٤ - الأثر الموسيقى لمفردات القرآن
امتاز العرب برهافة الحس، فهم يتأثرون أشدّ التأثّر بما يسمعون، وللكلمة قدسيّتها، وهي تفعل فعلها إلى أبعد مدى، فيحاربون ويصالحون، ويضحّون ويكرمون نتيجة سماع كلمات، وهم سيدركون القيمة الموسيقية في القرآن بسبب معايشتهم لفن الشعر والخطابة، واهتمامهم البالغ بالكلمة، وقد قال الزرقاني: «هذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي، هو أول شيء أحسته الآذان العربية أيام نزول القرآن، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام، سواء أكان مرسلا أم مسجوعا، حتى خيّل إلى هؤلاء العرب أنّ القرآن شعر» «١».
ونحو ذلك ما ذكره الرافعي إذ يقول: «رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم» «٢».
فما كان عليهم- وقد أصرّوا على الإشراك- إلا الهرب من سماعه على ملأ من القوم، والتلصّص لسماعه ليلا، مما يؤكد عدم موضوعيتهم في كرههم للقرآن، وقد قال عنهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٣»، فقد طغت المكانة العشائرية، ولكنها لم تمسح في نفوسهم تذوقا سمعيا فطريّا.
ويمكن أن نعزو هذه الملكة السمعية إلى ضخامة مساحة الأميّة بين العرب حينئذ، بالإضافة إلى كثرة استماعهم للشعر الذي صوّر شئون حياتهم جميعها،
стр. 72
ولهذا كان السمع هو المعيار الأول، وفي هذا الصدد يقول إبراهيم أنيس:
«وفي رأيي أن هذه الظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تعزى إلى تلك الأمية حين كان الأدب أدب الأذن لا أدب العين، وحين اعتمد القوم على مسامعهم في الحكم على النص اللغوي، فاكتسبت تلك الآذان المران والتمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة» «١».
ولا يعني هذا مجرد استمتاعهم بصوتيات القرآن، فقد عرفوا أيضا أنها قوالب فنيّة لمضامين فكرية جديدة، فالتعلّق لم يكن شكليا محضا، ونحن نعترف بأن كتابة الشعر كانت قليلة في الفترة الجاهلية، وهنالك أمم كثيرة بدأت نتاجها الأدبي بالأدب الشفوي، وكانت تهتم بتصوير الأساطير، ولكن لا تمتلك لغاتها هذه الموسيقية، إلا أنها غنّت نتاجها الأدبي، وكذلك كانت الالياذة والأوديسة.
ونرجّح أن السبب هو طبيعة اللغة العربية التي نشأت موسيقاها وفق ذوق أوّلي، ثم صار هذا الذوق قانونا موسيقيا، ثم نزل القرآن الكريم بتشكيل فريد، وذلك بلجوئه إلى مزية خاصة، وتخيّره وتهذيبه للمفردات، وليس من الضروري أن يكون تفشّي الأمية السبب الوحيد، لأن الشعر قديم، ولكل قديم منه معايشة شفوية في زمن ما.
ونودّ في هذه الفقرة أن نبين أن دراسة العنصر الموسيقى للقرآن ليست وليدة عصرنا، وما يشغلنا هاهنا محاولة استقصاء بعض الدلائل والمواقف التي تبرهن على وجود تذوق سمعي عاصر البعثة النبوية الشريفة، وكذلك نبحث في الدلائل القرآنية الداعية إلى مراعاة الإعجاز الموسيقى وتفهّمه، وكذلك لا بدّ من الإشارة إلى مقارنتهم القرآن بالشعر وقضية المعارضة التي تتصل بموسيقا القرآن.
стр. 73
- في القرآن والحديث:
نجد في رحاب الآيات الكريمة تسمية الكتاب العظيم بالقرآن، فقد ورد هذا الاسم سبعين مرة، وهذا أضعاف ذكر أيّ اسم غيره كالفرقان والكتاب، مما أحصاه العلماء، وكانت الكلمة الأولى من الوحي «اقرأ» في الآية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «١»، وقد اشتقّت كلمة «القرآن» من القراءة، فهي تتطلب السمع. وحضّ القرآن على استعمال حاستي السمع والبصر، وهما وسيلتا تذوّق الجمال مثل قوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «٢» وقوله : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ «٣».
وليس ما استنبطه علماء التجويد إلا أصلا في قراءة العربية، وقد قال السيوطي: «إن العرب لا تنطق بكلامها إلا مجوّدا» «٤»، وقد استخلص عبد العزيز بن عبد الفتاح قواعد التجويد من جهود السّلف، ووضع مصنفا قال في مقدمته: «والمقصود الرئيسي خدمة القرآن الكريم، والتوصل إلى النطق العربي النبوي الفصيح بكتاب الله، وليعلم كلّ من درس هذا العلم، أو قام بتدريسه أنه- وإن كان يعتمد على النقل والرواية فحسب، إلا أن مصدره ومرجعه في الحقيقة الذوق العربيّ الفصيح» «٥».
فالتجويد ليس شيئا إضافيا أو زركشة لتزيين كلمات القرآن، فهو إعطاء الحرف حقّه في الأداء، وبما أن النسق القرآني فريد النوع، فقد كانت قواعد التجويد بالغة الأهمية، لأنها تبرز جمالا سمعيا غير معهود، كما أن مراعاة قوانين التجويد مراعاة للعربية التي هي المادة الصوتية لهذا الكتاب العظيم، وهي لغة تستبعد بطبيعتها الوعورة والثّقل، فقد اختار الناطق بها كلّ سهل مستساغ، وكان القرآن اختيارا آخر، ولهذا كانت آياته إعجازا لهم، لأنه يفوقهم
стр. 74
في هذا المجال بمراعاة دقائق فنية موسيقية، وهي ما يدعى بالموسيقى الداخلية، ومن الجهل أن يعدّ التجويد زركشة، ذلك لأن الذوق والقانون الصوتي متلازمان.
وفي القرآن نجد حضّا على جمال الأداء في قوله : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا «١»، ويؤكّد لنا فعل الترتيل بالمفعول المطلق، وهو ما يفوق الإنشاد والقراءة العادية، ويسمو على مطّ الغناء واضطرابه، وقد ذكرت هذه الآية في سورة تحمل اسما من أسماء القرآن، إنها سورة الفرقان، أما المكان الثاني الذي يذكر فيه الترتيل، فهو سورة المزمل، أوائل نزول الوحي المبارك، وفي هذا حجّة على إعجاز نسقه، والسورتان من العهد المكي، حيث تعنّت الكفار وعنادهم، يقول تعالى في سورة المزمل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «٢». وكذلك يؤكّد الفعل بالمفعول المطلق، وهنا يختصّ الترتيل بزمن الليل زيادة في جماله في هدأة الليل، حيث صفاء النفس، وذلك لأن المولى عليم بأن السمع نافذة على النفس، وحافز على الانفعال والتفاعل مع متطلبات دينية حيوية وأخروية.
وقد سبق علم التجويد تشجيع الرسول ﵊ على الأداء الحسن الذي يركّز على الإحساس بالتشكيل الموسيقى في إيقاع القرآن، ذلك الأداء الذي يراعي دقائق داخلية يمتاز بها النّسق القرآني من مدود وصفير وجهر وقلقلة «٣»، مما يعرف عن صفات الحروف، إضافة إلى تجميل الصوت عند أداء القرآن.
وقد روي أن الرسول ﷺ : «قرأ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على
стр. 75
راحلته فرجّع في قراءته» «١». فقد كان يهتم بالأداء الحسن، وهذا يتضمن مراعاة لفظ الحركات، وإعطاء الوقفات والغنّات «٢» ومخارج الحروف حقّها، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر به» «٣».
ويعلّق الغزالي على هذين الحديثين قائلا: «قيل أراد به الترنّم، وترديد الألحان به، وهو أقرب عند أهل اللغة» «٤».
بيد أن هذا اللحن ليس بمطّ مبتذل، فهو محكوم بقوانين اللغة التي تساعد على إبراز النظم الموسيقى المعجز، وهذا التّغنّي لا يصل إلى مرتبة الغناء والإنشاد ولا يهبط إلى مرتبة القراءة، وإلى هذه المعيارية يشير الحديث النبوي: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتابين، وأهل الفسق، فإنه سيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة» «٥».
وعلى هذا المنهج سار السلف الصالح، فلا يميلون إلى درجة الغناء، ولا إلى الغمغمة السريعة، وفي هذا الوعي المتجلّي في التأنّي نجد ابن عبّاس ﵄ يقول فيما نقله الغزالي: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبّرهما، أحبّ إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة» «٦».
فللتأنّي في تلاوة القرآن فضيلة المتعة السمعية، وهذا لا يكون إلا مع تدبّر
стр. 76
معانيه، فلا انفصام بين التدبّر والتذوّق.
ومن الدّلائل على الإعجاز الموسيقى في القرآن فواتح السور التي اختلف المفسرون حول المقصود منها، وقيمة وجودها في هذا المكان، وبعضهم شطّ به الخيال، فربطها بحساب الجمّل «١»، وبعضهم سلّم الأمر إلى الخالق، وفوّض إليه التأويل.
وتتصدر هذه الفواتح السور المكية، إلا سورتي البقرة وآل عمران، فهما مدنيتان وهذا يعني وجودها في سور لاقت عنادا ونكرانا لمصدر القرآن، فهي تبيّن عدم قدرة الناس على تأليف كتاب مثله أو من مثله، وإن كان من جنس حروفهم، والسورتان: البقرة وآل عمران مشتملتان على مقاصد القرآن المكي في إقامة الحجج على حقيّة القرآن ودعوته «٢».
ومن الذين تنبهوا إلى الأثر الموسيقى للفواتح الزركشي الذي لمس العلاقة بينها وبين الفواصل، إذ تقوم هذه الفواتح مقام الافتتاحيات التمهيدية في المقطوعات الموسيقية، ذلك عند ما تمهّد لتماثل الرّوي، كما في سورة آل عمران: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٣» أو تقارب الرّوي، كما في سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «٤»، وذلك لتقارب مخرجي النون والميم، وهذا وارد في سور أخرى، مثل: العنكبوت والشعراء والقصص، وهناك تمهيد لتناغم المدود كما في سورة «صاد» «٥».
