← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37659

الدكتور علي جمعة إلى أين

طلحة محمد المسير

Полный текст (187 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مهام عمل أبواب الدستور دوره، وللثقة في فلان أو علان دورها، والعبرة بالحقائق والمعاني لا الشعارات والادعاءات، ولا مكان لأن نترك الحقائق الجلية بمثل هذه الادعاءات، رغم أنها ادعاءات لا تحيط بتفاصيل الواقع الذي تحكيه. * ثم يقول د. علي جمعة: "وظلت الدساتير المصرية تأخذ في الاقتراب من الشريعة على النهج الكامل في نفسية السنهوري باشا وتلامذته، حتى الدستور الأخير الذي نص على أن مصر بلد إسلامي، وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، واختلط على كثير من الناس أن هناك سلطة دينية في البلاد، والأمر غير ذلك، السلطة الدينية تتمثل في الأغلبية الكبيرة للمسلمين، وهم متدينون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم، مما يحدث إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم". لا زال الدستور والقانون بعيدًا عن الإسلام وشريعته، فالحكام العلمانيون يفسرون النصوص حسب أهوائهم، فمصر بلد إسلامي ومبادئ التشريع الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، لا تعني عندهم الشيء الكثير؛ لأن الدستور يحتوي على كثير من التعبيرات الغامضة التي يرفعونها فوق الشريعة ويقدمونها عليها، فالمادة الأولى تنص على ديمقراطية الدولة وأن نظامها يقوم على أساس المواطنة، والتفسير الدارج للديمقراطية والمواطنة يحمل كثيرًا من الأمور التي تخالف الشريعة، وينص الدستور كذلك على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، وينص كذلك على منع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، وينص كذلك على التسوية بين المواطنين دون اعتبار للدين، وينص على أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية التعبير عن الرأي ونشره، وينص على أنه لا جريمة ولا عقوبة

стр. 107

إلا بناء على قانون، وأن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الشعب، ويتولى مجلس الشعب سلطة التشريع، إلى غير ذلك من النصوص التي تخالف الشريعة الإسلامية مخالفة صريحة، ولها أثر في القوانين القائمة والمستحدثة، وفي سياسات الدولة الداخلية والخارجية، ولا ينكر ذلك من له أدنى بصر بالواقع. وما ذكره من إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم، ليس كذلك، بل هي إشكالية في أذهان النفوس المريضة التي ترى المعرضين عن شرع الله جل وعلا والمنابذين له العداء، ثم تحتفي بهم وتتلمس لهم الأعذار. ثم يقول د. علي جمعة: "وكانت فكرة السنهوري باشا هي أن كتب الشريعة ليست صالحة لصياغة جديدة حديثة معاصرة، ولم يكن ذلك اعتراضًا على الشريعة، بل هو اعتراض على أسلوب كتابتها". السنهوري وضع قوانين مضادة للشريعة؛ ثم لا يعد د. علي جمعة هذا اعتراضًا على الشريعة!! ويسميه اعتراضًا على كتب الشريعة!!! * وفي تلاعب بالمصطلحات والكلام وبتر للنصوص ينقل عن السنهوري قوله: "والذي نبغيه من دراسة الفقه الإسلامي، وفقًا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونًا حديثًا يصلح للعصر الذي نحن فيه ... القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد تطورها" وعند البحث عن تكملة النقاط التي وضعها د. علي جمعة ليقص بعض الكلام نجد قول السنهوري: (وليس القانون المصري الجديد أو القانون العراقي الجديد إلا قانونًا مناسبًا في الوقت الحاضر لمصر أو العراق) فحذفها د. علي جمعة؛ لأنها توحي بأن الشريعة الإسلامية لم تكن مناسبة للحكم

стр. 108

في الوقت الحاضر، مع ملاحظة أنه يتكلم عن القانون المدني ولم يخبرنا عن رأيه في تحكيم الشريعة في بقية القوانين كالقوانين الجنائية. * ويحاول د. علي جمعة أن يدافع عمن سماهم الآباء الواضعين للقانون الجنائي بما سماه عصر الشبهة، وهي كلمة يريد د. علي جمعة منها شرعنة الانسلاخ عن أحكام الإسلام ضربة لازب، وقد سبق التعليق على مثل ذلك في التعليق على ما سطره عن تطبيق الشريعة في كتابه البيان لما يشغل الأذهان. * والنتائج المذهلة التي توصل لها د. علي جمعة في مقالاته هذه عن التجربة المصرية هي: -"النموذج المصري نموذج يستحق الدراسة في ماضيه وحاضره ومستقبله، وذلك لأنه نموذج رائد، ولأنه أيضًا نموذج فريد، ولأن النماذج التي جاءت من بعده تحتاج إلى إعادة تقويم"!!!. -"أن المصريين لم يريدوا، بل ولم يفكروا، في الانسلاخ من الشريعة، وأن موقفهم من البداية كان موقفًا علميًا عمليًا يهدف إلى التطوير ومراعاة الواقع، ولا يهدف إلى الانسلاخ والخروج عن الشريعة الغراء". -"غرض هذا التجربة في الأساس لم يكن الانسلاخ من الهوية، بقدر ما كان سعيًا للمعاصرة". -"استفادت اليابان من تجربة محمد علي في القرن ١٩"!!!. -"الأهمية القصوى للحفاظ على المكتسبات التي اكتسبتها التجربة المصرية في دستورها وقوانينها ونظامها القضائي، وأنها مثال يحتذى فاق أمثلة كثيرة حاولت الذوبان في العصر مثل التجربة التركية، أو حاولت الحفاظ على الهوية بطريقة معينة مثل التجربة السودانية والإيرانية

стр. 109

والباكستانية، أو استمرت مع الموروث مثل التجربة السعودية"!!!. -"بتطبيق قواعد الليبرالية والديمقراطية وعدم التخلي عنها وصلنا إلى ذلك الدستور، ووصلنا أيضًا إلى محكمة دستورية تراقب القانون طبقًا للشريعة الإسلامية"!!!. -"مصر دولة إسلامية، ولا يعني هذا أنها دولة دينية تسيطر فيها السلطة الدينية على القرار السياسي، ولا يعني هذا أيضًا أنها دولة كافرة قد أنكرت الدين وتخلت عنه، بل إنها تجربة فريدة، استطاعت بها أن تبقي على دينها، وأن تبقي في ذات الوقت على حرية الاعتقاد المكفولة لأبنائها، واستطاعت أيضًا أن تستمر في موكب التاريخ، وألا تخرج أو تنسلخ عن هويتها، وفي ذات الوقت ألا تتخلف عن العالم الذي أصبحت بموجب الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة جزءًا لا يتجزأ منه، فتراها تشارك في المحافل الدولية، وتلتزم بالقوانين الدولية، وتنشئ علاقات دولية ضخمة لها فيها الريادة والقيادة، وهي تجربة يجب على المسلمين في العالم أن يدرسوها، وأن يستفيدوا منها بحسب ثقافاتهم وتركيبهم المجتمعي"!!!. -"النقل في بعض الأحيان أو في كثيرها من القوانين الفرنسية، إنما كان لغرض التطوير لا لغرض الانسلاخ"!!!. * إن حقيقة ما يدعو إليه د. علي جمعة في مقالاته عن التجربة المصرية، ويفتخر به، يظهر في مقالة تكشف المخبوء، وتوضح الحقيقة يقول فيها: "والتجربة المصرية التي بدأت مع محمد علي لم تجعل للمؤسسة الدينية أي تدخل في القرار السياسي أو الاقتصادي، وإن كانت لم تلغ وجودها بالمرة، كشأن كل

стр. 110

دول العالم، فلا زالت الكنيسة الإنجليكانية تتوج الملكة البريطانية إلى يومنا هذا، ولا زالت المؤسسة الكاثوليكية لها الغلبة الجماهيرية في فرنسا التي ينص دستورها على أنها دولة علمانية" (١). أي أن التجربة المصرية التي يفتخر بها د. علي جمعة وينادي باحتذاء مثالها هي باعترافه تجربة علمانية، مثلها مثل تجارب دول أوربا كبريطانيا وفرنسا التي حصرت الدين في بعض المراسم، فواحسرة على العباد. بل إنه يزعم أن هذه التجربة العلمانية محل إقرار علماء الدين وتناسب هذا العصر الذي نعيشه؛ فيقول: "ومنذ عصر محمد علي وإلى الآن لم تعد المؤسسة الدينية جزءًا من اتخاذ القرار في أي مجال كان، والمؤسسة الدينية رحبت بهذا ومارسته باعتبار أنها وهي تقر الحرية للآخرين يناسب ذلك العصر الذي نعيشه" (٢)

