Полный текст (222 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - قواعد هامة في الأسماء والصفات وشرح البسملة
هناك قواعد هامة في باب الأسماء والصفات لابد من معرفتها حتى يستطيع المسلم أن يضبط هذا الباب العظيم الذي ضل فيه أناس كثيرون، فبمعرفة هذه القواعد يثبت المسلم لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 2
ضوابط وقواعد هامة في الأسماء والصفات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فنبدأ بأهم العلوم وأشرفها وهو التوحيد؛ إذ إن القاعدة عند العلماء: تقديم الأهم على المهم، ولا أوجب من توحيد الله جل في علاه، وينبثق شرف هذا العلم من شرف المعلوم وهو الله جل في علاه، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه.
стр. 3
وجوب التسليم لكلام الله وكلام رسوله
وقبل أن نشرع في شرح هذا الكتاب فإن بين يدي هذا الكتاب ضوابط قدمها لنا الشيخ رحمة الله عليه وقواعد هامة في الأسماء والصفات، قال ﵀: القاعدة الأولى: في الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة وأسماء الله وصفاته، وملخصها أنه يجب على كل إنسان أن يعلم أن الله أنزل الكتاب بلسان عربي مبين، ولو علم رجل أعجمي رجلاً عربياً هذا القرآن ما خرج إلينا بهذه الفصاحة، وفائدة قولنا: بلسان عربي مبين: أن كل عربي يفقه عن الله مراده من ظاهر كلامه جل في علاه.
قال الله تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥]، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥] وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]، فالحكمة من كونه عربياً لعلكم تعقلون ما يقال لكم؛ لأنه نزل بلغتكم، فالواجب في كتاب الله وسنة النبي ﷺ أن نأخذ ظاهر اللفظ ولا نحرفه ولا نؤوله.
فنسلم لكلام الله، ونسلم لكلام رسول الله، ونسلم لأحكام الله، ونسلم لأحكام رسول الله، فمثلاً: يقول الله جل في علاه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فيجب علي أن آخذ ظاهر كلمة (اليد) على ما هي عليه ولا أقول: هي النعمة، ولا أقول هي القدرة، ولا أأولها ولا أحرفها.
ولله أصابع؛ لأن النبي ﷺ ظاهر كلامه عندما قال اليهودي: (إن الله يحمل الأشجار على هذا ويشير إلى أصابعه، فضحك النبي ﷺ مقراً كلام اليهودي)، فظاهر هذا اللفظ أن لله أصابع، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (قلب بني آدم بين إصبع من أصابع الرحمن)، أو (بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء) سبحانه جل في علاه، فهنا أثبت النبي ﷺ في ظاهر قوله أن لله أصابع، فالواجب علي أن أسلم لكلام النبي وأقول: لله أصابع، ولا أقول: هي القدرة أو هي النعمة.
وأيضاً قال الله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، واللغة العربية معنى العين معلوم فيها، وقد قال الله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالواجب علي أن أقول: كلمني ربي بلساني وهو لسان عربي مبين، فيجب علي أن أمرر هذه اللفظة على ظاهرها، يقول الله له يد فأثبت له يداً، ويقول له عين فأثبت له عيناً، ويقول له ساق فأثبت له ساقاً، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
فأمرر قول الله على ما هو عليه بنفس المعنى العربي المبين، والذي يحرف أو يؤول فيقول: اليد القدرة، ويقول: العين الرعاية، فهذا محرف لكلام الله جل في علاه، ويقع تحت التحذير الشديد الذي حذرنا الله منه، وهو: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩]، وقد قال الله تعالى محذراً لعباده: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فإذا قال الله عن نفسه: إن الله يضحك، فلا تقل: يرحم بل قل: إن الله يضحك.
ولذلك جاء بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ عندما أخبر أن الله يضحك فقال: (يا رسول الله! ما الذي يضحك الرب؟ قال: أن تخلع درعك)، يعني: تظهر الشجاعة والصدق، وتدخل على العدو تقاتل من أجل الله فتقتل مقبلاً غير مدبر، قال: (يضحك ربنا من ذلك؟ قال: يضحك ربنا من ذلك، فخلع درعه ثم قال: لن نعدم خيراً من رب يضحك)، فقد علم أن الله يضحك، ولازم الضحك أنه سيثيب عباده الذين ضحك لهم.
يقول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:١ - ٣]، محمد عبده ﵀ وغفر له زلاته من مدرسة العقلاء مدرسة الاعتزال الذين يقدمون العقل على النقل، يقول -طبعاً الكلام للغرب لأنهم لا يمكن أن يستوعبوا أن الله يرسل طيراً بحجر فيقتل الأمة بأسرها- فقال: طير أبابيل معناه الجدري، ومرة أخرى يقول: المد والجزر، فأول وحرف كلام الله، فبدل أن يكون بلسان عربي مبين جعله أعجمياً فأوله وحرفه، وكأنه بلسان حاله يقول: ربنا ليس هذا الكلام الذي نعقله عنك، الكلام هذا ليس بصحيح، وكأن كلام الله جل في علاه في كتابه لا يعقله أحد من العرب، والله أنزله بلسان العرب.
إذاً: الضابط الأول في كلام الله وكلام الرسول: التسليم التام لكلام الله وكلام الرسول كما أننا نسلم لأحكام الله وأحكام الرسول.
стр. 4
قواعد في أسماء الله تعالى
القاعدة الثانية: في أسماء الله، وتحت هذه القاعدة فروع.
الفرع الأول: أسماء الله كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن، واسم الله حسن؛ لأنه يتضمن أمرين: أولاً: أن الاسم علم على ذات الله، ثانياً: أن كل اسم يتضمن صفة كمال، وهذا هو الذي يبلغ بالاسم غاية الحسن، فأسماء الله جل في علاه كلها غاية في الحسن وفي الكمال؛ لأنها تتضمن صفات كمال، فإذا انضم اسم مع اسم آخر انضم كمال مع كمال فإذا قلت: الرحمن الرحيم، فهو أكمل من أن تقول: الرحمن فقط أو الرحيم فقط.
فنقول: الكريم اسم من أسماء الله وهو غاية في الحسن؛ لأنه علامة على ذات الله، ولأنه يتضمن صفة كمال وهي الكرم، والحي اسم من أسماء الله كما قال الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، وهو غاية في الحسن والكمال لأنه علم على ذات الله، ولأنه يتضمن صفة كمال وهي الحياة، وحياة الله أزلية أبدية.
ويتبين لنا من ذلك أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله، كيف وقد قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، فكيف نقول: أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله والله يقول: (أنا الدهر)؟ فنقول: أولاً: ننظر هل هو علامة على ذات الله أم لا؟ ثانياً: ننظر هل يتضمن صفة كمال أم لا؟ فإذا نظرنا وجدنا أنه ليس بعلامة على ذات الله، وإن قلنا أنه ليس علامة على ذات الله فنقول: هو لا يتضمن صفة كمال، وأي كمال في الدهر؟ إذاً ليس اسماً لله جل في علاه؛ لأنه لا يتضمن صفة كمال؛ لأن الضابط: كل اسم يتضمن صفة كمال فهو اسم من أسماء الله، وكثير من الناس يسمي ابنه: عبد الموجود، وهذا الاسم ليس بصحيح؛ لأمرين: الأمر الأول: الموجود ليس علامة على ذات الله، والثاني: أنه لا يتضمن صفة كمال بل يتضمن صفة نقص؛ فاسم الله هو الواجد وليس الموجود، فلا يوجد في الكون صغير ولا كبير ولا دقيق ولا جليل إلا والله هو الذي أوجده، إذاً: الموجود ليس اسماً من أسماء الله.
وفي شرح الطحاوية يسمي الله: القديم، فهل القديم اسم من أسماء الله الحسنى أو لا؟ الأشاعرة يقولون: أخص صفات الله القدم، ولا يشترك أحد مع الله في هذه الصفة، والقديم ليس اسماً من أسماء الله؛ لأنه لا يتضمن صفة كمال؛ وإنما اسم الله هو الأول.
إذاً: أخص صفات الله الأولية؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء)، وهذا لا يقال في القديم؛ لأن القديم هناك من هو أقدم منه، وفائدة هذا الضابط: معرفة اسم الله من غيره.
الفرع الثاني: أسماء الله غير محصورة بعدد معين.
الفرع الثالث: أسماء الله لا تثبت بالعقل، وإنما تثبت بالشرع، والعلماء يقولون: أسماء الله وصفاته توقيفية، أي: يوقف فيها عند كلام الله، وكلام رسول الله، وهذا يرد على من يسمي الله بأسماء ليست موجودة في الكتاب والسنة، والنصارى يسمون الله الأب، وليس من أسماء الله جل في علاه، ولم ينزل الله به من سلطان لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، وهذا إلحاد في أسماء الله، فإذا قلت: أسماء الله توقيفية فمعناه: أنني لا أقول بأن هذا الاسم من أسماء الله إلا إذا قلت قال الله في كتابه كذا، أو قال الرسول في الحديث كذا، ولذلك اسم (النور) اختلف فيه العلماء؛ لأنه ورد حديث ضعيف ذكر أسماء الله التسعة والتسعين، ولم يرد في السنة ما يثبت أن النور اسم من أسماء الله.
الفرع الرابع: كل اسم من أسماء الله فإنه يدل على ذاته ويتضمن صفة كمال.
والصفات صفات متعدية وصفات لازمه، واللازمة هي التي لا تتعدى كاسم الله العظيم، فالعظيم اسم من أسماء الله يتضمن صفة كمال، وصفة الكمال الذي يتضمنها اسم العظيم هي العظمة، فإن العظمة لله جل في علاه وحده وهي لازمة وليست متعدية.
أيضاً اسم الله العزيز لازم غير متعدي؛ لأن العزة صفة من صفات الذات، أما الأسماء التي لها صفات متعدية فهي الأسماء التي تتضمن صفات الفعل، كقول الله تعالى: ((الرَّحِيمِ)) فالرحيم من أسماء الله وهو غاية في الحسن؛ لأنه يتضمن صفة كمال وهي الرحمة، والرحمة متعدية؛ لكن الله رحيم قبل أن يخلق الخلق.
стр. 5
قواعد في صفات الله تعالى
القاعدة الثالثة في صفات الله، وتحتها فروع: الأول: صفات الله كلها كمال من كل وجه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣] فالله جل وعلا له العلو المطلق، وصفاته لها الكمال المطلق من كل وجه كالعزة، والرحمة، والكرم، والجود، والبر، والمن، والعطاء، والإحسان، والعطف، والرأفة.
وهناك كمال لكنه ليس من كل وجه وإنما كمال من وجه ونقص من وجه، مثل: المكر والاستهزاء والخداع، فأثبت لله الصفة حين تكون كمالاً، وانفِ عن الله الصفة حين تكون نقصاً، والمكر ليست من كل وجه صفة كمال، فإن العبد الماكر منبوذ ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، لكن العبد الذي يمكر بالماكرين غير منبوذ بل يقال عنه: قوي عزيز، فالله يستدرج الماكرين ليعلموا قوته وعزته وكبرياءه، فتكون صفة كمال حين المقابلة، فتقول: يمكر بالماكرين، ويستهزئ بالمستهزئين، ويخادع المخادعين، لكن لا يصح أن تقول: الله ماكر، الله مخادع، حاشا لله! فهذا تنقيص من قدر الله جل في علاه.
فلا بد في الصفات التي فيها كمال من وجه ونقص من وجه أن تصف الله بها حين تكون كمالاً، وتنفيها عن الله حين تكون نقصاً.
