← Акыда

Акыда · id 37666

شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (128 стр.). Показаны 106–128 · переход к 111.

стр. 106

القسم المحرم القسم المحرم وهو: القسم بالله على أمر دنيوي كاذباً، وهذا القسم الممنوع لا يدخل فيه الشرك، وإنما هو قسم محرم. ودليل هذا القسم وأساسه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:٧٧]، وأيضاً ورو في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اليمين الفاجرة)، واليمين الفاجرة هذه غير الغموس، فالفاجرة: هي المنفقة للسلعة الممحقة للبركة، وهي كأن يقول: أقسم بالله أني اشتريتها بكذا، وهي نوع من أنوع الغموس، لكن على خلاف، اشتريتها بكذا ليبيع سلعته، أو هو يجعل الله عرضة ليمينه، كما في الطبراني بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم) وذكر منهم: من اتخذ الله جل وعلا سلعة أو اتخذ يمينه سلعة، فلا يبيع إلا بقسم ولا يشتري إلا بها، ولا يجلس إلا بقسم ولا يقوم إلا بها، فأصبح القسم سلعة في لسانه، فهذه أيضاً من اليمين الفاجرة. أما اليمين الغموس: فهي اليمين الكاذب فيها صاحبها على شيء مضى، وهذا تعريفها عند الجماهير. وسميت غموساً؛ لأن صاحبها لا كفارة له، وإنما يغمس في جهنم، وهذا خلافاً للشافعية، وذلك أنهم قالوا: لها كفارة، والجماهير قالوا: اليمين الغموس ليس لها كفارة، لكن الشافعية يرون أن لها كفارة بقياس الأولى. فالمقصود: أن اليمين الغموس يراه الجمهور يميناً مطلقاً، أي: أن يقسم بالله كذباً على شيء مضى، مثلاً: سرق رجل مالاً، فلما عاودوه وقالوا: أنت أخذت هذا المال، فأقسم بالله -وهو مستيقن أنه كاذب- أنه لم يأخذ هذا المال، فهذا اليمين عند جماهير أهل العلم يمين غموس ليس له كفارة، بل لا بد أن يغمس صاحبه في نار جهنم. وقال بعض العلماء -وهذا أدق-: اليمين الغموس ليس مطلقاً الذي يقسم صاحبه به كاذباً ليستقطع مال امرئ مسلم، واستدلوا على ذلك بحديث صحيح، وفيه أن النبي ﷺ بين اليمين الغموس بالذي يقسم به صاحبه ليقتطع مال امرئ مسلم زوراً، فيبقى اليمين الغموس هو أن يكون بينه وبين الآخر حق، فيقول صاحبه: هذا حقي، وهو يقول: لا، هو حقي، فيقول: تقسم بالله، فيقسم بالله متجرئاً ليأخذ منه هذا المال، فيأخذه منه ظلماً، فهذه هي اليمين الغموس. أما لو فعل شيئاً في الماضي وأقسم أنه لم يفعله -وهو يعلم أنه كاذب- فلا تدخل في اليمين الغموس، وهذا هو الراجح الصحيح، أي: أن الراجح هو: أن المطلق يحمل على المقيد، والجمهور يرون أن هذا فرد من أفراد العموم لا يخصصه. وعلى كل فالمسألة خلافية، إما على الإطلاق أو التقييد، ونحن لا نقول هذا التفصيل للعوام، وإنما نقول لهم: من أقسم كاذباً في شيء مضى -وهو يعلم أنه كاذب- فهذا يمين غموس لا كفارة له. والحاصل: أنه يمين محرم، وهو اليمين الذي يتخذ الله فيه سلعة حتى يبيع ويشتري به، أو اليمين التي هي منفقة للسلعة ممحقة للبركة، أو التي يكون فيها صاحبها كاذباً على شيء مضى، وهو متأكد أنه كاذب فيه.

