Полный текст (222 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة النفس والمجيء والرضا لله تعالى
معرفة صفات الله تعالى لها أهميتها في حياة المسلم، ولها أثرها البالغ في عبادته لربه تعالى، ذلك أن إثبات الصفات يقوي عند المؤمن مراقبته لربه، وخوفه وخشيته منه تعالى، وتعظيمه التعظيم اللائق به جل وعلا، وقد زل في هذا الموضوع الخطير -وهو موضوع صفات الله- أقوام فضلوا وأضلوا، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى صراطه المستقيم، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وردوا على شبه المبطلين ودحضوها، ونفوا عن الله ما نفاه عن نفسه وسلموا تسليماً، ومما أثبتوه لله تعالى كما أثبته لنفسه وكما أثبته له رسوله: صفة النفس والمجيء والرضا.
стр. 37
إثبات صفة النفس لله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الصفة الثالثة: صفة النفس، وهي صفة من الصفات الخبرية الذاتية، وهي صفة ثبوتية، ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة.
أما الكتاب فقد قال الله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦].
فقال عيسى: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
ووجه الشاهد من الآية قوله: ((وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)).
ووجه الدلالة من الآية من وجهين: الوجه الأول: أن النفس هنا أضيفت إلى الله، ولا نثبت صفة لله إلا إذا أضيفت إلى الله، وقد ذكرنا أن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، لا يمكن أن نثبتها صفة لله حتى جاء الحديث: (يكشف ربكم عن ساقه) فقال هنا: ((نَفْسِكَ))، فالنفس مضافة إلى الذات المقدسة وهذه إضافة صفة إلى موصوف؛ لأنني أقول المضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان، أما الأعيان القائمة بذاتها فمثل الكعبة، فالكعبة عين؛ لأنك تراها وتلمسها، فإضافة الأعيان لله جل في علاه على أنها جزء من الله خطأ فاحش، وهذا كلام الصوفية، وأصحاب الاتحاد والحلول، وإنما إضافة الأعيان إلى الله إضافة تشريف، فهي مضافة إلى الله على أنها مخلوقة لله، لكنها أضيفت تشريفاً.
وأيضاً: عيسى روح الله، هذا لتكريم وتعظيم وتشريف مكانة عيسى ﵇، وناقة الله أيضاً أضيفت إلى الله لتشريف المضاف إلى الله.
النوع الثاني: إضافة معان؛ كالكرم والقدرة والكبر والعزة، وهي إضافة صفة إلى موصوف، ومثله: عزة الله، وقدرة الله، وعطاء الله، ورحمة الله، وضحك الله، ونزول الله، ونفس الله.
فإضافة النفس والعزة والكرم والضحك لله هي إضافة صفة إلى موصوف.
فهنا أضاف النفس لله فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
الوجه الثاني: أن الذي وصف الله بها هو عيسى ﵇، ولا يمكن أن يتجرأ عيسى ﵇ أن يصف الله بما ليس صفة لله، والدليل على ذلك هو إقرار الله له، ولو كانت صفة لا يتصف الله بها لأنكر الله عليه، ونظير هذا في الشرع -أنه لا يقر الله على الباطل- إنكاره على اليهود عندما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، فأنكر الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤]، وأيضاً نوح لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، أنكر الله عليه بقوله: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦].
وأيضاً آية صريحة جداً وهي قول الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، فهذا تصريح من الله بأن له نفساً، وقد أضاف النفس له.
فنثبت النفس لله بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
وتفسير ذلك: أن نثبت لله نفساً، وأنها مقدسة تليق بجلال وكمال وبهاء وجمال وعظمة الله جل في علاه، فلا نعطلها كما تعطلها المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنه ليس لله نفس، بل نقول لهم: أخطأتم وخالفتم كتاب ربكم، فقد أثبتها الله وأثبتها رسوله عندما قال: (سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه)، والشاهد قوله: (ورضا نفسه)، فهو يثبت لله نفساً، فنثبت كما أثبت لنفسه وأثبت له رسوله، وأجمعت الأمة على ثبوت النفس لله جل في علاه.
ونقول للمعطلة الذين نفوا هذه الصفة: قد قلتم على الله بغير علم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام:٢١]، فقد قال الله: لي نفس، وأنتم تقولون: ليس له نفس، أأنتم أعلم بالله من الله؟!! أأنتم أعلم بالله من رسول الله ﷺ ؟!! كذبتم وخسئتم ولا نأخذ بقولكم.
ثم جاء آخرون من بعدهم فقالوا: نحن لسنا مثلهم، نحن نثبت لله النفس، لكن نفس الخالق كنفس المخلوق.
فنقول لهم: كذبتم وأخطأتم وخالفتم كتاب ربكم، فإن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فنفى المثلية، فلا ند له ولا سمي له ولا شبيه له ، فنثبت النفس لله كما يليق بجلاله.
ثم جاء المتنطعون من بعدهم الذين يحسبون أنهم على علم وهم ليسوا كذلك، فقالوا: نحن نثبت الصفة، لكن ليست كما تعتقدون، وإنما صفة النفس لله مؤولة، فهي ليست بالنفس، وإنما هي الذات، ونقول لهم: خالفتم ظاهر الكتاب وظاهر السنة، وإجماع أهل السنة والجماعة؛ فإن الله أثبت لنفسه صفة النفس، ونحن نثبت له هذه الصفة الجليلة العظيمة المقدسة.
فإذا علم العبد أن لربه نفساً فإنه سيعلم أن هذه النفس المقدسة تعلم ما في نفسه، فلن يستتر إلا بما يرضي الله جل في علاه.
стр. 38
إثبات صفة المجيء لله تعالى
صفة المجيء تسمى صفة فعلية، وضابطها: أنها تتعلق بالمشيئة، أي: أنها تتجدد، ففي حين يمكن أن نصف الله بها، وفي وقت آخر لا نصف الله بها، فضابطها: أن تضع قبل الصفة: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فهو سبحانه إن شاء جاء وإن شاء لم يجئ، وإن شاء استوى وإن شاء لم يستو، وإن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، وإن شاء أعطى وإن شاء لم يعط، وإن شاء نزل وإن شاء لم ينزل.
وصفة المجيء ثبتت لله بالكتاب وبالسنة، وإجماع أهل السنة والجماعة.
أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣].
وقال جل في علاه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].
وقال جل في علاه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فالملائكة ستأتي أيضاً وتكون صفاً صفاً، والله يأتي في ظلل من الغمام.
وأيضاً ورد في الصحيحين قال النبي ﷺ : (ثم يأتيهم الله)، أي: أن الله جل وعلا يأتي فيقول: (من كان يعبد شيئاً فليذهب خلفه)، فمن كان يعبد الشمس فإنها تكور وترمى في جهنم، وهو خلفها والعياذ بالله، ومن كان يعبد القمر أيضاً يسقط خلف القمر، فيلقى في النار جزاء وفاقاً؛ لأنهم عبدوه من دون الله، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
ومن كان يعبد عيسى نفس الأمر، ويبقى بقايا من أهل الكتاب، والمؤمنون والمنافقون من هذه الأمة، فيأتي الله جل وعلا إلى بقايا من أهل الكتاب فيقول: (من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر عيسى ابن الله.
فيقول: خسئتم أو كذبتم إن الله لم يتخذ ولداً، ثم يلقون في النار) وأيضاً اليهود عندما يقولون هذه المقولة على عزير يلقون في النار.
ثم يأتي الله جل في علاه إلى المؤمنين والمنافقين الذين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فيقول: (من تنتظرون؟)، لمَ لم تكونوا مع الناس؟ فيقولون: تركناهم ونحن أحوج الناس إليهم، والآن نتركهم فقال: (من تنتظرون؟ قالوا: ننتظر ربنا، قال: هل بينكم وبينه علامة؟ قالوا: نعم.
قال: أنا ربكم).
وفي الحديث قال: (فيأتيهم الله على الصورة التي لا يعرفونها).
والشاهد أنه قال: (يأتيهم)، فهذا من المجيء، وسيأتيهم على صورته وهم لا يعرفونها، فيقولون: (نعوذ بالله منك لست بربنا، فيقول: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم.
فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها، ثم يكشف عن ساقه فيخر كل مؤمن كان يسجد صدقاً)، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! (أما المنافق فيرجع ظهره طبقاً)، لا يستطيع أن يسجد فينقلب على قفاه فيخدعه الله كما خادعه في هذه الدنيا.
فالغرض المقصود أنه قال: (يأتيهم) فثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة.
وأيضاً أهل السنة والجماعة أثبتوا لله صفة المجيء.
فإذا قيل: إن أثبتم صفة المجيء فقد شبهتم الخالق بالمخلوق.
قلنا: التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في الصفة، فالله يجيء ومحمد يجيء، لكن مجيء الله ليس كمجيء محمد؛ لأن التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في الصفة، والدليل على ذلك من الواقع المشاهد، فإذا قيل: زيد قد جاء، وجاء قرده معه، فإن مجيء زيد ليس كمجيء القرد.
وإذا قيل: جاء الفيل وجاءت القطة، فمجيء الفيل ليس كمجيء القطة.
فهذا في الواقع المشاهد في المخلوقات مع التساوي في الاسم والتساوي في الصفة والمسمى لا يتساوى.
ولذلك نقول: إن الله يجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته وكرمه وقدرته وبهائه، والمخلوق يجيء مجيئاً يليق بعجزه ونقصه وفقره.
فإن قيل: كيف مجيء الله؟ نقول: المجيء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فنثبت لله مجيئاً يليق بجلاله وكماله بلا كيف؛ لأنا لا نعلم الكيفية.
стр. 39
أثر الإيمان بصفة المجيء الله تعالى
وصفة المجيء صفة كمال وجلال لله، والمرء إذا تدبر علم أنه راحل، وأنه إلى ربه راجع، وأن الله سيجيء يوم القيامة، وتشرق الأرض التي سنحشر عليها بنور ربها، ثم يأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد عندما يشتد الخطب ويدلهم على الناس، وتحيط الكروب بهم من جميع الجوانب، والشمس تدنو من الرءوس قدر شبر أو ميل، وكل امرئ عرقه يصل إلى كعبيه، أو إلى ركبتيه، أو إلى حقويه، أو إلى صدره، بل إن منهم من يلجمه العرق إلجاماً، وقد جاء في الحديث: (ثم يقولون ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا نستشفع بأحد؟ فيذهبون إلى آدم، وإلى إبراهيم وكل يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، حتى يأتون إلى نبي هذه الأمة بأبي هو وأمي، فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش، فيعلمه الله محامد فيثني على الله بها، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع في القضاء فيقضي الله بين عباده أجمعين في آن واحد).