الفرع الثاني في الصفات: قال صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، فالثبوتية هي التي أثبتها الله على لسانه، وأثبتها على لسان رسوله ﷺ في سنته، وإثبات اللسان لله أو نفيه عنه مما سكت عنه السلف فنكست كما سكت السلف، فلا نقول: له لسان ولا نقول: ليس له لسان؛ لأن الله سكت عنه ونحن يسعنا ما وسع الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
إذاً: الصفات الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه في كتابه كالعزة والكبرياء وغيرها، وأثبتها له رسوله ﷺ كقوله: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وقوله: (يكشف الله عن ساقه)، فالنبي ﷺ أثبت لله الساق، وأثبت لله الكلام، فهي ثبوتية؛ لأنها ثبتت بالكتاب وثبتت بالسنة، والصفات السلبية هي التي نفاها الله عن نفسه في الكتاب ونفاها عنه رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فهو ينفي هذه الصفات عن نفسه، وقال الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال النبي ﷺ ينفي عن ربه النوم: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام)، فالنوم صفة سلبية أي: منفية نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله؛ لأنها صفة نقص وكل صفة نقص، فهي منفية عن الله .
الفرع الثالث: الصفات الثبوتية، وتنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية، ويزاد على ذلك الخبرية؛ لأن الشيخ في التقعيد يرى أن الخبرية تنزل منزلة الذاتية، والصفة الذاتية هي التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال مثل الحياة، فالحياة صفة ذاتية؛ لأنها لا تنفك عن الله، فهي أزلية أبدية، أي: أن الله متصف بها أزلاً وأبداً كالعزة، فإن الله متصف بها أزلاً وأبداً، وهكذا جميع الصفات الذاتية، والصفة الفعلية: هي الصفة المتجددة التي يمكن لله أن يتصف بها في وقت دون وقت، كأن يتصف بها اليوم ولا يتصف بها غداً، كالكلام، فإن الله جل في علاه تكلم مع موسى حين جاء موسى للشجرة، فهو يتكلم متى شاء، وكذلك النزول ينزل الله ثلث الليل ولا ينزل في النهار.
فالصفات الفعلية تتجدد، وهي متعلقة بمشيئة الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، إن شاء استوى وإن شاء لم يستو، إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، إن شاء أعطى وإن شاء لم يعط، والاستواء صفة فعل.
والصفات الخبرية هي التي مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، كاليد فهي جزء مني وهي صفة لله، فالضابط أن مسماها عندنا جزء وبعض، وكالعين، فهي صفة لله وهي جزء مني، والساق صفة لله وهي جزء مني، هذا معنى الصفات الخبرية.
وصفة الحياء صفة ذاتية، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: أنه يقول الحق، فالذي يكتم الحق جبان، ولذلك الحياء ممدوح ومذموم، فالحياء المذموم أن تستحي من الحق، والحياء الممدوح أن تقول الحق، وصفة الكرم فعلية وأصلها ذاتية؛ لأنه إن شاء أكرم وإن شاء لم يكرم، لكن في الحياء الله يستحي، حتى إنه لما تكلم عن جماع الرجل لامرأته كنى وقال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، قال ابن عباس: ((لامَسْتُمُ النِّسَاءَ))، معناها: جامعتم، فانظروا إلى حياء القرآن! أما الكرم فإن شاء أكرم وإن شاء لم يكرم.
إذاً: الصفات ذاتية وفعلية وخبرية.
الفرع الرابع: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة -يقصد بذلك الإمام العلم رحمة الله عليه: التكييف والتمثيل والتشبيه- السؤال الأول: هل هي حقيقة أم هي مجاز؟ السؤال الثاني: صفة اليد لها كيفية معلومة أو مجهولة؟ السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين أم لا؟ الإجابة على ذلك: أن الصفات المثبتة لله لا بد أن نثبتها بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تحريف، والمماثلة: المطابقة في الصفة، كقول: يد الله مثل يد محمد -أعوذ بالله- والمشبهة يقولون ذلك حاشا لله، هذا معنى التمثيل، لكن أنا أثبت لله يداً لا تماثل يد المخلوقين؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وبلا تشبيه، والتشبيه هو أن يقول: إن صفة الله تقارب صفة العبد، مثل أن يقول: عين الله تقارب عين المخلوق، هذا معنى التشبيه، وحاشا لله؛ لأن صفاته لا تشبه صفات المخلوق، وبلا تكييف، والتكييف أن تقول: كيفية يد الله كذا، فتأتي لها بمماثل، وتكيف لله جل وعلا وتصوره في الذهن، هذا لا يجوز أيضاً؛ لأن الله قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
والإنسان لا يكيف الصفة إلا إذا رأى صاحب الصفة، وهو لم ير الله، أو أخبره من رأى صاحب الصفة بكيفية الصفة، ولم يخبرنا النبي ﷺ بكيفية الصفة، أو وجد مثيلاً لصاحب الصفة فينظر إليه فيقول: كيفية صفته ككيفية صفة المثيل، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
إذاً: نثبت الصفة لله بلا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تأويل، ولا تحريف، وهذه هي القاعدة الأولى: أننا نمرر ظاهر اللفظ على ظاهره.
стр. 6
المعطلة وأقسامهم
القاعدة الرابعة التي قعدها الشيخ، وهي نبراس لكل طالب علم حتى يرد الفرع إلى الأصل، ومن ضبط هذه القواعد فقد تعلم العقيدة، قال: القاعدة الرابعة: بم نرد على المعطلة؟ والمعطلة قسمان: معطلة تعطيلاً كاملاً محضاً، ومعطلة تعطيلاً ناقصاً، والمعطلة تعطيلاً كاملاً هم الجهمية، وهم الذين عطلوا الذات والاسم والصفة، يقولون: ليس اسمه السميع ولا عنده سمع ولا بصير ولا بصر، ولا كريم ولا كرم ولا قدير ولا قدرة، والتعطيل يساوي النفي، فهم يعبدون عدماً حتى الصنم لم يحصلوا عليه والعياذ بالله! والمعطلة تعطيلاً ناقصاً هم المعتزلة، وهم يثبتون لله الأسماء، وينفون الصفات، فيقولون: الله عزيز، لكن بلا عزة.
حاشا لله! ويقولون: سميع بلا سمع، معأنه لو قلت: إن محمداً سميع، فأنا أقصد بالسميع أنه يسمع الكلام، ولذلك كانت عائشة تقول: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، المرأة تشتكي زوجها للرسول ﷺ وأنا في ناحية البيت يخفى علي بعض حديثها، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، فهم يقولون: سميع بلا سمع، قدير بلا قدرة، كريم بلا كرم.
وما هو الفرق بين المعطلة تعطيلاً كاملاً -وهم الجهمية- وبين المعطلة تعطيلاً ناقصاً وهم المعتزلة؟ الفرق: أن الجهمية نفوا الاسم والصفة فقالوا: لا سميع ولا سمع، والمعتزلة نفوا الصفة دون الاسم فقالوا: سميع لكنه بلا سمع.
فالشيخ يقول القاعدة الرابعة التي نرد بها عليهم أنهم خالفوا ظاهر النصوص، وقد قعد القاعدة الأولى وهي أننا لا بد أن نأخذ بظاهر النصوص، فقالوا: اليد هي النعمة، وظاهر اللفظ يقول: ليست بنعمة، وقالوا: معنى أن الله يحب فلاناً أي: يريد ثوابه، وهذا خلاف الظاهر، فهم خالفوا ظاهر القرآن وظاهر السنة، وإجماع الصحابة.
ويلزم من قولهم التنقيص من قدر الله جل في علاه كما سنبين.
стр. 7
شرح بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي عليه رحمة الله: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتبصير، قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
لقد بدأ الإمام العلامة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال العلماء: إن المصنف إذا ابتدأ ببسم الله فإنه من روائع البيان، وقد اقتدى المصنف بكتاب الله؛ لأن أول كتاب الله آية بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية على الراجح من الفاتحة، وهي آية تفصل بين كل سورة وسورة، وأيضاً اقتدى برسول الله؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث بالكتب إلى كسرى وقيصر ويقول فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله).
وقد وقعت قصة طريفة في هذه المسألة وتبين أن النبي ﷺ كان أمياً لا يعرف أن يقرأ أو يكتب فنقول كتب رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم، أي: أمر أن يكتب، كما تقول: بنى عمرو بن العاص الفسطاط، فهو لم يبنها طوبة طوبة ولكن أمر ببنائها، فلذلك النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب في صلح الحديبية بقوله: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال كفار قريش: لا نعرف الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم، فقد بدأ باسم الله، لكن الطريف هنا أن النبي ﷺ قال لـ علي: (اكتب باسمك اللهم، هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو كنت رسول الله لاتبعناك، فقال لـ علي: امحها، فقال علي: والله لا أمحوها، فقال له النبي ﷺ -وهنا الشاهد-: أرني أين هي فأمحوها أنا)، أي: بين لي أين مكان (محمد رسول الله) حتى أمحوها، وهذه هي المعجزة الكبيرة لرسول الله أنه لا يعرف القراءة ولا يعرف الكتابة بأبي هو وأمي، وأوتي جوامع الكلم.
فالمصنف اقتدى بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ .
والباء في (باسم) للإلصاق، ومتعلقها محذوف تقديره: أبتدئ باسم الله، أو أصنف باسم الله، أو أستعين باسم الله، وقد بدأ بها ولم يبدأ بالفعل تبركاً باسم الله، وقد بينا أن تقديم الأهم على المهم واجب، وتقديم الأشرف على الشريف واجب، وأشرف ما يبتدأ به هو اسم الله، ولذلك لم يبدأ بالفعل.
والاسم مشتق من السمة، أي: العلامة، وهذا في حق الله حق؛ لأن الاسم علامة على ذات الله جل في علاه، وأيضاً مشتق من السمو وهو العلو، والعلو المطلق لله، وهو يشمل علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات؛ لأن الله علي على عباده بذاته بائن من خلقه جل في علاه.
إذاً: (باسم الله)، الله علم على ذات الله، وهو اسم الله الأعظم؛ لأنه أكثر اسم ذكر في القرآن، وأيضاً كل أسماء الله تضاف إلى هذا الاسم، لكن اسم (الله) لا يصح أن يضاف لاسم من أسمائه، فلا يصح أن تقول: الرحمن الله، وتجعل الله صفة للرحمن، لكن يصح أن تقول: الله الرحمن فتقول: الرحمن صفة لله، الله الكريم والكريم صفة لله، فالله هو الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب.
(الرحمن الرحيم): اسمان من أسماء الله الحسنى يتضمن كل اسم منهما صفة كمال وهي صفة الرحمة، وإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فالرحمن اسم من أسماء الله يتضمن صفة ذات، والرحيم يتضمن صفة فعل، فالرحمن اسم من أسماء الله الحسنى لأنه يتضمن صفة كمال وهي الرحمة، وهذه الصفة صفة ذات، والرحيم اسم من أسماء الله، أيضاً يتضمن صفة كمال وهي الرحمة، لكنها صفة فعل، فما الفرق بينهما؟ الفرق أن الرحمن صفة ذات، إذاً: فهي عامة في المؤمن والكافر، ويتصف الله بها أزلاً وأبداً، ولذلك نرى أنهم يسبون الله ويرحمهم ويعطيهم ويشفيهم، قال النبي ﷺ : (ما رأيت أحداً أصبر -صفة الصبر لله- أصبر على أذى سمعه من الله، ينسبون له الولد ويرزقهم ويعافيهم).
فالله جل وعلا يرحمهم بالصفة الذاتية؛ فقد جاء بها على وزن (فعلان) كناية عن سعتها، فهي صفة ذاتية، أما الرحيم فهي صفة فعلية يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، فالرحيم هنا خاصة بالمؤمنين.
إذاً: الرحمن تعم الكافر والمؤمن، لكن الرحيم خاصة بالمؤمنين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، ولم يقل رحماناً؛ لأن الرحمن عامة للكافر والمؤمن، أما الرحيم فهي خاصة بالمؤمن.
