← Акыда

Акыда · id 37674

صفات الله وآثارها فى إيمان العبد

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - المقدمة من أعظم ما أوجبه الله على عباده أن يعرفوه سبحانه كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر عنه نبيه محمد ﷺ ، فيعرفوا أسماءه وصفاته كما وردت في النصوص بغير زيادة ولا نقصان، والقاعدة الجامعة المانعة التي تمنع العقول من التعدي في أسماء الله وصفاته هي قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

стр. 2

قواعد في الأسماء والصفات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن أهم العلوم وأشرفها هو علم التوحيد، والقاعدة عند العلماء: تقديم الأهم على المهم، ولا أهم من توحيد الله جل في علاه، وشرف هذا العلم ينبثق من شرف المعلوم وهو الله جل في علاه، ولا أحد أشرف من الله .

стр. 3

التسليم التام لظاهر كلام الله ورسوله يجب على كل إنسان أن يعلم: أن الله أنزل الكتاب بلسان عربي مبين؛ لكي يفقه كل عربي عن الله مراده من ظاهر كلام الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. ويقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]، والحكمة من كونه عربياً أن تعقلون ما يقال لكم؛ لأنه نزل بلغتكم. إذاً: فالضابط الأول: أن نأخذ بظاهر اللفظ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن نسلم لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فمثلاً قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ظاهر اللفظ أن لله يداً، واليد عند العرب معناها اليد التي بها يكون البطش، فإذا كانت معلومة يجب علينا أن نأخذ بظاهرها، فتبقى كلمة اليد على ما هي عليه في اللغة، ولا يجوز تأويلها بالنعمة أو القدرة؛ لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]. ولله أصابع، يقول النبي ﷺ : (إن الله يحمل الأشجار على ذه،، ويشير إلى أصابعه)، وأقر النبي ﷺ اليهودي على أن لله أصابع، وجاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه أنه قال: (قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) سبحانه جل في علاه. فهنا أثبت النبي ﷺ أن لله أصابع، فالواجب علينا أن نسلم لكلامه ﷺ ، ولا نؤول الأصبع بالنعمة أو القدرة. وقال الله تعالى عن سفينة نوح: ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا))، فالعين معلومة في اللغة العربية، ومعنى ذلك أن لله عيناً، وقد قال الله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالواجب أن يمر هذا اللفظ على ظاهره، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فله ساق. إذاً: فالضابط الأول أن نمرر قول الله على ما هو عليه بنفس المعنى العربي المبين، ومن أوّل (اليد) بالقدرة و (العين) بالرعاية فقد وقع في ما حذر الله منه بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩] وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، ولا يجوز كذلك أن نؤول الضحك بالرحمة، ونقول: إن الله يضحك: أي يرحم، فقد جاء أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ عندما أخبر أن الله يضحك، فقال: يا رسول الله! ما الذي يضحك الرب؟ (قال: أن تخلع درعك) يعني: تظهر الشجاعة والصدق، (أن تخلع درعك وتدخل على العدو تقاتل من أجل الله فتقتل مقبل غير مدبر) قال: يضحك ربنا من ذلك؟ قال: يضحك ربنا من ذلك، فخلع درعه ثم قال: لن نعدم خيراً من رب يضحك)، فقد علم ذلك الصحابي أن الله يضحك، ولازم الضحك أنه سيثيب عباده الذين ضحك لهم. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:١ - ٣]. قال محمد عبده ﵀ وغفر له زلاته -وهو من المدرسة العقلانية مدرسة الاعتزال، وهم يقدمون العقل على النقل- يقول: إن معنى طيراً أبابيل أي الجدري، ومرة أخرى يقول: المد والجزر، فأول وحرف كلام الله، وبدلاً من أن يفسره بلسان عربي مبين جعله أعجمياً فأوله وحرفه، وكأنه بلسان حاله يقول: ربنا! ليس هذا الكلام الذي نعقله عنك بصحيح، فكأن كلام الله جل في علاه لا يعقله أحد من العرب، والله أنزله بلسان العرب. إذاً فالضابط الأول: التسليم التام لكلام الله وكلام رسوله ﷺ .

стр. 4

أسماء الله كلها حسنى تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، الفرع الأول: أن أسماء الله كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن غايته، وكون أسماء الله حسنى يتضمن أمرين: الأمر الأول: أن الاسم علامة على ذات الله. الأمر الثاني: كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة كمال، وهذا الذي يبلغ بالاسم غاية الحسن، فأسماء الله جل في علاه كلها غاية في الحسن والكمال؛ لأنها تتضمن صفات الكمال, وإذا انضم اسم مع اسم آخر انضم كمال مع كمال، فإذا قلت: الرحمن الرحيم فهو أكمل من أن تقول: الرحمن فقط، أو الرحيم فقط. إذاً: فأسماء الله حسنى؛ لأنها دالة على الله، ولأنها تتضمن صفات الكمال، فالكريم اسم من أسماء الله، وهو غاية في الحسن، وذلك لأمرين: أولاً: لأنه علامة على ذات الله، وثانياً: لأنه يتضمن صفة كمال وهي الكرم. والحي اسم من أسماء الله، كما قال الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، فهو اسم من أسماء الله، وهو غاية في الحسن والكمال لأمرين: أولاً: لأنه علامة على ذات الله، ثانياً: لأنه يتضمن صفة كمال وهي الحياة، وحياته سبحانه أزلية أبدية، فهي صفة كمال، وبما أن كل أسماء الله حسنى فالدهر إذاً ليس اسماً من أسماء الله. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر) فكيف نقول: إن الدهر ليس اسماً من أسماء الله؟ و الجواب أولاً: ننظر هل هو علامة على ذات الله أم لا؟ ثانياً: ننظر هل يتضمن صفة كمال أم لا؟ فإذا نظرنا إلى ذلك فسوف نجد أنه ليس بعلامة على ذات الله، وإن قلنا: إنه علامة على ذات الله فهو لا يتضمن صفة كمال، فالدهر نهار وليل ليس فيه كمال، إذاً: ليس اسماً لله جل في علاه. وإذا طبقنا هذه القاعدة على الموجود وهل هو من أسماء الله أم لا؟ فلا بد من أمرين: الأول: هل هذا الاسم علامة على ذات الله؟ الجواب: ليس علامة على ذات الله، والثاني: هل يتضمن كمال؟ والجواب: بل يتضمن نقصاً؛ لأن كل شيء موجود له موجد؛ لذلك فالله هو الواجد الذي أوجد كل ما في الكون وليس الموجود، إذاً: فالموجود ليس اسماً من أسماء الله. والقديم في شرح الطحاوية أنه اسم من أسماء الله الحسنى؛ لأنه علامة على ذات الله، والأشاعرة يقولون: أخص صفات الله القدم، فلا يشترك أحد مع الله في هذه الصفة، ولكنه ليس اسماً من أسماء الله، لأنه لا يتضمن صفة كمال؛ لأن كل قديم فهناك من هو أقدم منه، والاسم الصحيح الذي يوضع مكان القديم هو الأول. إذاًً: فأخص صفات الله الأولية؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء) وهذا لا يقال في القديم؛ لأن القديم هناك من هو أقدم منه. فهذا الضابط يجعلك تعرف هل هذا الاسم من أسماء الله الحسنى أو ليس اسماً من أسماء الله الحسنى. الفرع الثاني: أن أسماء الله غير محصورة بعدد معين. الفرع الثالث: أن أسماء الله لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالشرع، والعلماء يقولون: أسماء الله وصفاته توقيفية، ومعنى توقيفية: الوقوف عند كلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، وهذا فيه رد على من يسمي الله بأسماء ليست موجودة في الكتاب والسنة، فالنصارى يسمون الله الأب، والأب ليس من أسماء الله جل في علاه، ولم ينزل الله به من سلطان لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، فقد سموا الله بغير اسمه، وهذا إلحاد في أسماء الله، فإذا قلنا: أسماء الله توقيفية فمعنى ذلك: أن هناك آية في الكتاب تثبت الاسم، أو حديث من أحاديث النبي ﷺ ، ولذلك اختلف العلماء في النور، هل هو من أسماء الله أم لا، وقد جاء حديث ذكرت فيه التسعة والتسعون اسماً، وهو ضعيف ليس بصحيح، ولم يرد من السنة ما يثبت أن النور اسماً من أسماء الله. الفرع الرابع: كل اسم من أسماء الله يدل على ذاته ويتضمن صفة كمال، والصفات نوعان: متعدية ولازمة، فاللازمة كاسم الله العظيم، فإنه اسم من أسماء الله، ويتضمن صفة كمال، وهذه الصفة التي يتضمنها هي صفة العظمة، وهي صفة لازمة وليست معتدية. والعزيز اسم لازم غير متعدي؛ لأن العزة صفة من صفات الذات، وأما الأسماء التي لها صفات متعدية فهي الأسماء التي تتضمن صفات الفعل، كالْرَّحَيمِ، فالرحيم اسم من أسماء الله غاية في الحسن؛ لأنه يتضمن صفة كمال وهي الرحمة، والرحمة صفة متعدية؛ لأن الله يرحم عباده، فهو رحيم قبل أن يخلق الخلق ويرحمهم.

