Полный текст (128 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشفاعة لمن يستحق دخول النار ألا يدخلها
أولاً: الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخل النار ويدخل الجنة من أول وهلة, أي: هم قوم بعدما ناقشهم الله الحساب، وبين الموازين، وثقلت موازين السيئات على موازين الحسنات فاستحقوا النار، فيؤمر بهم إلى نار جهنم، فيقف رسول الله ﷺ ويقف المؤمنون: ربنا إن إخواننا يصلون معنا ويسجدون معنا ويحجون معنا، فيأتي رسول الله ﷺ فيشفع لهم فيدخلون الجنة من أول وهلة، وإن كانت النار هي أحق بهم من الجنة, وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها: أولاً: صلاة الجنازة؛ لأن النبي ﷺ قال عن الميت: (ما صلى عليه من أهل التوحيد إلا شفعهم الله فيه).
وهذا الحديث يدل على الشفاعة الأخروية التي تكون لمن يستحق النار، فيشفع له النبي والمؤمنون ألا يدخل النار، بل يدخل الجنة من أول وهلة.
ووجه الدلالة من هذا الحديث عموم قول النبي ﷺ : (فيشفعهم) أي: إذا كان من أهل الجنة فسيشفعهم فيه، بأن يرتفع بالدرجات، وإن كان من أهل النار واستحق النار فسيقبل شفاعتهم ألا يدخل النار ويدخل الجنة.
إذاً وجه الدلالة: أنهم يشفعون فيه، وقد يكون من الفسق بمكان، من ارتكاب الزنا وشرب الخمر، لكن قدر الله أنه قبل أن يموت قال: لا إله إلا الله، وقال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء الذين يحجرون رحمتك يقولون: إنك لا تغفر لي، اللهم خالفهم واغفر لي، فمات على التوحيد، فيقدر الله له أن يصلي عليه أربعون من أهل التوحيد الخلص، فإذا صلوا عليه ودعوا له وشفعوا له يقبل الله شفاعتهم فيه، سواء كان فاسقاً أو فاجراً؛ وسواء استحق النار من أول وهلة، أو كان مؤمناً تقياً, فالعموم يدل على أن هذه الشفاعة مقررة؛ لأنه يمكن أن يكون من أهل النيران فيشفع فيه الأربعون فيشفعهم الله ويجعله من أهل الجنان.
стр. 37
الشفاعة لقوم دخلوا النار أن يخرجوا منها
من أنواع الشفاعة التي يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون: الشفاعة لأهل التوحيد الذين دخلوا النار؛ لأنهم مستحقون العذاب، وهم قوم قد امتحشوا من النار وصاروا حمماً، فيأتي النبي ويأتي الرسل ويأتي المؤمنون ويقولون: يا ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويزكون معنا ويحجون معنا، فيقول الله جل في علاه: اذهبوا فأخرجوا منها من تعرفون، فيعرفون إخوانهم الذين كانوا يصلون، فهم يقولون: يصلون معنا ويحجون معنا ويزكون معنا، أي: أدوا أركان الإسلام، ومع ذلك هم من أهل النيران؛ لأن سيئاتهم غلبت على حسناتهم، لكن كلمة التوحيد مانعة من الخلود في لنار، فيعرفونهم بمواضع السجود، فيخرجونهم، ثم يقبض الرحمن قبضة يخرج فيها من لم يعمل خيراً غير الصلاة، فيلقيهم في نهر الحياة، فيحيون ثم يدخلون الجنة.
стр. 38
الشفاعة لأهل الجنة في زيادة درجاتهم
آخر نوع من أنواع الشفاعة التي يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون: الشفاعة لأهل الجنة بأن يرتفعوا درجات في الجنة، فهناك أناس يحبون رسول الله، وصحبوا رسول الله، ولكن نزلوا عنه درجة، فهؤلاء يشفع لهم النبي ﷺ ليرتقوا هذه الدرجة.
ومن الأدلة على ذلك: حديث مولى رسول الله ﷺ الذي قدم له الوضوء، فقال له: (تمن، قال: أتمنى مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال له النبي ﷺ : فأعني على نفسك بكثرة السجود) , وأيضاً في حديث أبي سلمة أن النبي ﷺ لما دخل عليه فقال: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في عليين) ووجه الدلالة من الحديث قوله: (وارفع درجته في عليين)، فهذا فيه دلالة على أن النبي ﷺ يشفع لأهل الجنان أن يرتقوا درجات في الجنة، وهذه الشفاعة أيضاًَ يمكن أن يشترك فيها مع النبي ﷺ غيره.
стр. 39
منكرو الشفاعة والرد عليهم
من الذين أنكروا الشفاعة مصطفى محمود، ومصطفى محمود من المعتزلة, لأن المعتزلة هم الذين أنكروا الشفاعة، وقالوا: لا شفاعة، لكن مع ذلك أثبتوا الشفاعة العظمى ولم ينكروها، وإنما أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر, فصاحب الكبيرة عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، أي: أنه في الدنيا لا كافر ولا مؤمن، أما في الآخرة فهو مخلد في النار.
أما الخوارج فقالوا: صاحب الكبيرة كافر في الدنيا والآخرة، وهو مخلد في النار، ولما ناظرهم ابن عباس رجع بثلثي الخوارج.
إذاً: فالمعتزلة كانوا أجبن عند اللقاء من الخوارج، قالوا: لا نقول كافراً؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، لكن هو في منزلة بين المنزلتين، ويسمى فاسقاً في الدنيا، لكن حكمه في الآخرة حكم الكفرة، ولا يمكن أن يكون من أهل الجنان، ولا يمكن أن يشفع له أحد؛ لأن الله نفى الشفاعة عن الكافرين، وهم قد استحقوا الخلود في النار.
فإذاً قول المعتزلة وقول الخوارج ينبثق عن قولهم واعتقادهم بأن أهل الكبائر من الكفار وليسوا من المسلمين، وهذا منهج فيه العطب، فقد ضيع كثيراً من الشباب في مصر والجزائر والسعودية؛ لعدم انضباطهم الفكري، وعدم تعلمهم علم الدين الصحيح على أصله وأسسه.
إذاً: نقول: إن الشفاعة التي أنكرها المعتزلة ثابتة بالسنة الناصعة، وقد أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وأهل الاعتزال وأهل الخوارج من المبتدعة لا يخرمون ولا يخرقون هذا الإجماع بحال من الأحوال.
ويبقى لنا فقط ما قاله المؤلف حيث أتى بحديث عن النبي ﷺ يختم به جواز شفاعة المخلوق للمخلوق بما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنهم قالوا له: (إنا نستشفع بك على الله، وإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ : ويحكم! شأن الله أعظم من ذلك، أو قال: إنه لا يستشفع بالله على أحد) أي: لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، فهم عندما قالوا: (يا رسول الله! إنا نستشفع بك على الله) أقرهم، ولما قالوا: (إنا نستشفع بالله عليك، قال: شأن الله أعظم، إنه لا يستشفع بالله على أحد) فوجه الدلالة كأنهم يقولون: إنا نستشفع بدعائك في حياتك، وبشفاعتك في عرصات يوم القيامة عند البعث، وهذا فيه رد على الذين يستشفعون بالنبي وهو ميت.
إذاً: وجه الدلالة أنهم يستشفعون بدعاء النبي ﷺ ، وهناك آية تثبت ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] أي: يستشفعون بدعائك؛ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤]، فاستشفعوا باستغفار ودعاء النبي ﷺ .
أما إنكار النبي ﷺ قولهم: (وإنا نستشفع بالله عليك) فلعظم حق الله جل في علاه؛ لأنهم بذلك كأنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق، وأما المخلوق فممكن أن يذهب زيد ليشفع لمحمد عند عمرو، وقد يقبل عمرو شفاعة زيد أو يردها، لكن لا يمكن أن يشفع الله عند أحد، ثم هذا المشفوع عنده يقبل كلام الله أو يرده، هذا لا يمكن؛ لأن هذا سوء أدب مع الله؛ ولأن الله هو الحاكم والكل محكوم، والله هو الرب والكل مربوب، والله هو الخالق والكل مخلوق، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
إذاً: الشفاعة كلها يملكها الله جل في علاه، وعباد الله ملك لله جل في علاه، وإذا قضى أمراً فلا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله جل في علاه.
стр. 40
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التوسل
من أعظم القربات والطاعات لله : التوسل، فهو عبادة لا تنبغي ولا تصرف إلا له ﵎، والتوسل منه ما هو مشروع، كالتوسل بالله ، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، والتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الصالحين، ومنه ما هو غير مشروع، كالتوسل بقبر من القبور، أو بذاوت الصالحين، أو بجاه النبي ﷺ ، أو بدعاء الأموات، ونحو ذلك.
стр. 41
معنى التوسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن العلماء قد تحدثوا عن حكم التوسل بالمخلوق، وقبل أن نذكر ذلك لابد من معرفة معنى التوسل وأنواعه.
فالتوسل لغة: هو الطريقة التي يتوصل بها الإنسان المكلف إلى مراد الله جل في علاه، أو هو الأقوال والأفعال التي يتوصل بها المكلف إلى مراد الله جل في علاه، قال الله في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة:٣٥].
والوسيلة بالمعنى العام: هي الطريقة من القول والفعل التي توصل الإنسان إلى مراد الله جل في علاه.
أما التوسل بالمعنى الخاص: فهو الطرق التي يتخذها العبد من الأقوال والأفعال التي يقدمها بين يدي دعائه؛ ليستجاب.
والتوسل عند علمائنا ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
وإذا قسم العلماء التوسل إلى مشروع وممنوع، فإن المنع لا يمكن أن يأتي من هوى، ولا من كيس إنسان، ولا من عند نفسه، إنما يكون من الشرع؛ لأن التوسل قربة من القربات، وعبادة من العبادات، والدليل على أن التوسل عبادة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥].
وإذا قلنا: إن التوسل عبادة، فلنا أن نقول: هناك توسل ممنوع، وتوسل مشروع، ومن صرف التوسل لله فهو على التوحيد، ومن صرفه لغير الله فهو على الشرك.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على أن التوسل عبادة من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه، وإذا كانت عبادة فإن الأصل في العبادات التوقيف، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه ينزل تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله في هذه الآية بأن نبتغي إليه الوسيلة، فأمر بما يحب، وما أحبه ينزل تحت مسمى العبادة، سواء كانت نافلة أو كانت فريضة واجبة، وهذا هو وجه الدلالة من الآية.
إذاً التوسل عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
стр. 42
أنواع التوسل
قال العلماء: التوسل توسلان: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
стр. 43
التوسل المشروع
التوسل المشروع: هو ما كان بالله، والتوسل بالله يتفرع عليه توسل بذات الله، وتوسل بأسمائه الحسنى، وتوسل بصفات الله الكاملة، وتوسل بأفعال الله.
стр. 44
التوسل بالله
القسم الأول: التوسل بالله جل في علاه، ويندرج تحته التوسل بذات الله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال جل في علاه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وقد بينت السنة أن النبي ﷺ كان يتوسل بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، قولاً وفعلاً وتقريراً.
أما بالقول: فكان النبي ﷺ يتوسل إلى ربه ويقول (اللهم أني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتبك، أو استأثرت به في علم الغيب عند) ثم يأتي بالدعاء، وهذا من الأدب الجم مع الله، فالإنسان قبل أن يدعو الله يقدم بين يدي دعائه ثناءً على الله، ولذلك فإن النبي ﷺ لما رأى رجلاً يطلب من ربه دون أن يتأدب، ويتقدم بين يدي دعائه بالثناء على الله والتوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبالصلاة على النبي ﷺ قال: (عجل هذا) فحري ألا تجاب دعوته؛ لأنه تعجل ولم يأت بالآداب التي لا بد أن يتأدب بها بين يدي دعائه.
وأما من تقريره ﷺ : ففي الحديث: (أنه مر على رجل فرآه يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد) فأقره على ذلك، وقال توضيحاً: (لقد سأل الله باسمه الأعظم -أي: توسل إلى ربه باسمه الأعظم- الذي إذ سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وقد علم المكروب إذا توسل إلى ربه لكشف كربته أن يقول: (الله ربي لا أشرك به شيئاً)، وعلم أصحابه الأفاضل الأماجد الأكارم ذلك، فعلم أبا بكر أن يدعو الله في آخر صلاته ويقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) فهذا أيضاً توسل بأسماء الله جل في علاه.
فهذه كلها أدلة على التوسل بأسماء الله، فالأول: خاص، وهو قوله: (بكل اسم هو لك)، فالتوسل أولاً بالله ثم بمجموع أسمائه.
والثاني: توسل باسم من أسماء الله، تقريره ﷺ لمن قال: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت).