стр. 107

القسم الشركي القسم شركي وهو: القسم بغير الله جل في علاه، كأن يقسم ببشر أو بصنم أو بحجر أو بشجر أو بملك أو بنبي، فهذا القسم قسم شركي، وهذه هي التي حذر منها النبي ﷺ وحث الأمة أن يبتعدوا عنها بقوله ﵊: (من كان حالفاً فليحف بالله)، وهذا أمر يدل على الوجوب، أي: من أقسم بغير الله فقد وقع في الإثم؛ لأنه خالف النبي ﷺ ، بل يقع في الشرك لصريح قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وأيضاً لقول النبي ﷺ : (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله). فالمراد: أن هذا قسم شركي، ثم هل هو شرك أكبر أم أصغر؟ على تفصيل والأصح: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر؛ لأمور: أولاً: أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، ودلت القرائن بأن النبي ﷺ أراد بقوله: (فقد أشرك) أي: الشرك الأصغر؛ لأنه جعل له كفارة، والشرك الأكبر لا كفارة له، أما الشرك الأصغر فله كفارة، وهي ما في قول النبي ﷺ : (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا لله)، فجعل له كفارة، فهذه دلالة أولى. ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن الحلف فقال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ولم يبين ويفصل أن هذا شرك يخرج من الملة. أما إذا جاءنا الإيراد على أنه ذكر في حديث آخر الشرك، قلنا: قد فسره بذكر الكفارة أنه شرك أصغر. فالحاصل إذاًَ: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر، وهذا يعد اتفاقاً لأهل العلم من المتقدمين، لكن خالف الشوكاني كل أهل العلم وقال: إن الأصل فيه أنه شرك أكبر. ولو قلنا بقوله لكفر وخرج من الملة ثلاثة أرباع أهل الاسكندرية أو أكثر؛ لأن كل واحد منهم يقول في قسمه: بشرفي، بشرف امرأتي، بشرف أمي، بشرف كذا، أي: أن الشرف عندهم أغلى ما يقسمون به، فلو قلنا بقول الشوكاني فجل أهل مصر كفروا. والصحيح الراجح: أن القسم بغير الله شرك أصغر لا شركاً أكبر، لكنه يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب؛ لأن القاعدة عند العلماء تقول: كل معصية أو كل شرك أصغر يمكن أن يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب، وذلك أننا قلنا: القسم أصله وركنه التعظيم، فمن عظم غير الله تعظيمه لله فقد أشرك شركاً أكبر. إذاً: فيكون القسم شركاً أكبر إذا أقسم المرء بغير الله معظماً له كتعظيمه لله، أو معتقداً تعظيمه كتعظيم الله جل في علاه، وإن قال قائل: وكيف تعرف هذا؟ فأمر التعظم مضمر، فهلا شققت عن قلوبهم لتعرف وجود التعظيم من عدمه، فنقول: يمكن بالقرائن المحتفة أن يظهر الشرك الأكبر، وأن يظهر ما كان مستوراً بالقلب، فإن قال: كيف ذلك؟ قلنا: يأتي الرجل فيقف أمام القاضي فيقول له: أقسم بالله، فيقسم بالله كيفما شاء، مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، ثم يقول له القاضي: أقسم بالبدوي أنك لم تفعل ذلك، فماذا يحدث؟ يقول: لا، ويرتجف أمامه ولا يقسم بالبدوي، فهذه الحالة فيها دلالة وقرينة على أنه يخشى البدوي أشد من خشيته لله، ويلزم منه أنه يعظم البدوي أكثر وأعظم من تعظيمه لله جل في علاه. إذاً: فإذا عظم غير الله فقد أنزل غيره منزلته فيكون مشركاً شركاً أكبر.

стр. 108

أنواع القسم الشركي القسم الشركي نوعان: شركٌ أصغر، وهذا هو الأصل في القسم بغير الله، وقد يرتقي للشرك الأكبر بالتعظيم، أي: بفعل القلوب، وذلك إذا عظم مخلوقاً تعظيمه لله، فيكون حينها قد جعل لله نداً، فخرج من الملة ووقع في الشرك الأكبر.

