الدكتور علي جمعة
إلى أين؟!!!
تأليف
طلحة محمد المسير
стр. 2
الطبعة الأولى
١٤٣٢هـ - ٢٠١١م
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية
١٤٥١٠/ ٢٠١١
стр. 3
مُقَدِّمَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان .. أما بعد؛
فقد تعددت في السنوات الأخيرة أطروحات وأفكار الدكتور علي جمعة، وتتابع ظهورها واحدة تلو أخرى، خاصة في السنوات العشر الأخيرة بعد شغله منصب الإفتاء، وشغلت هذه الأطروحات كثيرًا من المهتمين والباحثين، ودار حولها النقاش في المجالس الخاصة والعامة، بين مؤيد ومعارض، ومادح وقادح، وأصبحت كثير من القضايا التي يطرحها قضايا رأي عام، تضطرب في خضمها حياة المجتمع الثقافية والفكرية بل والسياسية.
وقد عمل الدكتور علي جمعة على الترويج والحشد لأطروحاته عبر عدد كبير من الوسائل؛ منها: أجهزة الدولة ممثلة في دار الإفتاء ووزارة الأوقاف ووسائل الإعلام الرسمية، ومنها: نخبة من المساعدين الذين يروجون له وينافحون عنه، ومنها: مجموعة من رجال الأعمال الذين يدعمون مشاريعه ومقترحاته، ومنها: كثير من المؤسسات والمنظمات الدولية والعالمية.
стр. 4
لكن المتأمل في المضمون العلمي لآراء وأطروحات الدكتور علي جمعة ووسائل الإقناع التي يتبعها، يجد وسائل عديدة قد تقنع طائفة من الناس وتأخذ بلُبهم، ولكن عند التحقيق والتمحيص لا تثبت كثير من هذه الوسائل على قدم راسخة، وتفتقد التأصيل العلمي، وتجانب المنهج الاستدلالي القويم.
ومع الاستغراق في نقاش الجزئيات المتعددة التي يطرحها الدكتور علي جمعة، غاب في كثير من الأحيان التصور الشامل والعميق للروابط التي تربط بين هذه القضايا التي يطرحها، هذا التصور الشامل الذي يضع لنا ملخصًا للأسس التي اتكأت عليها هذه الأطروحات والقضايا، والهدف الذي يجمع بين شتاتها.
ويأتي هذا الكتاب كدراسة مختصرة في فكر الدكتور علي جمعة، دراسة تجمع الأمور المتشابهة والجزئيات المتناسقة؛ ليقدم تصورًا لمحورين مهمين في نتاج الدكتور علي جمعة الفكري؛ هما:
أولاً: بعض أساليبه في الإقناع.
ثانيًا: رؤيته للتقريب بين الإسلام والوقائع المناقضة له.
والمأمول أن تساهم هذه الدراسة في الوقوف على أرض صلبة، تميز بين الحق والباطل والمقبول والمردود، وتتخطى حالة البلبلة الفكرية التي تصيب المجتمع بين حين وآخر، على إثر نشر بعض الرؤى والأفكار الخاصة.
طلحة محمد المسير
Talha١٣٣@gmail.com
القاهرة في ٢٨ رجب ١٤٣٢هـ
стр. 5
الفصل الأول
بعض أساليب الدكتور علي جمعة في الإقناع
التطاول على المخالفين
التناقضات
تحريف النقول
الكلام المحتمل والمصطلحات الفضفاضة
ذكر صفات الباطل بدقة ثم التلبس ببعضها
الركون للمبتدعة والأقوال الضعيفة والباطلة
الإبهار
القواعد والأصول المخترعة
ذكر نتائج بلا مقدمات ملائمة
الإكثار من الشبهات
стр. 6
بعض أساليب الدكتور علي جمعة في الإقناع
إن الجدال والإقناع أسلوب من أساليب التواصل بين الأفكار، وطريق من طرق اختبارها وتمحيصها؛ والإسلام حريص على سلامة الحجة ونصوعها، بعيدًا عن أساليب التحريف والتزييف التي تحاول جاهدة أن تصد عن سبيل الله باستخدام البراهين المنقوصة والدلائل المطموسة؛ لذا كانت دعوة الأنبياء واضحة صادقة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، وكانت دومًا حجة الله جل وعلا بالغة ظاهرة، قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وحجة أهل الباطل داحضة ساقطة قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (٣).
وإن المطالع المتبصر لنتاج الدكتور علي جمعة يرى بوضوح عدة أساليب جدلية يحيط بها كلامه، وعموم هذه الأساليب فيه حيدة عن المطلوب، ومحاولة تأييد الرأي الخاطئ بحجج لا تصح عند أدنى تأمل.
وقد افتُتن البعض بهذه الوسائل، وظن أن هذا دليل على رسوخ في العلم وصدق في التوجه، فتقبل كثيرًا من آرائه رغم مصادمتها للحقائق الظاهرة البينة.
وهذا ذكر لبعض الأساليب التي انتشرت في كثير من نتاجه، مع الاستشهاد ببعض الأمثلة التي تدل على استعماله هذه الأساليب؛ لتتضح الحقيقة وتتجلى:
стр. 7
أولا: التطاول على المخالفين
من الآفات التي غالبًا ما يصطحبها المهزومون، ويتاجر بها المفلسون، أنهم عندما تضعف حجتهم، وتتهافت شبهاتهم، وتظهر حقيقتهم، يلجأون إلى رمي أصحاب الحق بما يقع تحت أيديهم، وما يخرج من ألسنتهم، وأحيانًا تتحول هذه الحالة النفسية للمهزومين إلى ديدن وطبع يصعب تغييره، حتى عندما يكون الحق معهم، فيرمون من أخطأ من مخالفيهم بما ليس فيهم، ويكذبون عليهم ويفترون.
وهذه أمثلة من انتقاص د. علي جمعة لمخالفيه، واحتقارهم، والتطاول على أحيائهم وأمواتهم:
أ- تهجم د. علي جمعة على صحابي جليل، وسبه سبًا فظيعًا، وبلغ تجاوز الحد مبلغًا مستبشعًا، فقال: "هذا هو سيدنا رسول الله ﷺ الذي سبه السفلة وأحدهم (قال في الهامش: هو عبد الله بن أبي السرح ... قال الحاكم: قد صحت الرواية في الكتابين أن رسول الله أمر قبل دخول مكة بقتل عبد الله بن سعد وعبد الله بن خطل، فمن نظر في مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وجنايات عبد الله بن سعد عليه بمصر إلى أن كان من أمره ما كان علم أن النبي كان أعرف به) جاءه مستشفعًا بعثمان ﵁ ... دخل ذلك السافل مع عثمان وعثمان يتشفع له والنبي يكظم غيظه" (١).
ولا أدري ما الداعي لهذا السباب المقذع لصحابي جليل، ومعلوم أن كثيرًا من الصحابة كانوا قبل إسلامهم من أعدى أعداء الدعوة الإسلامية، فلما شرح الله صدرهم للإسلام أصبحوا أئمة يقتدى بهديهم، وما خبر عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص وخالد
стр. 8
بن الوليد وغيرهم كثير بخاف.
أما سيدنا عبد الله بن سعد بن أبي سرح فلن يضيره هذا التطاول المشين، فله من الفضائل ما اشتهر أمره وذاع خبره، وفتح الله على يديه الفتوح العظيمة في إفريقية وما حولها، قال عنه ابن الأثير: (وأسلم ذلك اليوم فحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه، وهو أحد العقلاء الكرماء من قريش، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين، ففتح الله على يديه إفريقية وكان فتحًا عظيمًا) (١)، وقال ابن كثير: (حسن إسلام عبد الله بن سعد جدًا) (٢).
