← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37667

شرح البيقونية - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (138 стр.). Показаны 106–138 · переход к 111.

стр. 106

حكم الحديث المقلوب إن كان القلب بقصد الإغراب للشهرة والظهور فهذا باتفاق العلماء أنه يحرم؛ لأنه من باب الغش، وقد قال النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا)، وأيضاً هو من باب التدليس، وقد قال النبي ﷺ : (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:١٨٨]. وإن كان يقصد بالقلب الاختبار كقصة البخاري، فهذه جائزة ومطلوبة بشرط أن يبين الأسانيد والمتون الصحيحة في نفس المجلس، حتى لا يهم أحد فيأخذ هذا الحديث فيحسبه حديثاً صحيحاً فيرويه للناس. وإن وقع القلب في الحديث بسهو دون عمد ودون قصد، فالحديث يكون ضعيفاً؛ لأنه لم يرو على نفس الصورة التي رواها النبي ﷺ . أما حكم الراوي فله حالتان: الحالة الأولى: أن يقل عنه الخطأ، فيوصف بالوهم، وكثيراً ما يقول ابن معين وغيره: ثقة ولكنه يهم. الحالة الثانية: أن يكثر عنه هذا الزلل وهذا الخطأ وهذا القلب، فهنا يضعف؛ ولذلك الذهبي كثيراً ما يقول في الراوي: خالف كثيراً فترك، أو يقول: وهم كثيراً، أو كثر وهمه وكثر خطؤه فترك. فمن ظهر القلب في أحاديثه فهذا يترك ولا يحتج بحديثه.

стр. 107

مثال للحديث المقلوب من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في الأحاديث المقلوبة: حديث في البخاري عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا أبو النضر جرير بن حازم حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني). قال الطباع: فسألت حماد بن زيد عن هذا الحديث فقال: وهم أبو النضر، قد كنا في مجلس نحن وثابت وحجاج بن أبي عثمان فحدثنا حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن رسول الله ﷺ بالحديث، قال حماد بن زيد: فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت البناني. فهذا قلب الإسناد، لكن المتن صحيح. فالآن الوهم الذي وقع فيه أبو النضر ننظر فيه، فنقول: هذا الإسناد متكلم فيه؛ لأن فيه وهم من أبي النضر، وهو ثقة ثبت، فلم يضره هذا الوهم؛ لأنه ما من إمام إلا وله أوهام. فـ شعبة كان يخطئ في الرجال، والثوري كانت له أوهام، وابن عيينة كانت له أوهام، ومالك له أخطاء؛ ولذلك قال العلماء: بحثنا أحاديث مالك وابن عيينة فوجدنا أخطاء مالك أقل من أخطاء ابن عيينة. إذاً: الأخطاء تقع من الثقة، والوهم يقع من الثقة، ولا معصوم إلا رسول الله ﷺ ؛ ولذلك توجد قاعدة، وهي: إذا اختلف مالك مع ابن عيينة قدم مالك؛ لأن أخطاءه أقل من أخطاء ابن عيينة. ولو اختلف الثوري مع شعبة قدم الثوري؛ لأن الثوري أخطاؤه أقل من أخطاء شعبة. وهنا أبو النضر وهم وقلب الإسناد، ومع ذلك فإننا لا نضعفه؛ لأن وهم أبي النضر كان قليلاً بالنسبة لرواياته.

стр. 108

شرح المنظومة البيقونية - العلة في الحديث من أنواع علوم الحديث: معرفة العلل، وهو علم عظيم غامض لا يتصدى له إلا الجهابذة النقاد، وقد بينوا لنا كيفية معرفة علل الحديث.

стр. 109

العلة في الحديث

стр. 110

تعريف العلة في الحديث إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فالعلة: اسم مفعول من أعل فهو معل، والعلة: هي المرض. أما العلة في الاصطلاح: فهي سبب غامض خفي, يضعف به الحديث مع أن ظاهر الإسناد السلامة منه. فنخرج بقول: (غامض خفي) ما إذا ظهر السبب، كالانقطاع والإعضال. أما الحديث المعل: فهو الحديث الذي اطلع عليه العلماء, فوجدوا فيه علة خفية تقدح في صحته، مع أن ظاهر السند السلامة منها.

стр. 111

أقسام العلة وبيان أنواع كل قسم القسم الأول: إما أن تكون في السند، وهذا ثلاثة أنواع: النوع الأول: علة في السند تقدح في السند والمتن. النوع الثاني: علة في السند لا تقدح في السند ولا في المتن. النوع الثالث: علة في السند تقدح في السند دون المتن، فالسند ضعيف لكن المتن صحيح، ويدخل في هذا النوع أحرف يسيرة في البخاري ومسلم , فقد يتكلم على شخص في سند البخاري ومسلم لكن المتن صحيح ظاهر كالشمس. والقسم الثاني من العلة: أن تكون في المتن، وهذا ثلاثة أنواع أيضاً: النوع الأول: علة في المتن لا تقدح في المتن ولا في السند. النوع الثاني: علة تقدح في المتن. النوع الثالث: علة في المتن تقدح في المتن والسند.