وقد تعجب الصحابي راوي الحديث من قول الرسول: (في آن واحد)، الخلائق من لدن آدم إلى آخر خليقة في آن واحد، فإذا استحضرنا مجيء الله فلابد أن نحرص على عمل الحسنات والطاعات، ولا بد أن نقدم الخيرات، وإن أسأنا نئوب ونتوب إلى الله، ولسان حال كل امرئ منا يقول: وعجلت إليك ربي لترضى، فإن الله يرخي كنفه على عباده، فلا يسمع الآخر كلام الله لهذا الشخص، فيقول الله: (عبدي! ألم تعمل ذنب كذا يم كذا؟)، وكل منا يستحضر ذلك، فمن منا لم يتجرأ على حدود الله؟ ومن منا لم يعص الله جل في علاه؟ ومن منا لم يكذب؟ ومن منا لم يخن؟ ومن منا لم يقع في الفواحش؟ فيقول: (عبدي! ألم تعمل ذنب كذا يوم كذا؟ فيقول: أي ربي نعم.
فيقول: عبدي! تعلم ذنب كذا يوم كذا؟ فيقول: أي ربي نعم.
فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار، فيقول: هذه مهلكتي هذه مهلكتي، فيقول الله تعالى -ونسأل الله أن يقول لنا جميعاً هذا-: عبدي! قد سترتها في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) اللهم! اجعلنا جميعاً كذلك يا رب العالمين! فيجيء الله فيفصل بين العباد.
стр. 40
إثبات صفة الرضا لله تعالى
صفة الرضا صفة ثبوتية أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وأيضاً أجمعت الأمة على هذه الصفة.
أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨].
وقال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
وفي السنة: قال النبي ﷺ كما في سنن الترمذي بسند صحيح: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط)، فالحديث يدل على الصفة بالقرائن الأخرى، أي: فله الرضا من الله.
والحديث الذي هو أصرح من ذلك -وهو نص في المسألة- قوله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها).
وأجمع أهل السنة والجماعة أن الله يتصف بصفة الرضا.
ونحن نثبت هذه الصفة بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، ونثبتها بكيف يعلمه الله جل في علاه، فإن الله يرضى ورضا الله يليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته، وهذا الرضا رضا حقيقي.
стр. 41
أثر الإيمان بصفة الرضا لله تعالى
وإذا علم المرء أن ربه يرضى فإنه سيسارع في مرضاة الله، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] وإذا علم أن ربه يرضى ويسخط فإنه سيتجنب السخط، ويتلمس طريق الرضا، فيأخذ بكل أسباب الرضا.
والأخت المسلمة سترضي زوجها لترضي ربها، وتطيع بعلها لترضي ربها، وتؤدي فرضها لترضي ربها، وتتصدق لترضي ربها، وتصوم لترضي ربها، وتقوم الليل لترضي ربها، وتحسن إلى الأخريات لترضي ربها، ولا تغتاب أحداً، ولا تدخل في النميمة، ولا تعصي ربها؛ لأنها تخشى من سخط الله.
والله إذا رضي كافأ وأثاب، فإذا رضي الله عن عبد أحبه، وينادي في السماء: أن يا جبريل! إني قد رضيت عن فلان وأحببت فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء فيحبوه، ويكتب له القبول في الأرض.
أما أهل البدعة والضلالة من الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: لا رضا، وإن الله لا يرضى، وإن هذه الصفة منفية عن الله فتجدهم لا تشتاق قلوبهم إلى رضا الله جل في علاه، فهم يعيشون حيارى؛ لأنهم نفوا صفة الرضا عن الله.
ثم جاء المتحذلقون الذين قالوا: إنهم هم أهل السنة والجماعة، فقالوا: نثبت الصفة، لكن الرضا معناه: الثواب.
كما حرفوا مجيء الله إلى مجيء أمر الله، فقالوا: لا يجيء الله، وإنما يجيء أمره، وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
أي: وجاء أمر ربك والملك صفاً صفاً كما قالوا.
стр. 42
الرد على من نفى صفة الرضا عن الله
ونرد على هؤلاء بأن نقول لهم: لقد خالفتم ظاهر القرآن، فقد كلمنا الله بما نعلم باللغة العربية، وأنتم خالفتم ظاهر القرآن، وخالفتم ظاهر السنة، وهذا أولاً: قدح في حكمة الله كأنه يكلمنا بما لا نعلم، وثانياً: قدح في رسالة النبي، وقدح في تبيين النبي، وقدح في التبليغ؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧].
وقولهم: أن الرضا ليس بالرضا الحقيقي بل هو الثواب، نرد عليهم بأن نقول لهم: لقد خالفتم ظاهر القرآن، وخالفتم ظاهر السنة، وخالفتم إجماع الأمة.
ونقول: هل أنتم أعلم بالله من الله؟ إذ لو كان هذا هو الثواب لقاله الله تعالى.
ونقول لهم أيضاً: أنتم أثبتم لازم الصفة، فإن الله جل وعلا إذا رضي عن عبد فإنه سيثيبه، فلازم الرضا الثواب، فهذا لازم الصفة، ونحن نوافقكم على إثبات اللازم، نثبت لازم الصفة، ونثبت الصفة أيضاً، وقد أعملنا الأدلة كلها فأثبتنا الصفة أولاً لأن الله أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، ثم أثبتنا لازم الصفة وهو الثواب، هذا هو الرد على الأشاعرة.
стр. 43
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة المحبة والغضب والسخط والكراهة لله تعالى
هناك صفات فعلية ثبتت لله تعالى بالكتاب والسنة وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، منها: صفة المحبة، والغضب، والسخط، والكره، وكلها صفات تليق بالله تعالى، فنثبتها لله تعالى بلا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، بل على الوجه اللائق به سبحانه.
стр. 44
إثبات صفة المحبة لله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل: لمعة الاعتقاد، وقد انتهينا إلى الكلام عن صفات الله جل في علاه، وتكلمنا عن صفة الرضا، ونحن الآن إن شاء الله على موعد مع صفة أخرى من صفات الله جل في علاه: وهي صفة المحبة.
وهذه الصفة هي من الصفات الفعلية التي تتجدد، وضابطها: أنها تتعلق بالأسباب، بمعنى: أن الله جل في علاه يتصف بهذه الصفة أحياناً، ولا يتصف بهذه الصفة أحايين أخرى، فإن الله جل وعلا يحب الناس المؤمنين، ويحب من الناس المخلصين الصادقين، فالله جل وعلا لا يحب كل البشر، بل يحب بعضاً من البشر وهم الذين أتوا بأسباب هذه المحبة.
فهذه الصفة الفعلية ضابطها: أنها تتعلق بالأسباب، وهي تتجدد، بمعنى: إن شاء الله أحب وإن شاء لم يحب، ولا يقولن أحد: إن الله يحب موسى منذ خلق آدم، بل الله يحب موسى حين خلق موسى وبعثه إلى بني إسرائيل، ويحب محمداً حين خلق محمداً وحين بعثه نبياً مرسلاً، فالمحبة تتعلق بالأسباب، وتتعلق بالمشيئة، وهذه الصفة العزيزة الجميلة هي صفة كمال وجلال وبهاء وعظمة لله جل في علاه.
стр. 45
الأدلة على إثبات صفة المحبة
وهذه الصفة ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل السنة.
أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فهذا تصريح من الله جل وعلا إذ قال: (يحبهم) فأثبت لنفسه صفة المحبة.
وقال جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فقال: (يحب التوابين) وفي هذه أيضاً أثبت لنفسه صفة المحبة.
وأما في السنة: فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلا يحبه الله ورسوله)، فأثبت لربه المحبة وقال: (يحبه الله ورسوله) (ويحب الله ورسوله) يعني: وهو أيضاً يحب الله ورسوله.
وأيضاً قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في) أو قال: (في جلالي)، أو كما قال ﷺ ، فـ (حقت محبتي) دلالة بالتصريح على إثبات محبة الله جل في علاه كصفة له سبحانه.
وأيضاً يقول النبي ﷺ : (إذا أحب الله عبداً نادى في السماء) فقال: (أحب الله عبداً) وهذه صفة تثبت لله؛ لأنها أضيفت لله جل في علاه، وقد قلنا سابقاً: إن المضاف لله نوعان: إضافة عين، وإضافة معنى.
وإضافة العين مثل: إضافة الكعبة لله، فهي عين قائمة بذاتها، ومثل عيسى، وناقة الله، وهذه الإضافة هي إضافة تشريف.
وأما إضافة المعنى: فهي مثل قولنا: عزة الله وقدرة الله ومحبة الله، فهذه إضافة معنى، والمعنى ليس عيناً قائمة بذاتها، إذاً: فتكون إضافة صفة لموصوف.
إذاً: هذه الصفة ثابتة لله بالكتاب وبالسنة، وأيضاً أجمع أهل السنة على ثبوت هذه الصفة لله جل في علاه، والعبد الذي اعتقد الاعتقاد الجازم في الله جل في علاه، وتعلم العقيدة السليمة السديدة يتعبد لله بأن يثبت هذه الصفة لله، ويقول: أثبت لله محبة تليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته، ولا تماثل محبته محبة المخلوقين، ولا نكيفها فالكيفية لا نعلمها، وأيضاً: لا نعطلها، أي: نفوض الكيفية لله جل في علاه بلا تعطيل، فلا ننفي الصفة عن الله جل في علاه.
стр. 46
ثمرات الإيمان بصفة المحبة لله
إن العبد إذا علم أن ربه يحب فسيسارع إلى أسباب المحبة عندما يعلم ثواب هذه المحبة، فإن لازم محبة الله للعبد أن يثيبه، فالله إذا أحب التقي أثابه وجعله في جواره، بل جعله مع نبيه ﷺ .
وإن الله جل في علاه قال في الحديث القدسي: (حقت محبتي للمتحابين في)، فينظر المؤمن الأسباب التي تستجلب محبة الله فيسارع فيها.
وليس منا من لا يخطئ، وليس منا من لا يتعدى على حدود الله، وليس منا من لم يتجرأ على الله، بل كل منا يخطئ ليلاً نهاراً، وكل منا يتجرأ على حدود الله، فيعصي أو يغتاب أو يكذب أو ينم، وكل منا يفعل ذلك، لكن خير هؤلاء البشر هم الذين يئوبون ويتوبون إلى الله، والله يحب التوابين، فإذا علم العبد أن استجلاب محبة الله بالتوبة، فإنه لن تمر عليه ليلة ولن تنام عينه إلا وهو يتوب إلى الله جل في علاه من كل صغيرة وكبيرة، ومن كل غفلة، ومن كل عبادة لم يأت بها على الوجه الذي أمر الله به، فيتوب إلى الله ويستحضر في توبته أنه إذا تاب استجلب محبة الله جل في علاه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
وأيضاً فليسأل كل واحد منا نفسه: عندما يتوضأ، أو يغتسل من الجنابة، أو يغتسل للجمعة استحباباً على قول من قال بالاستحباب، هل يستحضر في نفسه أن الله يحب منه ذلك وأن الله جل في علاه يحبه إذا أكثر من التطهر؟ فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فعندما يتطهر الإنسان للصلاة فلا يتوضأ وهو يستحضر نية الصلاة فقط، أو رفع الحدث ليصلي، والأصل عندما يتوضأ أن يبدأ أولاً باستحضار أن الله يحب منه ذلك، فيتطهر محبة لله واستجلاباً لمحبة الله جل في علاه.