стр. 111

جـ- طعون الدكتور علي جمعة المتفرقة المتعلقة بتطبيق الشريعة من الملاحظ أن قضية تطبيق الشريعة والتحاكم لشرع الله جل وعلا نالها كثير من التشويه في نتاج د. علي جمعة، وهذه بعض الأمثلة المتفرقة من هذا التشويه: * يقول د. علي جمعة: "وقد أذن لنا الله أن نتعايش مع أهل الكتاب، وأن نحكم بينهم بما أراده الله لهم في شرعتهم" (١)، ويقول: "نقبل التعددية في المجتمع تحت كلمة الله، ومن خلالها نقبل أن يطبق كل منهم شرعته ومنهاجه بحكم الله الذي في كتابهم" (٢) .. وهذا من التلبيس؛ لأن ما أراده الله لهم هو أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ وأن يتحاكموا إلى شريعة الإسلام، بل إذا استمروا على كفرهم وعدم الإيمان بالنبي محمد ﷺ فلا نحكم بين من اختصموا إلينا إلا بحكم الإسلام، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣). ثم ما معنى حكم الله الذي في كتابهم؟ إن الكتب التي بين اليهود والنصارى اليوم دخلها التحريف والتزييف، فلا يمكن أن نسمي ما ورد فيها حكم الله؛ إلا إذا ثبت في شرعنا أن هذا الحكم المعين كان في كتبهم قبل التحريف، أما غير ذلك فهذا جرأة على الله وافتراء، خاصة فيما علمنا يقينًا أنه من تحريفهم وكذبهم.

стр. 112

* يقول د. علي جمعة: "لا بد على المسلم في تصرفاته وسلوكه داخل المجتمع غير المسلم أن يندرج تحت قوانينهم، وألا يخالف النظام العام السائد أو الآداب المتعارف عليها، وألا يتعمد مخالفة القوانين أو الخروج عن النظام، وإذا احتاج إلى شيء من التميز كالمسائل الخاصة بالأحوال الشخصية أو الخاصة بالحياة والممات؛ كالأكل، والشرب، والدفن، وغيرها من الأمور التي قد تتعلق بشريعته وتخالف السائد في بلاده، فقد رسم الفقهاء القدماء طريق الاتفاق مع ولي الأمر، أو ما يمكن أن نطلق عليه البرتوكول في عصرنا الحاضر، والذي يسمح له بإقامة شعائره والتمسك بخصوصيته، دون مخالفة للقوانين أو النظام السائد، ولقد جرب المسلمون كثيرًا هذا الأمر، ونجحوا في أغلب الأحيان، مما يجعلنا متفائلين بإمكان ذلك. والتمسك بالمشروعية مع التعايش مع الواقع يحتاج في بعض الأحيان إلى إبداع طرق جديدة أو أفكار وسطية، فإنه كما قالوا بين نعم ولا مراحل كثيرة، وفي تجربة عيش المسلمين في الهند في العصر الحاضر واستقلالهم بالقضاء فيما بينهم، فقد سمح لهم بالترافع إلى قضاء داخلي فيما بينهم، ما دام الطرفان يرتضيان ذلك، أما إذا اختلفا وتنازعا فلم يرض أحدهما بالترافع إلى القضاء الشرعي، وأراد أن يترافع إلى القضاء المدني، أو أنه رفض الحكم بعد صدوره من القضاء الشرعي، فإن الحكم حينئذ لا يصير ملزمًا له ويستطيع أن يترافع إلى القضاء المدني. ولقد أخبرني رئيس القضاة الشيخ مجاهد الإسلام قاسمي رحمه الله تعالى في سنة ١٩٩٤ أنه لم تحدث حادثة واحدة منذ ١٩٣٦ حيث طبق ذلك النظام رفض فيها أحد المتنازعين القضاء الشرعي، ومثل هذه التجربة التي يكون فيها

стр. 113

القضاء مواز يستمد قوته وإلزامه من الجماعة، مع اندراجه تحت سلطان الدولة ومشروعيتها، أمر جدير بالبحث والتأمل، وإمكانية تكراره" (١). وهذا كلام عجيب، فالمسلم يلتزم شرع الله جل وعلا، أيًا كان مكانه؛ سواء اتفق ذلك مع القوانين المعمول بها في مكان إقامته أم خالفها، وليس للقوانين الطاغوتية مكانة في حياة المسلم. وما زعمه من إمكانية تطبيق الشرع مع الالتزام بالقوانين الصادرة في بلاد الكفر، يؤكد على تشرب د. علي جمعة بالمفهوم الغربي؛ لأن الشريعة ليست مجرد أحوال شخصية وبعض الأمور المتعلقة بالحياة والموت والدفن كما يزعم، بل هذا مفهوم علماني كنسي، أما الإسلام فهو نظام شامل في كل مجالات الحياة، له تصوره الخاص للطبيعة الإنسانية والاجتماع البشري. أما ما زعمه من أن جميع المنتسبين للإسلام يهرولون للتحاكم إلى القضاة الشرعيين، تاركين المحاكم التي تقيمها الدول، فهذا كلام غير واقعي؛ لأننا في البلاد العربية نجد كثيرًا من المنتسبين للإسلام يهرولون إلى المحاكم الطاغوتية، ويتقبلون حكمها المخالف للشرع، ويأبون أن يحكم بينهم العلماء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . * ونجده يُهَمش بعبارة طائشة وتسرع مقيت جل نصوص الشريعة، ويبرر التملص من أحكام الإسلام جملة واحدة؛ فيقول: "دائرة الخبر، ودائرة العمل، أما دائرة الخبر الوارد في تراثنا فإنها لا تحتاج إلى كثير من الاجتهاد، ولا يهتم بها العالم، ولا ينبني عليها عمل، ولذلك فإن الإيمان بها وتقديس مفرداتها لا يؤثر في علاقتنا مع غيرنا، ولا في تطوير حالنا مع أنفسنا، والحفاظ على دائرة

стр. 114

الخبر له فوائد كثيرة لعله ليس الآن وقت التعرض لها، أما دائرة العمل فقد ضربت لهم مثلاً بتولي المرأة القضاء، وتوليها منصب الرئاسة، وأمثال هذه الاجتهادات التي اجتهدناها في ما يتعلق بما يصلح عصرنا، وما يصلح له ... وأنه يجب علينا أن نبذل مزيدًا من الجهد في هذا الاتجاه الصحيح، وألا نشغل أنفسنا بدائرة الخبر حتى تشغلنا وتغبش علينا دائرة العمل" (١). * ونراه يحترم القانون الوضعي ورجاله فيقول: "الحقيقة أنه لا يجوز أن أعترض على حكم الحاكم أو حكم القضاء ابتداء، وإننا نوقر القضاء في عالمنا توقيرًا زائدًا، ولو أخطأ القاضي فهناك مراحل للتقاضي وإعادة النظر إذا ما جد جديد في القضية، فليترك قضية القاضي ونصحه؛ لأن القاضي لا يتتبع حكمًا وما دام قد أصدر حكمه، فإنا نظن فيه خيرًا إن شاء الله" (٢). * بل هو يدعو لتطبيق بعض أحكام الطاغوت مع مخالفتها للشريعة؛ فمثلاً يقول: "نصوص الإجراءات الجنائية قد ألزمت قاضي التحقيق بحفظ القضية التي يثبت فيها تعرض المتهم للتعذيب أو الإكراه مع إخلاء سبيله، وعلى جميع من بيدهم الأمر العمل على هذا، حتى يستتب الأمن والاستقرار وتحترم كرامة الإنسان، كما أمرنا ديننا، وما عليه نظام مجتمعنا" (٣). وهذا مخالف للشرع؛ لأن التعدي بالظلم على الجاني لا يرفع العقوبة عنه، بل قد يجعل الجناية من اثنين هما الجاني الأصلي فيعاقب على جنايته بما يتناسب معها، والجاني الثاني هو من قام بالتعذيب بلا وجه حق فيعاقب على اعتدائه.