стр. 112

طرق الوصول إلى العلة والحق أنه لا يصل إلى معرفة هذه العلل الخفية إلا الجهابذة من العلماء الذين أفتوا أنفسهم بحثاً ومدارسة وطلباً وتدريباً على البحث في كتب أهل العلم الذين وضحوا وبينوا علل الأحاديث, كما قال علي بن المديني: علة الحديث تظهر بجمع الروايات. وهذا هو كلام طبيب العلل الذي علم البخاري كيف يكون ليثاً في هذا العلم، فإذا جمعت روايات الحديث فوجدت في السند الأول مدلساً والسند الثاني والثالث فاعلم أن هناك علة خفية يجب البحث عنها، وكذلك يتبين من خلال جمعك للروايات وجود الإرسال أو الإعضال، أو الحكم على الحديث بالرفع أو الوضع أو نحوه. إذاً: فأول الطرق لمعرفة علة الحديث: هي جمع روايات الأحاديث كما قال ابن المديني. الثاني: الرجوع إلى كتب العلل, كالعلل: للدارقطني، وهو أوسع الكتب التي تكلمت عن العلل في الأحاديث, وكتاب العلل لـ ابن أبي حاتم , وكتاب التاريخ للإمام البخاري , وكتاب الكامل في الضعفاء لـ ابن عدي، فمن رجع إلى هذه الكتب عرف العلل التي ضعف العلماء بها الأحاديث. الثالث: إعلال الحديث بالمتون, بأن ينظر في المتن، فإذا خالف القواعد الكلية للشريعة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ المتفق عليها فإنه لا يقبل حينئذ.

стр. 113

أمثلة على العلل في الحديث ومن أمثلة العلل في السند أو في المتن ما يلي: المثال الأول: حديث رواه قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض). فظاهر الإسناد الصحة؛ لأن رجاله ثقات, لكن العلة الموجودة في هذا الحديث هي عدم السماع, فقد رجح المحدثون على خلاف بينهم أن الأعمش لم يسمع من أنس، وهذا رأي أكثر من المحدثين؛ فلذلك أعلوا الحديث بعدم سماع الأعمش من أنس بن مالك ﵁. قال ابن المديني: الأعمش لم يسمع من أنس بن مالك , وإنما رآه بمكة يصلي خلف المقام. والرؤية لا تعد من الرواية، لابد أن يكون قد سمع من أنس. والعلة الثانية في هذا الحديث: هي عنعنة الأعمش، فحتى لو قلنا بثبوت سماع الأعمش عن أنس , فإنها تبقى لنا علة أخرى وهي العنعنة، وقد اشترط العلماء لقبول رواية المعنعن ومنهم الأعمش شروطاً أولها: اتفاق المحدثين على سماعه ممن هو فوقه. ثانيها: الملازمة لشيخه، وهو قول الذهبي؛ لأن الملازم لشيخه قلما تفوته الأحاديث، وإن فاتته سمعها من شيخه مرة ثانية. ثالثها: إذا روى الإمام شعبة عن الأعمش، فإنه قال: قد كفيتكم تدليس الأعمش. وهذه الشروط فيما لو روى الأعمش في غير صحيح البخاري فقط؛ لأن البخاري اشترط في صحة الأحاديث التي يرويها السماع، فتحمل عنعنة الأعمش في البخاري على السماع والله أعلم. مثال آخر للأحاديث التي فيها العلة: حديث رواه يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (البيعان بالخيار). وعلة هذا الحديث: أن أصل راويه هو: عبد الله بن دينار , فالعلة في السند، وهنا قال: عن الثوري عن عمرو بن دينار , والرواية الصحيحة هي: عن عبد الله بن دينار , يعني: أن غير يعلى من أصحاب الثوري روى هذا الحديث عن الثوري عن عبد الله , فوهم يعلى وأخطأ، فرواه عن الثوري عن عمرو بن دينار. فهذه علة في السند لكنها لا تقدح في المتن, فالمتن صحيح على كل حال. ومن الأمثلة على العلة في المتن: حديث أنس في صحيح مسلم، وهذا الكلام للشيخ أحمد شاكر , وهو أن أنساً قال: (كان النبي ﷺ يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال: ولم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١])، فنفى قراءة البسملة. وهذا الحديث انفرد به مسلم عن البخاري , وهو من طريق الوليد بن مسلم. وقد أعل هذا الحديث الشافعي والدارقطني -والدارقطني هو الجبل في هذا الباب- وأعله كذلك البيهقي وغيرهم, فأعلوا الرواية التي صرح فيها أنس بعدم قراءة البسملة؛ لأن الحديث الذي في الصحيحين عن أنس يقول: (صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]) فزاد الراوي عن أنس اجتهاداً منه: (لا يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١])، وكأنه فهم من الحديث الأول أنه لا يقرأ بالبسملة في بداية السورة، وهذا فهم خاطئ. والصحيح في الرواية: (أن النبي ﷺ كان يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] يستسر بها)، كما روت أم سلمة ﵂ وأرضاها. إذاً: فهذا مثال من الأمثلة على العلة في المتن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.