وإذا عرفت أن الأسباب التي تستجلب محبة الله لك منها: أن تكون من المحسنين، وأن تكون من المتقين، وأنت تعلم أن مراتب الدين: إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان، فسترتقي من الإسلام إلى الإيمان فتتبع الفرض بالنفل، ثم بعد ذلك تتقن الفرض والنفل، ثم تزيد من النوافل المطلقة حتى ترتقي إلى مرتبة الإحسان، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، فتفوز بمحبة الله.
وأيضاً: إن الله يحب المتحابين في جلاله، فأنت إذا علمت ذلك فستجتهد أن تعمق الأخوة في الله بينك وبين أخيك؛ لتفوز بمحبة الله تعالى لك.
والأخوة نوعان: إخوة عامة، وأخوة خاصة.
أما الأخوة العامة: فهي التي نراها الآن بين أيدينا: الأخ الملتحي يسلم على الأخ الملتحي، والأخت المجلببة تسلم على الأخت المجلببة، تراها في المسجد فتهش وتبش لها، والرجل يفعل ذلك مع أخيه أيضاً، ولعل البعض يخفي في قلبه ما يضر أخاه ولا يعلمه إلا الله جل في علاه، ومع ذلك يسلم عليه ويهش ويبش في وجهه، هذه هي الأخوة العامة: أن يربطك به سلام، أو إذا أرادك في منفعة.
أما الأخوة الخاصة: فأكاد أجزم بأن الأخوة الخاصة قد عزت في هذا الزمان، وهي: أن تقدم أخاك على نفسك، وهذه بعيدة، ومن الأخوة الخاصة: أن تعلم أنك وهو تتسارعان إلى الله فتتنافس معه بعد أن تدله على الخير، ولا تحقد ولا تحسد ولا تكتم فضله عن الناس، بل تنشر فضله بين الناس.
ومن الأخوة الخاصة: أن تتعامل مع أخيك بحيث إنه لو أدخل يده في جبيك فأخذ ما في جيبك لا تسله كم أخذ أو كم ترك، بل ما أخذ أحب إليك مما ترك، وهذه كما قلت: عزيزة جداً في هذا الزمان.
والأخوة الخاصة: هي التي تحرك القلوب وتحرك الأبدان.
والأخوة الخاصة: هي التي يأخذ الأخ بيد أخيه إلى أن يرتقي به إلى الفردوس الأعلى مع النبي ﷺ ، كما كان يفعل أبو بكر، ويفعل عمر، ويفعل عثمان، ويفعل علي، وما زالت تندثر حتى انقطعت في زماننا هذا، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا نأخذ بأسباب المحبة الخاصة.
فالمحبة الخاصة تستجلب محبة الله جل في علاه، والذي يُوجد في قلب الإخوة المؤمنين والصالحين، والأخوات الفضليات اللاتي يسارعن إلى محبة الله الرغبة في استجلاب محبة الله جل في علاه: معرفة ثواب هذه المحبة، فإن العبد إذا أحبه الله فهذا عجيب كل العجب، كما قال ابن القيم ولنعم ما قال، قال كلاماً ينقش على الصدور، ويكتب بماء الذهب، قال: ليس العجب أن يحب العبد ربه؛ فإن السبل كلها متفتحة لمحبة الله، نعمة الله توجد في قلبك محبة الله، وعندما تعرف فضل الله وقوة الله وجبروت الله جل في علاه وجمال الله وبهاء الله وعظمة الله وتعظم هذه المعرفة في قلبك فتحب الله لذلك، فإن ربكم يُحَب لجماله وجلاله وكماله وعظمته وعطائه ومنه وكرمه وقوته وجبروته، فليس من العجب أن يحب العبد ربه، فإن الرب يمتلك القلوب بما يغذي العباد من نعمه التي تنزل عليهم تترى، لكن العجب كل العجب أن يحب الرب العبدَ وهو المخلوق له، وهو المقدور له، وهو الذي يكيفه كيف شاء، وهو الذي إذا أراد له شيئاً قال له كن فيكون، فالرب إذ يحب العبد فهذه منة ليس بعدها منة، فمن الذي يحبه الله جل في علاه؟ ومن الذي سعد وسدد ووفق إلى أن يحبه الله جل في علاه؟ إن الله تعالى إذا أحب الله عبداً أغدق عليه الخير.
стр. 47
من أحبه الله وضع له القبول في الأرض
وكذلك ينادي في السماء جبريل كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: أن يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء -هذا العبد- ثم يوضع له القبول في الأرض).
فالله إذا أحب عبداً حبب فيه جبريل، ثم حبب فيه الملائكة، ثم كتب له القبول في الأرض، وهناك إشكال عظيم لا بد من حله، ألا وهو أن النبي ﷺ كما في الصحيحين يقول: (رأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد)، فأين القبول لهؤلاء الأنبياء؟ فنحن نتفق على أن كل نبي محبوب إلى الله، فإذا قلنا: إن الله جل في علاه يحب أنبياءه، ويحبب الملائكة في الأنبياء، ويكتب لهم القبول، فأين القبول وقد جاء في الحديث أنه رأى النبي وليس معه أحد، والنبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان؟ وأين ما قاله رسول الله: (ثم يوضع له القبول في الأرض)، فيأتي النبي ولا قبول له، إذ ليس معه إلا رجل أو رجلان.
الجواب
أن نقول: هذا القبول في الحديث مقيد بأهل الصلاح، يعني: يكتب له القبول في الأرض عند أهل الصلاح وليس في كل الأرض، وإلا فإن عادل إمام كثير من الناس يحبونه ولكن من الذي يحب عادل إمام هذا؟! الجواب: يحبه الفسقة أشباهه.
إذاً: القبول المذكور في الحديث مقيد بقبول الصالحين المتقين فقط.
فهنيئاً لمن أحبه الله، فإذا رأيت الصالحين يحبونك فهذه إشارة من الله لك أنه قد كتبك ممن يحبهم في السماء، وقد كتب لك القبول عند جبريل، ثم عند الملائكة.
وإذا رأيت الفسقة هم الذين يحبونك والصالحين يبغضونك فاعلم أن هذه إشارة من الله أنك مبغوض عند أهل السماء والعياذ بالله، وأما التقي فهو محبوب لا محالة بين يدي الله وعند الملائكة: (إذا أحب الله عبداً نادى في السماء: أن يا جبريل! إني أحب فلاناً)، يذكره باسمه واسم أبيه، وتخيل عظمة أن يذكرك الله باسمك ويتكلم باسمك: (إني أحب فلاناً).
وهذا الأمر هو الذي أبكى أبا المنذر أبي بن كعب ﵁ وأرضاه فرحاً عندما قرأ النبي ﷺ سورة البينة فقال: (يا أبي! إن الله أمرني أن أقرأ عليك هذه السورة)، انظروا إلى فقه الصحابة الذين يعلمون أن المكانة العظمى حقاً عند الله، وأن المحبة بحق هي ما عند الله جل في علاه: (فقال: يا رسول الله! أمرك ربك أن تقرأ علي هذه السورة؟ قال: أمرني ربي أن أقرأ عليك هذه السورة.
قال: أوسماني باسمي؟!)، انظروا إلى فقه الصحابي الجليل أي: هل الله تكلم باسمي؟! قال: (أوسماني باسمي؟! قال: سماك باسمك) فبكى أبي ﵁ وأرضاه.
يا للشرف! ويا للعظمة! عندما تعلم أن الله يذكرك باسمك.
إن المرأة عندما تعلم أن زوجها يحبها ويتحدث باسمها عند أهله، كم هي الفرحة التي تدخل عليها والسرور! وعندما تعلم أخي الكريم! أن معظماً، أو كبيراً، أو وزيراً، أو أميراً يكون قد أحبك، وقد تحدث باسمك في المجالس كيف ستكون فرحتك، وكيف تكون سعادتك في قلبك؟ فكيف يكون الأمر إذا كان الله رب السماوات والأرض هو الذي أحبك وذكرك باسمك لجبريل وقال: (ني أحبه) ويأمره أن يحبه، ثم يكتب له القبول في الأرض، فهنيئاً للذين أحبهم الله جل في علاه، وهم الذين ساروا على نهجه وعلى دربه وعلى الصراط المستقيم.
стр. 48
ثمرة محبة الله للعبد في الآخرة
إن الذي يستجلب محبة الله جل في علاه له هذه الثمرة العظيمة في الدنيا، أما في الآخرة فهو في جوار ربه جل في علاه، ولو أتم محبة الله بمحبة شرعه، ومحبة رسوله ﷺ فالمرء مع من أحب، وقد قالها أنس معلناً: إني لا أستطيع أن آتي بعبادة كعبادة أبي بكر أو عمر، وإني أحب أبا بكر وعمر، ولا أستطيع أن أضاهي رسول الله في عبادته، ولكني أحب رسول الله، فأنزل الله البشرى العظمى الكبيرة للصحابة إذ قال رسول الله ﷺ : (المرء مع من أحب)، قال أنس: ما سعدنا بحديث كما سعدنا بهذا الحديث، فإني أحب النبي ﷺ ، وأحب أبا بكر وأحب عمر، والنبي ﷺ يقول: (المرء مع من أحب)، فأنت في جوار الله مع من أحببت من رسل الله، ومن صحابة رسول الله ﷺ .
стр. 49
محبة الله للعبد سبب في سداد العبد وتوفيقه
كذلك خذ هذه البشرى في الدنيا قبل الآخرة، فإنك ستكون مسدداً موفقاً منصوراً لا مغلوباً إذا أحبك الله، وذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، انظروا إلى الفضل في الدنيا وفي الآخرة، (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)، وفي رواية أخرى قال: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش)، وهذه الرواية مفسرة لقوله: (كنت سمعه وبصره) فلا حلول ولا اتحاد.
فقوله: (فبي) أي: بتوفيقي وتسديدي ونصرتي، فلا يسمع إلا ما أُحب، ولا يبصر ولا يرى إلا ما أُحب، ولا يتكلم إلا بما أُحب، ويده لا تبطش إلا فيما أُحب.
وهذا قد تحقق في وصف دقيق من عائشة للنبي ﷺ ، عندما قالت: (ما غضب رسول الله ﷺ لنفسه قط ولكن إذا انتهكت محارم الله)، فكان يغضب لله جل في علاه فيسدد من قبل الله.
فأنت أخي الكريم! إذا أردت أن تكون محبوباً لله فاسمع إلى هذه الإشارات التي تبين محبة الله لك، وتجعلك في دعة وسرور، وتجعلك مستبشراً أنك محبوب لدى الله، فلا تفرغ سمعك إلا لما يحب الله، وإذا فرغت بصرك فلا تفرغه إلا لما يحب الله، وإذا فرغت قلبك من ذكر غير الله جل في علاه فأنت محبوب عند الله جل في علاه، موفق مسدد من قبل الله، وحينما تتقرب إلى الله بالفرائض فأنت محبوب، ثم ترتقي إلى منازل المحبة: فالمنزلة الأولى: هي منزلة المحبة، والثانية: هي منزلة المحبوبية، وهذه المنزلة إذا أتبعت الفرائض بالنوافل واجتهدت في النوافل وكررتها وثبت عليها كأنها فرائض بلغت درجة المحبوبية، وهذه الدرجة هي التي إذا بلغها عبد لا ينزل منها أبداً، حتى وإن عصى فإن الله يدركه برحمته فيلهمه التوبة، فيتوب عليه ثم يتوب ثم يرتقي منازل أعلى عند الله جل في علاه، فهنيئاً للمحبين لربهم، ولشرع ربهم، ولرسول ربهم، ولصحابة رسول ربهم ﷺ ، ورضوان الله عليهم أجمعين.