أما التوسل بصفات الله سبحانه: ففي الصحيح عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: -متوسلاً بصفات الله-: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وأيضاً ورد بسند صحيح أنه ﷺ عندما طلب من ربه طلباً وأبى عليه قال: (أعوذ بوجهك)، وفي بعض الروايات: (أعوذ بوجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض)، وكان كثيراً ما يقول: (برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وهذه الأدلة فيها توسل بصفات الله جل في علاه، فقوله: (أعوذ بكلمات الله) فيه توسل بكلمات الله، وكلمات الله صفة من صفاته.
والدليل على أن الكلمات صفة من صفاته: هو أنه أضافها إليه، والمضاف لله نوعان: إضافة معاني، وإضافة أعيان، فإضافة الأعيان تكون إضافة تشريف: كبيت الله، وناقة الله، وعيسى روح الله، فهذه إضافة أعيان، فعيسى ليس صفة من صفات الله، وكذلك الكعبة والناقة ليستا من صفات الله، وإنما أضيفت لله إضافة تشريف.
والنوع الثاني: إضافة معاني: ككلام الله، وعزة الله، ورحمة الله، فالرحمة والعزة والكلام ليست أعياناً قائمة بذاتها، والرسول ﷺ استعاذ بكلمات الله، فأضافها إلى الله، وهذا يدل على أنها صفة من صفاته جل في علاه، وهي من صفات الكمال.
وقوله: (أعوذ بوجهك) فيه استعاذة بوجه الله الذي هو صفة من صفاته.
ومن توسله ﷺ بصفات الله قوله: (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث) فيتوسل بصفة من صفات الله، وهي الرحمة، واستغاث بصفة من صفات الله جل وعلا، وعلم أصحابه ذلك أيضاً.
وكان النبي ﷺ يقول: (أعوذ بوجهك الكريم) فأضاف الوجه إلى الله، وهذه إضافة صفة للموصوف، فقد توسل بصفة من صفات الله.
ومن التوسل المشروع بالله جل في علاه: التوسل بأفعال الله: فإذا رأى العبد فعلاً من أفعال الله فله أن يتوسل به؛ ليستجاب دعاؤه، فيقول مثلاً: اللهم بنجاتك لنوح، نجني من المهلكات، فقد نادى نوح ربه جل في علاه فاستجاب له.
ومن التوسل بأفعال الله أن يقول العبد بين يدي دعائه -كما في الحديث-: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أي: كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم فارحم محمداً وآل محمد، والصلاة هنا: الثناء، كأننا نقول في دعائنا وصلاتنا: اللهم كما أثنيت على إبراهيم في الملأ الأعلى، وأثنيت على آل إبراهيم في الملأ الأعلى، فأثن على محمد ﷺ في الملأ الأعلى، وهذا توسل بأفعال الله جل في علاه، وهو توسل مشروع.
стр. 45
توسل العبد بأعماله الصالحة وأقواله وأحواله
القسم الثاني: توسل العبد بأقواله وأفعاله وأحواله، فهذه ثلاثة أمور، مثال ذلك: أن يتوسل المرء بإيمانه بربه جل في علاه، كما قال الله تعالى مخبراً عن الحواريين أنهم توسلوا بأفعالهم الصالحة، ومنها الإيمان فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]، فتوسلوا بالإيمان بما أنزل الله جل في علاه، وتوسلوا بفعل آخر، وهو اتباع الرسول، وليس بالإيمان فقط، وفي هذا دلالة على أن اتباع أي نبي هو من الأعمال الصالحة، بل من القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه، ومن الواجبات المفروضة، فقدم الحواريون بين يدي دعائهم توسلاً بأقوال وأفعال، كالإيمان بما أنزل الله واتباع الرسول.
وقال الله تعالى عن المؤمنين مبيناً ما فعلوه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، فتوسلوا إلى ربهم بإيمانهم، وهذا من آداب الدعاء، وتوسلوا بالسمع والطاعة، كما في قوله تعالى: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومن التوسل بالأفعال: ما قصه علينا النبي ﷺ كما في صحيح البخاري عن الثلاثة الذين احتجزوا في الغار، وسدت الصخرة عليهم باب الغار، فقام أحدهم وقال: لا نجاة لكم من هذا المأزق إلا أن تتوسلوا إلى الله جل في علاه بأعمالكم الصالحة، فقام الأول يبين لربه جل في علاه، أنه كان باراً بوالديه، فإن كان هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، -أي: بر الوالدين- ففرج عنا، ففتحت فتحة، فهذا دلالة على أنه توسل وتقدم بين يدي دعائه بالأعمال الصالحة، والثاني توسل بالبذل بإخلاص، وبالكف عن حرمات الله جل في علاه، خوفاً وفرقاً من الله جلا في علاه، وذلك عندما قعد من المرأة مقعد الزوج من زوجه، فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فارتاع وفزع فرقاً من الله جلا في علاه، ثم قام عنها وأعطاها المال، فتوسل بهذا العمل الصالح، وقال: إن كان ذلك العمل خالصاً لوجهك ففرج عنا، ففرج الله عنهم، والثالث كان أميناً، وكان عنده أجرة لأجير، فبناها له وكثرها، وأعطاها إياه، ففرج الله عنهم بتوسلهم الصحيح، وهذا أيضاً توسل بالأعمال الصالحة.
وأما التوسل بالأحوال: فكأن تكون في مأزق شديد أو في كربة، فتقول اللهم أنت أعلم بحالي وما أنا فيه من مأزق، اللهم فرج عني، وقد فعل أبوا الأنبياء ذلك عندما أضرموا النار وألقوه فيها، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكأنه يقول: الله جل وعلا أعلم بحالي وهو حسبي وكفيلي، فتوسل بحاله، وهذا ما جاء في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، قال (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم حينما ألقوه في النار، وقالها أصحاب محمد حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، فهؤلاء توسلوا بأحوالهم، وأيوب وزكريا وغير هؤلاء توسلوا بأحوالهم كذلك، قال الله تعالى واصفاً كيف كان يتوسل أيوب بحاله لربه فيقول: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، فاستجاب الله له وقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤].
وتوسل ذي النون فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وتوسل زكريا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨]، ويقول: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤].
فتوسل لله جل وعلا بأحواله.
стр. 46
التوسل بدعاء الصالحين
القسم الثالث: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا الذي يصح فقط، وهو أن يأتي إلى رجل من الصالحين، فيتوسل إلى الله بدعائه، لعل الله يقبل من هذا الصالح الدعاء الذي يتوسل به، والأدلة على ذلك كثيرة منها: أن النبي ﷺ قال كما في الصحيح: (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قيل: من هم يا رسول الله؟! فقال: هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، -يتوسل بدعاء النبي؛ ليصل إلى هذه الدرجة- فقال: يا رسول الله! ادعو الله أن أكون منهم، فقال: أنت منهم) فهذا توسل بدعاء الصالحين، والشاهد هو قول عكاشة بن محصن: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال النبي ﷺ أنت منهم) وهذا يستدل به علماؤنا على أنه يصح للإنسان أن يتوسل بدعاء الصالحين، وهذا ما يفعله بعض الناس الآن، فإذا سلم أحدهم على الآخر أو ودعه يقول: لا تنسنا من فضل دعائك، وهذا من التوسل بدعاء الصالحين، وإن كان البعض قد يفعل ذلك ولا يعلم ما الدليل على فعله، وهل هو صواب أو خطأ؟ ووجه الدلالة من هذه القصة على جواز التوسل بدعاء الصالحين هو إقرار النبي ﷺ لـ عكاشة، ولو كان التوسل بدعاء الصالحين ممنوعاً لما أقر النبي ﷺ عكاشة، ولكنه أقره، بل قال له: (أنت منهم).
ففي هذه القصة دليل على أنه يصح للإنسان أن يتوسل بدعاء الصالحين.
ومن الأدلة على جواز التوسل بدعاء الصالحين: قول النبي ﷺ لـ عمر بن الخطاب عندما ذهب للعمرة: (يا أخي! لا تنسانا من دعائك) وهذا حديث ضعيف، لكن يستأنس به مع هذا الدليل الصحيح، وقد احتج به شيخ الإسلام ﵀.
ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى عن إخوة يوسف عندما ظهر كيدهم لأخيهم، وعلموا أن الله قد رفع يوسف عليهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٧ - ٩٨]، قال العلماء: أخرها إلى السحر لأنه أرجى في القبول.
وفي هذه الآية دلالة على صحة التوسل بدعاء الصالحين، ووجه الدلالة هو أن الله أقر إخوة يوسف على طلبهم، وأقر يعقوب أيضاً على إقراره لهم بالسؤال أن يستغفر لهم.
стр. 47
أمثلة على التوسل المشروع من الكتاب والسنة
قال الله تعالى حاكياً عن امرأة عمران أنها قالت: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، وذكر عن زكريا أنه دخل على مريم وقال ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨]، وأيضاً ذكر الله لنا عن قصة يونس ذا النون أنه لما ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وعلمنا النبي ﷺ أن المرء عندما يحس بوجع في رأسه أو في صدره، أو في أي مكان من جسده أن يضع يده عليه ويقول: (أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر) وكان النبي ﷺ يقول (إذا دخل العبد مكاناً فقال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لا يضره شيء) ولذلك كان القرطبي يقول: كنت أعض بالنواجذ على هذا الذكر، فطلبني الجن فقلت: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، فمروا من أمامي ولم يروني، وهذه المسألة تحتاج إلى يقين بالله جل في علاه.
فهذه الآيات والأحاديث فيها أنواع من التوسل المشروع، فقوله تعالى عن امرأة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥] فيه أنها توسلت بين يدي دعائها بالنذر، فقالت ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥].
والصحيح إن النذر عبادة، وهل هو محمود أو مكروه؟ الصحيح أن أقل درجاته أنه مكروه، وإذا وفى به المسلم فهو محمود.
وهذا النذر كان فيه أدب مع الله، فلم يكن معلقاً، حيث نذرت أن الله إن أعطاها ذكر أو أنثى فإنه لله، فقالت: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران:٣٥].
وكان دعاؤها هو: فتقبل مني، وتوسلها كان بإسمين من أسماء الله: السميع العليم، قالت ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥].
والسميع يتضمن صفة السمع، والعليم يتضمن صفة العلم، وهما من صفات الكمال.
ثم توسلت أيضاً بحالها، وكأنها تقول: بما أنك تسمعني وتعلم بحالي فتقبل مني.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨].
في هذه الآية توسل بصفة السمع في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]، وفيها أيضاً أن زكريا نظر فوجد عند مريم ﵍ ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، وهذا فعل من أفعال الله، فلا يستطيع أن يفعل ذلك إلا هو، وما دام الله يفعل ذلك وهو في حيز البشر مستحيل، فإن زكريا ﵇ دعا الله وتوسل إليه بفعله المستحيل -وهو الرزق الذي أنزله على مريم- أن يرزقه الولد، وهو كبير السن وامرأته يائسة، كما رزق مريم من ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء، وهذا توسل بأفعال الله جل في علاه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فيه أن يونس ﵇ توسل إلى الله بخمسة أنواع من التوسل المشروع: النوع الأول: توسل إلى الله بحاله ضمناً فهو في الظلمات الثلاث، فكأنه يتضرع بحاله إلى ربه أن ينقذه مما هو فيه.
الثاني: توسل بأعماله الصالحة، وهو أنه قال: لا إله إلا أنت، فأقر بتوحيد الله، والإقرار بالتوحيد من أفضل الأعمال الصالحة التي يتوسل بها العبد إلى ربه، ولذلك قال العلماء: أفضل ثناء على الله بما هو أهل له: توحيده، بأن يقول العبد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
الثالث: توسل بحاله، وهو الإقرار بالظلم.
الرابع: توسل بقوله: (سبحانك)، وهذا أيضاً من الأعمال الصالحة؛ لأن التسبيح تنزيه الله عن كل نقص.
الخامس: توسل بذات الله جل في علاه بأسماء الله الحسنى، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وإن كان توسله بالأسماء الحسنى ليس ظاهراً، إلا أنه عندما قال: (لا إله) أثبت اسم الإله، والإله إذا انفرد يدخل معه الرب، فكأنه توسل بربوبية الله جل في علاه.
ومن التوسل أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل -وهذا دأب الصالحين- استفتح صلاته فقال: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، اهدني لما اختلف فيه من الحق، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) ففي قوله: (اللهم رب) توسل بذات الله أو بربوبيته جلا في علاه، وكأنه يقول: اللهم إني أقررت بأنك رب، أو بأنك الرب الخالق الرازق المدبر، وتقدر على كل شيء بقولك كن فيكون.
وقوله: (إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) توسل بفعل الله، وهو هدايته جل وعلا لأوليائه إلى الصراط المستقيم، فكأنه يقول: كما فعلت بأوليائك كذلك فافعل بي، (وهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك).
