Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - تعريف الحيض وحكم دم الحيض
النساء شقائق الرجال، وقد خصهن الشرع بأحكام مستقلة عن الرجال، ومن هذه الأحكام: أحكام الحيض وما يتعلق به، لذا يلزم المرأة المسلمة أن تتفقه في دينها، وتعرف الأحكام المتعلقة بالحيض، والتي منها: أنواع الدماء الخارجة منها، وعلامات الحيض، وأصناف وأحوال النساء فيه، لأن ذلك يتعلق بقبول عملها عند الله .
стр. 2
أحكام الحيض
стр. 3
أهمية تعلم أحكام الحيض
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: لما كانت الطهارة أساساً في حياة المسلم وشرطاً لقبول عمله، كان حرياً بكل مسلم ومسلمة أن يتفقه في أحكامها، لا سيما وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وتدخل المسلمة تحت حكم المسلم؛ لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (النساء شقائق الرجال) أي: في الأحكام.
وقد اختص الله تعالى النساء بأحكام مستقلة في باب الطهارة تتعلق بالحيض والنفاس، وما تفرع على ذلك من مسائل.
وقد حرصت النساء منذ العهد الأول على التفقه في أمر الدين وما يتعلق بهن من أحكام، ولذلك كانت تقول عائشة ﵂ وأرضاها مادحةً نساء الأنصار: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).
وأشهر قصة تدل على ذلك هي: أن أم سليم دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، ماذا على المرأة إن هي احتلمت؟) هذه الكلمة كانت فجيعة بالنسبة لـ أم سلمة وعائشة، فلم يكن يعرفن ذلك، لكن انظروا إلى أم سليم فقد علمت أنه لا حرج في الدين، والدين كله حياء، ومن قال: لا حياء في الدين فقد أخطأ، والصواب أن يقول: لا حرج في الدين.
فـ أم سليم قالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، ماذا على المرأة إن هي احتلمت؟ فضربت أم سلمة على فمها وقالت: أو تحتلم النساء؟ فقال لها النبي ﷺ : رحمك الله! فمن أين يأتي الشبه -أي: شبه الولد بأمه- فقالت عائشة: تربت يداك! فضحتِ النساء، فقال لها النبي ﷺ : بل تربت أنت يداك! نعم عليها الغسل إذا رأت الماء)، فالنبي ﷺ لم ينكر عليها السؤال، ولكل امرأة أن تفعل ذلك، وهذه ممدحة في حقها وليست مذمةً، فكن يسألن رسول الله ﷺ عن كل شيء يخصهن، حتى تأتي المرأة بالثوب وتقول: إن إحدانا يصيب ثوبها الحيض، أتصلي به المرأة أم لا؟ فيشرح لها النبي ﷺ ذلك الأمر.
وسنتكلم عن باب أفرد له الإمام النووي قرابة ثلاثمائة صفحة في المجموع يتكلم فيه، وعن مشكلاته ومعضلاته.
ومن العجب العجاب أن أكثر النساء لا يفقهن شيئاً عن حالهن، ولا يعرفن شيئاً عن الأمر الذي يخصهن كالحيض وغيره، لذا يجب وجوباً عينياً على كل امرأة أن تتفقه في مسائل الحيض والنفاس، بل ويجب على كل زوج أن يتعلم هذا الفقه لكي يُعلِّم امرأته، حتى لا يأتي الدم وهي لا تعلم أهذا دم حيض أم دم استحاضة أم دم نفاس؟! وحتى لا تأتي لتسأل زوجها فيقول: أنا لا أحيض، فلا أعرف هذه الأحكام؛ لأنها لا تخصني.
لذا فلا بد للمرأة أن تتعلم العلم الذي يترتب عليه صحة العبادة وبطلانها.
стр. 4
تعريف الحيض
الحيض لغةً: مصدر حاض، يقال: حاض الشيء إذا فاض، وحاضت المرأة يعني: سال دمها.
فالله جل وعلا يجعل أعلى الرحم يدفع الدم جبلة؛ وهذا الدم ليس بدم فساد ولا مرض، بل يخرج على سبيل الصحة، والله جل وعلا قد ابتلى به المرأة لحكمة يعلمها جل في علاه، فهو يناسب أنوثتها وجسدها وكينونتها.
والمرَّةُ يطلق عليها حيضة، والجمع: حِيَض، والمحايض هي: الخرق التي تستثفر بها المرأة فتمص دم الحيض، كما في الحديث عن النبي ﷺ : (قالوا: يا رسول الله! بئر بضاعة يلقى فيه الكلاب والنتن ويلقى فيه المحايض -يعني الخرق التي تمص الحيض- فقال النبي ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء)، ويقال للمرأة: حائض، مع أن كلمة: (حائض) مذكر، لكن ينسب للمرأة؛ لأنه خاص بها، ولا يمكن الاشتباه فيه مع الرجل.
وفي الاصطلاح: هو دم جبلة يخرج من أقصى الرحم للمرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة، في أوقات معلومة بحسب أصناف النساء واختلاف أحوالهن.
стр. 5
أسماء الحيض
للحيض أسماء كثيرة منها: الطمث، والعراك، والنفاس، والضحك وغيرها، وهذه الأسماء مستنبطة من الأدلة، كما في الصحيحين: (أن عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها كانت قد أهلت بالحج مع رسول الله، فدخل عليها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك! أنفست؟) أي: أحضت؟
стр. 6
حكم دم الحيض
دم الحيض أذى، وهو نجس بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، وفي الصحيحين عن أسماء ﵂ وأرضاها قالت: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ فقال: تحكه ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء وتصلي فيه)، أي: تحكه بحجر أو بعود فتدلك به جرم الدم حتى يضيع الجرم، ثم تصب عليه الماء فتدلكه به أو تقرصه فيضيع الأثر.
قوله: (ثم تصلي فيه) هذا فيه دلالة على أن دم الحيض نجس؛ لأن النبي ﷺ منع من الصلاة في الثوب الذي أصابه دم الحيض، واستدل الفقهاء بهذا على وجوب طهارة الثوب للصلاة، وأن ذلك شرط من شروط الصلاة، ووجه الدلالة هو مفهوم المخالفة: أي أنها إن لم تقرصه حتى يضيع الأثر والجرم فلا تصلي فيه؛ لأنه نجس.
وقد نقل النووي ﵀ الإجماع على نجاسة دم الحيض، استناداً إلى حديث أسماء ﵂ وأرضاها.
وأيضاً في البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كانت إحدانا تحيض ثم تقرص الدم -أي تدلكه- من ثوبها، فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه).
стр. 7
أقسام الدماء الخارجة من فرج المرأة
تنقسم الدماء الخارجة من فرج المرأة إلى ثلاثة أقسام، وهي: القسم الأول: دم الحيض.
ويخرج من أعلى الرحم.
القسم الثاني: دم النفاس.
وهو متعلق بالولادة.
وأما الدماء التي تنزل من الحامل قبل أن تلد بيومين تستقبل به الولادة، ففيه خلاف بين الفقها، فلو قلنا: إن الدم الذي ينزل من الحامل قبل أن تلد بيومين هو دم نفاس فالحكم أنها لا تصلي ولا تصوم، ولو قلنا: إنه دم فساد وعلة فالحكم أنها تصلي وتصوم حتى تلد، والراجح من أقوال أهل العلم أنه ليس بدم نفاس.
القسم الثالث: دم الاستحاضة.
وهو دم مرض وعلة، فقد تأتي طبيبة مختصة فتقول: إن هناك عرقاً هو الذي يسيل منه هذا الدم، كما قال النبي ﷺ : (إنما هو عرق)، وقال: (هو ركضة من الشيطان).
стр. 8
علامات دم الحيض
هناك علامات لدم الحيض التي بواسطتها تعرف المرأة أن هذا الدم هو دم الحيض، وهي أربع علامات: الأولى: اللون.
الثانية: الوصف.
الثالثة: الرائحة.
ومعرفة هذه الأمور من العلم والدين.
العلامة الأولى: اللون، فالدم الأحمر ليس بحيض، إلا أن تظهر قرائن تثبت أنه دم حيض، وإنما دم الحيض أسود؛ لقوله ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف)، أي: تعرفه المرأة، ولكن البنت التي ابتدأها الحيض لا تعرف، فعليها أن تذهب إلى أمها لترى الدم، أهو دم حيض أم ليس بدم حيض؟ العلامة الثانية: الوصف، فدم الحيض غليظ، وأما دم الاستحاضة فهو خفيف رقراق، وهذا هو الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
العلامة الثالثة: دم الحيض له رائحة كريهة منتنة، ودم الاستحاضة ليس كذلك؛ لأن دم الاستحاضة منبثق عن عرق، أما دم الحيض فهو منبثق من أعلى الرحم، فكان أوفق له أن يكون له رائحة منتنة.
العلامة الرابعة: أن دم الحيض بعد الدفع من الرحم لا يتجمد، وغيره يتجمد.
стр. 9
سن الحيض
اختلف العلماء في سن ابتداء الحيض وانتهائه، وهل هناك حد لأقل الحيض أو أكثره أو لا؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يمكن الحيض إلا بعد تسع سنين، وهذا كلام الجمهور، والدم الذي يدفعه الرحم بعد تمام خمس سنين أو سبع أو ثمان سنين لا يعتبر حيضاً عندهم.