وهذه الصفة نتعبد بها لله جل في علاه، فنسارع فيما يحبه الله، ونثبتها لله دون تحريف ودون تكييف ودون تمثيل.
стр. 50
الرد على المخالفين في إثبات صفة المحبة لله
وهناك قوم لا يتعبدون لله بهذه الصفات، فقد أعمى الله أبصارهم وبصيرتهم عن هذا الحق، فلم يعرفوا طعماً للإيمان بصفات الله جل في علاه.
وإذا قال قائل: إذا قلتم: إن الله يحب، فإن المحبة هي ميل القلب، إذاً: لله قلب يميل.
فنرد عليه بأن نقول له: قولك: إن لربنا قلباً هذا خطأ فادح؛ لأنه لم يرد في الشرع أن لله قلباً، ولكن ورد أن الله يحب ولكنا لا نعرف الكيفية، أما القلب فلم يرد في الشرع فيه إثبات ولا نفي، والقاعدة التي قعدناها في الأسماء والصفات: أن الصفات التي لم يرد فيها نص بإثبات ولا نفي فإننا نتوقف؛ لأننا لو أثبتنا فربما نكون تقولنا على الله بغير علم، وتكون هي منفية عن الله، ولو أننا نفيناها فربما تكون مثبتة لله ونحن لا نعلم، فنتوقف ولا نتكلم فيها، وهذا هو الصحيح الراجح.
ثم نقول: أنت أيها المبتدع الذي شبهت الخالق بالمخلوق إن ربنا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فصفة الله لا تشبه صفة المخلوق.
وأيضاً: نرد بالقاعدة التي ذكرناها سابقاً، وهي: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى، فالله يحب وزيد يحب، وحب الله لا يماثل حب زيد؛ لأن الله جل وعلا يحب وهذه صفة كمال وجلال وبهاء وعظمة، وإن زيداً يحب وهذه صفة تليق بعجزه ونقصه وفقره، أما الله فهذه الصفة تليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه جل في علاه.
وجاء الأشاعرة فقالوا: نحن ننفر من أهل البدعة والضلالة، فالذين ينفون نقول لهم: نحن نثبت، والذين يشبهون نقول لهم: نحن لا نشبه، نحن نقول: إن الله يحب، لكن ليس كما تفهمون، فمعنى قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، أي: يريد أن يثيب التوابين، ففسروا المحبة بالإثابة.
وهؤلاء الأشاعرة ما أكثرهم في زماننا هذا، وما أكثر الذين ينكرون هذه الصفات كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦]، ويقولون: نحن نذب عن أهل السنة والجماعة، ونرد على المعتزلة، نحن نثبت الصفة، لكن ليس كما تفهمون أنتم، بل المحبة هنا بمعنى: إرادة الثواب، فكيف نرد عليهم؟
الجواب
نقول: أنتم خالفتم ظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن يثبت المحبة لله، وخالفتم ظاهر السنة، وخالفتم الإجماع.
وأيضاً: لو قلت بقولكم هذا فهناك لوازم باطلة، وهذه اللوازم الباطلة: أن الله خاطبنا بما لا نعقل، وهذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥].
وأيضاً: من اللوازم الباطلة: أن هذا اتهام صريح للنبي ﷺ أنه لم يتم البلاغ والبيان؛ إذ لو كانت المحبة معناها إرادة الثواب لقال النبي لـ أبي بكر: يا أبا بكر! اعلم أن محبة الله معناها إرادة الثواب، اعلم يا أبا ذر! أن محبة الله إرادة الثواب، اعلم يا أبا هريرة، يا من تنقل عني الحديث! أن المحبة معناها إرادة الثواب، فلما لم يبين هذا علمنا أن هذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً لبينه رسول الله ﷺ .
فالغرض المقصود: أننا نرد عليهم بهذه اللوازم الباطلة ثم نقول: نحن نوافقكم بأن الله جل في علاه إذا أحب عبداً فهذا دليل على أنه أراد أن يثيبه، وأنتم هنا قد فسرتم الصفة بلازمها، ونحن نثبت الصفة ثم نثبت اللازم، فنثبت لله المحبة التي لا تشبه محبة المخلوق، ونثبت لازم الصفة، وهو أن الله إذا أحب محمداً أثابه، وإذا أحب الله المؤمن أثابه وأراد إثابته، وسيكون في جواره ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
стр. 51
إثبات صفة الغضب لله تعالى
الصفة السابعة: صفة الغضب، وصفة الغضب ثابتة لله بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل السنة.
قال الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، أي: الذي قتل مؤمناً متعمداً.
وقال جل في علاه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩].
أيضاً ثبتت صفة الغضب لله في السنة: فقد جاء عن النبي ﷺ : (أنه كان يدعو ويقول: وأعوذ برضاك من سخطك)، فهذا دليل على إثبات هذه الصفة.
ومن السنة أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (إن كتب الله كتاباً فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي)، وفي هذا أيضاً إثبات لهذه الصفة.
ووجه إثبات هذه الصفة لله: أن إضافتها لله جل في علاه إضافة معنى، فهي إضافة صفة لموصوف، وقد ثبتت لله بالكتاب والسنة، ونحن نؤمن بها كما آمنا بصفة الحب لله، وكما آمنا بصفة الرضا نؤمن بصفة الغضب، وهذه الصفة من الصفات الفعلية التي تتجدد وتتعلق بالمشيئة، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ : أن كل نبي كان يقول: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)، فهذا فيه دلالة على أن الله غَضِبَ يوم القيامة، وأن الله يغضب على الكافرين، ويغضب على الفسقة والفجرة، إذاً: فالله قد يغضب ثم يرضى، يغضب على من فعل المعصية، ثم يرضى عنه إذا تاب وأناب وآب إلى ربه جل في علاه.
стр. 52
أثر الإيمان بصفة الغضب لله تعالى
إذاً: هذه صفة فعلية ثبتت لله بالكتاب وبالسنة، فنحن نثبتها لله بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وإن العبد المتعبد لله المعتقد في الله اعتقاداً صحيحاً سديداً يعلم أن ربه يغضب، فيتجنب الأسباب التي تستجلب غضب الله، وإذا وقع في الأسباب التي تستلزم غضب الله فإنه يرجع ويتوب حتى لا يغضب الله عليه.
ومن الأسباب التي تستجلب غضب الله: المعاصي، والشرك والكفر، فالمؤمن ينأى بنفسه عن الشرك والكفر، وينأى بنفسه عن الشرك الأصغر كما ينأى بنفسه عن الشرك الأكبر، وينأى بنفسه عن الكفر الأصغر كما ينأى بنفسه عن الكفر الأكبر، وينأى بنفسه عن المعاصي، فإن الله يغضب على صاحب المعاصي، وينأى بنفسه عن الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ويستجلب غضب الله، فينأى المؤمن عن ذلك كله.
إذاً: فلابد على المرء أن يبعد نفسه عن الأسباب التي تستجلب غضب الله، ومنها: الظلم والمعصية والكفر والشرك والتسخط على أقدار الله، فإن النبي ﷺ بين أن من ابتلاه الله بلاءً فرضي فله الرضا، ومن لم يرض فله السخط وله الغضب، والمؤمن يرضى ببلاء الله جل في علاه حتى يرضى الله عنه.
وعلى المؤمن أن يستجلب رضا الله بعيداً عن غضب الله جل في علاه، وينأى بنفسه عن غضب الله جل في علاه من كل المعاصي، ومن كل الأسباب التي تودي به إلى غضب الله؛ لأن الله إذا غضب على عبد انتقم منه، وإذا انتقم من عبد فإن انتقام المتجبر لا راد له، وإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
وهذه الصفة التي ثبتت لله بالكتاب والسنة نثبتها لله بلا كيف نعلمه، لكن لها كيفية عند الله، وبلا تشبيه، وبلا تمثيل.
والغضب في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فالسؤال عن كيفية الغضب بدعة.
стр. 53
الرد على المخالفين في صفة الغضب
لابد من الرد على كلام المبتدعة الذين يقولون بتأويل هذه الصفة، فيؤولون صفة الغضب بالانتقام، وهم الأشاعرة يقولون: إننا نثبت ولا ننفي ولا نشبه، لكننا نقول: غضب الله معناه: انتقام الله، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧].
فقنول لهم: إنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه فسر الغضب بالانتقام.
ونقول لهم: أنتم بتأويلكم هذا قد خالفتم ظاهر الكتاب، فقد قال الله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣]، ولم يقل: انتقم منه، فخالفتم ظاهر القرآن، وخالفتم أيضاً ظاهر السنة، وخالفتم إجماع الصحابة.
وكذلك نقول: إن لهذا التأويل لوازم باطلة، فأنتم الآن تقدحون في بيان النبي وتبليغه، وهذا لازم لقولكم بتأويل لم يقله رسول الله ﷺ .
ثم إن الله تعالى قد غاير بين الغضب وبين الانتقام في كتابه فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، ومعنى: (فلما آسفونا): أغضبونا، فيكون المعنى: فلما أغضبونا انتقمنا منهم، ثم نقول: الانتقام هو لازم للغضب، فإن الله إذا غضب على عبد انتقم منه، فأنتم أولتم الصفة بلازمها، ونحن نثبت الصفة ونثبت لازم الصفة.
стр. 54
إثبات صفة السخط لله تعالى
صفة السخط لله تعالى هي من الصفات الفعلية التي تتعلق بالمشيئة، وتتجدد وتتعلق بالأسباب، فيتصف الله بها أحياناً ولا يتصف بها أحياناً أخرى.
وصفة السخط ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، فأما في الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨]، ووجه الدلالة أنه أضاف السخط لله جل في علاه.
وأما في السنة: فقد جاء في سنن الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط)، وجاء أيضاً عن معاوية وإن كان الرفع في روايته هذه فيه ضعف: أنه بعث لـ عائشة فطلب منها أن تكتب له فقالت: أما بعد: فأرض الله على سخط الناس يرضى الله عنك ويرضي عنك الناس وتلت هذا الحديث: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، وكل هذه الأدلة معان أضيفت إلى الله إضافة صفة إلى الموصوف.
فنحن نؤمن بصفة السخط، وأنها صفة من صفات الله، وهذه الصفة فعلية فنثبتها بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تكييف.
فالسخط في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
стр. 55
إثبات صفة الكره لله تعالى
ومن صفات الله تعالى: صفة الكره، أو الكراهة لمن يستحقها، وأيضاً هذه صفة من صفات الله الفعلية، فهي تتعلق بالمشيئة وتتجدد، وتتعلق بالأسباب، فإن الله يكره ويمقت العصاة والكفار والفجرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، أي: كره انبعاث المنافقين فخذلهم؛ لأنهم في الصف المسلم يخذلون أهل الإسلام، فقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].