стр. 114

شرح المنظومة البيقونية - الحديث المضطرب من أنواع الحديث الضعيف: الحديث المضطرب، وهو أنواع، ولا يحكم باضطرابه إلا بشروط بينها أهل العلم ﵏.

стр. 115

معنى الحديث المضطرب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من أنواع الحديث الضعيف الحديث المضطرب. قال الناظم رحمه الله تعالى: [وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن] المضطرب لغة: اسم فعل من الاضطراب، وأصله من اضطراب الموج إذا كثرت حركته وضرب بعضه بعضاً، فالاضطراب اختلاف. والاضطراب اصطلاحاً هو: الحديث الذي جاء من وجوه مختلفة متساوية مع تعذر الجمع. إذاً: الحديث المضطرب اصطلاحاً له أربعة شروط: الشرط الأول: أن يأتي من أكثر من وجه. الشرط الثاني: الاختلاف. الشرط الثالث: أن يكون الاختلاف متساوياً في القوة، يعني رواة الوجه الأول ثقات، ورواة الوجه الثاني ثقات، ورواة الوجه الثالث ثقات، ورواة الوجه الرابع ثقات. والشرط الرابع: عدم إمكان الجمع. فلا يكون الاضطراب إلا إذا لم نستطع أن نجمع بين هذه الروايات التي ظاهرها التعارض. وينقسم الاضطراب إلى قسمين: اضطراب في السند. واضطراب في المتن.

стр. 116

مثال الحديث المضطرب حديث أبي بكر ﵁ وأرضاه قال: (يا رسول الله! أراك شبت؟ قال: شيبتني هود وأخواتها) هذا الحديث أعله الدارقطني وضعفه في العلل وقال: هذا حديث مضطرب. ثم بين علة الاضطراب فقال: لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو من عشرة أوجه، فبعضهم من رواه مرسلاً، وبعضهم رواه موصولاً، وبعضهم رواه من مسند أبي بكر، وبعضهم رواه من مسند أبي سعيد، وبعضهم رواه من مسند عائشة. وهذه الأوجه متساوية في القوة، فلم يمكن الجمع بين هذه الاختلافات، فقلنا: هذا الحديث فيه علة الاضطراب مع صحة السند، فكل سند مجرد وحده صحيح؛ لأن رجاله ثقات، ومع ذلك نقول: هذا الحديث ضعيف؛ لأنه جاء من أوجه مختلفة، ولم نتمكن من الجمع بين هذه الأوجه. مثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه مرفوعاً: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فليضع عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط بين يديه خطاً ثم لا يضره ما مر أمامه). هذا الحديث فيه اضطراب، فقد اختلف الرواة على إسماعيل بن أمية اختلافاً كثيراً، فقيل: عنه عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده عن أبي هريرة، وقيل عنه: عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو عن جده، وقيل: عن فلان بن فلان إلى أكثر من عشرة وجوه أيضاً، أيضاً. وهذه الطرق كلها طرق متساوية، فلما تساوت وما استطعنا أن نفرق بين هذه الاختلافات ولا نجمع بينها قلنا: تعارضا فتساقطا. والاحتياط في رواية حديث النبي ﷺ أن نعل الحديث بالاضطراب، ونقول: هذا حديث ضعيف. هذا مثال الاضطراب في الإسناد، أما الاضطراب في المتن فمثاله ما رواه الترمذي عن شريك بن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بيت قيس ﵂ وأرضاها قالت (سئل رسول الله ﷺ عن الزكاة فقال: إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، والرواية الأخرى التي رواها ابن ماجة أيضاً وفيها: (ليس في المال حق سوى الزكاة). انظر إلى الاضطراب في المتنين: المتن الأول قال: (إن في المال حقاً سوى الزكاة)، والمتن الثاني: (ليس في المال حق سوى الزكاة)، ولا يمكن الجمع؛ ولذا قال الإمام العراقي: هذا الحديث مضطرب المتن، ولا يحتمل التأويل. إذاً: يكون هذا الحديث فيه علة الاضطراب.

стр. 117

شرح المنظومة البيقونية - الحديث المدرج من أقسام الحديث الضعيف: المدرج، وهو إما إدراج إسناد بزيادة راو في المتن ليس منه، أو إدراج متن بإضافة لفظة في الحديث ليست من قول النبي ﷺ ، وفعله خطأ لا يؤاخذ، وإذا تعمده للتوضيح والتفسير في المتن فلابد أن يبينه، أما إن كان عمداً بنية الإضافة فهو داخل في الكذب على النبي ﵊.