стр. 115

ثانيًا: الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله من أفضل العبادات التي شرعها الله جل وعلا، ومن أعظم القربات الموصلة إلى رضوان الله ، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وبشر الله المجاهدين بالبشريات العاجلة، والمنح الوافرة؛ فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). وحذر الله المؤمنين من الركون إلى الدنيا وترك الجهاد في سبيله، وتوعدهم إن هم فعلوا ذلك؛ فقال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ

стр. 116

إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). وتضمن الشرع الإسلامي من أحكام الجهاد وآدابه ما يجعله يسمو فوق أغراض البشر وأحقادهم؛ لتكون سيوف المسلمين مرفوعة باسم الله وعلى بركة الله، مؤيدة بمدد من عند الله؛ قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). وحظيت شريعة الجهاد بعناية الأمة ورعايتها، ولم يكن يجرؤ أحد على النيل من بعض تفصيلاتها، فضلاً عن أن يعترض على هذه الشريعة المطهرة. والدكتور علي جمعة يرى الواقع الذي تعيشه الأمة، هذا الواقع الذي اتحدت فيه قوى الشر في العالم، تحارب الإسلام جهارًا نهارًا، وتقتل وتشرد وتستبيح الحمى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومع هذا الواقع الأليم نجد أن د. علي جمعة يقدم طرحًا هزيلاً لا يتناسب مع واقع الأمة؛ ومن ذلك: * قال د. علي جمعة: "الجهاد لا يجوز إلا تحت راية، وعندما فقدت الراية فلا جهاد، وسيتحول إلى قتل بدل أن يكون قتالاً، ولو ادعى صاحبه أنه في سبيل الله" (٣) ومعنى ذلك أنه يرى أن الحرب في كثير من الأماكن التي سقطت تحت حكم الكفار ليست جهادًا، ولكن الله يقول: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ

стр. 117

الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ (١). * وقال: "عمليات الاستشهاد في فلسطين، وموقفنا بشأنها يتمثل بأن ذلك لم ينشأ من فتوى دينية سابقة، كما هو متصور أو يُراد أن يُتصور، وأن الأمر مرده إلى التضييق اليهودي واليأس والإحباط الذي يصيب الفلسطينيين، وأن أول فدائي كان مسيحيًا، وأن الأمر امتد إلى الفتيات؛ حيث كان من الشائع أن الذكور يفعلون هذا؛ لأن الإسلام يبشرهم بسبعين حورية في الجنة، وأن الفتاوى التي حرمت لم تمنع العمليات الفدائية، ولم تدفع إليها؛ لأن السبب هو الإحباط وليس الدين، وأن الادعاء بأن الدين وراء ذلك لن يؤثر كثيرًا في الواقع؛ لأنه ليس صحيحًا، فلا بد من معرفة السبب الحقيقي وإزالته، والسبب الحقيقي هو طريقة تعامل الكيان الصهيوني مع القضايا السياسية والإنسانية" (٢) وهكذا بجرة قلم يتهم د. علي جمعة نوايا الشباب الطاهر الذي يستجيب لفتاوى علمائه التي تحبذ له القيام بالعمليات الفدائية بشروط يذكرونها له، ويجعلهم د. علي جمعة مرضى نفسيين أصابهم اليأس والإحباط. * وقال: "بعدما أذيع من أحداث قتل الأسرى أخيرًا تأملت ما ورد في شأنهم في كتاب الله، فوجدت قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، ومعنى الآية أنه لا يجوز أن نأسر الناس من غير أن يكونوا من العساكر المقاتلين، ومن غير أن يكون هناك حرب قائمة بيننا وبين

стр. 118

العدو، فقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) معناه إلى أن يقاتل في سبيل الله، فالأسر بدون قتال يقع بعده باطلاً ومنهيًا عنه" (٢) وهذا الفهم معوج وباطل، فهل كانت النساء اللاتي يُتخذن إماء، والأطفال الذين يُتخذون عبيدًا، من العساكر المقاتلين؟! وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) فلا علاقة له بالأسر دون قتال؛ بل معناه كما في التفاسير، بل وكما في تفسير د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: (ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ (٤) من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرًا ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) أي: حتى يبالغ في قتلهم، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم، إذلالاً للكفر وإعزازًا لدين الله) (٦). * وقال د. علي جمعة: "من جاهد رسول الله؟ جاهد العرب؛ منهم بنو سليم، ومنهم غطفان، ومنهم هوازن، ومنهم بنو تميم، وقريش. من هؤلاء؟ هؤلاء أولاد إلياس بن مضر، كلهم قبيلة واحدة، لم يرفع السيف ﷺ على أحد من العرب من غير أولاد إلياس بن مضر، في ثمانين سرية وغزوة وتجريدية وكتيبة وكذا إلى آخره، أغلبها كان لمتابعة قطاع الطريق، وكان لرد عدوان، ولسرقة سرقوها، ولتأديب من يحتاج إلى التأديب، ولكنه لم يرفع السيف لا في هذه ولا في تلك إلا على أبناء عمومته الذين أخرجوه ومنعوه إبلاغ كلمة الله، فمن أكره؟ ومن أدخل دين الإسلام

стр. 119

بسيف أو بغيره؟ كانوا يأسرون الزعيم فيأتي رسول الله فيسلم؛ لما يراه من خلقه العالي الكريم، فتسلم قبيلته، لم يرفع رسول الله ﷺ السيف إلا على أولاد إلياس بن مضر، وكانوا يمثلون عائلة واحدة، يجتمعون ضد أعدائهم إذا هَمَّ الهم، فكأنه ينذر عشيرته الأقربين" (١) ويقول في موضع آخر: "الذين جرد لهم النبي ﷺ من حضر من أولاد عمومته، وكان العرب يقاتلون أولاد عمومتهم للتأديب، يعني كأنها مشكلة داخلية" (٢). هذا الكلام من أعجب العجب، ولا يمكن أن يصدقه من قرأ قطوفًا من السيرة النبوية، أو قرأ جزءًا من كتاب الجهاد في أي كتاب من كتب الفقه، ولكن قال رسول الله ﷺ : (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) (٣). * وقال في أعقاب استهزاء الدنماركيين بالرسول ﷺ : " ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٤) رحلوا الصدام لغير مواضع الاستفزاز الدنيء منهم" (٥) ولا أدري ما هي المواضع التي يقصدها إذا لم تكن سخريتهم واستهزاؤهم هي القاطع لكل وشائج الصلة مع هؤلاء الكافرين، وهي المؤذنة بالعداوة والبغضاء بين أمة الإسلام وهذه الأمة المجرمة. * وقال: "لما كان في المدينة جاءوا إليه في بدر، وبدر من المدينة أو بقريب منها، ثم جاءوه في أحد، وأحد من المدينة أو هي قريب منها، ثم جاءوه في الخندق الذي حفره يحمي المدينة، ما اعتدى عليهم رسول الله ﷺ " (٦) هذا

стр. 120

الكلام فيه تدليس، يوهم أن الحرب في الإسلام حرب دفاعية، وهذا باطل؛ بل الحرب في الإسلام حرب دفاع وحرب طلب، وهل جاء كفار قريش في بدر إلا بعد أن خرج رسول الله ﷺ في طلب قافلة قريش التي كانت عائدة من الشام، وإلا بعد سرية نخلة التي تقع بين مكة والطائف وكانت ترصد عيرًا لقريش، فغنمت ما بها، وقد قال النبي ﷺ عقب غزوة الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) (١) فلا يمكن أن ننتقص في حال ضعفنا الحالي جهاد الطلب أو أن نسميه اعتداء. * قال د. علي جمعة: "كل القتلى في حياة النبي ﵌ عبر أكثر من سبعة حروب تم فيها القتال، و٢٤ سرية اشترك فيها النبي ﷺ و٨٠ سرية جردها طوال فترته في المدينة، لم يقتل سوى سبعمائة إنسان" (٢) ولكنه في موضع آخر قال: "عدد القتلى من المسلمين في كل المعارك ١٣٩، ومن المشركين ١١٢، ومجموعهم ٢٥١" (٣)!!. * قال د. علي جمعة: "الكيان الصهيوني يحتل أرضًا عربية بموجب القرارات الدولية من الضفة الغربية والجولان ومزارع شبعا، وعلى ذلك فإن مقاومته مشروعة" (٤) وماذا عن حيفا ويافا وما يسمى بأراضي ٤٨؟ هل تشرع مقاومة الكيان الصهيوني الذي احتل هذه الأراضي بمساندة الأمم المتحدة وبموجب القرارات الدولية أم لا تشرع؟!.