стр. 109

حكم الكفارة على القسم الشركي بعد أن عرفنا أن الحلف بغير الله شرك أصغر، فهناك سؤال يسأله البعض وهو: من أقسم بغير الله، كأن يقسم بحياته، أو بشرفه، أو بمحمد ﷺ ، أو بجبريل، أو بملك، فهل له كفارة أم لا؟ نقول: أولاً: قسمه لا ينعقد، أي: إذا أقسم بغير الله فلا ينعقد يمينه ابتداءً، فإذا لم ينعقد يمينه فلا نلزمه بما أقسم به. ثانياً: إذا لم ينعقد يمينه فعليه كفارة، وهي أن يقول: لا إله إلا الله، وليست كفارة مادية، بل كفارة قولية، ولذلك يقول النبي ﷺ : (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، وقد سمع معاذاً يقسم بغير الله، يقسم باللات، فقال: (لا تقل ذلك، قل: لا إله إلا الله)، فهذه كفارة جعلها النبي ﷺ لمن أقسم بغير الله.

стр. 110

حكم الحلف بالطلاق لو قال قائل: علي الطلاق، فهل هذا قسم أم لا؟ الجواب كأنه قال: يلزمني الطلاق، فهذه صورة نذر، وأنزلوها منزلة اليمين؛ لأنه أتى بنتيجة اليمين، وذلك أن المقصود الأسمى من اليمين هو: الحض على الفعل أو الامتناع عنه، فلو قلت: والله لتأت، أو والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فالمفاد والمقصود الأعظم من اليمين هو: الحض على الفعل أو المنع، فلو فعل ما أقسمت على المنع منه فعليك أن تكفر عن يمينك، وإن كان قصده من قوله: يلزمني الطلاق، إن ذهبت لأمك مثلاً، أن يمنعها من أن تذهب إلى أمها، فإن كان المقصود الأسمى عنده هو المنع أو التهديد فينزل منزلة اليمين في هذه الصورة. أما إذا كان مقصوده: تهديدها لمنعها عن الذهاب، فالقسم إذاً يفيد ما أفاده النذر، كيف ذلك؟ مثلاً: لو قال لها: والله لن تذهبي إلى أمك، ولو ذهبت فأنت طالق، فنقول له: ما نيتك؟ إذا قال: نيتي في ذلك أن أمنعها أو أحضها على عدم الذهاب لا غير، فنقول: مقصودك إذاً اليمين، فحكمه حكم اليمين، وقلنا: إن التهديد مفاده أو نتيجته من اليمين لما في الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] وهذه الآية متعلقة بقصة زينب لما كان يأكل عندها العسل أو المغافير، فقالت: عائشة: أكلت مغافير، فقال النبي ﷺ لا آكل، أو قال: حرام علي، أو قال: يلزمني أن لا آكل، هذا يعتبر ماذا؟ يعتبر نذراً، وسماه الله في الآيات يميناً بالنية، أي: أن نية النبي ﷺ الحض على عدم الأكل لا تحريمه حقيقة، فنزل هذا منزلة اليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فنزله منزلة اليمين. فالحاصل: أن قوله (علي الطلاق)، الأصل فيها النذر، وتنزل منزلة اليمين بالنية، أي: بنية الحالف بها.