أما الانتهاء عند الجمهور: فببلوغ المرأة خمسين سنة، وعند ذلك تصبح يائسة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق:٤]، فإذا بلغت المرأة الخمسين ونزل منها الدم فلا يعتبر دم حيض، وأدلتهم في ذلك العادة الغالبة؛ لأن العادة أن البنت لا تحيض إلا عند سن التسع، وأن المرأة ينقطع حيضها عند سن الخمسين، والقاعدة عند الفقهاء: أن العادة محكمة.
ولهم أدلة من السنة: فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة)، فهذا دليل على أنها قبل التسع السنين لا تكون امرأة، أي: لا تكون حائضاً.
وذهب ابن حزم، ورجحه ابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح الصحيح: أنه لا يصح تحديد سن للجارية، ولا يصح تحديد سن للمرأة الكبيرة، فلو رأت البنت الجارية عند خمس سنين الدم فهو حيض، ولو رأت عند سبع سنين فهو حيض، والمرأة بعد الخمسين إذا رأت الدم فهو حيض؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، فالدم الذي نزل وهو أسود، وله رائحة وهو ثخين، فهو دم حيض، سواء في خمس سنوات أو سبع سنوات، أو نزل من المرأة بعد سن الخمسين.
وأيضاً: لأن النبي ﷺ لما سئل عن دم الحيض قال: (دم الحيض أسود يعرف)، ولم يقل: عندما تصل المرأة سن تسع سنين.
والحديث الذي استدل به الجمهور حديث باطل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤]، أي: انقطع دم الحيض عنهن، ولم يقل: واللائي بلغن الخمسين سنة.
إذاً: العبرة الانقطاع وليس هناك سن محدد لليأس.
وثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا بقول الجمهور: بأن الجارية دون التسع سنين إذا نزل منها الدم أنها غير حائض، فهي غير مكلفة، أي: ليس عليها صوم ولا غيره؛ لأنها لم تبلغ سن المحيض، وإذا شتمت أو أخطأت فلا تكتب عليها السيئات؛ للحديث: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: الصبي حتى يحتلم)، والجارية كذلك، لكن الصحيح الراجح أنه إذا نزل الدم منها ولو كانت بنت ست فهي مكلفة؛ وذلك لحديث عائشة قالت: (عقد عليَّ النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، ودخل بي وأنا بنت تسع سنين) أي: أنها كانت مكلفة وهي بنت ست.
أما بالنسبة للكبيرة اليائسة، فالثمرة: أنه إذا بلغت المرأة واحداً وخمسين سنة، وحدثت المشاحنة والمشاجرة بينها وبين زوجها، فقال زوجها: أنتِ طالق، فإن عدتها تكون بالشهور لا بالحيض؛ لأن المرأة التي تحيض عدتها كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أي: ثلاث حيض كما سنرجح، وقال تعالى عن المرأة اليائسة التي لا ينزل منها الدم: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤]، لكن القول الراجح والصحيح هو خلاف قول الجمهور.
وأما الجواب على استدلال الجمهور بقولهم: العادة محكمة.
فنقول: هذا إذا لم تعارض الشرع، وقد عارضت هنا عموم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، وعارضت قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق:٤].
وأما الحديث الذي استدلوا به من حديث ابن عمر: (أن الجارية إذا بلغت تسع سنين فهي امرأة) فهو حديث ضعيف لا يحتج به.
стр. 10
أقل الحيض وأكثره
أما بالنسبة لمسألة أقل مدة الحيض وأكثرها، فقد ذهب الأحناف إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، بمعنى: أن المرأة إذا نزل منها دفعة واحدة من الدم فلا يعتبر عند الأحناف حيضاً، فلا بد أنه يستمر معها ثلاثة أيام، وأكثر أيام الحيض عشرة أيام، فلو زاد على عشرة أيام فهو دم استحاضة.
أما المالكية فقالوا: لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو أن الرحم دفع دفعة واحدة من الدم، أو لحظةً واحدة، فهذا الدم دم حيض عند المالكية؛ لأنه لا حد لأقله ولا لأكثره.
أما عند الجمهور -الحنابلة والشافعية- فقالوا: أقل الحيض يوم وليلة؛ لأن الحائض عندهم لا بد أن يستمر معها الدم يوماً كاملاً، وأكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
ويستدلون على ذلك بقول علي بن أبي طالب: (وما زاد عن الخمسة عشرة فهي استحاضة).
ودليلهم على أقل الحيض هو: استقراء عادة النساء، فقالوا: وجدناها يوماً وليلة، والعادة محكَّمةٌ، وهذا قول الشافعية والحنابلة.
وكذلك يستدلون بحديث النبي ﷺ : (النساء ناقصات عقل ودين، قيل: وما نقص دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي)، فشطر عمرها أي: نصفه، وهو: خمسة عشر يوماً بالنسبة للشهر، ففيه دلالة على أن أقصى مدة هي: خمسة عشر يوماً ليس بصحيح، بل هو ضعيف، والراجح في ذلك والذي دلت عليه الآثار ويدل عليه النظر أن الحيض لا حد لأقله ولا حد لأكثره عند شيخ الإسلام لكن الصحيح أن هناك حداً لأكثره، فإذا أرخى الرحم دفعة واحدة من الدم فهو حيض، ولو لحظة، ولا بد أن تكون دفعة كبيرة، ليس نقطة أو نقطتين؛ لأن النقطة والنقطتين كما قال علي بن أبي طالب ليست من الحيض، أي: لا تؤثر، فهي معفوٌ عنها، ودليل ذلك أن الله علَّق الحكم على وجود الدم، فإن وجد الدم فهي حائض، ولو ارتفع الدم فهي غير حائض؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، أي: إذا نزل فهو حيض، وإن لم ينزل فليس بحيض.
أما لو شعرت المرأة بدم الحيض داخل الفرج ولم يخرج فلا تعتبر حائضاً؛ لأن الحكم يدور مع وجود الدم، هذا هو الصحيح.
أما أكثر أيام الحيض، فالصحيح الراجح أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوماً، فلو زاد الدم عن خمسة عشر يوماً فهو دم استحاضة، وعند ذلك ننظر في عادتها هل هي ستة أو سبعة أيام؟ والباقي كله نجعله استحاضة؛ لأنه لا يعقل أن تكون أكثر أيام المرأة لا تتعبد لله فيها أبداً، فهذا مخالف لمقاصد الشريعة والتكليف، ولأن النبي ﷺ قال: (تمكث ليالي لا تصلي)، أي: أنه حدد الأوقات التي لا تصلي فيها، ولو كان أكثر عمرها كذلك لقال النبي ﷺ : تمكث أكثر أيامها لا تصلي.
стр. 11
أصناف النساء في الحيض
للنساء أصناف وأحوال ثلاثة في الحيض: الصنف الأول: مبتدئة: وهي التي لم تحض قبل ذلك.
الصنف الثاني: مميزة: وهي التي تستطيع أن تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
الصنف الثالث: معتادة: وهي التي اعتادت على مجيء الحيض في وقت معين من الشهر، سواء في بدايته أو نهايته، ويمكث معها مدة معينة اعتادتها، فهي لا تميزه إلا بعادتها، فإذا زاد عن عادتها بسبب اضطرابات نفسية، أو بسبب استخدام دواء منع الحمل، فيعتبر الزائد استحاضة.
стр. 12
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - أصناف النساء في الحيض
النساء في الحيض على ثلاثة أصناف: مبتدئة، ومعتادة، ومميزة، وكل واحدة لا تخلو من أن تكون أحد هذه الأصناف الثلاثة، وكل صنف يختلف عن الآخر في تعيين زمن الحيض، وفي تمييزه عن غيره.
стр. 13
أصناف وأحوال النساء في الحيض
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: وصلنا في الكلام عن الحيض إلى أصناف النساء في الحيض، أو أحوال الحائض، وقلنا: إن أصناف النساء في الحيض ثلاثة: الصنف الأول: المبتدئة.
الصنف الثاني: المعتادة.
الصنف الثالث: المميزة.
стр. 14
المبتدئة
المبتدئة: هي التي لم يأتها الدم قبل ذلك، كأن تكون جارية عمرها تسع سنوات فنزل منها الدم، فتسمى: امرأة مبتدئة، أي: في أول حيضها، وأحوال المبتدئة بالنسبة لاستمرار الدم وانقطاعه ثلاثة أحوال: فإما أن يستمر الدم معها إلى أكثر أيام الحيض، وإما أن يستمر معها الدم أقل من أكثر أيام الحيض، وإما ألا يستمر معها.
وقد اختلف العلماء في تعيين أكثر أيام الحيض على قولين، والصحيح: أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوماً، بدليل قوله ﷺ : (تمكث الليالي لا تصلي ولا تصوم)، ولم يقل: أكثر الشهر أو نصفه، وإنما قال: (ليالي)، ففيه دلالة على التقليل.
وهناك دليل من النظر: وهو أن الله جل وعلا لم يخلق المرأة إلا لتتعبد له، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلا يعقل أن الله خلقها للعبادة، ثم تمكث أكثر دهرها لا نتعبد لله جل في علاه.
