطعام، وتذكيره بنهمه في الحياة الأولى.
- المفردة وغرابة الموقف:
يمتاز ابن أبي الاصبع بشيء من الإحاطة في هذا المجال، فلتأكيد استحقاق مفردة ما بالموضع يذكر آيات أخرى، ليبيّن أن السياق يتطلّب هذه الكلمة هنا، وتلك هناك، إذ سرد الآيات التي ورد فيها كلّ من الطّين والتراب ليبسط الفرق بينهما «٤». وهو يلتقي في هذه الميزة بالخطيب الإسكافي.
ومن نظراته الثاقبة ربط المفردة الغريبة بغرابة الموقف، وذكر لهذا شواهد عدّة، منها ما جاء في سورة يوسف، يقول على لسان أبناء يعقوب ﵇: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ «٥»، فقد قال ابن أبي الإصبع في باب ائتلاف اللفظ
стр. 281
والمعنى، وهو في مفهومنا المعاصر احتواء المفردة موضوعها: «فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنّسبة إلى أخواتها، فإن «والله» و «بالله» أكثر استعمالا، وأعرف عند الكافّة من «تالله» لمّا كان الفعل الذي جاور أغرب الصّيغ التي هي في بابه، فإن «كان» وأخواتها أكثر استعمالا من «تفتأ» وأعرف عند الكافّة، ولذلك أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة «حرض»، ولمّا أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ «١»، لمّا كانت جميع هذه الألفاظ مستعملة، وعلى هذا فقس، والله أعلم» «٢».
فالغرابة تمثّل انسجام مفردة مع ما يجاورها، ويبدو أن غرابة الموقف تحكّمت في اختيار المفردات المعبّرة، إضافة إلى النّبرة القوية التي تمثّل غضبهم واشمئزازهم، وقد تحدثنا عن جمالية الصوت التي رآها عبد الكريم الخطيب في هذا الشاهد.
والجدير بالذكر أن هذه المفردة ذكرت مرة أخرى في السورة نفسها، فعلى لسانهم يقول : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا «٣»، والموقفان متشابهان.
ومما يعضد هذا تأمل الرافعي في كلمة «ضيزى» في قوله تعالى:
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «٤»، يقول: «وفي القرآن لفظة غريبة، وهي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قطّ إلا في موقعها منه، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصور في هيئة النّطق بها الإنكار في الأولى، والتّهكم في الثانية، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة
стр. 282
المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس، بهذين المدّين إلى الأسفل والأعلى» «١».
وإذا أقمنا موازنة في تلقّي غريب القرآن، فإنّنا نفضّل نظرة الرافعي على نظرة ابن أبي الإصبع، فالأخير يكتفي بوجهة علمية على الأغلب، ونظرة الرافعي والمحدثين على أغلبهم علمية وتأمّلية معا، فكلمة «ضيزى» تجسّم بحركاتها حركة المتهكّم، وهذا هو الشاهد الوحيد الذي عبّر فيه الرافعي عن تجسيم الصوت للمعنى.
لقد استنكر البيومي تأكيد ابن أبي الإصبع على وجود الغريب قائلا:
«فما توهّمه المؤلف من الغرابة في الألفاظ لا دليل يؤيّده، إلا إذا كان لفظ «حرضا» باعث هذه الغرابة، واللفظ الواحد لا يضرب مثلا لتناسب الألفاظ في الجملة» «٢».
فقد غابت عن ذهنه الغاية الجزئية في هذا الشاهد، وكان يجدر بالباحث المعاصر أن يشيد بنظرة سلفه بدلا من قطع العلاقة بين اللفظ والمعنى بحجّة سهولة ألفاظ القرآن ودورانها على الألسن، ففي الآية كلمات مجلجلة بصوتها، تصور الموقف بدقّة فائقة.
ولا يقدّم ابن قيم الجوزية ما هو جديد في هذا المجال، فكتابه لا يتّسم بالأصالة، إذ يتكئ فيه على آراء سابقيه «٣» بالنقل الحرفي على الأغلب، وذلك لا يقتصر على هذا المجال، بل يشتمل وجوه البلاغة القرآنية كافة.
- الفروق عند الزركشي:
ينفي الزركشي الترادف قائلا: «على المفسّر مراعاة الاستعمالات، والقطع بعدم الترادف، ما أمكن .. فمن ذلك «الخوف» و «الخشية» لا يكاد اللغوي يفرّق بينهما، ولا شكّ أن الخشية أعلى من الخوف، وهي أشدّ
стр. 283
الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشيّة، إذا كانت يابسة، وذلك فوات بالكليّة، والخوف من قولهم: ناقة خوفاء، إذا كان بها داء، وذلك نقص، وليس بفوات، ومن ثمّة خصّت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه:
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ «١».
وهذا الجنوح إلى الأصل الحسّي للمفردة قبل الاصطلاح الذهني المجرد مستفاد من سفر الراغب الأصفهاني الذي ردّ كلمات القرآن إلى الأصول الحسية، وهذا السّفر هو «الغريب في مفردات القرآن» وضعه في القرن الخامس.