وأيضاً من الأدلة ما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (وكره لكم قيل وقال)، فالكره صفة من صفات الله الفعلية، وهي لا تشبه صفات المخلوقين، وليس الأمر كما قال بعضهم: إن لازم إثبات أن الله يكره أن يكون له قلب يميل لمن أحبه، ويبعد عمن كرهه، فهذا كلام باطل، بل نقول: إن صفة الكره صفة كمال وجلال لله جل في علاه، ثبتت بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل السنة.
أما أهل التعطيل ففسروا صفة الكراهة بالإبعاد، وهذا التفسير باطل؛ لأنه مخالف للكتاب وللسنة ولإجماع أهل السنة.
стр. 56
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة النزول لله
صفات الله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد قرأها الصحابة والتابعون وسمعوها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فآمنوا بها كما جاءت من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، حتى جاء من بعدهم أقوام فحكموا عقولهم في هذه الصفات فأثبتوا منها ما أثبتوا، ونفوا غيرها بلا دليل ولا برهان.
стр. 57
صفة النزول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: صفة النزول هي صفة ثبوتية لله جل وعلا، ثبتت لله بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي صفة فعلية، والنزول في اللغة معلوم، لكن الكيف مجهول، فلا يعلمه إلا الله، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
أما الأدلة من الكتاب فقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فهذه تدل على نزول، وهذا من باب الاستنباط، لأن الحساب سيكون على أرض غير الأرض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فيأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد.
والدليل الصريح في النزول حديث الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا ثلث الليل الآخر).
وفي رواية: (ثلث الليل الأول)، وفي رواية: (إلى الفجر)، والغرض المقصود أنه صرح فقال: (ينزل ربنا).
فهذه الصفة مضافة إلى الله إضافة معنى وليست إضافة عين.
والمضاف له نوعان: عين ومعنى، فهذه إضافة معنى لله جل في علاه، فينزل ربنا ثلث الليل الآخر.
стр. 58
أنواع النزول
النزول أنواع: نزول عام، ونزول خاص.
فالنزول العام هو: نزول الله جل في علاه كل ليلة.
وهذا نزول يعم أهل الإيمان والصلاة، وأهل الكفر والعصيان والفسق والفجور، فيعم كل الخليقة.
والنزول الثاني نزول خاص: وهو أنواع، فمنها: نزول خاص بالحجيج فقط.
كما جاء في الحديث الصحيح لغيره عن النبي ﷺ قال: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي الملائكة بأهل الموقف، فيقول: انظروا إلى هؤلاء جاءوني شعثاً غبراً فأشهدكم أني قد غفرت لهم).
فهذا نزول خاص يختص بالحجيج، فهنيئاً لمن كتب الله له أن يكون على الموقف في عرفة، فإن الله ينزل خصيصاً لهؤلاء، فينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله وجماله، فيباهي الملائكة بهؤلاء الحجيج.
ومنها نزول خاص في ليلة النصف من شعبان، وهذا أعم من الأول مع أنه نزول خاص؛ لأن الأول يختص بالحجيج، أما ليلة النصف من شعبان فيعم المسلمين الفاجر منهم والمصدق إلا المشرك والمشاحن، فالله ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل أحد، إلا الكافر والمشاحن، أي: الذي يحمل ضغائن في قلبه.
وهذا فيه دلالة على أن المرء الذي في قلبه حقد على أخيه مبغوض عند الله جل في علاه، ومطرود من رحمة الله جل في علاه، ولا غرو في ذلك.
وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (ترفع الأعمال يوم الإثنين والخميس، فينظر في الصحائف فيقول: انظرا هذين حتى يصطلحا)، فلا تقبل الصحائف وإن كان فيها الصيام والقيام والصدقة والجهاد، لكن إن كان في القلب شيء من الدغل لأخيه فإن هذه الصحائف لا تقبل عند الله جل في علاه.
فنقاء القلب يرتفع به المرء، ودغل القلب ينخفض به المرء، وكفانا قول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
وقول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وأما النزول العام فقد جاء في الحديث (ينزل ربنا ثلث الليل الأول)، كما جاء عن أبي هريرة وجاء في الرواية الأخرى: (ينزل ثلث الليل الآخر).
وجاءت الآيات والأحاديث تثبت شهود قراءة الفجر، فقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
وطرق الجمع بين هذه الروايات التي تبدو كأنها مختلفة متعارضة أن نقول: إن الله ينزل ثلث الليل الأول، وثلث الليل الآخر يكون قد نزل جل في علاه، أو نازلاً في السماء، وينزل في الفجر يشهد الفجر.
стр. 59
نزول الله إلى السماء الدنيا لا يستلزم خلو العرش منه ولا يستلزم أن تقله السماوات أو تظله
إذا نزل الله جل في علاه إلى السماء الدنيا فإنها لا تقله، ولا تظله السماء الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وإنما ينزل الله، والسماء لا تقله ولا تظله، بل السماء أحوج ما تكون لربها جل في علاه، فهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
وإذا نزل فهل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟ في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش.
القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش.
القول الثالث: التوقف.
والصحيح الراجح: أن نقول بالتوقف.
وإن كان وجهة نظر من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش -وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية - قول قوي جداً؛ لأنه جمع بين الآيات والأحاديث، فقال: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فقد علمنا أن الله استوى إلى يوم القيامة فهو مستو على عرشه ، وقال النبي: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا).
فنعمل الدليلين: إن الله استوى على العرش، ونقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يخلو منه العرش، ولكن الأسلم والأحوط لنا أن نتوقف ونقول: إن ربنا استوى على العرش، وإن ربنا ينزل.
ونتوقف عن القول هل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟ لأن الدليل لم يأت بذلك، وهذا الكلام لم يأت به السلف، فنسكت عنه ونكف، فهذا أفضل لنا.
стр. 60
الحث على اغتنام أوقات نزول الله تعالى
إذا اعتقد المرء بنزول ربه جل في علاه فعليه أن يتلمس هذه الأوقات الفاضلة التي ينزل فيها ربه؛ لأنها أوقات استجابة الدعاء.
فمن كان له حاجة عند ربه فليتذلل له في هذه الأوقات اللطيفة العظيمة المقدسة، التي ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا؛ لأنه (ينزل فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟).
وفي رواية في السنن بسند صحيح قال: (هل من مستشف فأشفيه؟).
فالمريض عليه بالسحر، والمحتاج عليه بالسحر، والذي يريد الرفعة عليه بالسحر.
فإن الله ينزل ويستجيب الدعاء، فيتعبد العبد لله بهذه الصفة الجليلة، ويتلمس وقت نزول الله فيتعبد لله، إما قائماً لله ليلاً، وإما ذاكراً تالياً للقرآن، وإما عابداً متنسكاً متذللاً متضرعاً خاضعاً متمسكناً داعياً راجياً ربه.
وإن الله حيي كريم يستحيي أن يرفع العبد يده إليه فيردهما خائبتين، سبحانه جل في علاه.
стр. 61
موقف أهل البدع من صفة النزول والرد عليهم
أهل البدعة والضلالة ما تركونا نهنأ بهذه الصفة، ولا ندري كيف أن حلاوة الإيمان وبشاشته تدخل إلى هذه القلوب الخربة التي أولت صفات ربنا وحرفتها.
فقالوا: معنى: (ينزل ربنا)، أي: ينزل أمر ربنا، وتنزل رحمة ربنا.
وعندنا أدلة بذلك كثيرة.
منها: أن الله خلق مائة رحمة، فأنزل واحدة من هذه الرحمات، فينزل ربنا يعني: تنزل رحمة ربنا، أو ينزل أمر ربنا، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١].
ونقول لهم: خالفتم ظاهر الكتاب، وخالفتم ظاهر السنة، وخالفتم إجماع الصحابة.
وكفى بهذه المخالفات تضييع لكم.
والدين هو ما جاء به الرسول وجاء به الصحابة رضوان الله عليهم.
ثانياً: إذا خالفتم النص النبوي فقد اتهمتم رسول الله بالتقصير في البيان، والله قد أمره بالتبيين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فلو كان النزول نزول الرحمة، أو نزول الأمر، ولم يبين النبي فقد قصر في البلاغ، وقصر في النصح للأمة، وهو أنصح الأمة للأمة ﷺ بأبي هو وأمي.
ثالثاً: إن تأويل النزول بأنه نزول الرحمة هذا لازم لصفة نزول الله جل في علاه، فنحن نثبت النزول، ونثبت الرحمة؛ لأن لازم نزول الله أنه سيرحم، كما في حديث النزول أنه يقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستشف فأشفيه؟)، إذاً: فلازم نزول الله جل في علاه أنه يلزم من ذلك رحمات الله.
رابعاً: إن تنزلنا معكم وقلنا بقولكم فإنه ينتج لنا لوازم باطلة، منها: إن رحمة الله ستقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).
ونحن ليس عندنا صكوك غفران، والذي يعفو ويمنح ويعطي ويشفي ويمرض هو الله، وليس الرحمة أو الأمر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
هذا على التفصيل.
ومن الإجمال قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].
стр. 62
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة العجب والضحك لله
من صفات الله الثابتة: العجب والضحك، وقد أثبتها لله سبحانه أهل السنة بلا تحريف ولا تعطيل، وبلا تكييف ولا تمثيل، ولم يثبتها أهل البدع، بل حرفوها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد رد عليهم علماء أهل السنة، وبينوا بطلان ما ذهبوا إليه.
стр. 63
صفة العجب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: العجب صفة من صفات الله جل في علاه، ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة، وهي صفة ثبوتية فعلية.
فأما الأدلة من الكتاب فقول الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، وهذه قراءة متواترة، والقراءة الأخرى ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، فعلى الأولى يكون الله جل في علاه هو الذي عجب.
وأما الأدلة من السنة فقوله ﷺ : (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)، وهذا حديث ضعيف.
ولكن جاء في صحيح البخاري حديث الضيف الذي جاء النبي ﷺ فنزل على رجل وامرأته ليس عندهما طعام، فقال فيه: (عجب ربكم من صنيعكما مع ضيفكما).
فهذا تصريح لعجب الله .
وفي بعض الروايات: (عجب ربك من عباده يقنطون)، أو (يضحك ربك).
стр. 64
أنواع العجب
العجب نوعان: عجب للذهول عن السبب، يعني: يعجب الإنسان من أمر لا يعرف أسبابه، فيعجب له، وهذا العجب ناشئ عن جهل.
والنوع الثاني من العجب: عجب ينشأ عن تمام علم، لخروج الشيء عن نظيره.
مثل رجل يعيش في أرض كل أهلها ليس عندهم همة، وهذا الرجل ليل نهار إما يذاكر أو يطلب العلم أو يجتهد في العبادة أو يتصدق، فهذا يعجب الله منه، لأنه قد خرج عن نظرائه.