стр. 121

ثالثًا: التعامل مع الكفار والعيش في بلادهم وضع الإسلام الضوابط التي تحدد سلوك المسلم وتحكم تصرفاته، سواء عاش هنا أو هناك، وسواء تعامل مع مسلمين أو كافرين؛ فلكل حالة أطرها، ولكل أمر متعلقاته. وتزخر كتب الإسلام بتفصيل أحكام معاملة الكافرين؛ والتفريق بين أهل الذمة، والمعاهدين، والمستأمنين، وأهل الحرب، والصلح، والأمان، والهدنة ... أما عند د. علي جمعة فتختلط كثير من الأمور وتتداخل وتلتبس، مما يؤدي لنتائج مشوهة مستهجنة. * قال د. علي جمعة: "ومن الملاحظ أن استعمال الفقهاء المسلمين لكلمة دار الكفر وكلمة دار الحرب كان استعمالاً زمنيًا؛ حيث إن تلك البلاد كانت تناصب المسلمين العداء، وتغزو بلادهم، أو تشردهم من أوطانهم، كما حدث في الحروب الصليبية، وكما حدث في الأندلس من إبادة المسلمين، وإكراههم على الارتداد، وطردهم من أوطانهم التي استقروا فيها مئات السنين، وسميت بعض الديار بدار الكفر؛ لأنهم كانوا يمنعون من الدعوة إلى الإسلام ومن إقامة المسلمين فيها، أما وقد تغير الحال فإننا نرى العالم لا يأبى إقامة المسلمين فيه، ولا يرفض دعوة الإسلام، والتعبير بحرية عن معتقداتهم، وإقامة شعائرهم، وليست هناك حرب معلنة بين بلد معين وبلاد المسلمين. ومن هنا استحسنا إطلاق كلمة بلاد غير المسلمين على هذه الحالة، تأكيدًا على أن هذا التقسيم ليس تقسيمًا شرعيًا، بل هو تقسيم زمني، ويجب مراعاة ذلك عند قراءة تلك النصوص المنقولة من كتب

стр. 122

السابقين، وعدم استنباط أحكام منها تؤدي إلى الصدام، أو تلقي بظلالها على الدعوة الإسلامية، أو على دين المسلمين، بأنه دين صدام؛ لأنهم ما لجأوا إلى ذلك إلا عند مصادمة الآخرين لهم وعدوانهم عليهم" (١) وهذا فهم عجيب من د. علي جمعة، فالمسلمون أطلقوا مصطلح بلاد الكفر والحرب في عهود كانت الغلبة فيها للمسلمين، وكانت الفتوحات الإسلامية المباركة تتسع شرقًا وغربًا بل وشمالاً في قلب أوربا، ثم يدعي د. علي جمعة أن هذا كان عندما ناصبت تلك الدول المسلمين العداء، أما اليوم فالصداقة هي شعار المرحلة!! ولا داعي لهذا المصطلح والأحكام المتعلقة به؛ لأنها تلقي بظلالها على الدعوة الإسلامية!! وكأنه لم يسمع عن الفلبين، والشيشان، وكشمير، وتركستان، وأفغانستان، والعراق، وفلسطين، وجنوب السودان، والصومال، والبوسنة والهرسك ... مع أنه يقول في موضع آخر: "علامة استفهام كبيرة تفسرها هذه الحملة الشديدة الاحتلالية التي يتعرض لها العالم الإسلامي، هذه الحملة التبشيرية، هذه الحملة الصهيونية، هذا العداء الذي لا مبرر له" (٢). * وتكلم عن اندماج المسلم في بلاد الكفر وانضمامه لجيوش الكفار فقال: "قضية اندماج المسلم في مجتمعه، وعمله في المخابرات والجيش في تلك الدول، وموقفنا أن المسلم له هذا، وأن له طبقًا لقوانين البلاد الديمقراطية أن يعتذر عن كل ما لا يوافق عقائده مما يراه ظلمًا أو انحرافًا، وهذا منصوص عليه في القانون الأمريكي" (٣) وبهذه الفتوى يعمل المسلم على رفعة جيوش الكفار

стр. 123

المحاربين كبريطانيا وأمريكا والارتقاء بقوتهم وجبروتهم، والله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١). * ولا يزال د. علي جمعة يعلق أملاً كبيرًا في أن نسترد حقوقنا عن طريق هيئة الأمم المتحدة وعن طريق أمريكا نفسها؛ فيقول: "نحن نريد فتح قنوات دائمة للحوار المتواصل العلمي والثقافي والاقتصادي والتكنولوجي بيننا وبين الولايات المتحدة، ولا يتم هذا إلا من خلال بيئة محيطة تحترم الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بمشكلة المسلمين المركزية وهي فلسطين، والعدوان الواقع على الشعب الفلسطيني، متمثلاً في الاحتلال، والحواجز، والمستوطنات، والحرمان من الحقوق الأساسية في المياه والعمل والتنقل والتعليم والحياة، والعدوان المادي الصارخ بالاعتقال والقتل، والذي نظن أن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على التدخل الإيجابي لنصرة الحق وإيقاف الأصوات المتطرفة التي تدعو إلى الصدام الدائم، وإلى تكريس مفهوم الاحتلال والظلم وهضم حقوق الشعوب" (٢). * والدكتور علي جمعة لا يكتفي بهذا الطرح المرتمي في أحضان الغرب؛ بل هو يترجى الغرب أن يتدخل في قضايا المسلمين، عن طريق اعتماد اتجاه د. علي جمعة الذي يسميه الوسطية الإسلامية؛ لأنه الأقدر على تحقيق المصالح للمسلمين ولأمريكا كذلك؛ فهو في مقالته للترحيب برئيس أمريكا أوباما يقول: "من الحقائق التي ينبغي

стр. 124

الالتفات إليها أن الإسلام قادر على أن يعيش في كل العصور، وأن يبني الجسور مع كل الحضارات، وهذا ما أكده التاريخ وأكدته المصادر الإسلامية على جميع مستوياتها، ويلزم من هذا التحاور مع الوسطية الإسلامية، واعتمادها مرجعية للتفاهم بين العالم الإسلامي والعالم الغربي؛ من أجل غدٍ أكثر إشراقًا، ومن أجل تعاون متوازن يحقق فيه كل من العالم الإسلامي والولايات المتحدة المصالح لكل منهما بصورة عادلة دائمة" (١) ثم هو يحرض على السلفيين، ويشتكيهم للأعداء، وكأنه يتوسل لهم أن يخلصوه منهم؛ فيكتب تقريرًا عن السلفية، لكنه أشبه ما يكون بتقرير استخباراتي استعدائي، يُذكرنا بالتقارير الاستخباراتية التي احتجت بها أمريكا على غزو العراق؛ فيخاطب د. علي جمعة الغرب بالطريقة التي تروق لهم، وبالمصطلحات التي تثيرهم؛ فالسلفيون يكرهون الصهيونية والمبشرين والعلمانيين، ويعتقدون أن أعداء الإسلام يحاربونه سرًا وجهارًا، لذلك فالسلفيون يهتمون بإكثار النسل وكثرة الأولاد!! ويرون أن الحياة خطيئة يجب التكفير عنها!!، ويكرهون الفنون والآداب وأساليب اللياقة!!؛ وإليكم جزء من هذا التقرير التحريضي؛ يقول د. علي جمعة: "السلفية الصدامية؛ والفكر الصدامي الذي يتبناه هؤلاء الذين أساءوا فهمه يفترض أمورًا ثلاثة وهى: أولاً: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة: الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفارًا للقضاء علينا مللنا من

стр. 125

الوقوف أمامه دون فعل مناسب. ثانيًا: وجوب الصدام مع ذلك العالم، حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجوب الصدام يأخذ صورتين: الأولى: قتل الكفار الملاعين. والثانية: قتل المرتدين الفاسقين. أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين، وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم. وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة، ولكنها سوف تجذب كثيرًا من الشباب ... لقد أصبح التوجه السلفي عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين، ولتجديد خطابهم الديني، وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه السلفي أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلاً للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس ... النتائج السيئة للسلفية المعاصرة: أقول: إن ذلك كله يؤدى إلى انتقاله من هذا الدور إلى دور يرى فيه وجوب الانتحار، وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى؛ لأنه يسبح ضد التيار، ويرى أنه لا بد عليه أن يزيد من نسله، وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله، محاولاً بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث إنه يشعر بأنه وحيد، وبأنه قلة، وبأن الكثرة