أما الكلمة التي نقلها د. علي جمعة عن الحاكم النيسابوري وهي قوله: "فمن نظر في مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وجنايات عبد الله بن سعد عليه بمصر إلى أن كان من أمره ما كان علم أن النبي كان أعرف به" فهي كلمة موهمة، ولكن لم يبلغ فيها التطاول على الصحابي الجليل عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن سبه الحاكم بأنه سافل مكررًا هذه البذاءة كما فعل د. علي جمعة، ورغم ذلك فإن الحاكم النيسابوري فيه تشيع، بل زاد البعض فاتهمه بأنه رافضي، ونقل الذهبي قول أبي بكر الخطيب: (كان أبو عبد الله بن البيع الحاكم ثقة، أول سماعه سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان يميل إلى التشيع) (٣) ثم نقل الذهبي عن ابن طاهر: (أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث) ثم علق الذهبي قائلاً: (كلا ليس هو رافضيًا، بل يتشيع) (٤).
стр. 9
ومن أجمل التعليقات على قصة إسلام عبد الله بن سعد بن أبي سرح في فتح مكة بعد أن أهدر الرسول ﷺ دمه، وتشفع فيه عثمان بن عفان ﵁، فقبل الرسول ﷺ الشفاعة، وعفا عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قول ابن القيم: (وساعدَ القدرُ السَّابقُ لما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح) (١).
ب- قدر الله تعالى أن يموت بعض الحجيج عند رمي الجمرات، وبدلاً من أن يواسي أهالي الضحايا، قام بالتعريض بعقولهم؛ لأنهم لم يستمعوا لفتاوى أمثاله، ممن أفتوا بالفتاوى الشاذة والآراء الغريبة، ولأنهم اتبعوا مذهب جماهير علماء المسلمين عبر مر العصور، وبدلاً من أن يحاول تصحيح الفتوى ليجد علاجًا نابعًا من فقه جمهور العلماء، يتفادى مشكلة الزحام دون تغيير لأوقات الرمي، أصر على مسلكه، وقال عن الضحايا: "وهذه نسبة كبيرة، تشير إلى نوع من الخلل في عقلية المسلمين الذين يصرون على الإعراض عن الحلول والآراء المعتبرة التي تحفظ البلاد والعباد، متمسكين في ذلك بتلك الفتاوى التي لا تراعي الواقع" (٢) فالتمسك برأي جماهير العلماء الذين يحددون أوقاتًا لرمي الجمار يعتبر خللا في العقلية!! وكان الأجدى له أن يقترح حلولاً تيسر التنقلات وتضع البدائل، بدل أن يحاول إقناع الجماهير التي تأبى سماع فتاواه، وتنفر عن هذه النوعية من الفهم، ثم يأتي ليسب الأموات والأحياء.
ج- وهذا مثال آخر تعرض فيه لأحد مشايخ الأزهر المعروفين، ورماه بالنقائص واحدة بعد أخرى، وشنع عليه أشد تشنيع، وزاد أن نشر هذا التشنيع على صفحات صحيفة الأهرام، وهي صحيفة رائجة يكتب فيها مسلمون وكافرون وكثير من الزنادقة المنافقين، وذلك أن الدكتور عبد العظيم المطعني ﵀ كتب مقالاً ينتقد فيه دار الإفتاء
стр. 10
على نعيها الدكتور زكي بدوي، والدكتور زكي بدوي رجل مصري، عاش جل حياته في بريطانيا، وكان يركز في آرائه على أمور ومصطلحات معاصرة، يكثر فيها الغبش؛ مثل: الدعوة للتسامح، والحوار، والاندماج بين المسلمين والمجتمعات الغربية، وحوار الأديان، وحقوق المرأة السياسية، وطرح مفهومه عن الإسلام البريطاني، عندها قام د. علي جمعة بمهاجمة الدكتور عبد العظيم المطعني ﵀، علمًا بأن الدكتور عبد العظيم المطعني في مقام أساتذة د. علي جمعة، وقد نقل عنه د. علي جمعة نقولاً كثيرة عندما تحدث عن المجاز في كتابه البيان لما يشغل الأذهان فتاوى شافية في قضايا عاجلة، الشاهد أن د. علي جمعة طعن في الدكتور المطعني، واتهمه بنشر الكذب والافتراءات، ووصفه بالتهور، ونصحه بالاطلاع على أخلاقيات الإسلام، وإليكم بعض ما قاله: "لقد فوجئت وفجعت عندما رأيت مقالا غريبا في جريدة الآفاق العربية للأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعني، يسب فيه الراحل زكي بدوي، ويتهمه بكل قبيح ... وكل هذا كذب وافتراء، وإذا كان لا يعرف الرجل، فكيف يسمح لنفسه أن يتقول عليه هذه المقالة بعد رحيله، أليس هذا من المفجعات؟! ... وقبل أن يتهور فكر المطعني في الرد على الأزهر كما تهور فطعن في أحد أبنائه الراحلين المجاهدين، نرشده إلى أن يتوثق وأن يطلع، فليطلع على خطاب الأمير، وليطلع على الواقع المعيش، وليطلع قبل ذلك على أخلاقيات الإسلام، وهو قادر على ذلك كله. لو صدر ما صدر من غيره لسكتنا، لكن أخطاء الكبار كبار، وهذه نصيحة نقوم بها لوجه الله تعالى، لا لتلك المقالة فقط، وإنما لهذه الحالة التي عمت فآذت الناس في أعراضهم وفي شعورهم. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" (١).
стр. 11
هذا رده على الدكتور الأزهري عبد العظيم المطعني، فكيف بغيره؟؟!!
د- وهذا مثال تجاوز الحدود ورمى جماهير المسلمين بما هم منه براء فقال: "ما الفرق بين الصوفي وغيره؟ هو الفرق بين من سلك في طريق الله وبين من تزندق وخرج" (١).
وأظنه سيقول الصوفية هي الإسلام، وعندها سنقول له: إن كانت هي الإسلام وجماهير المسلمين صوفية دون أن ينتموا لهذه الطرق، فقد كفينا وسرنا على الطريق دون حاجة إليها.
هـ- وهذا مثال آخر يتحدث فيه عن دار نشر نسبت له كتابة مقدمة لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون، فأنكر كتابة المقدمة وأنكر على دار النشر ما فعلت وقال: "وتذكرت ما ذكره العلماء من أن نسبة كلام لغير قائله هو كنسبة الولد لغير أبيه، وكأنهم يشيرون إلى ما يمكن أن نسميه بجريمة الزنا الفكري" (٢) وما أغنى البلاغة عن هذا التشبيه الفج.
وودافع بشدة عن الاحتفال بمولد النبي ﷺ حتى قال: "لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف" (٣) أي أن العقل والفهم والفكر السليم من خصائص المحتفلين!!.
إن هذه الأمثلة تجعل المرء لا يتعجب مما ينتشر من سب د. علي جمعة لكثير من الأئمة مثل ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، لأنه لا يتورع عن سب صحابي جليل، ولا شيخ من شيوخه الأزهريين، ولا جماهير الأمة، ولكنه يتورع عن سب أمثال طه حسين الذي يقول
стр. 12
عنه في رده على جابر عصفور، والفرق بين جابر عصفور وطه حسين: "والفرق بينه وبين دعاة التنوير الأول ممن ضرب بهم المثل كطه حسين رحمه الله تعالى هو أن هؤلاء لم يشغلوا أنفسهم بما لا يتقنون، ولم نر في مرة طه حسين يتكلم عن الأحكام الشرعية أو يناقش فيها، ولكنه كان يتكلم عن ترتيب الفكر، وشروط الثقافة، وكيفية التعامل مع العصر، ونحو ذلك" (١) وهذا يدل على أن د. علي جمعة لا يعرف من هو طه حسين، أو يعرفه ولكن طه حسين له من يدافع عنه من المسئولين والصحفيين .. ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 13
ثانيًا: التناقضات
التناقض في الفتيا المبني على غير القواعد العلمية، دليل على الحيدة عن الصواب، وقد يكون محاولة لاسترضاء الأطراف المتعددة، بإيهام الموافقة على مذهب كل فريق.
ومن الظواهر الملفتة وجود كثير من الأقوال المتناقضة في نتاج د. علي جمعة، والأغرب أنها تتناقض بصورة عجيبة؛ فيكون القول باطلاً والحديث ضعيفًا، وبعد قليل يصبح القول قويًا والحديث صحيحًا، وكثير من هذه التناقضات ليست وليدة علم جديد، ولا إعادة نظر، بل ظهرت بعد منصب الإفتاء الذي ابتلي به.