стр. 111

الاستثناء في اليمين عند وجود الاستثناء في اليمين لا تكون على المرء كفارة إن حنث، والاستثناء في اليمين أن يقول المقسم: إن شاء الله، بعد أن يقسم على شيء يفعله أو يمتنع عنه، فهذا معنى الاستثناء في اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فمن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، وحنث فلا كفارة عليه، وهذا لما جاء في الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر مرفوعاً للنبي ﷺ : (من حلف على شيء فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)، ومعنى: لا حنث عليه، أي: لا كفارة عليه، ولذلك قال ابن عباس: من قال: إن شاء الله فقد استثنى في اليمين، ومن استثنى في اليمين فلا كفارة عليه. وقال ابن مسعود بسند صحيح: من حلف على شيء فاستثنى فلا كفارة عليه، فمثلاً: لو قال محمد لزيد: يا زيد! تتغدى عندي غداً، فقال زيد: والله لأتغدين عندك غداً إن شاء الله، فجاء الغد فعرضت له مسألة عويصة ومهمة جداً فلم يذهب، فقال له محمد: عليك كفارة يمين، فقد أقسمت بالله أنك تتغدى عندي ولم تأت، فقال زيد: لا، أنا أفقه منك، فإني أعلم من ابن مسعود، بل وأرقى من ابن مسعود من الصادق المصدوق أن من قال: إن شاء الله على شيء وكان عازماً على الوفاء، وهذه هي التي تخرج صاحبها من قول النبي ﷺ : (آية المنافق ثلاث، ومنها: وإذا وعد أخلف)؛ لأنه وعد وهو عازم على أن يفي -وقال: إن شاء الله، فلم يف لمانع حقيقي فليس بمنافق ولا كفارة عليه. لكن إذا قلنا بهذا التأصيل -أي: بأن الاستثناء يمنع الكفارة وأن المرء لا يأثم بذلك إلا أن يبيت النية بالخلف- فـ ابن عباس قال: عندي تفصيل في هذه المسألة: وهو أنه يجب على من أراد الاستثناء أن يصله بالكلام. فلو قال: والله لأتزوجن هنداً إن شاء الله، فهذا يصح فيه الاستثناء، أما لو قال: والله لأتزوجن هنداً، وسآتي بالمهر آلافاً مؤلفة، وسآتي بأثاث البيت من كذا وكذا، وسآتي بالبناء ليبني كذا وكذا، ثم قال: إن شاء الله، فنقول له: قطعت الكلام، وإذا قطعت الكلام فلا يصح هذا الاستثناء كما قال ابن عباس: شرط أن يعمل الاستثناء عمله أن يكون متصلاً. والجمهور على أنه لا يشترط ذلك، وهذا هو الراجح والصحيح، أي: أنه حتى لو انقطع في الكلام ثم قال: إن شاء الله، بل لو تذكر وقال: إن شاء الله، فإن هذا يعمل عمل الاستثناء ولا كفارة عليه، بل ورد هذا عن ابن عباس عندما فسر قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، قال هو في الاستثناء، أي: إذا نسي في الكلام وتذكر الاستثناء فقال: إن شاء الله، إذاً: فمن أقسم على شيء فلم يفعله وقد استثنى بقوله: إن شاء الله، فلا كفارة عليه ولا حنث.

стр. 112

حكم الحلف بـ: (لعمري) إذا قلنا بأن القسم بغير الله لا يجوز، وأنه من الشرك بمكان، فكيف نجيب عن إشكال مشكل جداً، وهو: أنه قد أقسم الذي رفع راية التوحيد بهذا القسم، فقد قال ﷺ لرجل يسأله: (أكلت برقية رقيت أحدهم وأخذت قطيعاً من الغنم، آكل من هذا الغنم؟ فقال له النبي ﷺ : كل فلعمري)، فما معنى لعمري؟ أي: حياتي، قال له: (لعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق)، فهذا حلف بغير الله، فما الجواب؟ و الجواب أنه قد اختلف أهل العلم في ذلك، فبعض العلماء كإسحاق وغيره قالوا: لا يجوز أن تقسم وتقول: لعمر الله، وذلك تأدباً مع الله، فالله ليس له عمر، فحياته أبدية أزلية ، فقالوا: إن من سوء الأدب أن تقول: لعمر الله، قالوا: والأفحش منه أن يقول: لعمري؛ لأن هذا شرك. والصحيح الراجح -كما رجحه النووي وغيره-: أن هذا من كلام العرب ولا يدخل في القسم، فليس (لعمري) من القسم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قالها في أكثر من حالة، وقالتها عائشة وقالها غير واحد من الفقهاء، على أنها قد درج العرب عليها فأصبحت كاليمين اللغو، فلا تعتبر يميناً كقول القائل: والله لتأكل، والله لتجلس، والله لتشرب، فإن لم يجلس، ولم يأكل، ولم يشرب، فلا كفارة؛ لأن هذا لغو، كما قالت عائشة في تفسير اللغو: هو كقول الرجل: لا والله، نحو: لا والله لتأخذ، لا والله لتأكل، لا والله لتشرب، فالقسم بـ (لعمري) ينزل منزلة اللغو. إذاً فالراجح أن (لعمري) لغو، درج العرب على قولها فلم تنزل منزلة اليمين.