стр. 8
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - العلاقة بين الحمد والشكر
هذا الملف يتناول الكلام عن معنى الحمد والشكر والفرق بينهما، وأن الله تعالى ليس كمثله شيء من مخلوقاته، فقد نزه نفسه عن الصاحبة والولد، ونفذ قهره وقوته على جميع مخلوقاته، فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى كما وصف نفسه ووصفه نبيه محمد ﷺ ، فيجب الإيمان بها وتلقيها بالتسليم والقبول من غير تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل.
стр. 9
مقدمة لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد
стр. 10
تعريف الحمد والفرق بينه وبين الشكر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان].
الحمد هو الثناء الجميل الحسن على المحمود جل في علاه فيما هو أهل له من صفات الكمال، والجلال، والبهاء، والعظمة، فهو ثناء باللسان وإقرار بالقلب.
والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد لا يستلزم وجود النعمة عند الحامد، بخلاف الشكر، فالحامد يمدح ربه بصفات الكمال والجلال، والشاكر يمدح ربه على نعمة أسداها إليه، فالفارق بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من الشكر من حيث المتعلق به، إذ تعلَّق بصفات الكمال والجلال والبهاء والعظمة لله جل في علاه، وبأسماء الله وأفعاله التي لا تنتهي، والشكر أخص من ناحية المتعلق به؛ إذ الشكر لا يكون حمداً أو مدحاً إلا على نعمة أسداها الرب جل في علاه.
والحمد أخص من ناحية الآلة، فإن الحمد يكون باللسان، ويكون باللسان والقلب معاً، إذ بالقلب إقرار بصفات الكمال لله جل في علاه، وإقرار بجمال الله، وببهاء الله، وعظمة الله جل في علاه.
وأما الشكر فيكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، فيكون باللسان بأن يشكر الله على النعمة التي أسداها إليه، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
ويكون بالقلب بالإقرار بأن المنعم هو الله جل في علاه.
ويكون بالجوارح بالعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، والذي أسدى النعمة في الأصل وبحق هو الله جل في علاه، وجعل البشر سبباً في ذلك، وشكر السبب من شكر المنعم، لكن الجهلة تميل قلوبهم للسبب والواسطة وينسون بذلك الأصل وهو الله جل في علاه الذي أسدى إليهم هذه النعمة.
فالحمد أعم من حيث المتعلق، والشكر أعم من ناحية الآلة.
إذا أنعم الله عليك بنعمة البصر فعليك ألا تطلق البصر في الحرام، وهذا من شكر النعمة، وإذا أسدى الله إليك الصحة فعليك أن تستخدمها في طاعة الله جل في علاه، كنصرة المظلوم، فهذا من شكر الجوارح.
والسمع نعمة من نعم الله جل في علاه، لا بد من تأدية شكرها، ومن تأدية شكرها عدم سماع الغيبة والنميمة والغناء، والكلام الفاحش، والسب، وعدم سماع الكلام الذي لا يرضي الله جل في علاه.
وأيضاً نعمة اليد ونعمة اللسان، وغيرها من النعم التي لا بد من شكرها.
стр. 11
العلاقة بين الحمد والشكر
العلاقة بين الحمد والشكر أنهما إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، أي: إذا اجتمعا في اللفظ افترقا في المعنى، فمن قال: أحمد الله وأشكره فقد جمع بين الحمد والشكر في اللفظ، فيفترقان في المعنى فيكون الحمد خاصاً باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح.
وإذا افترقا في اللفظ اجتمعا في المعنى، فالحمد يدخل تحته الشكر، فالحمد لله يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، والشكر يدخل تحته الحمد فيكون بالثناء الجميل على الله بصفات كماله، ويكون بإقرار القلب على أن المنعم هو الله، ويكون بعمل الجوارح.
стр. 12
فوائد الحمد والشكر
فوائد الحمد والشكر كثيرة أهمها: الفائدة الأولى: حب الله جل في علاه، فإن العبد الذي يحمد الله على النعم التي أسداها الله إليه يكون محبوباً عند الله جل في علاه، ودرجات المحبة متفاوتة عند الله جل في علاه.
أما الدليل على ذلك فإن النبي ﷺ يقول: (ما أحد أحب إليه المدح من الله)، والحمد أصله المدح والثناء الحسن على الله جل في علاه، فالله يحب ذلك، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله يحب إذا أكل أحدكم الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها)، فهذه دلالة صريحة على أن الله يحب من العبد الحمد، وإذا حمد العبد الله أحبه الله، فإذا أحبه الله جعل له القبول في الأرض، كما في الصحيحين: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يكتب له القبول في الأرض).
وإذا أحب الله عبداً نقله من درجة المحبة إلى درجة المحبوبية، فإن الله إذا أحب عبداً عصمه من السيئات، وإن أساء فإن الله يلهمه التوبة.
وأيضاً: إذا أحب الله عبداً سهل له أموره، وفتح له كل أبواب الطاعة، وأغلق عليه كل أبواب المعصية، وفتح له أبواب العلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فالتفقه في الدين من محبة الله للعبد، فإن الله إذا أحب عبداً بصره بالطريق الذي يسير فيه إلى الله جل في علاه، وجعله يرتقي إلى المعالي والدرجات العلى عند الله مع الأنبياء والمرسلين.
والعبد الذي يحبه الله جل في علاه لا يخلو من بلاء أيضاً، فقد قال الإمام مالك: من لم يبتل فليشك في إيمانه، وفي محبة الله له، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ في الترمذي بسند صحيح أنه قال: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم) فالابتلاء شرط في محبة الله للعبد.
والبلاء أنواع: بلاء حسي، وبلاء معنوي، فالبلاء الحسي: كالتضييق في المال مثلاً، وكالمرض والحوادث، والبلاء المعنوي: كالهم، والغم، والحزن، ورسوب الأولاد وغيرها.
وابتلاء الله للعبد دلالة على محبته، كما في سنن الترمذي أو النسائي: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أحب الله ورسوله، قال: انظر ما تقول، قال: أحب الله ورسوله، فقال: فأعد للفقر تجفافاً) أي: استعد للبلاء؛ لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، فمحبة الله جل في علاه تحققت من كثرة الحمد وكثرة الشكر؛ ولذلك فإن الله مدح عبده نوحاً بأسمى ما فيه، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣] واختار ربنا جل في علاه أفضل الأسماء لنبيه وأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه فهو خليله محمد ﷺ فمن أسمائه محمد وأحمد، ومعناهما كثير الحمد وكثير المحامد؛ وكان الكفار إذا أرادوا أن يذموا محمداً كانوا يقولون: مذمماً، ومن أخلاقياته العالية أنه كثير الحمد لله جل في علاه.
ودرجات المحبة عند الله: درجة المحبة، ودرجة المحبوبية.
فدرجة المحبة: هي أول درجات المحبة عند الله جل في علاه، ويرتقي إليها المرء بفعل الواجبات كالصلوات الخمس، والانتهاء عن المحرمات.
والمرأة إذا أدت الفرائض، وانتهت عن المحارم، وأطاعت زوجها؛ بلغت درجة المحبة أو أرقى من ذلك؛ لأن النبي ﷺ بين أن المرأة إذا أرضت ربها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، فطاعتها لزوجها هو الركن الركين؛ ولذلك لما جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها فقال لها النبي ﷺ : (انظري أين هو منك؟ فإنما هو جنتك ونارك) أي: فلا تدخلي الجنة إلا بطاعته، فإذا عصيته فإن الله جل وعلا لا يرضى عنك وسيدخلك النار، فقد ورد في مسند أحمد بسند صحيح: (أن المرأة إذا أطاعت زوجها وأطاعت ربها كانت كالمجاهد)، أي: فقد بلغت درجة الجهاد في سبيل الله؛ لأنها أرضت الله في حسن تبعلها لزوجها.
فالمرأة غير الرجل، فالرجل إذا أتى بالفرائض وانتهى عن المحرمات بلغ درجة المحبة، كما قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) وهذه درجة المحبوبية التي هي أرقى من درجة المحبة، وهذه الدرجة لا ينزل عنها العبد أبداً حتى وإن عصى؛ لأن الله جل في علاه فتح له باب المعصية ليبتليه ويعلمه أن الله إذا وكله إلى نفسه فقد وكله إلى هلاك وضلال، وأن الله جل وعلا إذا لم يحطه بكفالته سيصبح فريسة لهواه وللنفس وللشيطان، وإن الله جل وعلا يكتنفه بفضله وبرحمته؛ ولذلك كان النبي ﷺ كثيراً ما يدعو ويقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
فإن العبد المحبوب لدى ربه إذا وكله إلى نفسه أراد أن يعلمه أنه إذا وكل إلى نفسه فإنه وكل إلى بوار وإلى هلاك، وأيضاً أراد أن يعرفه بأن الله جل وعلا هو الذي يتفضل عليه بحفظه وعصمته من الشيطان، فإذا عصى ألهمه بعد ذلك التوبة ليرتقي منزلة فوق المنزلة التي هو فيها.
الفائدة الثانية من فوائد الحمد والشكر: تثبيت النعم، فإن النعمة -التي أسداها الله للعبد- لا تثبت إلا بالشكر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] أي: يغيروا ما في قلوبهم، فلا يقرون بأن هذه نعمة الله جل في علاه، ولا يشكرون ربهم، فتثبيت النعم بالشكر.
الفائدة الثالثة وهي مهمة جداً: زيادة النعم، فإن النعم يولد بعضها بعضاً، بسبب الشكر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
وقال علي بن أبي طالب: الدين قسمان: قسم صبر وقسم شكر، فمن أتى بالصبر فقد أتى بنصف الدين، ومن أتى بالشكر فقد أتى بالكمال، فإذا أتى بالكمال بلغ المنازل العلى عند ربه جل في علاه.
стр. 13
معنى قول المصنف: المعبود بكل مكان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المعبود بكل مكان].
بمعنى: أن الله جل وعلا يعبد في المشرق وفي المغرب، وفي البحار، وفي أعالي السماء، وفي كل حين وفي كل مكان.
أما في كل حين فلن تجد شمساً تشرق على أرض إلا وفيها ذاكر لله جل في علاه، ولن تجد سماءً إلا وفيها عابد لله جل في علاه، كما قال النبي ﷺ واصفاً لنا ما يحدث في السماء: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجد لله).
فكثير من الملائكة مسخرون للتسبيح فقط كحملة العرش، ومنهم من يحج إلى البيت المعمور وإلى بيت العزة في السماء الدنيا، والبيت المعمور يطوفه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون إليه إلى يوم القيامة، فالملائكة يعبدون الله جل في علاه في كل طبقة من طبقات السماوات السبع، وفوق العرش فعبادة كل شيء تغاير عبادة الشيء الآخر حسب ما أوجب الله على العباد من العبادة، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] وقال جل في علاه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] فكل من في السماوات والأرض يعبدون الله، فالماء والعرش يسبحان الله، وما من شيء إلا ويسبح بحمد ربه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
جاء بسند صحيح عن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام على عهد رسول الله ﷺ ، فكل ما خلق الله من حجر وشجر ونهر وبحر وسمك وغيرها فإنها تعبد الله جل في علاه.
بل إن هناك جبلاً يحب رسول الله، ويحب صحابته فالحب في الله عبادة، كما قال ابن عباس قال النبي ﷺ : (من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل عرى الإيمان) أي: فقد استكمل الإيمان، ونال ولاية الله جل في علاه بالحب في الله والبغض في الله، فالجبل يعبد الله بحب رسول الله وحب صحابته؛ ولذلك فإن النبي ﷺ لما أقبل على المدينة قال: (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه).
والأرض تقر بما فعل العبد الطائع عليها، وتشهد له بما صنع من عبادة لله جل في علاه.
стр. 14
معنى قول المصنف: يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، هو الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون].
(يعلم ما كان) أي: بما حدث في الأمم السابقة.