стр. 126

الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي. ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة" (١). * وتماشيًا مع منهج التعايش إلى ما لا نهاية؛ لا يرى د. علي جمعة مانعًا من الصلاة الجماعية التي تجمع المسلمين مع المشركين على إيقاع نغمات الموسيقى الهادئة؛ لأنه حتى لو سماها الكفار صلاة فهي ليست كصلاة المسلمين فتجوز!! يقول د. علي جمعة: "السؤال: هل يجوز المشاركة في نشاط مشترك مع أهل الكتاب من النصارى واليهود، يتمثل في إقامة ما يعرف بالصلاة الجماعية على حسب تسميتهم لها؟ ووصف هذه الصلاة: يقف شيخ من المسلمين، مع قسيس من النصارى، مع حاخام من اليهود، أمام جمع من الحاضرين، يقوم كل منهم بتلاوة بعض فقرات من الكتاب المقدس الخاص بأهل ديانته القرآن الكريم أو الإنجيل أو التوراة، تتعلق هذه الفقرات بموضوع له أهمية مشتركة، مثل قضية رفض الإرهاب والعدوان على الآخرين، أو الدعوة إلى السلام مع الآخرين .. إلخ.

стр. 127

يصاحب هذا الاجتماع جو من الموسيقى الهادئة، أو أضواء الشموع، وقد لا يوجد شيء، وقد تختم بالدعاء لتحقيق الأمر المنشود. مكان هذه الصلاة: ليس لها مكان معين، فربما تتم في كنيسة، أو ملعب، أو مكان عام كقاعة مؤتمرات. الغرض منها: التعبير عن الاتفاق واتحاد الرأي حول القضية ذات الشأن، والتي تم الاجتماع من أجلها. ويسأل: فما حكم المشاركة في مثل هذه الصلاة؟ الجواب: إن الهيئة المسئول عنها هي عبارة عن اجتماع بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب للدعاء، ولا يصدق عليها أنها صلاة لا في لغة العرب ولا في المعنى الشرعي لا في الفقه الموروث ولا في المصادر الشرعية من القرآن والسنة. أما اجتماع المسلمين مع غيرهم من أجل الدعاء لله رب العالمين فهو أمر جائز شرعًا وأصله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١) حيث أمر الله بأن يقف المسلمون وغير المسلمين للدعاء والابتهال إليه ... وعلى ذلك فاجتماع المسلمين مع غيرهم من اليهود والنصارى لدعاء رب العالمين بهذه الصفة لا مانع منه شرعًا.

стр. 128

على أنه يحرم اجتماع المسلمين مع غيرهم لأداء نفس صلواتهم؛ لأن التعبد بصلاة ليست من شريعة الإسلام حرام، وأصله حديث أبي إسرائيل، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى أبا إسرائيل قائمًا في الشمس، فقال: (ما له قائم في الشمس؟ قالوا: نذر أن يصوم وألا يجلس ولا يستظل، قال: مروه فليجلس وليستظل وليصم) (١). وكذلك يحرم الاشتراك فيما فيه شرك بالله أو عبادة غيره؛ حيث أنكر النبي ﷺ على من لبى في الحج فقال: إلا شريكًا هو لك، ولم يرض ذلك منه؛ لما فيه من الشرك، فعن ابن عباس ﵁ قال: (كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ : ويلكم قد قد، فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. وإذا حضر المسلم هذه الاجتماعات فعليه بالإعداد لها مسبقًا، والاتفاق على ما يتلى فيها مع الآخرين، وإذا رأى أثناء هذه الاجتماعات شيئًا فيه تجاوز يجب عليه أن يطلب منهم تركه، فإن استجابوا فبها ونعمت، وإلا غادر الاجتماع، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) " (٣). * وبما أن بلاد الغرب تموج بالمعاملات المحرمة، فقد خرج علينا د. علي جمعة بفتواه

стр. 129

العجيبة عن العقود في ديار الكفار، وما فرعه عليها من فتاوى أعجب؛ ومن ذلك: * قال د. علي جمعة: "تقرر أن الأحكام تتغير بين ديار المسلمين وغير المسلمين في مجال العقود؛ لأن المسلم الذي يقيم في بلاد غير المسلمين ينبغي عليه أن يمارس حياته بصورة طبيعية، وألا ينعزل في حارات من غير اندماج في مجتمعه، بل يجب عليه هذا الاندماج؛ لأنه أولاً وأخيرًا مأمور بالدعوة إلى الإسلام بمقاله أو بأفعاله أو بحاله. وكما قال رسول الله ﷺ : (كل ميسر لما خلق له) متفق عليه، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا اختلفت أحكام العقود التي بينه وبين غير المسلمين في ديار غير المسلمين عن أحكام ذات العقود نفسها في ديار المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، قال: ما دام ذلك برضا أنفسهم، وقال: لأن هذه الديار ليست محلاً لإقامة الإسلام، وهي نظرة واقعية للحياة من ناحية، ولطبيعة الدين الإسلامي في دعوته بالأسوة الحسنة" (١) هذا الكلام لا علاقة له في مجمله بالشرع الإسلامي، ودعوى أن أحكام العقود تتغير في ديار غير المسلمين؛ لأن المسلم عليه أن يمارس حياته بصورة طبيعية ويجب عليه أن يندمج في هذا المجتمع دعوى لا قدم لها ولا ساق، وهي أشبه بكلام الصحفيين لا كلام الفقهاء. وأما مذهب أبي حنيفة فلا علاقة له بهذا الاندماج، بل هو أبعد ما يكون عن هذا الاندماج المزعوم، وهو مبني على أمرين: الأول: أن يكون العقد في دار الحرب، وللأحناف كلام كثير في أحكام دار الحرب، يعلم بعضها د. علي جمعة، ولكنه للأسف يريد أن يلغي في فتواه هذه مصطلح دار

стр. 130

الحرب ويبقي على ما يتعلق به من عقود؛ فيقول مثلاً: "ولقد سمى محمد وغيره دار غير المسلمين بدار الحرب؛ للتقسيم الذي كان شائعًا في زمان الأئمة الذين ننقل عنهم هنا هذا الحكم؛ حيث كان العالم كله يحارب المسلمين، فقسم الفقهاء البلاد إلى دار إسلام يقام فيها الإسلام وتظهر شعائره وإلى دار حرب لا يقام فيها أحكام المسلمين، والتقسيم الحديث بين علماء الإسلام بعدما انتهت حالة الحرب التي شُنت على المسلمين، هو بلاد المسلمين وبلاد غير المسلمين، ولها نفس أحكام دار الحرب إلا فيما يتعلق بنفس الحرب التي لم تعد قائمة" (١) وبهذه الفرية التي يرى فيها أن الحرب لم تعد قائمة!!! وأن لهذه الديار التي سماها بلاد غير المسلمين أحكام دار الحرب إلا فيما يتعلق بالحرب! جمع بين النقيضين وخالف مذهب أبي حنيفة، وهو يعلم أن مذهب أبي حنيفة لا توجد فيه تجزئة لأحكام دار الحرب سواء كانت الحرب قائمة أم لا، فقد صرح د. علي جمعة بقوله: "ومما ينبغي أن يتنبه إليه أيضًا في هذا المقام أن مراد السادة الحنفية بدار الحرب هنا هو دار الكفر مطلقًا؛ سواء أكانت الحرب قائمة أم لا؛ بدليل أن غالب الأدلة التي استدلوا بها كانت لدار كفرٍ لا حرب فيها وهي مكة قبل الهجرة" (٢) فإذا كان الأحناف يريدون بدار الحرب دار الكفر، ومع ذلك لم يفرقوا في أحكامهم بين حالة اشتعال الحرب أو عدم اشتعالها فيما يتعلق بالدماء والأموال، فكيف يتسنى للدكتور علي جمعة أن يفرق بينهما ويزعم أنه يفتي برأي الأحناف. الثاني: أن تكون الزيادة والربح للمسلم، لا للكافر، والعلة في ذلك كما ذكر

