Полный текст (128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم التبرك بقبر النبي ﷺ
إن التبرك بقبر النبي ﷺ مسألة من المسائل المشكلة على العلماء وطلبة العلم؛ لأن كثيراً من كتب الفقه عند الحنابلة والشافعية تعج بهذا الكلام، لكن الحمد لله أن القاضي حسين وإمام الحرمين أنكروا ذلك إنكاراً شديداً، فالذين يرون جواز ذلك يقولون: إن القبر يُعتبر أثراً من آثار النبي ﷺ ، وأثر النبي ﷺ موجود فيه، فلهذا يجوز التبرك بقبره ﷺ .
نرد عليهم ونقول: هل كان القبر ثوباً لبسه النبي ﷺ قبل أن يموت؟
الجواب
لا، هل كان القبر شراباً يشربه النبي ﷺ قبل أن يموت؟ الجواب: لا، هل مج النبي ﷺ في قبره وبقي الماء على فوهة القبر حتى نتبرك به؟ الجواب: لا.
إذاً: القبر ليس أثراً من آثار النبي ﷺ حتى نتبرك به، فلا يجوز بحال من الأحوال التبرك بقبر النبي ﷺ ، بل هذا من الشرك بمكان.
стр. 72
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التمائم
جاء الإسلام يبين للناس أن الله هو النافع الضار، المعطي المانع، ونهى عن كل فعل يتنافى مع ذلك، ومن الأفعال والاعتقادات التي تنافي ذلك وتعد من أفعال الجاهلية: تعليق التمائم، فبين الإسلام أنها شرك مع الله تعالى، ومن يكون شركاً أكبر أو أصغر، لذا فليحذر المسلم من هذه الاعتقادات الباطلة.
стр. 73
التمائم والمعوذات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم كتاب (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) للإمام الشوكاني رحمه الله تعالى.
стр. 74
تعريف التميمة
التميمة لغة هي: التعويذة أو التحويطة كما يقول العوام، وتعلق في الرقبة أو في العضد أو في الكعب أو في المعصم، وهم يستخدمونها -سواء اعتقدوا أو لم يعتقدوا- لدفع الضر أو العين، أو لاستجلاب الخير.
стр. 75
حكم التميمة
التميمة من أفعال الجاهلية، وهي شرك، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (من تعلق تميمة فقد أشرك).
وأيضاً: قال ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فالحديث الأول متكلم في إسناده، والحديث الثاني صحيح.
وأيضاً: حديث عمران بن حصين كما في مسند أحمد وغيره أن النبي ﷺ رأى رجلاً عليه حلقة من صفر في يديه، فقال: (ما هذه؟ قال: من الواهنة).
أي: أنني أستشفي بها، (فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً، وقال: لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً).
و (أبداً) تدل على التأبيد، ويدل على أنها شرك أكبر ليس شركاً أصغر.
وأيضاً: قول النبي ﷺ في حديث رويفع: (يا رويفع! ستطول بك الحياة)، والشاهد من الحديث أنه قال له: (فمن تقلد وتراً فأنبئه -قال: أو أبلغه- أني منه بريء) فقد تبرأ النبي ﷺ منه، ولا يتبرأ النبي ﷺ إلا من صاحب الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر.
وأيضاً قوله ﷺ : (فمن تعلق ودعة فلا أودع الله له، أو فلا ودع الله له)، أي: ما ودعه الله جل وعلا وما جعله في سرور (ومن تعلق تميمة فلا أتم الله له) أي: من تعلق هذه التميمة لا أتم الله له خيراً لا دنيا ولا آخرة.
فهذه الأدلة كلها تبين لنا حكم التمائم، وأن التميمة لا تجوز، وأنها من الشرك بمكان، لقول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
فسماها شركاً ونحن سنسميها كما سماها النبي ﷺ .
стр. 76
حكم من تعلق تميمة
القول في حكمه على التفصيل: القسم الأول: من تعلق تميمة واعتقد أن لها التأثير المطلق، وأنها تنفع وتضر من دون الله جل في علاه، فقد كفر كفراً أكبر، وهو الشرك المراد به في قول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
أي: شرك أكبر، ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها: القاعدة: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر وأشرك؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق؛ فهو مكذب لله القائل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
وهو بلسان حاله يقول: كأن الله له سمي يؤثر في الكون بدون الله جل في علاة.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
وهو قد جعل كفؤاً لله يؤثر تأثيره، أو يفعل كفعل الله جل في علاه.
وهو مكذب لله جل في علاه القائل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].
وهم ينفون ذلك ويرون أن هذه التمائم تؤثر من دون الله جل في علاه، وكأنها تشارك الله في الكون، وقد قال النبي ﷺ كما عند الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله -جل في علاه- لك)، وهو كذب بذلك، وضرب بكلام الله ورسوله عرض الحائط.
القسم الثاني: شرك أصغر: وهو الذي يعتقد اعتقاداً صحيحاً سديداً في أن الله هو الخالق للكون، وأن الله هو القادر على كل شيء، ولا أحد يشاركه في هذه القدرة، فهذا اعتقاد سديد، لكنه قد اتخذ التميمة سبباً لدفع العين والحسد، وذلك كما يفعل بعض الناس في ذبح الذبائح لدفع العين ودفع الحسد، وهذا النوع من الذبح ممنوع لا يجوز.
فصاحب التميمة اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، فنزل تحت قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] وقال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالتشريع والأسباب والمسببات كلها في يد الله جل في علاه، فإذا شرع الإنسان سبباً لم يشرعه الله فكأنه أشرك بقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فهذا من الأثر.
وأما من النظر: فلأن الشرك الأصغر ذريعة إلى الشرك الأكبر، وهذه قاعدة قعدها علماؤنا فقالوا: إن كل عمل يصل بالإنسان إلى الشرك الأكبر فهو شرك أصغر.
فلو وضع المرء الحظاظة أو الحذوة لدفع العين، وقدر الله أنه دفع العين، ففي المرة الأولى سيقول: هي سبب، لكن في المرات الأخرى إذا أراد الله أن يختبره، بحيث أنه كلما وضع الحذوة دفع العين، وكلما أنزلها أصيب بالعين، فإنه سيعتقد في الحذوة ويقول: هي التي تؤثر، وهي التي تدفع العين، فصارت عند ذلك ذريعة للشرك الأكبر.
فالتمائم كثيرة جداً، وهي من أفعال الجاهلية، وقد استقاها أهل الحضر الآن، وأخذوا نفس أفعال الجاهلية؛ لكن سموها بغير اسمها، ومن هذه التعويذات أو التمائم التي تعد من أفعال الجاهلية: العقر، وهو: خيط ملون تربطه المرأة في وسطها.
وسبب ذلك نقول: إن المرأة لا ترضى أن تكون امرأة أخرى زوجة لزوجها، فهذه من الأنانية، بحيث أنها ترى أختها تزني فتتركها تزني، ولا تريد أن زوجها يعفها إن كان قادراً، فهذه امرأة كانت مدرسة للقرآن ومتقنة للأسانيد والقراءات، فجاء زوجها فقال: التعدد سنة، والأصل في النكاح التعدد، وقد رزقني الله القوة البدنية والقوة المادية، ولن أترك امرأة أرملة تنظر للغير أو للحرام، فأريد أن أعفها، فلما تزوجها ماذا حدث من الداعية القرآنية صاحبة الأسانيد؟! ذهبت إلى العمارة التي يسكن فيها زوجها مع الزوجة الثانية، فجاءت بأوراق صغيرة، وكتبت فلانة بنت فلان الغشاشة الخداعة على كل بيت في هذه العمارة؛ لتفضح المرأة الثانية، فامرأة مثل هذه انظروا ماذا فعلت؟! أما غيرها ماذا ستفعل؟ ستذهب إلى أهل الجاهلية وتقول: لا بد أن يطلقها، وربما قد تذهب إلى الساحرة فتقول لها عليها من الله ما تستحق: نجعلها لا تنجب.
قالت: قد أنجبت له الولد والذكر والأنثى.
قالت: فماذا نفعل؟ فالمرأة قد نظرنا في عائلتها فرأيناها خصبة، وممكن أن تنجب، قالت: خذي هذه العقيرة حتى لا تنجب، فأخذتها، وهذا كثير في العوام، وأنا لا أتكلم عن الخيالات في غرار الوسط الملتزم، ولذا كانوا في الجاهلية يعتقدون أنه إذا ربطتها في وسطها دون أن تشعر المرأة الثانية -أي: الضرة- على أنه يمنع الحبل، وتسمى عند أهل الجاهلية بالعقر أي: تجعلها عاقراً، فهذه حالة من الحالات التي يستخدمها أهل الجاهلية ويعتقدون فيها اعتقاداً تاماً.
أيضاً: كعب الأرنب، فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون فيه، فإذا وضع على صدر الولد أو وضع على البيت فإنه يدفع العين والحسد، ولا يمكن أن يكون معيوناً ولا يحسد هذا المرء الذي علق كعب الأرنب.
كذلك: ناب الضبع، فكانوا يرون أن نابه أيضاً يدفع العين.
أيضاً: يعتقدون في الصدف الذي يسمى الودع، فيرون أن الودع يستجلب الحظ، ولذلك النبي ﷺ قال: (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) وسياق الحديث لغة يصح خبراً ويصح إنشاء، فيصح خبراً، أي: يخبر الله أن من تعلق ودعة فإن الله لا يجعله يعيش في سرور ولا دعة، ويصح أيضاً، وكأن النبي ﷺ يدعو عليه ويقول: من تعلق ودعة اللهم لا تجعله يعيش في دعة ولا في سرور، والاثنان سواء، لأنه لو كان خبراً فقد أوقعه الله كوناً، ولو كان شرعاً فإن دعاء النبي مستجاب لا يرد.
فهم يعتقدون في الودع أنه يدفع العين ويستجلب الحظ، وأهل الجاهلية المعاصرة اليوم يعتقدون ذلك في المعصم، وكان في الجاهلية اسمه: الواهمة، لكن الآن غيروا المسميات وسموها حظاظة، وهي التي تأتي لهم بالحظ.
وأيضاً: انتشر كثيراً جداً تعليق حذاء الحصان في البيوت، وكذلك: (أبو كف) كما يقولون: (خمسة وخميسة)، فتراها معلقة على رأس الطفل، وفي رقبة الطفلة، وفي السيارة، وبجانبها عين، وكأنه يعتقد أن (الخمسة والخميسة) سترد العين الحسود.
وأيضاً: الخرز الزرقاء، وهي مشهورة جداً بين العوام.
وأيضاً: حذاء الطفل الصغير، وهذه أيضاً من التمائم أو التعاليق التي تستعمل في حاضرنا.
والخلاصة: أن هذه التمائم والتعاليق بأنواعها كلها شرك أكبر أو شرك أصغر، وبقي نوع واحد من أنواع التمائم والتعاليق، ألا وهو: التعاليق أو التمائم بكتاب الله جل في علاه، أو بالقرآن، وهذه مسألة مهمة جداً، فبعض الناس بعدما تحذره من التمائم الشركية يقول: أنا سأعمل بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (من تعلق شيئاً وكل إليه)، وأنا تعلقت بكتاب الله، وكتاب الله هو كلام الله، فإذاً الله لا يضيعني، فلما نظر بعض الفقهاء هذه النظرة جعل المسألة فيها نوع من الجواز ونوع من المنع.