وثمرة معرفة أكثر أيام الحيض هي: أن الدم لو زاد عن خمسة عشر يوماً فلابد أن تقف وتنظر في نفسها كما سنبين؛ لأنها ستعتقد أن هذا الدم ليس بدم حيض، بل هو دم فساد أو علة أو استحاضة.
فالحاصل: أن للمرأة المبتدئة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أنها إذا رأت الدم خمسة أيام إلى ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً، فإن هذا الدم يسمى: دم حيض، ما دام أنه لم يعبر أكثر أيام الحيض، فعليها ألا تصلي أو تصوم، ويجب عليها إذا طهرت أن تقضي الصوم دون الصلاة، وهذا الحكم مستمر معها إذا نزل الدم منها بهذه الصورة دائماً، وسيأتي معنا الحديث عن علامات الطهر للمرأة الحائض.
الحالة الثانية: أن يستمر الدم معها إلى أن يعبر أكثر مدة الحيض -أي: خمسة عشر يوماً- فعندها إن استطاعت أن تميز بين دم الحيض والاستحاضة، بأن رأت دم الحيض أسود منتناً ودم الاستحاضة غير ذلك، فالمعتبر في هذه الحالة هو: التمييز، فإذا نزل منها الدم عشرين يوماً مثلاً، وكانت مدة حيضها خمسة أيام وقدرت على التمييز، فإنها تتحيض خمسة أيام فقط وتعتبر الباقي استحاضة، فتقضي الصلاة خمسة عشر يوماً، وتقضي الصوم عشرين يوماً باعتبار زمن الحيض والاستحاضة معاً، ولابد في زمن الاستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وأن تطهر المحل وأن تتحفظ، وأما في حالة الحيض فإنها تكتفي بالغسل إذا طهرت وقضاء الصوم فقط، والله أعلم.
فإن كانت غير مميزة، أي: لا تعرف التمييز، فإنها ترجع في هذه الحالة إلى عادة غالب النساء من أهلها، أو غيرهن إذا كانت بعيدةً من أهلها، فستجد أن الغالبية منهن يتحيضن ستة أو سبعة أيام، وعندها تتحيض سبعة أيام على الغالب، وما بقي فهو استحاضة، فتتوضأ لكل صلاة وتتحفظ كما سبق بيانه، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ للمرأة المستحاضة: (تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام)، فدل على أن هذه المدة هي الغالبة في النساء.
وأما قوله ﷺ : (ستة أيام أو سبعة أيام)، فالصحيح أنه على التخيير، لكن الأحوط لها: تتحيض سبعة أيام.
стр. 15
المعتادة
والمعتادة هي: التي نزل فيها الدم سبعة أيام أو خمسة أيام فاعتادت ذلك في أول كل شهر عربي، وعند ذلك لها عادة مستمرة مطردة تحفظها وتعرفها جيداً.
فإن قيل: وبم تثبت العادة؟ ف
الجواب
أن الحنابلة يرون أن العادة لا تثبت إلا بعد ثلاث مرات مثلاً، وهذا كلام باطل لا دليل عليه.
أما جمهور أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف فيرون أن العادة تكون من مرة واحدة، وهذا هو الراجح، الصحيح، وهو ظاهر السنة؛ إذ أن النبي ﷺ لما سئل من قبل المرأة المستحاضة قال: (لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن) فردها للعادة ولم يشترط المرة الثالثة كما يقول الحنابلة، فظاهر السنة تبين أن العادة تثبت من مرة واحدة، فإذا نزل الدم من الجارية خمسة أيام من أول الشهر فإن المدة عادة مطردة مستمرة لها.
وللمرأة المعتادة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: وهي عدم مخالفة الدم للعادة، بمعنى: أن المرأة كانت تحيض في الشهر العربي في المنتصف، فيأتيها الدم في يوم أربعة عشر، ويستمر معها سبعة أيام إلى يوم الواحد والعشرين من كل شهر عربي، ولم يخالف الدم العادة، فهذه المرأة لا غبار عليها؛ لأنها تعتاد نزول الدم والتطهر منه في وقته الذي اعتادت عليه، فالواجب عليها في عادتها: ألا تصلي أو تصوم وقت نزول الدم، ولها أن تذكر الله جل وعلا وتسبح وتستغفر، ولا تقرأ القرآن، ولا تمس المصحف، ولا تدخل المسجد، كما سنبين ذلك تفصيلاً.
الحالة الثانية: وهي أن يعبر الدم أيام عادتها، كأن تكون معتادةً على خمسة أيام زمناً لحيضتها، فيعبر الدم في إحدى المرات الخمسة الأيام إلى السادس أو العاشر منها، ففي هذه الحالة تتحيض خمسة أيام كما هي عادتها، ثم تغتسل وتعد الدم الزائد عن هذه الأيام دم استحاضة، فتتوضأ لكل صلاة وتتطهر وتتحفظ؛ لأنها معتادة على عادة مستمرة مطردة، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ لـ أم حبيبة بنت جحش ﵂ وأرضاها عندما قالت للنبي ﷺ بأنها تستحاض ولا تطهر، فقال: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك)، فردها النبي ﷺ إلى عادتها، فإذا عبر الدم عادتها جعلته دم استحاضة، والله أعلم.
الحالة الثالثة -وهي مهمة جداً-: وهي انقطاع الدم قبل العادة المطردة، وحكم هذه الحالة: أن المرأة تكون حائضاً عند نزول الدم وطاهراً عند انقطاعه، فإذا انقطع الدم عن المعتادة قبل خمسة أيام فإنها تطهر، فتغتسل وتصلي وتصوم وتؤدي العبادات، والله أعلم.
إذاً: للمعتادة ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الدم موافقاً للعادة فلا غبار عليها.
الثانية: أن يعبر الدم أيام عادتها، فتحسب ذلك من الاستحاضة.
الثالثة: أن ينقطع الدم قبل العادة المطردة، فإن انقطع قبل العادة فهي طاهر؛ لأن حكم الحيض يدور مع الدم حيث دار وجوداً وعدماً.
стр. 16
المميزة
والمميزة هي: المرأة التي تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
وهناك فروقات بين دم الحيض ودم الاستحاضة: الفرق الأول: من حيث اللون، فدم الحيض أسود يعرف، ودم الاستحاضة أحمر شفاف وردي رقيق، لقوله ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف).
الفرق الثاني: أن دم الحيض يكون ثخيناً غليظاً، أما دم الاستحاضة فهو رقيق.
الفرق الثالث: دم الحيض له رائحة نفاذة منتنة، أما دم الاستحاضة فهو دون ذلك.
الفرق الرابع: دم الحيض لا يتجمد كما بينا، أما دم الاستحاضة فمن الممكن أن يتجمد بعد الدفع.
أما حكم هذا الصنف: فهو راجع للتمييز، فإذا كانت الأوصاف تدل على دم الحيض فهو دم حيض، وإلا فهو استحاضة، والله أعلم.
стр. 17
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - هل تحيض الحامل أم لا-علامات الطهر والاستحاضة وأحكامها
اختلف الفقهاء هل تحيض الحامل أم لا؟ فقال الأحناف والحنابلة: لا تحيض، وإذا رأت دماً فهو دم فساد، وقال المالكية والشافعية: تحيض، وإذا رأت دماً يوافق عادتها أو يطابق صفات دم الحيض فهو حيض، وللطهر من الحيض علامات تعرفها إما بالجفاف، وإما بسائل أبيض يخرج من فرجها بعد انتهاء الحيض، والمستحاضة التي لم تر الطهر بعد الحيض لها أحكام خاصبة بها بينها أهل العلم.
стр. 18
أقسام النساء بالنسبة للحيض
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن النساء بالنسبة للحيض ثلاثة أصناف: مبتدئة، ومعتادة، ومميزة.
فالمبتدئة: هي التي نزل الدم أول مرة ولا تعرف عنه شيئاً.
والمعتادة: هي المرأة التي يأتي لها الحيض خمسة أو سبعة أيام من أول الشهر، فيكون لها عادة معينة.
والمميزة: هي التي تميز بين دم الحيض وبين غيره عن طريق علامات ابتداء دم الحيض وعلامات انتهائه، كرؤية القصة البيضاء أو الجفاف.