ومن التوسل: التوسل باسم الله الأعظم، وهو الله.
стр. 48
التوسل الممنوع
стр. 49
التوسل الشركي
التوسل الممنوع هو: ما منعه الشرع؛ لأن التوسل عبادة، فصرفها لغير الله شرك، ولم يبحه الشرع، وإنما بين حرمته، وهو على قسمين: الأول: شرك محض، وإنما سمي توسلاً من باب التجور، وهذا التوسل أو الشرك هو الذي يذهب فيه المكلف إلى ميت أو قبر من قبور الصالحين، أو قبور الأنبياء، كقبر النبي محمد ﷺ أو قبر موسى أو قبر صحابة رسول الله ﷺ ، فيسألهم تفريج الكربات وسد الخلات وإعطاء الحاجات، ويسألهم نزول المطر وشفاء المريض وغير ذلك، وهذا نوع من أنواع الشرك المحض، وهو واقع مشاهد نشاهده دائماً فيمن يذهبون إلى إبراهيم عبد الباعث، ويقفون عند قبره، ويسألونه إنزال المطر أو تفريج الكربات، وبعضهم يحجون للـ بدوي، ويتركون الحج إلى بيت الله الحرام، فينفقون أموالاً طائلة، ويذهبون بالملايين إلى البدوي يسألونه تفريج الكربات وسد الحاجات، أو إنزال الخيرات، وهذا من الشرك، وإذا سألتهم أو خاصمتهم ونازلتهم على ما يفعلون، يقولون بما قال مشركوا العرب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
فمن هنا سمي هذا الفعل توسلاً؛ لأنهم قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله، وليست هذه العبادة قصداً لهم، بل هي لله، لكن لا بد لنا من حاجب يدخلنا عليه، فهذا الحاجب يصرفون له هذه العبادة ليدخلهم على الله، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وهذا التوسل المحض شرك أكبر يخرج من الملة، فهو شرك من وجهين: الوجه الأول: شرك في الإلهية.
الوجه الثاني: شرك في الربوبية أي: أنهم كفروا من وجهين: أما الشرك في الإلهية: فلأنه صرف عبادة لا تكون إلا لله لغير الله، وهذه العبادة هي الدعاء.
والدليل على أن الدعاء عبادة: حديث النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، وقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فوجه الدلالة: أنه سبحانه سمى الدعاء عبادة وأمر به، ولا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه سبحانه عبادة، والقاعدة: أن كل عبادة ثبتت بالشرع فصرفها لله توحيد خالص، وصرفها لغير الله شرك، فمن دعا البدوي أو الجيلاني أو إبراهيم عبد الباعث أو أبي الدرداء أو المرسي أبي العباس فقد صرف الدعاء لغير الله فأشرك في الإلهية.
وأما الشرك في الربوبية: فإن ذهب وسأله تفريج الكربات، وقال: مدد يا بدوي! والمدد طلب العون من غير الله، فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، والذين كسروا ما يتعلق بذلك القبر فقد أخطؤا؛ لأن هذا العمل ينزل تحت المصالح والمفاسد، فعندما قام البعض بالتكسير جاء المنتصرون للقبر وجددوا البناء بالحديد، وكتبوا عليها: مدد يا بدوي! وقد قعد شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك قاعدة وهي: أنه من أنزل المخلوق منزلة الخالق، أو الخالق منزلة المخلوق فقد كفر، فالمكلف إذا فعل ذلك فقد أنزل المخلوق منزلة الخالق من وجهين: الوجه الأول: أنزله منزلة الخالق؛ لأنه صرف له عبادة لا تكون إلا للخالق.
الوجه الثاني: أنزله منزلة الخالق؛ لأنه اعتقد فيه أنه يحرك الكون من دون الله جل في علاه، أو يستطيع أن يفرج الكربات من دون الله جل في علاه، فهذا اعتقاد شركي.
إذاً: القسم الأول من التوسل الممنوع هو الشرك، أو التوسل الشركي الذي يخرج به صاحبه من الملة، وإطلاق التوسل عليه تجوزاً.
стр. 50
التوسل البدعي
الثاني: التوسل البدعي: وهو التوسل بذوات الصالحين، أو بجاه الصالحين، ويستدل أصحابه بقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، فلهم المكانة الراقية والعالية عند ربهم بقول الله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
ومن ذلك التوسل بجاه النبي على أنه هو أكرم خلق الله على الله، قال الله تعالى يقسم بحياة النبي: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
وقالوا أيضاً: إن مكانة النبي عند ربه لعظيمة، وله جاه عظيم، فعندما يكون الناس في كرب شديد يذهبون يتوسلون بشفاعة النبي ﷺ وبجاهه، فترى الداعي منهم يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك عندك أن ترزقني، أو تشفي مريضي، وهذا له وجه، فقد قال بهذا القول العز بن عبد السلام، بل نقل عنه الشوكاني أنه قال: لا توسل يجوز إلا بجاه النبي ﷺ ، أي: أنه لغى حتى التوسل المشروع، ثم قال: هذا إن صح الخبر، وهذا ينم عن فحولة العالم الرباني سلطان العلماء، فلا يستنير إلا بضوء الآثار، ويعلق كلامه على تصحيح الخبر، والخبر هو ما جاء عن عثمان بن حنيف أن النبي ﷺ (جاءه رجل ضرير وقال للنبي ﷺ : ادع الله لي أن يشفيني، فقال له النبي ﷺ : إن شئت صبرت ولك الجنة -كما في حديث المرأة المصروعة- وإن شئت دعوت الله لك، قال: ادع الله لي، فقال له النبي ﷺ : اذهب فتوضأ، ثم صل، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك، وأسألك بنبيك يا محمد يا نبي الرحمة! إني أتوجه بك إلى الله جل في علاه، ثم قال: اللهم شفعه في وشفعني فيه) وكل هذا محتمل، لكنهم استدلوا بأنه ﷺ صرح بذلك في لفظ آخر للحديث فقال: (فإن كانت لك حاجة فأت مثل ذلك) قالوا: وهذه دلالة واضحة، وفيها تصريح بجواز التوسل بجاه النبي ﷺ حياً أو ميتاً.
ووجه الدلالة هو عموم قول النبي ﷺ : (فإن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك) بمعنى: إذا عرضت لك الحاجة سواء كنت حياً أو ميتاً فافعل ما أمرتك به، واستدلوا على ذلك أيضاً بزيادة في بعض الأحاديث: أن الراوي نفسه الذي قال هذا الحديث استدل به على التوسل بجاه النبي ﷺ ، وذلك في خلافة عثمان، قالوا: فهذا دليلنا على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ .
стр. 51
حكم التوسل بجاه النبي
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن التوسل بجاه النبي ﷺ توسل بدعي؛ وذلك لما يأتي: أولاً: من جهة الأثر، فنحن نتعبد الله بقال الله وقال الرسول، فأتونا بأثر عن الله ورسوله بأنه يجوز للإنسان أن يقول: اللهم بجاه النبي أعطني كذا، فإذا لم يجدوا فالأصل في العبادات التوقيف، يقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وإذا كان التوسل عبادة فلا يمكن أن يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه إلا بأثر، ولا أثر عندكم، فإن قلتم: هذا زعم باطل، فهذا الأثر عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً الحديث) قلنا: هذا دليل محتمل، قالوا: إن هناك زيادة في الحديث قد نصح الراوي بها رجلاً أعمى في خلافة عثمان أن يدعو بمثل ذلك، قلنا: الحديث إن صح فسمعاً وطاعة، وأول من يتوسل بجاه النبي نحن؛ لأننا تعبدنا الله بالآثار، وندور مع شرعنا حيث دار، لكن لنا معكم وقفات في هذا الحديث: الأولى: أن هذه الزيادة في الحديث التي ذكرتموها ضعيفة، وإن كان أصل الحديث صحيحاً، ولكن قوله: (فإن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك) فقد أجمع المحدثون على أنه ضعيف، ولم يصححه أحد من أهل العلم، والأحكام والتعبدات فرع عن التصحيح، فلا حجة لكم فيه.
ثم نقول من باب التسليم جدلاً: إن صح الحديث فله توجيه آخر، وهو: أن النبي ﷺ قال: (إن كانت لك حاجة فأت بمثل ذلك)، المقصود منه: إن كانت لك حاجة فتعال إلي ادعو لك، وخذ هذا الدعاء وسيلة؛ ليقضي الله حاجتك، فإن قالوا: من أين أتيتم بهذا الفهم؟ قلنا: أتينا به من الأثر ومن فعل الأصحاب، أما من الأثر: فإن الراوي وهو يروي الحديث قال: إن الرجل قال: يا رسول الله! ادع الله لي، وهذا ليس توسلاً محضاً بذات النبي، بل هو صريح في طلب الدعاء منه ﷺ ، فقوله في صدر الحديث: يا محمد ﷺ ! يا نبي الرحمة! أتوسل بدعائك، وقوله: ادع الله لي، يبين لنا أنه توسل بدعاء النبي، ثم قال الرجل بعدما انتهى من الصلاة: (اللهم شفعه في وشفعني فيه) وهذه الزيادة ثابتة، ومعناها: تقبل دعائه في، واقبل توسلي بدعاء النبي ﷺ لي، وهذا توسل ظاهر بدعاء النبي ﷺ ، فرد الله عليه بصره.
الثانية: من فعل الأصحاب، فإن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لما جاءه قومه وقالوا: هلك المال وجاع العيال، فتذكر عمر الأيام الخوالي وبكى، وكأنه يقول: أين أنا من رسول الله عندما دخل عليه رجل وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وجاع العيال؟ وقال -وكأنه يتوسل بدعاء النبي ﷺ : ادع الله أن أن يغيثنا، فقال النبي ﷺ : (اللهم أغثنا، فما نزل النبي ﷺ من على المنبر، إلا والمطر يتحادر من على لحيته) فذهب عمر إلى العباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك، واليوم نتوسل إليك بعم نبينا، أو بعم نبيك فاسقنا، -فتوسل بدعاء العباس، وهذا ظاهر وجلي بفضل الله فقام عمر على مجمع ومحفل من الصحابة وقال: يا عباس! قم فادع الله أن يسقينا، والمعنى: نتوسل بدعائك لقرابتك من النبي ﷺ ، فسقاهم الله جل في علاه، وكان عمر فقيهاً عالماً محدثاً، وكان الصحابة أعلم بكل صغير وكبير، ودقيق وجليل عن النبي ﷺ ، فعلمهم وتربوا على مائدته، فلو كان من الجواز بمكان أن يذهبوا إلى قبر النبي فيتوسلوا بجاهه لفعلوا، فلما امتنعوا من ذلك مع وجود الحاجة إليه دل على أنه لا يجوز التوسل به ﷺ ، وهناك قاعدة قعدها العلماء، فقالوا: إذا وجد المقتضي وانتفى المانع، ولم تحدث العبادة فهي حرام باطلة، فالمقتضي هنا موجود وهو الجدب وهلاك المال وجوع العيال، والمانع منتفي، فليس هناك ما يمنعهم أن يذهبوا إلى الحجرة الكريمة، ويقولوا: اللهم إنا نتوسل إليك بجاه النبي أن تسقنا، ولم يفعل عمر ولا الصحابة ذلك، وأجمعوا إجماعاً سكوتياً على فعل عمر وذهابه إلى العباس يستسق بدعائه، فدل ذلك على أن هذا إجماع من الصحابة، وأنه لا يجوز بحال من الأحوال التوسل بجاه النبي ﷺ .
وأما قول العز بن عبد السلام بجواز التوسل بجاه النبي ﷺ ، فإنه قد علق الجواز على صحة الخبر، وإذا كان الخبر فيه هذه الزيادة التي لم تصح فلا حجة فيه.
إذاً: التوسل البدعي هو أن يتوسل بشيء أجنبي عن الدعاء، كجاه النبي ﷺ ، وهذا التوسل لا يجوز، ولا ينفع صاحبه بشيء.
стр. 52
التوسل بدعاء الأموات
النوع الأخير: وهو التوسل الشركي المتوسط، فالشرك طرفان ووسط: فالطرف الأول: شرك أكبر مخرج من الملة، والطرف الثاني: مختلف فيه، والخلاف فيه غير سائغ؛ لأنه لا دليل عليه، وهو التوسل بجاه النبي ﷺ ، والوسط هو: التوسل بدعاء الأموات، وهو شرك أصغر، وأما أن يذهب الإنسان إلى الميت فيقول: يا بدوي! فرج كربتي وسد خلتي، أو مدد يا بدوي! فهذا حرام، من النوع الأول، أي: التوسل الشركي.