ويذكر الزركشي كثرة ورود الحروف المقطعة ضمن كل سورة تبتدئ بها فيقول: «وقد عدّ بعضهم القافات التي وردت في سورة (ق)، فوجدها سبعا
стр. 77
وخمسين، مع أن آيات السورة خمس وأربعون، وفي سورة (ن) تكرر هذا الحرف أربع عشرة ومائة مرة، وآياتها اثنتان وخمسون، وجميع فواصل السورة تنتهي بهذا الحرف «ن» إلا عشر آيات تنتهي بالحرف ميم» «١».
والميم والنون متقاربان إذ يخرجان من الخيشوم مع الغنّة، وقد أشار محمد الحسناوي إلى إعجاز الفواتح الموسيقى في كتابه «الفاصلة في القرآن» «٢» فهذه الفواتح للتحدّي والردّ على تهمة الشعر والكهانة.
لم يكتف القدامى بالمعاني الإشارية لهذه الحروف، فقد أكّد كثير منهم أنها وسائل تنبيه، إلا أن الغاية الموسيقية لم تعط حقّها في نظرتهم، على الرغم من دراستهم لطبيعة هذه الحروف، يقول السيوطي: «وقيل المقصود بها الإعلام بالحروف التي يتركب منها الكلام، فذكر منها أربعة عشر حرفا، وهي نصف جميع الحروف، وذكر من كل جنس نصفه، فمن حروف الحلق الحاء والعين والهاء، ومن التي فوقها الكاف والقاف، ومن الحرفين الشفويين الميم «٣» ... ».
والقرآن يشير إلى تكوين العبارات في نسق موسيقي ممتع من خلال انتقائه للحروف المقطعة، وبذلك يكون معجزا للمشركين بسلاح كانوا يدركونه، خصوصا أن مسألة الفواتح أمر فريد من نوعه، لم يعرفوه في استعمالهم، ولا في أشعارهم، ولم يبلغنا أن القدامى توصلوا إلى فائدته الموسيقية إلا ما كان من الزركشي، فإنهم رصدوا هذه الحروف من خلال علم فقه اللغة، فعرفوا مخارجها، وإنّ من بعدهم بذلوا جهدا كبيرا في تطبيق صفات الحروف، فتوصلوا إلى هذا الرمز الموسيقى في القرآن.
ونستدل من القرآن على نموذجين من الجمال الموسيقى:
стр. 78
الأول: ظاهر يتجلّى في الفواصل والحروف المقطعة، والفواصل تشبه قوافي الشعر، وتختلف عنها بالتمكن والتنوع.
والثاني: جمال خفيّ مكنون بين الحرف والحركة، ومن خلال الانسجام بين الصفير والإطباق والبطش والانزلاق، وذلك في نسيج متكامل يأخذ كلّ جزء منه مكانه الطبيعي، ووفق ما يناسب الموضوع شدة ولينا، ولم يستطيعوا التعبير عن هذا النوع، على الرغم من اعتراف فطرتهم به، لندرته في الشعر، ومجيئه فيه آليا من غير قصد، وربّما بشيء من الفوضى والتنافر.
- شهادة معاصري نزول الوحي:
من أوائل الثناء على أسلوب القرآن ما جرى على لسان الوليد بن المغيرة الذي تنوقل كلامه في بطون كتب التاريخ والإعجاز والسيرة جميعا، إنه يحضر ويسمع شيئا من القرآن، ويقول السيوطي: «فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له ... ، ويذكر قول الوليد: «فو الله للذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته» «١».
لقد تناقل دارسو الإعجاز هذه العبارة بلا تعمّق في ماهية الكلمات، وأبعادها، فلا شك أنها تمثل نظرة فنية عميقة، ووعيا للأثر الموسيقى، فالرجل مدرك بفطرته ميزات ما يسمع واختلافه عما عهد، فيقدّم رأيا معياريا، إنه يريد بالحلاوة سهولة النطق بمفردات القرآن، وهذا يتأتّى من جنس الحروف ونسقها وانسيابها ولينها، وهو رقيق حلو لدى القارئ والسامع، ولعلّه يؤكد هذه المزيّة من خلال ذوقه بوصفه «مثمرا أعلاه»، فإذا كان هذا العلوّ هنا هو اللحن المختوم في الفواصل التي تتخذ لها أردافا «٢» من المدود غالبا، فإن «المغدق أسفله» هو الموسيقا الداخلية المبثوثة فيما قبل الفاصلة، فهناك إذن تلذّذ في النطق والسمع، وفي البداية والنهاية، وذكر الوليد للمساحة مستمدّ من فهمه
стр. 79
لشكل البيت الشعري، ففيه ضرب وعروض وقافية وصدر وعجز، والمتعة في الآية كلّها، وقد بدأ بالفاصلة لشدّة ظهورها، ومن ثمّ عاد إلى نسق الكلمات داخل الآية، فلا خلل حتى الوصول إلى إشباع هذه الموسيقية بالفاصلة، وكلمة «مغدق» تشير إلى كثرة المياه، ولذلك اتصلت بالكرم، فقالوا: أغدق عليه، أي أكثر العطاء، وهاهنا تدل على سلاسة النطق، ولين الحروف، وهذا أيضا في «طلاوة» التي تنمّ على اللّيونة لا الخشونة، والقرآن لم ينزع إلى غريب وحشي، فقد نبذ ما هو سوقي ومستثقل، ووثّق للأمة العربية ما هو رفيع سام، وكأنّ «الطلاوة» ذلك التأنّق الفائق الحسن.
ولم ينس الوليد جزالة القرآن وفخامته، فهو «يحطم ما تحته»، والعبارة هنا تشير إلى مناسبة الكلمات للمواقف، فهي شديدة في موقف مثل قوله تعالى:
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ «١»، ولينة في مواقف الرحمة والعطف، والانسجام متحقق في الطرفين، فمن دواعي الشدة والوعيد وجود الطاء والشين، والوقوف على الدال وتكريرها، وسكون الطاء، ومثل هذا كثير.
لقد اعترف بموضوعية خالصة بتفوق القرآن على الشعر، يقول البيومي عن سبب مقارنة القرآن بالشعر هنا: «وإنما تحدث الوليد عن الشعر دون النثر، مع ما كان في قريش من فرسان الخطباء، لأنه بداهة دون الشعر تأثيرا، وعمق نفاذ، وأن سطوة البيان القرآني قد فاقت سطوة الشعر المأثور، فأحرى بها أن تفوق الأقوال من خطب
ومنافرات وأمثال» «٢».
والشعر أعقد فينا من فن النثر، ونضيف إلى كلام البيومي أن الوليد اكتشف بفطرته العنصر الموسيقى في الجزئيات، وهو قلّ أن يراعى في النثر إلا ما يكون في شكله الظاهر من توازن وتسجيع، وأن تنوع رويّ الفواصل يتبع تنوع المعاني، وهذا غير وارد في النثر، والقرآن لم يتحدّ قريشا وحدها، بل تحدّى كل العرب، وقد اشتهروا بالشعر، بل كان في أسرة النبي ﵊
стр. 80
عدّة شعراء «١».
وقد وردت مقارنة القرآن بالشعر على لسان مشركين آخرين، ومنهم من آمن، بعد أن انتهى إلى سمو النظم القرآني، ومخالفته للشعر، فقد روى أبو ذر الغفاري عن أنيس أخيه ﵄ وقد كان شاعرا-: «لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون» «٢».
وقرين هذا الوعي ما حصل عند مجيء عتبة بن ربيعة الذي كلّفه المشركون بتقديم المغريات للنبي ﷺ ، لكي يتخلّى عن الدعوة الإسلامية، وقد كان ردّ الرسول الكريم: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟». قال: نعم، قال: «فاستمع مني» قال: أفعل، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ «٣» ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلمّا سمعها منه عتبة أنصت إليها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك» فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشّعر، ولا هو بالسحر، ولا بالكهانة» «٤».
لقد أنصت بارتياح إلى هذا النص الإلهي، وأبعد عنه تهمة الشعر لما وجد فيه من حلاوة خاصة تتخلل كلماته، وذلك النسق الفريد الذي اتسم به.
ولا يقتصر مفهوم الأقراء- القوافي- في كلام أنيس ﵁ على الكلمة الأخيرة من الآية أو البيت الشعري، بل يشمل كل النشاط الفني، ويبدو
стр. 81
أنه تنبه إلى تنوع روي الفواصل، وهذا يتّضح في السور المكية التي كان هذا الرأي وغيره في زمنها، ولقد لمس التفاوت الكبير بين القرآن والشعر، وإن كان أقلّ تعمقا من الوليد.
حار العرب في أمر القرآن، وقد عجزوا عن معارضته، بماذا يواجهون هذا الإعجاز؟ فجعلوا القرآن شعرا، واتهموا النبي بالكهانة والسحر، وكل هذا يدل على اضطرابهم، وفقدان الموضوعية في اتهاماتهم، فالدقائق الفنية الموسيقية في القرآن تثبت وجودها، وتؤكد عجزهم، يقول دراز: «إن أول شيء أحسته الأذن العربية في نظم القرآن، هو ذلك النظام الصوتي الذي قسّمت فيه الحركة والسكون تقسيما منوعا يجدّد نشاط السامع لسماعه، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعا بالقسط يساعد على ترجيع الصوت به .. إلى أن يصل إلى الفاصلة، فيجد عندها راحته العظمى» «١».
هذيان مسيلمة
: خشي المشركون من صراحة الوليد وعمق نظرته، واستخفّوا بكلام مسيلمة الذي التفّ بعضهم حوله عصبية ونتيجة النّعرة الجاهلية، وما هو إلا التفاف قبلي غاشم، فقد عيّروا الوليد، إذ صبأ عن دينهم، فلم يجد له مخرجا لكي يحفظ ماء وجهه،- وهو ذو مكانة- إلا أن يؤكد عدم استطاعة العقل البشري وحده على قول القرآن، فما كان أمامه إلا أن ينسبه إلى السحر إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ «٢»، فهو بهذا الكلام يعترف بأن القرآن ليس كلاما معتادا.