ومن أمثلة التناقضات ما يلي:
أ- أفتى في قضية التوسل بجاه النبي ﷺ أن هذه مسألة خلافية، ولم يرد في السنة الصحيحة التوسل بجاه النبي ﷺ ، وأرشد إلى التوسل بالعمل الصالح وهو حبنا للنبي ﷺ ، فقال: "السؤال: ما حكم التوسل بجاه النبي ﷺ في الدعاء؟ الجواب: هذه مسالة اختلف فيها الفقهاء، ولذلك ونحن ندعو ينبغي علينا أن ندعو بما نجد قلوبنا عنده، ولم يرد في السنة الصحيحة التوسل بجاه النبي ﷺ ، وإن كان قد وردت بعض الأحاديث الضعيفة التي يستدل بها كثير من الناس على جواز التوسل بالنبي المصطفى ﷺ ، وصورة أخرى أن يدعو الإنسان الله ويتوسل إليه بحبه لنبيه ﷺ ؛ لأن حب الله للنبي صفة من صفات الله القديمة التي لا اختلاف بين العلماء في جواز التوسل بها، فإذا كان هو يريد أن يظهر علو مقام النبي ﷺ في قلبه وحبه إليه، فإنه يتوسل إلى الله بصفة من صفاته تتعلق بالنبي ﷺ ، وبذلك نخرج من كل هذا الخلاف، ولكن
стр. 14
هذه مسألة خلافية، ولذلك أنا أنصح السائل ألا يجعلها قضية بينه وبين الآخرين، وأن يتوسل إلى الله بحبه لنبيه ﷺ " (١).
وفي فتوى أخرى يرد على ما ذكره هنا، ويصف الأحاديث بالصحة، ويشدد على المخالف، وكان مما قاله: "ولكل هذه الأدلة الصريحة الصحيحة من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، أجمع علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها على جواز واستحباب التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد انتقاله ﷺ ، واتفقوا على أن ذلك لا يحرم قطعًا، وهو ما نراه؛ أن التوسل بالنبي ﷺ مستحب، وأحد صيغ الدعاء إلى الله المندوب إليها، ولا عبرة لمن شذ عن إجماع العلماء كابن تيمية ومن ردد كلامه من بعده" (٢)!!!.
ب- أفتى بحرمة نقل الأعضاء، وتتبع حجج المخالفين، ثم بعد ذلك عاد فنقض ما قاله، وها هي فتواه:
قال: "بالنسبة لي أرى أنه لا يجوز نقل الأعضاء البشرية؛ لأن الإنسان لا يملك أعضاء نفسه، والتبرع والبيع إنما يكون بناء على الملك، والإنسان لا يملك أعضاء نفسه؛ لأنها ملك لله، ولذلك لا يجوز الانتحار؛ لأن نفس الإنسان ليست ملكه، وجسده ليس ملكه، ولا يجوز له أن يبيع رجله أو كبده أو كليته، كذا إلى آخره.
الآن يقولون نقل العضو من الميت إلى الحي محال طبيًا إلا ما يتعلق بالعين، وما زال الطب لم يصل إلى القدرة على أن ينقل من الميت إلى الحي.
стр. 15
والقضية الثانية: نقل من الحي إلى الحي، وهذا لا يجوز فيه التبرع أو البيع كما سلف. فماذا نفعل في هذه التي فقدت كليتيها ولا تجد المال الذي سوف تنفقه على الغسيل الكلوي، فنقول للسائل: لا بأس من عدم الغسيل الكلوي؛ لأنها سوف تموت أيضًا إذا نقلنا الكلية، ونسب النجاح بسيطة في نقل الكلية، وإذا استمرت تستمر عامًا أو عامين، ثم بعد ذلك تموت أيضًا، فالخوف من الموت لا يجعلنا نفعل الحرام من أجل درئه؛ ولذا لا أراه جائزًا.
ولا يقاس هذا على مسألة أن كل إصبع من أصابع يد الإنسان له دية؛ لأن الدية إنما تكون عقوبة لفعل المجرم، ولضياع المنفعة، ولا تكون ثمنًا للعضو.
ولا أرى أيضًا أن يقاس على أكل الميتة للمضطر؛ لأن أكل الميتة للمضطر أمر عارض، كما أنه يأكل ميتة غير مقدسة كحيوان أو طير، وما نحن بصدده هو التصرف في الأحياء بتحويلهم إلى قطع غيار بشرية؛ فهذا أمر يقدح في الأخلاق ابتداء ويقدح في الدين انتهاء، وهذا هو ما مال إليه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في فتواه، وإن خالف بعض أعضاء المجمع في هذا؛ لأن المسألة محل نظر، ولكن جمهور مشايخنا على أنه حرام، وأننا لا ينبغي أن نفتح هذا الباب.
والذي حدث الآن أنهم يقتلون الناس، بل ويخطفون الأطفال والشباب الصغار، ويأخذون أعضاءهم، ثم يلقونهم في الطرقات، ثم يقومون ببيع هذه الأعضاء.
وسد الذريعة أحد مصادر التشريع الإسلامي.
إذًا أنا أرى والله تعالى أعلم وهذا رأي جمهور العلماء أن هذه المسألة حرام ابتداء، وأنه حتى القائلين بشيء من الجواز ينبغي عليهم أن يقولوا بالحرمة
стр. 16
سدًا للذريعة، والله أعلم.
وهنا يُطرح سؤال: ماذا لو كان التبرع عن طيب خاطر وعن طيب نفس، كمن تبرع لابنه أو لأبيه أو العكس؟
نقول: هناك شروط شرطها الأطباء ذوو الاختصاص؛ منها أمن المريض على حياته، ونقول أيضا: هذه شروط وهمية، فالأطباء يقولون: إن الإنسان يمكن أن يعيش بكلية واحدة، فماذا يحدث لو تبرع شخص بإحدى كليتيه ثم فشلت الأخرى؟ إذًا، ومن باب سد الذرائع، ومن باب الواقع، ومن باب المفهوم للمسألة، سيتحول الإنسان إلى جزء من الكون كالخشبة والحديدة، يستطيع الآخر أن يتصرف فيه، وأن يقطع الجسد أجزاء، وأن يتبرع، وأن يبيع، وأن يتصرف، ويوصي، وكذا، إلى آخره.
وأنا أظن أنه لا بد علينا أن نقف مع كل الأخلاقيين في العالم في سد هذا الباب" (١).
ولكن المرء تشتد دهشته وعجبه حين يقرأ بعد ذلك فتوى للدكتور علي جمعة مضادة تمامًا لما سبق أن أفتى به؛ حيث يقول: "من الوسائل الطبية التي ثبت جدواها في العلاج والدواء والشفاء بإذن الله تعالى للمحافظة على النفس والذات نقل وزرع بعض الأعضاء البشرية من الإنسان للإنسان؛ سواء من الحي للحي أو من الميت الذي تحقق موته إلى الحي، وهذا جائز شرعًا إذا توافرت فيه شروط معينة تبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان الذي كرمه الله ولا تحوله إلى قطع غيار تباع وتشترى، بل يكون المقصد منها التعاون على
стр. 17
البر والتقوى وتخفيف آلام البشر، وإذا لم توجد وسيلة أخرى للعلاج تمنع هلاك الإنسان، وقرر أهل الخبرة من الأطباء العدول أن هذه الوسيلة تحقق النفع المؤكد للآخذ، ولا تؤدي إلى ضرر بالمأخوذ منه، ولا تؤثر على صحته وحياته وعمله في الحال أو المآل.
وهذا حينئذ يكون من باب إحياء النفس الوارد في قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) ويكون من باب التضحية والإيثار أيضًا الذي أمر الله تعالى بهما وحث عليهما في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢)، وكما يجوز أخذ عضو من الحي إلى الحي لإنقاذه من هلاك محقق حالاً أو مستقبلاً، فإنه يجوز أيضًا الأخذ من الميت إلى الحي لإنقاذه من هلاك محقق أو لتحقيق مصلحة ضرورية له؛ لأن الإنسان الميت وإن كان مثل الحي تمامًا في التكريم وعدم الاعتداء عليه بأي حال لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣)، ولحديث النبي ﷺ : (كسر عظم الميت ككسره حيًا) رواه ابن ماجه، فإن هذا التكريم لا يؤثر فيه ما يؤخذ منه بعد موته من أجزاء تقوم عليها حياة إنسان آخر أو رد بصره بعده؛ لأن مصلحة الحي مقدمة على مصلحة الميت" (٤).