стр. 113

شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - تحريم اتخاذ القبور مساجد لقد جاء الدين الإسلامي بتوحيد الله والبراءة من الشرك بكل صوره ومظاهره، فحرم كل ما هو موصل إلى الشرك، ومن ذلك اتخاذ القبور مساجد، والصلاة عندها، واتخاذ السرج عليها، والعكوف عندها، فحرم كل ذلك، لأنه داعية إلى الشرك، وهو أيضاً من سنة اليهود والنصارى الذين أمرنا بمخالفتهم.

стр. 114

النهي عن اتخاذ القبور مساجد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد وصل المؤلف ﵀ في كتابه: (الدر النضيد) إلى القول: بتحريم اتخاذ القبور مساجد. قال ﵀: [ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)]. فـ (مساجد): مفعول به، وهو ممنوع من الصرف؛ لأنه جمع على صيغة مفاعل. وأيضاً قال النبي ﷺ : (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك). وأيضاً قال النبي ﷺ كما عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) وأيضاً احتج بقول النبي ﷺ (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) وقوله: (واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد). وأيضاً ذكر قصة الكنيسة من حديث عائشة أن أم سلمة ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة، فقال النبي ﷺ : (أولئك إذا مات فيهم الرجل، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله جل وعلا يوم القيامة).

стр. 115

سد الذرائع قاعدة من قواعد الشرع إن الشرع الحنيف فيه أصول وثوابت وقواعد كلية، والشرع الحنيف عندما يحرم شيئاً فإنه يحرم كل سبيل يصل إلى هذا الشيء، وإذا سد الشرع باباً سد كل وسيلة يصل بها المرء إلى هذا المحرم، ولذلك لما حرم الله جل في علاه الزنا حرم سبل، فحرم الكلام مع المرأة الأجنبية، وحرم لمسها، وحرم النظر إليها، فما حرم الله شيئاً إلا حرم كل الأسباب التي توصل إليه.

стр. 116

النهي عن الغلو ومن ذلك: أن النبي ﷺ لما جاء يحذر الأمم بأسرها من الشرك، ويسد باب الشرك ويحفظ جناب التوحيد، ويسد كل طريق يصل بالإنسان إلى الشرك، فإنه عندما سمع خطيباً يقول: ما شاء الله وشئت. قال له النبي ﷺ (بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله نداً؟ قل ما شاء الله ثم شئت) أي: ولا تقول: ما شاء الله وشئت، مع أن الله قد بين أن مشيئة العباد تبعاً لمشيئة الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. ولكن لما كانت اللفظة موهمة للتساوي قال النبي ﷺ : (بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله نداً؟)، حسماً لمادة الشرك، وسداً لكل طريق يصل بالإنسان إلى تعظيم مخلوق، ورفعه إلى مكانة تعظيم الله جل في علاه، ولو كان المخلوق هو رسول الله ﷺ . ولما دخل ﷺ على القوم فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا، أو أنت سيدنا وابن سيدنا. فقال لهم النبي ﷺ (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان)، أي: حتى لا تغلو. وكان يقول: (لا تطروني)، وهذا نهى عن الغلو في الدين فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وذلك سداً لباب الشرك، وسداً للذريعة. وأيضاً: سداً للذريعة فقد كان النبي ﷺ يمنع من اتخاذ القبور مساجد.