стр. 77
حكم تعليق التمائم المكتوب فيها آيات وأذكار
النوع الأخير من التمائم وهي: التعاليق من كلام الله جل في علاه، من القرآن أو من الأحاديث النبوية أو من الأذكار التي علمها النبي ﷺ لأصحابه الكرام.
اختلف العلماء في هذا النوع من التعاليق على قولين: قال بعضهم: يجوز للإنسان أن يعلق المصحف حفظاً للسيارة، أو يأتي بتعليقة لأولاده فيها الأذكار، فيجعلها في الرقبة، أو يأتي للمرأة أو للطفلة الصغيرة فتعلق أوراق مكتوب فيها آيات قرآنية مثل آية الكرسي، أو تُعلق التعاليق في البيت، فتدخل البيت وتجد آية الكرسي معلقة على الحائط.
وهذه التعاليق قال بجوازها بعض العلماء، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، والذي يستدل بأن النبي ﷺ علمه كلمات: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر عباده وغضبه وعقابه)، فكان يتعلم هذه الكلمات ويقولها صباحاً ومساءً.
ويعلم أطفاله الصغار أن يذكروها، فإن كانوا من الصغر بمكان، ولم يستطيعوا أن يذكروها كتبها لهم في ورقة وعلقها على صدورهم حفظاً لهم.
قالوا: وهذا فعل لـ عبد الله بن عمرو بن العاص ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فأصبح إجماعاً سكوتياً.
أيضاً قالوا: إن عائشة الصديقة بنت الصديق فقيهة النساء، هذه المرأة التي عندها ثلث العلم قالت: يجوز للمرء أن يعلق ذلك ما دام البلاء قد نزل؛ لأن التعليق فيمن لم ينزل.
أيضاً ممن قال بالجواز أحمد بن حنبل، وقوله هذا ينفع كثيراً أصحاب المحلات الذين يعلقون التعاليق التي فيها آيات القرآن.
ودليل أحمد: حديث النبي ﷺ الذي في المسند: (من تعلق شيئاً وكل إليه) أي: تركه الله جل وعلا له، فيقول: أنا وكلت لكلام الله فقد وكلت إلى ذات الله جل في علاه، والحافظ هو الله جل في علاه، والنافع الضار هو الله جل في علاه.
ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهما من فحول أهل العلم.
القول الثاني: قول جماهير الصحابة وجماهير أهل السنة والجماعة، وهي رواية أيضاً عن أحمد قالوا: لا يجوز تعليق آيات القرآن، لا على الحائط، ولا على الصدور، ولا لدفع الحسد.
ودليلهم على ذلك عموم قول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، فجعل التمائم كلها شرك، وذلك بوجه العموم في الحديث، وهو دلالة على تحريم عموم التمائم، سواء من القرآن، أو من غير القرآن، فقد وصفها ووسمها الله بأنها من الشرك بمكان.
واستدلوا أيضاً بالنظر فقالوا: إباحة تعليق الآيات القرآنية من باب الوسائل التي تؤدي إلى الاعتقاد في القرآن أنه ينفع ويضر، وهو سبب شرعي.
والقرآن صفة من صفات الله، ولا يصح أن يقول الإنسان: أنها تنفع وتضر، ولا يصح للمرء أن يقول: يا رحمة الله! ارحميني، ولا أن يقول: يا كرم الله! أكرمني، يا رزق الله! ارزقني؛ لأن الرحمة والكرم والقدرة والعزة كل هذه صفات من صفات الله، وصفات الله لا تنفع ولا تضر، والذي ينفع ويضر هي ذات الله جل في علاه، الذات المقدسة، فمن اعتقد في القرآن أنه ينفع ويضر فقد اعتقد اعتقاداً شركياً.
والقاعدة تنص على أنه لا يصح أن يعتقد في صفة من الصفات ما لا يعتقد إلا في ذات الله جل في علاه.
فإذاً: نقول: تعليق القرآن مع اختبار الله في وجود الشفاء هذه وسيلة إلى أن يعتقد في القرآن أنه ينفع ويضر بذاته، وهذا اعتقاد شركي، وهو وسيلة للشرك الأكبر.
والراجح من القولين هو قول الجمهور، ولا يصح البتة ما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، ولا يصح تعليق الآيات القرآنية، لا على الحائط، ولا على السيارة، ولا على رقبة الطفل، ولا على رقبة المرأة، ولا على باب البيت.
ولذا فلا يجوز بحال من الأحوال تعليق آيات القرآن، والأدلة على ذلك كثيرة منها -كما قلت سابقاً- عموم قول النبي ﷺ : (إن التمائم شرك)، أي: كل التمائم شرك.
أيضاً: أن تعليق القرآن تؤدي إلى مفاسد تأباها الشريعة، منها: أنك لو علقت آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية على رقبة الطفل، ثم دخل الخلاء أو دخل الحمام، فإنه سيمتهن كلام الله جل في علاه، ويدخل تحت ذلك الخاتم أو السلسلة المكتوب عليها آيات الله، وهذا بالإجماع ممنوع شرعاً.
ومن المفاسد أيضاً: أنك لو علقت هذه التمائم، أو علقت المصحف على السيارة كما يفعل كثير من الإخوة، فيأخذ المصحف الصغير ويعلقه ويقول: أنا أتبرك بكلام الله، والتبرك بكلام الله صحيح، فيصبح المصحف بعد ذلك لا للتلاوة، ولكن لدفع العين وللزينة، ودور القرآن في الحياة الذي هو التلاوة والتدبر قد مُنع بسبب هذه التعاليق، فهذه مفاسد ترجح القول الثاني.
ونرد على المخالف وهم أصحاب القول الأول، فنقول: بالنسبة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص فإن سنده مختلف فيه، وعلى هذا فلا حجة لـ شيخ الإسلام بهذا الحديث.
وأما قول عائشة فهو اجتهاد منها، وهو اجتهاد مصادم لقول النبي ﷺ : (إن التمائم شرك).
ونقول لـ عائشة: ما قلنا للشافعي وما قلنا لـ أبى حنيفة، وما قلنا لـ مالك، وما قال بعضهم لبعض، من أنه لا اجتهاد مع النص.
فالاجتهاد هذا اجتهاد فاسد لا يصح العمل به؛ لورود النص بالمنع، قال ابن عبد البر: لا حجة لأحد مع رسول الله ﷺ ، وفي ذلك: تعارض حظر مع المبيح، والقاعدة عند المحدثين أن يقدم الحظر على المبيح للاحتياط في العبادات؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف.
ونخلص من ذلك: أن التمائم كلها حرام وكلها شرك، منها ما هو من الشرك الأكبر، ومنها ما هو من الشرك الأصغر.
لكن لزم علينا كطلبة علم إذا أغلقنا على الناس باباً أن نفتح لهم باباً آخر تأسياً بالنبي ﷺ ، فهو عندما أغلق الباب على بلال لما جاءه بالتمر الجنيب قال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: أوه عين الربا، لا تفعل، فأغلق عليه الباب، ثم بعد أن أغلق عليه الباب أسقط في يد بلال.
ثم قال له: (بع الجمع الرديء بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً) فنقول: أغلقنا هذا الباب من دفع الضر والعين والحسد، إذاً: فما الباب الذي سنفتحه لهؤلاء؟ نقول: هذه الأبواب هي الأسباب الشرعية التي شرعها الله، فلك أن تدفع العين بأسباب شرعية، وللإجمال دون التفصيل أقول: الأسباب للاستشفاء ودفع العين، وطلب النفع، ودفع الضر سببان: سبب شرعي، وسبب قدري، إذ أننا دائماً ندور مع شرعنا حول القدر وحول الشرع.
فأما السبب القدري: فهو السبب المجرب، وذلك كالعملية الجراحية، وهو الذي خلقه الله فجربته أنت فعلمت أنه دواء ناجعاً لهذا المرض، فلك أن تقول: استشف لهذا المرض، أي: خذ سبباً للشفاء.
وأما السبب الشرعي في الاستشفاء، كدفع الضر وجلب النفع فهو نوعان: سبب شرعي حسي، وسبب شرعي معنوي.
فأما المعنوي: فهو طلب الرقية بالاستشفاء بالقرآن، كأن يقرأ عليك، أو تقول الأذكار التي وردت عن النبي ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، وقال النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص: (ضع يدك على الذي تتألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثاً، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) سبع مرات.
أيضاً: أن تأخذ بريقك وتضرب على الأرض وتقول: (باسم الله تربة أرضنا وبريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا).
وأيضاً: تضع يدك على فمك وتقرأ المعوذات وتنفث ثم تمسح على كل جسدك، فهذا هو السبب الشرعي المعنوي.
وأما السبب الشرعي الحسي فهو: ما أنزله الله جل في علاه، وبين شرعاً أنه من الشفاء بمكان، كحبة البركة.
ومن الأسباب الشرعية كذلك: العسل، فقد جاء في الصحيح أو صح عن نبينا أن رجلاً جاء يشكو إلى رسول الله ﷺ أن أخاه يشتكي بطنه، فقال له النبي ﷺ : (اسقه عسلاً) فجاء في المرة الثانية فقال: ازداد الوجع عليه، فقال له النبي ﷺ : (اسقه عسلاً) فازداد الوجع مضاعفاً على الرجل، فقال: يا رسول الله! قلت: اسقيه عسلاً واشتد الوجع بأخي، قال: (اسقه عسلاً) انظروا إلى اليقين بالله، اللهم ارزقنا هذا اليقين فيك يا رب العالمين! وكذلك من الأسباب الشرعية الحسية: الحجامة.
أيضاً: ماء زمزم، فقد قال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له).
فهذا على العموم، وعندنا دليل خاص بالاستشفاء، قال النبي ﷺ : (ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم).
فإذا أغلقنا هذه الأبواب فلا بد أن نفتح لهم أبواباً أخرى، فإذا أراد أن يستشفي بالذات من العين فلا يعلق الآيات القرآنية، ولكن يقرأ القرآن، فيقرأ المعوذتين، فإن النبي ﷺ عندما أنزل الله عليه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]-أي: يقتلونك حسداً- حرسه الله وحفظه بالمعوذبتين، وكان دائماً ما يتعوذ بهما.
وقد ذكر ابن القيم أن رجلاً كان مشهوراً بالعين، وكان إذا نظر إلى الجمل أنزله القدر، وإذا نظر إلى الرجل أنزله القبر، واشتهرت عينه بذلك، فكان يستأجر، فجاء رجل حاسد لرجل آخر غنياً فقال له: لك أجرة كذا على أن تفعل، قال: ما أفعل؟ قال: أن تحسد أبقار هذا الرجل، قال: ائتني بهذه الأبقار، قال: ستمر الآن، فأخذه على مشرفة عالية، فقال: اجلس حتى تمر، فمروا بأبقارهم، فقال له: الآن، قال: وما ذاك؟ قال: الآن تنظر تعين البقر، فالبقر يمر، قال: لا أرى بقراً، قال: هناك، قال: أين؟ فالرجل اجتهد حتى بين له المكان
стр. 78
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - الرقية الشرعية
أخبر النبي ﷺ أنه ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ومن هذه الأدوية: الرقية الشرعية، فإنه يستشفى بها من كثير من الأمراض، وقد تناول العلماء موضوع الرقية بالبحث والاهتمام، وأولوه كل عناية، فأوضحوا مفهوم الرقية المباحة من المحرمة، وبينوا شروط الرقية المباحة، من المسائل المتعلقة بهذا الباب.