стр. 131

الأحناف أن أموالهم حلال، فطالما دخل المسلم دار الحرب بأمان لم يجز له أن يغدر بهم، لكن طالما أنهم رضوا بذلك فلا حرج عليه؛ حيث عاد الحكم لأصله وهو حل أموالهم، قال الكاساني: (أخذ الربا في معنى إتلاف المال، وإتلاف مال الحربي مباح، وهذا لأنه لا عصمة لمال الحربي، فكان المسلم بسبيل من أخذه إلا بطريق الغدر والخيانة، فإذا رضي به انعدم معنى الغدر) (١)، أما د. علي جمعة فالمسألة المتكررة عنده هي اقتراض المسلم من الكفار في بلاد الغرب بالربا، وهو يترك نصوص الأحناف الصريحة؛ ليتمسك بما يمكن فهمه من عموم كلام بعض أئمتهم؛ فيقول: "وظاهر كلام السادة الحنفية أن الحكم عام في أخذ المسلم للربا في دار الحرب وإعطائه، ولكن الكمال بن الهمام ذكر أن أئمة الحنفية في دروسهم قيدوا حل الربا للمسلم في دار الحرب بأخذه من الحربي ... ويمكن التمسك بظاهر المذهب إذا كانت المصلحة الأخيرة للمسلم حتى لو دفع الزيادة" (٢). وخلاصة فتواه أنه يبيح كثيرًا من العقود الفاسدة متكئًا على كلام الأحناف فيقول: "حاصل مذهب السادة الحنفية جواز التعامل بالعقود الفاسدة في دار غير المسلمين بين المسلم وأهل تلك البلاد؛ سواء أكان العقد بيعًا لميتة، أم خنزير، أم خمر، أم مقامرة" (٣) ثم هو لا يكتفي بهذا الذي يذكره عن الأحناف، بل يمضي على منهجه في الاندماج؛ ليفتي بجواز امتهان المهن التي تساعد على الفجور مثل تجهيز أماكن الباليه، فنجد له هذه الفتوى: "أنا أعمل في مدينة إعلامية كعامل يقوم بتجهيز المسرح من ديكور وأدوات المسرح، علمًا بأن الممثلين والممثلات

стр. 132

أجانب، وهذا المسرح يقدم باليه، أوبرا، كونشيرت، سؤالي هو: هل هذا العمل حلال أم مكروه أم حرام؟ الجواب: إن العقود مع غير المسلمين في بلاد غير المسلمين جائزة، ما دامت برضا الطرفين ولا تؤدي إلى نوع فساد كالزنا ونحوه، على ما ذهب إليه السادة الأحناف في تصحيح تلك العقود، وعلى ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الدخل الذي يدخل إلى السائل من هذا العمل حلال شرعًا" (١). ومن أجمل ما نرد به على هذا الفهم المعوج فتوى سابقة للدكتور علي جمعة!!! هذا نصها: "أنا إنسان ملتزم، أعرف فروض ربي، أصلي وأصوم، لكني أعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعمل في محل تباع فيه الخمور، فهل ما أتقاضاه من مال حلال أم حرام؟ وهل إذا صليت داخل المحل تكون الصلاة صحيحة؟ الجواب: العمل في هذا المحل وبيعه الخمور لا يصلح ولا يجوز، فكل ذلك حرام لا شك فيه مطلقًا أبدًا، وإذا تعلل وقال: لا أجد لي عملاً وأجرًا أكثر منه، فأقول: إن رزق الله واسع، والمواضع التي فيها رزق الله كثيرة، والإنسان إن كان عنده قناعة برزق حلال قليل بارك الله فيه، وفتح عليه الخير من كل الأبواب، أما إذا أراد أن يعيش عيشة غير المسلمين، وهذه العيشة لا تكون إلا عن طريق شرب الخمر أو تقديم الخمر أو خدمة من يشربون الخمر، فكل ذلك حرام لا يعد سببًا أو مبررًا أبدًا لأن يمارس هذه المهنة المحرمة" (٢).

стр. 133

* وأما طريقة فهمه لما يخالف فتواه من النصوص فنجد مثالها في هذه الفتوى: "أما السلام بين المرأة المسلمة وبين المسيحية فنقول: لا نرى بأسًا في السلام على الأديان المختلفة، آخذين هذا من معنى السلام، فالسلام هو أصل دين الإسلام، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام نتقبله من الغير، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١) فالسلام هنا الحقيقة أنه تحية نتقبلها من الغير، فلا بأس أن تشيع للناس، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) (٢). فمن أين أتى هذا السؤال؟ أتى من بعض الروايات الموجودة، فعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق) (٣) هذا عندما يكون هناك نزاع ظاهر وفتنة عمياء صماء، تستوجب الضغوط والسيطرة عليها، أما في الحالة المعتادة فنشر المسلمون الإسلام من الأندلس إلى الهند بتعايشهم مع الآخرين" (٤) مع أن هذا الحديث الذي ادعى أنه لحالة الفتنة العمياء، رواه أبو داود في باب السلام على أهل الذمة.

стр. 134

ولكن نُذَكِّر د. علي جمعة بما قرره من قبل من فتاوى شاذة، ولكنها تصب في الاتجاه المعاكس الذي يحرم حتى المباح من التعاملات مع الكفار!، فهو كان يرى حرمة الزواج من الكتابيات، وحرمة ذبائحهم، بحجة اختلاط أنسابهم!؛ فيقول: "قال الإمام الشربيني عند شرح قول الإمام النووي: (والكتابية اليهودية .. إلخ): (قضية كلام المصنف التحريم إذا شك هل دخلوا قبل التحريف أو بعده، وهو كذلك، وكذا تحرم ذبائحهم، ولكن يقرون بالجزية تغليبًا لحقن الدم، أما من دخل أول آبائها في ذلك الدين بعد نسخه؛ كمن تهود أو تنصر بعد بعثة نبينا محمد ﷺ فلا تحل، وكذا من تهود بعد بعثة عيسى ﵇، واحترز المصنف بقوله: (فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية) مما إذا كانت إسرائيلية، نسبة إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فالشرط فيها ألا يعلم دخول أول آبائها في ذلك الدين بعد بعثة تنسخه، وذلك بأن علم دخول أول آبائها في ذلك الدين قبل البعثة أو شك، وإن علم دخوله فيه بعد تحريفه أو بعد بعثة لا تنسخه كبعثة من بين موسى وعيسى فإنه يحل نكاحها لشرف نسبها) ثم قال: (وعلى هذا يتعذر أو يتعسر نكاح الكتابية اليوم) وبناء عليه فقد انسد النكاح من الكتابيات في عصرنا الآن؛ لضياع أنسابهم، وفقدنا للمحل الموصوف بتلك الصفات السابقة" فالشربيني يرى تعذر أو تعسر نكاح الكتابيات -وهذا خطأ بلا شك-، أما د. علي جمعة فيرى انسداد نكاحهن!!!.

стр. 135

رابعًا: المعاملات المالية أحكمت الشريعة الإسلامية قضية المعاملات المالية بأحكام تحقق المصلحة الحقيقية؛ تلك المصلحة المتفقة مع ما أودعه الله جل وعلا في البشر من غرائز وما أوجده عليه من صفات. وبما أن حب المال والإكثار منه هو صفة من صفات العيش في الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (١) فإن على المرء أن يحذر أن يكون هذا التكاثر على حساب الشرع الحكيم، فيقدم المرء ما يتوهمه من مصلحته الشخصية، على ما هو محقق من مصلحته الحقة ومصلحة الأمة جمعاء. وقد يؤدي هذا التكاثر إلى أن يعترض المرء على شرع الله، وأن يستحسن المحرمات ويشجعها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). وقد يسلك فريق آخر طريقة التحايل على الشرع الحنيف، فيحاول التماس المخارج المتوهمة، والفروق المصطنعة؛ ليدلل على مشروعية ما انتشر من صنوف المعاملات المحرمة، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).