(وما يكون) أي: بما سيكون ويئول إليه الأمر، كقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) وأيضاً قوله ﷺ : (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو الفويسق يتكلم في أمر العامة).
وفي زماننا هذا فإن الرجل المزور الذي يزيف الأقوال يصبح صادقاً ومبجلاً، والرجل الصادق يصبح مهاناً.
وما أكثر الرويبضات الذين يتصدرون في أمر العامة وهم ليسوا بأهل، فيناصرهم الناس ويزعمون أنهم يناصرون الحق، فحسابهم عند ربهم في ذلك، وعند الله تجتمع الخصوم.
وقوله ﵀: (ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون) أي: في علم الغيب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨] فإن يرد الله الكفار إلى الدنيا مرة ثانية، ويبعث إليهم الرسل، فسيعودون إلى ما كانوا عليه، وهذا ممكن وليس مستحيلاً، فإن الله جل وعلا إذا أراد أن يقول للدنيا كوني فستكون، قال تعالى ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، أما المستحيل فهو بقاء الكون إذا كان له عدد من الآلهة، قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: لفسدت السماء والأرض؛ فإن رب الشمس والعياذ بالله لو اختلف مع رب القمر فإنه سيحبس الشمس، فكل إله يذهب بما خلق ويعلو بعضهم على بعض.
فالمقصود: أن علم الله يشمل كل شيء، علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، سبحانه يعلم ما في السماء، وما في الأرض، وما في البحار، و ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ولا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، سبحانه جل في علاه وهو العليم الخبير، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
стр. 15
معنى قول المصنف: جل عن الأشباه والأنداد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(جل عن الأشباه والأنداد)]، فهذا من الميل والإلحاد في تصحيف الله جل في علاه أن يجعل له نداً؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
فلا أحد يسامي أو يجاري الله جل في علاه في عظمته وكرمه وكماله وبهائه وقدرته سبحانه جل في علاه، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فالندية هنا في الربوبية، وفي الحمد والشكر، لأن من لوازم الربوبية أنه الخالق والرازق والمدبر والآمر والناهي وغيرها، فالربوبية إذا اجتمعت مع الإلهية افترقتا، وإذا افترقتا فتكون الندية في الربوبية أو الإلهية، فهو جل عن الند والنظير سبحانه جل في علاه.
стр. 16
معنى قول المصنف: وتنزه عن الصاحبة والأولاد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتنزه عن الصاحبة والأولاد] أي: نفي عن الله أن يكون شبيهاً بالخلق؛ لأن المخلوق هو الذي يحتاج لغيره، فالرجل يحتاج إلى المرأة والمرأة تحتاج إلى الرجل، ومن قال أن لله صاحبة أو ولداً فقد نزل الخالق منزلة المخلوق، فإن الله جل في علاه صمد أحد لم يلد ولم يولد، ولم تكن له صاحبة.
стр. 17
معنى قول المصنف ونفذ حكمه في جميع العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونفذ حكمه في جميع العباد] أي: أن الله تعالى قهر العباد بالعبادة له جل شأنه، فعبادة الربوبية لا يمكن لأحد أن يردها على الله؛ لأن العبادة عبادتان: عبادة اختيارية، وعبادة قهرية، والعبادة القهرية: هي عبادة الربوبية، كالمرض والموت وغيرهما، ونفذ حكمه في كل الخلق عندما يأمر بالنفخة الأولى فيموتون إلا ما شاء الله، وبالنفخة الثانية يبعثون من قبورهم إلى ربهم جل في علاه، لا يتخلف أحد عن ذلك.
стр. 18
معنى قول المصنف: لا تمثله العقول بالتفكير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
وهذه العبارة مصداقها حديث النبي ﷺ : (لا تتفكروا في الله ولكن تفكروا في خلق الله) وهذا الحديث حسن كما قال بعض العلماء، فالله جل في علاه لا يصله الفكر.
ولذلك ورد في الآثار أن من الناس من كان يتكلم في صفات الله، فقيل له: صف لنا جبريل ومعه الأجنحة الثمانمائة أو الستمائة، فما استطاع، فقيل له: صف لنا ثلاثة أجنحة من أجنحة جبريل ونعفيك من باقي الأجنحة، فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً، فقال: رجعت رجعت؛ لأنه لم يستطع أن يتفكر في كيفية صفة المخلوق فمن باب أولى ألا يتفكر في كيفية صفة الخالق الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذه الآية فيها إثبات الصفات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] بلا تمثيل ولا تشبيه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
стр. 19
وجوب إثبات صفات الله تعالى على الوجه اللائق به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٥ - ٧]].
(الرحمن) اسم من أسماء الله ويتضمن صفة كمال وهي الرحمة.
وفي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] الاستواء صفة من الصفات، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] إثبات صفة العلم لله جل في علاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.
وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]].
فلابد للمسلم أن يعبد الله بالتسليم التام، فإن العبد لا يمدح بالعبودية التي هي أرقى مقامات يصل إليها الإنسان إلا بالتسليم الكامل لله، فإن الله مدح إبراهيم ﵇ بالتسليم الكامل حيث قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت وخضعت وآمنت لكل أمر من أوامر الله ولكل حكم من أحكامه، دون أدنى معارضة، وآمنت بآيات الصفات فأثبت لله ما أثبته لنفسه، ونفيت عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ .
كما قال الإمام الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ .
стр. 20
معنى التشبيه والتمثيل
وقد ذكر المصنف عدم التعرض لآيات الصفات أو أحاديثها بالتأويل، أو التشبيه، أو التمثيل، والتمثيل: هو التشابه من كل وجه، أي: المطابقة، أما التشبيه: فهو التشابه في أغلب الصفة، كأن يقال: صفة اليد لله تشبه صفة المخلوق، حاشا لله من ذلك! فنؤمن بقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فنقول: استوى ربنا على العرش، ونؤمن بهذا الاستواء ونعلم معناه، ولا نكيفه بكذا أو كذا، ولا نشبهه باستواء الخلق، لأن قولنا: استوى محمد على الكرسي بمعنى: جلس وعلا عليه، لكن استواء الله بمعنى: علا وارتفع واستقر، ولا نقول: جلس؛ لأن الحديث الذي ورد فيه أن الله علا وقعد أو علا وجلس، حديث باطل، لا تصح أي رواية من رواياته أن تنسب للنبي ﷺ .
فنقول: استواء الله لا يماثل استواء محمد من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن استواء محمد على الكرسي يدل على أن محمداً يحتاج للكرسي، فإذا سحبته منه وقع على الأرض، لكن العرش نفسه يحتاج إلى الله جل في علاه، وهذا من المفارقات.
الوجه الثاني: استواء محمد على الكرسي دلالة على نقص محمد، أما استواء الله جل وعلا على العرش فهو دلالة على كمال الله؛ لأنه يفعل ما يشاء وقت ما شاء.
فهذا إثبات صفة الاستواء دون تمثيل أو تشبيه.
стр. 21
معاني التأويل
أما التأويل فله ثلاثة معان: المعنى الأول: ما يؤول إليه حقيقة الأمر، ففي الجنة -مثلاً- عنب وموز وفاكهة، وذكر ابن عباس أن فاكهة الجنة تشبه فاكهة الدنيا في الاسم فقط، أي أنه يتشابه الاسمان ويختلف المسميان، فعندما تدخل الجنة وتأكل من فاكهتها يظهر لك تأويل ما قاله الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧] فتعرف حقيقتها عندما تأكلها وأنت في الجنة.
فتأويل الأمر أي: حقيقة الأمر الذي يراه المرء عين يقين، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣].
والمعنى الثاني: تفسير الكلمة، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:٩٥] يعني: وجب على القرية، وهذا الذي قاله ابن عباس، وعندما قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] لم يقل: وأنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تفسيره.
المعنى الثالث: التحريف، وهذا هو المقصود في العقيدة أن الأشاعرة وغيرهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فيقولون في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: قدرة الله فوق قدرتهم.
وفي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استولى.
وفي قول النبي ﷺ : (لقد عجب ربنا من صنيعكم) يقولون: عجب ملائكته، أو عباده، ولم يثبتوا الصفة لله تعالى، فيحرفون صفة الله بأهوائهم دون أدنى دليل، فأهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله كاليد والقدرة، والعين، والرجل، والساق، ويسلمون كل ذلك لله على حقيقته دون تحريف الكلم عن مواضعه.
стр. 22
رد النصوص وأنواعه
والرد هو التكذيب والإنكار وله أنواع: منها: الرد بالتأويل بقرينة حال أو قرينة مقال، والرد بغير التأويل، فالأول ليس بكفر، والثاني كفر.
فالرد بالتأويل كالذين منعوا الزكاة في خلافة أبي بكر، فإنهم تأولوا قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] قالوا: الله جل في علاه أمرنا بإخراج الزكاة على أن ذلك خاص بالنبي ﷺ وليس لغيره، فإن صلاة أبي بكر ليست كصلاة النبي ﷺ ، ولذلك فإن أهل السنة والجماعة لا يرونهم كفاراً بذلك.
لكن لو جاء أحد في عصرنا هذا وقال: الزكاة ليست واجبة علينا، فهي خاصة بزمن النبي ﷺ ، ولو كان موجوداً أعطيناه الزكاة، أما وهو غير موجود فلن نخرج الزكاة، فيقال فيه: أنه كافر مرتد؛ لأنه رد حكم الله بدون أدنى دليل، أما الذين منعوا الزكاة في عصر أبي بكر فكانوا لا يزالون في عصر التشريع، والنبي ﷺ مات وهم كانوا حديثي عهد بإسلام؛ ولذلك ما كفرهم الصحابة على تأويلهم.
فالرد بتأويل سائغ إذا كان له وجه من اللغة كأن يقول في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يعني: نعمة الله فوق نعمهم، وعنده قرينة من اللغة أن اليد بمعنى النعمة، والدليل على ذلك حديث صلح الحديبية، عندما قال عروة للنبي ﷺ : يا محمد! إني ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس -يصغر من قيمتهم- أو قال: أشواباً -يعني: أخلاطاً- سيفرون عنك عما قريب، فقال أبو بكر: نحن نفر عن رسول الله ﷺ ؟ امصص بضر اللات، وهذه كانت مسبة شديدة جداً لـ عروة والعرب ما تقبلها، فقال عروة من هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال لـ أبي بكر: لولا يد لك عندي لرددت عليك، فسكت عن الرد للنعمة التي أسداها إليه.
فمن رد قول الله تعالى مثلاً: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فقال: اليد بمعنى النعمة، فهذا له مسوغ؛ فلا يكفر.
لكن من يرد قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فيقول: معنى استوى: رحل فهذا كفر، لأنه ليس له مسوغ من اللغة بحال من الأحوال.
وأئمة السلف يؤمنون ويعتقدون في صفات الله، فالسلفي الحقيقي هو الذي يتعلم علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه
стр. 23
إثبات المعنى للصفات مع تفويض الكيفية
قال المصنف ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)، و (إن الله يرى يوم القيامة)، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ولا معنى].
وقول المصنف رحمه الله تعالى: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً].
هذا الكلام لا يصح، ويرد على المصنف مع حسن الظن به، فإنه لم يقصد التفويض، والتفويض عندنا تفويضان: تفويض للكيفية، وتفويض للمعنى، وأهل السنة والجماعة يفوضون الكيفية فيقولون: لله يد لكنا لا نعلم كيفية يد الله جل في علاه، فهذا تفويض للكيفية.
وأما تفويض المعنى فكتفويض معنى اليد، فاليد للبطش وغيره، هذا المعنى المعلوم، فمن فوض معنى اليد فقال: لا يعلم معناها، فإنه يدخل بذلك في قسم أهل البدع والضلال الذين يفوضون الكيفية والمعنى، ويقولون: لا نعلم عن اليد إلا تقارب الياء مع الدال، والمصنف ﵀ من أهل السنة الجماعة ولا يمكن أن يقصد ذلك، إنما يقصد أن اللفظ المشكل الذي لا يعرف حقيقة معناه يفوض معناه؛ لأن اللفظ ينقسم إلى محكم ومتشابه، ويرد المتشابه للمحكم ليظهر المعنى.
