خامسًا: الشيعة
أمر الله جل وعلا أمة الإسلام أن تسعى في جمع الكلمة ووحدة الصف، ولكن هذه الوحدة المنشودة لا بد أن تكون اجتماعًا على الحق والخير، واستمساكًا بشرع الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١).
ومع أن الاجتماع على الحق هو الأصل الذي ينبغي أن يسارع الناس إليه، إلا أن البغي والظلم يصد كثيرًا من الناس عن الاستجابة لهذه الدعوة النبيلة؛ قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ولو شاء الله جل وعلا لشرح صدور الظالمين ووفقهم للدخول في الحق، ولكنه جل وعلا شاء أن يكون إعراض هؤلاء الظالمين سببًا لإقحامهم في نار جهنم إقحامًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).
стр. 142
وهذا الاختلاف كما يكون بين المسلمين والكافرين، يكون بين المسلمين المهتدين والمسلمين الضالين، بين من انقادوا واستسلموا لهدى الإسلام ومن خلطوا بين الحق والباطل والهدى والضلال، وفرقوا دينهم وفارقوا جماعة المسلمين، قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١).
والشيعة طائفة من الطوائف التي خالفت سبيل المؤمنين، وانحرفت عن سواء السبيل، فمزقت الأمة، وفرقتها، وشغلتها، وكانت وبالاً أي وبال.
والخلاف بين السنة وفرق الشيعة المتعددة حقيقة واقعية وتاريخية، لها أثرها في فكر الأمة وثقافتها وتراثها، بل في واقعها الديني والسياسي والاجتماعي.
ولا يمكن تجاوز هذا الخلاف العميق بمجرد سرد عبارات التهوين من أهمية الخلاف، والدعوة لتجاوز الجذور التاريخية، وإقامة جسور التعاون، .. إلى غير ذلك من الشعارات التي تتشدق بها كثير من الكتابات والأطروحات المعاصرة، تلك الأطروحات التي تتجاوز الحقائق الدامغة، والأصول العلمية، بل وتتجاوز ثوابت أهل السنة والجماعة.
إننا ندعو جميع الفرق إلى الالتقاء والاجتماع، ولكن إلى اجتماع يعرف الحق وينكر الباطل، ويدعو للتوبة النصوح من كل الآثام العلمية والعملية.
أما د. علي جمعة فهو يقفز على حقيقة الخلاف مع الشيعة عمومًا، ومع الشيعة الاثني عشرية خصوصًا، ويهون منه، ويفسره بتفسيرات لا ترضي السنة ولا حتى الشيعة، مع أن له كتابات متفرقة تأتي غالبًا في سياق قضايا علمية أخرى تبين جزءًا من الحقيقة؛ ومن
стр. 143
الأمثلة التي توضح ما ذكرته عنه ما يلي:
* كتب د. علي جمعة مقالتين في جريدة الأهرام حاول فيهما أن يظهر الشيعة والسنة بمظهر المذهبين القريبين من بعضهما البعض، بطريقة تحرف الكلام عن مدلوله ومضمونه، وتخرجه عن سياقه، وكأننا يمكن أن نتغاضى عن كل انحرافات الشيعة بمجرد كلمة يطلقها د. علي جمعة؛ فيقول: "المسائل التي تتعلق بالرؤية الأساسية بين السنة والشيعة قد تنحصر في خمسة مسائل، اكتنفها كثير من الغموض عبر التاريخ، وولدت محنًا بين الفريقين، وإن كانت هذه المحن في أصلها سياسي، إلا أن هذه الخلافات الخمسة كانت مبررًا عند كثير من الناس بإشعال الفتنة بين الفريقين، وتعميق الهوة بينهما، وهو ما لا نرضاه في حياتنا المعاصرة، حيث اطلع كل فريق على ما يقوله الآخر، ونشأت دعوات التقريب، وتأكدت ونمت وحققت مكاسب كبيرة، ولا يزال أمامنا الكثير من الجهد، حتى يتم القضاء على هذا الاحتقان المفتعل، الذي لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون.
١ - اتهمت الشيعة بالقول بالبداء، وكلمة البداء تعني أن الله ، وجل جلاله، يغير رأيه، وهو ما أنكرته الشيعة تمامًا، وفسرت ما ورد من عبارات حول هذا المصطلح، بما فسر به أهل السنة القضاء المعلق؛ فأهل السنة يقولون: إن القضاء منه مبرم، ومنه معلق، أما الذي هو مبرم فهو علم الله الذي لا يتغير ولا يتبدل، وأما الذي هو معلق، فذلك المسطور في اللوح المحفوظ، والذي يمكن أن يغيره الله بسابق علمه وبإرادته المطلقة وقدرته التي لا نهاية لها، وحملوا عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 144
وسلم: (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُ) رواه الترمذي، وحديث: (لا يأت ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدرُ، وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل) أخرجه البخاري.
وعلى ذلك فلا خلاف في الحقيقة، إنما هو خلاف موهوم نتج من سوء الفهم، ومن حمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية التي استقرت في أذهان الناس، وهذا ما يعرف بالخلاف اللفظي، وهو ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به.
٢ - القول بتحريف القرآن، ولقد اعتذرت الشيعة عما ورد مما يوهم هذا المعنى القبيح، بأن هذا اللفظ باستعمال القراءات الشاذة التي يذكرها أهل السنة أيضًا في كتبهم، غير معتبرة ولا معتمدة؛ لأنها لم ترد بسند متواتر عن المصطفى ﵌، وأن الشيعة والسنة على السواء، يقولون بحفظ كتاب الله الذي بين أيدينا، والذي لم يختلف عليه المسلمون قط عبر العصور، وهو ذلك الذي بين دفتي المصحف المعروف المشهور، وكل الأمة يقولون بحفظه كما ورد في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فعاد الخلاف أيضًا إلى اللفظ دون المعنى.
٣ - القول بتكفير الصحابة، ولم نر لأحد من الأئمة المعصومين عند الشيعة كلامًا مخالفًا في الصحابة الكرام، ورأينا أن علماء الشيعة وقادتهم في القرن العشرين ذكروا في كتبهم الترضية على أبي بكر
стр. 145
وعمر، وخفت الغلواء بشأن الصحابة الكرام، وعرضت المسألة من ناحية عاطفية لا تستلزم كل هذا العداء الذي قد ملأ قلوب العامة من الطرفين، فيدعي الشيعي أن السيدة فاطمة ﵍ -وهكذا كان يذكرها الإمام البخاري في صحيحه- كانت قد خاصمت أبا بكر، وغضبت عليه، من أجل أرض فدك بخيبر، في مسألة فقهية تتعلق فيما إذا كان النبي ﵌ قد ترك تركة، أو أن معاشر الأنبياء لا تورث، وهذا هو الجانب العاطفي في المسألة.
٤ - قضية من أحق بالخلافة، سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، فقط، وهو قول الشيعة، أو ترتيب الخلافة كما حدثت: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهو قول أهل السنة، وكما ترى فإنها مسألة تاريخية، لكنها مثلت ولا تزال تمثل عند الفريقين أساسًا يُبنى عليه غيره، وهي ما تعرف بقضية الإمامة، وهي أنها لا بد فيها من الوصاية، والنص، وهو ما تدعيه الشيعة، أو أنها مسألة تتعلق بالاجتماع البشري، وهي متروكة لاختيار المسلمين عامة بالانتخاب الحر، وهو ما تدعيه السنة.
٥ - التقية، وهي عند الشيعة، وتعريفها السني: أن يتكلم الإنسان بغير ما يعتقد، وعدوا هذا بابًا من أبواب النفاق، أو الكذب، أو الضعف، أو الخداع، أو نحو ذلك من الصفات الذميمة، إلا أن الشيعة أجابوا على هذا بأن تعريفها يكاد يكون حكاية مذهب الخصم، وحكاية مذهب الخصم وإن خالفت معتقد من يتكلم، إلا أنها ليست واحدة من هذه المعاني القبيحة المذكورة التي تتردد بين النفاق والخداع، وإنما هو وضع قد تمليه على الإنسان ظروف
стр. 146
سياسية خاصة في عصور الجور، وتقييد حرية الرأي، فيضطر الإنسان إلى أن يحكي مذهب الغير، وليس إلى الكذب أو نحو ذلك" (١).