لكنه في هذا النوع المتوسط من أنواع التوسل أصبح يقول: يا بدوي إن روحك طيبة، وأنت الآن عند ربك، وولي من أولياء الله الصالحين، فادع الله أن يغفر لي زلاتي، وأن يرزقني الولد، وأن يشفي مرضاي، فهذا لم يصرف العبادة لغير الله، ولم يقع في الشرك الأكبر، ولا اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، ففر من الأمرين: من صرف العبادة لغير الله فلم يقع في الشرك الأكبر، وفر أيضاً: من الاعتقاد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله؛ لأنه لا يعتقد أن البدوي يستطيع أنه يشفي مريضه أو يغفر زلاته، ولكن يقول: إن البدوي يسمعني، فأنا أقول له -وهو رجل صالح- ادع الله لي.
ودليلهم على جواز مثل ذلك ما يأتي: أولاً: أن الأولياء الذي قد ماتوا لهم مكانة عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
وقال النبي ﷺ عن الله في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
ثانياً: أن النبي ﷺ أثبت لنا أن الأموات يسمعون، فالميت يسمعنا ويرد علينا السلام، فيذهب إلى الله بروحه فيدعو الله لنا، والدليل على أن الأموات يسمعون قول النبي ﷺ : (يا أبا جهل! هل وجدت ما وعد الله حقاً؟ يا فلان هل وجدت ما وعد الله حقاً؟ فقال له عمر: يا رسول الله! هم أموات أيسمعون؟ قال: هم أسمع منكم اليوم).
ومن الأدلة على أن الأموات يسمعون كذلك: أن النبي ﷺ قال: (من سلم أو صلى علي رد الله علي روحي فأسلم، أو أرد ﵇ فهذه دلالة على أنه ﷺ يسمع وهو ميت.
ومن الأدلة أيضاً: قول النبي ﷺ (وإن الميت ليسمع قرع نعالهم) وقد قال: عمرو بن العاص عند موته: فقفوا عند قبري مقدار ذبح جزور حتى استأنس بكم.
فقالوا: هذه أدلة على أن الأموات الصالحين يسمعوننا، فنحن طلبنا منهم أن يدعوا لنا قياساً على طلب الدعاء من الأحياء، فـ عكاشة بن محصن قال: للنبي ﷺ : يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فإذا كان النبي ﷺ وهو حي يسمع ويدعو فيجوز أن نسأله هو وغيره من الأموات أن يدعو لنا، ونقول: ادع الله لنا يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، أي: قالوا: يا رسول الله! استغفر لنا، فاستدلوا بالأثر والنظر، وقالوا: هذه أدلة على جواز سؤال الدعاء من الأموات.
стр. 53
مذهب أهل السنة في التوسل بدعاء الأموات ومناقشة رأي المجيزين
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن التوسل بدعاء الأموات شرك، والدليل على ذلك أن عمر استسقى بدعاء العباس ولم يستسق بالميت، وهذا فيه دلالة على عدم الجواز، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
إذاً: فالتوسل بدعاء الأموات لا يصح لأدلة منها: أنه لو كان جائزاً لعلمه النبي ﷺ أصحابه؛ لأن أبا ذر نظر إلى طائر يطير في السماء فقال: هذا الطائر يقلب جناحيه، ولنا في تقليب الجناح علم من رسول الله ﷺ ، فما ترك النبي ﷺ شيئاً إلا علمنا إياه، فلو كان التوسل بدعاء الأموات جائزاً لعلمنا رسول الله ﷺ إياه، فلما لم يعلمنا ذلك ولم يرد أثر ولا نظر ولا قياس ولا فعل من النبي ﷺ دل ذلك على أنه لا يصح، وقد علمنا النبي ﷺ بديلاً عن التوسل بدعاء الأموات وهو التوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأحياء، ولم يرد عنه التوسل بدعاء الأموات، ولما بين لنا جواز التوسل بدعاء الأحياء، وسكت عن دعاء الأموات دل على أنه غير مشروع.
وهذا هو الدليل على عدم جواز طلب الدعاء من الأموات، فإن لم يستطيعوا الجواب عليه فلابد من الرد على أدلتهم التي استدلوا بها على جواز ذلك، فقد قالوا بجواز دعاء الأموات لأمرين: الأمر الأول: أن لهم جاهاً عند الله جل في علاه.
الأمر الثاني: أنهم يسمعون من يسألهم.
والجواب على الأمر الأول هو: أننا نقر على أن للأموات الصالحين وجاهة عند الله، وهذه الوجاهة لا تنفعكم وإنما تنفعهم هم، فتوسلكم بوجاهتهم عند الله توسل بأجنبي.
وأما الجواب على الأمر الثاني فهو: أن الأموات لا يسمعون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فنفى الله جل وعلا أن أهل القبور يسمعون، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل:٨٠]، فنفى سبحانه سماع الموتى، فإن قالوا: أنتم نفيتم ونحن اثبتنا النفي، والقاعدة تقول: إن المثبت يقدم على النافي، فنحن أثبتنا أن النبي ﷺ قال: (يسمعون قرع النعال) قلنا: اتفقنا معكم على هذا السماع، لكن هذا السماع سماع خاص وليس بعام؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: يسمعون أحوالكم وكلامكم، وإنما قال: (يسمعون قرع نعالكم)، وقال: يسمعون السلام فقط، فهذا دليل خاص، ودليلنا عام، فلا نحمل العام على الخاص، وإنما يبقى العام على عمومه ويعمل به في عمومه، إلا في حالة واحدة خاصة، والأصل: أن الموتى لا يسمعون بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠].
فالموتى لا يسمعون إلا في حالة واحدة، بينها وأظهرها النبي ﷺ ، وهي: قرع النعال عند الدفن، أو سماع السلام، لكنكم تذهبون وتسألونهم أن يدعوا لكم، وهم لا يسمعون.
وإن سلمنا جدلاً أن الموتى يسمعون كلامكم، فأنتم تذهبون إليهم وتقولون: ادعوا الله لنا، وتذهبون للبدوي وتقولون: ادع الله أن يغفر لنا، فإن ما يقوم به الموتى بزعمكم هو عمل، والنبي ﷺ يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، فبطلت مع ذلك حجتكم.
بقي أمر واحد وهو: قياسهم دعاء الأموات على دعاء الأحياء، واستدلالهم بقول: عكاشة: ادع الله لي يا رسول الله! أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ : أنت منهم) وقياسهم دعاء النبي بعد مماته على دعائه بعد حياته؛ لقول الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤].
فيجاب عليه بالآتي: أولاً: هذا القياس قياس فاسد الإعتبار؛ لأنه صادم النصوص.
ثانياً: هذا القياس قياس مع الفارق، والفارق هو: أن الحياة البرزخية لا تقاس على الحياة الدنيوية، والله جل وعلا يبين أنه لا يستوي الأحياء والأموات عموماً، وهذه الحياة البرزخية حياة غيبية لا نعلمها، وأنتم قستم ما علمتم على ما لم تعلموا، فالحياة البرزخية تخالف الحياة الدنيوية، فأصبح قياسكم قياساً مع الفارق، وهو فاسد الاعتبار لا يصح.
فينبغي على من سمع هذه الأدلة ألا يقول: بالتوسل بدعاء الأموات، ولا بجاه النبي ﷺ ، بل التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وبذاته تعالى وأفعاله.
стр. 54
شبهة والرد عليها
حكى الإمام الشوكاني عن بعض العلماء أنهم قالوا: لا توسل لا بالذوات ولا بالأرواح ولا بالأفعال ولا بالإيمان ولا بالأعمال الصالحة، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى أمراً نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الأعراف:١٨٨]، فإذا توسلوا بدعائه فهذا نفع، وهو لا يملك لنفسه نفساً ولا ضراً، فمن باب أولى لا يملك لغيره.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩].
فهذه أدلة على أن التوسل بدعاء الأنبياء في حياتهم، وبدعاء الصالحين لا يصح.
والجواب على ذلك بالأدلة التي أثبتت جواز التوسل بدعاء الصالحين، منها قول عكاشة: ادع الله لي يا رسول الله.
ومنها: قول النبي ﷺ لـ عمر في الحديث: (ادع الله لنا يا عمر) وهو حديث ضعيف، ولكن يستأنس به، وفيه إثبات من النبي ﷺ لطلب الدعاء من الأحياء، وما أتوا به من الأدلة نافية، والمثبت يقدم على النافي، وهذا هو الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن دليلنا قطعي، وهو قول عكاشة: ادع الله لي، وقوله ﷺ : (أنت منهم، أو قال: قد دعوت فأنت منهم)، ودليلكم محتمل، وهو قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار:١٩] ووجه الاحتمال: أن هذا في يوم القيامة، ولا ملك يومئذ إلا لله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [غافر:١٦]، فالاستدلال بهذه الآية في غير محل النزاع، والنزاع كله في أمر الدنيا، وهو التوسل بدعاء الصالحين، وهو في الآخرة، والآخرة كلها لله جل في علاه.
أما قول الله تعالى أمراً نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الأعراف:١٨٨]، فهو بيان لحال النبي ﷺ على العموم، فهو لا يملك نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، وقد أذن الله له بالشفاعة في الآخرة، وأذن له بالدعاء لإخوانه في الدنيا، فالدليل لنا وليس علينا، فنحن نوافق على أن النبي لا يملك نفعاً ولا ضراً، لا لنفسه ولا لأحد من الناس، إلا إذا مكنه الله، وقد مكنه بالدعاء للصالحين من أصحابه، ومكنه من الشفاعة في الآخرة.
فالخلاصة أن التوسل الصحيح: هو أن يتأدب العبد مع الله؛ حتى يستجيب دعاءه، ويتقدم بين يدي دعائه بأقوال وأفعال كلها عبادات، ويتوسل بذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه، فيقول: يا رحمان! ارحمني، يا رزاق! ارزقني، وأما يا جبار! اغفر لي، فهو خطأ وسوء أدب مع الله؛ لأنه لابد من الإتيان بما يناسب الحال، كأن تقول: يا جبار! انتقم من الظالمين، ولا تقل: يا جبار! ارحمني، بل: يا رحمان! ارحمني، وهذا من الأدب في التوسل بأسماء الله وصفاته.
وأيضاً: التوسل بالأعمال الصالحة، كما فعل أصحاب الغار وغيرهم، وهذا أخر ما تكلم عنه الشوكاني ﵀ في التوسل.
стр. 55
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التبرك [١]
وصف الله نفسه في غير موضع من القرآن الكريم بـ (تبارك)، فمنه وحده تستمد البركة وتلتمس، ولا يمكن أن يلتمسها العبد من غيره؛ لأنه قد يقع في الشرك المنافي للتوحيد الخالص، وقد استمدت بعض الأماكن والأزمنة بعض البركة المشروعة، والتي يجوز أن يلتمس المسلم منها شيئاً.
стр. 56
معنى التبرك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فسنتكلم بمشيئة الله تعالى على مسألة مهمة جداً، ألا وهي: مسألة التبرك، وهي مسألة شائكة في توحيد الألوهية، لا سيما وأن فيها خلافات لبعض أهل العلم، فلا بد من إتقان مثل هذه المسألة.
فالتبرك: من البركة، والبركة لغة: ثبوت الخير أو زيادته ونمائه؛ والبركة ما سميت برْكة إلا لثبوت الماء فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]، فهو يدل على ثبوت الخير، أو طلب ثبوته وزيادته ونمائه.
ومعنى التبرك: طلب البركة، أي: أن من تبرك فقد طلب ثبوت الخير وزيادته ونمائه، فأما أن نقول: عنده خير فتتبرك بأمر معين لثبوت هذا الخير له، وأيضاً تبرك لزيادته ونمائه.
والتبرك عبادة؛ لأن الطلب سؤال ودعاء، والدعاء عبادة، وقد بينا سابقاً أن الأدلة على أن الطلب والسؤال عبادة، قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
وقال النبي ﷺ لـ ابن عباس ناصحاً إياه: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
والتبرك منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مختلف فيه؛ لأن القاعدة تقول: الأصل في العبادات أنها توقيفية، وإذا ثبت الأمر أنه عبادة، فصرفه لا يكون إلا لله، وصرفه لغير الله شرك.
стр. 57
اتصاف الله بصفة البركة
يتصف الله جل وعلا بـ (تبارك)، ولا يصح أن يصف المسلم ربه إلا بتبارك؛ لأنه لم يرد صفة من صفاته انفرد الله بها جل في علاه في مسألة البركة إلا بتبارك، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، فتبارك صفة يختص بها الله، فلا يشاركه فيها أحد، ولا يصح لك أن تقول: إن الله مبارك حاشا لله؛ لأن المبارك اسم مفعول، معناه: أن هناك من أتاه بالبركة، نعوذ بالله من ذلك.
وتبارك تمجيد وتعظيم لله سبحانه جل في علاه، كما قال ابن القيم: البركة كل البركة من عند الله جل في علاه، فمن طلب البركة فلا يطلبها إلا من الله جل في علاه.