وكان من وجوه إجمال القدامى ما يتجلّى في تكذيب مسيلمة، فقد أثبتت المصادر نتفا من هذيانه وتعلقه بالشكل، وفي هذا المجال يستثنى الخطّابي، فهو الوحيد الذي أطال الوقوف، ليحكّم منطق العربية بين القرآن، وما لهج به لسان مسيلمة، فهو يقول عن شروط المعارضة: «وسبيل من عارض صاحبه في خطبة أو شعر أن ينشئ له كلاما جديدا، ويحدث له معنى بديعا، فيجاريه في
стр. 82
لفظه، ويباريه في معانيه ... وليس بأن يتحيّف من أطراف كلام خصمه، فينسف منه، ثم يبدّل كلمة مكان فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق» «١».
وهو ينطلق من الواقع الأدبي لاستخدام الكلمة وتركيب الكلمات.
ونحن لا نطلب منه أن يقول مسيلمة بشر، والقرآن كلام الله، وعلى أية حال، فالقرآن توحيد وتشريع وحقائق كونيّة لا تقرن بهذيان من انبهر بالشكل، فقلّده في حركة يائسة، وبدّل كلمات الإيقاع الموسيقى الذي اتسمت به السّور المكية القصار خاصة، وظن أن الأمر سهل التناول والإحاطة به كما يوسوس له، كأن يقول: «الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل ... إلى آخر هذا الإسفاف.
ويعلّق الخطّابي على خطله في استخدام هذا النظم من وجهة نظر مضمونية: «أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة، إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهي الغاية في معناه، كقوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ «٢»، وهنا يظهر معنى الترقيع، وإنها لخطوة مباركة من الخطّابي، لم نجدها عند من تلاه.
ومن مظاهر سبر الأغوار عند الخطّابي تمحيصه استخدام مسيلمة العابث للمفردة، وقد فنّده الخطّابي بموضوعية، فهو ينقد قوله: «ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى» فيقول: «فإنّ أول ما غلط به هذا الجاهل، أنّه وضع كلمة الانتقام في موضع الإنعام .. وإنما تستعمل هذه الكلمة في العقوبات ونحوها، وإنما وجه الكلام مما رامه من المعنى أن يقول: «ألم تر إلى ربك كيف لطف بالحبلى» «٣».
فكلمة «فعل» تعبر عن التهديد والعقوبة كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ «٤»، وقد وردت في ذكر عاد وثمود وفرعون، وإلى
стр. 83
هذا اشار الجاحظ عند ما نبّه على الفرق بين المطر والغيث، والجوع والسغب «١»، لذلك يبدو واضحا أن كلمة «فعل» لا تناسب ضعف الحبلى.
لقد درج العلماء على تسفيه كلام مسيلمة، ونالوا منه بعبارات الاحتقار من غير تبيين وجه سفاهته، وتقول عائشة عبد الرحمن عن الباقلاني: «ملأ ثلاث صفحات من كلام مسيلمة وسجاح التميمية، ليقول: «ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام» «٢».
ويمكننا أن نردّ على كلامها ملتمسين العذر لمنهج القدامى في أنهم اعتمدوا الحكم الإجمالي بلا تفصيل اعتمادا على ظهور السّخف والضعف في كلامه، خصوصا أن عصرهم عصر نضج علم اللغة العربية، ونستند في هذا الرأي إلى الشرط الذي ذكره الباقلاني، وهو إتقان فنون العربية لفهم البلاغة القرآنية، إذ قال: «أما البليغ الذي أحاط بمذهب العربية، وغرائب الصّنعة، فإنه يعلم من نفسه عجزه عن الإتيان بمثله، ويعلم بمثل ما عرف عجزه عجز غيره» «٣».
وكان من الطبيعي ألا يلجأ مسيلمة إلى الشعر، فقد أدرك البون بينهما في الظاهر، ولعلّه أدرك الموسيقا الداخلية وأبعادها النفسية، فتجاهلها، وتجنّبها لعدم قدرته على معارضتها، فقد كان الأمر يحتاج إلى إحاطة بالغة لا يصلها بشر، وهي إحاطة ترتيب الحروف والحركات، فظلّ في معارضته ناثرا شكليا.
ولم يكتف بتقليد الفاصلة، بل عمد إلى شيء من الموازنة في بعض هذيانه، ومن أقواله ما يذكره الباقلاني: «والليل الأصحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، وما انتهكت أسيد من محروم» «٤»، فالكلمات السابقة على وزن واحد، لأن القافية على وزن «أفعل» أصحم، أدلم، أزلم، والقافية الداخلية على وزن «فعل»، وهذه الشكلانية المحضة قد أوقعت به في الغريب مثل الأدلم والأزلم، وفي سوقية اختيار الذئب ذلك الحيوان المفترس الخدّاع، وتتبدى الوعورة في
стр. 84
صوت «الأصحم» التي ينفر منها الذوق، لثقلها وشدّة جهرها، فإذا قارناها بقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ «١» لمسنا التفاوت، فالهمس يتجسّد في تكرير السين، وهو يناسب الليل، وليس هذا في تسكين الصاد المطبق، وتسكين الميم الشفوي، فكأن «عسعس» ترسم الأجواء الليلية الهادئة، ويمكن أن نقارن بقوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى «٢»، ولهذا ندرك عدم مراعاته للسلاسة التي هي جزئيات الكلمات الحاملة للمعاني المقصودة.
لقد أولع هذا الرجل بالقوالب الظاهرة في قصار السور المكية، فلجأ إلى أمثال الأدلم والأزلم والجماهر، فأخفق في هذا الجزء من الكتاب الأعظم، ناهيك عن سائر السور القرآنية، وقد حسب أن داء الإغراب هذا يغطّي تفاهة مضمون كلامه، فوقع في هذيان كان القتل شفاء له من هذا الداء.
وفي إمكان المرء أن يقدم دراسة مستفيضة لأقواله، فيشذّبها من خلال علم فقه اللغة على الأقلّ، وذلك بنزاهة علمية، ليبين خطله.
وكان يجدر بالرافعي الذي أفاض في دراسة النظم الموسيقى للقرآن أن يطبق نظريته على كلام مسيلمة، كما طبق الخطابي إحساسه بالفروق اللغوية على استعمال مسيلمة المشين، على الرغم من إيماننا بتفاهة مضمون كلامه، فما هو إلا تخرّصات، ولا بد لنا أن نكذبه في تقليده الشكلي، لنؤكد أن الصورة الفنية للقرآن لا تصلها بلاغة بشر، لأن المضمون القرآني بمنأى عن هذيانه، أي بمنأى عن موضوعاته التافهة مما جرى على لسانه، والنّعرة الجاهلية لم تكن عمياء عن سخف ما قال، وقد كان في إمكان الرافعي أن يقدم دراسة صوتية، وليس يكفي أن يقول: «كل كلامه واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النّسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه» «٣».
فليس يتوضح معنى الاضطراب والتماسك والاستهلاك، وهو الأديب الذي ينثر صفحات في تأمل آية واحدة، فالإجمال لا يقتصر على القدامى.
стр. 85
لقد نبذ التعبير القرآني جانبا قيود القافية الشعرية الموحّدة، والوزن الواحد الذي يبعث أحيانا على الرّتابة، خصوصا إذا نظرنا إلى تلوّن إيقاع القرآن مع تلوّن المواضيع، وإضافة إلى هذا لا تكون الفاصلة قلقة، بل توافق بنيتها المعنى المقصود تماما إذا كان المعنى يتمتّع بأكثر من صيغة مثل «قادر ومقتدر» و «غافر وغفّار» وعال وأعلى، وقد اعتمد إيقاع التكرار، وأحيانا نجد لازمة موسيقية مثل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» وتبدو عنصر تنبيه وإمتاع معا، فقد تكررت هذه اللازمة في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة فالقرآن نظام صوتي حرّ وجديد.
تصور بعضهم قربه من الشعر، كما رأى المشركون، وقرّبه بعض المحدثين من النّثر، والحق أن الشبه الظاهري الذي يذكره الأقدمون بين القرآن والشعر غير تام، فرتابة الوزن استعيض عنها بإيقاع يبعث على الراحة في مكان، وعلى الانفعال القوي في مكان آخر، وقد تجسدت المشاعر في طول الآيات وقصرها، وهذا الشبه الظاهريّ الناقص ليس وحيدا في تهمة الشعر، بل السبب الأقوى هو العناد، إنما استغلّوا هذه الطريقة في القرآن لدعواهم الباطلة.
- معارضة الشعراء للقرآن:
ومن مظاهر حرية الفاصلة أنها حرة موسيقيا مقيدة بالمعنى، وقد تجاوزت أسسا كثيرة من أسس فنّ القافية، كوحدة حركة الحرف الذي يسبق الرّدف، أي الحذو، واختلاف سناد التوجيه أي حركة الحرف الذي يكون قبل الرّويّ المقيد، مثل «اصبر، ونظر»، والأمثلة كثيرة على حرية الفاصلة وجمالها معا، وكذلك اختلاف الرّويّ.
ولقد تحدث القدامى من الدارسين كالباقلّاني «٢» وغيره عن مواضع تشابه القرآن والشعر، ومواضع اختلافهما، ودفعوا عن القرآن تهمة الشعر والسجع، وشغلهم هذا الردّ عن معرفة ما وجد بديلا عن هاتيك القوقعة والجمود والرّتابة.
стр. 86
وتدلنا كتب الإعجاز على تعلّق الدارسين بالشعر، ونحن نأسف لأن نجد ما يشبه هذا التعلق إذا قرأنا ما جاء في كتاب نعيم الحمصي، فهو يرى أن بيان القرآن أعجز العرب الأوائل معاصري الرسول ﵊، لأنهم شعراء فقط، والقرآن أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، فهو يقول: «لتخلّف العرب في فني النثر والخطابة كانت دهشتهم من بيان القرآن وأسلوبه عظيمة جدا، دونها دهشة وتقدير الأدباء العباسيين الفحول الذين تجرّأ بعضهم، أو اتّهم بأنه تجرّأ على معارضة القرآن» «١»، وكلنا يعلم أن الذين اتّهموا بمعارضة القرآن شعراء على الأغلب.