هكذا يحاول د. علي جمعة التبرير والتمرير، ولكن هذا الكلام لا ينطلي على من له أدنى اطلاع على حقائق الفرق والمذاهب، فهذا الأزهر يخرج كتابًا يبين فيه موقف الأزهر كمؤسسة من كثير من القضايا، سماه (بيان للناس من الأزهر الشريف) وصدر الكتاب في عهد الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر، وتكلم الكتاب عن فرق الشيعة؛ فقال عن الإمامية الذين هم أغلب الشيعة المعاصرين: (الإمامية، وهم الذين قالوا بإمامة اثني عشر من آل البيت، ويسمون بالاثني عشرية وبالموسوية؛ لأن الأئمة عندهم هم: علي، الحسن، الحسين، وعلي زين العابدين بن الحسين، وكانت الإمامة لابنه الأكبر زيد، فلما رفضوه كما تقدم ولوا بدله أخاه محمدًا الباقر، ثم جعفر الصادق، وكان له ستة أولاد، أكبرهم إسماعيل ثم موسى، ولما مات إسماعيل في بيت أبيه أوصى والده بالإمامة إلى ابنه موسى الكاظم، وبعد وفاة جعفر انقسم الأتباع، فمنهم من استمر على إمامة إسماعيل وهم الإسماعيلية أو السبعية، والباقون اعترفوا بموسى الكاظم، وهم الموسوية. ومن بعده علي الرضا، ثم ابنه محمد الجواد، ثم ابنه علي الهادي، ثم ابنه الحسن العسكري نسبة إلي مدينة العسكر سامرا، وهو الإمام الحادي عشر، ثم ابنه محمد الإمام الثاني عشر، وقد مات ولم يعقب، فوقف تسلسل الأئمة، وكانت وفاته سنة ٢٦٥هـ. ويقول الإمامية: إنه دخل سردابًا في سامرا فلم يمت، وسيرجع بعد ذلك باسم المهدي المنتظر، وهذه الطائفة منتشرة في إيران والعراق وسوريا ولبنان، ومنهم جماعات متفرقة في أنحاء العالم، ولهم كتب ومؤلفات كثيرة من أهمها كتاب الوافي في ثلاثة مجلدات كبيرة، جمعت
стр. 147
كثيرًا مما في كتبهم الأخرى، وكتب عليه أحد أهل السنة نقدًا سماه الوشيعة في نقد عقائد الشيعة، وكان ذلك في فبراير سنة ١٩٣٥م، كما كتب رئيس أهل السنة بباكستان محمد عبد الستار التونسي رسالة في ذلك؛ ومن أهم أصولهم:
١ - تكفير الصحابة ولعنهم، وبخاصة أبو بكر وعمر ﵄، إلا عددًا قليلاً كانوا موالين لعلي ﵁، وقد رووا عن الباقر والصادق: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إمامًا من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام). ويقولون: إن عائشة وحفصة ﵄ كافرتان مخلدتان، مؤولين عليهما قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ (١).
٢ - ادعاء أن القرآن الموجود في المصاحف الآن ناقص؛ لأن منافقي الصحابة -هكذا- حذفوا منه ما يخص عليًا وذريته، وأن القرآن الذي نزل به جبريل على محمد سبعة آلاف آية، والموجود الآن ٦٢٦٣، والباقي مخزون عند آل البيت فيما جمعه علي، والقائم على أمر آل البيت يخرج المصحف الذي كتبه علي، وهو غائب بغيبة الإمام.
٣ - رفض كل رواية تأتي عن غير أئمتهم، فهم عندهم معصومون، بل قال بعضهم: إن عصمتهم أثبت من عصمة الأنبياء.
٤ - التقية: وهي إظهار خلاف العقيدة الباطنة؛ لدفع السوء عنهم.
٥ - الجهاد غير مشروع الآن، وذلك لغيبة الإمام، والجهاد مع غيره حرام، ولا يطاع، ولا شهيد في حرب إلا من كان من الشيعة، حتى لو مات على فراشه.
وهناك تفريعات كثيرة على هذه الأصول؛ منها: عدم حفظ القرآن، انتظارًا لمصحف الإمام،
стр. 148
وقولهم بالبداء، بمعنى أن الله يبدو له شيء لم يكن يعلمه من قبل ويتأسف على ما فعل، والجمعة معطلة في كثير من مساجدهم، وذلك لغيبة الإمام، ويبيحون تصوير سيدنا محمد وسيدنا علي، وصورهما تباع أمام المشاهد والأضرحة، ويدينون بلعن أبي بكر وعمر) (١).
* بل إن د. علي جمعة يعلم كثيرًا من أحوال الشيعة؛ فلقد سُئل عن اتهام المتصوفة بأنهم شيعة، فنفى ذلك جملة وتفصيلاً وبرأ التصوف من الانتساب للشيعة الذين يخالفون أصول وعقائد السنة جملة وتفصيلاً على حسب تعبيره!!!؛ وقال: "الشيعة الإمامية وهم أغلب الشيعة، فرقة من المسلمين، إلا أنها أخطأت حينما خالفت المسلمين في تقديم علي بن أبي طالب ﵁ على سائر الصحابة الكرام، والطعن على خلافة من سبقه، بل والنيل من أغلب الصحابة، والوقوع في سبهم ولعنهم، فهذه طامات كبرى أوغرت قلوب أهل السنة والجماعة.
إلا أنهم لا يَكفرون بهذه المخالفات غير المقبولة؛ لأن المسلم لا يكفر بسب المسلم ولعنه، وإن كان من وقعوا فيهم بالسب واللعن هم خير المسلمين على الإطلاق بعد النبي ﷺ ، إلا أنهم متأولون، بل ولا يرونهم صحابة أصلاً، ولذا فإن الشيعة الإمامية وهم الكثرة الغالبة من الشيعة في زمننا هذا من المسلمين، مع مخالفتهم لمنهج أهل السنة والجماعة في باب الصحابة ﵃.
ولم يقتصر الخلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة على باب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولكن هناك أمور أخرى تمثل أسس الخلاف بين أهل السنة والجماعة.
والشيعة فرق أخرى متعددة؛ منها ما تطرف في التشيع حتى خرج عن ربقة
стр. 149
الإسلام بمزاعم مُكَفِّرة ومعتقدات باطلة، فمنها فرقة تزعم أن الإله قد حلَّ في علي وأولاده، وأنه قد ظهر بصورتهم، ونطق بألسنتهم، وعمل بأيديهم، ومن هذه الفرق التي ضلت الإسماعيلية والبهرة والدروز.
ومن عقائد بعض فرق الشيعة الغلاة القول بتحريف القرآن، وتكفير الصحابة، وعدم أحقيَّة خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
ويرى متبعو الشيعة أن الإمامة منصوص عليها ومحددة من قبل الله، بينما يرى أهل السنة أن الإمامة لم يتم تحديدها من قبل الله، والإمامة فضل من الله يتفضل به على من يشاء من عباده، وليست خاصة لأحد ... ، بهذا تبين لنا أن أصول الشيعة وعقائدهم تخالف أصول الصوفية السنيين جملة وتفصيلاً" (١).
وتكلم د. علي جمعة عن صحفي طعن في أبي هريرة ﵁ والبخاري ﵀ فقال: "المتكلم في الصحابة فاسق مردود الشهادة، وكذلك المتكلم في البخاري؛ لأنه يتكلم في دين الله بغير علم، ولأن من يطعن في أئمة نقلة الحديث من الصحابة ومن بعدهم فكأنما يريد أن تنحصر الشريعة في العصر الأول دون الاسترسال في سائر العصور، وهو مسبوق بمن سلك هذا الطريق فكان أن آل إلى مزبلة التاريخ، ومن كان كذلك فحقه التعزير" (٢) إذا كان هذا حكم د. علي جمعة فيمن طعن في صحابي، فما حكم الشيعة الاثني عشرية؟ وهم يطعنون في
стр. 150
جل الصحابة باعتراف د. علي جمعة حيث يقول: "أهل السنة بالنسبة لباقي التيارات والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة، وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين ينكرون الصحابة إلا عليًّا" (١)، وقال: "قال الخطيب البغدادي: تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، وأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير مقبولة" (٢).
وبعد كل هذا يصر د. علي جمعة على عادته في الجمع بين المتناقضات ورمي مخالفيه بأنواع التهم؛ فيقدح فيمن ينفر من الشيعة بقوله: "نحن نعتقد أن الشيعة جزء من أمة الإسلام لا ينفصل عنها، ولا يُنفر منها، وإن ظهر غير ذلك فبسبب سوء فهم بعض الجهلة وغير المتخصصين المتعصبين" (٣)!!!.
стр. 151
سادسًا: التصوف
شغل الجدل حول التصوف جانبًا كبيرًا في الحركة العلمية قديمًا وحديثًا؛ بين مؤيد ومعارض، ومستحسن ومستقبح، وبين حديث عن الصوفية الفلاسفة والصوفية الزهاد، والصوفية العلمية والصوفية العملية، وعن أصول الصوفية الإسلامية وأصولها في الديانات الأخرى، إلى غير ذلك من القضايا التي تشغل قاعات البحث والدرس.