стр. 79
تعريف الرقية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الرقية لغة: استرقى، أي: طلب الرقية إذا استشفى، أي: طلب الشفاء، وهي تعويذة أو عوذة يستشفي بها صاحبها من الآفات، كلدغ العقرب والحية مثلاً، أو كالحمى أو كالعين.
وشرعاً: العوذة أو ما يتعوذ به المرء طلباً للشفاء من الآفات بما شرع من آيات الله، أو أحاديث النبي ﷺ ، أو أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
стр. 80
التداوي بالرقية
والرقية دواء أنزله الله للأدواء؛ لأن النبي ﷺ قال: (تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) ومن الدواء الذي يكون شفاءً من كل داء أو من كثير من الأدواء: الرقية الشرعية، وأكثر ما تكون من العين، كما قال الله تعالى: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، أي: يحسدونك، وأنزل الله لنبيه الرقية من الحسد فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥] وأيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، نزلت في الرقية من العين.
والنبي ﷺ لما رأى امرأة في وجهها سعفة قال: (استرقوا لها)، أي: اطلبوا لها الرقية، فأمر أن ترقى أو يسترقى لها.
وعن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ في مرض موته كان يرقي نفسه، فكان يأخذ بيديه وينفث -والنفث له حالات: نفث قبل أو وسط أو بعد- ويقرأ: بقل هو الله أحد والمعوذات، ويمسح على جسده.
والرقية تكون من العين أو الحمى أو من اللدغ، كلدع العقرب أو الحية، وقد جاء في السنن عن أبي سعيد الخدري أنه كان مع بعض الصحابة فأتوا على قوم فطلبوا القرى -والقرى هي: الضيافة، أو كرم الضيافة- فلم يقروهم، فلدغ سيدهم، فقالوا: هل عندكم من راق، أو عندكم رقية؟ فقال الرجل: والله أنا أرقي، ولا أرقي حتى تضربوا لنا بسهم.
فضربوا لهم بسهم، أي: بقطيع من الغنم، فقرأ الفاتحة ورقاه.
وجاء في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وذلك من حديث عمران بن حصين أنه لا رقية إلا من عين أو من حمى.
إذاً: فالرقية هذه مشروعة، وقد بينها النبي ﷺ ، وكان أهل الجاهلية أيضاً يرقون، وكانوا يرقون بما هو غث وسمين، ويرقون بما هو شرك وتوحيد.
стр. 81
الرقية من العين
جاء في العين حديث: سهيل بن حنيف وعمرو بن ربيعة، وذلك أن سهيل بن حنيف كان رجلاً أبيض الجلد، فخلع ثيابه ليغتسل، فنظر إليه عمرو -يمكن لكل صالح أن يحسد، فإن علم من نفسه أنه سينظر بالحسد فلا بد أن يكبر أو يبرك، فيقول: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله- فقال: ما رأيت مثل هذا الجلد، وكأنه جلد مخبئة، -والمخبئة هي: العذراء في خدرها- فخر صريعاً في وقتها، أي: وقع وما كانت له قائمة، وأصبح نحيفاً نحيلاً، وكاد أن يموت، فغضب النبي ﷺ وقال: (علام يقتل أحدكم صاحبه؟ هلا إذا رأيت ذلك قلت: كذا وكذ)، وعلمه أن يقول: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، ثم بين له الرقية الشرعية في ذلك.
فالرقية كانت معلومة في أهل الجاهلية، وهي أيضا معلومة في أهل الإسلام، وقد جاء الإسلام بتهذيبها، فأقر بعضها وأنكر بعضها.
стр. 82
حكم الرقية
وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: إن الأصل فيها المنع والحرمة، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله في الصحيح: (نهى النبي ﷺ عن الرقى) وأصل النهي للتحريم.
واستدلوا أيضاً بحديث عائشة ﵂ وأرضاها إنها قالت: رخص رسول الله ﷺ في الرقى.
قالوا: والترخيص لا يكون إلا بعد المنع.
فهذه دلالة واضحة على أن الأصل في الرقى المنع.
القول الثاني: الأصل في الرقى الإباحة، إلا ما دل الدليل على منعه، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن حزم، قال: إن أناساً جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! أنهيت عن الرقى؟ فقال: (اعرضوا علي رقاكم، فلا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)، فإذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه -ووجه الشاهد هو: قوله ﷺ : (ما لم تكن شركاً) ووجه الدلالة: كأنه يقول: الأصل في الرقى أنها صحيحة، ولكن إعرض علي حتى أنقي لك ما لم يكن شركاً.
إذاً: ففي المسألة قولان، أرجحهما القول الأول، وهو: أن الأصل في الرقى المنع لا الإباحة، والحديث الأول ظاهر في أنه رخص، والحديث الثاني: نهى النبي ﷺ نهى عن الرقي.
فلو كانت على الإباحة لما أشترط فيها شروطاً؛ لأن العلماء أجمعوا على أنه لابد أن تجتمع شروط في الرقى حتى تكون مباحة، ولو كانت مباحة فإنها لا تقيد بقيود فالصحيح: أنها على المنع؛ لنهي النبي ﷺ عنها، وأيضا لقوله: رخص في الرقى، والترخص يأتي بعد المنع؛ وهناك المستثنيات من المنع، وهي: الرقى بكلام الله، أو الرقى بأسماء الله وصفاته وأفعاله، أو الرقى بآثار النبي ﷺ ، فكل هذه مستثناه.
стр. 83
أنواع الرقية
стр. 84
الرقية المباحة وصورها
الرقية لها أشكال وصور وأنواع كثيرة جداً، ومنها: أن تكون بتلاوة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، والنبي ﷺ حين رقاه جبريل رقاه بآيات الله، والنبي ﷺ رقى وأمر بالرقية، وكانت عائشة تفعل ذلك، وأيضاً فإن النبي ﷺ في مرض موته كان ينفث ويقرأ؛ والنفث يكون في الأول أو في الوسط أو في النهاية، والدليل على ذلك جاءتنا حديث عائشة أنها قالت: نفث رسول الله فقرأ -والفاء للتعقيب، أي: أنه نفث أولا ثم قرأ، والتعقيب يدل على التلازم-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وكان يمسح على جسده، فلما ثقل عليه المرض كنت أنفث في يده وأقرأ، وآخذ بيده فأمسح بها على جسده، ابتغاء بركة يد النبي ﷺ .
وقد علمنا النبي ﷺ هذه الرقية صباحا ومساء.
ومن ذلك: الرقية بما جاء عن النبي ﷺ ، فقد كان النبي ﷺ يرقي بالريق، فيأخذ ريقه على أصبعه ويضعه في التراب، ويقول: بسم الله تربت أرضنا، بريق بعضنا يشفى سقيمنا، بإذن ربنا بإذن ربنا، فالأصل فيها بإذن ربنا.
وأيضاً بين الرسول ﷺ بأن تضع يدك على مكان الألم والوجع وتقول: (بسم الله بسم الله بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر)، فتقول: بسم الله ثلاث مرات، والاستعاذة سبع مرات.
وأيضاً من هذه الرقى: أن تدخل على المريض وتقرأ عليه الفاتحة، وتتفث في يدك وتمسح في كل جسده، أو في موضع الألم، وذلك كما فعل أبو سعيد وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم عندما رقوا اللديغ، قال الراوي: فبصق وقرأ الفاتحة، ووضع يده على موضع السم، فكأن الرجل قد نشط من عقال.
أي: برئ في وقتها بعدما رقاه بالفاتحة.
وأيضا من الرقى التي علمنا إياها النبي ﷺ : أن تدخل على المريض فتقول: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات، كما ورد ذلك في الصحيح: (أنه ما دخل أحد على مريض لم يحتضر، -أي: لم يحضره الموت وتحضره الملائكة- فقال: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات، إلا شفاه الله جل في علاه) وأيضاً من الرقى المأثورة عن النبي ﷺ : أنه كان يضع يده على المريض ويدعو له فيقول: (اللهم رب الناس أذهب البأس، إشفي أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً).
стр. 85
شروط الرقية الشرعية المباحة
فهذه دلالة على أن كل هذه الآثار تدل على الترخيص في الرقى بقيد أو بشرط: أن تكون من الكتاب أو السنة، ولذلك قال ابن حجر: أجمع أهل العلم - وهذا الإجماع نقله النووي أيضاً - أن الرقى تصح بشروط وقيود ثلاثة: أولاً: ألا تكون شركاً.
أي: لا يكون فيها الشرك، فلا تكون بأسماء الجن ولا الشياطين.
ثانياً: أن تكون بأسماء الله الحسنى أوصفاته العلى، أو بأفعال الله جل في علاه، بأثار النبي ﷺ .
ثالثاً: وهي مهمة جداً: أن تكون بلسان عربي مبين.
فهذه صور الرقى المباحة؛ لأن الرقى قسمان: قسم مباح، وقسم محرم.
فأما القسم المباح فقد ذكرنا صوره، وقد قيده العلماء بثلاثة، وهذه القيود تدل على الرخصة.
ولا يصح التوسل بالأخبار؛ لأن الرقى توسل ودعاء وطلب للاستشفاء، وطلب الشفاء من الله جل في علاه يكون بصفات الله وأسمائه وأفعاله، ولا يكون بالأخبار.
стр. 86
الرقية المحرمة
الرقى المحرمة على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر.
النوع الأول: شرك أكبر، وصورها: الرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والمرسلين، والرقى بأسماء المقبورين، وهذا كثير في الصوفية، فإنهم يرقون باسم الولي فلان، مثل: عبد القادر الجيلاني أو بـ العباس أو زينب أو الحسين، أو باسم الجن، أو باسم الشياطين، أو باسم الأصنام، مثل: اللات والعزى، أو الرقى بكل ملك مقرب أو نبي مرسل، أو بكل صنم أو حجر أو شجر، فهذه رقى شركية، تخرج صاحبها من الملة.
النوع الثاني: شرك أصغر: وذلك عندما تفقد الرقى المباحة شرطاً من شروطها الثلاثة فتصبح شركاً أصغر، كما لو رقى بلسان غير عربي مبين، كالفارسية أو الإنجليزية أو الفرنسية، أو بأي لغة غير العربية، أو بالعربية ومعها لغة أخرى، فإن هذا يكون شركاً أصغر كما قال الخطابي: هذا النوع من الرقى شرك أصغر؛ لأنه وسيلة للشرك الأكبر؛ ولأنه لا توجد رقية بلغة غير اللغة العربية إلا ويمكن أن يقع فيها من الشرك ما لم يعلمه أحد؛ لأننا غير متيقنين أنه لا يستعين بالملائكة أو بالجن أو بغير ذلك، ولذا فما دامت الرقى فيها كلام غير معلوم عربيا فنحن نقول: إنها وسيلة لأن يقع صاحبها في الشرك، فمنعناها لأجل ذلك، وهذا من باب: أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
стр. 87
مسألة: الاسترقاء ينافي التوكل أو لا ينافيه، وأدلة الفقهاء في ذلك
اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول جمهور الحنابلة، وهو ترجيح النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية والقاضي عياض من المالكية، قالوا: هو قادح في كمال التوكل.
واستدلوا على ذلك من الأثر والنظر: فأما من الأثر: فاستدلوا بقول النبي ﷺ : (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، ثم تركهم ودخل، فخاضوا في صفة هؤلاء، فقال بعضهم: هم الذين ولدوا في الإسلام، وأدلى كل منهم بدلوه، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: (هم الذين لا يسترقون، وفي رواية: لا يرقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) والحديث له روايتان: الرواية الأولى: لا يسترقون.