وهذا الرأي مردود، لأن الخطابة لم تتخلف عن الشعر، فقد كانت في مستواه جودة وتحبيرا، ونبغ خطباء مفوّهون في الجاهلية شهد لهم بالبراعة، واستجلاء الفكر، إلا أن الشعر كان من جهة الكم أكبر واستعماله أكثر، وهو أسهل حفظا نتيجة موسيقاه، فتداولوه في الحرب والسلم، ثم إن العرب قارنوه بالشعر، وليس بالنثر، وقد ارتأت لهم القرابة من جرّاء فواصله، ثم تراجعوا عن كونه شعرا، وما كلامهم في شئونهم وأمورهم المعيشية إلا خطب فصيحة تفوق ما جاء به العباسيون.
ثم إذا كانت دهشة العباسيين أقلّ من الجاهليين- كما يرى الباحث- فهذا يعني مع الطرد العكسي تقدم الزمان وتأخر البيان القرآني، وكأنما يعني الباحث في كلامه اطراد قلّة الدّهشة في ظروف تقدّم الأدب، والعكس هو الصحيح، فكلما نضج الأدب ازداد بيان الإعجاز، وهذا ما تثبته الدراسات الحديثة.
ومن المحذور في هذا المقام ما ذكره «عز الدين إسماعيل الذي خيّل إليه أن بعض الشعراء قد عارض القرآن في صورته الأولى، فتوصل إلى مرتبتها الفنية، فهو يقول: «هكذا يقف الشعراء من ذلك الأثر الأدبي- القرآن- يقيسون به أنفسهم أحيانا، ويأخذهم الزهو، فيفضّلون إنتاجهم عليه في بعض الأحيان، ولكنهم في كل الحالات لم يكونوا يتأثرونه، أو ينحون عليه إلا في ناحيته
стр. 87
الشكلية، أي في صورته الأولى، أما ما فيه من أخلاقية، فقد كانوا بعيدين كل البعد عنها» «١».
والحق أن كل شاعر يصبح دعيّا في الأدب إذا توهّم أنه قادر على معارضة القرآن، والتفوق على أسلوبه، لأنه حينئذ يبرهن على جهله بجزئيات فن الشعر الموسيقية، وليست الموسيقا القرآنية منفصلة عن المضمون الأخلاقي، ولا يحق أن ندّعي أن بعض الأدباء فضّلوا أدبياتهم على القرآن، فنالوا شرف رتبته في الصورة الأولى كما يسميها الباحث، ونظل نكتفي بغائيته ومضمونه الأخلاقي والغيبي وغير هذا، ليكون هذا وحده عزاءنا- نحن المسلمين- بل نرفض كل مقولة تتماشى مع هذه المقولة الباطلة منطلقين في حكمنا من دراسة فن الكلمة العربية على الأقل، ولم يتوصل الشعراء- إن صحّ الادعاء- إلى شيء، إن هي إلا شائعات روّجها رواة مغرضون بعيدون عن الروح العلمية، والدوافع الموضوعية.
ولقد تحدّى القرآن العرب الفصحاء الذين عهد عنهم التحدي بالشعر، فكانت لهم مساجلات شعرية، وإذا كان هؤلاء قد استيأسوا من حق معارضته، فإنّ عجز من كان بعدهم أبين، أما وضع كلمات على وزن كلمات القرآن، فهذا ما يدعو إلى السخرية بعد أن تفضح اللغة كاتبها، ويجب التنويه هنا بأن الأديب البليغ يزداد شعوره بعجزه عن معارضة القرآن، والوصول إلى مرتبته حينما تسمو بلاغته، لأن الأمر لا يقتصر على تقليد الرّويّ والوزن كما تكون معارضة الشاعر لشاعر آخر، بل سيصدم الأديب حين يحاول المعارضة بأنه أمام نسق فني لا يقع على مثله في إبداع البشر، والسر في ذلك أن القرآن عني عناية فائقة بدقائق فنية تظهر لكل متدبّر واع متذوق، فيفهم منها أن قائل هذه الكلمات لا يمكن أن يكون من البشر.
أما ما تناقله بعضهم من أخبار حول معارضة أبي العتاهية لسورة واحدة في إحدى لياليه، ورجوعه عن هذا، فخبر لا صحّة له، وكذلك ما يروى عن المعري الذي ذكر ما ينمّ على شكّه في اللزوميات، وهذا لا يعني استمراره في الشك أو معارضة القرآن، وما كتابه «الفصول والغايات» الذي اتهم بأنه عارض
стр. 88
القرآن به إلا تمجيد وتسبيح لله، وهو شاعر زاهد كأبي العتاهية، فلا يمكن الاعتماد على شائعات أدبية «١» - كما صنع الباحث- للنيل من رفعة الإعجاز الفني في أسلوب القرآن، وهي شائعات- إن صحت- كانت دليلا على سمو البيان القرآني على غيره.
فالبشر لا يمكن أن يأتوا بمثله لا في الصورة الأولى، ولا في الصورة الثانية، وذلك لأن الخالق يقول عن كتابه: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «٢»، وقال ﵎: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٣».
- الإجمال في التذوق السمعي:
ظلّت المصطلحات الموسيقية مجملة في بداية دراسة الإعجاز، وكان هذا أشبه بالداء الذي استشرى قرونا، ولقد ابتلي الرافعي وقطب وغيرهما بهذا الداء في عدم تفسير إعجابهما بكثير من الموسيقا التي لمحاها في القرآن، وكذلك القدماء الذين لم يكونوا على جهل بالتذوق السمعي، إنما لم تساعدهم المصطلحات التي اعتمدوها على كشف جمال الميزات الفنية في إطار تحليلي إلا ما ندر، وإن كانوا قد وصلوا في دراساتهم إلى جماليات سمعية من خلال التفكير بالفواصل، ودفاعهم عن القرآن في دحض شبهة الشعر، وقد ماثلوه بالشعر والنثر بمصطلحات نقدية، مثل: التوازن والانسجام والازدواج والتكرار، وردّ العجز على الصّدر، كل هذا كان مساهمة في دراسة الإيقاع، وقد نظروا إليه من ناحيته الشكلية.
إن وعي القدامى كان مغلّفا بكلمات تعارفوا عليها وتداولوها، ونتّخذ الخطّابي نموذجا منهم، إذ يقول: وأما ما ذكروه من قلة الغريب في ألفاظ القرآن، بالإضافة إلى الواضح، فليست الغرابة مما شرطناه في حدود البلاغة،
стр. 89
وإنما يكثر الغريب في كلام الأوحاش من الناس، والأجلاف من جفاة العرب» «١».
والمقصود بالغرابة نفور السمع وصعوبة النطق لكلمات أهملها الذوق العربي، وقد ترد على لسان الأدباء، وتتعين أحيانا في تقارب المخارج، أو تكررها مثل «مستشزرات» وغيرها مما يحصيه علماء اللغة.
والخشونة تنبع من طبع المتكلم، فقد رأى النقاد أثر خلقة الفرزدق وخلقه في مفرداته «٢»، ولم يكن هدف القرآن الإغراب لمنافسة إحصائية تجمع الصّالح والطّالح من
الكلمات، كما عهد هذا في فن المقامات التي أغرقت في كثير من الكلمات القاسية التي أهملها القرآن.
وهذه المصطلحات الموسيقية في الفن القولي هي أوضح لدى ابن الأثير ومن تبعه، وكان يحبّذ جهدهم الكبير في هذا المجال الذي يقوم على تفسير الذوق وتقديم معايير مستخلصة من النص، ومن المتعارف عليه في فن الأدب، بدلا من الارتياح الذاتي للمفردات الليّنة، وكما قلنا سابقا كان بإمكانهم الاستفادة من علم التجويد وفقه اللغة لسبر موسيقية الكلمات.
لم تكن القيمة السمعية إذا خافية عليهم، فقد اصطلحوا على عبارات تشمل كلّ جمال سمعي في المفردة، وربطوه بمقولة الكلام الفصيح، ولا شك أن الفصاحة ارتبطت بشكل الكلمة، وأنها جزء من البلاغة التي تشمل الشكل والمضمون.
وكانوا يطلقون لدى إعجابهم كلمات بمنزلة تفريعات للفصاحة، فقالوا:
عذب، رونق، رقيق، سلس، مليح، فخم، إلى آخر هذه الكلمات التي تنفي الوحشية والوعورة، وفي هذا تقول روز غريبه: «وقد جعلوا السلاسة والانسجام المحلّ الأول في كتب النقد، فسموا ذلك حلاوة النّغمة، وسمّوه فصاحة المفرد، أي أن يكون اللفظ سمحا سهل مخارج الحروف، وفصاحة
стр. 90
المركب، أي انسجام الألفاظ مجتمعة، وائتلافها وعدم وتنافرها» «١».
والخطوة الأولى في هذا المجال للرماني الذي مهّد لابن سنان وابن الأثير بعده توسيع مفهوم الانسجام في مخارج الحروف، وإنما ظلّ القدامى مقصّرين في جانب الدلالة النفسية للقيمة الموسيقية في القرآن، فغالبا ما ربطوا الأمر بالأذن فقط، فقد دلّوا على صورتها الأولى، فأحسّوا جمال الوقع على الأذن، ولم يفهموا علّة تنوع النّسق، واختلافه من سورة لسورة، ولم يتعمّقوا فيما تبثه الموسيقا من مشاعر ارتياح أو انقباض وتفاعل حي، ولمحمد الحسناوي جهد إحصائي تطبيقي في هذا المجال في كتابه «الفاصلة في القرآن»، وقد خص الباب الرابع منه لإيقاع الفاصلة وجمال مكانها من الآية مستعينا بفن الموسيقا وعروض الشعر «٢».