стр. 117

النهي عن التشبه بالكفار ولقد منع أيضاً من التشبه بالأمم التي اتخذت القبور مساجد، وعبدت الأولياء من دون الله جل في علاه، وهم اليهود والنصارى، ولذلك كثيراً ما كان يخالفهم رسول الله ﷺ ، حتى قال قائلهم: ما بال هذا الرجل لا يرانا على شيء إلا خالفنا فيه. وقد كانت سيرة النبي ﷺ واضحة جداً في أنه كان يتعمد ويقصد مخالفة اليهود والنصارى، فقد كان النبي ﷺ يقول (أسبغوا، فإن اليهود لا تسبغ) ويقول: (أسبغوا وخالفوا اليهود والنصارى). ويقول: (أوفوا اللحى، أو وفروا اللحى، وحفوا الشارب، وخالفوا اليهود والنصارى). وكان أيضاً يقول: (تسرولوا واتزروا، فإن اليهود تتزر ولا تتسرول). وهذا كله مخالفة لليهود والنصارى، وقال منكراً على الأمم المتأخرة التي تتشبه باليهود والنصارى، وتحذوا حذوهم: (والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة)، وفي رواية قال: (شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضباً لدخلتموه). وهذا إنكار منه عليهم هذا السير على نهج السابقين. وأيضاً لما مر النبي ﷺ بالمؤمنين على أقوام ينيطون أسيافهم على أشجار، -أي: يعلقونها بها ويتبركون بذلك- فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ قاطعاً لدابر التشبه بهؤلاء: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم مثل ما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة). وذلك حسماً لهذه المادة، ومنعاً للتشبه بهؤلاء، الذين كان فيهم أول الكفر والشرك أنهم عظموا أولياءهم وصالحيهم، وبنو على قبورهم المساجد، وجعلوا عليها السرج، وجعلوا الورود والزهور على هذه القبور، فعبدوهم من دون الله جل وعلا بعدما انطمس العلم.

стр. 118

براعة الاستهلال عند المؤلف وقد جاء المصنف ببراعة الاستهلال في الترتيب، فحسم المادة أولاً، وبين حكمها، ثم بين سد ذرائعها؛ لأن المرء إذا عظم القبر فإنه يعظم من في القبر، وإذا عظم من في القبر ارتقى به تعظيمه إلى أن يتجاوز به فوق منزلته البشرية، إلى أن يجعله في منزلة الخالق سبحانه جل في علاه. ولذلك نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن هذا). ومنع النبي ﷺ من الصلاة في المسجد الذي فيه قبر.

стр. 119

حكم زيارة القبور والكلام على هذه المسألة بإيجاز من وجهين: الوجه الأول: الزيارة، وكان الأصل في الزيارة الحرمة، ثم نسخ هذا الحكم، وأصبح الأصل في الزيارة الحل والإباحة، بل الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ قال: (فزوروها، فإنها تذكركم بالموت).

стр. 120

أنواع زيارة القبور والزيارة ثلاثة أنواع: زيارة مستحبة، وزيارة بدعية، وزيارة شركية.

стр. 121

الزيارة المستحبة فأما الزيارة المستحبة: فهي الزيارة المطلقة التي تذكرنا بالموت، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : (ألا فزورها، فإنها تذكر الموت). ففيها تدمع العين، ويرق القلب، ويتذكر الإنسان الآخرة، ويعلم أنه سينزل في هذا المحل، وأنه سيسأل عند ربه جل في علاه، فيجتهد في عبادة الله.

стр. 122

الزيارة البدعية وأما الزيارة البدعية فهي: التعبد لله إخلاصاً عند قبور الأولياء. أي: أن يزور القبر للدعاء أو للصلاة أو للصدقة هناك، فهذه الزيارة بدعية، وتعتبر وسيلة للشرك، أما كونها بدعية: فلأن العبادات توقيفية، وقد قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وأما كونها شركاً أصغر فلأنها وسيلة للشرك الأكبر، ونوع من المحادة لله ولرسوله.

стр. 123

الزيارة الشركية وأما الزيارة الشركية: فهي: زيارة القبور من أجل الاستغاثة بأصحابها ودعائهم، وذلك كما يحدث في زيارة البدوي الآن، فإنهم يحجون للبدوي، ويزورون قبره للطواف حوله، وسؤاله تفريج الحاجات والكربات، وإنزال الحاجات، وإغاثه المستغيثين. وأيضاً من الزيارة الشركية: زيارة الأولياء للذبح لهم، وهي من الشرك الأكبر. فلما منع النبي ﷺ البناء على القبور، أو بناء المساجد على القبور، منع أيضاً الوسيلة إلى هذا، فمنع الزيارة للقبور، ومنع الزيارة للمساجد التي فيها قبور، وذلك إن كانت من هذه الأنواع.