والله جل في علاه أباح لنا أن نصف صفة من صفاته بالبركة، فإذا قلنا: رحمة الله مباركة يصح ذلك، وإذا قلت أيضاً: عزة الله مباركة، قوة الله مباركة، قدرة الله مباركة يصح، والدليل على ذلك: أن الله وصف صفة من صفاته بالبركة فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، فقال: مبارك، والكتاب هو كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته جل في علاه، فيصح أن تقول: كلام الله مبارك.
ومعلوم أن كلام الله مبارك؛ لأن فيه شفاء للناس، وقراءته بركة، وتلاوته بركة، واستماعه بركة، وتدبره بركة.
стр. 58
جواز إطلاق البركة على بعض الأماكن
وبعض الأماكن قد بين الله أنها فيها زيادة بركة، فتطلب البركة فيها.
ومن هذه الأماكن ما ذكره الله في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦].
стр. 59
جواز إطلاق البركة على بعض الأشخاص
وهناك أيضاً أشخاص فيها البركة، وأعظم الناس بركة على الإطلاق هو رسول الله ﷺ عندما أشرقت شمسه على البشرية، فأتاه الخير من كل جوانب الدنيا بأسرها، وفي عشرين عاماً كان قد ملك أصحابه الدنيا بأسرها، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها، وعبدوا الناس لله جل في علاه، وأروع ما ضرب في ذلك حديث ربعي عندما دخل على رستم، وقال: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ قال: نحن عباد لله.
فالشاهد أنه قال: عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة الدنيا أو من عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد القهار.
فعبدوا الدنيا كلها لله، وهذه كلها بركة، إذ أن البركة تحل بتوحيد الله الخالص دون أدنى شك.
стр. 60
أنواع التبرك
стр. 61
التبرك الممنوع وبيان رده
نجد بعض الناس من يتبرك عند قبر النبي ﷺ ، ويصلي في الغرفة التي هو مدفون فيها، وهذا لا يجوز؛ لأن التبرك المشروع يكون بالصلاة في المسجد النبوي، وهذا كثيراً ما يحدث من النساء، وذلك عندما يدخلن فيتبركن بقبر النبي ﷺ ، أو بالدعاء عند قبر النبي ﷺ ، فهذا تبرك ممنوع، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
ومن التبرك الممنوع: التبرك بالأوقات والأزمنة، وأصحاب هذا التبرك يكونون خاملين في ذكر الله، وفي عبادة الله جل في علاه، إلا في أوقات معينة، وهذه الأوقات والأزمنة يلتمسون فيها البركة، مثل: زمن المولد النبوي، فتراهم يجتمعون ويحتفلون ويتكلمون عن سيرة رسول الله ﷺ ، وذلك بالمدائح والقصائد والأشعار، وإذا سألتهم قالوا: هذا مولد النبي ﷺ ، وأعظم بركة على الدنيا هي بركة يوم مولد النبي ﷺ ، فيجتهدون بالتصدق والزكوات وإظهار الفرحة والسرور والعبادات في هذه الأوقات.
ومن تلك الأزمنة أيضاً: يوم الإسراء والمعراج، فترى الفضائيات تأتيك بالاحتفالات الباهظة الثمن التي ينفق عليها نفقات عالية جداً، ويتبركون بهذه الأوقات ويتعبدون بها لله جل في علاه.
ومن ذلك: ليلة النصف من شعبان، وإن كان الحديث الذي ورد في فضلها ضعيفاً، لكن عضد بروايات أخرى، وهي: أن النبي ﷺ بين أن الله يطلع على عباده فيغفر لكل العباد ما عدا المشاحن والمشرك، ويقولون: هذا يوم مغفرة، ويوم بركة -وحقاً أنه يوم بركة- فيتقصدون فيه عبادة معينة.
ومن أنواع التبرك الممنوع: التبرك بالتراب أو بتراب القبور، أو الاستشفاء بالقبور، أو التبرك بالصلاة عند المقبور، وذلك مثل ذهاب بعض الأشخاص إلى قبر أبي العباس، أو البدوي، أو قبر أبي الدرداء وغيرها من القبور.
ومن قال: إن التبركات هذه زيادة خير، فعليهم أن يأتونا بالدليل، ولا دليل لهم، بل قد جاء حديث عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال النبي ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه، فهو باطل).
فقام قائمهم وقال: نرد عليكم هذا الدليل، وذلك أن أصحاب النبي ﷺ قد فعلوا ذلك، ومنهم: أبو بسرة الفغاري ﵁ وأرضاه، فقد ذهب إلى جبل الطور ليصلي هناك؛ تبركاً بالمكان، وكثير من التابعين كانوا يذهبون إلى مسجد بين مكة والمدينة يصلون فيه؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي فيه.
لكن نقول: إن الرد عليكم من وجهين: الوجه الأول: أن أكابر الصحابة قد أنكروا على من فعل ذلك، فـ أبو هريرة ﵁ وأرضاه قابل أبا بسرة الغفاري وهو راجع من الطور، فقال له: إلى أين ذهبت؟ فقال: ذهبت إلى جبل الطور أصلي هناك، قال: أما إني لو أدركتك ما فعلت ذلك، سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وكأنه يقول: شددت الرحل طلباً للبركة بالصلاة في جبل الطور! والنبي ﷺ قد منع من ذلك، وحرمه تصريحاً بقوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام).
وعمر الفاروق ﵁ وأرضاه عندما خاطب الحجر قائلاً: لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك؛ إنك حجر لا تنفع ولا تضر، قال ذلك حفاظاً على التوحيد، وسداً للذريعة.
كذلك لما أخبر عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه بالذين يصلون تحت شجرة الرضوان ويتقصدون هذا المكان، فذهب وقطع الشجرة سداً للذريعة، وهذا فيه دلالة واضحة جداً على تحريم التبرك عند شجرة الرضوان.
وهناك دليل آخر وهو: حديث أبي واقد الليثي في مسند أحمد بسند صحيح: أن النبي ﷺ وأصحابه مروا على أقوام يعلقون سيوفهم على شجرة ويتبركون بذلك، أو يتعبدون للشجرة، فقالوا: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم النبي ﷺ : الله أكبر! لقد قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى، قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، إنها السنن، لتركبن سنن الذين من قبلكم.
والنبي ﷺ عذرهم بجهلهم ولم يكفرهم، وهذه الفائدة الكبرى التي نستنبطها من هذا الحديث: وهو أنه من أتى بكفر سواء كفراً أكبر أو كفراً أصغر لا يكفر، أي: لا ينزل عليه الحكم عيناً، إلا إذا أقيمت الحجة وأزيلت الشبهة.
وأيضاً من التبرك الممنوع: التبرك والتمسح بالكعبة.
وكذلك التبرك: بمقام إبراهيم.
وكذلك التبرك: بالركن اليماني، أو بأي ركن من أركان الكعبة.
كله من التبرك الممنوع.
وكذلك التبرك: بالتمسح بالحجر الأسود، والجائز هو تقبيله فقط، وهذا التقبيل ليس طلباً للبركة، وإنما استناناً بسنة النبي الكريم ﵊.
فقد جاء أمير المؤمنين وكاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه، جاء حاجاً، فتلمس البركة بالتمسح في كل جوانب الكعبة، ومسح على الحجر الأسود والركن اليماني والشمالي والعراقي وغيره، وقال: ليس من الكعبة شيئاً مهجوراً.
فخالفه ابن عباس ﵁ وأرضاه فقال له: يا معاوية! لا تفعل، والله ما رأيت رسول الله ﷺ يفعل فعلك.
فقال: صدقت يا أبا العباس! أو قال صدقت يا عبد الله بن عباس! وكف عن ذلك.
стр. 62
التبرك المشروع
القسم الثاني التبرك المشروع، فمن سماحة الشرع الحنيف أنه إذا سد باباً على الناس فتح عليهم أبواباً.
فالبركة تأتي بأقوال وأفعال وأزمنة وأماكن، ومن هذه الأقوال: تلاوة كتاب الله جل في علاه، فالبركة كل البركة في ذكر الله جل في علاه، وفي تلاوة قرآن الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص:٢٩].
ومن هذه البركة: ما قاله ابن مسعود في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف -هنا البركة- حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
فإذاً: التماس البركة في تلاوة القرآن، وأخص بذلك سورة البقرة، فقد قال النبي ﷺ في سورة البقرة: (اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)، أي: السحرة، فالبركة كل البركة في سورة البقرة.
وأيضاً من التماس البركة في الأقوال: ذكر الله جل في علاه، والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ في مجالس العلم، فالبركة كل البركة عند ذكر الله والتذاكر لكلام الله وكلام الرسول ﷺ .
والدليل على ذلك: حديث ورد في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي -بركة الذكر في النفس- ومن ذكرني في ملأ - هنا البركة - ذكرته في ملأ خير منه) وهو ملأ الملائكة.
ومن بركة مجالس الذكر: حديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
فإذاً: بذكر الله جل في علاه، وبالصلاة على النبي ﷺ تحصل البركة، فإن النبي ﷺ قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً)، فهذه بركة ليس بعدها بركة، وأشد من ذلك بركة أن تستقبل دعاءك بالصلاة على النبي ﷺ ، وتؤخر الصلاة على النبي ﷺ في آخر الدعاء، فحري أن يجاب لك.
بل إذا جعلت كل دعاءك صلاة على النبي ﷺ -كما بينه ﷺ بأبي هو وأمي- فإنه يغفر ذنبك ويفرج همك، ويأتيك الله بما تحب وبما تشتهي.
أيضاً: التبرك بالأفعال، ومن أهم هذه الأفعال التي يمكن أن يتبرك بها المرء: الصلاة، وكثرة السجود، والتذلل لله جل في علاه، فقد قال النبي ﷺ لأحد أصحابه: (تمن، قال: أتمنى مرافقتك في الجنة، فقال له رسول الله: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فأي بركة توازي هذه البركة، وأنت تكثر من السجود فترتفع درجة في الجنات حتى توازي درجة النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.
وأيضاً من هذه البركة: ما ورد في السنن أن أبا ذر دخل على بعض التابعين، فصلى كثيراً ولم يَعُدْ ثم سلم، فقال بعضهم: ما بال هذا الرجل صلى كثيراً ولا يعرف خرج من صلاته على وتر أم على شفع؟! فلما سمع ذلك قال: ألا تعرفوني؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما سجد عبد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجة، وحط بها عنه خطيئة)، وهذه بركة ليست بعدها بركة.
وكذلك الصوم: فمن أكثر من الصوم فتحت له أبواب الخير الكثيرة.
والأزمنة كذلك: فهناك أزمنة منها: يوم عاشوراء، وفيه بركة ليست بعدها بركة؛ لأن النبي ﷺ قال: (أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية)، فصوم عاشوراء فيه بركة أيما بركة، وهي: تكفير كل المعاصي التي في السنة الماضية، وعلى خلاف بين العلماء، هل هذا يشمل الكبائر أم الصغائر؟ لسنا بصدد التفصيل في ذلك، لكن الراجح أنه يشمل الصغائر فقط.
وكذلك يوم عرفة الذي قال فيه النبي ﷺ : (أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية وسنة مستقبلية).
ومن هذه الأوقات: وقت السحر، فخاب وخسر من ضيع وقت السحر، وقت السحر وما أدراك ما وقت السحر؟! وقت السحر عندما يخيم السكون، والليل قد أقبل وغارت نجومه، والله نازل في السماء يستقبل عباده، نزولاً يليق بجلاله وكماله، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستشف فأشفيه؟ وقد قال الله مادحاً عباده المؤمنين بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
فأي بركة في هذه الأوقات، فهذه أوقات مباركة لا بد للإنسان أن يستغل فيها هذه البركة، ويدعو الله جل وعلا فيها.
أيضاً من هذه الأوقات: يوم الجمعة وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس) -وهو خير يوم على الإطلاق- فيه خلق آدم، وفيه أخرج من الجنة، وفيه تقوم الساعة، بل قال النبي ﷺ -وهذا من بركة يوم الجمعة- (فيه ساعة لا يسأل عبد فيها الله جل في علاه إلا أجابه).
ومن بركة الجمعة: أن من مات فيها كانت علامة على حسن الخاتمة.
ومن الأزمنة: البكور، لأن النبي ﷺ قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) فمن أراد العمل بعد الفجر، فالبركة كل البركة بعد الفجر، ولذلك كان الصحابة لا ينامون بعد الفجر إلا من شيء.
ومن الأماكن التي يتبرك فيها أو تتخذ وسيلة لالتماس البركة بالاجتهاد بالعبادة فيها: مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى والمسجد الحرام، لقول النبي ﷺ : (الصلاة في مسجدي هذا بألف صلاة في أي مسجد آخر إلا المسجد الحرام، وصلاة المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، ولذلك قال النبي ﷺ : (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن).