стр. 5

صفات الله كمال من كل وجه هذه هي القاعدة الثالثة في صفات الله، وتحتها فروع: الفرع الأول: صفات الله كمال من كل وجه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣]، فلله جل وعلا العلو المطلق، وصفاته لها الكمال المطلق من كل وجه، كالعزة والرحمة والكرم والجود والبر والمنع والعطاء والإحسان والعطف والرأفة والعظمة والكبرياء، فكل هذه صفات كمال من كل وجه، وهناك كمال لكنه ليس من كل وجه، فهو كمال من وجه ونقص من وجه كالاستهزاء والخداع والمكر، فيوصف بها الله حين تكون كمالاً، وتنفى عنه حين تكون نقصاً، فالعبد الماكر منبوذ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] لكن العبد الذي يمكر بالماكرين يكون المكر فيه من الكمال، فالله يستدرج الماكرين ويعلمهم قوته وعزته، وهذا كمال حين المقابلة، فتقول: يمكر بالماكرين، ويستهزئ بالمستهزئين، لكن لا يمكن أن تقول: إن الله ماكر أو مخادع، حاشا لله! لأن ذلك تنقص من قدر الله جل في علاه، فالصفات التي هي كمال من وجه ونقص من وجه نصف بها الله حين تكون كمالاً، وننفيها عنه حين تكون نقصاً، كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. الفرع الثاني: صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، فالثبوتية هي التي أثبتها الله في كتابه وأثبتها على لسان رسوله ﷺ في سنته، فيكون قسم ثبت في كتاب الله، وقسم ثبت على لسان رسوله ﷺ ، ولا نقول: على لسان الله فنثبت لله لساناً، بل نسكت كما سكت السلف، فإنهم لم يثبتوا لله لساناً ولم ينفوها عنه، فلا نقول على الله ما لا نعلم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]. إذاً: فالصفات الثبوتية أثبتها الله لنفسه في كتابه كقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، وقوله : ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الجاثية:٣٧]، وأثبتها له رسول الله ﷺ حيث قال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وقال: (يكشف الله عن ساقه) فالنبي ﷺ أثبت لله ساقاً، وأثبت لله كلاماً، فتكون هذه الصفات ثابتة في الكتاب والسنة. والصفات السلبية هي التي نفاها الله عن نفسه في الكتاب، ونفاها عنه نبيه محمد ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والنبي ﷺ ينفي عن ربه النوم فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) أي: يستحيل في حقه النوم سبحانه. فكل صفة نقص لا بد أن ننفيها عن الله جل في علاه. الفرع الثالث: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية، ويزاد على ذلك الخبرية، والبعض يرى أن الخبرية تنزل منزلة الذاتية، والصفة الذاتية: هي التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال كالحياة، فإنها صفة ذاتية لا تنفك عن الله، ولا يمكن أن نقول: كان الله حياً؛ لأن الصفة الذاتية أزلية أبدية يتصف الله بها أزلاً وأبداً. والصفة الفعلية هي المتجددة، فيمكن أن يفعلها الليلة ولا يفعلها غداً، ويمكن أن يفعلها اليوم ولا يفعلها بعد غد، كالكلام فإن ربنا جل في علاه تكلم مع موسى حين جاء موسى للشجرة، لكنه سبحانه لم يكن في الأزل يتكلم وفي الآخر يتكلم، وكذلك ينزل الله في ثلث الليل ولا ينزل نهاراً، فالصفات الفعلية تتجدد، وهي متعلقة بمشيئة الله، إن شاء الله فعل وإن شاء لم يفعل، فإن شاء استوى وإن شاء لم يستو، وإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وإن شاء أعطى وإن شاء لم يعط. والصفات الخبرية هي التي نسميها أجزاء وأبعاض، كاليد فإنها صفة لله، وهي بالنسبة لنا أجزء، وليست جزء من الله بل صفة له، وكالعين فإنها صفة لله وهي جزء منا، والساق صفة لله وهي جزء منا كذلك. ومن الأمثلة على الصفات الذاتية: الحياء: فإنها صفة ذاتية؛ لأن الله يستحي، فعندما يتكلم عن الجماع يقول: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، قال ابن عباس: معناها: جامعتم. ومن الصفات الذاتية: الكرم فهي فعلية؛ لأنه سبحانه إن شاء أكرم زيداً وإن شاء لم يكرمه، لكنها في الأصل ذاتية. الفرع الرابع: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: هل هي حقيقة أم هي مجاز؟ السؤال الثاني: هل لها كيفية معلومة أو مجهولة؟ السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين أم لا؟ و الجواب أن صفات الله لا بد أن نثبتها بلا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تحريف، ولا تأويل. والمماثلة: المطابقة في الصفة، كأن يقول المشبه: يد الله مثل يد محمد - أعوذ بالله -، وصفات الله تثبت بلا تمثيل؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. ومعنى التشبيه أن تقول: عين الله تقارب عين المخلوق، وحاشا لله! لأن الله صفاته لا تشبه صفات المخلوق. ومعنى التكييف أن تقول: يد الله طولها كذا وأصبعه صفتها كذا دون أن تأتي لها بالمماثل، فتكيف لله جل وعلا هيئة وتتصور صفته في ذهنك، وهذا لا يجوز أيضاً في حق الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] والإنسان يكيف الصفة إذا رأى صاحب الصفة، وهو ير الله، أو أخبره من رأى صاحب الصفة بكيفية الصفة ولم يخبرنا النبي ﷺ بكيفية الصفة، أو رأى مثيلاً لصاحب الصفة، فينظر إليه فيقول: كيفية صفتك كذا وكيفية صفة لله كذا تعالى الله عن ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وبلا تأويل، أي: بلا تحريف. فهذه هي القاعدة الأولى: أن يمر اللفظ على ظاهره.

стр. 6

الرد على المعطلة المعطلة قسمان: معطلة تعطيلاً كاملاً محضاً، ومعطلة تعطيلاً ناقصاً، والمعطلة تعطيلاً كاملاً هم الجهمية، وهم الذين عطلوا الاسم والصفة، فيقولون: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، ولا كريم ولا كرم، ولا قدير ولا قدرة، فالمعطلة الجهمية ينفون عن الله الاسم وينفون عنه الصفة، والله يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، وهم يقولون: لا رحمن ولا رحيم، ويقول: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، وهم يقولون: لا عزيز ولا عزة، فهم إذاً يعبدون عدماً. والمعطلة تعطيلاً ناقصاً هم المعتزلة، وهم الذين يثبتون لله الاسم وينفون عنه الصفة، فيقولون: الله عزيز لكن بلا عزة وسميع بلا سمع، وهذا تناقض، فلو قلت: محمد السميع فمعنى ذلك أنه يسمع الكلام ويتصف بصفة السمع، ولذلك كانت عائشة تقول: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، فالمرأة تشكو زوجها للرسول ﷺ وأنا في ناحية المسجد يخفى علي بعض حديثها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١].

стр. 7

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأولية والآخرية لله الأول والآخر اسمان من أسماء الله ، ويتضمن هذان الاسمان صفتين من صفاته سبحانه، وهما: الأولية والآخرية. ولهاتين الصفتين أثرهما على إيمان العبد وعبوديته لربه، فالله هو الأول وكل شيء بدايته بيده، وهو سبحانه الآخر وكل شيء خاتمته إليه.

стр. 8

أهمية علم العقيدة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلاله في النار، ثم أما بعد: فإن علم العقيدة من أشرف العلوم؛ لأنه يتعلق بصفات الرب جلا في علاه، ولا أحد أشرف من الله، والعبد مربوب لله جلا في علاه، والله جلا في علاه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والعلم من أجل العبادات، فبه يتعرف الإنسان على ربه حق المعرفة، فيعرفه بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى، كما يعرف كمال الله وجلاله ، ولا بد أن يعرف الإنسان كيف يتعبد لله جلا في علاه بصفاته التي علمه إياها.

стр. 9

الفرق بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية إن الفرق بين الصفات الثبوتيه والصفات السلبية هو أن الصفات الثبوتية يثبت الله لنفسه بها الكمال، وأما الصفات السلبية فينفي الله عن نفسه بها النقص، فالصفة الثبوتية كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ففي هذه الآية أثبت الله لنفسه صفة الحياة والقيومية، وهما من صفات الكمال، وكقول النبي ﷺ في الحديث القدسي كما في الصحيحين (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري).

стр. 10

المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومنهجهم في الصفات المعطلة هم الذين عطلوا الأسماء والصفات فنفوها أو أولوها، كالجهمية والمعتزلة. وهم قسمان: المعتزلة والجهمية، فالمعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء، والجهمية نفوا الأسماء والصفات، وعليه فإن التعطيل قسمان: تعطيل ناقص كتعطيل المعتزلة، وتعطيل كامل كتعطيل الجهمية. فالمعتزلة يقولون: إن الله له اسم السميع لكن بلا سمع، وعند الجواب عليهم وإلزامهم بالحجة لا بد أن نأتي على المتفق عليه بيننا وبينهم، ثم نرد على المختلف فيه والمتفق عليه بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة هو إثبات الذات لله جل وعلا، والمختلف فيه بينهم هو إثبات الصفات، فيكون الجواب على المعتزلة بقاعدة: القول في الصفات كالقول في الذات؛ لأن الصفة معنى قائم بالذات، فإذا قالوا: إن الله جلا وعلا له ذات مقدسه، وأثبتوا أن الله سميع مثلاً فيلزمهم أن يثبتوا المعنى القائم بهذه الذات وهو صفة السمع، فالقول في الصفات كالقول بالذات.