الرواية الثانية: لا يرقون.
ورواية: (لا يرقون) رواية شاذة لا تصح، ومن أولها قال: لا تكون برقى شركية، وهذا كلام مخالف للظاهر لا يصح، فإن قال: لا يصح لنا أن نوهم الراوي، نقول: بل وهم الراوي؛ لأنه أتى بلفظة غير متفق عليها، والرواية المتفق عليها: (لا يسترقون) فرواية: (لا يرقون) شاذة ضعيفة لا يؤخذ بها، والصحيح الراجح: هي رواية: (لا يسترقون) لأن النبي ﷺ قد رقاه جبريل، وقد رقى النبي ﷺ وأمر بالرقية، وذلك بقوله: (استرقوا لها، فإن بها سفعة في وجهها، فقال أصحاب هذا القول: إن الصفة التي جعلتهم من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة: أنهم على ربهم يتوكلون، وهذا التوكل تمامه بخصال ثلاثة: أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، فقال: لا يسترقون) فمن استرقى فقد نافى التوكل، وتكون الرقى قادحة في كمال التوكل.
واستدلوا على ذلك أيضاً بدليل أصرح من هذا الدليل، ألا وهو: جاء في مسند أحمد بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من اكتوى - لأن الكي مكروه في شرعنا - أو استرقى فقد برئ من التوكل) وهذا صريح بأن من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل.
وأما دليلهم من النظر فقالوا: إن المرء إذا استرقى فرقاه الراقي فقدر الله له الشفاء، فإن قلبه سيميل للراقي، فيكون في قلبه نوع ميل لغير الله جل في علاه، وهذا يقدح في كمال التوكل، لا سيما إذا تكرر هذا الأمر، وتكررت الرقية وتكرر الشفاء.
القول الثاني: قول كثير من المالكية، ورجحه القرطبي وابن جرير الطبري فقالوا: الرقى ليست قادحة في التوكل.
واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: حديث عائشة ﵂ وأرضاها: رخص النبي ﷺ في الرقى، وهذا على العموم.
الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا) ولو كانت قادحة لبينها النبي ﷺ .
وأيضاً قالوا: هي بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهذه يكون فيها تمام التوكل؛ لأنها بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
واستدلوا أيضاً بدليل آخر وهو: قول النبي ﷺ : (فاضربوا لي معكم بسهم) فأقر الرقية بالفاتحة، وهذا الحديث ليس فيه نزاع بحال من الأحوال.
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : (تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام) فقالوا: هذا نوع من التداوي المعنوي، لأن الأسباب: أسباب شرعية، وأسباب قدرية مجربة، والأسباب الشرعية: معنوية، وحسية، فقالوا: إن الرقى نوع من أنواع التداوي، وقد رقى النبي ﷺ ، واسترقى للمرأة التي في وجهها سفعة، أي: سواد، فقالوا: هذه أدلة على أن الرقى لا تقدح في كمال التوكل.
وأما من النظر فقالوا: إن الذي يسترقي لا في الراقي ولا يعتقد في الرقية، وإنما يعتقد في الرب الذي هو مسبب الأسباب، فإن كان اعتقاده صحيحا فلا قدح في كمال التوكل.
стр. 88
الترجيح بين القولين والرد على أدلة القول المرجوح
والصحيح الراجح من ذلك: هو القول الأول، وهو: أن طلب الرقية من الغير قادح في التوكل، أو قادح في كمال التوكل، لصريح قول النبي ﷺ : (لا يسترقون)، أي: لا يطلبون الرقية.
ولصريح قول النبي ﷺ : (من استرقى فقد برئ من التوكل)، أي: برئ من كمال التوكل وليس من كل التوكل، وذلك للأدلة الأخرى الظاهرة على ذلك.
وأما الرد على المخالف فنقول: إن الأدلة ليست في محل النزاع، والدليل الوحيد الذي هو في محل النزاع: حديث: (تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام)، فنقول لهم: نحن معكم في أن هذا من الدواء، ولكن من الدواء ما هو مكروه طلبه، مع أنه يجوز أن يتداوى به، ومن ذلك الرقية، فيكره للمرء أن يطلبها، لأن هذا قادح في كمال التوكل.
إذاً: فالحديث ليس في محل النزاع، فليس نزاعنا هل هو دواء أم لا؟ وإنما نزاعنا هل هو قادح في التوكل أم لا؟ فإن قالوا: أنتم لم تفهموا دليلنا، فإن النبي ﷺ أمر فقال: (تداووا)، أي: اطلبوا الدواء، واطلبوا الرقية، قلنا: نعم، كلامكم صحيح، وهو وجه قوي جداً، ولكنه لا يقوى على أن يجابهنا.
فإن قالوا: كيف ذلك؟ قلنا: (تداووا) عموم مطلق، أي: تداووا عباد الله لكل شيء، واطلبوا الدواء، ولا تتداووا بحرام، وهذا العام قد خصص بحديث: (لا يسترقون) فمن طلب الرقية فقد برئ من التوكل، فيبقى معنى تداووا: اطلبوا الدواء المجرب، والدواء الحسي والمعنوي، وذلك دون أن تسترقوا، أي: أنكم لو طلبتم الرقية فقد قدح ذلك في كمال توكلكم.
إذاً: هذا عام مخصوص بالاسترقاء؛ لأن الإسترقاء قادح في كمال التوكل، وهذا الراجح والصحيح.
فإن استدل أحد بأنها من باب قول النبي ﷺ : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، فتبرع ورقى غيره فنقول: الرقية تأتي ثمارها بشرطين اثنين: الأول: أن يكون الراقي تقياً ورعاً.
الثاني: أن يكون المسترقي متيقناً.
فإن تخلف شرط من الشرطين فلا تثمر النتيجة؛ لأن كل حكم مرتبط بشروط أو بأسباب لا يوجد إلا بوجود هذه الأسباب.
стр. 89
حكم أخذ الأجرة على الرقية
وهل أخذ الأجرة على الرقى حلال أم لا؟ هذا أيضاً مختلف فيه بين العلماء على قولين: القول الأول: يجوز أخذ الأجرة على الرقية، وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة جداً، منها: أولا: حديث أبي سعيد الخدري عندما قال: والله لا أرقي حتى تأتوني بقطيع من الغنم، أو تضربوا لنا بسهم، فلما رقاه وشفاه الله، أخذوا قطيع الغنم فقالوا: والله لا نأكل منها حتى نأتي إلى رسول الله، فلما ذهبوا إلى رسول الله وقصوا عليه القصة، قال لهم مقرا بما فعلوا: (وما أدراك أن الفاتحة رقية) وهذا أول إقرار، والإقرار الثاني قال: (اضربوا لي معكم بسهم)؛ لأنه هو الذي علمه هذه الرقية، وهذه مبالغة في الحِليَّة؛ لأن النبي ﷺ سيأكل.
ثانياً: قول النبي ﷺ : (لعمري كل -أي: كل من أجرة الرقية- فإن من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق) فسماه أكلاً، وقال: (لعمري كل) وقد سأله: (أنأكل من أجرة الرقية؟ فقال له النبي ﷺ : كل)، أي: أنها حلال لك، فهنيئا مريئا أن تأكل، والرقية الحق تكون بأسماء الله الحسنى أو بالقرآن أو بآثار النبي ﷺ ، فقالوا: هذا فيه دلالة واضحة جداً على أنه يجوز أن يأخذ الأجرة على الرقية.
القول الثاني: لا يجوز أخذ الأجرة على الرقية، واستدلوا على ذلك بأدلة من الأثر ومن النظر.
فأما من الأثر: فقول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) وهذا أمر منه ﷺ ، والأمر للوجوب، فيكون عبادة، والعبادة لا أجر فيها، فلا يأخذ عليها أجراً.
وأما من النظر فقالوا: الرقية عبادة؛ لقول النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) والرقية هي: وصول النفع للغير، فهي كالشفاعة، فقالوا: هي عبادة، والأصل في العبادات عدم أخذ الأجرة؛ لأن الأصل أن كل عبادة يطلب فيها الأجر من الله.
وأيضاً استأنسوا بقول النبي ﷺ : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، فقالوا: هذا من النفع الذي يصل إلى الأخ.
стр. 90
الترجيح بين القولين والرد على أدلة القول المرجوح
الصحيح والراجح هو: القول الأول، وهو: أنه يجوز أخذ الأجرة على الرقية؛ لصريح الدلالة بقول النبي ﷺ : (لعمري فإن من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق) فمن رقى رقية حق: بشرع الله، أو بآثار النبي ﷺ ، أو بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فهذا له الحق في أن يأخذ الأجرة، حتى وإن قيدها أو حددها ظاهر هذا الحديث وظاهر فعل أبي سعيد مع إقرار النبي ﷺ له.
وأما الذين خالفوا في ذلك فقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة؛ لقول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) فنقول: نعم، هذا عام مخصوص بالرقية، فهذا نفع يجوز فيه أخذ الأجرة؛ لأن الأجير يمكن أن ينفع المستأجر ويأخذ أجرته، والوكيل ينفع الذي وكله بقضاء حوائجه ويأخذ أجرته وهذا من نفع الآخرين أيضاً، أي: أنه ينزل تحت قول النبي ﷺ : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل).
فهو عام مخصوص بهذه الأدلة، فالرقية يجوز أخذ الأجرة عليها.
وأما استدلالهم بالنظر فالرد عليه هو نفس الرد على الأثر.
وأما استدلالهم بالقاعدة الكلية: أن العبادات لا يجوز أخذ الأجر عليها.
فنقول: إلا في حالة واحدة، أو إلا ما دل عليه الدليل، وقد دل الدليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية، وهذه المسألة تحذو حذو مسألة أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن، ولكن هذه أوسع من أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن؛ لأن تحفيظ القرآن الأدلة فيه على المنع أقوى من هذه بكثير.
إذاً: يجوز أخذ الأجرة على الرقية، وأما التأصيل العام بأنها عبادة، والعبادة لا يؤخذ عليها الأجرة، فنقول: إلا ما دل عليه الدليل، وقد دل الدليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية.
стр. 91
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - الذبح لغير الله
الذبح عبادة ثبتت بالشرع الحنيف، فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، والذبح لله على أنواع، فمنه ما يكون في الكفارات أو الواجبات، أو العقيقة أو غيرها، والذبح الشركي قد يكون شركاً أكبر وقد يكون شركاً أصغر، ومن الذبح ما يكون مباحاً، وقد يرتقي به المرء إلى التوحيد والعبادة لله إذا ابتغى به وجه الله.
стр. 92
حكم الذبح لغير الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن من الأدلة التي استدل بها، المصنف قوله: ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: حدثنا رسول الله ﷺ بكلمات أربع: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً لعن الله من غير منار الأرض)، وأيضاً احتج بالحديث الذي فيه ضعف، في قصص من قبلنا: (دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب)، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله! ﷺ قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليهم شيئاً، فقالوا لأحدهم: قرب ولو ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت أقرب لأحد غير الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة)، فيستدل به أيضاً على أن التقرب إلى أي مخلوق كان وتسويته بالخالق يكون كفراً يخرج من الملة.
стр. 93
تعريف الذبح
الذبح لغة: هو إراقة الدماء مطلقاً، سواء كانت لله أو لغير الله، كأن تكون لصنم أو مخلوق أو شجر أو قمر.
وشرعاً: هو إراقة الدماء ابتغاء وجه الله جل في علاه.