стр. 19
حكم رؤية دم الحيض أثناء الحمل
امرأة حامل في الشهر الثالث نزل منها الدم واستمر خمسة أيام ثم انقطع، ثم عاود عليها في الشهر الرابع ونزل منها الدم واستمر خمسة أيام، ثم رأت النقاء بعد ذلك، سواء رأت الجفاف أو القصة البيضاء، ثم في الشهر السابع إلى الشهر التاسع وهو ينزل فيها الدم، فهل هذا الدم دم حيض أم دم علة وفساد ومرض؟ كل الأطباء يقولون: هو دم مرض، والقاعدة عندي أني لا آخذ بالطب قبل الشرع؛ إذ إن الطب نظريات تخطئ وتصيب، والشرع وحي من ربنا جل في علاه، ليس فيه محل للخطأ ولا الوهم، والمسألة قد اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: قول الأحناف والحنابلة: إذا رأت المرأة الدم وهي حامل فإن هذا الدم يعتبر دم علة، أي: دم مرض، فعليها أن تنظف المحل وتتحفظ وتصلي كل صلاة، إذ لا يأخذ هذا الدم أحكام الحيض، قالوا: ولنا في ذلك أدلة: الدليل الأول: ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال في سبايا أوطاس -والسبايا: هن الإماء، ويحصل عليهن بأن يجاهد المسلمون ويفتحوا بلاد الكفر ويسبوا نساءهم- (لا توطأ -أي: لا تنكح- حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض)، فمنع الشرع الحنيف من وطء الحامل حتى تضع؛ حتى لا تسقي زرع غيرك بمائك، ثم قال: (ولا غير ذات حمل حتى تحيض) فكأن النبي ﷺ قال: إن الحامل لا تحيض؛ لأنه جعل علامة استبراء الرحم في الحامل الوضع، فقال: (لا توطأ حامل حتى تضع)، ثم قال في شأن المرأة الحائل، وهي غير الحامل: (ولا غير ذات حمل حتى تحيض)، فجعل علامة استبراء الرحم فيها أن تحيض، ففيه دلالة على أن الحامل لا تحيض، وإلا لم يفرق النبي ﷺ بين الحامل والحائل، فكأن النبي ﷺ يقول: الحامل لا تحيض، والحائل هي التي تحيض.
الدليل الثاني: ما جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه أمر عمر أن يأمر ابنه أن يطلق زوجته وهي طاهر أو حامل، فطاهر يعني: خالية من الحيض، وحامل؛ لأنها لا تحيض، فجعل الحمل علامة على عدم الحيض.
القول الثاني: قول الشافعية والمالكية: قالوا: الدم الذي تراه المرأة وقد ثبت معها، وترى بعده الطهر هو دم حيض، وإن كانت حاملاً، وقد توافرت علامته، ودم الحيض له علامات ومقدمات تعرفها المرأة، من ألم في الظهر، وألم في البطن، ثم بعد ذلك الصفات المعروفة لدم الحيض، من أنه أسود وثخين إلى غير ذلك من العلامات، ثم بعد ذلك يعقبه الطهر ورؤية القصة البيضاء.
واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف)، فجعل دم الحيض أسود يعرف، سواء أكانت حاملاً أو حائلاً.
وجاء عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها سئلت عن امرأة حامل رأت الدم فقالت: لا تصلي.
فاعتبرت هذا الدم دم حيض، فكأن عائشة تقول: الدم الذي نزل منها هو دم حيض، وانتشرت هذه الفتوى بين ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم من فحول الصحابة وأساطين أهل العلم، فلو كانت هذه الفتوى خاطئة لخطئوا عائشة، كما خطأ علي بن أبي طالب ابن عباس في تجويزه نكاح المتعة، وقال له علي: إنك رجل تائه، إن رسول الله حرم نكاح المتعة.
وعندما قال ابن عباس: نكاح المتعة حلال، قام ابن الزبير خطيباً وهو خليفة على مكة فقال: ما لي أرى أناساً قد أعمى الله بصيرتهم كما أعمى أبصارهم يفتون بجواز المتعة! وكان ابن عباس قد عمي بصره في آخر عمره، فهذه الشدة منه لينصر دين الله، ولينصر سنة النبي، فما العلم إلا قال الله وقال رسوله، وليس قال الشيخ الفلاني وقال الشيخ العلاني.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وعندما قال ابن الزبير: ما لي أرى رجلاً قد أعمى الله بصيرته كما أعمى بصره يفتي بنكاح المتعة! قال له ابن عباس: وما لي أراك أعرابياً غليظاً؟ فقال له ابن الزبير: تقول ذلك وقد حرم النبي ﷺ نكاح المتعة! والذي نفسي بيده! لو سمعتك تفتي بهذا لأرجمنك حتى الموت.
وكأنه يرى أنها زنا، وهكذا كان الصحابة يحافظون على سنة النبي ﷺ .
فـ عائشة أفتت بذلك أمام محفل من الصحابة، والصحابة سكوت لا يتكلمون ولا ينكرون، فكان سكوتهم هذا إجماعاً سكوتياً، فكأنهم وافقوا على الفتوى التي أفتت بها عائشة.
هذا من الأثر.
وأما من النظر والعقل: فإن الأصل في النساء الصحة دون المرض، والأصل في الدم الذي يرخيه الرحم أنه دم حيض، ما لم يدل دليل أو تأتي قرينة على أنه دم فساد أو دم علة، فإذا ظهرت القرينة حمل على أنه دم فساد؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما ذاك عرق)، وذلك عندما ظهرت له القرينة بأن الدم هذا دم فساد ودم علة.
فإذا تردد الدم النازل من الفرج بين أن يكون دم حيض أو دم فساد ومرض، وإذا تردد الدم بين الأصل والفرع قدم الأصل على الفرع.
стр. 20
علامات الطهر من الحيض
الطهر عند المرأة له علامتان: العلامة الأولى: الجفاف، فتدخل القطنة في فرجها فتخرج جافة لا شيء فيها.
العلامة الثانية: سائل أبيض يخرج من فرجها بعد أن ينتهي الدم.
وبعض النساء لا يخرج منهن هذا السائل الأبيض عند الطهر، فيكون علامة طهرها الجفاف.
стр. 21
الاستحاضة
الاستحاضة هي: استمرار نزول الدم وعدم انقطاعه، وقد ينزل أياماً كثيرة ثم ينقطع بحال من الأحوال.
وقد حدث مثل هذا في عصر رسول الله ﷺ مع صحابيات فضليات جليلات، وكانت المرأة تأتي الرسول وتقول: إني أستحاض فلا أطهر.
وتنقسم الاستحاضة إلى قسمين: استحاضة مستمرة، أي: نزول الدم بلا انقطاع بحال من الأحوال، فقد يستمر خمس سنوات، أو ست سنوات، أو سبع سنوات.
استحاضة منقطعة: وهي التي تظل مع المرأة فوق عدد عادتها، مثل امرأة عادتها أن تحيض خمسة أيام، وفي شهر استمر معها الدم سبعة عشر يوماً، فنعتبرها قد حاضت خمسة عشر يوماً، واليومان الزائدان يكونان دم استحاضة؛ لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وما زاد عليه يعتبر دم استحاضة.
والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر.
أي: الدم لا ينقطع معها، وهذه استحاضة مستمرة.
وفي مسند أحمد عن زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة.
فكأنها أقل من الأولى، لكنها أيضاً مستمرة.
стр. 22
حكم المستحاضة
يختلف حكم المستحاضة باختلاف صنفها في الحيض، فالمرأة المميزة التي تميز بين دم الحائض وبين دم الاستحاضة كأن جاءها الدم خمسة أيام، وعرفت أن هذا الدم هو دم الحيض بلونه ورائحته وصفته المعروفة، ثم بعد خمسة أيام استمر الدم معها بالنزول، فنظرت فوجدت الدم الذي نزل بعد الخمسة أيام دماً أحمر رقيقاً، فحكمها أن تجعل الدم النازل في الخمسة الأيام الأولى دم حيض، والدم الثاني الأحمر الرقيق دم استحاضة، فتترك الصلاة في الخمسة الأيام ولا تقضيها، ثم تغتسل أولاً لطهرها، ثم تتحفظ وتتوضأ للصلاة، وتفعل ذلك في كل صلاة حتى ينقطع عنها الدم.
أما المرأة المعتادة: وهي التي تعرف عادتها وتحفظ عددها، كأن تأتيها خمسة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، فهذه إن استمر الدم معها في النزول أكثر من العادة فنقول لها: إن كان الدم مستمراً في النزول وكانت طبقة الدم واحدة فاجعلي الدم أيام عادتك المعهودة دم حيض، وما زاد على هذه الأيام فهو دم استحاضة، ويكون حكمك في هذه الأيام حكم المستحاضة، فتتوضئين لكل صلاة، وتصومين ما عليك من فرض، إلى غير ذلك.
والدليل على حكم المميزة قول النبي ﷺ لـ فاطمة بنت أبي حبيش: (دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة).
فكأنه يقول: أنت امرأة مميزة، ودم الحيض أسود يعرف، فإذا جاء الدم الآخر الرقيق فهو دم استحاضة، قال: (فإذا جاء الدم الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق) أي: هو دم استحاضة وليس بحيض.
والدليل على حكم المعتادة قول النبي ﷺ لـ أم حبيبة عندما قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال لها: (لا، إنما ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي).
فكأن النبي ﷺ يقول لـ أم حبيبة: يا أم حبيبة! إنك لا تعرفين كيف تميزين بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة، فأنت معتادة أن يأتيك الدم أول كل شهر سبعة أيام منذ سنوات طويلة، فعدي سبعة أيام من أول كل شهر حيضاً، فإذا مرت السبعة الأيام فعليك أن تغتسلي غسل الطهارة، ثم تتوضئين لكل صلاة وتصلي، قال النبي ﷺ : (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) أي: أنك طهرت، وهذا الدم دم استحاضة.