وبعيدًا عن كل ذلك سأستعرض هنا بعض رؤى د. علي جمعة الصوفية؛ ليتبين للقارئ حقيقة دعوى موافقة صحيح الشريعة، والعلاقة بالبدع والخرافات، والفلسفات المختلفة.
* يظهر التكلف في الاستدلال لتبرير الطوام العقدية في مثل قوله: "عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة، يكتبون ما يسقط من نوى الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة؛ فليناد: أعينوا عباد الله) قال عن سنده الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وفي الحديث دليل على الاستعانة بمخلوقات لا نراها، قد يسببها الله في عوننا، ونتوسل بها إلى ربنا في تحقيق المراد كالملائكة، ولا يبعد أن يقاس على الملائكة أرواح الصالحين، فهي أجسام نورانية باقية في عالمها" فالدكتور علي جمعة يستحسن طلب العون من أرواح الصالحين، مع أن هذا الحديث إن صح فمتعلق بصنف خاص من الملائكة الحاضرين؛ حيث ينص الحديث على أنهم ملائكة في الأرض سوى الحفظة، في أمر مخصوص أقدرهم الله عليه، وهو إذا أصابت المرء عرجة أي شيء في رجله، وعلمنا هذه القدرة بالوحي، فلا يقاس على ذلك بقية الملائكة كجبريل وميكائيل؛ لأن لكلٍ ما أمره الله به،
стр. 152
ولا يقاس على ذلك بقية الأمور التي تصيب الإنسان؛ لعدم النص، أما قياس أرواح الصالحين على الملائكة، وزعم أن أرواحهم تشترك مع الملائكة في الوظائف التي أمر الله الملائكة بأدائها، فخيال مريض أشبه ما يكون بتناسخ الأرواح الذي يقول به أتباع بعض الديانات الهندية وبعض طائفة الحشاشين الباطنية.
والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١) وأخشى أن نجد من يفهم أن هذه الآية خاصة بكفار قريش ومعبوداتهم، ولا تعم من بعدهم!!!.
* وفي خلط عجيب وفلسفات أعجب يقول د. علي جمعة: "وكان للقاء لينجز برينيه جينو عظيم الأثر في ظهور أنوار الهداية التي اجتمعت فيما عرف بمدرسة التراث، وقد كان من أحد نتائجها الحاسمة نقد العالم الحديث في تضخمه المادي، واكتشاف الحكمة التي تربعت في قلب كل الأديان، سواء أكانت الزرادشتية أو البوذية أو الهندوسية، ثم اليهودية والمسيحية والإسلام، تلك الحكمة التي هي النور الفطري الذي خلقه الله في قلوب الناس، والذي منه يمكن دعوتهم إلى الحق، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقد عاش في نور تلك الهداية حتى
стр. 153
نهاية حياته المباركة ...
إن الأزرق هو لون اللامتناهي، وهو يتطابق مع الرحمة، إذ إن ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، فأعظم رمز لهذه اللانهائية هو السماء المحيطة بالكل، أما الاسم الإلهي لها فهو الرحمن، وهو أول أسماء الرحمة، والوحي يعبر عن الجذور الجوهرية للرحمة.
إذا كان الأزرق يحرر بواسطة اللانهائية، فالذهبي مثله في ذلك مثل الشمس يحرر، لكونه رمزًا للروح، فهو بالتالي يتعالى عن كل عالم الصور، إن اللون الذهبي من ذات طبيعته يفلت من قيد الصور إلى درجة أن الخطاط الذي يكتب باللون الذهبي عليه أن يخطط حواف كتابته باللون الأسود حتى يعطيها الأثر الفعال من الناحية الصورية، ولكونه لون النور، فإن الذهبي مثله في ذلك مثل الأصفر، وهو رمز ذو صلة جوهرية بالعلم خارجيًا، هو يعني التدريس والظهور أو التجلي، أما الأزرق في حضور الذهبي فهو يعني أن الرحمة ميالة إلى الكشف عن ذاتها، وما ذُكر قليل من كثير عن (مارتن لينجز) وأعماله التي كان لها وسيبقى ذلك المغزى العميق في عالم مضطرب" (٢).
ويقول كذلك: "ذكر بعض أكابر الصوفية أن الرؤيا من أحكام حضرة المثال المقيد المسمى بالخيال، وهو قد يتأثر من العقول السماوية والنفوس الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية، فيظهر فيه صور مناسبة لتلك
стр. 154
المعاني، وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط، فيظهر فيه صور تناسبها، وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ، وقد يكون بسبب توجه النفس بالقوة الوهمية إلى إيجاد صورة من الصور، كمن يتخيل صورة محبوبه الغائب عنه تخيلاً قويًا فتظهر صورته في خياله فيشاهده، وهي أول مبادئ الوحي الإلهي" (١).
* أما سر غلوه في مشايخه رغم ما قد يطالعه من شطحاتهم فيتضح من قوله: "المقام أمر مستقر، يجد العابد نفسه فيه، إذا ترقى إليه لا يهبط منه، فإن الكريم إذا وهب ما سلب، هذه من قواعد الطريق؛ الكريم وهو الله، إذا وهب الإنسان هبة معينة، بأن أعطاه سرًا من الأسرار، أو أكرمه بنور من الأنوار، أو فتح عليه بفتح من الفتوح، أو علمه قضية من القضايا، أو رقاه إلى مقام من مقامات العبودية، فإنه سبحانه لا يسلبه، ولكن قد يسلب ثوابه والعياذ بالله، وهذا يسمى الخذلان، نعوذ بالله منه، ولذلك فإن أولياء الله ليسوا معصومين، بل هم معرضون تحت قدر الله للمعصية، ومعرضون أيضًا للسلب، والسلب هنا هو سلب المكانة وليس سلب المقام، يعني تجده هو نفسه يشعر بما يشعر به، ولكنه يسلب بمعنى أنه عندما عصى الله تعالى وأصر على عصيانه فإن الله يسلب منه ثوابه، يوقف الثواب لكن ما وصل إليه من مقام فإن الكريم إذا وهب ما سلب" (٢)، وقال د. علي جمعة كذلك: "فأما الرسل والشيوخ فلا يأمرون بمعصية الله أصلاً،
стр. 155
فإن الرسل معصومون من هذا والشيوخ محفوظون" (١) ويبدو أنه نسي أن الشيطان الرجيم كان يعبد الله مع الملائكة ثم كفر فسُلب المكانة وسلب المقام، ولكن ما حيلتنا مع القواعد المخترعة!!.
* ويزعم د. علي جمعة أن الأنوار تحصل لمن اتصف بالعبادة؛ سواء كانت العبادة لله أو كانت العبادة لغيره، فنجد قوله: "هناك نوع آخر من الانشغال أخفى وأدق من هذا، وهو الانشغال بالأسرار أو الانشغال بالأنوار؛ فالعابد يعبد ربه، فيمتلئ قلبه نورًا وهو جالس في الخلوة، وهي مظلمة ليس فيها كهرباء، فإذ بها تضيء، فيجد لذة في قلبه، ويجد نورًا في قلبه، وكل هذا من أنوار الملك، وهذا يحدث للمسلم وللكافر، الرهبان في الكنائس يحصل لهم هذا، والبوذيون والهندوس يحصل لهم هذا، يحصل لهم من أنوار الملك، فإن انشغل بها السالك إلى الله عن الله؛ كأن تكبر، أو فرح بها، أو استغلها، أو عبد الله لتحصيلها، بأن يذكر الله تعالى وقلبه ملتفت إلى أن ينور اليوم مثلما تنور بالأمس، فهذا لعب؛ لأنه قد توجه إلى الصوارف دون الله تعالى، وانشغل والتفت، وملتفت لا يصل، وأعمق من هذا ما كان من أنوار الملكوت؛ لأنه ينكشف له الملأ الأعلى، فلو انشغل به عن الله فإنه يكون غير مؤدب ولا يصل" (٢).
* أما عن المصطلح الذي أسموه الحب الإلهي؛ فيقول عن أبي الحسن الديلمي وكتابه عطف الألف المألوف على اللام المعطوف: "كان صديقًا للحلاج المتوفى عام
стр. 156
٣٠٩هـ، ولكنه نصح مريديه أن يسلموا له حاله ولا يقتدوا به في شطحاته ...