стр. 11

إثبات صفة الأولية لله إن صفة الأولية من الصفات الذاتية الثبوتيه، وهي أخص صفه من صفات الله جلا في علاه، فالله جلا وعلا أول ليس قبله شيء. والقاعدة في الصفات أنها توقيفه كلها، بمعني أننا لا بد أن نأخذها من الكتاب والسنة، وصفة الأولية ثبتت لله في الكتاب السنة نصاً واستنباطاً. فأما النص فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، فالاسم هو الأول، وإذا ذكر الله الاسم فقد ذكر الصفة، للقاعدة التي قعدها أهل العلم وهي: أن كل اسم يتضمن صفة كمال، إذاً: فاسم الله الأول يتضمن صفة الأولية. وأما من السنة فكان النبي ﷺ يقول: (اللهم أنت الأول)، ثم يفسر ذلك فيقول: (ليس قبلك شيء)، وأشار إلى هذا المعنى كما في الصحيحين، فقال ﷺ (كان الله ولم يكن شيء معه أو قبله)، فهذه الأدلة تثبت هذه الصفة.

стр. 12

كيفية التعبد لله بصفة الأولية إذا أثبت العبد لله جلا في علاه صفة الأولية، وعلم أن الله هو الأول فلا بد أن يتعبد بهذه الصفة. والتعبد بهذه الصفة تتضمن عدة أمور: أولاها: الرد على الفلاسفة، فإذا اعتقد العبد اعتقاد جازماً بأن الله هو الأول، وأن الله كان ولم يكن شيء معه، فسوف يرد على الفلاسفة الذين يقولون بالتسلسل، والتسلسل قول مردود فالله كان ولا شيء معه، والكل كان عدماً، وما كان إلا الله جلا في علاه، والعبد لم يكن في هذا الكون إلا بعد أن خلقه الله جلا وعلا، وأسبغ عليه نعمه، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، فالله جلا في علاه كوّن هذا الإنسان وخلقه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شياً. إذاً: فأول شيء يتعبد به الإنسان لله جلا في علاه في صفة الأولية: هو الرد على الفلاسفة الذين يشوشون على عقائد الناس. ثانيها: أن العجب داء، وهو من أشد الأمراض التي تميت القلوب، وهذا المرض لا يأتي إلا بالتخلف عن فهم أولية الله جلا في علاه، فداء العجب يورث الكبر، والكبر يورث النار؛ لأن النبي ﷺ قال (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذره من كبر). وأصل الكبر هو أن يعجب الإنسان بعلمه، أو بقوته، أو بغناه، أو بكثرته وكثرة من معه، فالتعبد لله بصفة الأولية، يقلل من داء العجب في القلب؛ لأن العبد إذا تدبر أن الله هو الأول، وهو الذي ابتدأ خلقه وأنعم عليه، وهو الذي علمه وأطعمه وسقاه، وهو الذي أوجده في هذه الدنيا على الإسلام، فإذا تدبر ذلك علم أولاً: أن العلم الذي هو فيه لم يأت من عنده نفسه، وإنما هو من عند الله، فلا يقول كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] بل سيقول: إن الله هو الذي علمني بعد أن كنت جاهلاً يقول الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] أي: ليس للعبد فيها شأن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس مني شيء، وليس بي شيء، وليس لي شيء، إن الأمر كله لله، أوله ونهايته لله جلا في علاه؛ فالله هو الذي رزق هذا الإنسان العلم والقوة والمال، وهداه إلى الإسلام، فإذا تدبر العبد ذلك فلا يمكن أن يحتقر أحداً، أو يصل إلى قلبه داء العجب؛ لأنه يعلم أن الله جلا وعلا هو الذي ابتدأ الخير الذي هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، وهذا معنى من معاني أوليته جل في علاه، فهو الذي ابتدأ هذا الخير وأعطاه إياه، وهو الذي يستطيع أن يمنعه منه، بل ويسحب منه كل النعم التي أوصلها إليه. ثالثها: إن أفضل عبادة على اللسان هي ذكر الله، قال النبي ﷺ -عندما نصح رجلاً كان يستنصحه في آخر عمره-: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وكفى للذاكرين فضلاً أن الله يذكر من ذكره، قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير من). وذكْر الله جلا في علاه ليس بقوة العبد ولا بجهده، وإنما الله بأوليته هو الذي ابتدأ على لسانه أن يذكره، ثم بعد ذلك قبل منه هذا الذكر، ثم كافأه بأن ذكره في الملأ الأعلى، وهذه نعمة عظيمة ينبغي على الإنسان أن يتفكر فيها، فإنه ما ذكر الله إلا بأوليته، وما سجد لله ليرتفع درجة إلا بأوليته، فكيف لا يهفو قلبه إلى خالقه الذي ابتدأ الإنعام عليه؟ إن العبد إذا قال: لا إله إلا الله فهي ليست منه، إنما هي من الأول، فهو الذي ابتدءها على لسانه، ثم كافأه بأن ذكره في الملأ الأعلى.

стр. 13

التعبد لله بأوليته عند أصحاب المعاصي كل إنسان منا يقع في معصية الله وجل، فنحن لسنا ملائكة، فقد يعصي الإنسان ربه إما بقلبه بالتفكير في غير الله جلا في علاه، أو بشهوة من شهوات هذه الدنيا، أو بغفلة القلب عن ذكر الله جلا في علاه، وقد يعصي بلسانه فيسب أو يشتم أو يغتاب، أو بعينه فينظر إلى ما حرم الله، فكيف يمكن أن يتعبد الإنسان لربه بصفة الأولية وهو يعصى الله؟ والجواب هو: إن الله جلا في علاه جعل العبد يعمل المعصية، فإن كان مؤمناً فإن الله جلا في علاه أراد أن يرده إليه رداً جميلاً، وهذا من أولية الله جل في علاه، فبعد أن يعصي العبد ربه يسمع كلام النبي ﷺ يقول: (وخير الخطائين التوابون)، فيذهب ليتوب إلى الله، وهذه التوبة ليست منه إنما هي من الله. وكثير من الناس من يعصي الله ويقول: سوف أتوب، ولا يتوب؛ ذلك لأن التوبة ليست بيد الناس ولا بقلوبهم مع أن الله أمرهم بها لكنها ليست بأيديهم، فقد يعصي العبد ويتعدى حدود الله، ثم يريد أن يتوب فلا تكون منه، وإنما تكون من الأول، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الذين خلفوا: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، فما تابوا من أنفسهم، بل إن الله هو الذي ابتدأ لهم التوبة، فأودع في قلوبهم الندم على المعصية، ثم بعد ذلك وفق اليد أن ترتفع لتتضرع وتتذلل وتتمسكن، ثم وفق اللسان أن يخشع ساكناً لربه جل في علاه معترفاً بذنبه، فيقول ما قاله يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. فينبغي على العبد أن يتعبد الله بصفة الأولية فيقول: توبتي ليست بيدي، بل هي بيد الأول . والتوبة منّة عظيمة منّ الله بها على العبد بعد أن عصاه، وهو قادر على أن يأخذه، فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولكنه سبحانه ابتدأ له الخير بأوليته فوفق قلبه للندم على المعصية، ثم بعد ذلك ذلل لسانه بالذكر والاستغفار، ثم رفع يديه إلى ربه فقبل منه توبته.

стр. 14

الدعاء تعبد لله بصفة الأولية إن كل إنسان له مطلب عند ربه، والطمع في الدين محمود، والطمع في الله فقه لم يصل إليه أي أحد إلا أيوب ﵇، فقد بين لنا قاعدة عظيمة في التعامل مع الكريم، فإذا لقيت كريماً من أهل الدنيا فإن أكثرت عليه بالسؤال قال: إن كان حبيبك عسلاً فلا تلحسه كله، فلسانك سينقطع. ولكن الله كريم وليس لكرمه حد ولا نهاية، يقول جل في علاه كما في الحديث: (لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيء). فأيوب ﵇ بعدما أغناه الله جلا في علاه، وأنزل عليه جراداً من ذهب، وهو يحثوا الذهب قال الله له: ألم أكن قد أغنيتك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك، وإني اطمع في كرمك. وما من أحد إلا ويعلم أن خزائن السموات والأرض بيد الله سبحانه، والموفق من وفقه الله بطلب الدعاء، يقول عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل همّ الدعاء؛ لأنه يعلم تعبداً بأولية الله أن الدعاء توفيق من الله، وأن رفع اليد والتذلل، وبكاء القلب قبل بكاء العين كله من الله، فإذا دعا العبد ربه بصدق نال منه ما يريد، وإذا تعبد الإنسان لربه بأوليته وصل بها إلى آخريته سبحانه جلا في علاه. فالله هو الأول الذي ابتدأ لك التوفيق أن تدعوه، وهو الذي يعقب بعد ذلك بأن يستجيب لك الدعاء، فهذا هو التعبد لله بصفته العظيمة الجليلة الكاملة: صفة الأولية.