стр. 118

تعريف الحديث المدرج لغةً واصطلاحاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من أقسام الضعيف: المدرج. والمدرج: اسم مفعول، من أدرجت الشيء في الشيء، أي: أدخلت الشيء في الشيء. واصطلاحاً: هو ما زاده بعض الرواة في المتن أو الإسناد. فالإدراج معناه: أن يأتي المحدث يحدث بالإسناد فيدخل أو يزيد في الإسناد رجلاً، كأن يروي مثلاً عن الأعمش عن أبي هريرة، ثم يأتي راو آخر فيرويه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. فالذي رواه عن الأعمش عن أبي صالح -إذا كان الإسناد مشهوراً عند الثقات- فهذا إدراج، فالإدراج: إدخال زيادة في الإسناد ليست منه، وأيضاً زيادة في المتن ليست منه، أي: كلمات لم يتكلم بها النبي ﷺ فيدخلها في المتن دون أن يفصل بين قول النبي وقول التابعي، أو قول الصحابي وقول الراوي.

стр. 119

أقسام المدرج والأمثلة على كل قسم

стр. 120

الإدراج في الإسناد والمدرج قسمان: إدراج في الإسناد، وإدراج في المتن. والإدراج في الإسناد هو أن يحدث التغيير في سياق السند، كأن يتكلم الراوي عن سند معين ثم يعرض له عارض، فيتذكر مسألة فيتكلم فيها بصوت عال، أو ينظر إلى شيء فينتبه له فيتكلم عنه، فيظن الذي يجلس معه ويسمع الإسناد والحديث بأن هذا من كلام النبي ﷺ ، أو يحسب أن هذا من الحديث أو أنه متصل بالإسناد.

стр. 121

أمثلة الإدراج في الإسناد مثال ذلك: القصة المشهورة عن ثابت بن موسى الذهبي في روايته عن النبي ﷺ : (من كثرت صلاته في الليل حسن وجهه بالنهار)، فهو رواها عن النبي ﷺ ، وهي ليست من كلام النبي ﷺ . وأصل القصة: أن ثابت بن موسى دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يملي الأحاديث والأسانيد على الرواة، يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ، وقبل أن يقول المتن سكت، فلما سكت نظر فوجد ثابتاً قد دخل، وثابت قد استمع إلى سلسلة الإسناد، وأن شريكاً يحدث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فلما نظر شريك في وجه ثابت قال: [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار]، حيث إن شريكاً انتبه فوجد وجه الرجل كأنه قطعة قمر؛ لأن الله جل وعلا بعث في وجهه النور لأنه يقيم الليل، وهذه سنة تراها في وجوه الذين يعتادون مثل ذلك، فأخذها ثابت بن موسى فحدث بها عن شريك عن الأعمش بنفس السلسلة، فأدرج من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار، وهذا الكلام ليس من المتن أصلاً، بل هو من كلام شريك، أدرجه ثابت لوهم حدث له، هذا يعتبر من المدرج في الإسناد.

стр. 122

تابع الإدراج في الإسناد هو أن يدخل الراوي بعض حديث في بعض آخر، يعني: يروى حديثاً من طريق وهو يحفظه، ويأتي بكلمة زائدة من طريق آخر، فيكون الحديث مثلاً من مسند أنس فيأتي بحديث من مسند أبي هريرة، ويأخذ منه كلمة زائدة ويدرجها في حديث أنس، وهذا أيضاً يعتبر من المدرج. وذلك مثل حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعاً عن النبي ﷺ : (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا). وهناك رواية أخرى رواها أبو الزناد عبد الله بن ذكوان عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً عن النبي ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا). هذا الحديث من رواية سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا) ونص الرواية عن مالك: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا)، وليس فيها: (ولا تنافسوا) فجاء سعيد بن أبي مريم فوهم فأدخل هذه اللفظة من حديث أبي هريرة (إياكم والظن) في حديث أنس، فأدرج هذه اللفظة التي هي من مسند أبي هريرة في مسند أنس. ومن الأمثلة على الإدراج في الإسناد: ما رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فالثلاثة رووا عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل، ورواه واصل عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود وعمرو بن شرحبيل مدرج في رواية منصور والأعمش.