وكأنّما أراد الزركشي أن يربط بين الطابع الحسّي في الأصل، وبين مقدار التأثير في الاصطلاح الجديد، فتوصّل إلى أن مخزون الخشية أعظم، وقلّما يعود الباحث المعاصر إلى الأصل اللغوي، أو يحكّم معيار اللغة، فقد قال شوقي ضيف في هذا الشاهد: «الخشية خوف ممزوج بتعظيم وإجلال، فهي أخصّ من الخوف، إذ الخوف توقّع العقوبة، والخشية انقباض وهيبة وسكون إلى الله بعمل الطاعات، وإخلاص واعتصام به من خوف عذابه» «٢».
ولا يفهم مما سبق أن الخشية اطّرد ذكرها متعلّقا بالله، والخوف بغيره، والحق أن الزركشي دأب دائما في استدراك الأمور كيلا يصل إلى تعميم مغلوط فقد قال: «فإن قيل: ورد يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٣»، قيل: الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمة الله ضعيف، فيصحّ أن يقول: «يخشى ربّه لعظمته، ويخاف ربّه، أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى، وفيه لطيفة، وهي أن الله لمّا ذكر الملائكة وهم أقوياء، ذكر صفتهم بين يديه، فبيّن أنهم عند الله ضعفاء، ولما ذكر المؤمنين من الناس
стр. 284
وهم ضعفاء، لا حاجة إلى بيان ضعفهم، ذكر ما يدلّ على عظمة الله تعالى» «١».
ولا بدّ من التنويه بأن الله قال: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢»، فلا يقتصر الخوف على الملائكة الأقوياء من مخلوقات الله.
ويعد البرهان أفضل الكتب التي تتحدث عن الفروق، لدقّة الباحث وشموله لما يظنّ فيه الترادف في القرآن، فقد بسط الفرق ببراعة بين الطّريق والسّبيل، وبين التّمام والكمال، وبين أتى وجاء وغيرها.
وهو لا ينكر فضل أبي هلال العسكري في هذا المضمار، وقد نقل السّيوطي شواهده هذه في «معترك الأقران».
وقال الزركشي عن الفرق بين العمل والفعل: «والفرق بينهما أن العمل أخصّ من الفعل، كلّ عمل فعل، ولا ينعكس، ولهذا جعل النّحاة الفعل في مقابلة الاسم، لأنه أعمّ، والعمل من الفعل ما كان مع امتداد، لأنّه «فعل» وباب «فعل» لما تكرّر، وقد اعتبره الله تعالى، فقال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ «٣» حيث كان فعلهم بزمان، وقال: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٤»، حيث يأتون بما يؤمرون في طرفة عين، فينقلون المدن بأسرع من أن يقوم القائم من مكانه، وقال تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا «٥»، فإنّ خلق الأنعام والثّمار والزّروع بامتداد وقال: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ «٦» وأَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ «٧» فإنّها إهلاكات وقعت من غير بطء» «٨»
стр. 285
إنه يشير إلى دقّة الزمن المطلوب في كل من الدلالتين، ولم يكن أساسه من الموروث اللغوي، بل برهن على اطراد هذا الاستعمال في القرآن، وهو لا يتأثّر بالخطّابي الذي رأى خصوصية «فعل» بالعقوبات، فقد اختصّ «فعل» بالأفعال القبيحة من البشر أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ «١»، فقد دلّنا الزركشي إلى أن «فعل» إذا نسب إلى الله فإنه يتّسم بالقوة والسرعة، ولا يقتصر على معنى العقوبة «٢»، كما مرّ في الفصل الأول، يقول تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ «٣». وكل مظاهر القيامة تدلّ على السرعة والقوة.
من يطالع أسفار الدارسين القدامى يجد أن هذه المادة أي- مناسبة المقام- وفيرة، وذلك لأسباب عدة، وهي أنهم ناضلوا بإخلاص جاهدين للرّدّ على الملاحدة الذين يدّعون التناقض في القرآن الكريم، والخطل في استعمال مفرداته، فكان لا بدّ من تبيين سبب ذكر الانبجاس في موضع، والانفجار في موضع آخر وعلّة تقديم موسى على هارون في موضع، وهارون على موسى في موضع آخر ﵉.
ويضاف إلى هذه الغاية الدينية الخالصة محبّتهم العميقة لأسلوب كتاب دنياهم وآخرتهم، فمنه استلهموا أسس حياتهم، وأرسوا قواعد مجدهم، وهذا مما حدا بهم على إبراز جماليات دقة الاختيار في الكتاب المعجز.
ومن هذه الأسباب وفرة الثروة اللغوية، فأكثرهم لغويّ متمعّن، كما يظهر في مناقشاتهم، ومنهم من كان ذا مكانة كبيرة في اللغة كالزمخشري والسّيوطي.
ومن هذه الأسباب أيضا قرب عهدهم بزمن الفصاحة، لذلك وجد المحدثون الكفاية في كتب أسلافهم، وأكثر من اهتمّ بالفروق عائشة عبد الرحمن، وقد ذكرنا نتفا من كتابيها في الفصل الأول، حيث كانت تنفي وجود الترادف في القرآن وتقرّ به في اللغة.