стр. 15

أصناف الناس في التعبد لله بصفة الأولية هناك قصة تبين لنا كيف أن الله يميز بين عباده، ويفرق بين من يتقن صفات الله ويتقن التعبد بها ممن لا يتقن ذلك، فقد كان هناك ثلاثة من بني إسرائيل: أقرع وأبرص وأعمى، ولكي يبين الله لنا كيف نعتقد فيه حق الاعتقاد، ثم نتعبد له حق التعبد جاء الملك إلى هؤلاء الثلاثة فقال للأول -وكان أصلع-: ماذا تطلب؟ فقال الأصلع: أطلب شعراً أتزين به أمام الناس، فمنحه الله شعراً جميلاً، ثم جاء إلى الأعمى وقال: ماذا تطلب؟ قال: أريد البصر، فرد الله عليه بصره، ثم جاء إلى الأبرص فقال له: ماذا تطلب؟ قال: أطلب جلداً طيباً؛ فقد قذرني الناس مما أنا فيه، فأبدله الله جلداً طيباً، وأذهب عنه البرص. وقال هذا الملك لكل واحد من الثلاثة: أي المال أحب إليك؟ فقال أحدهم: الإبل، وقال الثاني: البقر، وقال الثالث: الغنم، فأعطى كل واحد منهم ما تمنى، حتى صار للثلاثة واد من الإبل وواد من البقر وواد من الغنم. ثم جاء الملك على صورة رجل فقير فقال للأول: اعطني مما أعطاك الله؟ فنظر إليه فقال: الحقوق كثيرة، ولم يعطه شيئاً، فقال: كأني أعلم أنك كنت قد قذرك الناس، وكنت فقيراً، فقال له: إني ورثت هذه المال كابراً عن كابر، وجحد بأولية الله جلا في علاه، ونسي أن تلك النعم هي أولاً من الله، وتمثل فيه قول قارون عندما قال: ((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)) [القصص:٧٨]، فقال له الملك: صيرك الله إلى ما كنت عليه، فأذهب الله جل وعلا عنه ذلك المال، وعاد إلى ما كان عليه من البرص. ثم جاء الملك إلى الثاني فقال له: أعطني مما أعطاك الله، فقال: الحقوق كثيرة، وجحد بأولية الله، فقال له الملك: كنت أراك رجلاً أصلع والناس يتقززون منك، وقد أعطاك الله ما أنت فيه، قال: إنما ورثت ذلك كابراً عن كابر، فقال: صيرك الله إلى ما كنت عليه إن كنت كاذباً، فصيره الله إلى ما كان عليه من قبل. ثم جاء إلى الثالث وقال مثلما قال للأول والثاني، فقال: نعم، إني كنت فقيراً فأغناني الله، وكنت مريضاً فشفاني الله، وانظر إلى هذا الوادي فأي المال أحببت فخذ ما شئت منه. فتعبد الله بأوليته، وأقر بأن هذه النعم إنما هي من الله وحده، فدعا له الملك، وثبت الله له هذا الخير. ومن جحد نعم الله عليه فلا يلومن إلا نفسه، ومن شكر فإن الله يشكره، ومن أعطى فإن الله يعطيه، ويخلف عليه. فينبغي على الإنسان أن يجلس مع نفسه، ويمعن النظر متدبراً في صفات الله، وليحاسب نفسه على هذه النعم التي أنعم الله بها عليه، وليشكر الله تعالى على هذه النعم، فإن هذه النعم ابتداءً هي من الله لا من غيره، ولذلك جاء في الإسرائيليات أن أحد أبناء بني إسرائيل كان يتضرع إلى الله ويقول: كيف أشكرك والشكر منك نعمة فتسلسل الشكر ليس مني، بل هو منك يا الله. إذاً: الصفة الأولى من الصفات الذاتية التي لا بد لكل امرئ أن يتدبرها ويتعبد بها لله هي الأولية.

стр. 16

إثبات صفة الآخرية لله وكيفية التعبد بها الصفة الثانية من الصفات الذاتية: الآخرية، وهي آخرية الله جل في علاه وهي صفة ثبوتية فعلية، وآخرية على وزن فعلية.

стр. 17

الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية إن الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الله بحال من الأحوال، ولا يصح أن يقال: إن الله يتصف بها في وقت دون آخر، كصفة القوة، فإنها لا تنفك عن الله، ولا يصح أن يقال: إن الله يتصف بها في وقت دون آخر. وأما الصفات الفعلية فهي التي يتصف بها الله وجل متى أراد، كالكلام والضحك، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالله تكلم لما جاء موسى. ويقول النبي ﷺ : (يضحك الله من رجلين قتل أحدهما الآخر فدخلا الجنة)، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أثبت صفة الضحك لله ، وكان ضحكه سبحانه حينما رأى ما فعله الرجلان.

стр. 18

أدلة اتصاف الله بصفة الآخرية إن صفة الآخرية صفة ذاتية ثبوتية ثبتت لله بالكتاب والسنة، فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، ووجه الدلالة: أن الآخر اسم من أسماء الله جلا في علاه يتضمن صفة الآخرية، وهي صفة من صفات الكمال والجلال. ومن السنة: قول النبي ﷺ : (اللهم أنت الآخر فليس بعدك شيء).

стр. 19

التعبد لله بصفة الآخرية إن التعبد لله بصفة الآخرية يكون بالتدبر في زوال كل شيء وأن كل شيء له آخر، والله ليس له آخر، وأن آخرة هذا الإنسان وهذا الكون كله بيد الآخر ، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فعلى الإنسان أن يعلم أن آخريته بيد الله جلا في علاه، وأن الأعمال بالخواتيم، وهذه الخواتيم بيد الآخر سبحانه جل في علاه، فإذا علم الإنسان ذلك تضرع إلى ربه أن يختم له في آخر حياته بالتوحيد والهدى والتقوى والإحسان، وقد قال النبي ﷺ : (إذا أحب الله عبداً عسله، قالوا: وما علسه يا رسول الله؟! قال: إذا أحب الله عبداً وفقه لعمل الخير، ثم قبضه على هذا العمل)، فكانت خاتمته بالأعمال الصالحة. وكما أن آخرة الإنسان في هذه الدنيا بالله جلا في علاه، فإن آخرته يوم القيامة بيد الآخر سبحانه، فليدع ربه أن يختم له بخاتمة حسنة بقول: لا إله إلا الله، عملاً بقول النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة). إن الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يتدبرون أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ويتعبدون لله بها، فهذا عمر بن الخطاب كان يحفظ القرآن عشر آيات عشر آيات، فحفظ البقرة في ست؛ فيتعلم القراءة، ثم يحفظ العشر الآيات، ثم يعمل بها تعبداً لله جلا في علاه. وكان ابن عمر يقول: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فجاء نور القرآن على نور الإيمان، فتم نور الله في قلب المؤمن. وهذا أبو زرعة ﵀ جبل من جبال أهل العلم، وكان حافظاً ثقة ثبتاً، وكان يعرض عليه صحيح مسلم فيقرأ فيه ويقول: هؤلاء القوم ما أرادوا إلا الشهرة؛ لأنه تكلم عن بعض الروايات في صحيح مسلم، منها: روايات أبو الزبير عن جابر، وكان أبو زرعة مجتهداً في رواية الحديث عن النبي ﷺ ، وكان ينتقي من الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيتعبد لله بالآخرية، فكافأه الله عند احتضاره بخاتمة حسنة، فعندما كان على فراش الموت اجتمع عنده المحدثون يذكرون حديثاً عن النبي ﷺ ، فيقول أحدهم: حدثني فلان عن فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: كذا وكذا وكذا، ويذكر أحاديث، فقال له أبو زرعة: هذا الحديث عندي، وهو أشبه بحديث فلان، فتكلم في آخر لحظات حياته وقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ثم مات، فلما اعتقد اعتقاداً جازماً بأن آخرته لا تكون إلا لله تعبداً لله، كانت آخرته أن ﵁ ورطب لسانه بلا إله إلا الله، ثم مات عليها. وهذا الإمام الفذ مسلم بن الحجاج ثاني علماء الأمة، وكتابه ثاني أصح الكتب بعد كتاب الله جلا في علاه، وبعد كتاب البخاري، عندما علم أن الله هو الآخر، وأن آخرته بيد الله، ابتدءها أولاً بالإحسان، فختمها الله له بالإحسان، قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، وهيئ له أسباباً للآخرية الصالحة؛ وروي أنه جلس في مجلس تحديث ومذاكرة مع بعض العلماء فذكروا له حديثاً لم يعرفه، فقام طوال الليل يبحث عن الحديث، وينظر في كل المصنفات، وكان يأخذ تمرةٍ ويقرأ حديثاً وهكذا، حتى ظفر بالحديث فأخذ التمرة، وحمد الله وهو ينظر إلى الحديث ويقرؤه، ثم مات على ذلك وهو يقرأ حديث النبي ﷺ . ومن المعاصرين: الشيخ كشك رحمة الله عليه، فقد كان دائماً ينافح عن دين الله، ويدل الناس على الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولما كانت آخريته بيد الله ختم الله له بخاتمة حسنة فمات وهو ساجد؛ لأنه دعا الله ألا يقبضه إلا ساجداً. إن آخرة كل إنسان وموته بيد المليك المقتدر، فإذا تبعد لربه بأن الآخرية بيده، واعتقد ذلك اعتقاداً جازماً، والتجأ قلبه إلى صاحب الآخرية، فإنه لا يمكن أن تكون آخرته إلى الشيطان؛ لأن الشيطان يقعد عند رأس المرء عند موته وآخرته فيقول له: إن أباك مات على النصرانية، إن أباك مات على اليهودية، إن أباك مات على المجوسية، ذلك هو الدين الحق، بل ويمثل له أباه وأمه، وهذا الذي حدث مع صناديد أهل العلم، فقد تمثل للإمام أحمد، وقال له: يا أحمد! لقد ظفرت بك، وسوف آخذ منك ما أريد، ولا أحد يستطيع أن ينقذك مني، والإمام أحمد يقول: لا، وابنه يقول له: يا أبتي! قل: لا إله إلا الله، وهو يقول للشيطان: لا، فدهش الولد مما يقول أبوه، فلما أفاق الإمام أحمد قال له: يا أبتي! أقول لك: قل: لا إله إلا الله، وتقول: لا، فقال له: تمثل لي الشيطان، فقال لي: الآن أظفر منك يا أحمد، وأنا أقول: لا لا، وهذا يدل على قوة اعتقاده بآخرية الله، فوفقه الله أن يموت على: لا إله إلا الله، نحسبه كذلك، ونسأل الله له الدرجات العلى. نسأل الله جل في علاه أن يوفقنا وإياكم إلى التعبد له بصفاته العلية الكاملة، بأن نعرف كل صفة، وكيف نتعبد بها له سبحانه.