стр. 18
ج- اختلاف تقدير الدية، فذكر في مقالة بالأهرام تقديرًا للدية المغلظة، وذكر في مواطن أخرى تقديرًا للدية يختلف تمامًا عن هذا التقدير، فقال: "المطالبة بدية هؤلاء الشهداء، والدية حينئذ مقومة بمائة من الإبل مغلظة الأسنان؛ لأنه قتل عدوان، وهو ما يسمى في القوانين الحديثة بالتعويض، وقيمته تزيد على نصف مليون دولار على الأقل" (١). ولكنه قال في موضع آخر: "عليه دية مسلمة إلى أهل المتوفى المقتول، والدية تقدر بـ ١٢ ألف درهم فضة، وهي في زماننا هذا تساوي ٣٦ ألف جنيه مصري تقريبًا، وهذا يعني أنها في حدود ٧ آلاف دولار، هذا أقل شيء؛ لأنه في الزمن الأول كان ١٢ ألف درهم يساوي ألف دينار ولو حسبناها بالدينار يصير ١٧٠ ألف جنيه أو مائة من الإبل فيصير ٣٠٠ ألف جنيه" (٢)!!.
د- تناقض قوله في حكم دفع الزكاة في مصالح المسلمين العامة من إنشاء طرق وبناء مستشفيات .. فقال: "فمن المصارف في سبيل الله، والراجح ما عليه جمهور الفقهاء من عدم جواز صرفه إلى عموم مصالح المسلمين؛ من إنشاء الطرق، والمستشفيات، والمدارس، والمساجد، ونحو ذلك، بل هذه المصالح توقف لها الأوقاف أو يتصدق عليها بالصدقات المختلفة سوى الزكاة" (٣). وقال: "لم يجوز الفقهاء صرف أموال الزكاة في غير مصارفها؛ فمصارف الزكاة محدودة محصورة في الأصناف الثمانية التي حددها القرآن، ولقد كان للزكاة بيت مال
стр. 19
خاص، أي ميزانية مستقلة، فقال الفقهاء: لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى؛ من بناء المساجد، والجسور، والقناطر، والسقايات، والمدارس، وتمهيد الطرق، وشق الأنهار، وسد البثوق" (١).
ثم نراه يقول مخالفًا ذلك: "والفقهاء لهم تعريفات كثيرة لمصرف في سبيل الله، فأفضل ما قيل: كل مصلحة للأمة تتعطل لا يقوم بها بيت المال أو الحكومة ويصلح سدادها؛ لأن هذه المصلحة تخدم الفقير كما تخدم الغني، فإن وضعت في مستشفى كالتي أشير إليها، أو في ملجأ، أو في مكان يخدم الناس عامة؛ لكون جهات البر الأخرى أو جهات بيت المال الأخرى لم تف بهذه الحالة، فقد برئت الذمة وأدت ما عليها من الزكاة إن شاء الله" (٢).
هـ - تناقض قوله في حكم الزكاة على النقود المودعة بالبنك، فكان رأيه أولاً موافقا لرأي العلماء في وجوب الزكاة عليها إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول فقال: "وديعة البنك إذا بلغت النصاب الشرعي، بما يساوي خمسة وثمانين جرامًا من الذهب عيار ٢١، وحال عليه الحول الهجري، فإنه يجب إخراج الزكاة وهي ربع العشر، وبما أن السائل يقول بأن قيمة الوديعة تتناقص بمرور الزمن فكيف يقدر الزكاة؟ فنقول: يأتي في آخر العام وينظر المتبقي منها، فإن بلغت النصاب وجب فيها الزكاة، وإن لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها" (٣).
стр. 20
وقال كذلك: "إذا بلغ المال النصاب الشرعي أو أكثر؛ سواء أكان رأس مال، أو عائدًا، أو هما معًا، وجبت فيه الزكاة بعد استيفاء الشروط المنوه عنها سابقًا، بواقع ٢.٥ %، فإذا كان العائد يضم إلى رأس المال فيبلغان النصاب مع حولان الحول وجبت فيهما الزكاة بنفس النسبة، فإذا كان العائد يصرف على احتياجات صاحب المال ومن يعول فلا يبقى منه شيء يبلغ النصاب مع رأس المال فلا زكاة عليه" (١).
وقال كذلك: "س: ادخرت مبلغًا من المال من مصروف البيت، وعندي سبعة أطفال، وقد ادخرتها لكي نبني لنا بيتًا، فهل تجوز الزكاة على هذه النقود المدخرة أم لا؟
الجواب: إذا كان هذا المال المدخر بلغ نصابًا، وهو ثمن حوالي خمسة وثمانين جرامًا من الذهب، ومر عليه حول ولم ينفق، فتجب فيه الزكاة، ما دام بلغ النصاب، ومر عليه الحول، وتجب الزكاة في آخر الحول، أما إذا لم يكن بلغ النصاب فلا زكاة عليه، وإذا بلغ النصاب ولم يحل عليه فلا زكاة عليه" (٢).
ثم في موضع آخر يميل عن هذا الرأي، فيفتي بتخيير السائل بين إخراج زكاة المال وعدم إخراجها، فيقول: "يقول جمهور الفقهاء أن هذا عليه زكاة تعادل اثنين ونصف بالمائة في السنة، وهناك رأي للشيخ عبد الله المشد ﵀ بأن يزكي بعشرة بالمائة من إيراد الوديعة، فإذا كان التعويض مثلاً خمسين ألف
стр. 21
جنيه، ويكون ريعها في السنة خمسة آلاف جنيه، وبالتالي فالعشرة بالمائة تساوي خمسمائة جنيه، أما الاثنان ونصف بالمائة فتساوي ألف ومائتين وخمسين جنيه، فالشائع والأكثر إجماعًا عليه هو الاثنان ونصف، وذلك من أجل مصلحة الفقراء، أما إذا ضاقت الظروف فلا مانع من العشرة بالمائة" (١).
ثم أفتى في موضع آخر بعدم دفع الزكاة على الوديعة فقال: "الوديعة التي نضعها في الاستثمار يصعب فكها، فلو وضعنا ١٠٠ ألف، هذه الـ ١٠٠ ألف محبوسة، ولو سحبت فإنها تضيع، فشبهوا الوديعة الاستثمارية في حكاية الربطة بالأرض، لو بعتها قطعة قطعة تضيع؛ لأنها أصل من الأصول، والعقار أصل من الأصول، والله لم يفرض الزكاة على الأرض، بل فرض الزكاة على الذي يخرج من الأرض، الله لم يفرض الزكاة على العقار أو على البيت، بل فرض الزكاة على الذي يخرج من البيت وهو الإيجار ويمضي عليه سنة كاملة، وعندما جعل الأرض وفرض على الخارج منها فرض العشر، أي عشر ما ينتج من الأرض.
وقد حدد الفقهاء الأشياء التي يجب إخراج الزكاة عليها؛ فقال أبو حنيفة: إنه تجب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض ...
فنحن نفتي بكلام عمر بن عبد العزيز، ونفتي بكلام الجماعة العلمية المصرية؛ حيث اتفقت ليس كلها ولكن أيام الشيخ عبد الله المشد في لجنة الفتوى على أننا نخرج العشر تقليدًا لعمر بن عبد العزيز في هذه الحالة؛ لأن هذا هو الأوفق في هذه الحالة، حيث شابهت الوديعة وليس النقود السائلة
стр. 22
الثابتة، أي أننا نخرج الزكاة ١٠% من الإيراد، فيكون هذا أرفق بك" (١).
وأكد هذا الكلام في نفس الكتاب فقال: "س: سمعت فضيلتكم تقول: إن الوديعة يصح أن تكون زكاة المال على الإيراد بدلاً من الوديعة نفسها، هل ما فهمته صحيح؟
الجواب: نعم ما فهمت صحيح، وهي فتوى عمر بن عبد العزيز، وأخذ بها الشيخ عبد الله المشد من شيوخنا ﵀، رئيس لجنة الفتوى، وأخذ بها كثير من الفقهاء" (٢).