стр. 136

ولكن هذا الاعتراض والتحايل على شرع الله لا ينتج عنه إلا أمر واحد ونتيجة محددة، تؤكد لكل العالمين أن هذه الشريعة شريعة الله أحكم الحاكمين، هذه النتيجة هي محق هذه الأموال المحرمة كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (١)، وما أكثر ما شاهدناه من محق للأموال المحرمة سواء في إفلاس البنوك وأسواق المال العالمية، أو في انهيار اقتصاديات الدول، أو في المعيشة الضنك التي تحيط بمن وقع في مستنقع هذه المعاملات المحرمة؛ أضف إلى ذلك أنواع العذاب الذي يحل بالأفراد والأمم؛ قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢). فالاختلاف بين النظام المالي الإسلامي والأنظمة المالية الجاهلية، ليس فقط في تحريم الربا بصوره المتنوعة؛ بل هو اختلاف في وظيفة المال في هذه الحياة الدنيا جملة وتفصيلاً، هو اختلاف في النظر إلى المال من حيث المبدأ والوسيلة والغاية، هو اختلاف جذري ينبع من عقيدة المسلم التي ترى أننا مستخلفين في هذا المال قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٣)، فحق التصرف في المال مرهون بحق من استخلفنا فيه . وليست مهمة الفقيه المسلم أن يمرر ما تنتجه الفلسفة الاشتراكية أو الرأسمالية من أفكار هزيلة، وتجارب فاشلة، ونظريات مضطربة، بدعوى المعاصرة، والتعايش، وعدم

стр. 137

الانعزال عن العالم، والاندماج في الحضارة المعاصرة، وغير ذلك من الدعاوى؛ بل الفقيه المسلم يقدم باعتزاز رؤية الإسلام الشاملة وتصوره الأمثل، الذي يراعي التكوين البشري الفطري، مخضعًا له ما استجد من خبرات الأمم وعمرانها. أما د. علي جمعة فهو يسعى جاهدًا للبحث عن المخارج التي تساهم في خلخلة التصور الأصلي لكثير من المعاملات المحرمة، لتنتج عن ذلك الفتاوى التي تبيح تلك المعاملات؛ ومن ذلك: * قال د. علي جمعة: "نحن نرى أنه لا مانع شرعًا من الأخذ بنظام التأمين بكل أنواعه، ونأمل توسيع دائرته كلما كان ذلك ممكنًا؛ ليعم الأفراد الذين لم يشملهم التأمين، ويكون الاشتراك شهريًّا أو سنويًّا بمبلغ معقول، ويكون إجباريًّا ليتعود الجميع على الادخار والعطاء، على أن تعود إليهم الأموال التي اشتركوا بها ومعها استثماراتها النافعة لهم ولأوطانهم، فالأمم الراقية والمجتمعات العظيمة هي التي تربي في أبنائها حب الادخار والعمل لما ينفعهم في دينهم ومستقبل حياتهم" (١) وهكذا لا يكتفي د. علي جمعة بإجازة جميع أنواع التأمين التي يدخل في كثير منها الغرر والربا، بل ويرى أن تفرض الدول هذا التأمين بالإجبار على الشعوب، وإن رأى أكثر فقهائها حرمة كثير من أنواع التأمين!. * وأباح أخذ أموال على المدخرات التي توضع في دفتر البريد رغم أنها أشبه ما تكون بالربا فقال في سؤال ورد له: "أنا أعمل في البريد، وكما تعلم أننا نتعامل بما يسمى بدفتر التوفير، فما مدى مشروعيته بالنسبة للربا، ولو كان هناك مجال للربا، ولو كان هناك مجال للشبهة في هذا العمل، علي تركه؟

стр. 138

الجواب: لا شبهة فيه إطلاقًا، وقد أفتت دار الإفتاء المصرية منذ زمن بأن هذا النظام مباح وحلال، ولو علموا ما لدور هذه الأموال في الدولة وبنائها لا يقولون بحرمتها، وهذه الوظيفة حلال، والعمل حلال، وهذا عبارة عن حلقة في سلسلة تنمية المجتمع من خلال إيجاد فرص عمل للبطالة، وزيادة الإنتاج، وتثبيت الأسعار، والقضاء على الغلاء، فهذا عمل خير" (١). * ومن عجيب طرق التحايل فتواه عن الخلو الذي يحصل عليه من أجر شقة بعقد مفتوح لا مدة له، رغم اعترافه بأن الشريعة لا تجيز عقد الإيجار إلا إذا كانت له مدة؛ فقال: "قضية عقد الإيجار في الشريعة الإسلامية، أنه لا بد أن يكون مؤقتًا، أي محددًا، وإذا لم تحدد مدة بطل، ولذا لما جاءت القوانين التي حكمت على الناس أن يكون عقد الإيجار مفتوحًا، فإن الفقهاء قد قدروه بمدة أيضًا، ولكن مدة طويلة طبقًا للقانون والاتفاق؛ لأن هذا القانون كان الحاكم قد قيد المباح، وألزم الناس بمدة طويلة ٥٠ سنة أو ٩٩ سنة، وإذا نحن قدرنا أنك أجرت العين من عشر سنين، وقدرنا أنك أجرت لمدة طويلة نقدرها مثلاً بخمسين سنة، وهذا غير مكتوب في عقد الإيجار، وإنما هذا تقدير من عندي حتى يصح العقد؛ لأننا لا نستطيع أن نبطل عقود كل من في البلد؛ لأن ذلك ليس من الفقه في شيء، فلا بد علينا من هذا التقدير حتى يكون هذا العقد مؤقتًا أيضًا، لكنه محدد بمدة، وهذه المدة طبقًا للقانون مدة طويلة، ونحن نقدر هذه المدة بخمسين سنة، فإذا قضيت منهم ١٠ سنين، فهل يجوز في الشريعة أن أبيع المدة الباقية؟ أنا لي حق بموجب

стр. 139

العقد أن أستغل منفعة الشقة لمدة ٤٠ سنة أخرى، الأئمة الأربعة عندهم جواز ذلك، تحت أي مسمى (خلوات - تنازلات - إسقاطات) كل بلد تسميها باسم معين، والمهم يجوز له أن يبيع فترة الإيجار من أجل أن يخرج فورًا ويترك منفعة هذه العين لغيره" (١). * ولا يكتفي د. علي جمعة بإباحة ربا ودائع البنوك؛ لينتفع بها الفرد، بل يبيح القروض الربوية التي تمتص دم الأفراد والأمم؛ فمثلاً يقول:"القروض التي تمنحها الدولة لشباب الخريجين لإقامة المشروعات هي في حقيقتها عقود تمويل يضارب فيها الشباب بمال الدولة لاستثماره وتنميته، وذلك إذا لم تشتر الدولة شيئًا من الأصول الثابتة لصاحب المشروع، أما إذا كانت هذه العقود عبارة عن عملية شراء تشتري بها الدولة شيئًا من الأصول الثابتة لصاحب المشروع وتقسطها عليه بثمن أكبر فهذه عقود مرابحة جائزة ولا شيء فيها" (٢) ويتناسى د. علي جمعة كثيرًا من الأمور؛ من أهمها أن الدولة لا تتحمل شيئًا إذا فشل المشروع -وكثيرًا ما يفشل-، بل يسدد الشاب القرض مع ما اتفقوا عليه من ربا، ثم يسميه د. علي جمعة عقد تمويل وعقد مرابحة!. * بل ويبلغ التحايل مبلغه حين يصر د. علي جمعة على تكييف عقود القرض بالربا على أنها عقود بيع بالتقسيط؛ رغم التصريح بأنه قرض، فنرى هذا السؤال والجواب: "أعمل في شركة تقوم بتحويل السيارات للعمل بنظام الغاز الطبيعي، الأمر الذي يتطلب حصول صاحب السيارة على قرض من أحد البنوك المصرية؛

стр. 140

حيث تبلغ تكلفة التحويل خمسة آلاف جنيه مصري، ولكن عند حصول صاحب السيارة على القرض يقوم صاحب السيارة بسداد ستة آلاف وأربعمائة جنيه مصري، أي بفائدة تبلغ ألفًا وأربعمائة جنيه لمدة عامين، أو يسدد صاحب السيارة خمسة آلاف جنيه مصري نقدًا للشركة دون الحصول على قرض من البنك، فما حكم الشرع في ذلك؟ البنك في هذه الحالة إنما هو بمثابة الوسيط، الذي له أن يشتري الشيء المبيع ويتملكه حقيقة أو حكمًا، ثم يشتريه المشتري منه بالتقسيط بسعر زائد نظير الأجل المعلوم، وهذا جائز شرعًا، وهو إن سُمي قرضًا إلا أنه في حقيقته بيع بالتقسيط، وهو جائز للقاعدة الفقهية المقررة إذا توسطت السلعة فلا ربا" (١) ولا ينبغي علينا أن نسأل عن هذه القاعدة التي يذكرها وتطبيقها على هذه المسألة؛ لأننا لن نجد ذلك في كتب الفقه ولا الأصول، ولا عند علماء المذاهب الأربعة ولا حتى الثمانية!!!.