وقد يبدو عنوان الكتاب غريبًا، وهو نتاج تقليد متداول حينذاك في التعبير الرمزي عن علاقة الخالق بخلقه، وهي علاقة المحبة والتعاطف؛ فالألف رمز للذات الإلهية التي هي معدن الحب الحقيقي والجمال الخالص، واللام عندهم رمز للوجود الإنساني أو الكون الجامع المتمثل في آدم أو الإنسان، والعلاقة المتبادلة بين الجانبين يرمز لها بالألف واللام أو اللام ألف (لا) التي هي علاقة الألفة والتعاطف والمحبة في أكمل صورها وأصفاها، وهي التي تتجلى في نفوس العارفين، وتملأ حقائقها أفئدتهم حين يجذب الرب زمام إرادة العبد إليه وذلك هو العطف، فيشغله به عما سواه، وإن كان يتذوق في الوقت نفسه مظاهر الجمال في كل شيء" (١).
* ومن الدعاوى التي لا دليل عليها إلا الظن قوله: "جرت سنة الله تعالى في الفتح على أوليائه ميراثًا محمديًا، كما يقول أهل الله، فلا تنعقد ولاية لولي إلا ليلاً" (٢) وقوله: "تدخل الخلوة، ولا تكون إلا بإذن الشيخ، فإذا فقدت الشيخ فليس هناك خلوة" (٣).
* أما عن العلاقة بين الشيخ والمريد، ودعواه اطلاع الشيخ على دقائق أحوال المريد، بل ودقائق أحوال نفس المريد، فنجد قول د. علي جمعة: "وقد يكون الشيخ مرشدًا تامًا، وهو الذي يسمى بالوارث المحمدي، الوارث المحمدي يراعي تلامذته
стр. 157
ومريديه حتى على الغير، فإن الله من شدة صفاء ذلك المرشد الكامل، ومن شدة صقل قلبه، تنعكس على ذلك القلب الأحوال الحادثة مع المريد حتى مع نفسه، فرأوا عن تجربة أنه إذا ما رأى الشيخ المريد فإن الله يكشف له مساوئ ذلك المريد ونقصه، ومع ذلك لا يتأثر لهذا النقص، ولذلك لا نخاف من أن يظن ظنًا سيئًا في المريد؛ لأنه يعلم أن النقص قد استولى على جملة البشر إلا من عصمه الله" (١).
* وبسبب بحبوحة مصادر التلقي عند د. علي جمعة لا نتعجب من مثل قوله: "إن هذا الطريق الذي بين العابد وبين الله تعالى والذي يفضي في نهايته إلى الله فيه سبعون ألف حجاب، وفي كل نفس منها عشرة آلاف حجاب، وإن كل نفس ينتقل منها الإنسان إلى ما بعدها فإنه ينتقل باسم من أسمائه تعالى يذكره" (٢).
* وللعبارات الغامضة التي ينتج عنها الغلو نصيبها في فكر د. علي جمعة؛ فيقول مثلاً: "فضل الصلاة على النبي ﷺ عظيم، ففضله ونوره أعلى وأتم من نور الملك ونور الملكوت والرهبوت والرحموت والجبروت واللاهوت" (٣)، ويقول كذلك: "مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم" (٤).
стр. 158
* والابتداع في الزهد أساس من أسس تصوف د. علي جمعة، فنراه يقول: "نلقي الضوء على مجمل ما يحدث في الخلوة، فيلبس البياض، ويتطهر، ويقطع علائقه بالدنيا، ثم منهم من كان يصوم، وفي الصيام مساعدة كبيرة للروح في الترقي، ولا يأكلون ما خرج من روح ولا ما كان فيه روح، وكأن الروح تعطل بعض ترقيها، وإن كان سيعود إليها بعد ذلك، ولكن في هذه الأربعين يحاول الإنسان أن يهيئ نفسه من كل جهة، فيمتنعون عما فيه روح، وعما خرج من روح، إلا نبات الأرض ... بل بعضهم زاد على ذلك ألا يأكل مما مسته النار، وعلى ذلك فلا يأكل الخبز؛ لأن الخبز مسته النار، ولا يأكل الطبيخ ولو كان نباتًا؛ لأنه مسته النار" (١).
وشرح حديث: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) (٢) فقال: "ومن أجل هذا الحديث كان مشايخنا يأمرون ألا نشرب بعد الذكر، حتى يبقى أثر جفاف الريق باقيًا عند الذاكر، فيشعر بشيء كبير من البركة" (٣).
* وإيجاب ما لم يوجبه الله يتمثل في مثل قوله: "أجمع أهل الله على أنه لا مخرج من ذلك إلا الصلاة على النبي ﷺ ، وأنه يجب على المسلم أن يلهج بها ليل نهار في ما لا يقل أبدًا عن ألف مرة كل يوم" (٤).
стр. 159
* أما فلسفة الأوراد فنجدها في مثل قوله: "الورد يبدأ بالبناء، نريد أن نبني شيئًا، وكأنه مخزن نخزن فيه الأنوار والأسرار، فكيف ننشئ هذا؟ فتأملوا في أسماء الله ووجدوا منها سبعة، هذه السبعة تُبنى عليها الأعمدة، ويبنى عليها الباب، وتبنى الأسقف على هذه الأعمدة فتحدد، ثم بعد ذلك جاء الشيخ عبد القادر الجيلاني وقال: إن هذا البناء يحتاج إلى حوائط حتى يكون مخزنًا محكمًا، واختار ستة أسماء للتلاوة بعد السبعة، واختلف أهل الله في هذه السبعة، كيف تتلى؟ فكل شيخ له طريقة في بناء الأعمدة والأسقف والحوائط والمواد التي يستخدمها، هل هي من مسلح، أم أنها أعمدة خشبية، أم أنها أعمدة من مواد بناء الطائرات؟ تختلف، ولكن الفكرة واحدة، وهي وجود مخزن محكم لوضع الأسرار والأنوار فيها، وقد كان كل اسم من الأسماء السبعة له رقم عندهم، فلما اختلط الحال أصبح الجو الذي نعيش فيه مختلفًا عن الجو الذي كانوا يعيشون فيه، فلم يكن هناك أشعة ذرة ولا راديو ولا رادار ولا تليفزيون، حتى يمكنك أن تتصور كيف أن الجو الذي يحيط بنا قد امتلأ بكل ألسنة الأرض وبكل الصور المنقولة، والدليل على ذلك أننا لو أتينا الآن بجهاز تليفزيون وفتحناه، سيأتي لنا كل العالم هنا في هذا المكان، فالذي يحيط بنا قد يختلف عما كان يحيط بالإمام عبد القادر الجيلاني، وهذا يؤثر؛ لأننا ونحن نسير نسير في اتجاه خلق الله، فالبيئة تؤثر، ومن أجل ذلك جعلوها مائة ألف، فنذكر كل اسم منها مائة ألف، إلا إذا حدثت علامات يعرفها الشيوخ، العلامات هذه ليست واحدة، ولذلك لا تقال، إنما يعرفها الشيخ بفراسة وبصيرة، وإذا
стр. 160
ما كلمناه فإنه يقول: انتقل إلى الاسم الذي بعده، يكفينا هذا، وصلنا إلى مقصودنا من هذه المرحلة، والحمد لله الغرض من بناء المخزن قد تم.
إذًا فلنبدأ لمن أراد أن يبدأ بذكر لا إله إلا الله مائة، ثم بعد ذلك إذا انتهى منها يدخل في يا الله، ثم يا هو، وكل هذا الكلام موجود في كتاب الهداية لسيدنا الشيخ، خذوه واقرأوه وامشوا عليه على نمط ما وصفه، فرصة أن الشيخ أجاز إجازة عامة لمن عاصره بالأخذ عنه في الطريق إلى الله، وهذه الفرصة لا تتكرر كثيرًا، ولا يقوم به الشيخ إلا بتوفيق من الله، وبإذن مخصوص منه، ومثل هذا لا بد أن الشيخ انكشف له فيه سر، وأذن له فيه، فأذن لنا؛ لأنه لا يستطيع أن يأذن من نفسه أو من هواه؛ لأن هؤلاء الناس تخلصوا من هواهم، فاقرأوا هذا وابدأوا فيه، ثم بعد ذلك يفتح الله على من يشاء" (١).
وينصح د. علي جمعة المريد أن يتحر شروط كل ذكر؛ فمثلاً الذكر بترديد (الله الله) له شرط وهو: "نصح أهل الله بألا يذكر هذا الاسم والإنسان عنده ارتفاع في درجة الحرارة، أي أنه يوقفه إذا ما كانت عنده حمى؛ لأن الذكر بهذا الاسم يرفع درجة الحرارة، ولذلك الذكر بالله لا يناسب المحموم، وقد يميته إذا كان صادقًا في ذكره" (٢).