стр. 124

حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور المساجد التي فيها قبور لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون القبر خلف القبلة، أي: في خلف المسجد. الحالة الثانية: أن يكون القبر أمام القبلة.

стр. 125

حكم الصلاة في المسجد الذي في مؤخرته قبر الحالة الأولى: وهي: التي يكون فيها القبر خلف المصلين، حتى لو كان هناك جدار حاجز له، فاختلف العلماء فيها اختلافاً ضعيفاً. والصحيح الراجح في ذلك: أنه لا يجوز الصلاة في هذا المسجد؛ لعموم قول النبي ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك). ولو كان هناك تفصيل لفصله النبي ﷺ ، وترك التفصيل في مقام يحتاج إليه الناس دلالة على أن العموم هو المراد.

стр. 126

حكم الصلاة في المسجد الذي في قبلته قبر الحالة الثانية: وهي: أن يكون القبر أمام القبلة. فبالإجماع لا يجوز الصلاة؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تتخذ القبر سترة، ونهى عن اتخاذ القبور في المساجد، ونهى عن الصلاة إليها، فإن كان القبر أمام القبلة فهو يصلي إليه، فيحرم بالإجماع، ولا يجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر في قبلته، ولا يجوز دخول هذا المسجد إلا لحاجة أو ضرورة.

стр. 127

حكم إدخال القبور في المساجد فإن قال قائل: فماذا نفعل؟ أنهجر هذا المسجد وهو بيت الله؟ ونمنع الناس من الصلاة فيه؟ أم كيف نستفيد منه؟ فنقول: إن الاستفادة من هذا المسجد تتفرع عن أصل، وهو: معرفة الذي بني أولاً، المسجد أو القبر؟ فإن كان المسجد بني أولاً، ثم أدخل فيه القبر كما يحدث الآن في كثير من الأمصار، من أن باني المسجد إذا كان رجلاً طيباً صالحاً تقياً خيراً متصدقاً، فإن مات فإنه يدفن في المسجد الذي بناه. فالصحيح الراجح في هذه الحالة: أن ينبش القبر ويهدم وجوباً. ولكن بشرط إذن ولي الأمر، فإن لم يفعل بعد ما علم فحسابه على الله، وتبرأ ساحتنا بالتبيين فقط. إذاً: إذا ادخل القبر إلى المسجد وجب هدمه، ونبش القبر، وإخراج العظام، ووضعها في مقابر المسلمين، وتصح بعد ذلك الصلاة في هذا المسجد؛ لأن الأصل صحة الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا).

стр. 128

حكم بناء المساجد على القبور وإن بني المسجد على القبر، فيجب هدم المسجد، وإتلاف ماله، وإبقاء القبر. ومن الأدلة على ذلك: أن النبي ﷺ لما دخل المدينة واشترى أرضاً؛ ليبني عليها المسجد، فلما علم أن فيها قبوراً نبشها، ثم بنى المسجد؛ لأنه لو بناه على القبور لكان يجب عليه أن يهدم المسجد. وأيضاً من الأدلة على هدم المسجد إذا بني على القبر: أن بناء المسجد على القبر ليس من عمل المسلمين، وقد قال رسول الله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: فهو باطل. فلا بد أن يهدم لأنه ليس من عمل المسلمين بحال من الأحوال. والدليل على أنه ليس من عمل المسلمين قوله ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم). وأما الدليل العملي على ذلك: فعل النبي ﷺ عندما دخل المدينة فوجد قبوراً، فنبشها أولاً؛ حتى يبني المسجد. فإذاً: إذا بني المسجد أولاً نبش القبر، وإذا بني المسجد على القبر هدم المسجد، وإن كان فيه إتلاف مال المسجد، ولا نقول: إنه تعارضت مفسدتان، نرتكب الصغرى من أجل دفع الكبرى؛ لأن الهدم ليس فيه إلا إتلاف المال، وأما البناء فيكون فيه ضياع الدين، وفيه وسيلة للشرك بالله جل وعلا، وعبادة غير الله جل في علاه، وتعظيم غير الله جل في علاه، وتعظيم الأولياء، ودعائهم وعبادتهم من دون الله جل في علاه، وحفظ الدين مقدم على حفظ المال.