стр. 123

إدراج المتن الصنف الثاني من أقسام الإدراج: الإدراج في المتن: وهو زيادة في سياق الحديث من غير النبي ﷺ فتكون من التابعي أو من تابع التابعي. والإدراج في المتن يكون في أول المتن وهذا قليل جداً بل نادر. الثاني: إدراج في وسط الحديث. وهذا أكثر من الأول لكنه أيضاً قليل. وغالب الإدراج يكون في آخر الحديث. مثال الإدراج في أول الحديث: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) هذا المتن ظاهره عن النبي ﷺ ، لكن في رواية البخاري بينها شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار). هذا واضح جداً أن أبا هريرة أمر الناس فقال: (أسبغوا الوضوء)، ثم قال: (فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار). النوع الثاني: إدراج وسط الحديث: كما في حديث عائشة ﵁ وأرضاها في كيفية نزول الوحي، قالت: عائشة (كان رسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء) جاء في الحديث: (والتحنث التعبد)، وهذا ليس من عائشة بل من الزهري، فهو الذي فسر، وهذا الإدراج تفسير، لكن لا بد أن يبين الراوي ويوضح أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ . ومنه أيضاً: ما رواه هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن بسرة بنت صفوان مرفوعاً للنبي ﷺ (من مس ذكره أو أنثييه أو رتقه -وهو أعلى الفخذ- فليتوضأ). هذا الحديث رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام والصحيح أن الحديث (من مس ذكره فليتوضأ) هذا الحديث المرفوع، لكن: (من مس ذكره أو أنثييه أو رتقه) هذا كلام عروة بن الزبير. والذي أظهر لنا ذلك: أن جماعة رووا عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد كل هؤلاء رووا عن هشام واختصروا في الحديث، قالوا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، ولم يذكروا أنثييه ولا رتقه، فهذه دلالة على أن هذا إدراج، وأن هذا من قول عروة بن الزبير. من أمثلة الإدراج في آخر الحديث: حديث مشهور جداً عن أبي هريرة وهو صحيح: أن النبي ﷺ قال: (للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده! لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك). هذا الحديث فيه إدراج، ومن هنا يبدأ الإدراج: (والذي نفسي بيده! لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)، وسبب معرفة ذلك أولاً: أن أم النبي كانت قد توفيت. ثانياً: أن مقام النبوة لا يلائم مقام الرق، بل هو فوقه فكيف يتمنى مقام الرق؟ فيظهر أن هذا مدرج من كلام أبي هريرة ﵁ وأرضاه. أيضاً من الأمثلة للإدراج في آخر الحديث: حديث ابن مسعود أنه بعدما تعلم التشهد من النبي ﷺ جاءه أبو خيثمة وهو زهير بن حرب فروى عن ابن مسعود التشهد إلى قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، ثم قال: وإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. وهذا الكلام الأخير مدرج من كلام ابن مسعود.

стр. 124

حكم الحديث المدرج الحالة الأولى: إذا وقع من الراوي على سبيل الخطأ من غير عمد فلا حرج؛ لأنك قلما تجد ثقة لا يهم، وكثير من الثقات يهمون، فإذا وقع منه الوهم فلا حرج، أما إذا كثر الوهم على الثقة فلا يحتج بحديثه ويترك. الحالة الثانية: إذا أدرج لفظة ليست من الحديث للتفسير فلا شيء عليه، لكن بشرط وقيد: أن يبين أن هذا ليس من قول النبي ﷺ بل من تفسيره. الحالة الثالثة: إذا أدرج عمداً وأدخل لفظة ليست للنبي ﷺ فهذا حرام بالاتفاق، وهذا له الوعيد الشديد من قول النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

стр. 125

شرح المنظومة البيقونية - الحديث المنكر إذا روى الأقران عن بعضهم فهذه الرواية تسمى: التدبيج. والحديث المنكر هو مخالفة الراوي الضعيف لمن هو أوثق منه، والحديث الشاذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.

стр. 126

رواية الأقران والمدبج إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. بقي لنا بفضل الله في المنظومة الكلام على رواية الأقران والمدبج وأيضاً الحديث المنكر. أما رواية الأقران فهم الرواة الذين هم من طبقة واحدة اشتركوا في كثير من الشيوخ وسنهم متقارب، كـ مالك والأوزاعي وابن عيينة. ورواية الأقران بعضهم عن بعض تسمى بالمدبج، فإذا روى قرين عن قرينه ثم جاء القرين الثاني وروى عن قرينه فهو مدبج. مثلاً في طبقات الصحابة: تروي عائشة ﵂ وأرضاها عن أبي هريرة، ويروي أبو هريرة عن عائشة ﵂ وأرضاها، فهذه الروايات نسميها بالمدبج؛ لأنها رواية القرين عن قرينه بالتبادل. أو مثلاً: يروي ابن عباس عن زيد بن ثابت ويروي زيد عن ابن عباس، فهذا يسمى بالمدبج. ورواية ابن عمر عن عمر، ورواية عمر عن ابن عمر، تسمى بالمدبج، ولكن المحدثين قد أخرجوا لها نوعاً يسمى رواية الآباء عن الأبناء. أيضاً في أتباع التابعين رواية مالك عن الأوزاعي والأوزاعي عن مالك. وفي رواية التابعين؛ مثل أن يروي الزهري عن عمر بن عبد العزيز، ويروي عمر بن عبد العزيز عن الزهري.

стр. 127

تعريف الحديث المنكر تطلق النكارة عند المتقدمين على التفرد حتى ولو كان من الثقات، وأحمد كان يرى انفراد الثقة نكارة، وكان بعض المتقدمين يرى الانفراد من الضعيف نكارة. والمتأخرون يرون أن الحديث المنكر هو رواية الضعيف ما يخالف رواية الثقة، والانفراد يومئ بالضعف وعدم الضبط، فإن لم يشاركه الجهابذة في رواية الحديث، فهذا يومئ إلى أنه لم يضبط هذا الحديث. فانفراد الراوي عند المتقدمين يعتبر نكارة، وعند المتأخرين -وهذا الذي اعتمده أهل الحديث- أن الحديث المنكر هو مخالفة الضعيف لرواية الثقة، وهذا مقابل للشاذ، فالشاذ هو مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه.