فمثلاً: قال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] وقال الله تعالى: (الم) [البقرة:١] وقال: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] كل هذه حروف، والراجح عند أهل العلم أنها من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، فهذا هو تفويض المعنى لله ؛ لأنه الذي يعلم معناها، إذاً: هو يقصد عدم التعرض للمعنى في المتشابه الذي لم يظهر معناه.
ومذهب الإمام أحمد التسليم لصفات الله، ولذلك قال: أعتقد أن ربي ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله، بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، فمن قال: هل يخلو العرش أو لا يخلو؟ نتوقف على ذلك، وكذلك في رؤية المؤمنين لله يوم القيامة.
ويقول: ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه.
فعندما نقول: ينزل، لا نقول: ينزل ويخلو منه العرش أو يبقى معه العرش، أو يكون فوق وهو نازل، أو السماء تقله أو تظله حاشا لله؛ فإنه ينزل نزولاً يليق بجلاله؛ فمن قال: السماء الدنيا تقله، والسماء الثانية تظله، فقد كيف صفات الله، وحاشا لله أن نقول ذلك، فهو ينزل نزولاً لا نعلم كيفيته، نزولاً يليق بجلاله وكماله.
وإذا كان الكون كله في يد الرحمن كحبة خردل في يد أحدنا، فلك أن تعلم أن صفات الكمال لله جل وعلا لا يمكن للإنسان أن يصل إليها.
ثم نقل كلاماً نفيساً للإمام الشافعي وهو أنه قال: [آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ].
стр. 24
الترغيب في السنة والتحذير من البدع
جاءت الآيات والأحاديث مستفيضة بالترغيب في السنة والتحذير من البدع، فقد أمرنا باقتفاء أثر السلف الصالح ونبذ المحدثات، أي: البدع، فإنها الضلالات، قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
السنة في اللغة معناها: الطريقة.
وفي الاصطلاح: ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من اعتقاد ومن عمل، وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي ﷺ : (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله! قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي) فمن كان على ما كان عليه رسول الله ﷺ والسلف الصالح فهو على سنة، ومن خالفهم فهو على بدعة لا بد أن يرجع عنها.
أما اتباع السنة فالحث عليها والترغيب فيها والأمر بها فهو ركن؛ لأن التوحيد توحيدان: توحيد عبادة، وتوحيد اتباع.
وتوحيد العبادة: أن تكون كلها لله جل في علاه.
وتوحيد الاتباع: أن يوحد المتبع وهو رسول الله ﷺ ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال جل في علاه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فقد قرن الرسول معه في الأحكام ليبين أنه لزاماً ووجوباً تتبع سنة النبي ﷺ ، بل أشد من ذلك أن الله حذر أيما تحذير من عدم قبول حكم النبي ﷺ وسننه، فقال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فإذا اختلف المسلم مع أخيه، فلا يتحاكمان إلى قول الشيخ الفلاني أو العلاني، وإنما يتحاكمان إلى ما قال الله وقال الرسول ﷺ .
فلا يرد حكم الله وحكم النبي ﷺ بقول غيرهما كائناً من كان؛ لأن المسألة مناطها كلها على قول الله وقول رسوله ﷺ ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فمثلاً عندما سألت عائشة ﵂ وأرضاها النبي ﷺ : (من أحق الناس بالزوج؟ قال: أمه) يعني: أن الأم تأكل قبل الزوجة، ويذهب الزوج إلى أمه قبل أن يذهب إلى زوجته، ويقدم أمه على أولاده فلذات كبده، فهذا أمر النبي ﷺ بذلك، فلا بد أن تقول الزوجة: سمعت وأطعت، لأن النبي ﷺ بين أن الأم مقدمة على الزوجة وعلى أولادها، فيجب الرضا بسنة النبي ﷺ بدون مشاحة ويجب على الزوجة أن ترضي زوجها بحبها لأمه ليرضى الله عنها؛ لأن المرأة لا بد أن تعلم أن هذا حكم الله وحكم الرسول فتسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فلا بد أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، والرجوع إلى النبي ﷺ في حياته إلى شخصه، وبعد مماته إلى سنته ﷺ .
стр. 25
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - تابع الترغيب في السنة والتحذير من البدعة
السنة محثوث عليها مرغوب فيها، والبدعة مذمومة ديناً وشرعاً وعقلاً وفطرة، فهي من عمل المغضوب عليهم والضالين، ومن آوى المبتدع أو رضي ببدعته استحق اللعنة، ناهيك عن المبتدع نفسه، فقد حجب الله عنه التوبة، والبدعة لها أقسامها المعروفة.
стр. 26
تعريف السنة والبدعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لا زلنا مع كتاب لمعة الاعتقاد، وسنتكلم عن السنة والبدعة، وحكم كل واحد منهما.
السنة لغة: هي الطريقة، واصطلاحاً: ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام من عقيدة وعمل، وهذا مستقى ومستنبط من حديث النبي ﷺ : (تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
والبدعة لغة: الشيء المخترع، أو المستحدث، قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] أي: الذي خلقهن على غير مثال سابق.
فالبدعة: هي الشيء المستحدث الذي ليس له مثل سابق.
وفي الاصطلاح: هي: ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه عقيدةً وعملاً.
لكن قد قال الشاطبي: في تعريف البدعة كلاماً بديعاً موجزاً قال: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهى بها الشرعية -أي: تشاكل بها الشرعية- كأن يأتي بصلاة مثل الصلاة يضاهي بها الصلاة الشرعية، يقصد منها المثول، وهو الامتثال هو التعبد لله، أو الاجتهاد لله في العبادة، إذاً عرفها الشاطبي بقوله: هي طريقة في الدين مخترعة يضاهى بها الشرعية يقصد من المثول عليها الاجتهاد في عبادة الله جل في علاه.
стр. 27
الترغيب في السنة
والسنة محثوث عليها والبدعة مذمومة ديناً وشرعاً وعقلاً وفطرةً، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فلا بد أن يثبت حسن طريقته بالسير على طريقة النبي ﷺ ، وما أبدع وما أحسن ما قال الحسن: زعم أناس حب رسول الله -وأنا أكرر هذا على النساء؛ لأن فيهن عوجاً فإذا قيل لهن: قال رسول الله، قلن: قال فلان وقال علان، وهذا عوج ليس بعده عوج، ولولا أن الجهل متقدم على القائل لقلنا بكفره، فليس لأحد أن يرد قول الله جل في علاه أو قول رسول الله لقول أحد كائناً من كان، وقد قال مالك ﵀: إن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وكان أبو حنيفة -الذي قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة - يقول: إن وجدتم قولي عارض قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول النبي ﷺ .
فالصحيح أن نقول: إن سنة النبي ﷺ لا يمكن لأحد أن يعارضها، وأنا أؤكد هذا على النساء حتى لا يعارضن قول رسول الله بقول أحد كائناً من كان.
يقول الحسن البصري: زعم أقوام حب الله فامتحنهم باتباع طريقة رسوله ﷺ حيث قال جل في علاه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢]، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] معنى ذلك: أن الإنسان إذا تنكب صراط النبي ﷺ ورجع القهقرى فإنه على طريق الهلكة، فمعصية النبي ﷺ بريد الكفر، خاصةً إن علم أن النبي ﷺ قال ذلك ثم عارضه بأقوال الناس.
وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى -فعجب الصحابة- قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! فقال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ومن باب أولى: من ضرب بقولي عرض الحائط لقول أحد فقد أبى، فقد قال الله تعالى مبيناً طريق أهل البدعة والضلالة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال جل في علاه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] والنبي ﷺ قد حذرنا من البدعة وحثنا على امتثال طريقته بقوله كما في السنن عن العرباض بن سارية بسند صحيح وهو في المسند قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ : إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً) فالاختلاف بعد رسول الله ﷺ كثير؛ ولذلك نقول: إذا أرادت الأمة أن تكشف عنها هذه الكربة، وأن تنهض مرة أخرى كالطود الشامخ، فلابد أن ترجع إلى الرعيل الأول، وكما قال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، فلا بد من الرجوع إلى الرعيل الأول.
قال النبي ﷺ : (فمن يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) فالنبي ﷺ يبين لنا أن النجاة كل النجاة في التمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين، وفي السنن أيضاً عن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي) ما قال: كتاب الله فقط حتى لا تكون قرآنياً، ولكن قال: كتاب الله وسنتي.
стр. 28
التحذير من البدع
لقد حذر الله من البدع أيما تحذير، وبين لنا أنها من عمل المغضوب عليهم والضالين فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] فهم ما أرادوا إلا رضوان الله، والتعبد لله، والاجتهاد في عبادة الله، ومع ذلك ذمهم الله أيما ذم، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] ذماً لهم.
وقد قال النبي ﷺ : (لعن الله من آوى محدثاً) يحذر من البدع، فأين وجه الذم في هذا الحديث؟
الجواب
وجه الذم أن المبتدع محدث في الدين، فاستحق اللعنة من آواه أو رضي ببدعته، ويؤخذ من هذا الحديث أنه يجب على كل صاحب سنة أن يظهر المبتدع بين الناس ويحذر من بدعته، وانظر كيف استحق اللعن لأنه أوى المحدث، فكيف بالذي أحدث البدعة! وأيضاً قال النبي ﷺ كما ورد في السنن بسند صحيح وهو الصاعقة على كل مبتدع -قال: (حجب الله التوبة، أو قال: أبى الله أن يتوب على كل مبتدع) فحجب الله التوبة على المبتدع لأنه أخو الشيطان، ويقول الثوري أمير المؤمنين في الحديث: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن المعصية يتوب منها صاحبها، أما البدعة فإن صاحبها ينافح عنها، ويدافع عنها، ويقاتل من أجلها، كما سار كثير من المبتدعة إلى الفضائيات وأخذوا يناضلون من أجل هذه البدعة.
وقد جلست مع كبير لهم فبكى أمامي، وتهرب من المناظرة، وخشي على نفسه من الضلال والجهل الذي ظهر ووضح على وجهه، فلم يرض أن يكمل معي الجلسة، وهو الآن يظهر في الفضائيات كما أعلمت بذلك على أنه رجل من أهل العلم، فيظهر في مجالس العلم يدعو إلى هذه البدعة المقيتة!! فالذي يبتدع، والذي يأوي المبتدع، والذي ينافح عن البدعة أحب إلى الشيطان من العاصي؛ لأن العاصي قد يرجع ويئوب ويتوب، أما المبتدع فلا يرجع عن بدعته، بل يدافع عنها؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (لعن الله من آوى محدثاً) و (أبى أن يتوب الله على مبتدع).
والبدعة بدعتان: بدعة أصلية، وبدعة فرعية إضافية، والبدعة الإضافية لها أقسام كثيرة: بدعة زمانية، وبدعة مكانية، وبدعة في الهيئات، ولست بصدد التفصيل في هذه المسائل؛ لأني أريد أن أدخل في صلب الكتاب، ولأنني لو فصلت في هذا المقام لن أنتهي.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 29
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد -صفة الوجه واليدين لله تعالى
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات أو أثبته له رسوله، ومن تلك الصفات: صفة الوجه واليدين، فهما صفتان ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وعلينا أن نحذر من طرق أهل البدع الذين نفوهما أو أولوهما بما يخالف الكتاب والسنة
стр. 30
إثبات صفة الوجه لله تعالى والرد على المخالفين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر بعض آيات الصفات: فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].