أيضاً في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال النبي ﷺ لـ أم حبيبة بنت جحش: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي)، فالمعتادة تعد أيام العادة فتمكث لا تصلي ولا تصوم فيها، فإذا مرت العادة واستمر منها نزول الدم فإنها تعتبر نفسها مستحاضة، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي بعد غسل الطهر.
وأما المرأة المعتادة وغير المميزة، فهي المتحيرة، فلا تعرف لها عادة، ولا تعرف أن تميز إذا قلنا لها: دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة أحمر، ومن أسباب هذا اللولب الذي تركبه المرأة، فهذا قيد يجعل المرأة لا تعرف لها عادة، ولا تعرف كيف تميز، وتضطرب عندها الدورة، فماذا تفعل؟ نقول لها: ارجعي إلى غالب عادة النساء، وغالب عادة النساء ستة أيام أو سبعة أيام، فاجعليها أيام حيض، ثم تطهري واغتسلي غسل الطهر، ثم بعد ذلك توضئي لكل صلاة وصلي، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ لـ حمنة بنت جحش: (إنما هذا ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك طهرت فصلي أربعاً وعشرين أو ثلاثاً وعشرين كما تفعل النساء).
стр. 23
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - أحكام الصفرة والكدرة - وماذا تفعل الحائض إذا رأت الحيض يوماً والطهر يوماً
قد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم الخارجة من المرأة، فمن قائل: إنهما حيض، ومن قائل: إنهما ليسا بحيض، وهناك قول بالتفصيل، ولكل قول حجته وأدلته.
стр. 24
في حكم الصفرة والكدرة من المرأة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد وقفنا عند الكلام عن الصفرة والكدرة، وهل هي حيض أم لا؟ وقلنا: إن الصفرة سائل أصفر، كالماء الذي يكون من الجرح، وتخرج من الرحم.
وأما الكدرة: فهو ماء ممزوج بحمرة، فيكون لونه متكدراً، وبئر الماء إذا حرك فيه التراب تكدر ماؤه.
والصفرة والكدرة ليستا دمين، بل هما ماءين، فيختلفان عن الحيض الذي هو دم.
فالمرأة قبل أن تحيض قد تنزل منها إفرازات كصفرة أو كدرة، وذلك كثير في النساء، فما حكم هذه الإفرازات؟ وهل هي حيض أم ليست بحيض، وخاصة إذا نزلت في اليوم المعتاد نزول الحيض فيه؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فقوم قالوا: هما حيض مطلقاً.
وقوم قالوا: ليستا بحيض مطلقاً.
وقوم قالوا: إن في المسألة تفصيلاً، إن كان في زمن الحيض أو ليس في زمن الحيض.
القول الأول: الذين قالوا: ليس بحيض مطلقاً، وهم: ابن حزم الظاهري، وهو قول للشافعية؛ فالحيض عندهم هو الدم فقط.
واستدلوا بحديث أم عطية الذي أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً).
وهذا الحديث لم ترفعه أم عطية إلى النبي ﷺ ، بمعنى لم تقل: قال النبي ﷺ ، وليس فيه قالت أم عطية تبلغ به إلى النبي ﷺ ، ولكن هذا الحديث يصح أن يكون مرفوعاً إلى النبي ﷺ ؛ لأن الحديث إذا لم يكن محلاً للاجتهاد، أو أضيف إلى زمن النبي ﷺ ، فالقاعدة عند المحدثين أنه يكون مرفوعاً، وأم عطية هنا أضافت الحديث إلى زمن النبي ﷺ ؛ لأنها قالت: (كنا لا نعد)، لأنهن كن يسألن رسول الله ﷺ ، ويسألن بعده عائشة، فالذي أعلمها ألا تعد هذا من الحيض هو رسول الله ﷺ ، لذا فـ ابن حزم قال: هذه سنة، وإن كانت في الظاهر موقوفة لكن لها حكم الرفع.
كما استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢] فسمى الدم حيضاً، وقد قال النبي ﷺ : (دم الحيض أسود يعرف) ولم يقل: فيه صفرة أو كدرة، بل سماه دماً، فالحيض لا يكون إلا دماً.
القول الثاني: قول المالكية والشافعية، وهو أن الصفرة والكدرة حيض مطلقاً، فيكون هناك طرفان: طرف على أنه ليس حيضاً، وطرف على أنه حيض مطلقاً.
واستدل القائلون بأنه حيض مطلقاً: بأن الصفرة والكدرة إذا خرجت من الرحم ولها مواصفات الحيض أخذت حكمه؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الشبيه يأخذ حكم الشبيه، وهي قاعدة فقهية تسمى قاعدة: الحكم بالمجاورة، أي: أن المجاور يأخذ حكم مجاوره، كالماء المجاور وغيره.
فالصفرة والكدرة مجاورتان للحيض فيأخذان حكمه، وهذا دليل نظري قوي.
القول الثالث: التفصيل، وهذا القول لبعض الشافعية، وهو الراجح والصحيح الذي رجحه شيخ الإسلام على ما أذكر إن لم أكن واهماً، حيث قال: الصفرة والكدرة لها حالات: الحالة الأولى: ذهب جمهور العلماء إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لأن كل مجاور يأخذ حكم مجاوره، خاصة وأن هذه الإفرازات نزلت بسبب نزول الدم فتأخذ حكمه، ولازم الشيء كالشيء، فنزول الصفرة والكدرة بعد نزول الدم ملازم للدم فيأخذ حكمه، فإذا نزل الدم وانقطع، وأرخى الرحم الإفرازات في زمن الحيض، فالصفرة والكدرة تكون حيضاً.
والدليل على ذلك: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالكرسف فيها الصفرة والكدرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، وهذا له حكم الرفع إلى النبي ﷺ ، وفيه أن المرأة ما زالت حائضاً وإن نزل منها صفرة أو كدرة حتى ترى القصة البيضاء.
الحالة الثانية: الصفرة والكدرة بعد الطهر ليستا من الحيض، فبعد أن ترى المرأة القصة البيضاء، أو الجفاف الذي يدل على أنها قد طهرت، ونزل عليها إفرازات من صفرة وكدرة فلا تكون حيضاً، وإنما تغسل المحل وتتوضأ وتصلي.
الحالة الثالثة: هي أن تنزل الصفرة والكدرة قبل أن ينزل الدم في يوم العادة، فلا تكون حيضاً، إنما تغسل المحل وتتوضأ وتصلي وتصوم؛ لأنها من الطهر.
والدليل على ذلك هو: أن أم عطية قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً) وهذا على الإطلاق، وهو دليل على قوله: بأن الصفرة والكدرة ليستا من الحيض مطلقاً، ولكن هذه الرواية مقيدة برواية أخرى عن أم عطية قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) والشاهد هو قولها: بعد الطهر.
وبمفهوم المخالفة أن قبل الطهر نعده حيضاً، وهذا فيه رد على دليل ابن حزم، فالمطلق محمول على المقيد، والرواية الأولى مطلقة، والثانية مقيدة بأن عدم اعتدادهن بالصفرة والكدرة كان بعد الطهر، أما قبله فهو حيض بمفهوم المخالفة.
стр. 25
الحائض ترى الحيض يوماً والطهر يوماً
إذا كانت المرأة ترى الحيض يوماً وترى الطهر يوماً، فيوم السبت نزل منها دم الحيض ويوم الأحد انقطع، ويوم الإثنين نزل ويوم الثلاثاء انقطع، ويوم الأربعاء نزل ويوم الخميس انقطع، فهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن ينزل الدم يوم السبت، ويوم الأحد ترى الطهر، أي: أنها ترى القصة البيضاء، أو النقاء أو الجفاف، ففي هذه الحالة يكون يوم السبت حيضاً، ويوم الأحد طهراً، ويوم الإثنين حيضاً، ويوم الثلاثاء طهراً، وهكذا.
وهذا هو الراجح عند أهل التحقيق من أهل العلم، فيوم السبت لا تصلي ولا تصوم ولا تقرأ القرآن ولا تحل لزوجها ولا تمس مصحفاً ولا تدخل مسجداً، وفي يوم الأحد إذا رأت الطهر بأن ترى القصة البيضاء أو الجفاف، فتصلي وتصوم بعد الاغتسال وتفعل ما تفعله الطاهر.
واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: عموم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢] فالحكم يدور مع وجود الأذى وهو الدم، فتكون حائضاً حيثما وجد الدم، وطاهراً حيثما انقطع بعد أن ترى الطهر، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: (دم الحيض أسود يعرف)، فإن كان الدم فهو حيض، وإن انقطع ورأت النقاء أو القصة البيضاء فهو طهر، وهذا ما يسميه الفقهاء باللغو، وهو: أن تمتنع عن الصلاة والصيام في اليوم الذي ترى فيه الدم، وتصلي وتصوم في اليوم الذي ترى فيه الطهر.