стр. 20

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله مسكين من تجشم وحدث عما لا تحيط به الكلمات والأوصاف ولا تدرك كنهه العقول، وحسبنا أن نفسر ما وصف به نفسه من صفات، فالله أحد لا ند له؛ وفرد لا مثيل له، عرفناه بوحدانيته فاتجهت قلوب موحديه إليه وحده فلهجت باسمه، وخلصت لتنفيذ مراده وأمره، فهو الباطن القريب من عباده، يعلم سرهم وجهرهم وما تكنه صدورهم، فعجباً لمن يعصيه وهو قريب منه، ولا يستحيي ممن لا يخفى عليه أمره، إنه القائل عن نفسه: (تبارك)، وهل البركة إلا منه وإليه، فطوبى لمن حلت بركة الله بداره.

стр. 21

صفة الأحدية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: من الصفات الثبوتية الذاتية التي لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً وأبداً، صفة الأحدية، فالله جل وعلا هو الواحد الأحد الذي لا ند له، ولا شبيه له، ولا سمي له، وهذه الصفة ثبتت لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فوصف نفسه بأنه أحد. وأما السنة: فقد ذكر النبي ﷺ في الحديث القدسي: أن الله جل وعلا يقول: (وأنا الله الواحد الأحد)، أو قال: (وأنا الله الأحد الصمد)، ومعلوم أن لفظ الجلالة (الله) إذا أضيف إليه أي اسم من أسماء الله فإنه يعتبر الاسم المضاف إليه صفة. ورجحنا فيما سبق أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، وأن كل الأسماء تضاف إليه على أنها صفات، ولا يضاف هو إلى هذه الأسماء، ففي الحديث السابق قال الله تعالى: (أنا الله الأحد)، فالأحد هنا صفة لله، وصفة الأحدية صفة ذاتية لله جل وعلا ثبوتية لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على اتصاف الله بصفة الأحدية.

стр. 22

أثر صفة الأحدية في إيمان العبد إن الله جل في علاه هو الواحد الأحد المتفرد بالجمال والجلال والكمال والبهاء والعظمة سبحانه جل في علاه، فإذا اعتقدت هذا اعتقاداً راسخاً في قلبك علمت أن الله جل في علاه متفرد في الإلهية، فلا يستحق العبادة أحد غيره، ولا تصرف عبادة إلا له، فلا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يخاف إلا منه، ولا يسجد إلا له، ولا يدعى أحد غيره ، وإذا علمت أن ربك جل في علاه هو الذي يتفرد بالملك والإحياء والإماتة، ويتفرد بالإعطاء وبالمنع، واعتقد ذلك قلبك؛ فلن يميل إلا للواحد الأحد، كما أنك إذا توجه قلبك وعبادتك إلى الواحد الأحد فلن تتشتت معنوياً ولا حسياً. وأما من يعتقد غير ذلك كمن يتعبد بالثالون، فيقول: باسم الأب، وباسم الابن، وباسم روح القدس، فتجده متشتتاً لا يدري أيرضي الأول، أم يرضي الثاني، أم يرضي الثالث؟ ولا يدري أيصرف هذه العبادة للأول أم للثاني أم للثالث؟ وإذا ألم به ضر فأراد كشفه أيدعو الأول أم الثاني أم الثالث؟ ومثلهم من يقول: إن عزيزاً هو الله -حاشا لله جل في علاه-، فيتحير هل يتعبد لـ عزير أم يتعبد لله جل في علاه؟ وهنا يدرك المرء منّة الله عليه أن وحد عبادته له وحده، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد. ومن آثار هذه الصفة على إيمان العبد أيضاً أن الله جل في علاه أراد أن يطهر قلبك بهذه الصفة -صفة الأحدية-، فإذا رأيت نفسك وأنت تتعبد لله بعبادة، أو تتصدق لله بصدقة، أو تجاهد لله جل وعلا حق الجهاد وقد حدث في قلبك شيء أرابك، كأن تريد أن يرى الناس فعلك، أو أن يروا مكانك، فتقول: لا والله إن صفة الله تأبى ذلك، فإن الأحدية تأبى التشريك، والله جل في علاه قد صرح بذلك في أكثر من موضع من كتابه ومن سنة النبي ﷺ ، ومن أجلى وأوضح ما صرح به ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فإن الذي يتعبد لغير الله جل في علاه لم يتقن هذه الصفة، فكيف يكون عبداً مربوباً لله جل في علاه، ويعلم أن الله هو الواحد الأحد المتفرد المستحق لإفراد العبادة له جل في علاه، ثم يشرك معه غيره! وقد ثبت في الصحيح: (أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: العالم، والمجاهد، والمنفق)، ومع أنهم هم قوام الأمة ومعلوم أن أعلى الطبقات والمراتب بعد النبوة والصديقية؛ هي طبقات العلماء والمجاهدين والمنفقين، وما ذاك إلا لأن العالم تعلم لا لله جل في علاه، فلم يتعبد الله بهذه الصفة العظيمة الجليلة، وأن المجاهد لم يجاهد من أجل رفع راية لا إله إلا الله! بل جاهد من أجل أن يقال له: شهيد، والشهادة ليست مقصودة بذاتها، بل المقصود بذاته هو رفع راية لا إله إلا الله، وأن المنفق لم ينفق من أجل التقرب إلى الله بإعانة عباده! بل من أجل أن يقال: سخي. إن صفة الأحدية تأمرك أن توحد العمل في القلب لله الواحد المتفرد في العبادة ، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالم ومجاهد ومتصدق، فأما العالم فيأتي به الله جل في علاه فيعرفه نعمه عليه، فيقول: فما فعلت فيما أنعمت عليك؟ فيقول: تعلمت العلم فيك وعلمته فيك، فيقال: كذبت)؛ لأنه لم يتعبد بهذه الصفة الجليلة: صفة الأحادية فلم يوحد الاتجاه لله جل في علاه، بل لينظر الناس أو يسمعوا به، وكأنه لم يعلم أن النبي ﷺ قال: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به) فكان ذلك -والعياذ بالله- جزاءً وفاقاً وأجراً طباقاً، فلما فعل ذلك جهلاً منه قال الله تعالى له: (كذبت! بل تعلمت ليقال: عالم وقد قيل، ثم يزج به في نار جهنم. وأما المتصدق -الذي ينفق كل ماله، أو شطر ماله، أو ينفق كثيراً من ماله- فيؤتى به يوم القيامة ثم يقول الله جل في علاه له: ماذا فعلت فيما أنعمت به عليك؟ فيقول: أنفقت فيك يا رب العالمين! فيقول الله جل في علاه: بل فعلت ذلك ليقال: متصدق، وقد قيل)، أي: قد أخذت حظك في الدنيا، فأنت لم تتعبد بهذه الصفة الجليلة، فلم توحد قلبك لربك الواحد المستحق للعبادة ، والمستحق لإفراد العبادة له، فيقال له: (قد قيل، ثم يزج به في نار جهنم). وأما المجاهد فهو الذي أهلك نفسه وروحه، ويا لها من خسارة وعار على رجل باع نفسه زيفاً وزوراً، وهو الذي قاتل وجاهد فيما يرى الناس؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى رجلاً شجاعاً يقاتل يميناً ويساراً، فيهجم على الأعداء بكل شجاعة وقوة، فقال: (هذا في النار)، أي: أنه ليس من أهل الجنة، ومثله هذا الرجل الذي يسعر به في نار جهنم، حيث يقول الله جل في علاه له: (فما فعلت بما أنعمت عليك؟ فيقول: قاتلت فيك حتى قتلت، فيقول الله جل في علاه: كذبت! بل فعلت ذلك ليقال: شجاع أو يقال: مجاهد وقد قيل، ثم يزج به في نار جهنم) مصداقاً لقول النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)، في رواية أخرى وهي التي تفسر هذه الرواية: (فيما يبدو للناس) أما القلب الذي كلف أن يوحد لم يفرد الله جل وعلا بالعبادة، ولم يصدق الله جل في علاه في النفقة، ولا في العلم، ولا في الجهاد، فقال: (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنكم لترون الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينها إلا ذراع، ثم يسبق عليه الكتاب)، والرواية الأخرى: (فيما يبدو للناس) إذ أن الله أعلم بالسرائر، فإن كل سريرة عند ربنا جل وعلا علانية، كما أن مقياس الناس عند رب الناس هو القلب، والتوحد المحض ليس في الظاهر بل في القلب، فقد ترى الرجل قائماً عابداً صائماً قائماً منفقاً وهو عند الله جل وعلا لا يزن جناح بعوضة. قال ابن القيم: يصلي الرجل وبجانبه الرجل وما بينهما كما بين السماء والأرض من التفاوت، وما ذلك إلا لما في القلب من التوحيد الخالص لله جل في علاه، فكلاهما يقرأ الفاتحة، وكلاهما يركع، وكلاهما يسجد، لكن التفاوت بينهما تفاوت في القلوب، فأحدهم صدق الله في الأحدية، فتعبد لله وقلبه متجه لمن فوق العرش كما قال علي بن أبي طالب: كونوا بين الناس بأجسادكم، وأرواحكم حول العرش تحوم. يريد: عليكم أن توحدوا الله في قلوبكم التوحيد الخالص. وفي حديث البطاقة: (أن رجلاً وزنت سجلات معاصيه وسجلات حسناته فرجحت كفة السيئات، وعلم الرجل أنه قد هلك، ثم يقال له: عندنا شيء لك، فيقول: ما هو؟ فيقال له: البطاقة، فيقول: وما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول الله جل في علاه: لا ظلم اليوم، فيأخذ البطاقة وفيها: لا إله إلا الله، -ولابد أن يعلم أنه ما من مسلم إلا وهو يقول: لا إله إلا الله، وليس كل أحد سينال ما ناله صاحب البطاقة- فتؤخذ البطاقة فتوضع في سجلات الحسنات، فترجح كفة الحسنات)؛ لأن صاحب البطاقة وحد الله بحق، وتعبد بقلبه بصفة الأحادية وما ترك عبادة إلا وقصد بها ربه، ولم يرد للناس منظراً أو مكانة أبداً. وينبغي أن يعلم المتعبد لله بصفة الأحدية أن التوحد الخالص، والانفراد التام المطلق لا يكون إلا لله جل في علاه، فلا يطمع في الأحادية وإن كان كل واحد منا فيه هذه الصفة، فتراه يحب أن يتفرد أمام الناس، ويكون هو المتفوق، وهذا يحدث لكل إنسان، فالغني يحب أن يكون هو أغنى الناس؛ حتى يتفرد عن الناس، فالأحادية متغلغلة فينا، والربوبية داخلة فينا؛ لكن منا من يقمع هذا برحمة الله له، فيوفقه الله جل في علاه لعبادته، ومنا من تنفجر عنده والعياذ بالله كفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهي موجودة في كل إنسان، إلا أن الإنسان إذا تعبد الله بالأحدية لم يطمع أن يكون متفرداً في الساحة وحده، فلا يقول: أنا العالم ولا عالم غيري فإن الله خلق الألف والآلاف والملايين من العلماء، فاعلم أنك لن تتوحد، ولا يمكن لك أن تنفرد في الساحة، فييأس من ذلك فيخضع لله جل في علاه، ويقول: نشترك أنا وإخوتي لرفع راية لا إله إلا الله، ولا أتصارع معهم. ولذلك نرى بين كثير من الدعاة وطلبة العلم انتشار الحسد والحقد؛ لأنهم لم يتقنوا كيفية التعبد لله في الأحادية، فهم لا يعلمون أن الله جل وعلا أبى أن يتفرد أحد الانفراد المطلق إلا هو ، فالعالم لا يمكن أن يكون متفرداً عالماً، بل سيجد قريناً له، وسيجد خليلاً له، وسيجد عالماً مثله، وسيجد من يجتهد أكثر منه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فلك أن تسابق لكن لن تكون وحيداً في عصرك، فإن الله خلق منك الكثير، فإذا استيقن المرء في قلبه أن الانفراد المطلق لله لم يطمع أن يكون وحيد عصره وفريد دهره، ولن يحقد على غيره أو يحسده، بل سيدعو الله أن يوفق إخوانه وأن يجعلهم عوناً له على طاعة الله ورضوانه. كما أنك عندما تتدبر تدبراً عميقاً في قلبك وخاصة خلواتك -لأن الخلوات هي أهم ساعات العبادة، وتدبر القلوب هو أهم العبادات- الأحدية فقلت: نزل بي البلاء إلى من أذهب؟ إلى أخي سيقف بجانبي، وإلى أبي سيعطيني، وإلى أمي ستدعو لي، إلى من أذهب؟ إلى عمي إلى خالي إلى القريب، إلى من أذهب؟ فإذا تدبر الأحدية فسيقول: هذا البلاء نزل من الواحد ولن يرتفع إلا من الواحد، وإنما تفعل ذلك إذا كنت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الواحد الأحد هو المتفرد بالعطاء وهو المتفرد بالمنع، وهو المتفرد بكشف البلاء ، فإن قلبك لن يميل أبداً إلا لربك، فاكشف عن قلبك الآن، وارجع إلى الوراء حتى تنظر عندما نزلت بك البلية أنزلتها بغير الله أم لا؟ فوالله ما منا من أحد إلا وقد نزلت عليه البلية فأنزلها بغير الله جل في علاه، ووالله أقول ذل