هذه صفة من صفات الله جل في علاه، وهي صفة الوجه،
و
السؤال
من أين عرفنا أن هذه صفة لله؟
الجواب
لأن هذه الصفة أضيفت إلى الله في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧].
وقال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فالساق هنا صفة لله، وقد وردت آثار فيها أن المراد بقوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) أي: عن شدة يوم القيامة، وهي عن ابن عباس، لكنها ضعيفة.
ونحن نثبت الصفة لله سبحانه إذا أضافها إليه، فمتى أضيفت الصفة إلى الموصوف فإننا نثبتها له.
إذاً: (يوم يكشف عن ساق) ليست الساق هنا من آيات الصفات، بل هي من آيات الصفات، فكيف نجمع بين المتناقضين؟ نقول: ليست من آيات الصفات ضبطاً؛ لأنها لم تضف لله في هذه الآية، فلم يقل: يوم يكشف عن ساق ربك، فهي من هذا الجانب ليست صفة، لكنها صفة من جهة الحديث، فقد ورد عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن ربكم يأتي عباده يوم القيامة فيأتيهم في الصورة التي لا يعرفونها فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: تعرفونه؟ فيقولون: نعرفه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لست بربنا نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها) وفي هذه دلالة على أن لله صفة اسمها: الصورة كما سنبين، قال: (فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيكشف الله جل في علاه عن ساقه فيخرون سجداً) فهنا صرح النبي ﷺ بأن لله ساقاً وسيكشف عنها يوم القيامة، وهذا موافق للآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] فلا يمكن أن تثبت لله صفة إلا إذا أضيفت إلى الله.
وصفات الله: إما خبرية، وإما فعلية، وإما ذاتية، وصفة الوجه صفة خبرية لا تنفك عن الله، وضابطها: أن مسماها عندنا جزء وبعض، لكنها إذا أضيفت إلى الله إضافة الصفة للموصوف فإنها تكون على ما يليق به ، فهذه الصفة الجليلة صفة الوجه ثبتت لله بالكتاب وبالسنة، وبإجماع أهل السنة.
أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وفي السنة أن النبي ﷺ كان يقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) وقال النبي ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) فهذه كلها تصريحات لوجه الله جل في علاه.
وأما الإجماع فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته .
فأقول تأسيساً وتأصيلاً: أعتقد أن لربي وجهاً يليق بجلاله وكماله بلا تشبيه وبلا تمثيل وبلا تحريف، فلا أقول: الوجه هو الثواب، ولا أعطل الوجه، ولا أنفيه.
فإذا سمع مبتدع ضال دعاء وأنا أقول: اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تجعلني مع النبي ﷺ في الجنة، فيقول المبتدع: كيف وجه الله؟ فأقول له وقد استيقنت من عقيدتي وأتقنتها: أنت مبتدع، فإن الوجه في اللغة معلوم والكيف مجهول، فصفات الله لها كيفية لكنا لا نعلمها، فقد أخفاها الله عنا، والإيمان بصفات الله واجب، والسؤال عن كيفية الصفات بدعة.
وإذا اعتقدت بأن لربي وجهاً فكيف أتعبد لله بهذه الصفة الجليلة؟ فلا بد أن أسأل عن صفات وجه الله، وصفات وجه الله قد بينها لنا النبي ﷺ جلية بأن السماوات والأرض تستنير بنور وجه الله جل في علاه، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (سبحات وجهه) أي: أنوار وجهه، وهذا فيه دلالة على أنه لا يعلم عظم نور وجه الله إلا الله جل في علاه، -اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم- وقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) بصر الله ينتهي إلى كل خلقه ، فقد وسع بصره كل الخلق، وكل الكائنات.
وأعظم ما ينعم به أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم.
فإذا اعتقد المسلم أن لربه وجهاً، وأن هذا الوجه موصوف بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والأنوار؛ فإن نفسه تتوق إلى النظر إلى وجه الله الكريم، فإن الإنسان إذا سمع بجميل هوت نفسه إلى رؤيته، فما بالكم إذا سمع وعلم أن وجه ربه جل في علاه أشرقت به السماوات والأرض، فإن الهمة تعلو عندما يصبو الإنسان إلى أن ينظر إلى وجه الله الكريم؛ ولذلك قال النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: الحسنى الجنة، وهذه أول درجة، لكن أرقى منها مقاماً قال: والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، فإذا علمت الأخت المسلمة واعتقدت أن لربها وجهاً وله أنواراً وسبحات فإنها ستحافظ على طاعة ربها، على الفرائض، ثم تتبع الفرائض بالنوافل، ثم تحافظ على بصرها؛ لأنها تريد أن تنظر إلى وجه الله، ولا يرضى الله سبحانه لعين رأت المعاصي واستمرت في النظر إلى المحرمات أن تنظر إلى وجهه الكريم، فإن الله يغار فيحجب عن نور وجهه الكريم كل عاص وكل فاسق وكل كافر ملحد، فإن الله لا يرضى أن يرى وجهه إلا المطيع التقي الذي ارتقى بالطاعات لله جل في علاه، فالأخت المسلمة التي تتمنى أن تنظر إلى وجه ربها الكريم وتحرص على ذلك، بحفظ بصرها، وفرجها، وربها، وتحفظ زوجها بطاعة ربها، وتقدم بين يدي موتها رضى الله جل في علاه، ورضى رسول الله ﷺ حتى تحظى برؤية الله.
وإن كانت الهمة عالية للرجال والنساء فإن الله يفضل من يشاء في رؤيته، فإن الرجال الذين يرتقون إلى درجة الإحسان يرون ربهم في الجنة بكرة وعشياً، أما النساء فلا يرين ربهن في الجنة إلا كل جمعة، أو في الأعياد وهذا سياقاً واستنباطاً كما استنبطه شيخ الإسلام على أن النساء لا يخرجن إلا في الأعياد كما قالت أم عطية: (أمرنا أن نخرج الحيض وذوات الخدور حتى يشهدن الخير ودعوة المسلمين) وأيضاً الجمع، فالأصل في المرأة أن تقر في بيتها، ولها بيت في الجنة من لؤلؤة مجوفة يراها زوجها فيرى أنه ما رأى امرأة أجمل منها قط، بل يراها أفضل وأجمل وأنصع بياضاً وجمالاً من الحور العين، فهي تقر في لؤلؤتها، تتمتع برؤية زوجها ويتمتع بها، وسوق الجنة يخرج إليه المؤمنون كل جمعة، أما الذين في الفردوس الأعلى فيرون ربهم بكرة وعشياً، فإذا رجع إليها من الزيارة -اللهم ارزقنا ذلك- ازداد جمالاً وحسناً ووسامة فتقول: والله لقد ازددت جمالاً فما أرى أجمل منك في الجنة، وهذا لكل رجل مع كل امرأة.
فالذي يعتقد أن لربه وجهاً سيحافظ على نفسه وبصره من النظر إلى الحرام، وليس منا أحد إلا وقد ارتكب المحرم، نسأل الله أن يغفر لنا معاصينا وتجرأنا على حدوده، فليس من العيب أن يقع الإنسان في الخطأ، لكن العيب كل العيب أن يصر على الخطأ، وخير الخطائين التوابون، فإذا تعدى المسلم حدود الله فعليه أن يتوب ويئوب ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤].
وأيضاً المرأة اللبيبة الأريبة الفقيهة الرشيدة التي تعتقد أن لربها وجهاً تعلم كيف تتعبد لله بهذه الصفة، وتعلم حديث النبي ﷺ : (لا تسألوا بوجه الله إلا الجنة) فلا يمكن أن ترفع يدها وتقول: اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تنجح ولدي في المدرسة، أو تجعل زوجي يحبني ولا يتزوج علي، وإن كانت هذه من أفضل الأدعية التي تدعو بها، فلا تدعو بها هنا بل لا بد أن ترتقي في دعائها لربها وتقول: اللهم إني أسألك بوجهك الفردوس الأعلى، اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تجعل زوجي في الفردوس الأعلى مع النبي ﷺ .
فمن الأدب مع الله أن لا تسأل بوجه الله إلا الفردوس الأعلى، وأن لا تسأل بوجه الله إلا رؤية وجهه الكريم، وأن لا تذكر اسم الله إلا وأنت مبجل موقر معظم لاسم الله ولوجه الله الكريم.
стр. 31
الرد على الذين نفوا صفة الوجه لله تعالى
فهل تركنا أهل البدعة والضلالة ننعم بهذه الصفات الجميلة؟ وأنا أقول: كل مبتدع حجب عن ربه، وحجب عن هذه الصفة أنَّى له أن يتعبد بها لله، فقد جاء المعطلة وهم قسمان: قسم يعطل تعطيلاً كاملاً، وقسم يعطل تعطيلاً ناقصاً.
والتعطيل الكامل هو التعطيل المحض، وهو نفي الصفة والاسم معاً، والتعطيل الناقص هو تعطيل الصفة دون الاسم.
ويتفق المعتزلة مع الجهمية على نفي صفة الوجه لله، وهم بهذا يردون كتاب الله جل في علاه، وأما الأشاعرة فحرفوا، وهم كثير في عصرنا وفي كل العصور، فيقولون: قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: ويبقى ثواب ربك، فحرفوا، ولا أقول: أولوا، ولكن أقول حرفوا الكلم عن مواضعه وكأن النبي ﷺ إذا دعا وقال: (اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) يريد: ارزقني لذة النظر إلى ثوابك الكريم، وهذا كلام بعيد وشديد البطلان.
فأقول: الرد على هؤلاء الذين حرفوا وجه الله إلى الثواب هو أن نقول لهم: لقد خالفتم ظاهر القرآن، فما هو ظاهر القرآن؟ وهذه قاعدة مهمة، وسنرد بها عليهم في كل آية يؤولونها إلى غير معناها الصحيح.
فظاهر قول الله تعالى: (ويبقى وجه ربك) أن لله وجهاً، وأنتم خالفتم ظاهر القرآن، ونقول لهم: هل كلمنا الله بلغة أعجمية؟
الجواب
لا، بل كلمنا الله بلغة نعلمها ونفقهها: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢] فإذا قال الله: لي وجه؛ عقلنا أن له وجهاً يليق به، ومخالفة ظاهر القرآن قدح في حكمة الله؛ لأن الله جل وعلا ما أنزل هذا الكتاب إلا من أجل أن نعقل هذه الصفات ونتعبد بها لله، فإن كان الله سينزل علينا كتاباً لا نعقل منه حرفاً فهذا خلاف حكمة الله جل في علاه.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] فإذا قلت: الوجه هو الثواب فهل هذا تبيان لكل شيء؟ لا، بل هذا تعمية على كل شيء، فكأن الله يقول: ما أريد هذا اللفظ، ابحثوا عن لفظ آخر، وإذا اعتقدتم هذا الاعتقاد فهذا اعتقاد كفري وضلال مبين؛ لأنكم خالفتم ظاهر القرآن، وظاهر القرآن أن لله وجهاً فنثبت لله وجهاً.
وخالفتم ظاهر السنة، فقد قال النبي ﷺ : (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) فهل الله جل وعلا لا يستطيع أن يقول: ويبقى ثواب ربك؟ أم أنه عيي؟ حاشا لله! بل هو الذي علمنا ذلك، وجعل اختلاف الألسن آية من الآيات، فلو كان الله يريد الثواب مكان الوجه لقال: ويبقى ثواب ربك، وأيضاً: النبي ﷺ حين قال: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) إذا كان المراد بذلك الثواب ففيه قدح في النبوة من وجوه كثيرة: الوجه الأول: أن النبي ﷺ قصر بالبيان، وقد قال الله تعالى له: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] فلو كان الوجه في هذه الآية يراد به الثواب لكان لزاماً على رسول الله الذي أمر بالتبيين أن يبين لنا ويقول: الوجه في هذه الآية التي في سورة الرحمن المراد به الثواب، ولكنه لم يفعل؛ فدل على أن الثواب ليس المراد.