ومن أنواع التبرك المشروع: التبرك بالأطعمة وبالمأكولات، والهيئات في المأكولات، ومن هذا العسل ففيه بركة، كما قال النبي ﷺ : (فيه شفاء للناس) وكذلك حبة البركة هي بركة، فهي شفاء من كل داء.
وأيضاً: ماء زمزم، ويا للخسارة لمن شرب ماء زمزم ولم يضمر في قلبه يقيناً في أمر معين! سواء مرافقة النبي، أو نصرة الدين، تستيقن في ربك أنك كلما شربت ماء زمزم كلما علوت.
فـ ابن حجر علم بحديث النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وهذا عموم منه ﷺ ، قال: فشربت ماء زمزم لأصل إلى حفظ الذهبي، فما زلت أشرب في هذه النية حتى ارتقيت على حفظ الذهبي، فوجد نفسه أحفظ من الذهبي.
يا للروعة! ويا لليقين في التعامل مع الله جل في علاه! أيضاً: يقول أبو بكر بن العربي في ماء زمزم: شربت ماء زمزم للعلم وللإيمان، فملأني الله علماً وإيماناً، ويا ليتني شربته للعمل مع العلم.
فماء زمزم ماء مبارك طعامه، وهو شفاء للسقم، وأيضاً فيه بركة في العلم وفي غيره.
ومن الأطعمة التي فيها البركة: اللبن، فقد أتي النبي ﷺ بكوب من اللبن، فقال: (هذا البيت فيه بركة، أو بركتين)، فدل على أن اللبن من بركات البيت.
وأيضاً: علمنا دعاء عند شرب اللبن، فنقول: (اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه بركة) فهذه بركة في اللبن.
وأيضاً: البركة في زيت الزيتون؛ لأنها شجرة مباركة، وكان النبي صلى الله عليه سلم يبين أن نعم الإدام هذا الزيت، والبركة فيه بأن تأكل منه وتدهن، فقد كان النبي ﷺ يدهن كعب رجليه، أو أمر بالدهان في كعوب الأرجل إن كانت فيها مرض معين أو تشققات، فالتمس البركة بالشفاء بزيت الزيتون، أو بزيت البركة، فإن فيه البركة.
стр. 63
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التبرك [٢]
مسألة التبرك من أهم المسائل التي ينبغي الحديث عنها، وذلك لأن كثيراً من الناس يتبركون ببعض الصالحين ويلتمسون البركة منهم، وهذا فيه من الخطر والبلاء ما الله به عليم، وذلك من جهتين: من جهة الشخص الصالح، فإنه قد يغتر بذلك ويؤدي إلى هلاكه، ومن جهة العامة، فإنهم قد يغلون فيه ويوصلونه إلى منزله الإلهية والعياذ بالله، كما فعل غلاة الشيعة عندما غلوا في علي بن أبي طالب ﵁.
فالتبرك لا يجوز إلا بذات النبي ﷺ وآثاره، وهذا قد انتهى بموته ﷺ وذهاب آثاره، فلا نقيس أحداً من الصالحين أياً كان برسول الله ﷺ .
стр. 64
التبرك بذوات الصالحين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فلقد سبق أن بينا أن التبرك على ثلاثة أنواع: التبرك المشروع، والتبرك الممنوع، والتبرك المختلف فيه.
فأما التبرك المختلف فيه، فهو: التبرك بذوات الصالحين، فكثير ما تسمع من الناس يقولون: فلان هذا بركة، أو زارني اليوم بركة، أو لقد حلت علينا البركة، فهل هذا التبرك هو تبرك بذوات الصالحين، أم تبرك بأثر الصالحين؟ وهل هذا التبرك جائز أم لا؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهذا ما سنتكلم عنه بمشيئة الله تعالى.
стр. 65
حكم التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره
لا يختلف اثنان في أن النبي ﷺ هو الرجل المبارك، وأنه أكثر الناس وأعظم الناس بركةً في هذه الدنيا، فهو ﷺ أعظم الخلق أجمعين، وهو سيد البشر وسيد ولد آدم أجمعين، وهو الذي له المكانة العليا عند ربه جل في علاه، فهو أعظم الناس بركة، لأن ببركة وجوده ﷺ أشرقت شمس الإسلام على الدنيا بأسرها، وعبدت الناس لله جل في علاه، فأخرج أصحابه الناس من عبادة الناس، إلى عبادة رب الناس، وهذه بركة لا تدانيها أية بركة؛ والنبي ﷺ رجل مبارك في ذاته وفي أثره وفي علمه وفي رسالته وفي نبوته، فهو ﷺ كله بركة، ويلتمس منه البركة في ذاته وفي آثاره.
стр. 66
الأدلة على جواز التبرك بذات النبي ﷺ
من الأدلة على جواز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره: أنه جاء في الصحيحين عن أنس ابن مالك ﵁ وأرضاه قال: ولد لـ أبي موسى غلام، فجاء به إلى النبي ﷺ فحنكه النبي ﷺ ، أي: أخذ تمرةً فلاكها في فمه، ثم وضعها في فم الطفل لينزل في بطنه شيء حلو، ثم دعا له بالبركة، وبعد ذلك سماه إبراهيم، فكان مجيء أبي موسى بطفله إلى النبي ﷺ يلتمس البركة منه، كما ذكر ذلك أنس ﵁.
وكذلك عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (ما ولد مولود إلا جاءوا به إلى النبي ﷺ يتبركون بريقه ﷺ ، فكان يحنكهم ويدعو لهم بالبركة).
ومن الأدلة على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ : أنه ﷺ دخل على أم سليم، وكان ينام عندها، لأنه محرم لها، قيل: إنها من خالاته من الرضاعة، والله تعالى أعلى وأعلم، فنام ذات يوم عندها فعرق النبي ﷺ ، وكان عرقه ﷺ أطيب من المسك، فأخذت أم سليم تجمع عرق النبي ﷺ وتضعه في قارورة، كما ورد ذلك في الصحيح، ففزع النبي ﷺ من فعلها، فسألها عن ذلك، فقالت: إني أتبرك به لي ولأولادي.
فقال لها مقراً: (أصبت)، أي: أصبت في تبركك بهذا.
وأيضاً في الصحيح عن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ الله عنه أنه ذهب إلى النبي ﷺ في صلح الحديبية قبل أن يسلم، ثم رجع إلى أهل قريش يحدثهم بمكانة النبي ﷺ بين أصحابه، فقال: ما كان رسول الله ﷺ يتنخم نخامة فتقع على يد أحدهم إلا دلك بها جلده، ثم قال: وما توضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون على وضوئه؛ تبركاً بهذا الماء.
وأيضاً: فعله ﷺ في غزوة الحديبية، وذلك حين ردوه عن البيت، وكان الموقف موقف إحصار، فإنه دعا الحلاق، فحلق الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، ثم فرق هذا الشعر على أصحابه أبي طلحة وغيره من أصحابه يتبركون به، وقد بقيت شعرة واحدة مع الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وكان دائماً يتبرك بها، ويجعلها تحت عينيه، ويجعلها على لسانه، ويجعلها على بطنه؛ لأنه يعلم أنها شعرة من شعر النبي ﷺ ؛ تبركاً بأثر من آثار رسول الله ﷺ .
وأيضاً: أبو موسى الأشعري وبلال ﵁ الله عنهما جاءا إلى النبي ﷺ يطلبان البشرى، فبشرهما النبي ﷺ ، ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه، ثم مج في الماء ودعا، ثم قال لهما: اشربا منه واغسلا وجهيكما به، تبركا به ﷺ .
وفوق ذلك، كانوا يتبركون ببول النبي ﷺ ، بل ويتبركون بدم النبي ﷺ ، وهذا هو الذي جعل بعض الفقهاء يقولون: إن بول النبي ﷺ طاهر، واستدلوا بحديث المرأة التي شربت بول النبي الله عليه وسلم، فأقرها ﷺ على ذلك، وهذا الإسناد فيه ضعف، لكن يستأنس به هنا.
وأيضاً: عبد الله بن الزبير ﵁ عندما احتجم النبي ﷺ فأعطاه دم الحجامة، فقال له: (ضعه في مكان لا يراه أحد، فأخذه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أخبأته؟ قال: نعم، وضعته في مكان لا يمكن لأحد أن يراه، فقال: أين وضعته؟ قال: وضعته في بطني)، أي: شربه، فقال له رسول الله ﷺ : (ويل للناس منك، وويل منك من الناس)، فإن صح الحديث فهذا أيضاً تبرك بأثر من آثار النبي ﷺ .
فالإجماع حاصل على أن التبرك بآثار النبي ﷺ جائز، ونقول: إن كان التبرك جائزاً بأثر من آثار النبي ﷺ فمن باب أولى جواز التبرك بذات النبي ﷺ ، وبالجلوس معه، وببركة علمه ﷺ .
ويجب أن نعلم أن العلم أصبح الآن علماً نظرياً فقط، وليس علماً عملياً، لأن رسول الله صلى الله عيله وسلم قد مات، وآثاره قد انتهت ولم يبق منها شيء، فلا نصدق من جاء ببعض الأشياء وقال: هذه من آثار النبي ﷺ ، كالذي يقول إن معه نعال النبي ﷺ ، أو الذي أتى بعصا وعمامة وقال: هذه عصا رسول الله ﷺ ، فأنى لهم ذلك! فآثاره ﷺ كما قلنا قد انتهت، ولكن هذا من باب بيان جواز التبرك بآثاره ﷺ عندما كانت موجودة، وقد سبق الكثير من الأدلة على ذلك، ومنها كذلك: ما ورد عن الرجل الذي رأى النبي ﷺ وعليه إزار ورداء، فقال للنبي ﷺ : اكسونيها يا رسول الله! وكان النبي ﷺ أحوج ما يكون لهذا الرداء، وكانت إحدى النساء قد صنعته خصيصاً له ﷺ ، ولما علمت من حاله ﷺ أنه ما عنده أكثر من رداء وإزار، والصحابة ﵁ الله عنهم لاموا هذا الرجل على صنيعه هذا، ولكن رسول الله ﷺ لما علم من أخلاقه وكرمه وبركته لم يكن ليرفض هذا الطلب، ولو كان حاله ما كان.
وكان النبي ﷺ لا يرد سائلاً بحال من الأحوال، فخلع رداءه وأعطاه للرجل، ثم بعد ذلك اعتذر هذا الرجل أمام الصحابة ﵁ الله عنهم وقال: أردت أن أكفن فيه، تبركاً بما مس جلد النبي ﷺ .
ومن الأدلة كذلك على جواز التبرك بذاته ﷺ وآثاره: ما ورد في إحدى الغزوات عندما سوى النبي ﷺ الصفوف، فإذا أحدهم خارج عن الصف فضربه بيده ﷺ على خاصرته أو على بطنه، فقال (يا رسول الله! أوجعنتي وأريد القصاص، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليقتص الصحابي منه)، ما أعظم هذا الموقف وما أروعه! عندما يتعامل القائد مع الرعية بهذا التعامل؛ فإن البركة تنزل من السماء، والنصر يأتي لا محالة، (فكشف النبي ﷺ عن بطنه، فقام الرجل فقبل بطن النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ما حملك على ذلك، قال: قد رأيت ما نحن فيه يا رسول الله نحن في الصف، فأردت أن يكون آخر ما أمسه في حياتي هو بطن النبي ﷺ ، أي: أنه فعل ذلك تبركاً بالنبي ﷺ .
فالصحابة كانوا من أفقه الناس، وكانوا يتبركون بأثر النبي وبذات النبي ﷺ .
стр. 67
القائلون بجواز التبرك بآثار الصالحين وأدلتهم الأثرية والنظرية
نظر جمهور أهل العلم إلى الأدلة السابقة التي فيها تبرك الصحابة بآثار النبي ﷺ فقالوا: هذه الأدلة أيضاً تدل على جواز التبرك بآثار الصالحين.
والذي أعلنها صراحة النووي في شرح صحيح مسلم، ثم تعبه الحافظ ابن حجر في الفتح، ثم الإمام الشوكاني، فقالوا جميعهم: بجواز التبرك بآثار الصالحين، واستدلوا بما سبق من الأدلة التي تدل على أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بآثار النبي ﷺ ، وكادوا يقتتلون على وضوءه، وتبركوا بثياب النبي ﷺ ، وتبركوا بكل شيء من رسول الله، بشعر النبي، بالماء الذي نبع من أصابع النبي ﷺ .
بل قالوا: إن هناك أدلة أخرى كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، فهؤلاء كانت الآية لهم أن يأخذوا آثار الأنبياء ويتبركوا بها، ولذلك قال النووي: فهذه الآية فيها دلالة واضحة على جواز التبرك بآثار الصالحين، فإذا أخذت عمامة شيخك أو عصاه أو قميصه لتتبرك بها، جاز لك ذلك.