الحالة الثانية: أن ترى الدم يوماً، ثم في اليوم الثاني لا ترى الدم من غير أن ترى الطهر بالجفاف أو بالقصة البيضاء، لكن ينزل منها صفرة وكدرة، ففي يوم السبت نزل الدم، وفي يوم الأحد صفرة وكدرة، وفي يوم الإثنين نزل الدم، وفي يوم الثلاثاء صفرة وكدرة، ففي هذه الحالة تكون حائضاً في جميع هذه الأيام، وهو ما يسميه الفقهاء بالسحب، والسحب: أن تسحب اليوم الذي ينزل فيه الدم على اليوم الذي لا ينزل فيه الدم، فتكون حائضاً فيهما، فإن استمرت هذه الحالة خمسة عشر يوماً فهي مستحاضة، وترجع لأحكام الأصناف الثلاثة، إما أن تكون مميزة أو معتادة أو مبتدئة، وقد فصلنا القول فيها، فإن كانت معتادة ترجع إلى عادتها، وإن كانت معتادة عشرة أيام فتقضي صلاة خمسة أيام، لأنها كانت طاهرة، وأما الصوم فيُقضى سواء كانت حائضاً أو مستحاضة.
стр. 26
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - أحكام النفاس - وأحكام تتعلق بالحيض وهي الصلاة والصوم
الشريعة الإسلامية شاملة لجميع نواحي الحياة، وقد خصت المرأة بأحكام دون الرجل، كأحكام الحيض والنفاس، وفي تشريعها يرى المتأمل رحمة الدين بالمرأة، وتقديره لحالتها النفسية التي تمر بها أيام الحيض والنفاس، ولأجل ذلك منعها من قراءة القرآن، ومن مس المصحف، ومن دخول المسجد، إلى غير ذلك من الأحكام.
стр. 27
أحكام النفساء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
стр. 28
تعريف النفاس
فالنفاس في اللغة: هو الولادة.
وشرعاً: هو الدم الذي يخرج من فرج المرأة بعد الوضع، أي: عقب فراغ الرحم من الحمل، ويسمى نفاساً: لأنه يخرج عقبه نفس، ثم يعقبه بعد ذلك دم ينزل يرخيه الرحم، ويقال: امرأة نفساء، ويجمع على نفاس، فتقول: نسوة نفاس.
وكذلك الدم بعد السقط يكون نفاساً.
وأحكام النفاس تساوي أحكام الحيض حذو القذة بالقذة، بمعنى: أن المرأة الحائض إن كان يحرم عليها قراءة القرآن، ودخول المسجد، وأن يجامعها زوجها، وأن تصلي، وأن تصوم، وأن تطوف بالبيت، فكذلك المرأة النفساء تساوي المرأة الحائض في كل ذلك، فلا يجوز أن يجامعها زوجها، ولا تدخل المسجد، ولا تقرأ، ولا تصلي، ولا تصوم، ولا تمس المصحف، فهذا كله الحائض والنفساء فيه سواء، فيحرم عليها ما يحرم على الحائض، ويسقط بالنفاس ما يسقط بالحيض إلا في أمور ليس الكلام عليها الآن.
стр. 29
أقل وأكثر مدة النفاس
اختلف العلماء في أكثر مدة النفاس، ولا بد أن نعرف أولاً أقل مدة له، فمثلاً امرأة ولدت، وبعد ولادتها نزل منها نقاط دم، ثم رأت القصة البيضاء، فهذه نقول لها: نفاسك هذه النقاط، نفاسك هذه المدة التي نزل فيها بعض الدم، وما دمت رأيت القصة فاغتسلي وصلي، وصومي واقرأي وادخلي المسجد، ويجامعك زوجك؛ لأنك قد طهرت، فلا حد لأقله، ولو لحظة واحدة، فيكون قد طهرت، وتسمى نفاساً في هذه اللحظة فقط.
أما أكثر مدة النفاس فإن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: قول مالك والشافعي، وهو قول أبي داود، وعطاء، والشعبي وغيرهم من التابعين، قالوا: أكثر مدة النفاس ستون يوماً، أي: أن تحسب المرأة التي نزل منها الدم ستين يوماً، فإذا استمر الدم معها بعد الستين يوماً نقول لها: أنت مستحاضة، فهذا اليوم الواحد والستين، وهذا ليس بدم نفاس، فتدخل فتغتسل، ثم تستذفر، وتتوضأ وتصلي.
وهذا القول هو الصحيح والراجح كما سنبين، وقد قال الأوزاعي وهو من جهابذة الفقهاء: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين، فهذا على الوجود، ومدار الأحكام في هذه المسألة على الوجود كما سأبين، أي: وجد في النساء من ترى الدم بعد الولادة ستين يوماً.
القول الثاني: قول أبي حنيفة، والثوري، وأحمد ومن الشافعية المزني من الشافعية، قالوا: أكثر مدة النفاس أربعون يوماً.
ودليلهم في ذلك ما رواه أحمد عن أم سلمة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد النبي ﷺ مدة أربعين يوماً) وهذا ما استدل به الحنابلة ومن وافقهم، وقالوا: كانت تجلس أربعين يوماً على عهد النبي ﷺ ، فهذا توقيف من النبي ﷺ .
والصحيح الراجح من ذلك: أن أكثر مدة النفاس ستون يوماً؛ لأن المسألة في هذه مدارها على الوجود، فإن وجدت امرأة ينزل فيها الدم عقب الولادة إلى آخر يوم في الستين، وينزل بنفس الصفة واللون والرائحة فلا نغير الحكم، بل إن الحكم واحد، وقد قال الأوزاعي -كما قلت- وجد من النساء من ترى الدم ستين يوماً.
فأقول: إذا وجد من النساء من ترى ذلك فالحكم مع الوجود، فكيف نفعل هذا؟! وحديث النبي ﷺ ينص على خلاف ذلك.
ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه أتأخذ بـ الشافعي والأوزاعي وتترك قول رسول الله أيها الجاهل؟! نعم أكون جاهلاً حقاً، وأكون معانداً حقاً عندما أجد حديث النبي ﷺ ، ثم آخذ بقول فلان وعلان، أو الشيخ الفلاني والفقيه الفلاني، لا والله ما آخذ إلا بحديث النبي ﷺ .
لذا فأقول هنا: هذا الحديث ليس قول النبي ﷺ ، بل هو إخبار بأن النساء في عصر النبي كن يمكثن أربعين يوماً فينقطع الدم، فإن وجد من ترى الدم أكثر من أربعين يوماً أخذنا به؛ لأن النبي ﷺ لم يقل إن أكثر مدة النفاس عند المرأة أربعون يوماً، لكن غالب النساء حتى في عصورنا هذه عادتهن في النفاس أربعون يوماً، فيكون مدار الحديث على الأغلب، أي: أن غالب النساء في عصر النبي ﷺ كن يمكثن أربعين يوماً نفاساً.
стр. 30
ثمرة الخلاف في مدة النفاس
ثمرة هذا الخلاف في مسائل: المسألة الأولى: عندما ترى المرأة الدم بعد الأربعين تحسبه من النفاس، فلا تصلي ولا تصوم، ولا تدخل المسجد، ولا يجامعها زوجها، ثم إذا نقلت إلى الستين فرأت الدم، فإنها تغتسل وتصلي وتصوم ويجامعها زوجها، وهذا هو الراجح في هذه المسألة، أن أكثر مدة النفاس ستون يوماً.
المسألة الثانية: المدة التي يثبت بها النفاس، وهي: ما تم له أربعة أشهر وخرج معه دم، فهذا نفاس، بمعنى: امرأة كانت حاملاً في الشهر الأول، فأسقطت، وعقب هذا الإسقاط نزل الدم، فنقول لها: هذا الدم دم فساد وعلة، ليس بدم نفاس، فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي.
وامرأة أخرى كانت حاملاً في الشهر الثالث، فأسقطت، وعقب الإسقاط نزل الدم، فنقول لها: هذا دم فساد وعلة، وليس بدم نفاس، بل اغسلي عنك الدم واغتسلي، ثم توضئي وصلي، وسبب الأمر بالاغتسال: خروج هذا السقط.
وامرأة أخرى أيضاً: أسقطت في الشهر الرابع، وعقب هذا الإسقاط نزل الدم، فنقول: هذا الدم دم نفاس، فامكثي لا تصلي، ولا تصومي، ويحرم عليك ما يحرم على الحائض حتى تطهري، فإن استمر معك الدم إلى الأربعين فأنت في نفاس، وإن استمر إلى الستين فأنت في نفاس، وإذا استمر فوق ذلك فأنت مستحاضة.
والدليل على ذلك: حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك) إلى أن عد مائة وعشرين يوماً (فينفخ فيه الروح) فنفخ الروح معتبر بعد المائة والعشرين، وإن كان هناك رواية تثبت أنه ينفخ الروح بعد الستين يوماً، ولكن نحن مع الغالب، فنقول: تحسب المرأة نفاسها إذا أسقطت لمدة أربعة أشهر.
стр. 31
أحكام الحيض
الأحكام التي تتعلق بالمرأة الحائض: أولاً: يحرم على الحائض الصلاة والصوم، فالمرأة إذا حاضت فإنها تترك الصلاة والصوم، وإن فعلت أثمت بذلك؛ لأن الله حرمهما عليها حين حيضها.
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه، قال: قال النبي ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها).
وفي رواية أخرى في مسلم عن عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه، عن النبي ﷺ أنه قال: (يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة -أي: عاقلة فقيهة-: وما لنا يا رسول الله! أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير).