* أما ما يزعمه بعض الغلاة عن علوم الموتى واطلاعهم على ما يجري في الأرض جميعها، وكذلك استخدامهم دعاوى الكشف لتحقيق مآربهم، فيتضح من حوار للدكتور
стр. 161
علي جمعة وقت وفاة حفيد الطاغية الذي حكم مصر بأنواع الفساد والإفساد محمد حسني مبارك، حفيده المسمى محمد علاء مبارك الذي مات في وقت حكم جده، وكان عمره اثنتي عشرة سنة، فادعى د. علي جمعة أن هذا الحفيد يطلع بعد وفاته على الأرض كلها ويفهم جميع اللغات ويدرك جميع الأحداث، وسيدخل الجنة حتى وإن كان بالغًا على حد تعبير د. علي جمعة؛ لأن الكشف بين له هذه الحقيقة المزعومة؛ يقول د. علي جمعة في حوار له بعد دفن محمد علاء: "دعني في البداية أقدم خالص التعازي لأسرة فخامة الرئيس محمد حسني مبارك؛ لشخصه فهو الجد، وألم وفاة الحفيد الصغير على الجد تكون كبيرة، ولكن هو أيضًا الحكيم، هو رب الأسرة المصرية، هو القائد الفارس النبيل، الذي درب وعلم ومنح هذا البلد الكثير والكثير والحمد لله رب العالمين، أنا أتوجه إلى محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية بخالص العزاء وأقول له: إننا جميعًا نشاركك في حزنك، لا نستطيع إطلاقًا أن نقول للإنسان: لا تحزن، إنما نستطيع أن نقول له: حول هذا الحزن كما عودتنا في نفسك، كما عودتنا في حياتك وتاريخك، إلى طاقة، طاقة من الحب، طاقة من العطاء، طاقة من العمل، كما كان وعبر التاريخ العلماء والحكماء والآباء والرواد وأنت منهم. أتوجه إلى الجدة حرم الرئيس وأقول لها: محمد اليوم، أنا حضرت جنازة محمد علاء، لم أر في حياتي جنازة عليها هذه السكينة وهذه الروحانية التي كانت على جنازة محمد، شيء عجيب وغريب، ما هذه السكينة النازلة؟ إنها تنزل على هذا الملاك البريء الذي أختاره الله لحكمة بليغة ... ، ما هذه السكينة والروحانية الحادثة في هذا مع الطفولة، إذًا فهذا
стр. 162
كشف من عند الله لنا يقول: إن محمدًا من أهل الجنة ... أنا فهمت هذا اليوم في جنازة محمد، أنا أقول لعائلة الرئيس وللرئيس وللسيد علاء ولزوجته أم هذا الطفل الملك الملاك أقول لهم: لقد كشف الله لنا في الدنيا أن هذا الطفل ولأنه أخذ طفلاً من أهل الجنة، وأنه يأخذ أبويه إلى الجنة.
المذيع محمود سعد: هذه مسألة يا مولانا قول واحد في الدين.
د. علي جمعة: قول واحد (مفهاش) كلام.
المذيع: طالما لم يبلغ الحلم، ولم يجر عليه القلم، فهو من ملائكة الجنة.
د. علي جمعة: حتى لو كان بلغ الحلم، حتى لو كان بلغ الحلم، (ده) ولد عنده (اتناشر ثلتاشر) سنة، (ده) وجهه أنا أقرأ قراءة أخرى، الجنازة عليها رحمة من عند الله، الجنازة يا جماعة عليها سكينة عجيبة، واستمرت هذه السكينة من بدايتها وأثناء الصلاة وبعد الصلاة، يعني شيء غريب عجيب ... لقد كشف الله منقبة محمد، محمد (ده) كان (عايش) في (وسطيكم وبيجري) وكذا إلى آخره وهو محكوم عليه وله بالجنة، هذا المعنى كان خفيًا لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يقوله وهو (عايش)، لكن الآن نستطيع أن نقوله باتفاق؛ لأن الله أظهره لنا بعد وفاته، ... لا أنكر الحزن الذي حل بالبلاد والعباد ...
حقائق لا بد أيضًا أن الكبار (يفهموها) إن (محمد سَمِعْنَا دلوقتي)، (ديه) حقيقة وثابتة في الدين، وإن (ده مش) خاص بالأطفال ولا بالكبار ولا بالمسلمين وغير المسلمين، (ده) عملية خاصة بالروح، فالروح عندما تتحرر من الجسد لها اطلاع على ما يجري في الأرض ... فمحمد قاعد (يتفرج) علينا
стр. 163
(دلوقتي)، وقاعد يسمع كلامنا، (وشايفنا إحنا كمان)، (وشايف) الأرض كلها، وأصبحت الروح (إللي إحنا وإحنا) في جسدنا (مش) قادرين (نشوف) إلا حدود ما نراه الآن، هو أصبح متحرر، (وشايف) كل الناس، وفاهم كل اللغات، وهو في هذا الإدراك الذي خرج خلاص من الجسد، أصبح إدراكه روحي، وهذا الإدراك أصبح (إدراك تام متحرر) ... هو الآن يسمعنا ويرانا ويشعر بنا وأشياء كثيرة جدًا" (١)!!!.
* ومع كل ما سبق فلا نستغرب ألا يبالي د. علي جمعة بالطواف حول القبور؛ حيث يقول: "الطواف حول قبر الولي، فإن الفيصل في ذلك هو نية من يفعل ذلك، فإن كان لا يقصد التوسل بهذا الولي، أو يتشبه بالطواف بالكعبة، فلا شيء عليه" (٢)!!!.
стр. 164
سابعًا: الأدب مع الله ومع نبيه محمد ﷺ
إن الحديث عن الله وعن نبيه ﷺ ينبغي أن يحاط بسياج من الأدب الرفيع، يتحرى فيه المرء دقائق ألفاظه وسياق مفردات كلامه وتراكيبه؛ قال تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).
وأمرنا أن نفرق بين الحديث المتعلق بالنبي ﷺ والحديث المتعلق بمن حولنا من الناس، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٤).
وتوعد الله من يتجرأ على أذية الله أو أذية نبيه ﷺ ؛ فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٥).
ولقد فوجئت بالعديد من التعبيرات التي استخدمها د. علي جمعة، مخالفًا ما يجب أن يلتزم به المرء في هذا المقام العظيم، مقام التحدث عن الله ﷻ ، وعن نبيه محمد ﷺ ، إما بالإفراط وإما بالتفريط، ومن ذلك:
стр. 165
* يورد د. علي جمعة بعض أشعار الفجار التي تسيء الأدب مع الله جل وعلا، ولكن في هذا العصر الذي علا فيه صوت الشعراء الفجار، يعلق د. علي جمعة على هذا الشعر الفاجر بأسلوب سلس لين رغم ما فيه؛ فيقول د. علي جمعة: "قال بعض الظرفاء:
إلهي ليس للعشاق ذنب ... لأنك أنت تبلو العاشقين
فتخلق كل ذي وجه جميل ... به تسبي قلوب الناظرين
وتأمرنا بغض الطرف عنهم ... كأنك ما خلقت لنا عيونا
فكيف نغض يا مولانا طرفا ... إذا كان الجمال نراه دينا
وقال آخر:
خلقت الجمال لنا فتنة ... وقلت لنا: يا عباد اتقون
وأنت جميل تحب الجمال ... فكيف عبادك لا يعشقون
فرد عليهم الشيخ التقي الأمين السوداني فقال:
خلقت الجمال لنا نعمة ... وقلت لنا: يا عبادِ اتقون
وإن الجمال تُقىً والتُّقى ... جمال ولكن لمن يفقهون
فذوق الجمال يصفي النفوس ... ويحبو العيونَ سمو العيون
وإن التقى هاهنا في القلوب ... وما زال أهل التقى يعشقون
ومن خامر الطهر أخلاقه ... تأبّى الصغار وعاف المجون
وربي جميل يحب الجمال ... جمال التقى يا جميل العيون
стр. 166
وهذا الجدل يظهر كثيرًا من النماذج المعرفية بين المتقين وغيرهم" (١).
* وفي استخدام تعبير يدل على وصف الإنسان ببعض خصائص الله جل وعلا يقول: "إذا تعلق قلبك بالله صرت عبدًا ربانيًا تقول للشيء كن فيكون؛ لأنك سوف تقبض إرادتك فتصير بإرادة الله راضيًا" (٢).
* أما ما يسميه السُّكْر في حب الله فيقول عنه: "ألا يرى نفسه، يسمون هذه الحالة السكر، سكر بالخمرة الأزلية في حب الله، يعني لا يرى إلا الله فقط" (٣).
* ويلقي بالكلمات الغامضة التي تحمل ظلالاً من الغلو فيقول: "والنبي ﷺ وهو الأسوة الحسنة وغاية المراد من رب العباد وهو المصطفى الكريم" (٤)، ويقول: "كلما ذكر المؤمن ربه كثيرًا كلما احتاج إلى نبيه ﷺ ، فهو إنسان عين الموحدين في الحضرة القدسية" (٥) ويقول: "ليس هناك ما يمنع أن يكون النبي ﷺ أول الأنوار التي خلقها الله ، وفاضت منه الأنوار إلى البشرية في عالم الروح" (٦).