وإراقة الدماء أو الذبح نسك، والله جل في علاه قد أمر نبيه أن يقول بلسان حاله، ثم يعلم الأمة أن يتأسوا به: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
والعبادات ثلاثة أقسام: عبادة بدنية، وعبادة مادية، وعبادة بدنية مالية، وأفضل العبادات على الإطلاق: العبادة التي جمعت بين العبادة البدنية والمالية، وبعدها العبادات المالية؛ لأن العبادات المالية فيها نفع ذاتي دون الجهاد، لأن الجهاد يكون بالمال وبالسنان أيضاً، قال ﷺ : (وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله)، والجهاد يعتبر عبادة بدنية مالية، وأيضاً: الحج من أفضل أركان الإسلام، فهو عبادة بدنية مالية، يتلو ذلك في الدرجة والمرتبة: العبادة المالية، فالعبادة المالية نفعها ذاتي.
стр. 94
أهمية الذبح لله تعالى
ولأهمية هذه العبادة فقد قرنها الله -كما قال شيخ الإسلام- بأفضل العبادات على الإطلاق، ألا وهي: الصلاة، والصلاة صلة بين الرب وعبده، وكذلك فالذبح يكون صلة بين الرب وعبده، فالصلاة صلة بالبدن، والذبح لله صلة بالنفقة والمال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فالذبح عبادة من أجل العبادات التي يتقرب بها العبد لربه جل في علاه، لاسيما وأن النفع فيها نفع متعد.
стр. 95
الذبح لله تعالى من أجل العبادات وأدلة ذلك
الذبح عبادة، بل هو من أجل العبادات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، فإذا أردت أن تشكر الله فلا بد أن تخضع، ولا بد أن تذل لربك جل في علاه، وتشكر نعماءه، فقوله: ((فَصَلِّ)) [الكوثر:٢] أمر، وظاهر الأمر الوجوب، حيث قرن الذبح له سبحانه بالصلاة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فهذه دلالة على وجوب النحر لله جل في علاه، فالله إذا أمر بالنحر في سبيله، فإنه لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله لا بد أن ينزل تحت عموم مسمى العبادة، إذ أن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
ومن الأدلة التي تدل على أن الذبح عبادة، وصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فقول الله تعالى: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي))، هذه عبادة خاصة، ((وَنُسُكِي)) عبادة عامة، وبدلالة الاقتران مع العبادة البدنية أصبحت دالة على العبادة المالية، وهي: إراقة الدماء، فالنسك هنا لو جاء منفرداً لدخل تحته كل العبادات؛ لأن كل عبادة نسك، والله تعالى يقول في سورة الحج فـ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، فالنسك إذا أطلق تدخل تحته العبادات جميعاً، وإذا اقترن بالعبادة كان النسك لإراقة الدماء فقط، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فوجه الدلالة من هذه الآية عند العلماء: أن النسك أو الذبح من أجل العبادات.
стр. 96
وجوه الدلالة في قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)
فأوجه الدلالة من قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] أربعة وجوه: الوجه الأول: الصلاة عبادة، فقد أمر الله بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي))، عطف، والأصل في العطف الاشتراك في الحكم، والأصل فيه المغايرة، لكن الأصل في العطف هنا: الاشتراك في الحكم، فكما أن هذه الصلاة مأمور بها فهي عبادة، وكذلك الذبح.
الوجه الثاني: الاقتران والاشتراك في الحكم بأنهما عبادة، فإن الله يقول: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٣]، أي: أمر بالصلاة وأمر بالنسك، والأمر ظاهره الوجوب، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله ينزل تحت مسمى العبادة.
الوجه الثالث: قول الله تعالى: ((لا شَرِيكَ لَهُ))، أي: أنه لو جعل النسك لغير الله فقد أشرك، ولو صرفه لله يكون توحيداً، فهذا دلالة على أنها عبادة.
الوجه الرابع: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة خاصة بالله لا لغيره، وكذلك النسك خاص بالله لا لغيره، والتخصيص يدل على أن النسك لله عبادة.
إذاً: فكل هذه الوجوه فيها استدلال على أن الذبح عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
أيضاً: قول النبي ﷺ في الصحيح: (لعن الله من ذبح لغير الله)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ توعد من ذبح لغير الله جل في علاه أن يكون ملعوناً، والملعون: هو المطرود من رحمة الله، ومن طرد من رحمة الله فلن يرجع إليها، فهذا دليل على أنه قد وقع في الكفر، أو وقع في الشرك؛ ولذلك لعنه الله، فبالمفهوم: من ذبح لله مثاب وليس ملعوناً.
أيضاً: من الدلالة على أنها عبادة: أن الله سد كل باب يمكن أن يوقع المرء في أن يصرفها لغير الله جل في علاه، كما في الحديث: أن رجلاً سأل النبي ﷺ أنه نذر أن يذبح إبلاً ببوانة، فقال له النبي ﷺ : (أكان فيها صنم يعبد؟ قال: لا.
قال: أكان فيها عيد من أعياد المشركين؟ قال: لا.
قال: إذاً أوف بنذرك)، فلما كان الذبح عبادة نأى به النبي ﷺ عن أي وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله في هذه العبادة، فقال: (أفيها صنم يعبد؟)، فإن كان فيها صنم يعبد فإنه سيتشبه بالمشركين؛ فقد كانوا يذبحون لأصنامهم ويتقربون لرهبانهم من دون الله جل في علاه، ثمَّ قال: (أكان فيه عيد من أعياد المشركين؟ قال: لا.
قال: إذاً أوف بنذرك) فهذا الحديث فيه دلالة -من باب حسم المادة وحفظ جناب التوحيد- على أن الذبح لله توحيد، والذبح لغير الله شرك، وأن من تشبه بمن ذبحوا لغير الله جل في علاه فهو نوع من أنواع الشرك، ووسيلة من وسائله، فحسم النبي ﷺ المادة وقطع هذه الوسيلة وقال: لا، إن كان فيها صنم يذبح له من دون الله جل في علاه فلا تذهب، وإن كنت تذبح بنية التقرب لله فلا تفعل؛ لأنك ستتشبه بالمشركين.
إذاً: نهى عن التشبه بالمشركين في هذه، وإن لم يكن هذا من الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه وسيلة للشرك الأكبر، فحسم النبي ﷺ الأمر ومنعه من ذلك، إلا أن يكون هذا المكان لا يذبح فيه لغير الله، ولا يكون فيه عيد من أعياد المشركين.
стр. 97
أنواع الذبح لله سبحانه
إنَّ أنواع الذبح كثيرة: أولاً: إراقة الدماء للواجبات، وهذه وإن كانت من أجل العبادات فلا بد أن يعرف المرء تقسيم هذه العبادات، ليتقرب بها إلى الله جل في علاه.
ومنها: إراقة الدماء في التمتع، والتمتع هذا يكون في الحج، وهو: أن يعتمر المرء ثم يتحلل ثم يهل بالحج، والمتمتع عليه أن يقرب الدماء لله جل في علاه؛ وذلك كما قرب النبي ﷺ مائة بدنة في التمتع، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا الهدي يدخل أيضاً في قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فالنحر من إراقة الدماء التي يتقرب بها المرء إلى الله جل في علاه.
أيضاً: من أنواع التقرب إلى الله جل في علاه بإراقة الدماء: الأضاحي، والأضاحي فيها معترك شديد بين العلماء، هل هي سنة أم واجب؟ والراجح والصحيح: أنها سنة مؤكدة؛ لأنه قد ورد حديث عند البيهقي بسند صحيح: أن أبا بكر ما كان يضحي وأن عمر ما كان يضحي وغير هؤلاء ما كانوا يضحون، والصحابة متوافرون ليبينوا للناس أنها ليست من الوجوب بمكان، بل هي من السنة، فهي سنة مؤكدة، فالأضاحي من إراقة الدماء التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه، توحيداً لله.
أيضاً من ذلك: الكفارات، ففي الكفارات إراقة الدماء تقرباً إلى لله جل في علاه، وذلك إذا وقع المرء في محظور من محظورات الإحرام فعليه كفارة، كما قال ابن عباس وغيره، والآية ظاهرة في ذلك، قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا والنسك يبين لنا أن الذبح أيضاً يدخل في ذلك.
من هذا أيضاً: التقرب إلى الله جل وعلا بالذبح في العقيقة، والعقيقة مختلف في وجوبها وسنيتها، والعقيقة: إراقة الدماء تقرباً إلى الله جل في علاه، كما قال النبي ﷺ : (المولود مرهون بعقيقته)، أي: لابد أن يراق له الدم، تقرباً إلى لله جل في علاه، وهذا من الذبح المأمور به، والعلماء قد اختلفوا فيه إلى ثلاثة أقوال: فمن العلماء من قال: واجب، ومنهم من قال: سنة، وقول وسط: واجبة على ولي المولود فقط، أي: المولود لو كبر سنه ولم يعق عنه فلا يأثم، وإن أراد أن يعق عن نفسه فهذا له، والغرض المقصود أنه واجب على ولي المولود، فالعقيقة من إراقة الدماء التي يتقرب بها المرء إلى الله جل في علاه.
стр. 98
تقسيم الذبح إلى ذبح توحيد وذبح شركي
الذبح ثبت بالشرع أنه عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك، وبهذا يكون الذبح على أقسام: ذبح توحيدي، وذبح يقع شركاً، والقسم الوسط: ذبح يكون مباحاً.
فأما الذبح الذي يقع توحيداً: فهو الذبح الذي يهل به صاحبه لله جل في علاه، كأن يتقرب بالبدنة في التمتع، أو يتقرب بالبدنة في وليمة العرس، وهذه الأخيرة من الممكن أن تتقرب بها لله جل وعلا، فما دام المرء يهل بها لله جل في علاه، ويبتغي بها وجه الله، فقد صرفها لله، ومن صرفها لله، فقد تقرب إلى الله بالتوحيد عملاً بأمر الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].
وأما الذي يقع شركاً فهو نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر، أي: أن الذبح يمكن أن يكون شركاً أكبر، ويمكن أن يكون شركاً أصغر، فيكون شركاً أكبر إذا أهل به لغير الله، كأن يذبح للبدوي، لصنم: كود وسواع ويغوث ونسر ويعوق، أو يذبح للقمر، أو يذبح للكواكب، أو يذبح للجن، وهذا متواتر موجود، فلا يحسبن أحد أن هذا الشرك ذهب بذهاب قوم نوح ﵇، بل هو واقع نعيشه الآن، فأنت ترى المصروعة يقرأ عليها دجال من الدجالين ثم يقول: لا بد أن تأتي بالديك الأحمر الذي ريشه فيه بياض أو فيه كذا وتذبحينه، وهذا الديك الذي سيذبح يذبح تقرباً للجن وهذا واقع مؤلم نعيشه، وهذا الذبح يكون شركاً أكبر، وإذا قلت: إنه يعذر بجهله، قلنا: نعم، يعذر بجهله، لكن هذا من الشرك الأكبر، فالفعل شرك، والفاعل ليس بمشرك حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فإن أصر على ذلك وتقرب إلى الجن بهذه القرابين، فهو كافر قد خرج من الملة، ومآله النار خالداً مخلداً فيها، فالذبح الشركي هو الذي يهل به صاحبه لغير الله، كمن يذبحون عند البدوي، وإذا سألتهم عن ذلك قالوا: البدوي يقبل هذه الذبائح، وهذه كثيرة في طنطة وغيرها، بل وتراها الآن موجودة عند قبر أبي العباس، وأخفهم ضرراً من يقول: أنا أذبح لله، لكن أذبح هنا عند القبر؛ لأنني أطعم المساكين، وأيضاً هذه قربة؛ ولعل الله جل وعلا أن يتقبل منا هذا العمل ونحن بقرب هذا الولي؛ لأن القرب من الأولياء صلاح وبركة، والأعمال يتقبلها الله بالقرب من الأولياء، فأخفهم ضرراً الذي يقع في الشرك الأصغر كما سنبينه.