قوله: (تكثرن اللعن) أي: بالسب والشتم واللعن والتعدي على الحدود.
وقوله: (وتكفرن العشير) أي: أن الرجل يأتي لها بكل خير، والأصابع كلها تضيء لها كالشمعة، ثم بعد ذلك ترى منه ما تكره مرة واحدة، فتقول: لم أرَ منك خيراً قط، وتجحد كل هذه النعم مرة واحد، وجعلتها خلفها ظهرياً، قال النبي ﷺ : (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الراشد منكن.
قالت: يا رسول الله! وما نقصان العقل والدين؟ فقال: فأما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل -فهذا نقصان العقل- وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان؛ فهذا نقصان دينها).
الشاهد قوله: (تمكث الليالي لا تصلي)؛ لأنها حائض.
إذاً: الحكم الأول: لا يجوز للمرأة أن تصلي، ولا يجوز لها أن تصوم عندما تكون حائضاً، وأمهاتنا والعوام من النساء كثيراً ما يقع منهن في رمضان إذا حاضت قالت: لا يمكن أن أفطر، فتأتي إلى آخر اليوم قبل غروب الشمس وتقول: أشرب جرعة ماء أجرح صيامي فقط، وهذا تنطع في الدين، ومخالفة صريحة، وهي قد أثمت مرتين؛ لأنها لم تأخذ بالحرمة التي حرم الله عليها بأن تصوم، والثاني: أنها منعت نفسها مما هو مباح، والنبي ﷺ يقول: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) وإن كان ليس نصاً في هذه المسألة لكني أستأنس به، فعلى المرأة أن تفطر، وليس عليها ثمت حرج أن تفطر في يوم رمضان إذا كانت حائضاً.
وفي سنن أبي داود عن فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ﷺ قال: (ولتدع) أي: تترك الصلاة: (من كل شهر أيام أقرائها) أي: أيام حيضها، ونستدل بهذا الحديث على مسألة مهمة جداً قد مضت، وهي: هل القرء هو الحيض أم الطهر؟ وهل عدة المرأة بالحيض أم بالطهر؟ في هذا الحديث دلالة على أن القرء هو الحيض؛ لأنه قال: تدع الصلاة أيام أقرائها، أي: أيام حيضها لا أيام طهرها، فهذه دلالة على أن القرء يطلق على الحيض.
وفي البخاري أيضاً عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ وأرضاها قال النبي ﷺ : (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) هذا هو الشاهد: فإذا أقبلت الحيضة، أي: في الحيض يحرم عليك أن تصلي، قال: (فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).
وفي سنن أبي داود أيضاً عن أم سلمة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي).
فهذه الأدلة كلها متعاضدة على أن المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم.
وأما حكم قضاء الصلاة: فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن المرأة إذا حاضت لا تصلي، ولا قضاء عليها إلا في قول شذ به بعض الخوارج، والخوارج إذا خالفوا فإن خلافهم لا يعتد به، ومستند أهل السنة والجماعة في الإجماع: حديث الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها: (عندما سألتها معاذة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله فنقضي الصوم ولا نقضي الصلاة).
فإذاً: المرأة لا تقضي الصلاة ولكنها تقضي الصوم.
стр. 32
مسائل في صلاة الحائض
هنا مسائل مهمة جداً، وهي: المسألة الأولى: امرأة بعد طلوع الفجر بمقدار ركعة حاضت، إذاً: هي لحقت ركعة من صلاة الفجر وهي طاهرة، فهل صلاة الفجر عليها أم لا؟ الصحيح والراجح في ذلك: أن صلاة الفجر عليها؛ لأنها إذا طهرت لا بد أن تصلي الفجر قضاءً، ثم تصلي الصلوات، فتستحضرها وتستقدمها بين يديها، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، مفهوم المخالفة: إذا لم تدرك ركعة كاملة لا يلزمها الصلاة؛ لأنه قال: إذا أدركت ركعة كاملة لزمتها الصلاة، أي: الصلاة التي فيها هذه الركعة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة).
فهذه دلالة واضحة على أن الركعة التي أدركتها تدرك بها الصلاة، ويلزمها قضاء هذه الصلاة، ويكون هذا الحكم مستثنى من الحكم العام الذي حرم عليها القضاء، فإذا لحقت مقدار ركعة واحدة وهي طاهرة ثم حاضت، فعليها قضاء هذه الصلاة.
المسألة الثانية: إذا أدركت ركعة من وقت العصر فهل يجب عليها صلاة الظهر مع العصر أم لا؟ أي: أن امرأة أدركت صلاة العصر وهي حائض، ثم طهرت وقت صلاة العصر فهل تأتي بالظهر والعصر؟ أم تأتي بالعصر فقط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها تأتي بالعصر والظهر معاً، وأيضاً: إذا طهرت وقت صلاة العشاء فعليها المغرب والعشاء، وإذا طهرت وقت الفجر فعليها الفجر فقط، وهذا قول جمهور أهل العلم من الشافعية والحنابلة.
وأدلتهم في ذلك: حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه، ونقل أيضاً بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف أنهما قالا: في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعاً، والعلة عندهم في ذلك: أن وقت الثانية وقت للأولى في حالة العذر.
وذلك إذا سافر المرء، فله أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم، وله أن يجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في وقت العشاء، وله في المطر أن يفعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ : (جمع بين المغرب والعشاء -كما في صحيح البخاري - من غير سفر ولا مطر، قالوا: يا ابن عباس! لم؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، أو لا يحرج على أمته).
فالصحيح الراجح في ذلك: التعليل: أن وقت العصر وقت للظهر عند الضرورة، وهي في ضرورة إذا كانت حائضاً، فإذا طهرت العصر عليها أن تصلي الظهر، وأيضاً: إذا طهرت العشاء عليها أن تصلي المغرب مع العشاء.
القول الثاني: قول بعض المالكية والأحناف، قالوا: لا تصلي إلا الصلاة التي أدركتها، أي: أنها إذا طهرت في صلاة العصر فليس عليها إلا العصر، وإذا طهرت في العشاء فليس عليها إلا العشاء، وهذا هو الراجح الصحيح، والأدلة على ذلك: أولاً: البراءة الأصلية، وذلك أنها عندما كانت حائضاً حرم الله عليها الصلاة، فوقت الظهر كانت حائضاً فيحرم أن تصلي، وطهرت وقت العصر فليس عليها إلا الوقت الذي طهرت فيه، وهو صلاة العصر، والأصل أن الذمة غير مشغولة بأي عبادة حتى يأتي دليل من النبي ﷺ يدل على وجوب هذه العبادة، ولم يأت بذلك دليل، وقد أسقط الشرع عنها الصلاة حين حيضها، ثم أمرها حين الطهر، فحين الطهر وجب عليها أداء هذه الصلاة التي طهرت في وقتها فقط.
ثانياً: قول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر).
وجه الدلالة: أنه لم يقل: أدرك الظهر والعصر، بل قال: (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر).
ووجه الدلالة من الحديث العموم؛ لأنه قال: من أدرك، و (من): من الأسماء المبهمة التي تدل على العموم، بمعنى: من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر، أي: من أدرك ركعة من العصر، سواء كان رجلاً أو شيخاً أو شاباً صغيراً أو امرأة طاهرة أو حائض، نزل تحت عموم قول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر)، ولم يذكر الظهر مع العصر، فإذا أدركت ركعة من العصر ليس عليها إلا العصر بنص كلام النبي ﷺ .
أما الرد على من استدل بقول ابن عباس فنقول: قول ابن عباس قد خالف قول النبي ﷺ فلا نأخذ به، وقد قال ابن عباس: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر.
إذاً: إذا خالف ابن عباس النبي ﷺ فإنا نأخذ بقول النبي ﷺ ، ولا نأخذ بقول ابن عباس.
أيضاً: قياس ابن عباس على الضرورة قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه صادم نصاً، وهو قول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة) و (من): للعموم، فيدخل فيه المرأة التي طهرت، وهذا هو الراجح والصحيح.
أيضاً: يلحق بذلك ما لو سمعت بالسجدة، فلا يجوز لها السجود.
وأيضاً: سجود الشكر لا بد فيه أن تكون على طهارة.
стр. 33
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - حكم قضاء الصوم وأحوال الحائض في الصوم والحج
جاء الدين الإسلامي شاملاً لكل نواحي الحياة، فلم يترك شيئاً إلا وضحه وبينه، فجاء مفصلاً لجميع الأحكام في جميع المجالات، وكما تناول الأحكام الخاصة بالرجل، فقد تناول أيضاً الأحكام الخاصة بالمرأة، سواء في حال طهرها أو حيضها، فبين أحكامها في العبادات، ولم يهمل منها شيئاً.
стр. 34
أحكام الحائض في الصوم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع رسالة: لكل امرأة، مع الأحكام التي تتعلق بالمرأة حال حيضها، وسنتكلم بمشيئة الله على حكم مهم ألا وهو: حكم الصيام للمرأة الحائض.