* وفي مخالفة صريحة لكتاب الله يقول د. علي جمعة: "فإذا قال قائل: إنه يعطي الكافر؟ نعم، فهو يحبه ويحب هدايته، لكنه إذا استمر كافرًا حتى يموت على كفره فهو الذي ضيع نفسه" (٧) مع أن الله جل وعلا يقول:
стр. 167
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
* وفي وصف للنبي ﷺ بأنه إمام الاشتراكية المعتدلة! يقول د. علي جمعة: "وقد صدق شوقي عندما قال:
الاشتراكيون أنت أمامهم ... لولا دعاوى القوم والغلواء" (٢)
* وفي تعصب مقيت يقول: "إذا قلنا: إن عقيدة النبي ﷺ وأصحابه هي عقيدة الأشاعرة، سيكون ذلك تقريرًا للواقع" (٣) وهذا خلاف الأدب، فمهما بلغ به الهيام بمذهب الأشاعرة، فليقل مثلاً معبرًا عما في نفسه: إن عقيدة الأشاعرة هي نفس عقيدة النبي ﷺ ، فينسب اللاحق للسابق، ولكنه الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* وفي جرأة في الحديث عن نبي الله عيسى ﵇، يقول عن نبينا محمد ﷺ : "لم يولد من غير أب كما ولد عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن المثال المحتذى والأسوة الحسنة ينبغي أن يكون إنسانًا كسائر الناس" (٤) ومفهوم هذا الكلام أن سيدنا عيسى ﵇ لم يكن مثالاً يحتذى وأسوة حسنة.
* وفي دعوى لا دليل عليها يقول: "اليوم المعين الذي ولد فيه المصطفى هو خير أيام الله كلها، منذ خلق الله الأرض ومن عليها بل والكون وما فيه، إلى أن يرجع ذلك إلى ربه" (٥) فهو عنده أفضل من يوم بعثته ﷺ ويوم هجرته ويوم
стр. 168
فتح مكة .. إلى غير ذلك من الأيام، بلا أدنى شبهة دليل تدل على ذلك.
* وفي إسقاط بعيد كل البعد عن الأسس العلمية يقول: "أقر النبي ﷺ العرب على احتفالاتهم بذكرياتهم الوطنية وانتصاراتهم القومية، التي كانوا يتغنون فيها بمآثر قبائلهم وأيام انتصاراتهم" (١).
* وفي إقرار للعقلية الخرافية التي تتلاعب بدين الله يقول: "بل إن الشيخ عليش تكلم عن أن رؤية النبي ﷺ من أسباب تأييد آراء العلماء المجتهدين فقال: وسمعت سيدي عليًا الخواص يقول: لا يصح خروج شيء من أقوال الأئمة المجتهدين عن الشريعة أبدًا عند أهل الكشف قاطبة، وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد أقوالهم في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله ﷺ ، وسؤاله عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة: هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا؟ يقظة ومشافهة، وكذلك كانوا يسألونه ﷺ عن كل شيء من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله تعالى به، ويقولون: يا رسول الله، قد فهمنا كذا من آية كذا، وفهمنا كذا من قولك في الحديث الفلاني كذا، فهل ترضاه أم لا؟ ويعملون بمقتضى قوله وإشارته ﷺ ، ومن توقف فيما ذكرناه من كشف الأئمة ومن اجتماعهم برسول الله ﷺ من حيث الأرواح قلنا له: هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين" (٢) ويقول: "كان المرسي أبو العباس يقول: لو غاب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" (٣).
стр. 169
ثامنًا: فتاوى المرأة
الفتوى أمانة لها أصولها وضوابطها؛ ولها رجالها الذين يحاولون معرفة مراد الله في الوقائع التي تعرض لهم؛ وهم بذلك يتحرون سلامة النص وصحة الاستنباط، حتى يكونوا حقًا ممن أمر الله بسؤالهم عندما تلتبس الأمور وتشتبه؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
والمفتي يحذر أن تجره أغراض الدنيا وأوباؤها فيخرج عن مقصود الله إلى مقصود غيره؛ سواء كان هذا الغير هوى في نفسه، أو غرض مادي أو معنوي، أو حتى الاستجابة لرغبة في نفس غيره؛ حتى لا يكون ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٢).
أما فتاوى د. علي جمعة عامة، وفي القضايا التي تأخذ بعدًا اجتماعيًا مثل قضايا المرأة خاصة، فهي كثيرًا ما تتجاوب مع أجواء التفلت المنتشرة في كثير من أجزاء المجتمع، وهذه أمثلة تبين طريقته في التجاوب مع هذه الأجواء، وبالمثال يتضح المقال:
* النظر إلى المتبرجات: أنعم الله جل وعلا على عبيده بنعم كثيرة؛ ومنها نعمة البصر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٣).
والمؤمن يجتهد في شكر الله على نعمه، ومن أفضل الشكر أن يستخدم هذه النعم في
стр. 170
طاعة الله، وأن يتجنب أن يعصيه بها؛ ومن ذلك التزام غض البصر عما حرم الله النظر إليه؛ اتباعًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، وقوله ﷺ : (لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة) (٢) وقوله: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر) (٣) وقوله: (إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر) (٤) وأمره لجرير بن عبد الله لما سأله عن نظر الفجأة أن يصرف بصره (٥).
بل إن الشرع أمر بأكثر من ذلك، وهو عدم استماع الأوصاف التي تقرب إلى الذهن صورة المرأة الأجنبية، قال ﷺ : (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) (٦).
ووجوب الالتزام بهذا الهدي الإسلامي القويم من الأمور المعلومة المشتهرة لدى المسلمين؛ لكن د. علي جمعة مع كثرة النساء المتبرجات بزينتهن، كان له هوى ما، أورده بطريق ملتو غريب، ذلك أنه أفتى بجواز نظر الرجل المتدين إلى عموم النساء المتبرجات،
стр. 171
وأراد إيهام القارئ، فكتب مقالة بالأهرام أورد فيها خطابًا من إحدى الكاتبات تذكر فيه أن د. علي جمعة أفتى لها بذلك!!! فكتب قائلاً: "تلقيت رسالة من إحدى الباحثات، وهي الأستاذة صفية الجفري من المملكة العربية السعودية، التي تحمل همًا في قلبها للحالة الثقافية التي نعيشها، قالت في هذه الرسالة التي هي بعينها قد نشرت من قبل بصورة مختلفة، حيث قالت: وقد كنت كتبت في العربية نت مقالاً حملته تساؤلات عن تفصيلة صغيرة في فقه المخالطة، كيف يتواصل المسلم الملتزم مع المرأة غير المتحجبة، وقد يسر الله لي أن أحمل تفصيلتي الصغيرة هذه مع تفاصيل أخرى إلى فضيلة المفتي الشيخ علي جمعة في مكتبه في دار الإفتاء، قبل شهر تقريبًا، قلت لفضيلته: أليس غض البصر هو لأجل حق الطرف الآخر، فإذا أسقط الطرف الآخر حقه، جاز النظر ما لم يكن بشهوة، وذكرت له نص ابن عابدين الحنفي، وما جاء في الفقه الجعفري، من عدم حرمة النظر إذا لم تكن شهوة أو فتنة، قال لي: هذا الفهم هو جوهر ما عليه جماهير الفقهاء، وذكر لي أنه قد تكلم في هذه المسألة في درس له قبل مدة وجيزة" (١)!!!.
وهذا كلام باطل يخالف نصوص الشريعة التي أوردت بعضها، والعجب أن ينسب هذا إلى جماهير الفقهاء، ولا أدري أي فقهاء يقصد؟!!! ولكنه الهوى يمتزج بالخرافة فينتج عنهما مثل هذه الأقاويل.
أما محاولة إلصاق هذه الفتوى بابن عابدين الحنفي، فقد يدخل في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
стр. 172
وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١).
ومن باب إظهار عوار هذه المقولة تم الرجوع لمقالتها الموسومة؛ لرؤية نص ابن عابدين المزعوم، فكان الآتي: (ما يستحق الوقوف عنده حقًا هو ما ذكره الإمام ابن عابدين الحنفي في كتاب النكاح، من أن النساء اللواتي يكشفن عن شعورهن لا يحرم النظر إلى ذلك منهن؛ لأنهن قد أسقطن حرمة الأجزاء التي يحرم النظر إليها من أجسادهن، بكشفهن إياها، ونص كلامه هو: تسقط حرمة هؤلاء الكاشفات رؤوسهن في ممر الأجانب؛ لما ظهر من حالهن أنهن مستخفات مستهينات، وهذا سبب مسقط لحرمتهن فافهم).