стр. 23

من يتعبد الله بالأحدية لا يخاف إلا الله إن علمت أن ربك هو الواحد الأحد فإنك لن تعبد غيره، ولم تخف إلا منه جل في علاه، وإذا وقعت في أمر جلل فإن اعتقادك الصحيح سيكون بالواحد، وقد علمنا رسول الله ﷺ ذلك، فقد صح عنه أنه (نام ذات مرة تحت شجرة وسيفه معلق بالشجرة، فقام رجل كافر من الأعراب على رأس رسول الله ﷺ فاخترط السيف ثم قال له: يا محمد! -بعدما أيقضه- من ينقذك مني؟ هذا سيف مصلت على رقبة رسول الله ﷺ ! ولنا أن نتساءل من منا يمكن أن يتدبر هذا الاعتقاد الصحيح، ويستحضر أن الواحد الأحد هو الذي يملك يد هذا الرجل، فيملك أن يشل هذه اليد في وقتها وفي لحظتها، بل يملك ما هو أعظم من ذلك! أن يقبض روح هذا الرجل! إن ذلك لا يكون إلا لمن يعتقد الاعتقاد الجازم في أحدية الله، وهو حين يعتقد ذلك لن يخف من أحد أبداً، ولن يوقع همه إلا في الله جل في علاه. وجسد ذلك رسول الله ﷺ حين قال للأعرابي: (الله هو الذي ينقذني منك)، فلما قال ذلك وقع السيف من يد الرجل. فرسول الله ﷺ يعلم أن الله متفرد بالإحياء والإماتة، ويحول بين المرء وقلبه، فكل يد لا تتحرك إلا بالله جل في علاه، وكل نَفَس لا يخرج ولا يدخل إلا بمشيئة الله جل في علاه، ولذا فكل من اعتقد ذلك وعمل به فقد فاز في هذه الدنيا والآخرة، وأصبح سيداً على الناس، وكان خير من طبقها رسول الله ﷺ . ثم أخذ رسول الله ﷺ السيف وقال للرجل: (من ينقذك مني؟ فقال الرجل: كن خير آخذ) فكان رسول الله ﷺ خير آخذ. كما أنك إذا تعبدت لربك بصفة الأحدية فإنك تعلم أن الممدوح بحق من مدحه الله، والمذموم بحق من ذمه الله جل في علاه، فالواحد هو الذي يمدح والواحد هو الذي يذم، فلو اجتمع من بأقطار الأرض ليمدحوك فلن ينفعوك بشيء، ولو اجتمع من بأقطارها ليذموك فلن يضروك بشيء أبداً إلا بإذن الله. وقد جاء أن أعرابياً دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أعطني -يعني: أعطني من الفيء- أعطني فإن مدحي زين وذمي شين، فقال النبي ﷺ وهو المتعبد لربه بهذه الصفة العظيمة الجليلة-: (ذاك الله)، فعلم أن المدح بحق من الواحد الأحد، وأن الذم بحق من الواحد الأحد، وأيما قلب عمِّر بهذا الإيمان، واعتقد هذا الاعتقاد فأنى يخسر في هذه الدنيا، وأنى تبور أعماله في الآخرة، بل سيكون من الفائزين المكرمين يوم القيامة.

стр. 24

صفة الباطنية لله تعالى من الصفات الذاتية لله جل في علاه التي لا بد للإنسان أن يتعبد لله جل وعلا بها: صفة الباطنية، والباطنية لها معنيان: المعنى الأول: الباطن هو القريب من العبد، فهو أقرب إليك من عنق راحلتك، وأقرب إليك من حبل الوريد. والمعنى الثاني في الباطنية: هو الخفاء والاحتجاب، فقولنا: الله الباطن، أي: الذي احتجب عن عباده فلا يعلمون كيفية صفاته سبحانه جل في علاه، ولا يتفكرون في كيفية صفاته، ولن يصلوا إلى كيفية صفاته جل في علاه. وهذه الصفة صفة ذاتية ثبوتية لا تنفك عن الله جل وعلا وقد ثبتت لله بالكتاب، وبالسنة، وبإجماع أهل السنة. أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]. وأما بالسنة: فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فالله سبحانه هو أقرب للإنسان من حبل الوريد، وهو أقرب إلى العبد من عنق الراحلة، كما قال النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً). وفي رواية أخرى قال: (إنما تدعون من هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).