стр. 128

الفرق بين الشاذ والمنكر والمحفوظ والمعروف عندنا شاذ ومنكر ومحفوظ ومعروف، فالشاذ يقابله المحفوظ، لأن الشاذ مخالفة الثقة للثقات، والمحفوظ: هو رواية الثقات مخالفين للثقة. والمنكر يقابله المعروف، والمنكر هو مخالفة الضعيف للثقة أو للثقات، والمعروف هو رواية الثقة المخالفة لرواية الضعيف. وبهذا بفضل الله نكون قد انتهينا من البيقونية، ونحمد الله على ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 129

شرح المنظومة البيقونية - الحديث المتروك والموضوع من أنواع الحديث الضعيف: الحديث المتروك، والحديث الموضوع، وهي غير مقبولة ولا يحتج بها، وقد اجتهد العلماء لحفظ حديث رسول الله ﷺ ، حتى إنهم تركوا حديث من يكذب على الناس مخافة أن يكذب على رسولنا ﷺ .

стр. 130

الحديث المتروك

стр. 131

تعريف الحديث المتروك إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: وصلنا إلى الحديث المتروك، والحديث المتروك له أحوال، والترك له أسباب. المتروك اسم مفعول من الترك، حتى إن البيضة يسميها العرب: التريك، أي: المتروكة التي لا فائدة فيها. الحديث المتروك هو الذي في إسناده راو متهم بالكذب، سواء أجمع علماء الجرح والتعديل على ضعفه أم لم يجمعوا. نقول: إن الحديث المتروك إما أن يكون حديثاً ضعيفاً جداً، أو يكون راويه ضعيفاً جداً حيث كثر خطؤه فترك، أو يكون قد اتهم بالكذب.

стр. 132

علامات الحديث المتروك الحديث المتروك له علامات: العلامة الأولى: أن يكون فيه راو متهم، يعني: لم يقطع بأنه كذاب لكنه اتهم ولوحظ عليه أنه يكذب في حديث الناس، ولم ير عليه الكذب في حديث النبي ﷺ ؛ فلذلك تجنبه العلماء. هذه العلامة الأولى. العلامة الثانية: أن يأتي بحديث يخالف فيه القواعد الشرعية الكلية كالنصوص القطعية في القرآن أو النصوص القطعية في السنة. فإذا أتى بحديث أو رواية تخالف هذه القواعد الكلية ففيها دلالة على أن هذا الحديث متروك. العلامة الثالثة: أن يكون الراوي الذي يروي هذا الحديث هو راو كثر خطؤه، كلما بحث العلماء في الأحاديث التي رواها وجدوها تخالف أحاديث الثقات، فلما كثر خلافه للعلماء الأثبات قلنا: حديثه متروك.

стр. 133

أمثلة للحديث المتروك من أمثلة الأحاديث المتروكة التي فيها الراوي المتهم: حديث عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي عن جابر بن أبي الطفيل عن علي وعمار: (كان النبي ﷺ يقنت في الفجر، ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة -يعني: صلاة الفجر- ويقطع التكبير بعد صلاة العصر آخر أيام التشريق). هذا الحديث فيه راو متهم وهو عمرو بن شمر، قال فيه العلماء: متروك الحديث.

стр. 134

الحديث الموضوع الحديث الموضوع أو المختلق هو: الحديث الذي فيه راو كذاب. وهذا يعرفه الجهابذة الذين يجربون على الراوي الكذب، ويمحصون النظر في أحاديثه، فيعرفون كذبه من صدقه بالسبر، أو بأن يقر الراوي أنه قد وضع على النبي ﷺ بعض الأحاديث، يعني: كذب في بعض الأحاديث. إن الأحاديث التي تختلط على الناس لا يغربلها إلا الجهابذة، كما قال العلامة الربيع بن خثيم التابعي الفحل قال: إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرف به، وإن له ظلمة كظلمة الليل تنكر. أي الحديث له ضوء كضوء النهار إذا كان عن النبي ﷺ ، وإذا كان كذباً واختلاقاً فله ظلمة كظلمة الليل تنكر.

стр. 135

طرق معرفة الحديث الموضوع من الأساليب التي يعرف بها العلماء الحديث الموضوع: أولاً: أن يكون مخالفاً للقواعد الكلية أو الدلالة القطعية. ثانياً: ركاكة اللفظ تدل على الوضع؛ لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم. ثالثاً: ركاكة المعنى تدل على وضع الحديث. وركاكة المعنى أنه يجمع بين نقيضين، فيأتي بحديث بالحل والحرمة في أمر معين وهذا لا يمكن؛ لأنه لا يمكن لعاقل أن يجمع بين نقيضين، فضلاً عن أن يكون النبي ﷺ الذي يأتيه الوحي من السماء. رابعاً: أن يجمع بين الاثنين: يأتي بركاكة اللفظ مع ركاكة المعنى. والوضع كما قلت كان كثيراً في هذه الأمة؛ لكن كشفه الجهابذة كما قال ابن المبارك وغيره، وأسباب الوضع كثيرة سنبينها.