وذكرتْ أن هذا الكلام في كتاب النكاح، وعند الرجوع لكلام ابن عابدين وُجد الكلام في كتاب النكاح، لكنه في باب نكاح الكافر، وهكذا فليكن التدليس!!
وأصل الكلام عن ابن عابدين هو في فروع عن حكم المرتدات في ديار المسلمين، وهل تصبح المرتدة منهن في حكم الأمة وتسترق؟ وأن هؤلاء النساء يغلب على الظن ردتهن؛ لأنهن في ممر الأجانب وهن متبرجات بطريقة تدل في ذلك الوقت على استخفافهن بأحكام الشريعة، وينص الأحناف على أن الاستخفاف بالشريعة كفر كما قال ابن عابدين: (لا بد في حقيقة الإيمان من عدم ما يدل على الاستخفاف من قول أو فعل) (٢) وقال كذلك: (ولاعتبار التعظيم المنافي للاستخفاف كفر الحنفية بألفاظ كثيرة وأفعال تصدر من المتهتكين لدلالتها على الاستخفاف بالدين؛ كالصلاة بلا وضوء عمدًا، بل بالمواظبة على ترك سنة استخفافًا بها بسبب أنه فعلها زيادة، أو استقباحها كمن استقبح من آخر جعل بعض العمامة تحت حلقه أو إحفاء شاربه) (٣) وقال كذلك: (ما كان دليل الاستخفاف يكفر
стр. 173
به وإن لم يقصد الاستخفاف) (١) وقال: (والاستخفاف في حكم الجحود) (٢).
وأصل الكلام الذي شرحه ابن عابدين: (بالردة تسترق وتكون فيئًا للمسلمين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ويشتريها الزوج من الإمام أو يصرفها إليه لو مصرفًا، ولو استولى عليها الزوج بعد الردة ملكها، وله بيعها ما لم تكن ولدت منه، فتكون كأم الولد، ونقل المصنف في كتاب الغصب أن عمر ﵁ هجم على نائحة فضربها بالدرة حتى سقط خمارها، فقيل له: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها، فقال: إنها لا حرمة لها، ومن هنا قال الفقيه أبو بكر البلخي حين مر بنساء على شط نهر كاشفات الرؤوس والذراع، فقيل له: كيف تمر؟ فقال: لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن كأنهن حربيات) (٣) وشرح ابن عابدين هذا الكلام فقال: ([كأنهن حربيات] أي فهن فيء مملوكات، والرأس والذراع ليس بعورة من الرقيق، ووجه الأخذ من قول عمر رضي الله تعالى عنه أنه إذا سقطت حرمة النائحة تسقط حرمة هؤلاء الكاشفات رءوسهن في ممر الأجانب؛ لما ظهر له من حالهن أنهن مستخفات مستهينات، وهذا سبب مسقط لحرمتهن فافهم، ثم اعلم أنه إذا وصلن إلى حال الكفر وصرن مرتدات فحكمهن ما مر من أنهن لا يملكن ما دمن في دار الإسلام على ظاهر الرواية، وأما ما مر من أنه لا بأس من الإفتاء بما في النوادر من جواز استرقاقهن فذا بالنسبة إلى ردة الزوجة للضرورة لا مطلقًا؛ إذ لا ضرورة في غير الزوجة إلى الإفتاء بالرواية الضعيفة ولا يلزم من سقوط الحرمة وجواز النظر إليهن جواز تملكهن في دارنا؛ لأن غايته أنهن صرن فيئًا ولا يلزم من جواز النظر إليهن جواز الاستيلاء والتمتع بهن وطئًا وغيره؛ لأنه يجوز النظر إلى مملوكة الغير ولا يجوز وطؤها بلا عقد نكاح، وبهذا
стр. 174
ظهر غلط من ينسب نفسه إلى العلم في زماننا في زعمه الباطل أن الزانيات اللاتي يظهرن في الأسواق بلا احتشام يجوز وطؤهن بحكم الاستيلاء، فإنه غلط قبيح يكاد أن يكون كفرًا؛ حيث يؤدي إلى استباحة الزنى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١).
هذه هي النقول، وفيها الكلام عن المرتدات والاسترقاق والإماء!! ومن يبتغي الإنصاف يعض بالنواجذ على النصوص الواضحة الصريحة المشهورة مثل ما رواه البخاري عن سعيد بن أبي الحسن أنه قال للحسن البصري: (إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، فقال له الحسن البصري: اصرف بصرك عنهن) (٢)، أما من لا يبتغي الإنصاف فإنه يفتش عن أي نص يحتمل البتر؛ ليشوش به على النصوص الصريحة القطعية.
أما ادعاؤهم أن هذا فقه الجعفرية؛ أي فقه الشيعة الرافضة، فلا حاجة لنا إلى تتبع مصدره؛ لنرى هل أحسنوا النقل أم أساءوا، وهل فهموا كلامهم أم حرفوه عن موضعه؛ لأن عندنا في فقه أهل السنة الكفاية، خاصة في مثل هذه المسألة المعلومة المشهورة، ولأننا رأينا كيف حرفوا ما نقلوه من الكتب المشهورة عندنا فكيف سيفعلون في الكتب المطموسة عند غيرنا، وإلى الله المشتكى.
* ختان البنات: الختان من سنن الفطرة التي فطر الله جل وعلا الناس عليها، فعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الفطرة خمس؛ الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط) (٣)، والختان فطرة لكل من الرجل والمرأة
стр. 175
بعموم هذا الحديث، الذي لا مخصص له البتة، وبذكر النبي ﷺ لختان المرأة في قوله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) (١).
والختان من سنة نبي الله إبراهيم الخليل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم) (٢).
بل إن الختان شعار هذه الأمة؛ فقد روى البخاري (أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة، قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان، يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر) (٣).
وقد جاء الإسلام والعرب تختن أبناءها وبناتها واشتهر ذلك عنهم، حتى اشتملت اللغة العربية على كثير من الألفاظ المشتقة من هذه اللفظة والمتعلقة بختان الرجل والمرأة؛ فمثلاً يقول ابن منظور في لسان العرب: (ختن خَتَنَ الغلامَ والجارية يَخْتِنُهما ويَخْتُنهما خَتْنًا، والاسم الخِتانُ والخِتانةُ، وهو مَخْتون، وقيل: الخَتْن للرجال والخَفْضُ للنساء، والخَتِين المَخْتُونُ الذكر والأُنثى في ذلك سواء، والخِتانة صناعة الخاتن، والخَتْنُ فِعْل الخاتن الغُلامَ، والخِتان ذلك الأَمْرُ كُلُّه وعِلاجُه، والخِتانُ موضع الخَتْنِ من الذكر وموضع القطع من نَواة
стр. 176
الجارية، قال أَبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأُنثى، ومنه الحديث المرويُّ: (إذا الْتَقَى الخِتانان فقد وجب الغسلُ) وهما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ويقال: لقَطْعهما الإعْذارُ والخَفْضُ، ومعنى التقائهما غُيُوبُ الحشفة في فرج المرأَة حتى يصير خِتانه بحذاء خِتَانِها ... ، وخَتَنُ الرجلِ المُتزوِّجُ بابنته أَو بأُخته، قال الأَصمعي ابن الأَعرابي: الخَتَنُ أَبو امرأَة الرجلِ، وأَخو امرأَته، وكل من كان من قِبَلِ امرأَته، والجمع أَخْتانٌ، والأُنثى خَتَنَة، وخاتَنَ الرجلُ الرجلَ إذا تَزَوَّجَ إليه، وفي الحديث: (عليٌّ خَتَنُ رسول الله ﷺ ) أَي زوجُ ابنته، والاسم الخُتُونة، التهذيب: الأَحْماءُ من قبل الزوج، والأَخْتانُ من قبل المرأَة، والصِّهْرُ يجمعهما، والخَتَنة أُمُّ المرأَة، وعلى هذا الترتيب غيرُهُ: الخَتَنُ كل من كان من قبل المرأَة مثل الأَب والأَخ وهم الأَخْتانُ هكذا عند العرب، وأَما العامَّةُ فخَتَنُ الرجل زوجُ ابنته، وأَنشد ابن بري للراجز:
وما عَلَيَّ أَن تكونَ جارِيهْ
حتى إذا ما بَلَغَتْ ثَمانِيَهْ
زَوَّجْتُها عُتْبَةَ أَو مُعاوِيهْ
أَخْتانُ صدقٍ ومُهورٌ عالِيَهْ
وأَبو بكر وعمر ﵄ خَتَنا رسول الله ﷺ ... ، ابن المظفَّر: الخَتَن الصِّهْر، يقال: خاتَنْتُ فلانًا مُخاتَنةً، وهو الرجل المتزوّج في القوم، قال: والأَبوانِ أَيضًا خَتَنا ذلك الزوج، والخَتَنُ زوجُ فتاة القوم ومن كان من قِبَلِه من رجل أَو امرأَة فهم كلهم أَخْتانٌ لأَهل المرأَة، وأُمّ المرأَة وأَبوها خَتَنانِ للزوج، الرجلُ خَتَنٌ، والمرأَة خَتَنة) (١).