والوجه الثاني: أن النبي ﷺ يعلم أن الوجه على حقيقته؛ لأن النبي ﷺ لم يقصر في البلاغ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وعندما قال النبي ﷺ : (اللهم هل بلغت؟ قالوا: قد بلغت، فنظر النبي ﷺ إلى السماء وأومأ بإصبعه يقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) فقد بلغ رسول الله ﷺ أتم البلاغ.
والذي يقول: الوجه هو الثواب يقدح في بلاغ النبي ﷺ ، وكأنه يقول: إن رسول الله قد قصر في بيان كلام الله جل في علاه.
والأمر الثاني: نقول: قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، ولم يقل: ويبقى ثواب ربك، وقال النبي ﷺ : (أسألك لذة النظر إلى وجهك) ولم يقل: أسألك لذة النظر إلى ثوابك، فهل أنتم أيها الأشاعرة المبتدعة أعلم بالله من الله؟ فإن قالوا: نعم، كفروا، وإن قالوا: لا، لسنا أعلم من الله بالله، قلنا: الذي هو أعلم بنفسه قال: إن له وجهاً، فعليكم أن تسلموا بقوله.
وأيضاً: نقول لهم: أأنتم أعلم بالله من رسول الله؟ فإن قالوا: لا، لسنا بأعلم بالله من رسول الله قلنا: فإن رسول الله الذي هو أعلم بالله قال: (أسألك لذة النظر إلى وجهك) ولم يقل: ثوابك، فيسعكم ما وسع رسول الله، ولا وسع الله على من لم يسعه قول رسول الله ﷺ عندما أثبت لربه الوجه، وحينئذ تسلم لنا الأدلة.
فصفة الوجه لله صفة خبرية ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه، ولا تتعلق بالمشيئة، وضابطها عندنا: أن مسماها أجزاء وأبعاض، فالوجه جزء مني، والساق جزء مني، واليد جزء مني، والعين جزء مني، لكن بالنسبة لله هي صفة خبرية، وسميناها خبرية: لأننا لا نعلمها إلا من طريق الخبر، أي: الكتاب والسنة؛ لأن العقل لا يمكن أن يثبت هذا.
стр. 32
إثبات صفة اليد لله تعالى
الصفة الثانية التي ذكرها المصنف: قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فذكر صفة اليد، واليد من الصفات الفعلية لله جل في علاه.
وهي صفة خبرية، وضابطها أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، وقلنا صفة خبرية؛ لأنها ثبتت بالخبر.
وقد ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل السنة، أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وقال جل في علاه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] وقال جل في علاه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار لا يغيضها نفقة، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض) وقال النبي ﷺ في رواية أخرى عن اليد كما في السنن بسند صحيح،: (إن الله جل وعلا لما خلق آدم قبض قبضة بيده اليمنى وقبض قبضة بيده الأخرى فقال لآدم: يا آدم! اختر، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين) فاختار أهل الجنة.
وأيضاً قال النبي ﷺ : (إن الله ينادي يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير كله بيديك) إثباتاً لليد.
وأيضاً في الصحيح في حديث احتجاج آدم وموسى أن موسى يقول له: (أنت آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وهذه كلها أدلة تثبت لله جل في علاه يداً حقيقية لا تشبه يد المخلوق، وإن حصل الاشتراك في الاسم، ولها كيفية نجهلها.
وإذا سأل مبتدع عن كيفية يد الله قلنا له: اليد في اللغة معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.
أما عظمة يد الله فقد قال الله تعالى منكراً على الذين لا يعظمون يده جل في علاه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] وفي الصحيحين: (دخل حبر من أحبار اليهود على رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله! إن الله يحمل الجبال على ذه، والبحار على ذه، والسماوات على ذه، والأشجار على ذه) يشير إلى الأصابع (ثم قبض بيده وهز يده هكذا -ونحن نفعل ذلك كما فعل الرجل- وقال: فيهزهن هكذا ويقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أنا الملك أين المتكبرون؟ فضحك النبي ﷺ إقراراً له بذلك.
فهذه هي عظمة يد الله جل في علاه، فلابد أن نتدبر، وأن نعلم أنه لن يصل أحد إلى الغنى إلا بالله سبحانه، فيد الله سحاء ويمين الله ملأى، خزائن السماوات والأرض في يده، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، قال النبي ﷺ : (يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض) وقال النبي ﷺ : (قال الله: يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) وقال في ثنايا الحديث: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم سألوني فأعطيت كل واحد مسألته) فهذه يد الله المنفقة، وهذه الآيات والأحاديث ترد على اليهود الذين يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فانظروا كيف يقول الله جل في علاه: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً).
стр. 33
كيف نتعبد لله بصفة اليد
فيتعبد المسلم لله بهذه الصفة، ويثبتها له ، ويعلم أن لله بطشاً، وأن بطش الله شديد، وأن الله، ﴿يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ويعلم أن الله جل في علاه عزيز ذو انتقام، فيخشى ربه ويعظمه ويوقره، ويسأل الله أن يعطيه من خيره، فإن عطاء الله حسي ومعنوي، أما العطاء الحسي: فهو المادة التي يملأ الإنسان بها بطنه، وأما العطاء المعنوي: فهو نور القلوب ونور الإيمان الذي قال فيه شيخ الإسلام: إن في الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الآخرة ألا وهي جنة الإيمان.
قال علماؤنا: ورزق الله رزقان: رزق حسي، وهو المادة، ورزق معنوي، وهو العلم، والفهم، والذكاء، والتعبد، والتذلل لله جل وعلا، والتدبر في أسماء الله وصفاته العلى، وهذا خاص بالقلوب، فكل ذلك رزق من الله جل في علاه، فيمين الله ملأى سحاء الليل والنهار لا يغيضها نفقة.
ولله يدان تليقان بجلاله وعظمته، وقد ذكرها في القرآن إما بلفظ المفرد المضاف إليه سبحانه كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] والاسم المفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٣٤] فلا يوجد تعارض بينها وبين قول الله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]؛ لأنها قد شملتها وعمتها، وإما بلفظ التثنية كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وإما بلفظ الجمع كما في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ولا تعارض بين قول الله: (مما عملت أيدينا) وقوله: (لما خلقت بيدي)، ومن قال بوجوده فالرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أصولياً، فبعض علماء الأصول يقولون: أقل الجمع اثنان، إذاً: قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] يصح أن تكونا اثنتين؛ لأن أقل الجمع اثنان.
وهذا الوجه وإن كان فيه ضعف إلا أن الأقوى منه أن نقول: الوجه الثاني: ثبت لله يدان بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وأما (مما عملت أيدينا) فتؤول على التعظيم.
فمما عملت أيدينا هنا للتعظيم، فلا منافاة بينها وبين الثنتين، ولا منافاة بينها وبين المفرد.
ويعضد ما ذهبنا إليه قول الله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].
стр. 34
الرد على المنكرين لصفة اليد
وأما أهل البدعة فقالوا: قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وقول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وقول الله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] اليد هنا بمعنى النعمة، قالوا: وعندنا في ذلك دليل، ففي صلح الحديبية عندما قال عروة لرسول الله: ما أرى حولك إلا أوباشاً -أو أشواباً- من الناس سيفرون عنك عما قريب، فقال أبو بكر: امصص بضر اللات! نحن نفر عن رسول الله؟! فكانت هذه مسبة شديدة عليه، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: لولا يد لك عندي لم أكافئك بها لرددت عليك، أي: لولا نعمة أكرمتني بها لم أردها إليك.
وقالوا: اليد معناها: القدرة، والدليل على ذلك أنك إذا قلت: ضرب على الأمة بيد من حديد، كان فيه دلالة على القدرة والقوة، فقالوا لنا: في اللغة مساغ، فيد الله فوق أيديهم، أي: قدرة الله فوق أيديهم، فنقول لهم: لقد خالفتم ظاهر القرآن، وظاهر السنة، وإجماع الصحابة، فالله يقول: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٠] وأنتم تقولون: نعمة الله، فأنتم تقدحون في بيان الله، وقد قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ [النحل:٨٩] وهذا تبيان يدل على أن اليد يد حقيقية، والنبي ﷺ يقول: (يمين الله ملأى) وقال: (كلتا يدي ربي يمين) فقد أثبت لله اليد وأنتم تنفونها، ويلزم من ذلك القدح في بلاغ رسول الله، ثم خالفتم الإجماع، ومخالف الإجماع مبتدع.
القاعدة الرابعة التي نرد عليهم بها أن نقول: يلزم إذا أولنا أو حرفنا اليد إلى النعمة أو القدرة لوازم باطلة: أولها: أننا سنجزئ قدرة الله، وسنقول: (بيدي) أي: بقدرتي، وهذا لا يقوله عاقل، فإن قدرة الله عامة وشاملة لكل شيء.
ثانيها: أنه يلزم من ذلك أن نقول: (يد الله فوق أيديهم) أي: نعمة الله فوق أيديهم، ويلزم من ذلك نقول: (لما خلقت بيدي) أي: لما خلقت بنعمتي وهل هما نعمتان فقط، أم أن نعائم الله لا تعد ولا تحصى؟ فهذه من اللوازم الباطلة.
ومن اللوازم الباطلة: أنهم سيجعلون لإبليس على الله حجة، وكأن الأشاعرة يعلمون الشيطان كيف يتشيطن، فقد أمره الله أن يسجد لآدم فاعترض على ربه وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فرد الله عليه بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وكأن الله يقول له: إن فضل آدم عليك أنني باشرت خلقه بيدي وأنت خلقتك بالقدرة وبالنعمة، قال له كن فيكون، فلو كان المراد باليد النعمة والقدرة لقال الشيطان لربه: يا رب! أنت لم تخلق آدم بيدك، ولم تشرفه بمباشرة اليد، وإذا خلقته بنعمتك أو بقدرتك فقد خلقتني بقدرتك، وخلقت الكون كله بقدرتك، فلا فضل لآدم علي.
стр. 35
المخلوقات التي خلقها الله بيده مباشرة
وأختم بالكلام على هذه الصفة: إن الله جل وعلا شرف بعض المخلوقات بالمباشرة الصريحة بيده، فقد خلق آدم بيده والدليل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقد غرس الله الفردوس الأعلى بيده -اللهم اجعلنا من أهل كرامتك، واجعلنا من أهل الفردوس الأعلى- والدليل: (أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي).
الثالثة: خط التوراة بيده، والدليل حديث: (أنت موسى الذي خط الله لك التوراة بيده).
الرابعة: قال النبي ﷺ : (وقد كتب الله في الكتاب فهو عنده على العرش: أن رحمتي سبقت غضبي) فقد كتبه الله بيده، وهذا من رحمته جل في علاه، فإن رحمته سبقت غضبه.
стр. 36
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة النفس والمجيء والرضا لله تعالى
معرفة صفات الله تعالى لها أهميتها في حياة المسلم، ولها أثرها البالغ في عبادته لربه تعالى، ذلك أن إثبات الصفات يقوي عند المؤمن مراقبته لربه، وخوفه وخشيته منه تعالى، وتعظيمه التعظيم اللائق به جل وعلا، وقد زل في هذا الموضوع الخطير -وهو موضوع صفات الله- أقوام فضلوا وأضلوا، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى صراطه المستقيم، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وردوا على شبه المبطلين ودحضوها، ونفوا عن الله ما نفاه عن نفسه وسلموا تسليماً، ومما أثبتوه لله تعالى كما أثبته لنفسه وكما أثبته له رسوله: صفة النفس والمجيء والرضا.
стр. 37
إثبات صفة النفس لله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الصفة الثالثة: صفة النفس، وهي صفة من الصفات الخبرية الذاتية، وهي صفة ثبوتية، ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة.
أما الكتاب فقد قال الله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦].