وتناقض قوله في حكم النمص؛ فمرة يراه حرامًا موافقا لمذهب جماهير العلماء، ومرة يراه مباحًا بإذن الزوج، فيقول: "نهى رسول الله ﷺ عن النمص، فعن عبد الله عن النبي ﷺ : (أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، والواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والموشومة، والنامصة، والمتنمصة، ونهى عن النوح) (٣) والنمص في اللغة كما أفاد أهل اللغة هو المتعلق بشعر الحاجبين، وعلى ذلك فاللعن والنهي الممنوع هو الاقتراب من شعر الحاجبين.
وقد أجمع جمهور الأمة على أن هذا النهي عام، ولكن أبا حنيفة يرى أن هذا النهي متعلق بحق الزوج، بمعنى أن الزوج له أن يأذن في مثل هذا.
والراجح هو ما عليه الجمهور، وهو أن النصوص جاءت مطلقة، والنهي جاء مطلقًا؛ فعن علقمة قال: لعن عبد الله الواشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله، قالت: والله لقد
стр. 23
قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأته لقد وجدته: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)(٢) " (٣).
وقال: "هناك بعض الأخوات يردن أن يتزين لأزواجهن، هل هناك مانع في مثل هذه التصرفات؟
الجواب: لا تقترب من شعر الحاجبين، حتى لو كان هناك ما يستدعي ذلك، فقد ورد في الأحاديث البعد عن هذا، وعدت الشريعة هذا نوع من أنواع تغيير خلق الله، ولكن مذهب أبي حنيفة الذي يجيز هذا بإذن الزوج فقط، فهذا الحكم ينبغي أن يحذرن فيه غاية الحذر؛ لأن فيه لعن، وبعض العلماء جعل علامة الكبيرة هو وجود اللعن أو الخلود في النار، فينبغي عليها أن تبتعد عن هذا، وأن ترضى بحكم الله في هذا الشأن" (٤).
ثم نراه يقول: "لا تشتغل في الحواجب إلا بإذن الزوج، وكلمة بإذن الزوج هذا هو المذهب الفقهي، هكذا يرى أبو حنيفة والشافعي، أنه يجوز للمرأة أن تعمل حواجبها بشرط موافقة الزوج، أي أنهما جعلا الوارد في الحديث متعلقًا بالتجمل والمخادعة لغير الزوج" (٥).
وقال: "يجوز لك أن تزيلي شعر الوجه وتزجيج الحواجب، وهذا على مذهب الإمام الشافعي وأبي حنيفة" (٦).
стр. 24
ز - تناقض قوله في حكم بقاء المعتمر في مكة من رمضان إلى الحج بدون تأشيرة؛ حيث قال: "هل يجوز الذهاب للعمرة في رمضان، ثم الانقطاع في الحجاز حتى يأتي وقت الحج؟ الإجابة: نعم يجوز هذا" (١).
وقد يقول قائل: إن هذه الإجابة غير صريحة في الانقطاع دون تأشيرة، لكن قرائن الحال في المجتمع، تؤكد أنه يقصد بدون تأشيرة؛ حيث صرح في فتوى أخرى بوجود مائة ألف معتمر مصري تخفى بمكة إلى وقت الحج فقال مناقضًا هذه الفتوى: "ولقد أصدرت فتوى سنة ١٤٢٦هـ حول هذا الموضوع، وكان المتخلفون بعد عمرة رمضان أكثر من ١٠٠ ألف، في حين أن الحجاج المصريين نحو ٦٠ ألفًا، وبذلك فإن نحو ضِعف الحجاج الذين لهم مكان في الأماكن المقدسة يتواجدون في نفس الوقت من غير مكان، وذهبت هذه الفتوى من خلال فقه الأمة إلى تحريم هذا التخلف" (٢)!!.
ح- تناقض قوله في صوم أهل البلاد الذين يطول النهار عندهم إلى عشرين ساعة؛ فقال عندما سئل عن صيام رمضان في شمال أوربا؛ حيث تبلغ مدة الصوم تسع عشرة ساعة: "الصوم الشرعي يبدأ من طلوع الفجر وينتهي بغروب الشمس كل يوم، فتختلف مدته باختلاف عروض البلاد، وكيفما كانت المدة فإن مجرد طولها لا يعد عذرًا شرعيًا يبيح الفطر، وإنما يباح الفطر إذا غلب على ظن الناس بإمارة ظهرت، أو تجربة وقعت، أو بإخبار طبيب حاذق، أن صومه هذه المدة يفضي إلى مرضه أو إلى إعياء شديد يضره، كما صرح به أئمة الحنفية، فيكون حكمه حكم المريض الذي يخشى التلف، أو أن
стр. 25
يزيد مرضه، أو يبطئ شفاؤه إذا صام.
هذا هو المبدأ العام في رخصة الفطر وفى التيسير على المكلفين، وكل امرئ بصير بنفسه، عليم بحقيقة أمره، يعرف مكانها من حل الفطر وحرمته، فإذا كان صومه المدة الطويلة يؤدي إلى إصابته بمرض أو ضعف وإعياء يقينًا أو في غالب الظن بإحدى الوسائل العلمية التي أومأنا إليها، حلّ له الترخص بالفطر، وإذا كان لا يؤدى إلى ذلك حرُم عليه الفطر، والناس في ذلك مختلفون، ولكل حالة حكمها، والله يعلم السر وأخفى" (١).
وبعد صفحة واحدة فقط توجد له فتوى مخالفة، فقال: "حيث إن النهار يطول في نيوزلاندا عن حد الاعتدال حتى يقارب تسع عشرة ساعة، مما يسبب إرهاقًا شديدًا للمسلمين في صيامهم؛ لذلك فإننا نرى أن يقدر أهل هذه البلاد للصيام وقتًا معتدلاً، فيصوموا قدر الساعات التي يصومها المسلمون في أقرب البلاد المعتدلة إليهم، أو يتخذوا من مواقيت البلاد المعتدلة التي نزل فيها التشريع الإسلامي (مكة والمدينة) معيارًا للصوم قدر الساعات التي يصومها المسلمون في واحدة من هاتين المدينتين، على أن يبدأ الصوم بالنسبة لهم من طلوع الفجر الصادق عندهم، حسب موقعهم في الأرض، دون نطر إلى طول النهار وقصر الليل بالنسبة لهم، وأيضًا دون نظر إلى غروب الشمس أو اختفاء الضوء لدخول الليل، أي يكون مدة صيامهم متساوية مع أقرب البلاد الإسلامية لهم أو مكة والمدينة" (٢).
ط- تناقض قوله في حكم مصافحة المرأة الأجنبية؛ فمرة يفتي بما يتوافق مع مضمون
стр. 26
الحديث الذي يحذر من مس امرأة لا تحل؛ فيقول: "لا تجوز مصافحة النساء الأجنبيات وهن من لسن بمحارم، والنساء المحارم هن من لا يجوز للمسلم التزوج بهن مطلقًا كالأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، والجدة، والأحفاد من البنات، وأم الزوجة، وزوجة الابن، وبنت الأخ، وبنت الأخت، والأم من الرضاع، وبنت الزوجة، وهن مذكورات في آية النساء رقم ٢٣.
لا تجوز مصافحة الأجنبيات في العمل أو في أي مكان أو زمان، والأجنبيات كالزميلة في العمل أو الدراسة أو الجارة أو ابنة العم أو العمة أو الخال أو الخالة، وغيرهن ممن لسن بمحارم كما أسلفنا.
ومن صافح هؤلاء الأجنبيات فقد وقع في الحرام، وخالف سنة النبي العدنان؛ لأن النبي ﷺ ما صافح امرأة قط، وعندما كان يبايع النساء كان يبايعهن بالإشارة بيده الشريفة ﷺ ، ويقول محذرا وحاظرًا من هذه المصافحة: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) " (١) ومرة يفتي بخلاف ذلك فنجد السؤال التالي: "السؤال: أنا فتاة منتقبة هل يجوز لي السلام على الرجال بحائل؟ الجواب: قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (٢) وبناء على ما سبق فإن سلام المرأة على الرجل إن كان لمجرد التحية دون أي غرض فهو جائز شرعا لدخول النساء في عموم الآية، أما إن كان السلام بالمصافحة بقصد التلذذ وإثارة الشهوة فهو حرام ويجب الابتعاد عنه" (٣).