فالشرك الأكبر: هو أن يهل به لغير الله جل في علاه، فيتقرب تقرباً محضاً لغير الله، لجن أو لولي أو لنبي أو لملك مقرب، فهذا هو الشرك الأكبر الذي يخرج به صاحبه من الملة.
وأما الشرك الأصغر فله صور كثيرة، ومن هذه الصور: أن يذبح لله طعمة للمساكين، وقربة لله عند قبور الأولياء، فهذه صورة من صور الشرك الأصغر؛ لأنه من باب الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد، وهو وسيلة للشرك الأكبر؛ لأنه عندما يذبح عند القبر يعتقد في قلبه أنه يعظم المقبور، لكن لم يذبح تعظيماً له، ولكنه يقول: هذه القربة سريعة التقبل عند الله بالذبح عند الولي، فهو يعتقد بأن الله يقبل منه هذه القربات ولا يردها عليه إن كانت بقرب الولي، فهذا فيه نوع من التعظيم في القلب للولي، ومن الممكن أن يستدرجه الشيطان بعد ذلك إلى أن يعظم الولي، فيذبح له من دون الله جل في علاه، فصارت وسيلة لأن يذبح له من دون الله جل في علاه، فهو لم يذبح له، لكنه عندما عظمه في قبره، وعلم أن له مكانة عند ربه، وأن الله لا يرد عمله الصالح، فإنه بعد ذلك يكون هذا العمل وسيلة لأن يذبحه للمقبور لا لله جل في علاه، وذلك عندما يطمس العلم، ويبعد الناس عن أهل العلم، فيتوافدون إلى القبور ويقولون: نذبح لهم، لأنهم يتحكمون في هذه الدنيا، وهذا الذي حدث مع أهل الصوفية، وذلك أن أهل الصوفية عظموا الأولياء، فارتقوا بهم إلى منزلة فوق منزلة العباد، وبعدما ارتقوا بهم إلى هذه المنزلة اعتقدوا فيهم ما يعتقد إلا في الله جل في علاه، فقال قائلهم: إن الولي له قوة أعطاه الله إياها -حتى يكون شركاً صريحاً- فقد أعطاه الله قوة لإحياء الجنين في بطن الأم، وأعطاه الله قوة لمغفرة الذنوب، أو لإعانة أو لإغاثة الملهوف، فهذه تعتبر وسيلة للاعتقاد فيه ما لا يعتقد في الله جل في علاه، وقد قعد شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة تقول: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فهو منهم، أي: فهو مشرك؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق، وكل وسيلة يمكن أن تجر الإنسان إلى أن يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فهي وسيلة محرمة؛ لأنها وسيلة إلى الشرك الأكبر، فتمنع لأنها وسيلة إلى الشرك الأكبر.
ومن الصور أيضاً التي يكون فيها الذبح شركاً أصغر: الذبح عند بناء البيوت، والذبح عند استجلاب التجارات الرابحة.
ومن الأدلة الواضحة الجلية على تحريم الذبح عند الولي أيضاً: ذاك الرجل الذي نذر أن يذبح إبلاً ببوانة، فسأله النبي ﷺ : (أكان فيه صنم يعبد؟) أي: يذبح له من دون الله، ثم سأله سؤالاً آخر فقال: (أكان فيه عيد من أعياد المشركين؟)، فحسم النبي ﷺ المادة؛ لأن هذه وسيلة لأن يتشبه بفعل المشركين.
أيضاً من هذه الصور الشركية: الذبح عند استجلاب سيارة جديدة، أو عند بناء البيت، أو عند الربح في التجارة فرحاً وسروراً، ظناً من الذابح أنَّ هذا الذبح سيمنع عنه الحسد، فترى كثيراً من الناس أو من العوام إذا بنى بناية، أو إذا اشترى سيارة جديدة فخمة، أو اشترى بيتاً يذبح على باب البيت، أو يذبح على باب البناية، أو يذبح أمام السيارة ويقول: ائتوني بالفقراء والمساكين، ولا بد أن يكونوا من الصالحين، لأنه لا بد أن يأكل طعامي التقي المؤمن الصالح، فهي قربة لله، فقال: باسم الله، فذبح لله، وجعلها طعمة للمساكين وقربة لله، ومع ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ إذا ذبح من أجل دفع العين، وهذا الشرك ليس بشرك أكبر بل هو شرك أصغر؛ لأنه اتخذ سبباً لم يشأه الله سبباً، والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فنقول: هو ذبح، وذبحه لله ليفر من الشرك الأصغر، واعتقد أنه قربة لله، ففر من الشرك الأكبر لكنه اتخذه سبباً من الأسباب التي يدفع بها العين.
إذاً: الشرك هنا شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
فأما الشرك الأكبر إذا أهل به لغير الله جل في علاه، كأن يكون قربها إلى ولي، قربها إلى نبي، قربها إلى ملك، قربها لقمر، لشمس لنجوم لجبال لأشجار لأحجار، فكل ذلك ذبح لغير الله، وإذا كانوا يذبحون لله ولغير الله، فهذا شرك أكبر أيضاً، أي: أن الله جل وعلا لا يقبل الشريك، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، وهذا هو فعل الجاهلية، يذبحون ويقولون كما قال تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] فهؤلاء أفضل من مشركي هذا الزمن، فمشركو العرب كانوا يذبحون لله، ويشركون معه غيره، أما مشركو اليوم فهم يذبحون للبدوي محضاً، يذبحون للجيلاني محضاً، ليس لله فيه ثمة ناقة ولا جمل ولا جزء واحد، فنحن نقول: بهذا الفعل صار شركاً أكبر، ولو أشرك مع الله حل في علاه.
وأما الشرك الأصغر أن يتخذه وسيلة للشرك الأكبر؛ فالذي يكون متعلقاً بالذبح عند قبر الولي، قربة لله، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يصير بذلك معتقداً في الولي ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، فبعد أن ينطمس العلم فيذبح للولي دون أن يذبح لله جل في علاه، فإن كانت وسيلة فالوسائل لها أحكام المقاصد.
أيضاً صورة أخرى من الشرك الأصغر: أن يذبح دفعاً للعين أو شكراً لله جل في علاه، ومع الشكر لله يقول هذا سبب لدفع العين فهذا أيضاً من الشرك الأصغر.
أما القسم الثالث: فهو الذبح المباح، أي: يجوز للإنسان أن يذبح فيه، كإكرام الضيف، وهذا يؤجر عليه إذا نوى به لله، قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولذلك قال الله مادحاً إبراهيم عندما جاءه الأضياف: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر:٦٢]، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، فأتى به ليقربه إليهم ليأكلوا، فهذا من باب إكرام الضيف، ومن الذبح أو إراقة الدماء المباحة التي يرتقي بها المرء إلى درجات في التوحيد، إن تقرب بها أو نوى بها ابتغاء وجه الله، وإن فعلها مكرمة أو تكرمة، أو لأنها من الشهامات، أو لأنها من المروءات، فهذه مباحة ولا شيء عليه، ولعل الله يخلف عليه هذه النفقة، لأن الله وكل ملكاً بأن يقول ليل نهار: (اللهم أعط كل منفق خلفاً وأعط كل ممسك تلفاً)، فهذا الذبح المباح قد يرتقي به المرء إلى رضا الله جل في علاه، ومن الممكن أن ينقلب المباح إلى الشرك، بل إلى الشرك الأكبر لا الشرك الأصغر، كأن يأتي رئيساً أو أميراً، فيريد أن يكرمه، فيذبح عنده الذبائح ليكرمه بها، وهذه الذبائح تكون مباحة إن دعاه إليها فأكل منها وأكل الحاضرون، أما إن ذبح هذه الذبائح عند قدومه، ثم سافر هذا الأمير بعد ساعة، أو بعد وقت معين ولم يأكل من هذه الذبائح، فأخذ هذا الرجل الذبائح فألقاها في النفايات فهذا شرك أكبر؛ لأنه انقلب من المباح إلى الشرك الأكبر؛ لأنه ذبح تعظيماً لهذا الأمير وتعظيماً لهذا الوزير، فهو ما يريد الإكرام، بل يريد التعظيم بالذبح لهذا الوزير، فيكون ذلك شركاً أكبر، إذ الذبح تعظيماً لا يكون إلا لله، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، أي: وانحر تعظيماً وتوقيراً لربك جل في علاه.
فهذه هي الأقسام الثلاثة في الذبح، ومفادها كلها: أن الذبح عبادة ثبت ذلك بالشرع، فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، وهي أقسام ثلاثة: توحيد محض، وشرك محض، والشرك الم
стр. 99
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - الحلف بغير الله
عظمة الله راسخة في قلب كل مؤمن، بل هي ركن العبادة الركين، ولتعظيم الله آثار بينها الشرع الحنيف، منها: ألا يحلف إلا بالله جل في علاه؛ لأن الحلف لا يكون إلا بمعظم، ولا أعظم من الله سبحانه في قلب المؤمن الموحد، فلا يعدل عنه إلى غيره في حلفه وفي سائر شئون حياته، وإن عدل عنه إلى غيره -في الحلف ونحوه- فقد أشرك.
стр. 100
حكم الحلف بغير الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب الجليل أي: كتاب: (الدر النضيد) للإمام الشوكاني رحمه الله تعالى.
وسنتكلم -إن شاء الله- على مسألة مهمة، وهي: حكم الحلف بغير الله، والمصنف هنا أتى بأمر عجب، وهو أنه يرى ويستدل بأن الحلف بغير الله لا يجوز، لقول النبي ﷺ : (من حلف بملة غير الإسلام لم يرجع إلى الإسلام سالماً)، والعجيب في ذلك: أن الإمام الشوكاني رحمة الله عليه يرى أن الحلف بغير الله من الشرك الأكبر، أي: يخرج به صاحبه من الملة، فمن أقسم عنده باللات أو بالعزى أو بحياته أو برحمة والده أو بشرفه، فهو يرى أنه يخرج من الملة، ولذلك يقول: وفيها: أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، فجعله من الشرك الأكبر، قال: وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه، فعلل بهذا التعليل، أي: أنه تعظيم، والتعظيم المطلق لا يكون إلا لله، وأقول: الكلام عن القسم سيكون من أكثر وجه.
стр. 101
تعريف القسم لغة وشرعاً
القسم أو اليمين لغة: مأخوذ من اليد؛ لأن الواحد يأخذ بيد صاحبه أو بيمين صاحبه لتعقد اليمين.
وشرعاً: ذكر معظم لتوكيد حكم مذكور على وجه مخصوص.