ولا بدّ من الإشارة إلى جهود الأسلاف التي مهّدت للمحدثين، وكانت عونا لهم، وإن اختلفت المصطلحات، وفي هذا تقول روز غريب: «وقد شغف العرب بموسيقا اللفظ، وازدانت بها لغتهم منذ نشأتها، وما التسجيع والتوزان والازدواج، وأنواع البديع، وقوانين الإعلال والإدغام، وعدم جواز البدء بالساكن، ما هذه سوى مظاهر أخرى لاهتمامهم المفرط بجمال الرنّة وحسن الإيقاع» «٣».
ويضاف إلى كلامها أن دارسي الإعجاز، كان بإمكانهم الاعتماد على علم القراءات والتجويد وفقه اللغة للوصول إلى دقائق موسيقية قد لا تراعى إلا قليلا في الشعر، فالشعراء لم يجيدوا استخدام «الرّنّة» في التعبير عن المعاني الذهنية النفسية على الرغم من وجودها في التراث العربي كما تقول غريبه.
وموسيقا القرآن واضحة لكل نظر دقيق، وهي ذات هدف ديني جمالي معا، فهي رمز هادف، ولربما توضّح هذا في حلاوة ألفاظ بعض الغزل، ولكنه لم يطرد في كل معاني الشعر، وفي القرآن نجد أن الموسيقا أداة طيّعة في إبراز
стр. 91
معاني الشدة والرحمة، التهديد والتّلطّف، وسيتضح هذا في مكانه من البحث.
ونستطيع أن نجزم بأن المحدثين الذين تنبّهوا إلى تجسيد الأصوات للمعاني، ما استطاعوا الاستفاضة فيه لولا تعليق القدامى على جزالة الألفاظ ورقّتها، وبحوثهم في فقه اللغة والتجويد، حيث قسّموا المخارج، وبيّنوا صفات الحروف، فهي مطبقة وشديدة ورخوة وهامسة، حيث قسّموا المخارج، وبيّنوا صفات الحروف، فهي مطبقة وشديدة ورخوة وهامسة، بل أسهبوا في كيفية خروج الصوت حتى يصبح حرفا بدءا من الحلق حتى الشفاه، كما صنع ابن سنان وابن جني وغيرهما، وسوف نعتمد دراستهم في بسط تحليلات المحدثين والقدامى لموسيقى الألفاظ، وتفسير هذا من خلال فقه اللغة.
وهناك رأي طريف لا بد من ذكره، للطيب المجذوب، في عدم استخدام القدامى لمصطلح «الجرس» واستعمالهم مصطلح «الفصاحة» بدلا منه، وهو يؤكد أن الرادع الديني هو السبب، فقد قال: «ومن العجيب حقا، أن النقاد، وهم يشملون دارسي الإعجاز، ضلّ عنهم أن يستعملوا كلمة «الجرس» استعمالا اصطلاحيا، وهي أولى من كلمتهم «الفصاحة» وأحسب أن للدّين يدا في هذا، فقد كانت الموسيقا والغناء، لولا تعشّق بعض العلية من الخلفاء والأمراء وبعض أهل الذوق من المتصوفة لها، بالمرتبة السفلى والحضيض الأوهد في نظر الناس» «١».
ومن الحيف أن نقبل بهذا التفسير النائي عن الحقيقة، ونرد عليه بأن المعجم يثبت أن الجرس لغة: صوت النحل وهو يرعى الزهور للتّعسيل، لذلك لم يستعمله القدامى، واستعملوا كلمات الليونة والفخامة، ويقول المعجم أيضا، سمعت جرس الطير يعني سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله» «٢».
ولعل هذا ما نفّرهم من استعماله، فقد رأى دارسو الإعجاز خاصة أنها لا تليق بدراسة القرآن. والجرس هو الصوت الخفي، أما الفصاحة فهي
стр. 92
الخلوص كما فسّرها البلاغيون فالجرس لا يعني الفصاحة التي هي بيان، فقد يكون الجرس جميلا أو قبيحا. ولا علاقة له بالفصاحة، وتفسير المجذوب خاطئ.
أخيرا نقول إن جهود القدامى على إجمالها جديرة بالاهتمام، فنحن لا نطالبهم بما قدّمه عصرنا من فنون وثقافات، فلهم زمانهم ولنا زماننا، وإن الموسيقا القرآنية ذات مغزى، وهي جزء من الشكل الفني للقرآن إلى جانب الصورة البصرية وغيرها، وعلينا أن نهتدي بهدي القرآن الذي حثنا على تذوق موسيقاه، وما تبع هذا من السّنّة الشريفة، والفنون التي كشفت هذه المزايا الرفيعة التي شهد لها المؤمنون والمشركون بالمرتبة العليا كما مرّ بنا.
لقد رأينا أن نمهد السبيل إلى الفصول اللاحقة بهذه الفقرات التي تمثّل إطلالة على محتوى الفصول الأخرى، فبينّا في الفقرة الأولى إمكان تفرد الكلمة الواحدة بالجمال من خلال تفاعلها مع سائر كلمات السياق، فمنحناها الجزء الكبير من جمال التركيب على أنها الوحدة المشكلة له، وبيّنّا أنها تتسم في القرآن بعذوبة السمع والنطق، وبأنها غير قلقة في مكانها، وهذا ما سيؤكده دارسو الإعجاز والمفسّرون الذين تحدّثوا عن مناسبة المقام وحلاوة النغم في الوقت نفسه.
وهذا يتضح في صحّة العلاقة بين المفردة والنظم، كما جاء في الفقرة الثانية، وهنا لا بدّ من إنصاف عبد القاهر الجرجاني الذي بسط نظرية النظم، وإن لم تكن من إبداع فكره، بل سبقته بعض النظرات المتفرقة في كتب الإعجاز، وكان مفهوم النظم القرآني قبله يشمل الأسلوب القرآني بما فيه المفردات، أما عبد القاهر فقد بنى النظم على أسس النحو فأهمل المفردة، ويظلّ الفضل لهذا العالم الجليل الذي قدّم تطبيقا بلاغيا، وأرسى علم البلاغة العربية، ووضّح معالمها، وكانت الغاية الدينية دافعا قويا في كتابه «دلائل الإعجاز»، إذ كان حريصا على إبراز جماليات النظم القرآني، ولم يكن هدفه فنيا محضا، وقد كان النظم مناط الإعجاز القرآني لدى سابقيه، ولا سيما المعتزلة منهم.
стр. 93
ويتبين لقارئ كتابه أن الدفاع الديني- إن صحّ التعبير- قائم على أسس علمية يدعمها الذوق الرفيع بالتطبيق الوافي، وهو حقيق بأن يعدّ مؤسس فنّ التذوق الأدبي في تراثنا، إذ ينطلق من النص نفسه وجزئياته الدقيقة، ليحكم ويقدم القيمة الفنية، وهذا ما تدعو إليه أحدث المدارس النقدية اليوم.
وما تأكيدنا على حق المفردة بالجمال الفني- كما أكّد الدارسون- إلّا إضافة على نظريته، وليس نقضا لها.
وكذلك تطلّ الفقرة الثالثة على الفصول الأخرى، ولا سيّما الرابع منها، لأن الدارسين اعتمدوا على الفروق في تملّي جمال المفردة ومناسبتها للمقام، واختزانها للمعاني الكثيرة وظلالها النفسية، ومطابقتها للعقل والوجدان، وهذا تطلّب منهم الاعتماد على الفروق بالإضافة إلى معايير أخرى.
كما أنّ هذه الفقرة تطلّ على الفصل الثاني، إذ يؤدي الاختيار الدقيق للمفردات إلى قدرة فائقة في تصوير المشاعر والمشاهد، ولا سيّما المفردات الحسّية المستعارة، لتجسّم الحركة المشاهدة وتصوّرها، وتصوّر الحركة النفسية، وقدرة هذه المفردة على التشخيص الحي، وغير هذا.
أما الفقرة الرابعة، فهي تمهّد السبيل إلى الفصل الثالث، وتعدّ نافذة على فقراته، وقد أكّدنا فيها الطابع الموسيقى للقرآن، ودعوة القرآن الكريم والسّنّة الشريفة إلى استيعاب أنغامها وتذوقها، وفي هذه الدّعوة وضع لليد على جزئيات الإعجاز، ورأينا أنّ الجمال الموسيقى في القرآن جليّ كالفواتح والفواصل، وخفي يشتمل على نسق الحروف والحركات مما يناسب المعنى.
وبما أن العرب فرسان الفصاحة، فقد شهدوا بتفرد الشكل القرآني المعجز، وقد سجّلنا بعضا من شهاداتهم التي تشيد بالعنصر الموسيقى الذي فهموه بالفطرة.
كما ألمحنا إلى وقوع الدّارس القديم على جمال الأنغام، وذلك وفق مصطلحه، وقد كان هذا المصطلح المجمل مشتملا في الحقيقة على الجزئيات التي درسها المتأخرون، وأبرزوا جمالها.
стр. 94
الفصل الثاني إسهام المفردة القرآنية في الجمال البصري
стр. 95
١ - إسهام المفردة في التجسيم
أراد الخالق أن يسهّل على عباده فهم القرآن، فجسّم لهم كثيرا من المعاني الدينية، إذ نقلها البيان القرآني من حيّز المجرّد الذهني إلى حيّز المادي المحسوس بوساطة الاستعارة، ومن هذا القبيل التعبير عن الهدى بالضياء، والضلال بالظلام، وكان هذا الأسلوب الحسي من عوامل استمرار تأثير الصورة القرآنية، كما أنه استخدم هذا في المتشابه المعنوي كالتعبير عن القدرة باليد والهيمنة بالكرسي وغير هذا، إضافة إلى الصورة الفنية.
- التجسيم لغة:
يبيّن لنا المعجم أن التجسيم يدلّ على ظاهر محسوس، ففي لسان العرب:
«الجسم جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدّوابّ وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق، وجسم الشيء حقيقته» «١» وفي المعجم الوسيط نقرأ:
«الجسم: الجسد، وكل ما له طول وعرض وعمق» «٢» فهو يمتاز بأبعاد ثلاثة.
- التجسيم اصطلاحا:
يتبين لنا من المدلول اللغوي أن مصطلح التجسيم مشتق من جسم، فمصطلح «التجسيم» يعني إعطاء الفكرة جسما، هذا ما يلوح من الأصل اللغوي والاشتقاق.