стр. 25

قرب الله لا ينافي علوه اعلم أن قرب الله من عباده لا ينافي علو الله جل في علاه؛ لأن التأصيل العام والتقعيد العام الذي قعده الله لنا في كتابه هو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولذلك نقول: لا ينافي العلو القرب، فهو قريب في علوه، وعليّ في قربه جل في علاه، ولا يقال: إن الله حال فينا كما قال غلاة الصوفية، فهم يقولون: بأن الله في كل مكان، حتى قال قائلهم وهو ابن عربي الكافر النكرة عليه من الله ما يستحق، وقال: وكل كلام في الكون كلامه. يعني: كل الكلام الذي يقال فهو كلام الله. وكان الحلاج يقول: ما في الجبة إلا الله، فهؤلاء يقولون بقرب الله وأن الله في كل مكان، وهم أصحاب عقيدة الاتحاد والحلول والعياذ بالله. أما أهل السنة فيقولون: قريب في علوه، عليّ في قربه، وجاء عن ابن عباس أنه قال: إن الكون كله بمراميه الشاسعة في يد الرحمن كحبة خردل في يدك أنت، فكيف لا تقتنع ولا تستيقن بأن الله قريب منك وهو على العرش مستوٍ سبحانه جل في علاه. ومن معاني الباطن: أنه يعلم كل شيء، فيعلم دقائق الأمور وجليلها، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فالله قريب إلى قلبك، يعلم نبضات قلبك سبحانه جل في علاه، فلا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره سبحانه، فهو قريب يسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى مخ سوقها سبحانه سبحانه سبحانه. وهو لقربه منا يعلم أنفاسنا، ويعلم ما يختلج في الصدور.

стр. 26

أثر صفة الباطنية في إيمان العبد إذا تعبد العبد لله بهذه الصفة -صفة الباطنية- علم أن الله منه قريب، وإذا علم أن الله قريب منه علم أن دعائه لا بد أن يكون مسموعاً، ويستلزم من ذلك أن يكون مستجاباً، ويقال: مستجاباً وعلى قرب الإجابة حتى ولو طال الزمن؛ لأن ما هو آت فهو قريب، وقد قال النبي ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. ومن العجب أن يبخل المرء على نفسه بالدعاء وهو يعتقد بأن الله قريب منه، وأنه يسمع همساته وبكائه وتضرعه! فلا يرفع يديه ليطلب من ربه جل وعلا ما يطمع في الحصول عليه من حاجة أخروية أو دنيوية. كما أنك إذا علمت أن ربك قريب، فستعلم أن الدعاء لا ينبغي أن تنزله إلا بالله جل في علاه، وقدوتك في ذلك الأنبياء، فهذا زكريا ﵇ دخل على مريم فوجد عندها رزقاً، قال المفسرون: كان يجد رزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء، فسألها كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، فلما علم القرب الحقيقي دعا ربه قائلاً: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٤ - ٦]، وفي موطن آخر أخبر الله عنه أنه دعاه قائلاً: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨]، فاستجاب الله له في التو، وأصبح له ولد هبة من الله ، فالله قريب من دعاء عباده، فلا يبخلن أحد على نفسه بأن يتقرب إلى القريب فيدعوه بحاجته، فإن الله سيقضي له حاجته. كما أنك إذا تعبدت لربك في الباطنية بالقرب استحييت من ربك، فإذا دنت منك المعصية علمت أن الله قريب منك يرى ما تفعل، ويسمع ما تقول، ويعلم نبضات قلبك، فاستحييت من ربك وابتعدت عن هذه المعصية، وقلت كما قال الأولون: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وإذا علمت أن الله جل في علاه رقيب منك، وأن باطنية الله جل في علاه في قلبك، فستوقن أنه على قرب منك، فيسمع الغيبة والنميمة، ويرى السرقة، ولا يخفى عليه النظر الحرام، ولا تغيب المعاصي عنه، وهو على قربه منك يمهلك ولا يهملك، وإذا أخذك لم يفلتك سبحانه جل في علاه. كما أنك إذا تعبدت لربك بهذه الصفة؛ بلغت إلى مرتبة الإحسان، ومراتب الدين ثلاث: المرتبة الأولى: الإسلام، والثانية: الإيمان، والثالثة: الإحسان، فمن أراد أن يرتقي من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان؛ فعليه أن يتدبر هذه الاسم الباطن، وعليه أن يتدبر هذه الصفة الجليلة ويسعى جاهداً لأن يتعبد لله جل في علاه، بهذه الصفة العظيمة. وقد ذكروا أن رجلاً عالماً كان يقرب منه طالباً من طلبة العلم فقالوا له: لِمَ تقرب هذا الطالب وتبعد هؤلاء الطلبة؟! ولِمَ يحظى هذا الطالب بالحفاوة عن هؤلاء وكلهم يدرسون عندك؟ فقال العالم: أريكم منه شيئاً تعرفون منه لِمَ أقرب هذا عن أصحابه وزملائه، فقال للذين يطلبون عنده العلم بعد أن أعطى كل واحد طيراً: كل واحد منكم يأخذ هذا الطير ويذبحه في مكان لا يراه أحد فيه، فأخذ كل طالب علم طيراً من هذه الطير وأخذ يجتهد أن يبحث عن مكان لا يراه أحد فيه، فيذبح الطير فيه، فذبح طيره الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وجاءوا جميعاً إلى هذا العالم كل يحكي: كنت قد اختبأت فذبحته ولم يرني أحد، والآخر يقول كما قال الأول وهكذا، ثم يأتي هذا الطالب النجيب الأريب الفقيه وقد أتى بطيره ولم يذبحه، فقال له العالم: لِمَ لمْ تذبح طيرك؟! فقال: يا معلمي! بحثت في كل مكان لا يراني الله فيه فما وجدت مكاناً إلا والله يراني فيه، كيف لا وهو الرقيب . ولذا ينبغي أن تدرك أن باطنية الله قرب من العبد، وكما أن هذا الطالب قُرب في الدنيا فسيكون في الآخرة من المقربين؛ لأنه تعبد الله بالإحسان، وهذه هي ثمرة الإحسان على المتورعين المتقين. وذكر أن أبا الإمام البخاري ذلك العلم الحبر، المحدث الفقيه، الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله هو كتاب صحيح البخاري، ذكر أن أباه وهو يتصبب عرقاً من سكرات الموت كان يقول: يا بني! قد تركت لك ألف ألف دينار فيها دينار فيه شبهة، فكان الإمام البخاري هو ثمرة التعبد لله بالباطنية! فالأب كان يعلم أن الله يراه، ولم يقل يوماً كما يقول البعض اليوم: أتركها في رقبة عالم وأصبح سالماً، بل كان يتعبد لله لقربه منه، وأما نحن فنسأل الله أن يغفر لنا ما اجترأنا عليه من معاصي وما تجاوزنا من حدود الله جل في علاه، وما ذاك إلا لأننا جهلنا هذه الصفة. فالمتعلم دائماً يكون أفضل من الجاهل؛ لأن المتعلم بعدما يرجع إلى ربه يتعبد لله بهذا العلم، نسأل الله أن يغفر الله لنا اجتراءنا على معاصيه.

стр. 27

صفة التبارك لله تعالى الصفة الثالثة من صفات الله تعالى: صفة التبارك، وتبارك معناه البركة؛ لكن التبارك خاص لله جل وعلا، ولذا يمكنك أن تقول: هذا العبد بركة، ولا تقول هذا العبد تبارك، ومن الأول ما قاله: السخاوي في ترجمة النووي: النووي بركة، ويقولون: كثيراً على أصحاب التقى، وأصحاب الحسنات الزاهرات الظاهرة، يقولون عن هؤلاء: الجلسة معهم بركة، فالصحيح أن نصف الله بتبارك ولا نصفه بالبركة، فلا يقال: بركة الله، وإنما يقال: تبارك الله، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وقد ثبتت هذه الصفة لله في الكتاب، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، وقال الله تعالى أيضاً: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣]. وثبتت هذه الصفة بالسنة فقد جاء في السنن: (أن النبي ﷺ ذكر أن نبيناً من الأنبياء خر عليه جراد الذهب فجعل يحثو، فقيل له: ألم أكن قد أغنيتك؟! فقال: لا غنى لي عن بركتك)، فصفة التبارك صفة خاصة بالله جل في علاه.