فقولنا: (ذكر معظم)، أي: لا يوجد أحد أعظم من الله جل في علاه، وقولنا: (لتوكيد حكم)، أي: كأن يقول: والله ما أخذت هذا المال، وقولنا: (على وجه مخصوص)، أي: يسبقه بواو أو باء أو تاء، فيقول الحالف مثلاً: والله ما أخذت الدرر، أو يقول: تالله ما فعلت كذا، وبالله لأفعلن كذا، فهو ذكر معظم ولا أحد أعظم من الله جل في علاه كما بينا، وقلنا: (ذكر معظم) فأطلقنا هذه العبارة؛ لنفرق بين من عظم الله وعظم مخلوقاً فأنزله منزلة الله، ولذلك أطلقناه، فما قلنا: (ذكر الله)، بل قلنا: ذكر معظم؛ لأن المعظم عند المؤمنين هو الله جل في علاه، والنصارى يعظمون المسيح على أنه الله أو ابن الله والعياذ بالله، واليهود يعظمون عزيراً، وعند أهل التصوف الذين غمسوا في الشركيات يعظمون الأولياء عن الله جل في علاه كما سنبين.
وقولنا في القسم شرعاً: هو ذكر معظم، هذا فيه إطلاق حتى نبين أنها تقع على ناحيتين، أي: على الله وعلى غيره، ولا أعظم من الله جل في علاه، وقولنا: لتوكيد حكم مذكور على وجه مخصوص، أي: نحو بالله وتالله ووالله، وإن كان القسم تعظيماً فهو عبادة، أي: إن كان القسم إشعاره وركنه وأسه وأساسه هو التعظيم، فهو إذاً عبادة، وفي الحديث: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) فهذا أمر، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله كان عبادة.
وأيضاً: تعريفنا سابقاً للعبادة، وذلك أننا قلنا: للعبادة ركنان هما: غاية الحب والذل، وغاية التعظيم، إذاً: فالتعظيم ركن العبادة الركين، والقسم لا يكون إلا بمعظم، وكذا الشق الثاني وهو: غاية الذل لله جل في علاه يظهر في امتثال أوامره بأن لا يقسم إلا به.
فالغرض المقصود يبقى إذاً هو التعظيم لله جل في علاه، فلا بد من ذكر معظم أو السكوت في القسم، وسنبين أن له قيود وشروط.
стр. 102
أقسام القسم
ثم القسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق.
القسم الأول: القسم من الخالق، وهذا لا قيود له؛ لأنه الخالق سبحانه جل في علاه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فيقسم سبحانه بما شاء، يقسم بنفسه، وبذاته، وبصفاته، وبأفعاله، وبخلقه، وبآثار أفعاله، وبما شاء سبحانه، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقد أقسم سبحانه بذاته فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].
وأقسم بصفاته كما قال في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
وأقسم الله بأسرار أفعاله وبمخلوقاته فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] والسماء مخلوقة، فهي أثر فعل لله جل في علاه؛ لأن من لوازم الربوبية الخلق، فأقسم الله بالسماء وبالليل وبالنهار وبالفجر وبالضحى وبالطور وبالبحار وبالأنهار، وغيرها من مخلوقاته.
стр. 103
الحكمة من قسم الله بالمخلوق
والحكمة من قسم الخالق بالمخلوق مع أنه حرم الإقسام به كما سنبينه: أن قسم الله بالمخلوق فيه الدلالة على عظمة المخلوق، وعظمته تدل على عظمة الخالق، فكل كمال في المخلوق فالله أحق به، وكل عظمة في المخلوق فقد دلت على عظمة الذي خلق.
فإذاً: الحكمة من أن يقسم الله بمخلوقاته: أن في هذه المخلوقات دلائل باهرة على ربوبية الله وعظمته سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:١ - ٢].
وقال جل في علاه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].
و (ما) في الآية الأخيرة اسم موصول بمعنى الذي، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وقد تكون مصدرية، فيكون المعنى: وخلق الذكر والأنثى، أي: يبين الله أن خلق الإنسان خلق عظيم، ومن عظمة خلقه يقسم الله به.
فيكون القسم إن قلنا: إنها (موصولة) بالذات المقدسة، وإن قلنا: إنها (مصدرية) فيكون القسم بخلق الإنسان البديع، فالآية: والذي خلق الذكر والأنثى، فيها نوعين من القسم: نوع بالمخلوق، ونوع بالخالق.
ومما أقسم الله تعالى به: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]، وقوله جل في علاه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧].
والقسم في هذه الآية الأخيرة إما أن تكون (ما) فيه (موصولة)، فيكون المعنى: والذي سواها، وهو الله جل وعلا ويكن هنا أن الله أقسم بذاته جل في علاه، وقد تكون (مصدرية) ويكون المعنى: وتسويتها، وفيه إشارة إلى عظمة تسوية النفس، ويكون قسم الله هنا بالمخلوق.
إذاً: يقسم الخالق بما شاء، بالمخلوقات، بذاته، بصفاته، وكذا أقسم الله بحياة النبي ﷺ ، وذلك عندما قال: ((لَعَمْرُكَ))، أي: وحياتك يا رسول الله! وحياتك يا محمد! ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
فهذا القسم من الخالق جل في علاه يكون بما يشاء.
стр. 104
أنواع القسم من المخلوق
القسم الثاني: القسم من المخلوق، وهو على ثلاثة أنواع: قسم مباح، وقسم محرم، وقسم شرك.
стр. 105
القسم المباح
القسم المباح هو: الذي أباحه الشرع تعبداً لله جل في علاه، بأن تقسم وتذكر المعظم لأمر عظيم، وتريد منه: أن ينتبه الناس لك، وأن يستقر في قلوبهم أنك صادق، وتؤكد بالقسم ليقتنعوا به، كما أقسم النبي ﷺ في بعض الأحيان دون أن يستقسم، فقال: (والذي نفسي بيده إن في الجنة) كذا وكذا، فأقسم دون أن يستقسم؛ ليؤكد قوله، فهذا القسم مباح.
ولا يكون القسم إلا بالله جل في علاه، أو بصفاته وأسمائه، أو بأفعاله وآثاره جل في علاه.
وكل هذه أنواع للقسم المباح.
وكان النبي ﷺ يقسم كثيراً بربه جل في علاه، إما بذاته وإما بأسمائه وصفاته وإما بأفعاله، فكان يقول: (والذي نفسي بيده) وهذا قسم بالذات.
وكان ﷺ يقسم ويقول: (لا ومقلب القلوب) وهذا قسم بأفعال الله.
وكان يقسم أيضاً بقوله: لا والله وبالله وتالله، وأيضاً صحابة رسول الله ﷺ كانوا ينتهجون هذا النهج بعدما تعلموا من النبي ﷺ أن القسم المباح هو القسم بالله أو بأسمائه وصفاته جل في علاه، فكانوا يفعلون ذلك، وذلك كحال الأعرابي الذي دخل على النبي ﷺ وله دوي بعدما أسلم، فقال: (آلله أرسلك؟)؟ كأنه يستحلفه بالله.
وأيضاً: أبو موسى الأشعري عندما دخل عليه امرؤ وقال له: (إني أحبك في الله، قال: آلله؟ أو قال: والله تحبني في الله؟ -أي: يقسم بذات الله جل في علاه- قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا).
وأيضاً: عائشة ﵂ وأرضاها كانت تقسم بذات الله أو بأسمائه وصفاته، وكانت تحب محمداً ﷺ بأبي هو وأمي حباً جماً، لكنها امرأة، وتعرفون النساء، فتغضب تارة وتسعد وتسر تارة، فإذا غضبت من النبي ﷺ ، وذلك عندما تغار عليه غيرة شديدة، فتغضب إن أشار إلى زوجة من زوجاته، أو إن أكل المغافير عند زوجة من زوجاته، وكانت في أوقات اليسر والسعادة والسرور مع رسول الله ﷺ تقسم وتقول: لا ورب محمد، فتذكر محمداً ﷺ على أنه من أعظم المخلوقات، فتقسم بالرب سبحانه، لكن ذكرت النبي ﷺ لأنه أعظم مخلوق عند الله جل في علاه.
وكان إذا أكل المغافير عند زينب أو ذهب إلى أم سلمة قالت: لا ورب إبراهيم، وتركت اسم محمد، ولذلك قال لها النبي ﷺ -كما في الصحيح-: (إني لأعلم متى تكونين عني راضية ومتى تكونين غاضبة؟ عندما تكونين راضية عني تقولين: لا ورب محمد، -أفرس الناس هو رسول الله ﷺ وعندما تكونين غاضبة عني تقولين: لا ورب إبراهيم.
قالت: نعم يا رسول الله! والله ما أهجر إلا اسمك فقط، لكن المحبة كلها تنعقد في القلب).
فالغرض: أنها كانت تقسم بذات الله وبصفاته وأفعاله.
وأيضاً: كان ابن عمر ﵁ وأرضاه يطوف حول الكعبة فسمع رجلاً يقول: والكعبة.
فأوقفه ابن عمر وقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: لا ورب الكعبة.
قال له ذلك لأنه لو أقسم بالكعبة فقد أقسم قسماً شركياً كما سنبين، لكن إن كان لا بد من القسم فليقل: لا ورب الكعبة، فانظروا إلى الصحابة رضوان الله عليهم بعدما أتقنوا العقيدة الصحيحة كيف ابتدءوا يعلمونها للناس تطبيقاً واقعياً بعد العلم والعمل، ولذلك قال لي بعض الأفاضل: نريد من الإخوة أن يتعايشوا العقيدة ويتعبدوا بها، ولا نسرد لهم الأصول والفروع وغيرها، قلت: نعم، هذا جيد جداً، لكن هو جيد للعوام لا لطلبة العلم، العوام يريدون العقيدة للتطبيق فقط، فيتعلمونها لاعتقادها والتعبد بها، أما طالب العلم فيتعلمها ليتعبد بها وليعلمها وليناظر من أجلها، وهذا الذي كان يفعله صحابة رسول الله ﷺ .
صلى ابن عباس على جنازة فسمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن ارحم هذا الميت، أفسح له في قبره، فلما انتهى ابن عباس من الصلاة وسلم أخذه فقال: ماذا تقول: قال قلت: ورب القرآن، قال: ما معنى ورب القرآن؟ أي: ليس لك أن تقول: ورب القرآن، فكانت الإجابة من الرجل إجابة معينة والإجابة من ابن عباس إجابة معينة.
وللتوضيح نقول: المضاف إلى الله نوعان: أعيان، ومعان، فـ ابن عباس أوقف الرجل؛ لأنه أضاف الربوبية للقرآن، بقوله: ورب القرآن، فإن كان الرجل يقصد أن القرآن كالشجرة، وهذا هو الذي أخذ على الشيخ سيد قطب عندما قال: والقرآن كالسماء والأرض والأنهار، والمأخذ في هذه الجملة: إذا قال: القرآن كالسماء، فكأنه قال: القرآن مخلوق، كما تقول المعتزلة.
إذاً: فـ ابن عباس استوقفه وكأنه يقول له: أنت الآن أضفت، وهذه الإضافة أتقصد بها إضافة معنى أم إضافة عين؟ فإن قصدت إضافة العين فهو قسم بمخلوق، وكأنك قلت: إن القرآن مخلوق، وهذا لا يصح، وإن قصدت أنها إضافة معنى، فقد أضفت القرآن الذي هو كلام الله لله، إضافة صفة للموصوف.
إذاً: فـ ابن عباس استوقفه لا للقسم ولكن للإضافة، أي: هل هذه الإضافة إضافة معنى أم إضافة عين، وهذا النوع من القسم في القرآن كثير، أي: إضافة المعاني للرب الجليل، نحو قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣].