أما المعنى الفني المراد هنا فيقول فيه المعجم الأدبي: «هو ميل معاكس للتجريد، أي إبراز الماهيات والأفكار العامة والعواطف في رسوم وصور وتشابيه محسوسة، هي في واقعها رموز معبرة عنها» «٣».
стр. 96
ولا نجده متداولا لدى الأسلاف، إنّما وقعوا على مفهومه، وإن اختلفت عنا تسمياتهم، فهو عندهم تشبيه المعقول بالمحسوس، وتكاد عناوينهم تماثل مصطلحاتنا النقدية التي استنارت بالعلوم الحديثة من فلسفة وعلم نفس ونقد حديث وعلم جمال، يقول صبحي الصالح عن الكتب القديمة: «توحي عناوينها بالكثير مما ينطق به مفهومنا الحديث للإعجاز، ولكن حين نمضي في قراءتها لا نستطيع أن نتملّى فيها جمال القرآن، وإنما نكوّن فكرة عن ولوع علمائنا بالتفريع والتبويب» «١».
والتجسيم جزء من التصوير، لأن التجسيم يتضمن إسباغ المظهر الحسي على الشيء المعنوي، والتصوير يشمل تشبيه المعقول بالمحسوس، والمحسوس بالمحسوس، فهو مصطلح أعمّ، ويستخدم التصوير وسائل مختلفة، كالحروف والأفعال والحوار وغير هذا.
أما وسائل التجسيم الموجودة في البيان القرآني، فهي مفردات مستمدة من الطبيعة الجامدة، والطبيعة المتحركة، ونقتصر هنا على الطبيعة المجسّمة للمعاني المجردة، أو حسب ما يقول القدامى «تشبيه معقول بمحسوس»، وسنفصّل القول في استخدام مفردات الطبيعة في فقرة تالية، وقد رأينا أن نستخدم مصطلح «التجسيم» دون «التشبيه»، لأن تجسيم الأفكار يعتمد على تشبيه المعنوي بالحسي، وعلى استعارة كلمة حسية للمعاني المجردة.
- مع جهود القدامى:
إننا نقع على جهد وفير بذله القدامى في هذه الجمالية، وهذا الجهد يقدّم تحت عنوان التشبيه أو الاستعارة، وهذا لم يمنع أن يبدوا تأملاتهم في قدرة المفردة المستعارة على إبراز المعاني الذهنية في صور حسية مؤثّرة.
ولا بدّ من الوقوف عند الرمّاني لمعرفة منهج الدارسين حسب التسلسل التاريخي في استخدام المفردة المجسّمة، يقول في الآية الكريمة: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
стр. 97
عاصِفٍ «١»: بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه» «٢».
وهذا لا يبتعد عن مفهومنا للتجسيم الذي يقدّم المعنى في صورة بصرية لغاية التأثير، وإن كان هنا لا يؤكد أهمية مفردة الرّماد، وقد قلّده اللاحقون فعدّدوا أنواع التشبيه، فقالوا: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وإخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به، وإخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها، وإخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوّة «٣».
ولا يهتم الباقلّاني بالمصطلح، بل يدلّ على جمال تصوير ما في النفس، فقد جاء في كتابه «٤»: «ومما يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب، حتى تعلمه كأنك مشاهده، وإن كان يقع بالإشارة، ويحصل بالدّلالة والأمارة قوله تعالى: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً «٥»، وقوله تعالى: قالُوا: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ «٦» وتستوقفنا في كلامه عبارة «تصوير ما في النفس»، وعبارة «كأنك مشاهده»، وهذا خير دليل على سموّ تذوق القدامى وإدراكهم لجمالية التجسيم وفائدته في التأثير الوجداني، ويمكننا أن نقدمه على تعريف الرماني، فالباقلّاني يشير إلى عوامل هذه الصورة البصرية وفاعليتها، والتجسيم تصوير على أية حال.
وإذا عدنا إلى الآيتين اللتين استشهد بهما نجد أنه يقصد الإضاءة التي تنبع من كلمتي «أفرغ» و «منقلبون»، وإن كان لم يصرّح بهذه الجزئية، فهذا شيء يفهم من الآية، وهو يدرك أن معاصريه لفصاحتهم يدركون مكان الشاهد،
стр. 98
وأهمية المفردة المجسّمة.
ويمكن أن نقول إن جمال «أفرغ» يكمن في تشبيه النفوس بالأوعية الفارغة الظامئة إلى الصبر الذي يسكب برويّة ليس فيها قوّة الصّبّ، وكذلك تجسّم كلمة «منقلبون» في قوة حركتها سرعة الانقلاب، واتجاه السّحرة إلى الخالق اتجاها كاملا يعبّر عنه الانقلاب، وليس فيه ذبذبة.
وإذا كنا نجد الدارسين يتبعون الرماني، كما رأينا، فقد جنحوا إلى كثير من التعمّق الفني، وهذا التعمق يزداد فاعلية في القرنين الرابع والخامس خاصة، قبل أن نصل إلى فترة التقسيمات والتقعيد البلاغي.
ومن الشواهد التي يتفرّد بتذوقها أبو هلال العسكري قوله تعالى:
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ «١»، فهو يقول: «حقيقته لنعذّبنّهم، والاستعارة أبلغ، لأن حسّ الذائق أقوى لإدراك ما يذوقه، وللذوق فضل على غيره من الحواس، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى شيئا لم يعرفه شمّه، فإن عرفه، وإلا فذاقه لما يعلم أن للذوق فضلا في تبيين الأشياء» «٢».
وهكذا يقترب أبو هلال من مفهوم التأثير الأكبر في قرب المباشرة، ولقد ورد فعل الذوق في القرآن ثلاثا وستين مرة. معظمها في مجال الوعيد، ولم يذكر إلا في نطاق الاستعارة، أي لم يستخدم على وجه الحقيقة إلا في قوله تعالى: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما «٣» في الحديث عن آدم ﵊ وزوجته، ولم يذكر الذوق في بسط جمال الجنة، والتلذّذ بمباهجها وشرابها وطعامها، مما يدلّ على أنه خصص للكافرين والعاصين والجبابرة، وهو يدل على مرتبة بهيمية، هي شأن أهل النار الذي يطعمون من العذاب لتملأ البطون.
والذوق حاسّة دنيا إلى جانب اللمس والشم من حواسّ الإنسان، أما الحواس العليا فهما السمع والبصر، إلا أن الكلمة تجسّم للبصر معاناتهم
стр. 99
للعذاب، وحسّية التذوق تبعث على التهويل، فكان حقيقا بأن تقرن بعذاب الآخرة، وفيها أقصى المباشرة في التّلقي، وقد وردت أيضا في تذوق الرحمة، كما وردت في تذوق الوبال والبأس والعذاب إذ تبعث في الذهن صورة النار تأكل الأحشاء بعد أن تصل إلى اللسان.
وفي القرن الرابع يطالعنا الشريف الرّضي بكتابه «تلخيص البيان في مجازات القرآن»، وإذا كان قد كرّر شواهد سابقيه، فهذا طبيعي إذا نظرنا إلى محتوى الكتاب كلّه، بيد أننا لا نعدم تذوقا فنيا لفن التجسيم، يقول تعالى:
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «١». يقول الشريف الرضي: «وهذه استعارة، والمراد بها صفة لشمول الذّلّة، وإحاطة المسكنة بهم كالخباء المضروب على أهله» «٢».
ونحن نلمس جمالية التجسيم في مصطلح الاستعارة، ومما يحمد له في هذا المقام إلقاء الضوء على أهمية المفردة المستعارة من حيث الأثر النفسي المخزون فيها، فالذّلّة والمسكنة مشاعر، وتجسيمها بفعل الضرب يوحي بظهورها للعيان وكأنها خيمة تضرب عليهم، والكلمة توحي بالعنف المناسب، وكأن الذلة والمسكنة أداة يضرب بها هؤلاء اليهود ضربا.
وكذلك عند وقوفه على الآية الكريمة: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ «٣» إذ يقول الشريف الرضي: «ألقى الرعب في قلوبهم من أثقل جهاته، وعلى أقطع بغتاته تشبيها بقذفه الحجر إذا صكّت الإنسان على غفلة منه» «٤».
فهو يقترب من إيحاء أثر المفاجأة في اختيار هذا الفعل الذي يجسّم الإحساس بالرعب، وهو- كما نرى- لا يغنى بتفصيلات عن نوع الاستعارة بقدر ما يلمح إلى ظلال القذف الذي يهزّ قلوب المشركين، وقد أدرك مدلول
стр. 100
السرعة والقوة في الفعل، ونظير هذا قوله تعالى عن موسى ﵊: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي «١» فالإلقاء هنا يدلّ على القوة، ليوحي بالثبات، وينفي الضّعف
الذي تصوره النبيّ الكريم.
ولا يبتعد الزمخشري عن مفهومنا للتجسيم، وهو يعدّه في بعض الأحيان ضربا من المجاز، ففي الآية الكريمة: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ «٢». يقول: «أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد، وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضرّ، وأذاقه العذاب، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، وكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف» «٣».
والحق أن استعانته بالمدلول اللغوي غير لائقة، وغير جديرة بالمقام، إذ إن القرآن هو الذي استعمل الذوق للعذاب والبؤس، وهذه الاستعارة جديدة لم يعرفها العرب، والفعل يدلّ على إشراك حاسّة الذوق التي تكون منفذا إلى الرّهبة في النفس، ويبقى للزمخشري أنه يقدم مفتاحا لغويا لفهم وتذوق هذه الصورة الحسية، وقد اهتم الزمخشري بالمذاقة، لأنه يرى فيها تجريدا للاستعارة يفوق الكسوة، لأن الذوق يشتمل على اللمس، واللمس لا يشتمل على الذوق.
وإذا كان يفسّر هنا العلاقة بين المعنوي والحسي بالمجاز، فإنه في مكان آخر يعدّها «مثلا» فقد جاء في تفسيره للآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ «٤»: «على حرف: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق
стр. 101
واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة» «١».