стр. 136

أمثلة على وضع الحديث من الأمثلة على الأحاديث الموضوعة: ما وضعه بعض الأحناف تعصباً للإمام أبي حنيفة، وركبوا متناً على سند، وقالوا: روي عن النبي ﷺ : سراج أمتي أبو حنيفة. يرفعون إمامهم مع أنه مرفوع. فالعلماء والفقهاء عيال على أبي حنيفة، لكنهم يريدون أن يكون أبو حنيفة كالشمس الساطعة وألا توجد نجمة بجانبه، فمن النجوم في سماء الفقه والحديث الإمام الشافعي، فأتوا بحديث موضوع على أبي حنيفة ثم بأحاديث موضوعة على الشافعي، وليتهم مدحوه، قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: يخرج في هذه الأمة رجل أشر على هذه الأمة من إبليس، يدعى محمد بن إدريس. هذه مصيبة بل أم المصائب، هل التعصب يفعل ذلك؟! نعم. وممن رفع راية التعصب في زماننا هذا وكان متقناً في الحديث لكن التعصب أعماه، وحدا به الأمر إلى تضعيف أبي هريرة، ثم الطعن في بعض الصحابة. الكوثري، فعلى الإخوة أن يحذروا من هذا الرجل إذا نظروا في كتبه، وينتبهوا سقطاته التي يغفل عنها كثير من الذين يقرءون كتبه. أيضاً من الأحاديث والأكاذيب التي وضعها على النبي ﷺ بعض المتعصبة لـ علي بن أبي طالب قالوا: قال النبي ﷺ : علي خير البشر؛ فمن شك في ذلك فقد كفر. أي: من قال: أبو بكر خير من علي خرج من الملة، والنبي ﷺ هو الذي يقول: (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، لكن نحن نقول: علي من خير البشر، واختلف بعض أهل السنة والجماعة هل هو ثالث ثلاثة أو رابع أربعة؟ هل هو أفضل أم عثمان؟ فـ أبو حنيفة والثوري ومن المتأخرين الشوكاني يرون أن علياً أفضل من عثمان. وهذه المسألة مرجوحة وضعيفة جداً؛ لأن المهاجرين والأنصار قد اجتمعت كلمتهم على أفضلية عثمان، بل علي لم يفضل نفسه على عثمان؛ فقد خطب في الكوفة وقال: من فضلني على أبي بكر أو عمر جلدته حد المفتري، خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ثم الله أعلم وسكت، ولم يفضل نفسه على عثمان ﵁ وأرضاه. والمقصود: أن المنازل عند الله جل في علاه، وهؤلاء هم خير الناس بحق، لكن أن يقال: علي خير البشر؛ فمن شك في ذلك فقد كفر، هذه مسألة ينظر فيها، فالذي وضع هذا الحديث كذاب خبيث. أيضاً من أمثلة الأحاديث الموضوعة عن النبي ﷺ : ما تكون مقطوعة أو موقوفة على الصحابي أو التابعي، غير متصلة السند إلى النبي، فإذا رفعت إليه أصبحت من قبيل الموضوع، مثال ذلك: علي: (كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم) هذا مرفوع موضوع، لكنه صحيح موقوف على علي ﵁ وأرضاه. من أمثلة ذلك أيضاً: حديث روي عن النبي ﷺ : (الإيمان لا يزيد ولا ينقص). هذا الحديث من غير أن تبحث في إسناده تقول فيه: موضوع؛ لأنه مصادم للأدلة القطعية من الكتاب ومن السنة. البخاري لما سمع هذا الحديث قال: قائل هذا الحديث لا بد أن يضرب ويحبس. والإمام أبو محمد الجويني يرى أن الكذاب على رسول الله كافر، ونحن لا نوافقه في هذا الأمر فهو تشدد، لكن الأمر خطير وليس بالهين؛ فهو كذب على رسول الله ﷺ . أيضاً من هذه الأمثلة: ما رواه البيهقي مرفوعاً عن الحسن مرسلاً: (حب الدنيا رأس كل خطيئة) هذا موضوع، لكن الصحيح أنه من كلام مالك بن دينار وليس من كلام النبي ﷺ .