واستدلوا أيضاً بدليل آخر: وهو حديث في الصحيحين، أن عتبان بن مالك ﵁ بعدما عمي لم يستطع أن يذهب إلى المسجد، وكان يؤم الناس، فقال لرسول الله ﷺ : إن بيني وبين قومي هذا النهر، وإن الأمطار تأتي فتعوقني عن الذهاب إليهم لأؤمهم، فصل عندي يا رسول الله! في مكان اتخذه مصلى، فهو أراد أن يتبرك بالمكان الذي سيصلي فيه رسول الله ﷺ ، فذهب النبي ﷺ إليه وكان قد صنع له طعاماً، فأراد أن يطعم أولاً، فقال رسول الله ﷺ : لا، أين تريد أن أصلي؟ فأشار إلى مكان في ناحية الدار، فتقدم ﷺ إلى المكان فصلى فيه، فاتخذ عتبان بن مالك ذلك المكان مصلى؛ تبركاً بفعل النبي ﷺ .
وقد عقب الحافظ على هذا الحديث فقال: هذا فيه دلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين.
كذلك من الأدلة التي استدل بها الجمهور على جواز التبرك بآثار الصالحين: حديث عائشة وأنس ﵁ عنهما، أن كثيراً من الصحابة كانوا يأتون بالأطفال إلى رسول الله ﷺ ليحنكهم، ويدعوا لهم بالبركة.
قالوا: وهذه دلالة على أن المولود لا بد لمن يحنكه أن يكون صالحاً، وحتى ينزل في بطن المولود أو الطفل ريق الصالح.
واستدلوا أيضاً بما ورد عن الشافعي ﵀ أنه رأى أن النبي ﷺ جاءه في المنام وقال له: بشر أحمد بن حنبل بالرفعة، وليصبر على بلوى ستأتيه، والبلوى كانت محنة القول بخلق القرآن، فبعث بهذه البشرى لـ أحمد مع الساعي، وقال لساعيه: وائتني بغسول ثيابه، فجاءه الساعي بهذا الغسول، فأخذه الشافعي واغتسل به تبركاً بـ أحمد بن حنبل لتقواه وورعه.
فهذا الدليل الذي ورد عن الشافعي ظاهر في جواز بالتبرك بآثار الصالحين، أما الأدلة الأولى فكلها وردت في التبرك بآثار النبيين، كموسى وهارون ﵉، ونبينا محمد ﷺ .
قال المجيزون للتبرك: ونحن نقيس الصالحين عليهم، فهم ما تبركوا بهم إلا لصلاحهم وتقواهم وقربهم من الله جل في علاه، فهذا تبرك بالصالحين.
هذا قول الجمهور وأدلتهم من الأثر ومن النظر، وكما قلنا التماس البركة يكون في الصلاح وأهل التقى والورع، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وأيضاً ما من مترجم يترجم لعلمائنا، إلا ويقول: فلان بركة، فـ السخاوي في ترجمته للنووي قال: إنه بركة.
وهذا صحيح، فإن النووي بركة، لكن سنبين ماذا يعني هذا القول.
وقالوا أيضاً: إن من الأدلة كذلك: أن الصلاح إذا وجد في مكان وجدت معه البركة، قال رسول الله ﷺ : (من سعادة المرء أربع، وذكر منها: المرأة الصالحة)، فالمرأة الصالحة بصلاحها في بيت زوجها تأتي له بالبركات، وقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]، فإن البركة موجودة في هذا البيت بسبب الصلاة.
إذاً: أهل الصلاح يكون معهم البركة، لكننا نقول: هذا الكلام فيه نظر وإن كان قول الجماهير، وقول الفحول من الشافعية كـ النووي وابن حجر وإمام الحرمين بل هو قول كثير من الشافعية قد توسعوا كثيراً في مسألة التبرك، فهم حين يصنفون في مسائل الحج يقولون: ومن آداب الحج أن يسافر من مكة إلى المدينة ليتبرك بتراب قبر النبي ﷺ ، والخطيب الشربيني صاحب كتاب (الإقناع) و (معنى المحتاج) من الأئمة في هذه المسألة.
стр. 68
القائلون بعدم جواز التبرك بآثار الصالحين غير النبي وأدلتهم
وقد خالف بعض المحققين من جماهير أهل العلم في التبرك، وقالوا: لا يجوز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره، ولا يجوز بحال من الأحوال قياس غير النبي ﷺ عليه، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، وقوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، فالصحابة تبركوا بذات النبي ﷺ وآثاره، بالجلوس معه وغير ذلك، ولكن بعدما مات رسول الله ﷺ ما رأينا عمر يأتي ويتبرك بـ أبي بكر، مع أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، بل هو أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين على الإطلاق، ومع هذا لم يؤثر عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم تبركوا بـ أبي بكر ﵃ أجمعين، مع أنهم كانوا يعلمون ما لـ أبي بكر من البركة، فقد كانوا يجلسون معه فيأكلون الطعام، فكان الطعام يكثر في أيديهم ولا ينقص من بركة أبي بكر، بل أسيد بن حضير ﵁ يقرر بركة أبي بكر وبركة آل أبي بكر، وذلك عندما ذهبت عائشة ﵂ وأرضاها في سفر مع رسول الله ﷺ وانفرط العقد عليها، وكانت قد استعارت هذا العقد من أسماء لأجل أن تتزين به لرسول الله ﷺ ، وكان الناس ليس معهم ماء، وليسوا على ماء، ففي الليل قالت: يا رسول الله! انفرط العقد، أي: ضاع، والنبي ﷺ كان خير الناس مع أزواجه، فهو القائل: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، فأمر الناس بالمكوث، فذهب الناس يكلمون أبا بكر في عائشة، وقالوا: أما رأيت ما فعلت عائشة؟ قال: وما فعلت؟ قالوا: أجلست رسول الله ﷺ وأجلست الناس وليسوا على ماء ومن المعلوم أن آية التيمم لم تنزل بعد، فماذا يفعلون وكيف يصلون؟ فذهب أبو بكر ﵁ وأرضاه إلى عائشة ﵂، تقول وهي تقص هذه القصة: (دخل أبو بكر - ولم تقل: دخل أبي، وكانت معذورة- ورسول الله ﷺ نائم على فخذي، فقال لها: يا لكع! -أي: يا لئيمة- أجلست رسول الله ﷺ وأجلست الناس وليسوا على ماء، قالت: فغمزني، أو قالت: وكزني في خاصرتي وما تحركت؛ لمكان رسول الله ﷺ مني، ثم خرج أبو بكر بعدما عنفها وشد عليها، وفي الفجر أنزل الله وحياً يتلى إلى يوم القيامة؛ آية التيمم في سورة المائدة، فقال أسيد بن حضير لـ أبي بكر: ليست هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر).
فآل أبي بكر كلهم بركة، فـ أبو بكر بركة، وعائشة وأسماء بركة، وعبد الله، وكل أبناء أبي بكر بركة، ومع هذا لم نجد أحدا ًمن صحابة رسول الله ﷺ ذهب يتبرك بأثر من آثار أبي بكر ﵁ وأرضاه.
فهذا عمر، وهو أفضل الصحابة أجمعين بعد أبي بكر، لم نر أحداً فعل ذلك معه بعد موت أبي بكر، ولم نر أحداً فعل ذلك مع عثمان ولا مع علي ﵁.
إذاً: من هنا تأتي القاعدة المهمة ((لو كان خيراً لسبقونا إليه)).
الدليل الثاني: قالوا: من مقاصد الشريعة: سد الذرائع، والقاعدة الفقهية المتفق عليها تقول: الوسائل لها أحكام المقاصد، فقالوا: والتبرك بذوات الصالحين وسيلة للغلو فيهم، ومعلوم بينا أن أول شرك حدث في البشرية كان بسبب الغلو في الصالحين، وذلك عندما غلا قوم نوح ﵇ في ودٍ وسواع ويغوث ويعوق ونسراً، وقالوا: هؤلاء رجال صالحون، فلا بد أن نجعل لهم تماثيل حتى نتذكرهم ونقتدي بأفعالهم وعبادتهم وصلاحهم وورعهم، ثم تدرج الغلو حتى اعتقدوا فيهم ما لا يعتقد إلا في الله، ثم عبدوهم من دون الله جل وعلا، وهذا الذي قرره ابن عباس ﵁ وأرضاه.
فإذاً: الغلو في الصالحين ذريعة كبيرة لاعتقاد الشرك فيهم، وللاعتقاد فيهم ما لا يُعتقد إلا في الله جل في علاه، ولذلك النبي ﷺ حذر الأمة من الوقوع في مثل هذا أيما تحذير، فقد قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).
وأيضاً لما دخل عليه القوم، فقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا.
فقال النبي ﷺ : قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان) أي: لا يجري بكم الشيطان، فيجعلكم تغلون فيَّ وترفعوني فوق درجتي.
أو كما قال قائلهم في رسول الله ﷺ : ومن جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم.
فهذا غلو في أعظم الخلق ﷺ ، بأبي هو وأمي، ولذلك عقب المحققون وقالوا: هذا الرجل من الجنون بمكان؛ فلانه ما ترك لله شيئاً، بل أعطى رسول الله ﷺ كل شيء.
إذاً: التبرك بذوات الصالحين هو وسيلة للغلو فيهم، وقد غلا بعضهم في الإمام أبي حنيفة، حتى أصبح بعض أصحابه يسبون أبا هريرة ﵁، لينافح عن مذهبه، وعن أقواله التي فيها من الخطأ الكثير، والمصادمة لحديث النبي ﷺ ، فيأتون إلى الحديث ويقولون: هذا من رواية أبي هريرة، وقد كان يروي ما لا يعقل، فهذا سب في أبي هريرة ﵁ بسبب الغلو في بعض الصالحين.
والغلو هذا قد يكون سبباً في هدم الإسلام، وذلك كما حدث لغلاة الشيعة، فإنهم غلوا في علي بن أبي طالب ﵁ حتى أوصلوه إلى مرتبة الإلهية، وحتى أنه بعدما حرقهم بالنار قالوا له: لا يحرق بالنار إلا رب النار، أي: أنت إلهنا، والعياذ بالله، ووضعوا الأحاديث على النبي ﷺ بسبب الغلو في آل البيت، والنبي ﷺ يقول: (إنما أوليائي المتقون)، أي: لو كان الواحد من آل البيت من الفسقة، فإنه ليس من أولياء النبي ﷺ ، وليس له التوقير ولا التعظيم ولا الاحترام، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا أغني عنكم من الله شيئاً).
стр. 69
ردود المانعين من التبرك بالصالحين على المجيزين له
لقد رد المحققون على أدلة القائلين بجواز التبرك بذوات الصالحين، فقالوا: إن الأدلة واردة في جواز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره، ونحن لا نخالفكم في هذا، وإنما نقول: أنتم جعلتم الصالحين أو آحاد الناس من هذه الأمة في منزلة سيد الأمة رسول الله ﷺ ، وقستم الناس عليه.
قال المجيزون: نعم، لأن الصالحين يقتدون ويقتفون أثر النبي ﷺ ، وهم ورثة علمه ﷺ كما قال ﵊: (إنما العلماء ورثة الأنبياء)، فلم لا نفعل بهم ذلك وهم على خطى رسول الله ﷺ ، والأصل عندنا عدم التخصيص؛ لأن الله جل وعلا إذا شرع شرعاً ووضع أحكاماً كانت على العموم لا على الخصوص، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٣١]، للناس عموماً، فقد قال الرجل: (يا رسول الله! ألي خاصة؟ قال: بل للأمة عامة)، فالأصل في الأحكام أنها على العموم، فكذلك لا نخصص رسول الله ﷺ في هذه المسألة.
ثم قالوا: إن قلتم: إن الأدلة وردت في الأنبياء، فعندنا قصة الشافعي، ولا مدخل للأنبياء فيها.
قال المانعون: أما الكلام على الأنبياء فنحن نقول بالخصوصية، وبعد الاتفاق معكم على أن الأصل في الأحكام العموم، لكن التبرك بآثار الأنبياء خاص بالأنبياء فقط لا بالصالحين؛ لأن رسول الله ﷺ هو أفضل البشر أجمعين، وموسى ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وعيسى ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وإبراهيم ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وهذا لا سبيل إلى إنكاره.
من الأدلة على أن الأنبياء والرسل هم أفضل الناس أجمعين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ووجه الدلالة: أنه قدم ذكر النبيين على غيرهم في قوله ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:٦٩]، فدل هذا التقديم على أفضليتهم، ومعلوم أن الله إذا ذكر النبيين ولم يذكر الرسل فإنهم يدخلون في هذا الذكر.
ومن الأدلة كذلك: شفاعة النبي ﷺ للناس أجمعين، فهذا يدل على أنه أفضل الخلق أجمعين، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).