فالنوع الأول: يستحيل على الله؛ لأن الله يعلم كل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
стр. 65
إثبات صفة الضحك لله تعالى
الضحك صفة من صفات الله جل في علاه، وهي من الصفات الثبوتية الفعلية التي ثبتت لله بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
ثبتت في الكتاب لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
أما في السنة فقد جاءت هذه الصفة تصريحاً من النبي ﷺ بأنه وصف ربه بالضحك، حيث ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) وهذا فيه دلالة واضحة على أن الله يضحك؛ لأنه أضاف الفعل لله جل في علاه، فالله يضحك، ولكن لا يضحك الله كضحك المخلوق، وضحك الله صفة ثابتة له تليق بجلاله وكماله سبحانه، وضحكه سبحانه غير ضحك المخلوق؛ لأن المخلوق إذا ضحك تعجب، أو ضحك من أسباب يجهلها.
أما الله جل في علاه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهو يضحك بكيفية يعلمها الله، فنحن نفوض علم الكيفية لله جل في علاه، فإذا سألك سائل وقال: تؤمن وتعتقد بأن ربك يضحك؟ تقول: نعم، أؤمن وأعتقد في قلبي اعتقاداً جازماً بأن ربي يضحك، وضحك الله جل في علاه يليق بجلاله.
فالضحك في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، وهذا هو الإيمان الصحيح الذي آمن به صحابة رسول الله ﷺ .
فإذا علم العبد أن الله يضحك فإنه لا بد أن يعتقد اعتقاداً جازماً بلوازم هذا الضحك، فإن الله جل في علاه يضحك للبشر، وإذا ضحك الله لعبد من عباده فقد أراد له الخير؛ لأنك إذا رأيت عبداً من عباد الله يضحك لك في وجهك إذا كلمته، أو إذا طلبت منه شيئاً فضحك لك؛ فأنت ستستبشر خيراً بأن مطلوبك سيتحقق، فما بالكم بالله جل في علاه؟ والقياس بين الله وبين عباده ثلاثة أنواع: قياس علة، وقياس شبه، وقياس جلي، وكل هذه القياسات باطلة بين الله وبين المخلوق إلا القياس الأول: قياس علة، فكل كمال يوصف به العبد فالله أولى به وأكمل جل في علاه.
والغرض المقصود: أن صفة الكمال هي لله جل في علاه، فقولنا: إذا كان البشر يضحكون فإنه إذا ضحك لي شخص فإني أستبشر خيراً من ضحكه، فمن باب أولى أن نستبشر بضحك الله جل في علاه، ففي الحديث: أنَّ رجلاً كافراً قاتل رجلاً مسلماً فقتله، فالمقتول شهيد، وقد كتب الله الجنة للشهيد، وقد ضحك الله إلى هذين الرجلين؛ لأن الرجل الذي قتل دخل الجنة، والقاتل نفسه أسلم بعدها، فقاتل فقتل في سبيل الله جل في علاه.
فإذا ضحك الله فإن المرء يدخل الجنة بضحك الله وإثابته لعبده؛ ولذلك فإنه يتسامح في تراجم الأسانيد؛ ولذلك ورد في حديث الرجل الذي يدخل بين الصفين أن رجلاً قام فقال: (يا رسول الله! يضحك ربنا؟! قال: يضحك ربنا، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك، قال: ما الذي يضحك الرب؟ قال: أن تدخل وتخلع لأمتك وتدخل بين الصفين تقاتل حتى تقتل مقبلاً غير مدبر) فدخل الرجل وهو يعتقد: أن ربه يضحك، وإذا أضحك هذا الرجل ربه فإن الرجل إثابته عند الله تكون عظيمة، فإذا اعتقد المرء بأن ربه يضحك فإنه سيأخذ بأسباب ضحك الله، وأسباب ضحك الله جل في علاه هي الطاعة المنقادة والجهاد في سبيل الله، وهي التقدم نحو أعداء الله بشجاعة وبسالة دون تراخ ودون تقاعس، فهذا هو الذي يثيب المرء، بتقدمه لله جل في علاه، فيضحك الله من فعله فيثيبه بالجنات.
стр. 66
تأويل أهل البدع لصفة ضحك الله تعالى والرد عليهم
أهل البدع لم يعتقدوا بصفة الضحك، فالمعطلة عطلوا هذه الصفة، أما المحرفة وهم الأشاعرة فقد حرفوا هذه الصفة، وقالوا: إذا قلنا بأن الله يضحك فقد شبهنا الخالق بالمخلوق، والله جل في علاه يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنقول: لا يضحك، بل الضحك هنا بمعنى: الثواب، أو بمعنى: إرادة الثواب، والأشاعرة القائلون بهذا القول هم كثير، ومخطئ من ظن أن الأشاعرة اندثروا بل هم كثيرون والرد عليهم كما يلي: الرد الأول: أن نقول: خالفتم ظاهر الكتاب، وخالفتم ظاهر السنة، وخالفتم إجماع الصحابة، حيث إنكم أثبتم لازم الصفة، فمن لوازم الضحك أن الله إذا ضحك إلى العبد فهو يريد إثابة هذا العبد، ونحن نثبت اللازم مع إثباتنا الصفة أولاً، وبذلك نثبت الصفة ونثبت لازم الصفة.
الرد الثاني: أنكم تتهمون النبي ﷺ بعدم التبليغ.
الرد الثالث: أن نقول لهم: أنتم أثبتم الحياة لله، وللعبد حياة، وحياة الله كما هو مسلَّم ليست كحياة العبد، بل حياة الله حياة تليق بجلاله وكماله، فما الفارق؟ فنرجع إلى قاعدة قعدناها وهي: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وكما قلتم في صفة الحياة فقولوا كذلك في صفة الضحك، فإن الله يضحك لا كضحك البشر، ولله حياة لا كحياة البشر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 67
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الاستواء والعلو لله
الاستواء والعلو صفتان ثابتتان لله في الكتاب والسنة والإجماع، والاستواء صفة ثبوتية فعلية، وصفة العلو المطلق صفة ذاتية، وقد أول المبتدعة هاتين الصفتين، ولكن الرد عليهم ظاهر من الكتاب والسنة.
стр. 68
إثبات صفة الاستواء على العرش
صفة الاستواء على العرش لله الصحيح فيها أنها صفة ثبوتية فعلية، وصفة العلو المطلق صفة ذاتية، لكن صفة الاستواء علو مقيد متعلق بالعرش، فهذه صفة فعلية، ومعنى الاستواء: العلو والاستقرار، كأن تقول مثلاً: محمد استوى على الكرسي، أي: علا واستقر، وليس معناه: جلس؛ لأن هذا لا يقال أبداً في حق الله، فعندما نقول: الله استوى على العرش، يعني: علا واستقر لا علا وجلس كما جاء في بعض الآثار الموضوعة التي لا تصح، والصحيح الراجح: أنه علا واستقر كما قال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] أي: استقرت، فالاستواء هنا معناه: العلو والاستقرار.
وهذه الصفة ثبتت لله بالكتاب وأيضاً بالسنة وبالإجماع: أما بالكتاب ففي أكثر من موضع، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال جل في علاه: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] والآيات في ذلك كثيرة تبين أن الله جل وعلا قد استوى على عرشه.
وأما في السنة فالحديث الذي في الصحيحين: (أن الله -جل وعلا- كتب كتاباً هو عنده فوق العرش) فأثبت العرش، وأيضاً حديث ابن مسعود حيث قال: (ما بين السماوات والأرض مسيرة كذا وكذا) وكذلك بين كل سماء وأخرى نفس المسيرة، ثم قال: (وما بين السماء السابعة والكرسي ماء، والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه) وهذا هو قول ابن مسعود، وحكمه حديثياً الرفع؛ لأن هذا الأمر لا يدخله الاجتهاد، إذاً: لا بد أن يكون قد سمعه من النبي ﷺ فحكمه حكم الرفع، والكلام على أسانيده يجعل الحديث صحيحاً، وفيه قال: (فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه) وهو تصريح من السنة.
وأما في الإجماع: فقد أجمع أهل السنة والجماعة: على أن الله جل في علاه خلق العرش، واستوى عليه، فازداد العرش تشريفاً وتعظيماً، والعرش أحوج ما يكون إلى الله، فلا يضل امرؤ في هذه المسألة فيقول: إذا كان الله استوى على العرش فهو يحتاج إلى العرش، كما قال أهل البدعة حاشا لله، بل نقول: الله استوى على العرش، وهي صفة من صفاته تدل على كماله جل في علاه، لكن العرش يحتاج إلى الله لا أن الله جل وعلا يحتاج إلى العرش.
إن الله استوى على العرش، وهذا الاستواء دلالة على كماله وقوته وعظمته جل في علاه، والعبد إذا علم أن ربه قد استوى على العرش، وأنه يعلم ما هو عليه من صغيرة أو كبيرة أو دقيق أو جليل، خشي ربه وتعبد وسارع بالخيرات، وإذا خلا يوماً من الدهر لم يقل: خلوت، ولكن قال: علي رقيب؛ لأنه يعلم أن الله فوق العرش.
وإذا علم أن الله جل في علاه وهو فوق عرشه يدبر أمر خلقه؛ مال قلبه لربه جل في علاه، واطمأن لتدبير الله جل في علاه.
стр. 69
تأويل أهل البدع لصفة استواء الله على العرش والرد عليهم
إن أهل البدع خالفوا أهل السنة والجماعة في هذه الصفة الجليلة العظيمة، فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: إن الله لم يستو على العرش؛ لأنه لو استوى فقد احتاج إلى العرش، وكل شيء يحتاج إلى العرش، ولو استوى حقيقة يكون قد جلس كما يجلس المرء والعياذ بالله، وهذا فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، فإذا قلنا: إذا قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فما المراد من هذا القول؟ قالوا: مراد الله من هذا القول: الرحمن على العرش استولى، لا استوى، قالوا: وعندنا من اللغة ما يعضد ما نقول، وهو قول الشاعر: استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق أي: ما أهريق دم في أخذه للعراق، قالوا: استوى بشر على العراق من غير سيف يعني: استولى، فقالوا: هذه لغة تدل على أن استوى بمعنى: استولى، واللغة هي لغة العرب، والقرآن نزل بها، إذاً: ليس المراد استوى؛ لأننا لو أثبتنا لله الاستواء لشبهنا الخالق بالمخلوق، وأيضاً: لنا لازم باطل في هذا التشبيه حيث إننا لو أثبتنا هذه الصفة لله فإن الله يحتاج إلى العرش، والله لا يحتاج إلى أحد بل كل الخلق يحتاجون إليه.
نقول: إذا قال قائل: ما الاسم الذي يدل على أن كل الخلق يحتاجون لله جل في علاه؟ ف
الجواب
الصمد، أي: يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، وبذلك يكون الرد على أهل البدعة والضلالة كالأشاعرة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء كالتالي: نقول: إنكم خالفتم ظاهر الكتاب؛ لأن الله قال: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وأنتم قلتم: استولى، أأنتم أعلم أم الله؟ وخالفتم ظاهر السنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (والله فوق العرش ويعلم ما نحن عليه) وكأنكم تدعون أنكم أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، وهذا كذب وزور، وخالفتم بذلك إجماع أهل السنة والجماعة.