стр. 27
ثالثًا: تحريف النقول
يستلزم النقل عن كتب أهل العلم فهمًا للكلام الذي يستشهد به، وفهما للقضية التي يستشهد عليها، ويستلزم أمانة في النقل، حتى لا تُتقول الأباطيل على الأموات، ويساء الظن بهم.
ومن الملاحظ في نتاج د. علي جمعة أمور تخل بالنقول، وتحرفها عن مقصد أصحابها، وذلك بذكر نقول لا تدل على المعنى الذي يريد، وكذلك بنقل النص بالمعنى مع ذكر معنى لا يمت للنص المنقول منه بصلة، وكذلك بتر النقول حتى لا يتضح المعنى الأصلي للكلام، والبحث في كتب الحواشي عن بعض الكلمات الموهمة فيخرجها عن سياقها ويشرحها شرحًا يحقق مقصوده، أضف إلى ذلك الاختصار المخل، وتعميم القول، فينسب مثلاً قول أحد المالكية للإمام مالك والمالكية، ويصحب ذلك أحيانًا عدم ذكر مصدر النقل، أو نسبة النص لغير قائله، أو ذكر مصدر عام غير محدد بدقة، مما يصعب على الباحث مهمة التأكد من النقل، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- أورد فتوى مطولة عن الوصية للوارث، في ٤ صفحات (١)، والمنشور في كتاب فتاوى دار الإفتاء، أن السؤال والجواب بنصيهما من فتاوى دار الإفتاء المصرية عام ١٩٨٥ للشيخ محمد مجاهد، وليست للدكتور علي جمعة، وهذا عمل مستغرب، لا أدري ما تفسيره؟
ب- قال: "يرى الإمام الشافعي أن حلق اللحية مكروه، وهذا معناه أنه يجوز حلقها ولكن مع الكراهة، ومعنى هذا أن الإنسان إذا أطلقها فهذا تقليد للنبي ﷺ ، وإذا حلقها فلا إثم عليه، وهذا نص كلام الشافعي" (٢).
стр. 28
لا أدري أي نص هذا الذي ذكره؟!! لا يوجد البتة نص للشافعي يقول بكراهية حلق اللحية، بل يوجد نص على تحريم حلق اللحية، قال الشافعي في الأم: (ولو حلقه حلاق فنبت شعره كما كان أو أجود لم يكن عليه شيء، والحلاق ليس بجناية؛ لأن فيه نسكا في الرأس، وليس فيه كثير ألم، وهو وإن كان في اللحية لا يجوز فليس فيه كثير ألم ولا ذهاب شعر؛ لأنه يستخلف) (١) فصرح بأن حلق اللحية لا يجوز، وقصارى ما يستطيعه أن يحاول فهم نص من نصوص الشافعي على جواز تقصير بعض اللحية في الحج والعمرة، وشتان بين هذا وذاك.
ج- ومن النقولات العجيبة، أنه رأى فتوى للشيخ عليش يرجح فيها فتوى العز بن عبد السلام بمنع الذكر بصيغة الله الله مقتصرًا عليها، فادعى أمورًا عجيبة؛ ليبرهن على أن العز بن عبد السلام والشيخ عليش رجعا عن ذلك فقال: "والشيخ عليش كان في بدايته وهو عنده ٢٠ سنة، إذ كان لم يسلك طريق أهل الله، ولذلك تراه في هذه الفتاوى يسأل عن الذكر بالاسم المفرد يا الله يا الله يا الله، قال نقلا عن العز بن عبد السلام: إن هذا الذكر لم يرد، فقابل العز بن عبد السلام بعد ذلك أبو الحسن الشاذلي وأخذ عنه الذكر المفرد ... ، اقتنع العز بن عبد السلام؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واقتنع بعد ذلك الشيخ عليش، وأصبح في سند الطريقة الشاذلية!!! " (٢) العز بن عبد السلام توفي سنة ٦٦٠هـ، والشيخ عليش ولد سنة ١٢١٧هـ!
د- ومن الأمور العجيبة دعواه نقل الإجماع على استحباب قراءة القرآن عند القبر
стр. 29
بتحريف عجيب للنقل؛ فقال: "أجمع العلماء على استحباب قراءة القرآن على القبر، كما نقل ذلك الشيخ العثماني في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، وعبارته في ذلك: (وأجمعوا على أن الاستغفار، والدعاء، والصدقة، والحج، والعتق، تنفع الميت ويصل إليه ثوابه، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة) " (١)، لكن المفاجأة أن ما حصل تحريف عجيب، فعند الرجوع لكتاب العثماني رحمة الأمة نجد قوله: (وأجمعوا على أن الاستغفار والدعاء والصدقة والحج تنفع الميت ويصل إليه ثوابه، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة وكرهها أبو حنيفة) (٢) فعبارة وقراءة القرآن عند القبر غير معطوفة على قوله وأجمعوا!!!.
هـ- قال: "وفي مجموع فتاوى ابن تيمية في المجلد الثالث، وهو يحكي عن مناظرة صفي الدين الهندي إمام الأشاعرة لابن تيمية في صفحة ١٨٧: قال الصفي الهندي: (قلت له: أنتم ما لكم على الرجل اعتراض؛ فإنه نصر ترك التأويل وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري). ونقلُ ابنِ تيمية هذا وقبولُه له يدل على أنه كان أشعريًّا ورضي بذلك، ولكن بعضهم يحاول أن يجعله على مذهب ابتدعوه اسمه مذهب السلف" (٣).
وهذا الكلام فيه افتئات على ابن تيمية؛ لأمور:
أولاً: موقف ابن تيمية من الأشعرية واضح، وكتبه مليئة بالرد عليهم، ومناقشتهم في كثير من القضايا، وهذا أمر ظاهر بيّن، وما أمر عداوة كثير من أشعرية عصره له،
стр. 30
وسعيهم في حبسه، بخاف على من قرأ نتفًا يسيرة عن حياة ابن تيمية، فكيف يُترك هذا الأمر الجلي لمثل هذا الفهم.
ثانيًا: نصر ابن تيمية لترك التأويل لا يعني أبدًا القول بما يسميه الأشعرية تفويضًا، بل معنى الكلام أنه لا يقول بالتأويل، وليس في الكلام المنقول هنا تعرض لذكر اعتقاد ابن تيمية، فكيف يجعل هذا دليلاً على أنه كان أشعريًا!!
ثالثًا: ابن تيمية يفرق بين الأشعري والأشعرية المتأخرين، ويذكر أن آخر أمر الأشعري موافق لصحيح الاعتقاد، وينقل عن الإبانة تصريح الأشعري أنه يقول بما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ويخالف من خالف قوله، أما الأشعرية المتأخرون فيوضح ابن تيمية أنهم مع مرور الزمن اختلفوا وخالفوا إمامهم (١).
رابعًا: هب أن ابن تيمية وافق الأشعرية في هذه المسألة، أيكون بذلك أشعريًا؟! فكم خالف ابن تيمية مذهب الأشعرية في مسائل كثيرة! ولا يكاد يخلو مذهبين من مذاهب المسلمين من اتفاق في مسائل من الاعتقاد، ويظل لكل مذهب أطره التي قام عليها.
وقال: "ونرى فقهاء المسلمين ومنهم الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يجعل الكافر العادل أقرب من دين الله من المسلم الظالم؛ لأن العدل أساس الملك" (٢).
تعبير أقرب من دين الله افتئات على الأئمة الذين يذكر قولهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون الكافر أقرب من دين الله من المسلم، وعبارة ابن تيمية التي أشار إليها هي قوله: (الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة
стр. 31
الظالمة وإن كانت مؤمنة) (١) وهذا لا يدل من قريب ولا بعيد على القرب من دين الله، وقصارى ما فيه أنه يتحدث عن جزاء المعتدي في الدنيا، وأن الله قد يقوي أقوامًا من الكفار ويمدهم بمتاع من متاع الدنيا؛ لأن فيهم بعض أنواع العدل، وقد يعجل لبعض المسلمين العقوبة في الدنيا على ظلمهم. وقد وضح ابن تيمية ذلك بقوله في موطن آخر: (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام) (٢).