هذا هو ختان الذكر والأنثى الذي جاء الإسلام وهو منتشر في العرب انتشار النار في
стр. 177
الهشيم، مع ما فيه من قطع لجزء من أجزاء البدن، وكشف للعورة عند الختان، ونظر الخاتن إلى عورة المختون، وما يصيب المختون من ألم عند ممارسة عملية الختان، ومع كل ذلك من أمور تعم بها البلوى، لم ترد في الشريعة البتة شبهة دليل تدل على مجرد التنفير من ختان الإناث، مما يدل على مشروعية ختان الإناث؛ حيث أقر الإسلام حصول تلك الأمور من كشف عورة، ونظر لها، وقطع جزء من البدن، وحصول ألم المختون، كل ذلك لتحصيل المصلحة الأعلى، وهي تطبيق سنة الختان وما أودع الله فيه من المصالح.
وقد اتفق الفقهاء عبر تاريخ الأمة الطويل -ما عدا من شذ منهم في ظل الاحتلال العسكري والثقافي في القرن الأخير- على مشروعية ختان البنات، والحث عليه، والترغيب فيه، وإن كانوا اختلفوا في مقدار هذه المشروعية، فعبر بعضهم بأن ختان الإناث واجب، وعبر بعضهم بأنه سنة أو مستحب أو مكرمة، لكن لم يدر بخلد أحدهم أن ينفر عنه، أو يستهجنه، أو يفتي بمنعه أو بتحريمه، كما يفعل البعض الآن.
أما د. علي جمعة فقد كان سابقًا يتبع أئمة الفقه ويفتي بمشروعية ختان الإناث، بل ويهاجم الذين يحاولون منعه، بل ويفند ادعاءاتهم ويتهكم على فهمهم، ثم لما دار الزمان دورته، وتقلد المنصب، واشرأبت إليه الأعناق، انضم لمعسكر المحاربين لختان الإناث، وأتى بافتراءات لم يسبقه إليها أحد، بل وتجرأ على النيل من نساء آل البيت الأطهار وبنات النبي ﷺ ، فسحقًا للمناصب التي تصد عن سبيل الله.
* قال د. علي جمعة: "ختان الإناث من العادات وليس من الشعائر، والدليل على ذلك خلو الكتاب الكريم والسنة المطهرة في صحيحها من هذه العادة، والنبي ﷺ لم يختن بناته أبدًا، كما لم يأمرنا بذلك؛ ولذلك فهي
стр. 178
عادة، وليست عبادة" (١) إن دعوى أن النبي ﷺ لم يختن بناته دعوى وقحة فاجرة، فيها تجرأ على الهاشميات العفيفات الطاهرات نساء آل البيت المصونات، ولا دليل عليها سوى الجهل بها، ومعلوم أن الجهل بالشيء ليس علمًا بضده، وعدم ذكرها في كتب التاريخ ليس نفيًا لوقوعها، وإلا فأين الكلام على ختان أبناء النبي ﷺ الذكور، وأبناء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ وهل يرضى د. علي جمعة أن يتكلم أحد عن بناته هو أمختتنات هُنَّ على مذهبه القديم الذي ترعرعن في ظله، أم غير مختتنات على زعمه الجديد؟
وقد كرر د. علي جمعة هذه الفرية في كتابه البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل ص١٠٢، وقد قال النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) (٢).
* وقد أفرد د. علي جمعة مقالة في جريدة الأهرام يبث فيها مزاعمه، جاء فيها: "تقرر عند علماء الحديث أنه لم يصح في ختان الإناث حديث، وأن كل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة لا تقوم بها حجة" (٣) مع أن رأي د. علي جمعة القديم كان يقول بصحة الحديث في ختان الإناث، وصحة حديث أم عطية وهو نص في ختان الإناث، فيقول د. علي جمعة: "ورد الختان في حديث أم عطية الأنصارية أنها قالت: مر رسول الله ﷺ بامرأة تختن، وهذه المرأة التي كانت تختن غير أم عطية الراوية، أم عطية الأنصارية تقول: إن النبي ﷺ مر بامرأة تختن تسمى أم عطية، أي أن الخاتنة كان اسمها أم عطية، فقال لها: (أشمي ولا
стр. 179
تنهكي، فإنه أحظى للزوج وأنضر للوجه) فهنا يوجد نص، وهذا النص وهذا الحديث روي بطرق كثيرة وهو حسن، وكل العلل التي أرادوا أن يخرجوها فيه ليست ثابتة وعلماء الحديث حكموا بحسنه" (١) ويقول د. علي جمعة بصريح العبارة: "إن إنكار وجود الختان في الأحاديث أمر مردود عليه، وليس على ما ينبغي، فقد وردت قضية الختان في الحديث عن عائشة قالت: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا) وعن عائشة قالت: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا) فورود الختان موجود في السنة، وقد فصل الفقهاء هذا الأمر تفصيلاً يزيل أي لبس عند الناس؛ فقد قال الشافعية: إن ختان الأنثى واجب، أما الحنفية والحنابلة فقالوا: إنه سنة، وللإمام أحمد فيه روايتان: الأولى: أنه سنة، والثانية: أنه واجب، أما الحنفية الذين قالوا بأنه سنة؛ فإنهم قالوا: إذا تركها أهل البلد جميعًا حوربوا عليها، وهذا الكلام نحن لا نتمسك به كثيرًا ولكنه وارد في الشرع ووارد في الفقه" (٢)!!! وهذا الكلام يرد كذلك على ما ادعاه على فقهاء الإسلام في مقالته المذكورة في الأهرام حيث قال: "عندما نُسأل عن وجوب أو سنية ختان الإناث، ونجيب بأن الفقهاء قالوا بأنها مكرمة، نعني أنهم نفوا عنها صفة الوجوب، ونفوا عنها صفة السنة، وبذلك فقد نفوا عنها صفة التشريع، وجعلوها من العادات، فإذا كانت العادات، فإن الأمر فيها مردود إلى الخبراء، وإلى
стр. 180
البيئة، وإلى النفع والضرر المحيط بها، ولما كان السقف المعرفي للطب القديم بعضه يقول: إنها لا تضر، ولا تنفع، وبضعه يقول: إن فيها شيئًا من النفع، فقد قال الفقهاء بناء على كلام الأطباء إنها مكرمة، ويفهم بعض الناس من نقلنا عن الفقهاء أنها مكرمة أنها مرغوب فيها، والأمر ليس كذلك، بل كلمة مكرمة هنا تكلم بها الفقهاء بناء على المعارف الطبية، وليس بناء على الشريعة الإسلامية"!!!
ثم انتقل د. علي جمعة للكلام على الطب فقال: "المعارف الطبية أخذت في التطور والرصد للحالات والبحث الدقيق حتى استقرت الآن على الضرر البليغ لختان الإناث فيما هو إجماع بين المتخصصين في هذا الشأن، والطبيب الذي يخالف هذا الإجماع، تراه غير متخصص فيه، وتراه يتكلم بطريقة غير علمية، وقد تتعلق بأمر آخر غير العلم من ثقافة سائدة أو ظن أن الشريعة تأمر به، فيكون متحرجًا أو غير ذلك" مع أنه كان يسمي ما يزعمونه من كلام للأطباء عن ضرر الختان دجلاً علميًا، فنرى له هذه الفتوى: "السؤال: السلام عليكم، هناك سؤال في موضوع الختان، هناك طبيب تكلم عن هذا الموضوع وبعض شيوخنا، قالوا في الجرائد: إن هذا الموضوع خطأ على البنات، فأنا أسألهم: هل والدتك لم تعمل هذا الموضوع؟ وأنا، وعندي بنت الآن أجريت لها عملية، فليس كل شيء يريده الغرب نأخذ به، فما رأيكم؟ الجواب: لقد قلنا: إن هناك ما يسمى بالدجل العلمي، والدجل العلمي يكون عندما يخلط ما بين الممارسة المخطئة وبين أداء الشيء، وعندما لا يفرق بين الدرجات الأربعة للختان، وعندما لا يفرق بين الأحكام