وكذلك نقول: هناك لوازم باطلة لو قلنا بقولكم، فلو قلنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: استولى يلزم من ذلك أن هناك من هو أقوى من الله قد استولى على العرش ثم حدث الصراع والعراك ثم بعد ذلك استرد ملكه والعياذ بالله، وهذا من أكفر الكفر، فإن الله مالك كل شيء ورب كل شيء، وإذا أراد شيئاً ﴿قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فمعنى قولكم: استوى أي: استولى، كأنه أخذ منه، وفي هذا دلالة على الضعف، وفيه قدح في الربوبية، إذ من لوازم الربوبية أن الله القادر القاهر فوق عباده، فأنتم هكذا قدحتم في ربوبية الله جل في علاه.
أيضاً من اللوازم الباطلة أنكم إذا قلتم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: أنه استولى، معنى ذلك: أن الله يحدث عباده بما لا يفقهون، هو يقول: استوى، وأنتم تقولون: لا، استولى، وكأن الله يخاطبنا بما لا نعقل، وكأن ظاهر القرآن كفر حاشا لله من ذلك، فإن الله قال عن القرآن أنه أنزله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] فهو يخاطبنا بما نعلم فهذا لازم باطل من اللوازم الباطلة أيضاً.
وكذلك نقول: إذا خصمناكم بهذه اللوازم فلا بد علينا أن نرد هذه الشبه التي أتيتم بها، فقد قلتم: عندنا من اللغة ما يثبت أن استوى بمعنى: استولى، واحتججتم ببيت شعري، فنقول لكم: أولاً: القاعدة عند العلماء: أنَّ المعنى إذا تردد بين أن يكون شرعياً أو أن يكون لغوياً فإننا نقدم الشرع على اللغة، أي: إذا تردد المعنى بأن كان بوضع الشرع له معنى، وفي وضع اللغة له معنى آخر، فنحن نقدم وضع الشرع والدلالة على ذلك، نظير ذلك في الشرع قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] والصلاة في اللغة معناها: الدعاء، ومعنى ذلك: أن الله يأمر كل إنسان أن يقف، أو يجلس، أو ينام، أو يقوم على أنه يدعو الله جل في علاه، وليس ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] معناها: تدعو الله جل في علاه، بل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] تعني: الخمس الصلوات التي بينها رسول الله، فالصلاة معناها في الشرع: هذه الألفاظ المخصوصة والحركات المخصوصة في أوقات مخصوصة، وإن كانت في اللغة معناها: الدعاء، فإذا تردد المعنى بين الأمرين فإنا نأخذ بالشرع، وهنا تردد الأمر في الشرع بالاستواء وبين الاستيلاء فنقدم الاستواء وهو العلو والاستقرار.
ثانياً: نقول لكم: هذا البيت ليس بيتاً عربياً، وليس هذا الكلام من كلام أهل اللغة، بل هو بيت لشاعر نصراني ليس من العرب، فهذا البيت أيضاً ليس من لغة العرب.
ثالثاً: نقول: عند علماء اللغة قاعدة لغوية تقول: الأصل بقاء اللفظ على ظاهره ما لم تأتِ قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، بمعنى: إذا قال النبي ﷺ مثلاً: صلِّ فأنت ستقول: أصلي يعني: أقوم فأصلي على الأقل ركعتين أو ركعة الوتر، أما إذا جاءت قرينة بمعنى: صلِّ للدعاء فسأصرفه من الوضع الشرعي إلى الوضع اللغوي.
مثال ذلك: حديث النبي ﷺ عندما كان صائماً ودعي لطعام، فقال: (من دعي إلى طعام فليأكل وإلا فليصل) فليصل هنا بمعنى: فليدع للذي دعاه للطعام، فالقرينة صرفت الظاهر من الوضع الشرعي إلى الوضع اللغوي.
فنقول: استوى بشر على العراق الأصل فيها علا واستقر لكن البيت يصح تأويله بالسياق؛ لأن القاعدة عند اللغويين أيضاً أن السياق والسباق واللحاق من المفسرات، فالسياق في قول الشاعر: استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق فقوله: (من غير سيف) مفسر لقوله: استوى، بمعنى: أنه استولى من غير أن يعمل فيهم القتل، فأصبحت القرينة في نفس البيت أن استوى بمعنى: استولى؛ لأنه ذكر السيف، وذكر عدم إراقة الدماء، فهذه قرينة تثبت أن المقصود: هو الاستيلاء وليس العلو والاستقرار، فأين هذه القرينة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ أين القرينة التي تصرفه؟ ليس ثمة قرينة، فإن لم يكن هناك قرينة فلا بد أن يبقى اللفظ على ظاهره، وهو أنَّ: (استوى) يعني: علا واستقر، فهذا معنى الاستواء.
стр. 70
إثبات صفة العلو
إنَّ الاستواء يتعلق بالعلو؛ لأن العلو علوان: علو مطلق، وعلو مقيد.
فالعلو المقيد: هو الاستواء على العرش؛ لأنه مقيد بالعرش، أما العلو المطلق: فهو علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر، فإن الله جل وعلا له صفة ذات وهي العلو، فالله جل وعلا علوه علو شأن أي: علو عظمة وبهاء وكمال وقوة وقدرة وعزة، وعلو قهر أي: هو القاهر فوق عباده، كل الخلق مقهورون ومربوبون لله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤]، فهذا خضوع في النهاية، وأيضاً خضوع الربوبية في كل العباد، وكذلك كل العباد لا يستطيعون رد قضاء الله وقدره جل في علاه، فإنه لو أمرض الكافر، أو أراد موت الكافر، نفذ أمره جل في علاه، وهذا من باب علو القهر على عباده جل في علاه.
إذاً: الله جل في علاه له علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر.
إن علو الله له أدلة كثيرة منها: التصريح بالفوقية، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨].
وكذا التصريح بالعندية، قال رسول الله ﷺ : (كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش) وهذا دل على العلو.
والنزول أيضاً يدل على العلو، كما في حديث النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا ثلث الليل الآخر) وهذا فيه دلالة على العلو؛ لأن النزول لا يكون إلا من علو.
وأيضاً: العروج والصعود يدلان على العلو؛ لأن الصعود لا يكون إلا إلى أعلى، قال الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] وفي الآية الأخرى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] وأيضاً في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لله ملائكة تكتب أعمال العباد يتقابلون في الفجر وفي العصر ويصعدون إلى الله بأعمال العباد) وأيضاً في الصحيحين: أن مجالس العلم تحفها الملائكة، فيصعدون بأسماء هؤلاء فيقال: هذا الرجل جاء لحاجة فيقول الله: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، والغرض المقصود: أنَّ يعرجون معناها: يصعدون، والصعود يكون إلى أعلى.
أيضاً من دلالات العلو: الإشارة إلى أعلى؛ لأن النبي ﷺ عندما خطب فيهم خطبة الوداع قال: (اللهم هل بلغت؟) فكان النبي ﷺ يشير بإصبعه إلى أعلى ويقول: (اللهم فاشهد) أي يقول: اللهم إنك أنت في السماء فاشهد على من يقول في الأرض هذا الكلام، فيشير بإصبعه ويقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، وينكسها عليهم.
أيضاً حديث معاوية في مسلم: (أنه صفع الجارية بعدما أكل الذئب إحدى غنمها -صفعها على وجهها-، فقال: يا رسول الله! أعتقها؟ فقال له: ائتني بها، فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة) ووجه الدلالة من هذا الحديث قوله ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء، قال النبي ﷺ : من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة) والفاء هنا تدل على العلية، ففي هذا الحديث استدل النبي ﷺ على إيمان هذه الجارية -وعمرها نحو تسع سنوات- بقولها: (الله في السماء) ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ ربط إيمانها بهذا الاعتقاد الصحيح، كأنه يقول لها: قد اعتقدت اعتقاداً صحيحاً دل ذلك على إيمانك، اعتقدت أن ربك في السماء فدل ذلك على إيمانك.
وأيضاً قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧] فقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فيه دلالة واضحة على أن الله في السماء.
فإذا سأل سائل: هل (في السماء) معناها: أن السماء تظله وتقله؟
الجواب
لا وحاشا لله، فإن الله أحاط بكل شيء ولا شيء يحيط به جل في علاه، فمعنى: في السماء على السماء.
ولكن بعض أهل اللغة يرفضون أن الحروف يستعير بعضها من بعض المعنى، والصحيح الراجح: أنه ينتقل المعنى، فقد تكون في بمعنى: على، وعلى تكون بمعنى: في، وهذا واقع مشاهد حتى في كتاب الله، فقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من على السماء، ففي هنا بمعنى: على، والدلالة على ذلك قول الله تعالى عندما بين منته على عباده أنه جعل لهم الأرض ذلولاً، فقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] فليس هناك أحد حفر في الأرض ومشى فيها، فقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] يعني: امشوا على مناكبها.
وأيضاً عندما قال فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ما ورد تاريخياً أنه أخذ المنشار ثم أدخلهم داخل النخل، لكن هو صلبهم على النخل، وهذا فيه دلالة على أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: على السماء، وكثير من نسائنا تأخذ الطفل فتقول له: ربك أين؟ فيقول: ربي في السماء، فلا تعلمه أنَّ (في السماء) معناها: ربي على السماء؛ لأن ذلك معتاد عليه، فتقول له: قل: ربي فوق العرش، أو فوق السماء، أو ربي على العرش، أو على السماء.
إنَّ هذه الصفة صفة العلو لا بد للإنسان أن يعتقدها اعتقاداً جازماً، ويعلم أن ربه جل في علاه له علو العظمة والبهاء والقدرة والعزة والجبروت، فهو إن اعتقد ذلك فلن يخشى أحداً في الله، ولن يخشى لومة لائم في الله جل في علاه، ولن يخشى أحداً في هذه الدنيا إلا ربه جل في علاه؛ لأن الله قهر عباده، فهو له علو القهر، وأنه مهما اجتمع عليه القوم فلن يضروه بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وإذا اعتقد أيضاً علو الله جل في علاه على عرشه فإن همته ستعلو؛ لأن الله يكره خفيف الهمة، ويحب عالي الهمة، ومعلوم دائماً أنَّ معالي الأمور ترفع صاحبها عند الله جل في علاه، أما الرجل الذي يقول: أنا فقط أريد أن أكون كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ [آل عمران:١٨٥] فهذا من الممكن أن ينزل فيها؛ لأنه إذا قال: فقط أريد: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ [آل عمران:١٨٥] فيعمل على الزحزحة، فإنه لن يصل إلى الزحزحة، فلابد دائماً أنك إذا أردت الخير أن تعلو ببصرك حتى تنال ما تريد، والمثل يقول: إذا أردت أن تصل للمئذنة فانظر إلى السماء حتى تصل إلى المئذنة فقط.
فالصحيح: أنك إذا علمت بأن الله جل وعلا من صفاته: صفة العلو علت همتك وقلت: لم لا أكون صديقاً؟ فتدعو الله أن تكون صديقاً، ولكن لا يجوز التعدي في الدعاء، فلا يصح للإنسان أن يقول: يا رب اجعلني نبياً؟ وقد نهى الله عن التعدي في الدعاء؛ لأنَّ النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، وليس هناك نبي بعده، فأنت حين تطلب النبوة كأنك تعارض بدعائك القدر الذي قد كتبه الله أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ، والدليل على أن هذا تعدٍّ في الدعاء قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] فالتعدي: أن تتعدى في أمر قدراً أو شرعاً؛ لأن التعدي تعدي قدري أو شرعي.