ز- ومن التحريف تفسير النصوص بمعنى غير مقصود بتاتًا من النص، مثل قوله: "تحريم الدم المسفوح ليس من أجل أنه يسبب ضررًا من ناحية الطب، بقدر ما أنه يسبب ضررًا من ناحية الأخلاق، والتجرؤ على شكل الدم، وعلى رفع الحاجز النفسي بين الإنسان وبين سفك دماء البشر" (٣) فلو كانت هذه علة التحريم لكان أكل اللحوم محرمًا من باب أولى؛ لأن فيه تجرؤ على تمزيق الحيوان والتهامه، ومثل ذلك قوله: "النبي ﷺ يقول: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء) رواه الطبراني في الأوسط، وهو حديث مكون من مقطعين، الأول: أطب مطعمك، وهو أمر يطلب فيه رسول الله ﷺ أن يطيب الإنسان مطعمه، وذلك على مستويين: ... المستوى الثاني: هو أن يكون الطعام نفسه طيبًا في مذاقه،
стр. 32
وفي إعداده، والذي يطلب هذا النوع من الطعام هو رقيق القلب، رهيف الحس، الذي لا يدفعه الجوع لملء البطن دون تلذذ بالتذوق والاستحسان" (١) وهذا فهم بعيد كل البعد عن نص الحديث الذي يتحدث عن آداب الدعاء، وأسباب إجابته، ومثل ذلك قوله: "يظهر من أمره ﷺ بقتل الكلاب ثم تخصيصه بالأسود البهيم ثم نسخه أن الأمر كان يتعلق بمراعاة التوازن البيئي، وأن العلة التي دار معها الأمر هي زيادة أعداد الكلاب في المدينة، بالشكل الذي كان يهدد أمن الإنسان وحياة غيره من الحيوانات" (٢) وهكذا يكون التعليل بالتخمين.
стр. 33
رابعًا: الكلام المحتمل والمصطلحات الفضفاضة
ينبغي على المتكلم أن يتحرى نفع طلابه، وتوضيح المشتبه، والإفصاح عن مراده، حتى يتسنى فهم حقيقة دعوته ورسالته.
والمؤمن يتجنب الألفاظ التي تحتمل التشويش، خاصة عندما يقف في مقام الفتيا والوعظ، حتى لا يضل الناس بقوله.
أما تعمد الإغراب، وتعمية المصطلحات، فهو سبيل للخلط والتخليط.
وهذه نماذج للكلام المحتمل، والمصطلحات الفضفاضة، التي توهم غير الحق:
أ- إطلاق لفظ المتدينين والمؤمنين على المسلمين والكفار؛ فقال: "ولقد دعا الأستاذ عبد الأحد داود في آخر كتابه (الإنجيل والصليب) العالم كله أن يتحد ضد هذا البلاء، وإن من المصلحة على جميع المتدينين والمؤمنين أن يقفوا ضد الإلحاد الأسود" (١).
ب- بل إنه وصف الأديان الموجودة الآن بأنها أديان تأمر بالعدل والإحسان، وتنهى عن الظلم والعدوان، وافترى على الإسلام أنه يساوي في المعاملة الدنيوية بين أتباعه وأعدائه، وهذا افتراء على الإسلام الذي يعامل أعداء الإسلام بأحكام مفصلة مذكورة في كتب الفقه، تخالف كثيرًا معاملة المسلمين الموحدين، فقال: "في الوقت الذي اجتاحت الجيوش المختلفة أرض الله، تنشر الدمار والخراب والدماء، فلا تفرق بين الطفل والمرأة والكهل، كان الدكتور دراز ينادي بتوحيد الصفوف بين الأديان المختلفة، ويدعو إلى التقائها عند قاعدة واحدة هي أساس التعاون، وذلك أنها تأمر
стр. 34
جميعها بالعدل والإحسان، وتنهى عن الظلم والعدوان، وكلها تساوي في هذه المعاملة الدنيوية بين أتباعها وبين أعدائها، وهو نفس ما يدعو إليه علماؤنا في العصر الحالي، تحت شعار: تعالوا إلى كلمة سواء" (١).
ج- قضية أمة الدعوة وأمة الإجابة، استغلها من أجل أن يروج لمفهوم مخترع، يقوم على أن الكفار جزء من الأمة الإسلامية؛ لأنهم من أمة الدعوة، وهذا تلاعب بالمصطلحات الشرعية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣).
يقول: "أمة الإسلام إنما هي الخلق أجمعون، ولكن بعض الخلق آمن وهناك منهم من لم يؤمن" (٤). وقال: "وهذا المبدأ تولدت منه عدة مسائل منها: مفهوم الأمة الإسلامية، وهو أن هناك أمة إجابة، وهم الذين صدقوا بالقرآن والنبي ﵌ واتبعوه، وأمة دعوة وهم الناس أجمعون حتى أولئك الذين لم يخلقوا بعد، ومن هنا يشعر المسلم بالأخوة للإنسانية" (٥). وتكلم عما أسماه بالأمة الإنسانية، مطلقًا على الكتابين اللذين أوحاهما
стр. 35
الله جل وعلا لموسى وعيسى ﵉ اسم العهد القديم والعهد الجديد، وهي تسمية باطلة، تدل على الكتب المحرفة عند أهل الكتاب، المشتملة على أنواع من الكفر، تاركًا تسمية ما أوحاه الله إليهما باسم التوراة والإنجيل، فقال: "الأمة الإنسانية أمة واحدة، ويتوج حدث الإسراء والمعراج هذا المعنى، إذ التقى رسولنا الكريم ﷺ بإخوانه الأنبياء، وصلوا صلاة واحدة، يؤمهم فيها ﷺ ، إشارة إلى أن هذه الأمة تتبع جميع الأنبياء وتؤمن بهم، وذلك باتباعهم لنبيهم الخاتم. إن الله كما أرسل الرسل بالعهد القديم والعهد الجديد، فقد ختمهم رسول الله ﷺ الذي أنزل معه العهد الأخير، وجعل الله الأمة واحدة من لدن آدم إلى يومنا هذا" (١).
د- ومن أغرب طرق تلبيس الأمور، أنه كان يتكلم عن حديث لعن اليهود؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فكتب في الهامش تعليقًا غريبًا لا أدري، من المخاطب به؟ فقال: "وما ورد من لعن اليهود إنما يعني من انحرف منهم وعبد الوثن، والله أعلم" (٢) فهل اليهود المعاصرون يندرجون تحت اللعن أم لا؟!!
هـ- ومن التلاعب بالألفاظ قوله: "يجب علينا أن نعلم أن الإسلام جاء بالحد من تعدد الزوجات، ولم يأت بتعدد الزوجات كما يظن الآخرون" (٣) ما معنى هذا الكلام؟ الإسلام أتى بتشريع تعدد الزوجات وفق أوامر الشرع المطهر التي تحل الطيبات وتحرم الخبائث، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ
стр. 36
الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)، وهل نصدق من يقول: إن الصدق والأمانة كانتا في الجاهلية ولم يأت الإسلام بهما؟!!، وإذا دعونا أمة تدين بتحريم تعدد الزوجات فهل سنقول لهم: إن تعدد الزوجات محرم عليكم بعد إسلامكم؛ لأن الإسلام لم يأت بتعدد الزوجات وإنما أتى بالحد منه على من يكثرون منه!!.