стр. 141

خامسًا: الشيعة أمر الله جل وعلا أمة الإسلام أن تسعى في جمع الكلمة ووحدة الصف، ولكن هذه الوحدة المنشودة لا بد أن تكون اجتماعًا على الحق والخير، واستمساكًا بشرع الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١). ومع أن الاجتماع على الحق هو الأصل الذي ينبغي أن يسارع الناس إليه، إلا أن البغي والظلم يصد كثيرًا من الناس عن الاستجابة لهذه الدعوة النبيلة؛ قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ولو شاء الله جل وعلا لشرح صدور الظالمين ووفقهم للدخول في الحق، ولكنه جل وعلا شاء أن يكون إعراض هؤلاء الظالمين سببًا لإقحامهم في نار جهنم إقحامًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).

стр. 142

وهذا الاختلاف كما يكون بين المسلمين والكافرين، يكون بين المسلمين المهتدين والمسلمين الضالين، بين من انقادوا واستسلموا لهدى الإسلام ومن خلطوا بين الحق والباطل والهدى والضلال، وفرقوا دينهم وفارقوا جماعة المسلمين، قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١). والشيعة طائفة من الطوائف التي خالفت سبيل المؤمنين، وانحرفت عن سواء السبيل، فمزقت الأمة، وفرقتها، وشغلتها، وكانت وبالاً أي وبال. والخلاف بين السنة وفرق الشيعة المتعددة حقيقة واقعية وتاريخية، لها أثرها في فكر الأمة وثقافتها وتراثها، بل في واقعها الديني والسياسي والاجتماعي. ولا يمكن تجاوز هذا الخلاف العميق بمجرد سرد عبارات التهوين من أهمية الخلاف، والدعوة لتجاوز الجذور التاريخية، وإقامة جسور التعاون، .. إلى غير ذلك من الشعارات التي تتشدق بها كثير من الكتابات والأطروحات المعاصرة، تلك الأطروحات التي تتجاوز الحقائق الدامغة، والأصول العلمية، بل وتتجاوز ثوابت أهل السنة والجماعة. إننا ندعو جميع الفرق إلى الالتقاء والاجتماع، ولكن إلى اجتماع يعرف الحق وينكر الباطل، ويدعو للتوبة النصوح من كل الآثام العلمية والعملية. أما د. علي جمعة فهو يقفز على حقيقة الخلاف مع الشيعة عمومًا، ومع الشيعة الاثني عشرية خصوصًا، ويهون منه، ويفسره بتفسيرات لا ترضي السنة ولا حتى الشيعة، مع أن له كتابات متفرقة تأتي غالبًا في سياق قضايا علمية أخرى تبين جزءًا من الحقيقة؛ ومن

стр. 143

الأمثلة التي توضح ما ذكرته عنه ما يلي: * كتب د. علي جمعة مقالتين في جريدة الأهرام حاول فيهما أن يظهر الشيعة والسنة بمظهر المذهبين القريبين من بعضهما البعض، بطريقة تحرف الكلام عن مدلوله ومضمونه، وتخرجه عن سياقه، وكأننا يمكن أن نتغاضى عن كل انحرافات الشيعة بمجرد كلمة يطلقها د. علي جمعة؛ فيقول: "المسائل التي تتعلق بالرؤية الأساسية بين السنة والشيعة قد تنحصر في خمسة مسائل، اكتنفها كثير من الغموض عبر التاريخ، وولدت محنًا بين الفريقين، وإن كانت هذه المحن في أصلها سياسي، إلا أن هذه الخلافات الخمسة كانت مبررًا عند كثير من الناس بإشعال الفتنة بين الفريقين، وتعميق الهوة بينهما، وهو ما لا نرضاه في حياتنا المعاصرة، حيث اطلع كل فريق على ما يقوله الآخر، ونشأت دعوات التقريب، وتأكدت ونمت وحققت مكاسب كبيرة، ولا يزال أمامنا الكثير من الجهد، حتى يتم القضاء على هذا الاحتقان المفتعل، الذي لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون. ١ - اتهمت الشيعة بالقول بالبداء، وكلمة البداء تعني أن الله ، وجل جلاله، يغير رأيه، وهو ما أنكرته الشيعة تمامًا، وفسرت ما ورد من عبارات حول هذا المصطلح، بما فسر به أهل السنة القضاء المعلق؛ فأهل السنة يقولون: إن القضاء منه مبرم، ومنه معلق، أما الذي هو مبرم فهو علم الله الذي لا يتغير ولا يتبدل، وأما الذي هو معلق، فذلك المسطور في اللوح المحفوظ، والذي يمكن أن يغيره الله بسابق علمه وبإرادته المطلقة وقدرته التي لا نهاية لها، وحملوا عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 144

وسلم: (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُ) رواه الترمذي، وحديث: (لا يأت ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدرُ، وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل) أخرجه البخاري. وعلى ذلك فلا خلاف في الحقيقة، إنما هو خلاف موهوم نتج من سوء الفهم، ومن حمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية التي استقرت في أذهان الناس، وهذا ما يعرف بالخلاف اللفظي، وهو ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به. ٢ - القول بتحريف القرآن، ولقد اعتذرت الشيعة عما ورد مما يوهم هذا المعنى القبيح، بأن هذا اللفظ باستعمال القراءات الشاذة التي يذكرها أهل السنة أيضًا في كتبهم، غير معتبرة ولا معتمدة؛ لأنها لم ترد بسند متواتر عن المصطفى ﵌، وأن الشيعة والسنة على السواء، يقولون بحفظ كتاب الله الذي بين أيدينا، والذي لم يختلف عليه المسلمون قط عبر العصور، وهو ذلك الذي بين دفتي المصحف المعروف المشهور، وكل الأمة يقولون بحفظه كما ورد في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فعاد الخلاف أيضًا إلى اللفظ دون المعنى. ٣ - القول بتكفير الصحابة، ولم نر لأحد من الأئمة المعصومين عند الشيعة كلامًا مخالفًا في الصحابة الكرام، ورأينا أن علماء الشيعة وقادتهم في القرن العشرين ذكروا في كتبهم الترضية على أبي بكر

стр. 145

وعمر، وخفت الغلواء بشأن الصحابة الكرام، وعرضت المسألة من ناحية عاطفية لا تستلزم كل هذا العداء الذي قد ملأ قلوب العامة من الطرفين، فيدعي الشيعي أن السيدة فاطمة ﵍ -وهكذا كان يذكرها الإمام البخاري في صحيحه- كانت قد خاصمت أبا بكر، وغضبت عليه، من أجل أرض فدك بخيبر، في مسألة فقهية تتعلق فيما إذا كان النبي ﵌ قد ترك تركة، أو أن معاشر الأنبياء لا تورث، وهذا هو الجانب العاطفي في المسألة. ٤ - قضية من أحق بالخلافة، سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، فقط، وهو قول الشيعة، أو ترتيب الخلافة كما حدثت: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهو قول أهل السنة، وكما ترى فإنها مسألة تاريخية، لكنها مثلت ولا تزال تمثل عند الفريقين أساسًا يُبنى عليه غيره، وهي ما تعرف بقضية الإمامة، وهي أنها لا بد فيها من الوصاية، والنص، وهو ما تدعيه الشيعة، أو أنها مسألة تتعلق بالاجتماع البشري، وهي متروكة لاختيار المسلمين عامة بالانتخاب الحر، وهو ما تدعيه السنة. ٥ - التقية، وهي عند الشيعة، وتعريفها السني: أن يتكلم الإنسان بغير ما يعتقد، وعدوا هذا بابًا من أبواب النفاق، أو الكذب، أو الضعف، أو الخداع، أو نحو ذلك من الصفات الذميمة، إلا أن الشيعة أجابوا على هذا بأن تعريفها يكاد يكون حكاية مذهب الخصم، وحكاية مذهب الخصم وإن خالفت معتقد من يتكلم، إلا أنها ليست واحدة من هذه المعاني القبيحة المذكورة التي تتردد بين النفاق والخداع، وإنما هو وضع قد تمليه على الإنسان ظروف
следующие страницы →