فالتعدي قدراً: أن تدعو بأمر قد نفذ قدراً وهو أن تقول: اللهم اجعلني نبياً، وهذا قد ختم في اللوح المحفوظ أنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ .
والتعدي الشرعي: أن تدعو مثلاً بقطيعة رحم أو إثم، وهذا اسمه تعدٍّ شرعي، فالذي لا يستجاب دعاؤه الذي يتعدى قدراً وليس الذي يتعدى شرعاً.
والمهم أنَّ الغرض المقصود: أنه إذا علت همتك دون التعدي فإن الله يحب منك ذلك، لم لا تدعو أن تكون صديقاً؟ لم لا تدعو أن تكون في مصاف أبي بكر وعمر وعثمان؟ لم لا تدعو أن تكون أعلم أهل الأرض؟ لم لا تدعو أن تكون أفضل أهل الأرض عند الله جل في علاه؟ ادع بذلك، فإنك إذا علمت أن العلو صفة من صفات ربك فليكن في قلبك صفة العلو.
стр. 71
تأويل أهل البدع لصفة العلو لله والرد عليهم
أهل البدعة والضلالة أيضاً عطلوا هذه الصفة العظيمة الجليلة وقالوا: لا يتصف الله بالعلو، قلنا: لم تنكرون علينا ذلك وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قالوا: عندنا من الكتاب من الأثر والنظر ما يدل على أن العلو هنا ليس مقصوداً، قلنا: ما هو؟ قالوا: قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى آخر الآيات قال: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فهذه دلالة على أنه معنا في كل مكان، وأن الله في كل مكان.
والدليل الثاني الذي استدلوا به قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهذه دلالة على أن الله في كل مكان وليس بالعلو كما تقولون.
وهذا الكلام ليس محدثاً، هذا الكلام من قديم الأزل ونحن نعايشه الآن، وكثير ممن يقول بالعقيدة الصحيحة عنده هذه الشبهة، فمن الناس من يقول: إن الله في كل مكان كعقيدة الصوفية، ومنهم الجفري وغيره يقولون بذلك، وكذلك الأستاذ زغلول النجار قال ذلك، وفسر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بأنه تقريبي وأن الله في كل مكان، فصرح أن الله في كل مكان، أي: أنَّ العقيدة الفاسدة موجودة فلا بد من الرد عليها، فاعتقادهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه إن كنت في البيت فهو معك، وإن كنت في البحر فهو معك، وإن كنت في السماء فهو معك، وإن كنت في الأرض فهو معك؛ لأن الله قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
والرد على هذه الشبهة: أن القاعدة عند العلماء تقول: السياق والسباق واللحاق من المفسرات والمقيدات، ففي السابق أي: في أول الآية قال: (يعلم)، وفي اللاحق: أي: في آخر الآية ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فالله ختمها بالعلم وابتدأها بالعلم فالسياق هنا ذكر أنه يعلم أولاً ويعلم آخراً، إذاً: هو معكم بهذا الذي ابتدأه وهذا الذي ختم به، أي: بعلمه، فالسياق يثبت لنا قرينة تجعلنا نقول: التقدير: (وهو معكم) أي: بعلمه أينما كنتم، والذي يعضد ذلك قول الله تعالى بالجزم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقول النبي ﷺ : (ربنا الذي في السماء تقدست أسماؤك) فهو يقر ويعضد ذلك أنه يثبت جزماً دون تأويل أن الله في السماء.
ونحن نعلم أنَّ السباق واللحاق من المفسرات، وهي القرينة التي صرفت اللفظ عن ظاهره، فهو ابتدأ السياق بالعلم وختم الآية بالعلم، فدل ذلك على أنَّ قوله: (وهو معكم) أي: بعلمه، فلما ذكر العلم أولاً وختم بالعلم ثانياً وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] أي: رابعهم بعلمه، ويعلم ما هم عليه، والذي يعضد ذلك أن النبي ﷺ أثبت جزماً دون احتمال أن الله فوق العرش، وأن الله في السماء، وهذا الجزم دون أي احتمال دل على أن الآية الأخرى ثبتت بالتأويل أنه بعلمه، وهو معكم بعلمه.
وكذلك: لغة العرب تحتمل ذلك، أقول: سرت ليلاً ومعي القمر، أو سرت مع القمر، فهل رأيتم أحداً معه القمر في يده يمشي ويسير بين الناس؟ فكل إنسان يسلم على أنَّ القمر ليس في يده، وإنما أسير ومعي القمر وهو في السماء، فالمعية معيتان: معية خلطة، ومعية مصاحبة، ومعية الخلطة منفية عن الله، ولا يقول بها إلا أهل الاتحاد والحلول، فقولهم: إن الله في كل مكان يسمى معية الخلطة، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون لله جل في علاه، والمعية الثانية: معية مصاحبة، ومعية المصاحبة كأن تقول: سرت والنيل، والواو هنا اسمها واو المعية أو واو المصاحبة، أي: سرت مع النيل، فهل النيل تجسد ومشى مع الرجل؟ لا، وكأن تقول: سرت والقمر، فالقمر لا ينزل من عليائه ولم يمش مع الرجل، بل التقدير: سرت مع القمر، أي: كنت في الأرض وهو معي، أينما أمشي أنظر فوقي فأجد القمر، كذلك كأن الله فوق عرشه يرى ما عليه عباده وهو معهم بعلمه، والذي يقرب لك هذا الأمر أن الكون كله في يد الله جل في علاه كحبة خردل في يد أحدنا، وهذا ليس ببعيد.
الله: اسم من أسماء الله يتضمن صفة الإلهية فقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣] أي: هو المألوه في السماوات، وهو الله في الأرض، أي: المألوه في الأرض، والمألوه يعني: المعبود الذي تألهه القلوب، أي: تحبه القلوب وتعظمه، فهذا أول تفسير لهذه الآية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] يعني: هو المألوه في السماوات، والمألوه في الأرض.
هذه بالنسبة للإلهية، ومن الممكن أن تفسر بالربوبية، فقوله: (هو الله في السماوات) أي: أمره في السماوات، وهو الله في الأرض أي: أمره في الأرض، والأوامر هذه من لوازم الرب: أنه السيد الآمر الناهي المطاع فيكون أمره في السماء وأمره في الأرض، كما ورد في بعض الآثار: الله في السماء، أي: أمره في السماء وأمره في الأرض، فهذه الآية تفسر أيضاً بالربوبية.
أيضاً من باب الرد عليهم: جاء في بعض القراءات أنهم يقفون وقفاً لازماً عند قوله تعالى: (وهو الله في السماوات) فلا تستمر في القراءة لزوماً ووجوباً ثم تكمل: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] إذاً: لزوماً تقف عند قوله: (وهو الله في السماوات) فأثبتنا هنا أن الله في السماوات، ثمَّ نبدأ جملة جديدة فنقرأ: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وهو وقف لازم في بعض القراءات السبع، فالوقف اللازم أن تقف عند قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣]، ثم تبدأ جملة جديدة: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣].
وأما الرد على الآية الثانية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهو نفس الرد في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] بمعنى: أن المألوه في السماء هو المألوه في الأرض، وكذلك أن أمر الله في السماء وأمره في الأرض سبحانه.
стр. 72
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة الرؤية لله
رؤية الله في الجنة هي الأمنية التي يتمناها الصالحون، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، غير أن فريقاً من أهل البدعة والضلال أنكروا هذه الصفة لله تعالى وردوها بشبهات أوهى من بيت العنكبوت.
стр. 73
صفة الرؤية لله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن شرف العلم يعرف من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه.
ونحن نتكلم عن صفة من الصفات التي لا بد أن نتعبد بها لله، وهي رؤية الله جل في علاه في الآخرة.
فنقول: لقد اشرأبت أعناق المحسنين والمتقين لهذه الرؤية؛ فمن أجل رؤية وجه الله الكريم شمر عن ساعد الجد المتقون والمجتهدون، وهذه الصفة لا ينالها إلا المحسنون.
стр. 74
رؤية الله في الدنيا
وإن رؤية الله جل في علاه في الدنيا بالعين البصرية مستحيلة، ولا يمكن أن تحدث ولا لمحمد ﷺ ، وأما الرؤية القلبية فجائزة لمحمد ﷺ ولغير محمد ﷺ ، والمراد برؤية القلب أي: في المنام فالرؤية رؤيتان: رؤية بصرية، ورؤية قلبية.
أما الرؤية البصرية فمستحيل على أي أحد أن يرى الله جل في علاه في الدنيا.
والدليل على ذلك قول الله تعالى في مجيء موسى لميقاته: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقد اختلف العلماء في رؤية محمد لربه في الدنيا على قولين: القول الأول: ذهب ابن عباس ﵁ وأرضاه إلى أن محمداً قد رأى ربه ليلة المعراج.
واستدل على ذلك بقوله ﷺ : (نور أنى أراه) وأيضاً قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والرؤية لمحمد، وهذا لم يثبت عن ابن عباس ﵁.
والقول الثاني: ذهب ابن عباس أيضاً في رواية أخرى عنه إلى أنه: رآه مرتين بقلبه.
وهذه الرواية توافق رواية عائشة والجمهور.
وقد انتصر الحافظ ابن حجر لقول ابن عباس وهو خلاف الراجح.
إذ إن الراجح: أن محمداً ﷺ لم ير ربه بعينه البصرية أبداً؛ وذلك لما تقرر في علم الأصول أن خطاب النبي ﷺ لأمته يدخل هو فيه، وقد قال النبي ﷺ : (لن تروا ربكم حتى تموتوا).
فهذا فيه دلالة قاطعة على أنه لا أحد يرى الله حتى يموت، ومنهم محمد ﷺ .
أما الرؤية القلبية، أو في المنام فهذه قد حصلت له ﷺ بأبي هو وأمي، وحصلت لآحاد الناس؛ لأن الأحكام على العموم لا على الخصوص.
ففي الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا محمد! أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أعلم، قال: فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله).
فالشاهد أنه قال: (رأيت ربي في المنام) فهذه دلالة على رؤية الله في المنام بلا كيفية، ولآحاد الأمة أن يرى ذلك، وهذا هو الذي رجحه الإمام أحمد، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 75
رؤية الله في الآخرة
وأما الرؤية في الآخرة فأسعد الناس بها من اتبع شرع الله جل في علاه، وأذل أهل الأرض لله جل في علاه، وإن العبد المؤمن أسعد ما يسعد به ويتنعم به في الجنة هو رؤية وجه الله الكريم جل في علاه، وكذلك المزاورة، فإن المؤمن يزور ربه ويسعد بلقائه، وذلك في اليوم الذي يقابل يوم الجمعة في الدنيا، فالمؤمن إذا دخل الجنة ورأى ما فيها من نعيم يكشف الحجاب، فما يتنعم بنعمة مثل نعمة النظر إلى وجه الله الكريم.
следующие страницы →