فأقول: يحرم على المرأة الحائض الصوم، سواء أكان فرضاً أم نافلة، كما تحرم عليها الصلاة، فيجتمع الصوم والصلاة بالنسبة للحائض في الحرمة، فإنه يحرم عليها الصوم كما تحرم عليها الصلاة، فإذا صامت فإنه لا يصح منها هذا الصوم وتكون آثمة؛ لأنها خالفت نهي النبي ﷺ ، وخالفت نهي الله جل في علاه لها بالصوم في حال حيضها، فإذا صامت واستحلت الصيام حال حيضها كفرت بذلك؛ لأنها كذبت بقول الله، وكذبت بقول النبي ﷺ ، أما إذا فعلت ذلك جهلاً منها، ثم علمت فتابت فلا شيء عليها؛ لقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والجهل أخو النسيان.
والدليل على أنها إذا حاضت لا تصوم: قول النبي ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصم ولم تصل) فهذه خبر عن النبي ﷺ يراد به الإنشاء، أي: إذا حاضت لا تصوم، فيحرم عليها الصوم.
والدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ وأرضاها التي أخبرت فيه: أن الدم كان يصيب ثوب إحداهن على عهد رسول الله ﷺ فلا تصوم ولا تصلي، وتؤمر بقضاء الصوم.
стр. 35
قضاء الصيام للحائض
يخالف الصوم الصلاة في أن المرأة ملزمة بأن تقضي الصوم خلافاً للصلاة.
والدليل على ذلك: حديث معاذة قالت: (سألت عائشة ﵂ وأرضاها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكن أسأل -يعني: مسترشدة أردت أن أتعلم- فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فقول عائشة ﵂ وأرضاها: (كان يصيبنا ذلك)، تعني: في عهد النبي ﷺ ، وهذا له حكم الرفع للنبي ﷺ ، أي: كان النبي ﷺ يعلم أنه يصيبنا ذلك، (فنؤمر)، أي: (فكان يأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة).
стр. 36
سبب أمر الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة
وفارق الصوم الصلاة للمشقة، فإن الأمر بقضاء الصلاة فيه مشقة شديدة، ومخالفة لسماحة هذه الشريعة، والتأصيل العام الذي أصله النبي ﷺ في هذه الشريعة هو التيسير على هذه الأمة، فقال: (يسروا ولا تعسروا).
وقد قال الله جل في علاه في كتابه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، أي: أنه قد رفع الحرج عنا.
والقاعدة الفقهية التي قعدها العلماء تقول: المشقة تجلب التيسير.
والصلاة تتكرر، فإذا أمرت المرأة بقضاء الصلاة شق ذلك عليها، فرفعت عنها المشقة، أو رفع عنها الحرج، عملاً بهذه القاعدة العظيمة: المشقة تجلب التيسير.
وأما الصوم فلأنه لا يتكرر فقد أمرت المرأة بقضاء الصوم.
стр. 37
أحوال الحائض في الصيام
وإذا قلنا: بأن الحائض يلزمها قضاء الصوم، فإن للمرأة الحائض ثلاثة أحوال في أمر الصوم: الحالة الأولى: أن تصوم طاهراً ثم تحيض، ولو قبل المغرب بدقيقة واحدة، ولو قبل سقوط حاجب الشمس بدقائق معدودة، فإن هذا الصوم يبطل، وعليها أن تقضي هذا اليوم، ولها أن تأكل وأن تشرب، حتى ولو لم يسقط حاجب الشمس؛ لأنها لا تعتد بصوم هذا اليوم؛ لأنه لا يصح صوم الحائض بحال.
الحالة الثانية: أنها تكون قد طهرت بعد الفجر بلحظة، أي: أصبحت حائضاً، وطلع الفجر وهي لم تطهر، ثم طهرت بعد الفجر، ولو بلحظة أو دقيقة، فإنها غير مطالبة بهذا الصوم؛ لأنها حال طلوع الفجر كانت حائضة، ولم تكن مخاطبة بصيام هذا اليوم، ويلزمها الإمساك إلى سقوط حاجب الشمس على الصحيح والراجح عند أهل التحقيق، ثم بعد ذلك تقضي هذا اليوم.
الحالة الثالثة: إذا طهرت قبل الفجر بلحظة فإنها تصوم، ويصح صومها، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم.
والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ كان يصح جنباً فينوي الصوم، ويصوم قبل أن يغتسل).
فإذا طهرت المرأة قبل الفجر ولو بلحظة، فقد أصبحت من أهل التكليف بالصوم، فتنوي الصيام وتغتسل ولو بعد طلوع الفجر.
стр. 38
أحكام الحائض في الحج والعمرة
أيضاً من الأحكام التي تتعلق بالمرأة حال حيضها: الحج والعمرة، هذه المناسك العظيمة التي فرضها الله على عباده.
فالمرأة إذا منَّ الله عليها بالحج أو بالعمرة، فحاضت كما (دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ وأرضاها فوجدها تبكي، فقال لها: أضحكت؟ فعلم منها أنها قد نزل بها الحيض، فقال: هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم).
فسهل عليها الأمر، وبين لها أحكامها في الحج.
فالمرأة الحائض يجب عليها أن تؤدي كل المناسك التي يؤديها الحاج، ولا تنقص منها شيئاً، فتغتسل عند الميقات للإحرام؛ لأن الغسل سنة الإحرام، والنبي ﷺ لم يمنع المرأة الحائض من هذا الاغتسال، فقد أمر أسماء بنت عميس بعدما ولدت وهي في ذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر وتهل، فتقول: لبيك اللهم بحجة، أو لبيك اللهم بعمرة متمتعة بها إلى حجة.
وهذا الغسل نيته التنظف للإحرام، أو نيته التعبد؛ لأنه سنة للإحرام، ثم تلبي كما يلبي الحاج، لا فرق بينها وبين الحاج، وتؤدي المناسك جميعاً، فتقف بعرفة مع الناس، وتذكر الله جل في علاه، وتدعو وتتضرع حال حيضها، لعل الله يتقبلها في الصالحات القانتات في هذا اليوم العظيم، وتبيت بمزدلفة كما يبيت الحاج، ولا يشترط في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة الطهارة.
وأيضاً: تبيت بمنى في ليالي منى، وترمي الجمار؛ لأن كل ذلك لا يحتاج إلى طهارة، وتسعى بين الصفا والمروة، وتقدم السعي وتأخر الطواف؛ لرفع الحرج عنها، كما بين النبي ﷺ عندما قال له رجل: سهوت أو نسيت فطفت قبل أن أسعى، أو حلقت قبل أن أطوف، أو سعيت قبل أن أطوف.
فقال له النبي ﷺ : افعل ولا حرج، فما أحد قدم شيئاً أو أخر إلا قال النبي ﷺ : (افعل ولا حرج)، فلها أن تقدم السعي بين الصفا والمروة إذا علمت أنها تطهر في آخر النهار؛ لأن هذا هو الأولى والأحوط، وإذا ظهرت لها علامات الطهر، مثل أن تنزل منها الصفرة والكدرة، وقد اعتادت أنه لو نزلت الصفرة والكدرة فإنها تطهر بعد ساعة أو ساعتين، فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد أن تطهر تغتسل وتطوف بالبيت.
إذاً: المرأة الحائض في الحج لا يحرم عليها شيء قط يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري).
فشرط النبي ﷺ على المرأة الحائض: ألا تطوف بالبيت، وألا تدخل المسجد الحرام.
كما أنه قد خفف عن الحائض في المناسك، فقد أسقط عنها الشرع طواف الوداع تخفيفاً، وإن كان واجباً على كل حال، إلا أن الشرع الحنيف راعى حال حيضها، فقد جاء في الصحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).
وقد نازع زيد بن ثابت ابن عباس في هذه المسألة، فكان يفتي: بأن المرأة الحائض تبقى حتى تطهر، فتطوف طواف الوداع.
فبين له ابن عباس: أن النبي ﷺ رخص للمرأة الحائض في ذلك، فرجع لقول ابن عباس ﵁ وأرضاه.
وأيضاً: (لما أمر النبي ﷺ بالنفرة، قالوا: إن صفية حاضت.
فقال النبي ﷺ أتحبسنا هي؟ قالوا: إنها قد فاضت -يعني: طافت طواف الإفاضة- فقال النبي ﷺ : فلتنفر إذاً) بمعني: أنها تسير؛ لأنه قد سقط عنها طواف الوداع حال حيضها؛ هذه ملخص أحكام المرأة في الحج حال حيضها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 39
رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - أحكام نكاح وطلاق ووطء الحائض
يحرمُ على الرجل وطء امرأته وهي حائض، ويحرم طلاقها كذلك وهي حائض، ومن استحل وطء المرأة في الحيض فقد كفر، ومن وطأ امرأته وهي حائض برضاها فالإثم عليها، ويلزمهما التوبة، وإن كانت مكرهة فالإثم عليه وحده، ويجوز العقد على المرأة الحائض والزواج منها اتفاقاً، والطلاق في الحيض يقع على قول الجمهور، ويجب مراجعة الرجل امرأته إذا طلقها وهي حائض.
стр. 40
ما يحل للرجل من امرأته الحائض
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: من الأحكام التي تتعلق بالمرأة الحائض: معاملة زوجها معها حال حيضها.
следующие страницы →