وأما المصطلحات المعاصرة التي انتشرت في الثقافة الغربية ولها مدلولات تخالف أحكامًا إسلامية قطعية؛ مثل المساواة بين البشر وحرية العقيدة ... ، فالإسلام دين العدل ولكنه لا يساوي بين المختلفين؛ فهناك فرق بين الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعالم والجاهل، والتقي والفاجر، فضلاً عن المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) فهذه أحكام شرعية حتى وإن ادعى الكفار الغربيون أنها تخالف المساواة وأنها تسمح بالتفرقة العنصرية، وهكذا حرية العقيدة، فالإسلام لا يسمح للمرتدين والملحدين بالعيش في بلاد الإسلام، وأما الكفار من يهود ونصارى فلهم أحكام تحدد لهم المسموح وغير المسموح، وتفاصيل هذه الأمور معلوم في الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن نقبل بهذه المصطلحات التي يمرر تحتها كثير من المخالفات؛ ولكن د. علي جمعة يقول: "هناك مساواة بين البشر، فأصلهم
стр. 37
واحد، ومصيرهم واحد، وهو الموت، والخطاب الإلهي إليهم واحد" (١) ويقول: "الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة، والنبي ﷺ يأتي ويؤكد هذه المساواة فيقول: (النساء شقائق الرجال) (٢)، يعني في التكاليف وفي الواجبات وفي كل شيء" (٣) ويقول: "حرية الرأي والاعتقاد مكفولة لكل أحد" (٤) ويقول: "قبول المعيشة مع الآخر الذي أختلف معه في توصيف فعل المكلف، فأنا أرى أن هذا الفعل منهي عنه، وهو حرام، وهو قد لا يرى أنه حرام، أو قد لا يرى أن هناك ما يسمى بالحرام أصلاً؛ لأنه يؤمن بالله ولا يؤمن بالوحي، أو لأنه لا يؤمن لا بالله ولا بالوحي، مع أنه أيضًا وهو في هذه الحالة الإلحادية يجعل هذا على نطاق نفسه، ولا يدعو إليه، ولا يضغط على المجتمع من أجل أن يسير وراءه في هذا الهراء، بل إن ذلك يمثل محض رأي شخصي يحتفظ به لنفسه" (٥) ويقول: "يطالب المسلم المجتمع الإسلامي وغيره أن يكفل للإنسان حق المعتقد وحق التعبير عنه بحرية ودون قهر أو إكراه" (٦) ويقول: "يعتقد المسلمون دائمًا أن الإنسان مهما كان معتقده له الحق في العيش في أمان وسلام داخل وطن المسلمين" (٧).
стр. 38
خامسًا: ذكر صفات الباطل بدقة ثم التلبس ببعضها
من الأمور الغريبة التي قد تشوش ذهنية بعض المتتبعين لنتاج د. علي جمعة أنه أحيانًا يتكلم عن الأدواء والأباطيل بكلام حق صريح، فيُظن به أنه نجا من هذه الفتن التي يحذر منها، ولكن الحقيقة أنه أحيانًا يقع في عين ما حذر منه، ولله في خلقه شئون، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- قال: "وفي هذا العصر نجد أن بعض العلماء قد اضطر تحت وطأة إصرار النساء على وضع المانيكير والباديكير وترك الصلاة بأن يفتي بأن حكم المانيكير مثل حكم المسح على الجورب، يعني أنه لا يمنع المرأة من الصلاة، وهذه في الحقيقة مصيبة كبرى في البيت وعلى الأولاد وعلى الزوج وعلى البركة وعلى كل شيء، فهذا عبث لا يمكن أن يفتى به" (١).
فهذا الذي ينكره من وقوع بعض الدعاة تحت ضغط الواقع والإفتاء بأمور مستغربة بحثًا عن مخرج ولو كان باطلاً، هو ما وقع فيه د. علي جمعة كثيرًا تحت نفس الضغط، فمثلاً يسأله شخص عن حكم الاتفاق على عدم وقوع الطلاق إلا عند المأذون، فيرد بأن هذا مخالف لنصوص الشريعة، ولكن يمكن الاجتهاد الجماعي فيه؛ لعل هذا الاجتهاد الجديد يغير ما استقرت عليه الفتوى، وإليكم نص الفتوى: "هل هناك مانع شرعي من الاتفاق في بلد ما على ألا يتم الطلاق إلا كما تم الزواج، يعني لو تم عند المأذون لا ينتهي إلا عند المأذون؟
الجواب: هذا في الحقيقة سؤال وجيه، ولكن ينبغي ألا نتسرع فيه، بل
стр. 39
ينبغي أن يتم هذا الاتفاق من خلال جماهير علماء المسلمين والمجامع الفقهية.
قد نرى نوعًا من المهازل التي تحدث في الطلاق، فكل شخص يفرط في لفظ الطلاق مرة بلا وعي ومرة بلا معنى ومرة يقول: قصدت التهديد، ومرة يقول: قصدت الطلاق، ومرة يقول: والله لا أعرف ماذا قصدت، فهذه صور مختلفة، وهذا التفريط حرام، وفي الحقيقة قد شاهدنا أشياء عجيبة الشكل وألفاظ أخرى تتعلق بقضية الطلاق، ونسمع حالات أخرى، مرة يكون غضبان وهو لا يدري لماذا غضب، ومرة يكون يائسا، وهذه قضية مهمة ينبغي على علماء المسلمين أن يلتفتوا إليها وأن يجتمعوا عليها، فهي مسألة اجتماعية مهمة لا ينبغي لأحد من الناس أبدا أن ينفرد بالفتوى فيها، ولا أن يدعو إليها إلا من خلال مجامع الفقه، وهي: هل نحن نريد أن نسلب الرجل حقه في التطليق كما فعلت شرائع أخرى غير شرائع الإسلام، أم نريد أن نجعل الطلاق هو الأصل ولكننا نريد أن نوثق الطلاق وأنه لا يعتد بالطلاق إلا إذا كان موثقا وبشهود، والشهود عند أهل السنة إنما هو على سبيل الندب وليس على سبيل الركنية، وهذا الطريق لا يحتاج إلى نية، وإذا قال لها شيئا آخر يفيد الطلاق مثل: انفصلنا خلاص، انتهى الذي بيننا، فنريد أن نعرف إذا كان يريد الطلاق أن يقع أم لا كما فصلناه من قبل. إنما السؤال الآن: هل يجوز لمجمع فقهي أن يجتمع ويقرر هذا في البلد ويشيع هذا في الناس ويقول لهم: عليكم بالتزام المأذون تطليقا كما ذهبتم إلى المأذون زواجا، أي ترغبون في الزواج وأن أي شيء صدر في ثورة الغضب أو في ثورة التعليق أو في كذا إلى آخره لا ينظر إليه ولا يعتد به، فهذا في
стр. 40
الحقيقة أمر يحقق مقاصد ويحقق مصالح، إلا أنه ليست نصوص الشريعة التي بين أيدينا ولا فهم الأئمة عبر العصور يساعد على تحقيق هذه الصورة، فهذا يحتاج إلى اجتهاد جديد، ولا يتم هذا الاجتهاد الجديد من شخص بعينه بحيث لا يحدث ذلك نوعا من الفتنة في البلاد، فنحن نحتاج إلى مراجع فقهية تتفق على مثل هذا الحال، وبذلك ينتهي حال الطلاق السيئ وننتقل إلى طلاق الذي هو عقد فسخ والذي هو عقد قد جعله الله بداية حياة جديدة وتجربة جديدة: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) وطلب السعادة للطرفين، إذًا فهي مسألة جديرة بالبحث بين العلماء، ومسألة تحقق المصالح التي لا يمكن الإفتاء بها مستقلة، لكن ينبغي أن تكون من خلال فكر العلماء وفكر الفقهاء وفكر المجامع الفقهية" (٢).
ونراه يقع تحت ضغط هجوم الغرب على الإسلام فيتكلم بانهزامية عن بعض أمور الإسلام كالحجاب والاختلاط وتأديب الزوج زوجته؛ فيقول: "قضية الحجاب، وقضية الاختلاط بين الجنسين، وقضية جواز ضرب المرأة للتأديب، ونحو ذلك، ولقد كان الشيخ عبد الرحمن عليش في بدايات القرن العشرين يرى أن هناك فقهًا للأقليات المسلمة، وأن العقلية الغربية يمكن لها أن تفهم الإسلام فهمًا موازيًا للعقلية الشرقية، وأنه يمكن لعلماء الغرب المسلمين أن يكونوا مدرسة جديدة قد تكون غريبة على علماء المشرق، وهذا الذي تطور فيما بعد فيما أطلق عليه بفقه الأقليات، ونرى محاولات جيدة فيه