стр. 137

أسباب وضع الحديث أولها: الجهل بالشرع: بعض الجهلة يقولون: نحن نكذب لله ولرسوله، لا على الله ولا على رسوله. وهل يحتاج النبي أو الشرع أن تكذبوا له؟! يقولون: نرغب الناس في فضائل القرآن، كما قال من كذب أحاديث فضائل سور القرآن نوح بن مريم، حتى قال عنه ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق، كل شيء جمعه من الذكاء والحفظ إلا الصدق فهو كذاب خبيث. هذا رجل وضع أحاديث فضائل السور، يقول: وجدت الناس قد ذهبوا إلى السنة وتركوا القرآن، فكأنه يكذب للقرآن، وما عرف هذا الغر المفتون المأفون أنه يقع في الوعيد الشديد لقول النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). ثانيها: الانتصار للمذهب: كما في حديث: سراج أمتي أبو حنيفة. ثالثاً: الطعن في الإسلام: كما يصنع المستشرقون الذين يريدون أن يضيعوا هذا الدين ويهدموه فيروجون للأحاديث التي تقلب الموازين في هذا الدين بسبب وضع الوضاعين، من ذلك البهائية في مصر الذين يضعون أحاديث على النبي ﷺ ، فهم يروجون لهذه البدعة الشنعاء. من ذلك حديث روي عن حميد عن أنس مرفوعاً: (أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله)، نعم هو خاتم النبيين ولا نبي بعده، وهناك أحاديث كثيرة جداً تدل على ذلك، أما الذين يروجون لهذه البدعة وهذه الكفريات فيقولون: لا نبي إلا أن يشاء الله، فأتى محمد بهاء الدين ليقول: قد شاء الله أن يوحى إلي، وأنا نبي هذه الأمة، نعوذ بالله من الخذلان. فهذا من وضع الوضاعين الكذابين الأفاكين الآثمين الذين يطعنون في هذا الدين. رابعاً: حب المال، أو السلطة، أو الوجاهة، أو التزلف للرؤساء: وهناك قصص مشهورة جداً، أضاعت أصحابها في لحظة من أجل الكراسي، وممكن أن الإنسان يفتي بفتوى فإذا جلس على الكرسي أنكر أو غير، والناس ضعفاء، ولا معصوم إلا من عصمه الله جل في علاه، ولا أحد يثبت على الحق والدين إلا من ثبته الله جل في علاه -اللهم ثبت قلوبنا يا رب العالمين- فتتغير فتواهم عند إغراء الكرسي والسلطة. من ذلك: أن غاية بن إبراهيم دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فنظر إليه فقال: حدثني فلان عن فلان عن جدك ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا سبق) يعني: لا جائزة ولا مكافأة (لا سبق إلا في خف أو حافر) الحديث إلى هنا صحيح لكنه زاد: (أو جناح)، فنظر إليه المهدي وأمر له بصرة من مال، فلما تولى قال: والله لا أرى قفاك إلا قفا كذاب! انظر كيف خسر الاثنين معاً لما علم أنه كذاب. من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، نعوذ بالله من الخذلان. قال: والله ما أرى قفاك إلا قفا كذاب، وكان الخليفة منصفاً رحمة الله عليه فقال: أنا الذي حملته على ذلك، فأمر بالحمام فذبح، ومنع ذلك حتى لا يفتح الباب للكذابين الذين يريدون التزلف للسلطان بمثل هذه الأحاديث الموضوعة. خامساً: التكسب والتجارة: وهذا كثير، فإن التجار هم أشد الناس وأعظم الناس كذباً على رسول الله ﷺ ، فهم فوارس الميدان في الوضع والاختلاق، فترى الرجل بضاعته غير رائجة، فيريد أن تشتري الناس منه، كرجل حلواني صاحب هريسة والهريسة لا تباع، فيأتي يقول: والله لأعلمنهم كيف يشترون مني، فيقف وسط الميدان فيقول: حدثني فلان -من المشاهير- حدثني فلان عن فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: (الهريسة تشد الظهر) فتذهب الناس كلها لتشتري الهريسة. والخضري إذا رأى الناس تبتعد عن الخضرة يقول: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير) فالكل يشتريه من الخضري. كثير منهم يضع هذه الأحاديث من أجل أن يأكل بها، باعوا دينهم بثمن بخس دراهم معدودة. سادساً: داعي الشهرة: يريد أن يغرب على الناس، فيأتي بالأحاديث والأسانيد التي يركبها من تلقاء نفسه، ويضع المتون على الأسانيد، ويكذب على رسول الله ﷺ ليشتهر بين الناس أنه من المحدثين.

стр. 138

أقوال العلماء في توبة الوضاعين آخر الفروع التي نتكلم عنها في باب الأحاديث المكذوبة: إذا تاب الراوي الذي عرف عنه الكذب هل تقبل توبته وروايته أم لا؟ أما النص الفاصل في هذه المسألة فهو ما قاله الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة ﵁ وأرضاه قال: أما توبته فنقبلها، وأما روايته فلا نقبلها بحال، حيطة لحديث النبي ﷺ . وهذا هو الراجح عند جماهير المحدثين، وإن خالف بعضهم، وقال: إن تاب واشتهرت توبته وظهرت فإنا نقبل روايته، والصحيح الراجح في ذلك: أنه حتى وإن تاب لا تقبل روايته؛ لأن الأصل في رواية حديث النبي ﷺ الحيطة، (من روى حديثاً يرى أنه من الكذب فهو أحد الكاذبين). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.