فقد أدرك جمالية كلمة «حرف» وإسهامها في تجسيم الحالة الشعورية لمضطربة لدى المنافقين، ويعدّ هذه السمة في مكان آخر تمثيلا»، ففي الآية:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ «٢» قال: «ذكر الوادي والهيوم فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم، وقلّة مبالاتهم بالغلوّ في المنطق، ومجاوزة حدّ القصد فيه» «٣»، والمثل والتمثيل شيء واحد كما يقرر البلاغيون.
وفي باب الاستعارة يضيف ابن الأثير ومضات جمالية إلى سابقيه بالرغم من إعادته كثيرا من شواهدهم، وكتابه يعنى بالشواهد القرآنية قبل الحديث الشريف، وقبل الشعر، ولا ينسى تفضيل ما جاء في القرآن على سائر الأقوال، وقد اعتاد المحدثون على اقتباس جمالية الموسيقا القرآنية من كتابه، بينما تعمّق هو في عموم وجوه الجمال الفني القرآني.
ولا بأس أن نقف على تعليقه إزاء قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ «٤» إذ قال: «فاستعار الأودية للفنون والأغراض الشعرية التي يقصدونها، وإنما خصّ الأودية بالاستعارة، ولم يستعر الطرق والمسالك، أو ما جرى مجراهما، لأن معاني الشعر تستخرج بالفكرة والرّويّة، والفكرة والرّويّة فيهما خفاء وغموض، فكانت استعارة الأودية لها أشبه وأليق» «٥».
وهكذا استمد ابن الأثير من معرفته اللغوية فضل الوادي على الطريق أو المسلك، وهنا يقصد بالوادي الغرض الشعري، وهذه الكلمة تنمّ أيضا على العمق البشري، إذ تجسّم إيحاء الشعراء في قلوب المستمعين أو القارئين،
стр. 102
فالشاعر يستميل قلب المتلقي من خلال تشكيل الكلمات، وكأن القلب واد يحاول الشاعر التوغّل فيه، ليحرّك ما فيه من مشاعر مكنونة، ولعل كلمة «الغاوون» تعضد رأينا.
وأحيانا يتداول الشاهد الذي ينصّ على إسهام المفردة في التجسيم، فتتشابه الأقوال، وتتلاقى الأذواق، ويبرز أحدها في التفرد بالإحساس الفني، وهذا التفرد يبدو أنه واحد من أسباب الاعتماد على شواهد السابقين، إذ يحاول الباحث الإضافة على سلفه، مع الاحتفاظ بفائدة بحثه وخبرته، فقوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «١» ما من كتاب إلّا صدّر به باب الاستعارة، وهم بين إشارة وإسهاب، وهذا ما يحبّذ هنا قول ابن أبي الإصبع المصري، وهو الذي أفاض في حسية هذه المفردة «اصدع» وفضلها في رسم معنى الدعوة الإسلامية ومشقّتها إذ قال: «المستعار منه الزجاجة، والمستعار الصدع، وهو الشق، والمستعار له عقوق المكلّفين، والمعنى صرّح بجميع ما أوحي إليك، وبين كل ما أمرت ببيانه، وإن شقّ ذلك على بعض القلوب فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر
ذلك على ظاهر الوجوه من التقبّض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار، كما يظهر ذلك على الزّجاجة المصدوعة المطروقة في باطنها» «٢».
وهاهنا الصّدع يعني بقاء أثر الدعوة ظاهرا، ولا يكون هذا في التحطيم، فكأن كلمات الخالق تشقّ القلوب، وهذا لا يقلّل من شأن ما ذكره ابن أبي الإصبع، فقد ربط بين التصوير الحسي، وبين أبعاده النفسية.
ولا يقتصر هذا على كتب الإعجاز البياني، ففي كتب البلاغة العربية نجد دقة في التعبير بحيث تفي الكلمات القليلة بالمعاني النفسية التي توحي بها الآيات القرآنية، وقد فهم دارسو البلاغة العربية أن التحليل الأدبي لا يعني الإطناب، فنحن نفهم جمالية هذا التجسيم من قول القزويني المتوفى سنة ٧٣٩ هـ: «فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها، وهو حسي،
стр. 103
والمستعار له تبليغ الرسالة والجامع لها التأثير، وهما عقليان، كأنه قيل أبن الأمر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم صدع الزجاجة» «١».
ونظير هذا ما ذكره يحيى العلوي «٢» بأسلوب بلاغي مدرسي يعتمد التقليد، ويتعثر فيه لخلطه في معيار المصطلح الذي يولع به، وذلك في تعليقه المسهب على قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ «٣»، وقد أسهب في تعليقه على الآية، وقال: «والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليّتين، ولما استعار اللباس هنا للمبالغة في الاشتمال عليهم أخذ الوهم في «تصوير» ما للمستعار منه من التّغطية والستر والاسترسال رعاية لمزيد البيان في ذلك، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال وامتقاع اللون، وعلوّ الصّفرة، ورثاثة الهيئة، وركّة الحال، وحصول القلق والفشل، يضاهي الملابس في اختلاف أحواكها وألوانها» «٤».
فالبلاغيون جعلوا الاستعارة تصريحية تحقيقية لتحقق معناها حسا أو عقلا، وجعلوا الاستعارة التخييلية إثبات الأمر المختص بالمشبه به على سبيل التخييل، كإثبات اليد للريح، وذلك في الاستعارة المكنية، والعلوي يخلط في نقاشه بين مذهبي الزمخشري والسكاكي اللذين جعلا الاستعارة تصريحية تحقيقية، ولكنهما اختلفا في معناها أهو عقلي أم حسي، فذهب الزمخشري إلى أنه عقلي يتصل بتشبيه الجوع باللباس بجامع الاشتمال، وذهب السكاكي إلى أنه حسي يتصل بما يعتري الإنسان في جوعه وخوفه من امتقاع اللون ورثاثة
стр. 104
الهيئة «١».
وهو يركّز على تجسيم الخوف والجوع باللباس، ولا يهتم بالمذاقة كما صنع الزمخشري قبله، ففي الآية كلمتان مضيئتان «أذاقها» و «لباس»، ومما يصوّر بحسية عظمى، أن يتذوق المرء هذا اللباس الذي يجسم الخوف والجوع، والحاجة إلى اللباس قائمة ما دام الإنسان إنسانا، فالآية تريد عمق الإحساس بالخوف والجوع في أقوى مظاهر هما وإلى درجة التذوق.
وهو يعزو طاقة هذه الكلمة إلى «التخييل، وهذا طبيعي، لأنه من رجال القرن الثامن الهجري حيث عرفت المصطلحات وتفرّعت.
ويبدو أن القدامى تحرّجوا من استخدام مصطلح «التجسيم» لصلته بالفرقة المجسّمة لذات الله تعالى، فقد كانت العلة تقديس البيان القرآني وإبعاد ما يتصل بخطل الزنادقة من معان، ونظن أنه ذكر «التخييل» لعدم وجود علاقة فيزيائية في الواقع بين طرفي الصورة التي هي أقرب إلى إعمال الخيال.
لقد اكتفينا بهذه النماذج من الدارسين القدامى، فقد استطاعوا أن يقدموا جمالية إسهام المفردة من خلال حديثهم عن حسية الاستعارة والتشبيه، ولم تقف التقسيمات البلاغية حاجزا بينهم وبين التأمل الرفيع، وإن ظل ما قدّموه بحاجة إلى لمسات المحدثين الذين تغلغلوا في الأثر النفسي، وقصدوا المعاني الثانية المستوحاة من الحسية متأثرين بالثقافة العصرية. إذ كان همّ الدارس القديم توضيح المصطلح البلاغي وتبيين جزئياته وأطرافه وتقريب الصورة من العقل أحيانا، ثم جاء المحدثون، وبسطوا الحالة النفسية للمتلقي إزاء التصوير، وهذا لا يعني أن الجانب النفسي مهمل في دراسة البلاغي القديم، بل كان هذا الأثر هو المقصود في توضيح وجلاء المصطلح.
لذلك لا يمكن أن نبخس القدامى حقّهم، ونرى من المستبعد في هذا المجال قول أحد المعاصرين: «إن إهمال مادية التعبير في الموروث النقدي والبلاغي حال دون تطورات المعنى على حقيقتها، كما حال دون رؤية التميزات الدقيقة التي تصور حياة الاستعارة، وتوضح نشاطها البلاغي ... لم
стр. 105
يكن هنالك موقف خاص في تصوير جماليات الإيحاء المادي للكلمة المستعارة، وظلّت مسألة التعبير الحسي مبهمة، واهتم النقاد- جميعا- بتقرير الإشارة وتمكينها في العقل، وتصوّروا أن تشكيل الاستعارة المادي يوجد بمعزل عن فاعلية المعنى والسياق».
ولعلنا نلمس في القول آنف الذكر إجحافا بما بذله القدامى، وما يمكن أن يسمّى تأمّلا فعّالا، فالقدامى أدركوا هذه الجمالية التي افتقدها الباحث المعاصر، وذلك مع تأطير كلامهم بالإطار العقلي، كما أنهم تنبهوا إلى أهمية المفردة المستعارة في التصوير الحسي، وعرفوا أنها علّة الإثارة الوجدانية، فلم يكن هذا بعيدا على سبيل المثال عن الشريف الرضي أو الزمخشري أو ابن أبي الإصبع.
ولا يمكن أن نعتمد هذا التعميم، فإنه إن صح في نقد الشعر، فهو أبعد ما يكون بتعميمه على بلاغة القرآن لدى القدامى، على الرغم من أن رجال البلاغة يصدرون أبوابهم بالشواهد القرآنية، ويدرسونها على اختلاف الأذواق، ولا يجوز النظر إلى الأسلاف بمنظار عصري، لذلك نرى أن هذا القول أيضا يتعارض وروح الدراسات السابقة.