فقال عيسى: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
ووجه الشاهد من الآية قوله: ((وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)).
ووجه الدلالة من الآية من وجهين: الوجه الأول: أن النفس هنا أضيفت إلى الله، ولا نثبت صفة لله إلا إذا أضيفت إلى الله، وقد ذكرنا أن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، لا يمكن أن نثبتها صفة لله حتى جاء الحديث: (يكشف ربكم عن ساقه) فقال هنا: ((نَفْسِكَ))، فالنفس مضافة إلى الذات المقدسة وهذه إضافة صفة إلى موصوف؛ لأنني أقول المضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان، أما الأعيان القائمة بذاتها فمثل الكعبة، فالكعبة عين؛ لأنك تراها وتلمسها، فإضافة الأعيان لله جل في علاه على أنها جزء من الله خطأ فاحش، وهذا كلام الصوفية، وأصحاب الاتحاد والحلول، وإنما إضافة الأعيان إلى الله إضافة تشريف، فهي مضافة إلى الله على أنها مخلوقة لله، لكنها أضيفت تشريفاً.
وأيضاً: عيسى روح الله، هذا لتكريم وتعظيم وتشريف مكانة عيسى ﵇، وناقة الله أيضاً أضيفت إلى الله لتشريف المضاف إلى الله.
النوع الثاني: إضافة معان؛ كالكرم والقدرة والكبر والعزة، وهي إضافة صفة إلى موصوف، ومثله: عزة الله، وقدرة الله، وعطاء الله، ورحمة الله، وضحك الله، ونزول الله، ونفس الله.
فإضافة النفس والعزة والكرم والضحك لله هي إضافة صفة إلى موصوف.
فهنا أضاف النفس لله فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
الوجه الثاني: أن الذي وصف الله بها هو عيسى ﵇، ولا يمكن أن يتجرأ عيسى ﵇ أن يصف الله بما ليس صفة لله، والدليل على ذلك هو إقرار الله له، ولو كانت صفة لا يتصف الله بها لأنكر الله عليه، ونظير هذا في الشرع -أنه لا يقر الله على الباطل- إنكاره على اليهود عندما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، فأنكر الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤]، وأيضاً نوح لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، أنكر الله عليه بقوله: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦].
وأيضاً آية صريحة جداً وهي قول الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، فهذا تصريح من الله بأن له نفساً، وقد أضاف النفس له.
فنثبت النفس لله بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
وتفسير ذلك: أن نثبت لله نفساً، وأنها مقدسة تليق بجلال وكمال وبهاء وجمال وعظمة الله جل في علاه، فلا نعطلها كما تعطلها المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنه ليس لله نفس، بل نقول لهم: أخطأتم وخالفتم كتاب ربكم، فقد أثبتها الله وأثبتها رسوله عندما قال: (سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه)، والشاهد قوله: (ورضا نفسه)، فهو يثبت لله نفساً، فنثبت كما أثبت لنفسه وأثبت له رسوله، وأجمعت الأمة على ثبوت النفس لله جل في علاه.
ونقول للمعطلة الذين نفوا هذه الصفة: قد قلتم على الله بغير علم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام:٢١]، فقد قال الله: لي نفس، وأنتم تقولون: ليس له نفس، أأنتم أعلم بالله من الله؟!! أأنتم أعلم بالله من رسول الله ﷺ ؟!! كذبتم وخسئتم ولا نأخذ بقولكم.
ثم جاء آخرون من بعدهم فقالوا: نحن لسنا مثلهم، نحن نثبت لله النفس، لكن نفس الخالق كنفس المخلوق.
فنقول لهم: كذبتم وأخطأتم وخالفتم كتاب ربكم، فإن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فنفى المثلية، فلا ند له ولا سمي له ولا شبيه له ، فنثبت النفس لله كما يليق بجلاله.
ثم جاء المتنطعون من بعدهم الذين يحسبون أنهم على علم وهم ليسوا كذلك، فقالوا: نحن نثبت الصفة، لكن ليست كما تعتقدون، وإنما صفة النفس لله مؤولة، فهي ليست بالنفس، وإنما هي الذات، ونقول لهم: خالفتم ظاهر الكتاب وظاهر السنة، وإجماع أهل السنة والجماعة؛ فإن الله أثبت لنفسه صفة النفس، ونحن نثبت له هذه الصفة الجليلة العظيمة المقدسة.
فإذا علم العبد أن لربه نفساً فإنه سيعلم أن هذه النفس المقدسة تعلم ما في نفسه، فلن يستتر إلا بما يرضي الله جل في علاه.
стр. 38
إثبات صفة المجيء لله تعالى
صفة المجيء تسمى صفة فعلية، وضابطها: أنها تتعلق بالمشيئة، أي: أنها تتجدد، ففي حين يمكن أن نصف الله بها، وفي وقت آخر لا نصف الله بها، فضابطها: أن تضع قبل الصفة: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فهو سبحانه إن شاء جاء وإن شاء لم يجئ، وإن شاء استوى وإن شاء لم يستو، وإن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، وإن شاء أعطى وإن شاء لم يعط، وإن شاء نزل وإن شاء لم ينزل.
وصفة المجيء ثبتت لله بالكتاب وبالسنة، وإجماع أهل السنة والجماعة.
أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣].
وقال جل في علاه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].
وقال جل في علاه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فالملائكة ستأتي أيضاً وتكون صفاً صفاً، والله يأتي في ظلل من الغمام.
وأيضاً ورد في الصحيحين قال النبي ﷺ : (ثم يأتيهم الله)، أي: أن الله جل وعلا يأتي فيقول: (من كان يعبد شيئاً فليذهب خلفه)، فمن كان يعبد الشمس فإنها تكور وترمى في جهنم، وهو خلفها والعياذ بالله، ومن كان يعبد القمر أيضاً يسقط خلف القمر، فيلقى في النار جزاء وفاقاً؛ لأنهم عبدوه من دون الله، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
ومن كان يعبد عيسى نفس الأمر، ويبقى بقايا من أهل الكتاب، والمؤمنون والمنافقون من هذه الأمة، فيأتي الله جل وعلا إلى بقايا من أهل الكتاب فيقول: (من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر عيسى ابن الله.
فيقول: خسئتم أو كذبتم إن الله لم يتخذ ولداً، ثم يلقون في النار) وأيضاً اليهود عندما يقولون هذه المقولة على عزير يلقون في النار.
ثم يأتي الله جل في علاه إلى المؤمنين والمنافقين الذين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فيقول: (من تنتظرون؟)، لمَ لم تكونوا مع الناس؟ فيقولون: تركناهم ونحن أحوج الناس إليهم، والآن نتركهم فقال: (من تنتظرون؟ قالوا: ننتظر ربنا، قال: هل بينكم وبينه علامة؟ قالوا: نعم.
قال: أنا ربكم).
وفي الحديث قال: (فيأتيهم الله على الصورة التي لا يعرفونها).
والشاهد أنه قال: (يأتيهم)، فهذا من المجيء، وسيأتيهم على صورته وهم لا يعرفونها، فيقولون: (نعوذ بالله منك لست بربنا، فيقول: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم.
فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها، ثم يكشف عن ساقه فيخر كل مؤمن كان يسجد صدقاً)، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! (أما المنافق فيرجع ظهره طبقاً)، لا يستطيع أن يسجد فينقلب على قفاه فيخدعه الله كما خادعه في هذه الدنيا.
فالغرض المقصود أنه قال: (يأتيهم) فثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة.
وأيضاً أهل السنة والجماعة أثبتوا لله صفة المجيء.
فإذا قيل: إن أثبتم صفة المجيء فقد شبهتم الخالق بالمخلوق.
قلنا: التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في الصفة، فالله يجيء ومحمد يجيء، لكن مجيء الله ليس كمجيء محمد؛ لأن التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في الصفة، والدليل على ذلك من الواقع المشاهد، فإذا قيل: زيد قد جاء، وجاء قرده معه، فإن مجيء زيد ليس كمجيء القرد.
وإذا قيل: جاء الفيل وجاءت القطة، فمجيء الفيل ليس كمجيء القطة.
فهذا في الواقع المشاهد في المخلوقات مع التساوي في الاسم والتساوي في الصفة والمسمى لا يتساوى.
ولذلك نقول: إن الله يجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته وكرمه وقدرته وبهائه، والمخلوق يجيء مجيئاً يليق بعجزه ونقصه وفقره.
فإن قيل: كيف مجيء الله؟ نقول: المجيء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فنثبت لله مجيئاً يليق بجلاله وكماله بلا كيف؛ لأنا لا نعلم الكيفية.
стр. 39
أثر الإيمان بصفة المجيء الله تعالى
وصفة المجيء صفة كمال وجلال لله، والمرء إذا تدبر علم أنه راحل، وأنه إلى ربه راجع، وأن الله سيجيء يوم القيامة، وتشرق الأرض التي سنحشر عليها بنور ربها، ثم يأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد عندما يشتد الخطب ويدلهم على الناس، وتحيط الكروب بهم من جميع الجوانب، والشمس تدنو من الرءوس قدر شبر أو ميل، وكل امرئ عرقه يصل إلى كعبيه، أو إلى ركبتيه، أو إلى حقويه، أو إلى صدره، بل إن منهم من يلجمه العرق إلجاماً، وقد جاء في الحديث: (ثم يقولون ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا نستشفع بأحد؟ فيذهبون إلى آدم، وإلى إبراهيم وكل يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، حتى يأتون إلى نبي هذه الأمة بأبي هو وأمي، فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش، فيعلمه الله محامد فيثني على الله بها، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع في القضاء فيقضي الله بين عباده أجمعين في آن واحد).
وقد تعجب الصحابي راوي الحديث من قول الرسول: (في آن واحد)، الخلائق من لدن آدم إلى آخر خليقة في آن واحد، فإذا استحضرنا مجيء الله فلابد أن نحرص على عمل الحسنات والطاعات، ولا بد أن نقدم الخيرات، وإن أسأنا نئوب ونتوب إلى الله، ولسان حال كل امرئ منا يقول: وعجلت إليك ربي لترضى، فإن الله يرخي كنفه على عباده، فلا يسمع الآخر كلام الله لهذا الشخص، فيقول الله: (عبدي! ألم تعمل ذنب كذا يم كذا؟)، وكل منا يستحضر ذلك، فمن منا لم يتجرأ على حدود الله؟ ومن منا لم يعص الله جل في علاه؟ ومن منا لم يكذب؟ ومن منا لم يخن؟ ومن منا لم يقع في الفواحش؟ فيقول: (عبدي! ألم تعمل ذنب كذا يوم كذا؟ فيقول: أي ربي نعم.
فيقول: عبدي! تعلم ذنب كذا يوم كذا؟ فيقول: أي ربي نعم.
فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار، فيقول: هذه مهلكتي هذه مهلكتي، فيقول الله تعالى -ونسأل الله أن يقول لنا جميعاً هذا-: عبدي! قد سترتها في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) اللهم! اجعلنا جميعاً كذلك يا رب العالمين! فيجيء الله فيفصل بين العباد.
стр. 40
إثبات صفة الرضا لله تعالى
صفة الرضا صفة ثبوتية أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وأيضاً أجمعت الأمة على هذه الصفة.
أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨].
وقال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
وفي السنة: قال النبي ﷺ كما في سنن الترمذي بسند صحيح: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط)، فالحديث يدل على الصفة بالقرائن الأخرى، أي: فله الرضا من الله.
والحديث الذي هو أصرح من ذلك -وهو نص في المسألة- قوله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها).
وأجمع أهل السنة والجماعة أن الله يتصف بصفة الرضا.
ونحن نثبت هذه الصفة بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، ونثبتها بكيف يعلمه الله جل في علاه، فإن الله يرضى ورضا الله يليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته، وهذا الرضا رضا حقيقي.
следующие страницы →