ومنه أيضاً قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] فهنا أضيف الموصوف لصفته وهي العزة، رب العزة، في قوله ((رَبِّ الْعِزَّةِ))، وقد سمع ابن عباس من يحلف بذلك فقال: إن أقسمت فاقسم بالله جل في علاه، أو إن حلفت فاحلف بالله جل في علاه، ثم سأله عن مسألة الكلام، وسمع أحداً يحلف بحياة أهله أو أقربائه فقال: الشرك بالله أن يقول: وحياتي وحياتك.
إذاً: فالقسم المباح قسم من المخلوق، وهو القسم باسم الله، أو بصفة من صفاته، أو بفعل من أفعاله جل في علاه.
стр. 106
القسم المحرم
القسم المحرم وهو: القسم بالله على أمر دنيوي كاذباً، وهذا القسم الممنوع لا يدخل فيه الشرك، وإنما هو قسم محرم.
ودليل هذا القسم وأساسه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:٧٧]، وأيضاً ورو في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اليمين الفاجرة)، واليمين الفاجرة هذه غير الغموس، فالفاجرة: هي المنفقة للسلعة الممحقة للبركة، وهي كأن يقول: أقسم بالله أني اشتريتها بكذا، وهي نوع من أنوع الغموس، لكن على خلاف، اشتريتها بكذا ليبيع سلعته، أو هو يجعل الله عرضة ليمينه، كما في الطبراني بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم) وذكر منهم: من اتخذ الله جل وعلا سلعة أو اتخذ يمينه سلعة، فلا يبيع إلا بقسم ولا يشتري إلا بها، ولا يجلس إلا بقسم ولا يقوم إلا بها، فأصبح القسم سلعة في لسانه، فهذه أيضاً من اليمين الفاجرة.
أما اليمين الغموس: فهي اليمين الكاذب فيها صاحبها على شيء مضى، وهذا تعريفها عند الجماهير.
وسميت غموساً؛ لأن صاحبها لا كفارة له، وإنما يغمس في جهنم، وهذا خلافاً للشافعية، وذلك أنهم قالوا: لها كفارة، والجماهير قالوا: اليمين الغموس ليس لها كفارة، لكن الشافعية يرون أن لها كفارة بقياس الأولى.
فالمقصود: أن اليمين الغموس يراه الجمهور يميناً مطلقاً، أي: أن يقسم بالله كذباً على شيء مضى، مثلاً: سرق رجل مالاً، فلما عاودوه وقالوا: أنت أخذت هذا المال، فأقسم بالله -وهو مستيقن أنه كاذب- أنه لم يأخذ هذا المال، فهذا اليمين عند جماهير أهل العلم يمين غموس ليس له كفارة، بل لا بد أن يغمس صاحبه في نار جهنم.
وقال بعض العلماء -وهذا أدق-: اليمين الغموس ليس مطلقاً الذي يقسم صاحبه به كاذباً ليستقطع مال امرئ مسلم، واستدلوا على ذلك بحديث صحيح، وفيه أن النبي ﷺ بين اليمين الغموس بالذي يقسم به صاحبه ليقتطع مال امرئ مسلم زوراً، فيبقى اليمين الغموس هو أن يكون بينه وبين الآخر حق، فيقول صاحبه: هذا حقي، وهو يقول: لا، هو حقي، فيقول: تقسم بالله، فيقسم بالله متجرئاً ليأخذ منه هذا المال، فيأخذه منه ظلماً، فهذه هي اليمين الغموس.
أما لو فعل شيئاً في الماضي وأقسم أنه لم يفعله -وهو يعلم أنه كاذب- فلا تدخل في اليمين الغموس، وهذا هو الراجح الصحيح، أي: أن الراجح هو: أن المطلق يحمل على المقيد، والجمهور يرون أن هذا فرد من أفراد العموم لا يخصصه.
وعلى كل فالمسألة خلافية، إما على الإطلاق أو التقييد، ونحن لا نقول هذا التفصيل للعوام، وإنما نقول لهم: من أقسم كاذباً في شيء مضى -وهو يعلم أنه كاذب- فهذا يمين غموس لا كفارة له.
والحاصل: أنه يمين محرم، وهو اليمين الذي يتخذ الله فيه سلعة حتى يبيع ويشتري به، أو اليمين التي هي منفقة للسلعة ممحقة للبركة، أو التي يكون فيها صاحبها كاذباً على شيء مضى، وهو متأكد أنه كاذب فيه.
стр. 107
القسم الشركي
القسم شركي وهو: القسم بغير الله جل في علاه، كأن يقسم ببشر أو بصنم أو بحجر أو بشجر أو بملك أو بنبي، فهذا القسم قسم شركي، وهذه هي التي حذر منها النبي ﷺ وحث الأمة أن يبتعدوا عنها بقوله ﵊: (من كان حالفاً فليحف بالله)، وهذا أمر يدل على الوجوب، أي: من أقسم بغير الله فقد وقع في الإثم؛ لأنه خالف النبي ﷺ ، بل يقع في الشرك لصريح قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وأيضاً لقول النبي ﷺ : (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله).
فالمراد: أن هذا قسم شركي، ثم هل هو شرك أكبر أم أصغر؟ على تفصيل والأصح: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر؛ لأمور: أولاً: أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، ودلت القرائن بأن النبي ﷺ أراد بقوله: (فقد أشرك) أي: الشرك الأصغر؛ لأنه جعل له كفارة، والشرك الأكبر لا كفارة له، أما الشرك الأصغر فله كفارة، وهي ما في قول النبي ﷺ : (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا لله)، فجعل له كفارة، فهذه دلالة أولى.
ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن الحلف فقال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ولم يبين ويفصل أن هذا شرك يخرج من الملة.
أما إذا جاءنا الإيراد على أنه ذكر في حديث آخر الشرك، قلنا: قد فسره بذكر الكفارة أنه شرك أصغر.
فالحاصل إذاًَ: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر، وهذا يعد اتفاقاً لأهل العلم من المتقدمين، لكن خالف الشوكاني كل أهل العلم وقال: إن الأصل فيه أنه شرك أكبر.
ولو قلنا بقوله لكفر وخرج من الملة ثلاثة أرباع أهل الاسكندرية أو أكثر؛ لأن كل واحد منهم يقول في قسمه: بشرفي، بشرف امرأتي، بشرف أمي، بشرف كذا، أي: أن الشرف عندهم أغلى ما يقسمون به، فلو قلنا بقول الشوكاني فجل أهل مصر كفروا.
والصحيح الراجح: أن القسم بغير الله شرك أصغر لا شركاً أكبر، لكنه يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب؛ لأن القاعدة عند العلماء تقول: كل معصية أو كل شرك أصغر يمكن أن يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب، وذلك أننا قلنا: القسم أصله وركنه التعظيم، فمن عظم غير الله تعظيمه لله فقد أشرك شركاً أكبر.
إذاً: فيكون القسم شركاً أكبر إذا أقسم المرء بغير الله معظماً له كتعظيمه لله، أو معتقداً تعظيمه كتعظيم الله جل في علاه، وإن قال قائل: وكيف تعرف هذا؟ فأمر التعظم مضمر، فهلا شققت عن قلوبهم لتعرف وجود التعظيم من عدمه، فنقول: يمكن بالقرائن المحتفة أن يظهر الشرك الأكبر، وأن يظهر ما كان مستوراً بالقلب، فإن قال: كيف ذلك؟ قلنا: يأتي الرجل فيقف أمام القاضي فيقول له: أقسم بالله، فيقسم بالله كيفما شاء، مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، ثم يقول له القاضي: أقسم بالبدوي أنك لم تفعل ذلك، فماذا يحدث؟ يقول: لا، ويرتجف أمامه ولا يقسم بالبدوي، فهذه الحالة فيها دلالة وقرينة على أنه يخشى البدوي أشد من خشيته لله، ويلزم منه أنه يعظم البدوي أكثر وأعظم من تعظيمه لله جل في علاه.
إذاً: فإذا عظم غير الله فقد أنزل غيره منزلته فيكون مشركاً شركاً أكبر.
стр. 108
أنواع القسم الشركي
القسم الشركي نوعان: شركٌ أصغر، وهذا هو الأصل في القسم بغير الله، وقد يرتقي للشرك الأكبر بالتعظيم، أي: بفعل القلوب، وذلك إذا عظم مخلوقاً تعظيمه لله، فيكون حينها قد جعل لله نداً، فخرج من الملة ووقع في الشرك الأكبر.
стр. 109
حكم الكفارة على القسم الشركي
بعد أن عرفنا أن الحلف بغير الله شرك أصغر، فهناك سؤال يسأله البعض وهو: من أقسم بغير الله، كأن يقسم بحياته، أو بشرفه، أو بمحمد ﷺ ، أو بجبريل، أو بملك، فهل له كفارة أم لا؟ نقول: أولاً: قسمه لا ينعقد، أي: إذا أقسم بغير الله فلا ينعقد يمينه ابتداءً، فإذا لم ينعقد يمينه فلا نلزمه بما أقسم به.
ثانياً: إذا لم ينعقد يمينه فعليه كفارة، وهي أن يقول: لا إله إلا الله، وليست كفارة مادية، بل كفارة قولية، ولذلك يقول النبي ﷺ : (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، وقد سمع معاذاً يقسم بغير الله، يقسم باللات، فقال: (لا تقل ذلك، قل: لا إله إلا الله)، فهذه كفارة جعلها النبي ﷺ لمن أقسم بغير الله.
стр. 110
حكم الحلف بالطلاق
لو قال قائل: علي الطلاق، فهل هذا قسم أم لا؟
الجواب
كأنه قال: يلزمني الطلاق، فهذه صورة نذر، وأنزلوها منزلة اليمين؛ لأنه أتى بنتيجة اليمين، وذلك أن المقصود الأسمى من اليمين هو: الحض على الفعل أو الامتناع عنه، فلو قلت: والله لتأت، أو والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فالمفاد والمقصود الأعظم من اليمين هو: الحض على الفعل أو المنع، فلو فعل ما أقسمت على المنع منه فعليك أن تكفر عن يمينك، وإن كان قصده من قوله: يلزمني الطلاق، إن ذهبت لأمك مثلاً، أن يمنعها من أن تذهب إلى أمها، فإن كان المقصود الأسمى عنده هو المنع أو التهديد فينزل منزلة اليمين في هذه الصورة.
أما إذا كان مقصوده: تهديدها لمنعها عن الذهاب، فالقسم إذاً يفيد ما أفاده النذر، كيف ذلك؟ مثلاً: لو قال لها: والله لن تذهبي إلى أمك، ولو ذهبت فأنت طالق، فنقول له: ما نيتك؟ إذا قال: نيتي في ذلك أن أمنعها أو أحضها على عدم الذهاب لا غير، فنقول: مقصودك إذاً اليمين، فحكمه حكم اليمين، وقلنا: إن التهديد مفاده أو نتيجته من اليمين لما في الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] وهذه الآية متعلقة بقصة زينب لما كان يأكل عندها العسل أو المغافير، فقالت: عائشة: أكلت مغافير، فقال النبي ﷺ لا آكل، أو قال: حرام علي، أو قال: يلزمني أن لا آكل، هذا يعتبر ماذا؟ يعتبر نذراً، وسماه الله في الآيات يميناً بالنية، أي: أن نية النبي ﷺ الحض على عدم الأكل لا تحريمه حقيقة، فنزل هذا منزلة اليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فنزله منزلة اليمين.
فالحاصل: أن قوله (علي الطلاق)، الأصل فيها النذر، وتنزل منزلة اليمين بالنية، أي: بنية الحالف بها.
следующие страницы →