وأيضاً من الأدلة: قول الله تعالى عن الأنبياء: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٧]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] و (من) هنا تبعيضية.
فهذه الأدلة على أن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، فإذا كانوا كذلك فهذه دلالة على الخصوصية التي كانت لهم؛ لأن البركة كل البركة مع هؤلاء الذين هم أفضل البشر.
فإذاً: لا يقاس غيرهم عليهم.
قال المجيزون: إن الشافعي تبرك بغسول ثياب أحمد بن حنبل، وأحمد ليس بنبي.
قال المانعون: هذه القصة لا تثبت عن الشافعي بحال من الأحوال؛ لأن إسنادها مظلم.
ثم إذا سلمنا ذلك جدلاً، وقلنا: إنها حدثت من الشافعي -مع أنها لم تثبت عنه ولله الحمد والمنة- فإننا والله لا نقبل منه هذا الفعل، ولا نقبل منه هذا القول، فهو القائل: إن صح الحديث فهو مذهبي، وهو القائل: إذا خالف فعلي فعل النبي ﷺ ، أو قولي قول النبي ﷺ فاضربوا بقولي أو فعلي عرض الحائط، وهو الذي قال: قول الصحابي حجة ما لم يخالفه أحداً من الصحابة، ودائماً يحتج بقول النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)، فنقول: هذا فعل الشافعي، ولكن فعل عمر يخالفه، وفعل أبي بكر يخالفه، وفعل عثمان يخالفه، وفعل علي يخالفه، وفعل ابن عباس -البحر- يخالفه، وفعل ابن عمر التقي الورع الأثري يخالفه، فبمن نقتدي؟ نقتدي بـ الشافعي، أم نقتدي بهؤلاء الأكارم الأماجد الأخيار؟ نقتدي بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ لأنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، والعلم إنما جاء عنهم.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه فإذاً: ليس لهم حجة في ذلك بحال من الأحوال.
فنقول: التبرك خاص برسول الله ﷺ ، فأما دليلهم الأول فهو خاص بأنبياء بني إسرائيل: موسى وهارون وآثارهما، فإن سلمنا ذلك جدلاً وقلنا: قد جاءت آثار موسى وهارون وتبركوا بها، فنقول: هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا على الصحيح الراجح أصولياً أنه شرع لنا ما لم يأت من شرعنا ما يكون ناسخاً له؛ وقد جاء من شرعنا النسخ، فقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في الصالحين؛ لأن الغلو يوصل الإنسان إلى أن يعتقد في الشخص ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه.
وأما صلاة النبي ﷺ في بيت عتبان بن مالك ﵁، وأنه ﵁ أراد أن يتبرك بهذا المكان الذي صلى فيه رسول الله ﷺ ، فنقول: أولاً: لم يرد عنه ﵁ الله عنه أنه أراد التبرك، وإنما أراد أن يأخذ إقراراً من النبي ﷺ بأن يصلي في بيته؛ لأن النبي ﷺ قال للأعمى: (تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب).
ثانياً: أن التبرك بفعل النبي ﷺ ، وبالمكان الذي صلى فيه النبي ﷺ جائز، وحق له أن يتبرك بذلك؛ لأنه تبرك بفعل النبي ﷺ ، وبمكان صلى فيه النبي ﷺ ، وليس لأحد أن يصل إلى منزلة النبي ﷺ ، بحيث نقول له: صل في المكان الفلاني حتى تحل فيه البركة، بل إن هذا العمل يؤدي إلى هلاك الشخص والعياذ بالله، لأنه قد يرى في نفسه أنه من أتقى الناس وأورع الناس، فيدخله العجب والكبر، فيؤدي هذا إلى هلاكه، فليس لأحد أن يداني النبي ﷺ في منزلته، فلذلك لا يجوز التبرك بآثار الصالحين.
أما استدلالهم بحديث تحنيك المولود، فنقول: إن كان المقصود من التحنيك هو التبرك بريق النبي ﷺ فهي خاصة به، ولا يجوز التحنيك بعد ذلك؛ لأن هذه السنة قد انقطعت بموته ﷺ ، وإن كان المقصود من التحنيك غير التبرك فلا حجة لهم فيه، وهذا هو الصحيح الراجح، وهو الظاهر من الحديث؛ لأن أنساً قال: (وبرك)، أي: دعا له بالبركة.
إذاً: الصحيح الراجح كما بين ابن القيم: أن الإنسان عند خلو معدته من الطعام فإن أفضل ما ينزل إلى معدته حتى يرطبها هو الشيء الحلو، ولذلك نجد النبي ﷺ إن لم يحنك بتمر فعلى حسوات من الماء.
فهذه دلالة واضحة في أن المقصود من التحنيك هو: أن يدخل الشيء الحلو في معدة الطفل، ولذلك نحن لا نشترط أن يكون بالتمر فقط، بل ممكن أن يكون بعسل أو سكر أو أي شيء حلو، وإنما التمر أولى من غيره.
فالخلاصة أننا نقول: إن كان المقصود من التحنيك التبرك، فهذه سنة قد انقطعت وانتهت بموته ﷺ ، ولا يجوز لأحد أن يعملها مرة أخرى، لأنها خاصة بالنبي ﷺ ، وإن كان المقصود بالتحنيك هو دخول الشيء الحلو إلى معدة الطفل حتى يرطب معدته، فنقول: هذه سنة إلى يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، وليس في ذلك دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين ولا بذواتهم.
стр. 70
حكم التبرك بدعاء الصالحين وعلمهم وعبادتهم
لا يجوز بحال من الأحوال التبرك بذوات الصالحين، وإنما يجوز التبرك بدعائهم وعلمهم وعبادتهم وهذا ليس فيه تناقض؛ لأن التبرك بدعاء الصالحين وعلمهم وعبادتهم يعتبر من التوسل المشروع، وإليك بعض الأدلة: فمما يدل على جواز التبرك والتوسل بدعاء العبد الصالح، ما ورد في الحديث عندما قال النبي ﷺ : (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال له عكاشة بن محصن: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال: أنت منهم)، فإنه توسل وتبرك بدعاء النبي ﷺ .
وأيضاً: تبرك الرجل الأعمى بدعاء النبي ﷺ له، فرد الله عليه بصره، فهذا تبرك بدعاء الصالحين، ولا نقول: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ؛ لأن هناك الكثير من الأدلة التي تدل على أن الصحابة كان بعضهم يسأل بعضاً أن يدعو له، بل النبي ﷺ قال: (يأتي رجل مع إمداد أهل اليمن يقال له: أويس القرني من مراد ثم من قرن، له والدة هو بها بر، فمن رآه منكم فليستغفر له)، أي: يسأله أن يدعو له بالمغفرة، فقال عمر: (أنت أويس؟ قال نعم، قال: استغفر لي، قال: أنا يا أمير المؤمنين! قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول عنك: كذا وكذا).
فهذه الأدلة تدل على جواز التبرك بدعاء الصالحين، وما من عالم من العلماء إلا كان يتبرك بدعاء الصالحين من العلماء في عصره.
أيضاً: نتبرك بعلم الصالحين، فإن العلم بركة، فنتبرك بمجالسه أهل العلم لما فيها من الخير، ففيها تحفنا الملائكة، ونُذكر بأسمائنا وأسماء أبائنا وأمهاتنا عند ربنا جل في علاه، ويثني الله على أهل المجلس خيراً، ويقول الله جل وعلا: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فالبركة كل البركة أن تسمع حديثاً للنبي ﷺ فتنتفع به وتعمل، فيكون سبب نجاتك في هذا الحديث، فهذا تبرك بعلم الصالحين.
ويكون التبرك كذلك بعبادة الصالحين، ويكون ذلك بأمرين: الأمر الأول: أننا نتأسى بهم في هذه العبادة، ونحاول أن نعمل مثل عملهم.
الأمر الثاني: أن المكان الذي تكون فيه العبادة تحفة الملائكة، وتنزل منه الخيرات والبركات، فالله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، ولذلك نحن نقول للمرأة: لا تشددي على زوجك وتكثري عليه من الطلبات، بل أكثري من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، ومن الاستغفار، ومن العبادات في بيتك، وعندها تجدين الخير يأتي مع زوجك؛ لأن البركة كل البركة في الصلاح، وفي عبادة المرأة في بيتها، فهذا أيضاً من التبرك بعبادات الصالحين.
فإذاً نقول: لا يجوز التبرك بذوات الصالحين وآثارهم، ويجوز التبرك بما يكون متعدياً من الصالحين، كدعاء وعلم وعبادة وذكر واستغفار وقراءة قرآن، وكل فعلٍ متعدٍ منهم، ولنا في ذلك أسوة بالصالحين الذين كانوا سلفاً لنا.
ومن التبرك المشروع: التبرك بسير العلماء الصالحين، وهذا ليس تبركاً بذات العلم، وإنما تبرك بسيرته لنتأسى به؛ كيف عَبَدَ الله جل في علاه، وكيف جاب الأرض شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، فنتبرك بالتأسي بفعل هؤلاء الصالحين، لا بذواتهم.
стр. 71
حكم التبرك بقبر النبي ﷺ
إن التبرك بقبر النبي ﷺ مسألة من المسائل المشكلة على العلماء وطلبة العلم؛ لأن كثيراً من كتب الفقه عند الحنابلة والشافعية تعج بهذا الكلام، لكن الحمد لله أن القاضي حسين وإمام الحرمين أنكروا ذلك إنكاراً شديداً، فالذين يرون جواز ذلك يقولون: إن القبر يُعتبر أثراً من آثار النبي ﷺ ، وأثر النبي ﷺ موجود فيه، فلهذا يجوز التبرك بقبره ﷺ .
نرد عليهم ونقول: هل كان القبر ثوباً لبسه النبي ﷺ قبل أن يموت؟
الجواب
لا، هل كان القبر شراباً يشربه النبي ﷺ قبل أن يموت؟ الجواب: لا، هل مج النبي ﷺ في قبره وبقي الماء على فوهة القبر حتى نتبرك به؟ الجواب: لا.
إذاً: القبر ليس أثراً من آثار النبي ﷺ حتى نتبرك به، فلا يجوز بحال من الأحوال التبرك بقبر النبي ﷺ ، بل هذا من الشرك بمكان.
стр. 72
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التمائم
جاء الإسلام يبين للناس أن الله هو النافع الضار، المعطي المانع، ونهى عن كل فعل يتنافى مع ذلك، ومن الأفعال والاعتقادات التي تنافي ذلك وتعد من أفعال الجاهلية: تعليق التمائم، فبين الإسلام أنها شرك مع الله تعالى، ومن يكون شركاً أكبر أو أصغر، لذا فليحذر المسلم من هذه الاعتقادات الباطلة.
стр. 73
التمائم والمعوذات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم كتاب (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) للإمام الشوكاني رحمه الله تعالى.
стр. 74
تعريف التميمة
التميمة لغة هي: التعويذة أو التحويطة كما يقول العوام، وتعلق في الرقبة أو في العضد أو في الكعب أو في المعصم، وهم يستخدمونها -سواء اعتقدوا أو لم يعتقدوا- لدفع الضر أو العين، أو لاستجلاب الخير.
стр. 75
حكم التميمة
التميمة من أفعال الجاهلية، وهي شرك، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (من تعلق تميمة فقد أشرك).
وأيضاً: قال ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فالحديث الأول متكلم في إسناده، والحديث الثاني صحيح.
وأيضاً: حديث عمران بن حصين كما في مسند أحمد وغيره أن النبي ﷺ رأى رجلاً عليه حلقة من صفر في يديه، فقال: (ما هذه؟ قال: من الواهنة).
أي: أنني أستشفي بها، (فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً، وقال: لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً).
و (أبداً) تدل على التأبيد، ويدل على أنها شرك أكبر ليس شركاً أصغر.
وأيضاً: قول النبي ﷺ في حديث رويفع: (يا رويفع! ستطول بك الحياة)، والشاهد من الحديث أنه قال له: (فمن تقلد وتراً فأنبئه -قال: أو أبلغه- أني منه بريء) فقد تبرأ النبي ﷺ منه، ولا يتبرأ النبي ﷺ إلا من صاحب الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر.
وأيضاً قوله ﷺ : (فمن تعلق ودعة فلا أودع الله له، أو فلا ودع الله له)، أي: ما ودعه الله جل وعلا وما جعله في سرور (ومن تعلق تميمة فلا أتم الله له) أي: من تعلق هذه التميمة لا أتم الله له خيراً لا دنيا ولا آخرة.
فهذه الأدلة كلها تبين لنا حكم التمائم، وأن التميمة لا تجوز، وأنها من الشرك بمكان، لقول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
فسماها شركاً ونحن سنسميها كما سماها النبي ﷺ .
следующие страницы →