- مع المحدثين:
تختلف نظرات الباحثين في العصر الحديث إلى تجسيم المفردات القرآنية، فبعضهم يرى هذا التجسيم في الأصوات أي ما يدعى «بالاونوماتوبيا»، وبعضهم لم يحدّد المصطلح فجعله في حيّز أكبر هو التصوير بشكل عام، فيقرنه بالتشخيص والتمثيل والتخييل، وربما أعاد بعضهم مصطلحات القدامى وتقسيماتهم للصورة الفنية، ومنهم من اكتفى بإشارات بسيطة.
أما أضخم كتاب في هذا المجال فهو «في ظلال القرآن» لسيد قطب ثم كتاباه «التصوير الفني» و «مشاهد القيامة».
ومن أهم كتب الدراسة القرآنية التي نهل منها المحدثون كتاب أحمد بدوي «من بلاغة القرآن» الذي عدّ منارة لغيره، وسوف نعرض لبعض آرائهم
стр. 106
التنظيرية، ولنبذة من تعليقاتهم الفنية.
يرى أحمد بدوي أنّ حسية التصوير كامنة في اختيار المفردات الحسية في الاستعارة، مما يزيد في قدرة التوصيل، يقول: «ولهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير، نراه يعبّر عن المعنى المعقول بألفاظ تدلّ على محسوسات مما أفرد له البيانيون علما خاصّا به دعوه علم البيان، وذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا في النفس وتأثيرا فيها» «١».
وهو يكرر هذه الفكرة في كتابه، وتبعه في هذا الرأي سائر الدارسين، وقوام رأيهم أن المرحلة المحسوسة للمفردة تقدم إيحاءات جديدة للمعنى النفسي، فالمفردة المستعارة تضخّ لما حولها من الطاقة الشعورية عند ما يرتدّ إليها النظر.
وخير من يقدم فيضا من التحليل الفني للمفردة المجسّمة سيد قطب في كتبه الثلاثة، لأنه في عصرنا هذا أكثر من تعرّض لبلاغة القرآن كمّا، وإضافة إلى هذا وجد أن التصوير عماد البيان القرآني، وأنه ليس زينة، بل لا يقوم المضمون من غير هذا التصوير، فهو وسيلة إيضاح وتأثير، ويشمل التصوير فيما يبدو كل الأسلوب القرآني من تخييل وتصيير «٢» وتجسيم ورسم مشاهد ... ، وهو يقول عن التجسيم في تفسيره: «إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد الصفات- وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيّا، مميّز الشخصية، حتى لتكاد تشير بإصبعك إليه، إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد البارئ في عالم الأحياء» «٣».
ويمتزج هنا الوازع الديني بالجانب الفني، إلا أنّ قطبا أثبت مرارا أن هذه الرّوعة التصويرية نابعة من النص، فالكلمة تستقل برسم مشهد أو نقل حركة أو تشخيص فكرة، وهو يصرّح باسم التجسيم قائلا: «وظاهرة أخرى تتضح في
стр. 107
تصوير القرآن، وهي «التجسيم»: تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات على العموم، إنه ليصل في هذا إلى مدى بعيد، حتى ليعبّر به في مواضح حساسة جدّ الحساسية، يحرص الدين الإسلامي على تجريدها كامل التجريد، كالذات الإلهية وصفاتها» «١».
فالتجسيم جزء من التصوير، لأنه يقتصر على نقل المجرد إلى المجال لمحسوس، ولم يكن اهتمام سيّد قطب بالبعد النفسي للتجسيم جديدا أو شيئا منكر بوجوده ما ذكره الأقدمون، وإن كان هو وأغلب المحدثين لا يهتمون لتقرير نوع الاستعارة أو وجه الشبه وما شاكل ذلك، مما يطرأ على لسان لأقدمين، فالبعد النفسي موجود لمن ينظر بإنصاف إلى الكتب القديمة، وما أتى به قطب لا يعدّ بديلا عما سلف.
ولنقرأ قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ «٢» وننظر كيف يلقي لضوء في مفردة «أشربوا» إذ يقول: «تلك الصورة الساخرة الهازئة: صورة لعجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى لذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤديه، وهو حبهم الشديد لعبادة لعجل» «٣».
ويكاد لا يزيد هذا الكلام عن كلام الدارس القديم إلا بعدم ذكر كلمة الاستعارة، وهنالك شيء آخر، وهو إثارة الباحث المعاصر للخيال.
ولتأكيد هذا لا بدّ أن نذكر شاهدا آخر يؤكد فيه أهمية الكلمة المجسّمة بشكل جلي، يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ «٤»، فهو يقول ما لا يختلف عما ذكره سابقا الزمخشري، إذ يقول سيّد قطب: «إن الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس،
стр. 108
وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يترجّحون بين الثبات والانقلاب» «١».
لقد دلّ الزمخشري على غاية القلق في كلمة «حرف»، لكن سيّد قطب يضيف إثارة الخيال لتملّي الجمال القرآني، وغالبا ما يستثير الخيال في صورة تدلّ على الحركة، فالقرآن في منظوره صور تتحرك، وأشخاصه كائنات لها فاعلية مستمرة، فالموقف المضطرب عند الزمخشري، وتخيّل الحرف عند قطب.
ولكن ما هي أسس قطب في مسألة التجسيم هذا؟ إن هي إلا الذوق الخاص والعاطفة الشديدة، وهذا ما يوصله إلى بعض من التوهم كما سنرى في مكان آخر.
وهو لا يعتمد علم الدلالة، أو علم الأصوات، أو الموروث اللغوي، أو دقة الفروق في دراسة المفردات، أما الزمخشري فقد ارتبط ذوقه الشخصي بالذوق العام، وتأكد بترسيخ المعنى في اللغة، وطبيعة النفس والحياة، وكأنما عرف قطب ذوقه الفرديّ النابع من عاطفة، فهو يذكر «يكاد» ليحدّ من مبالغته.
ومما يعد أصالة في كتبه تلك الوقفات الرائعة على البيان القرآني في كلمات لم ينتبه القدامى إلى تجسيمها، ومثل هذا في قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ «٢» يقول سيد قطب: «تجسيم لهذا المعنى، وأي تعبير ذهني عن اللّجاجة في الخطيئة ما كان ليشعّ مثل هذا الظل الذي يصوّر المجترح الآثم حبيس خطيئته: يعيش في إطارها، ويتنفس في جوّها، ويحيا معها ولها» «٣».
فالقرآن يقدم أفكارا محسوسة، ويبعدها عن التجريد الذهني لأجل التأثير بأقصى فاعليته.
لكننا كثيرا ما نجد قطبا في تفسيره يظن التجسيم في كلمات مجسّمة بصوتها، أو بوجودها، ولا نستطيع أن نتوصل إلى ما يدلي به، وصحّة ما وقر
стр. 109
في نفسه، كما حدث في تفسيره لقوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ «١»، يقول: «وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيّلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار- ألم تر-» «٢».
إنه يخصّ استعراض المشهد وتجسيمه بهاتين الكلمتين، وما وقع عليه يمكن أن نلقي فيه ضوءا آخر، من حيث النظم، إذ ينتفي النّفي بوجود الاستفهام بالهمزة مع حرف النّفي، ليفيد غاية القوة في الإثبات، ثم يأتي اختيار فعل «تر» المعبّر عن الرؤية، ليؤكّد صدق الخبر الذي يرويه الخالق، لأن البصر أكثر برهانا من الخبر، فلم يذكر البيان القرآني تعبير «ألم تسمع» أو «ألم تخبر» أو غير هذا، وفعل الرؤية يطرد في كل الأخبار التي يرويها الخالق لنبيّه الكريم، مثل أخبار عاد وثمود وفرعون والطير الأبابيل، ففي الفعل رسم لمشهد من غيب الزمن الماضي.
ومن دواعي النّصفة القول بأنه لم ينفرد بالوهم والمبالغة، وأنه استوفى القرآن كله، كما صنع الزمخشري، وهذا الشمول لدى قطب لم يمنع من إهماله لبعض المفردات المجسّمة عند ما يشغل بالرواية وبالجانب الفكري، ونحن نجد في كتبه الثلاثة الجدّة والأصالة، فإذا قرأنا كتب معاصريه توالت الإحالات إلى بدوي، ومن القدامى الزمخشري وابن الأثير خاصّة، وممن دار في فلك بدوي الدكتور بكري الشيخ أمين، وحفني محمد شرف، وعدنان زرزور، وغيرهم كثير.
لذلك نقف على ما هو غير مكرّر، يقول بدوي الذي اتسمت دراسته بالعمق: و «لهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير نراه يعبّر عن المعنى المعقول بألفاظ تدل على محسوسات مما أفرد له البيانيون علما خاصا به دعوه علم البيان، وحسبي الآن أن أبين ما يوحيه هذا النوع من الألفاظ في النفس ذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا من النفس،
стр. 110
وتأثيرا فيها» «١». كما ذكرنا سابقا.
ويستشهد لهذا بالآيتين: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٢»، وكذلك قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ «٣»، وهو لا ينسى التأكيد على الكلمتين المستعارتين: ختم وسكت، ويبدو لنا أن الفعل في الآية الثانية أخصّ بالتشخيص، لوجود الصفة الآدمية.
ويستعرض دراز في كتابه «النبأ العظيم» بعض السمات الفنية والفكرية في سورة البقرة، وهو الذي يقول: «تقرأ القطعة من القرآن، فتجد في ألفاظها من الشّفوف والملامسة والإحكام .. كأنك لا تسمع كلاما ولغات، بل ترى صورا وحقائق ماثلة» «٤».
ويقف على حسية كلمة «ختم» في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ «٥» وكلمة «مرض» التي جسمت ذهنية مساوئ الدخيلة البشرية في قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «٦».
وهو يوازن بين الكلمتين، ويوافق المفسرين في أن الآيتين كليهما في صفة المنافقين، ويقول عن «ختم»: «وهذه الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور، وليس فيها تقلّب ولا تذبذب .. إن المثل الأول يصوّر حال المنافقين في بواطنهم، وهو الأمر الذي يشاركون فيه سائر الكفار، والمثل الثاني يصوّر حالهم في ظواهرهم، وهو الأمر الذي يتقلّب عندهم بتقلّب الداعي، لأن تقبّلهم إنما هو في الظاهر لا الباطن» «٧».