стр. 28

أثر صفة التبارك في إيمان العبد إن العبد يتعبد الله جل في علاه بهذه الصفة، فتحل عليه البركة في نفسه وماله وولده، وقد كان العوام يقولون قولاً حسناً جميلاً وهو: قليل مبارك خير من كثير غير مبارك فيه، فالعبرة بالبركة لا بالكثرة، فإن العبد إذا علم أن البركة من الله جل في علاه علم أن القليل من الله مبارك فيقنع به، ولا يتطلع لغيره، ولا يحقد أو يتطلع إلى الحرام فيرتشي أو يأخذ المال الحرام أو يأكل الربا؛ لأنه عنده قليل مهما بلغ، فهو ممحوق البركة، وأما القليل فهو يعلم أن الله إذا أنزل فيه البركة كفاه وكفى قوماً مثله. وقد صحت الأخبار أن البركة تحل بأهل الخير في آخر الزمان، وقد جاء عن النبي ﷺ في علامات الساعة: (أن عيسى ابن مريم ﵇ عندما ينزل يقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويبارك الله في الرمانة حتى أن القوم يستظلون بقشرها)، وذكر في ذات الحديث أن المرء يرى المال فائضاً عندهم، حتى أن كلاً منهم يأخذه يريد أن يتصدق به فما يجد من يأخذ منه الصدقة؛ وذاك لأنها قد عمت البركة، فإذا علم العبد أن البركة بيد الله جل في علاه قنع بهذا القليل، وهذا الذي علمه الرسول ﷺ عندما نصح أبا ذر، فقال له: (في أمر الدنيا لا تنظر إلا لمن هو دونك؛ حتى لا تزدري نعمة الله عليك، وفي أمر الآخرة انظر لمن فوقك؛ حتى تتنافس معه في الخيرات). والشاهد من الحديث قوله: لا تنظر إلا لمن دونك؛ وذلك حتى تعلم أن البركة معك وأن الله جل وعلا إذا بارك لك في هذا الطعام فلن ينفد، وإذا بارك لك في هذا المال فلن ينفد، ولا تخشى النفاد.

стр. 29

أسباب البركة إن البركة من الله، وقد جعل لها أسباباً، ومن تلك الأسباب شخص رسول الله ﷺ ، إلا أن هذا السبب قد انتهى بموت النبي ﷺ ، ونسأل الله أن يقر أعيننا برؤية رسول الله ﷺ ، ويبارك لنا في مقامنا معه، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء من الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً. ومن أسباب البركة التي لا بد أن نأخذ بها حتى تحل علينا بركات الله: أولاً: تقوى الله جل في علاه، فبها تحل البركة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، فلم يقل: كثرنا أموالهم، ولا زدنا لهم في العطاء، بل العطاء نفس العطاء، والفارق الذي أحدثه يقين العبد بربه هو البركة في ذلك العطاء. ثانياً: الصدق، فإن البائع والمشتري إن كانا صادقين فإن البركة ستكون معهما، وهذا ما جهله الباعة في زماننا هذا، فهم لفرط جهلهم يخادعون ربهم وهم المخدوعون الأغبياء الخاسرون؛ إذ أن الله جل وعلا يجعل البركة مع الصدق، قال النبي ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وفي رواية قال: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، وأما إن كذبا كما يفعل تجار زماننا هذا فإن الله سيمحق البركة من أموالهم ومكاسبهم كما محق البركة مع أكل الربا، وما صدق على البيع يصدق على الشركات، فتكون معهم البركة بشرط الصدق؛ لأن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر)، ومعلوم أن الله إذا كان معهم فإن البركة كلها ستكون معهم، فالمرء الذي يشارك غيره إن كان صادقاً مخلصاً ليس مخادعاً، فإن الله يكون معه ومع شريكه، وإذا كان الله معهما فإن البركة تحل عليهما. ثالثاً: ومن أسباب البركة كذلك ألا يتقدمن أمراً ولا يعملن عملاً إلا ويقدم بين يديه اسم الله، والذي يرى المصنفين ويتأمل مصنفاتهم يجد أن كتبهم وقد بدأت باسم الله، وقد كان رسول الله ﷺ لا يبعث بعثاً إلا قال: (اغزوا باسم الله)، وكان يبعث الدعاة إلى كسرى فارس وقيصر والروم ويصدر كتبه إليهم ب (باسم الله، من محمد رسول الله). فمن بدأ باسم الله كانت البركة معه؛ لأن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، فإذا ذكر في قليل كثره، وإذا ذكر في كثير باركه، فإن البركة تكون مع اسم الله جل في علاه، ولذلك جاءت بعض الروايات التي فيها طعن وإن صححها بعض المحدثين أن النبي ﷺ قال: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أجذم)، وفي رواية (فهو أبتر) وفي رواية: (فهو أقطع). فهذه الروايات كلها تبين لك أن البركة التامة مع ذكر اسم الله جل في علاه.

стр. 30

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الصمدية والعزة لله إن الإيمان من أعظم المطالب وأهمها، وإن من أعظم ما يقوي إيمان العبد بربه معرفة أسمائه وصفاته، وفهم معانيها، والتعبد لله بها. وصفة الصمدية لله تعالى من أعظم الصفات التي تجعل المخلوقات كلها تفزع إليه بالذل والخضوع والافتقار، وكذلك من صفات الله: العزة التي تظهر في التأمل لهذا الكون، وتظهر عند تأييد الله لأوليائه المؤمنين.

стр. 31

صفة الصمدية لله تعالى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

стр. 32

بيان مفهوم صفة الصمدية لله تعالى من الصفات الثبوتية الذاتية لله تعالى: صفة الصمدية، وهي صفة من صفات الكمال والجلال لله جل في علاه، ومعناها: الذي لا جوف له، أي: الذي لا يأكل، ولا يشرب، ولم يلد ولم يولد، فهو غير محتاج إلى أحد من خلقه.

стр. 33

ثبوت صفة الصمدية لله تعالى في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة وقد ثبتت هذه الصفة الجليلة لله في الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة. أما بالكتاب: فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢]. وأما من السنة: فما جاء في الحديث القدسي: أن الله قال: (يشتمني ابن آدم، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد)، فهذا صريح بأن من أسماء الله تعالى: الصمد. فالصمد اسم من أسماء الله يتضمن صفة الكمال، وهي صفة الصمدية، فكيف يعبد المرء ربه بهذه الصفة الجليلة بعدما يعرف معناها؟ إن الصمد هو: الذي يصمد إليه أو يقصده العباد في حوائجهم، وفي كل نازلة تنزل بهم، فيرفع العبد يديه بتضرع وتذلل لله جل في علاه، مستحضراً هذه الصفة الجليلة، ومستشعراً بأن الله هو المقصود في كل الحوائج، وأن الله جل في علاه هو الذي يربي عباده بتفريج كربهم، وإعطائهم ومنحهم كل ما يحتاجون.

стр. 34

ذكر النماذج لمن تعبدوا ربهم بهذه الصفة العظيمة لابد أن العبد يستحضر كيف عبد السلف ربهم بهذه الصفة، ونذكر نماذج لأنبياء وصالحين، نعرف من خلالها كيف عبدوا ربهم بصفة الصمدية. النموذج الأول: نوح ﵇ الذي اعتقد في ربه هذا الاعتقاد الصحيح، بأن الله هو الصمد، الذي يصمد إليه العباد في كل الحوائج، وفي كل النوازل، فعندما كذبه قومه، قام فنادى ربه، فاستجاب الله دعاءه، وتابع له في الخيرات بأن أنجاه، وأغرق الباقين. النموذج الثاني: موسى ﵊، عندما تعبد لله بهذه الصفة، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، وهو يعلم بأن الله هو الصمد الذي تقصده الخلائق في حوائجها؛ فإن العبد لا يملك للعبد نفعاً ولا ضراً، وكل نبي يقول: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، وكذلك كل مؤمن معتقد في الله حق الاعتقاد ويعلم أن الخير كله بيد الله، وليس بيد أحد من عباده، والشر والضر هو من عند الله جل في علاه، ولا يملك أحد أن يضر أحداً، بل إن حديث النبي ﷺ صريحٌ جداً في هذه المسألة، حيث قال: (ولو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولن يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك). فالنفع والضر بيد الله جل في علاه، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]. وكان نبي الله موسى ﵊ يرفع بصره إلى السماء؛ لأنه يعلم أن النفع بيد الله، وأنه لا بد أن يصمد لله، فيقصده في حوائجه، قال الله على لسانه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] فجاء الفرج والتأييد من الصمد الذي يفرج على عباده عندما يلجئون إليه، وهو الذي يكشف الضر، فقال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥]، وهذا الفرج والتأييد كله من الصمد ، فكذلك هو فضل الله على العباد عندما يعتقدون الاعتقاد الصحيح في ربهم جل في علاه، وعند ذلك فتح الله عليه الأبواب كلها، فأعفه وحفظه بعدما كان خائفاً، ثم بعد ذلك بعثه نبياً مرسلاً. ثم يتأمل المسلم في أدب وحياء هذه المرأة التي جاءته، وهي تقول لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فعلم أبوها أنها تريده زوجاً لها، فقال لموسى ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧]؛ وهذا من التعبد الصحيح بعد الاعتقاد السديد في الله جل في علاه. النموذج الثالث: محمد ﷺ وهو الذي علمنا هذه الأسماء، وهو الذي علمنا هذه الصفات، فكان يتعبد الله بها، ويتأثر بها، ففي غزوة بدر عندما خرج ﷺ للعير، ولم يكن خروجه للغزوة، ولم يكن الجيش قد تجهز للغزوة، فعندما التقى الصفان، نظر رسول الله ﷺ إلى أهل الكفر الذين جاءوا بطراً ورياءً، وجاءوا حتى تعلو كلمة الكفر دون كلمة الله جل في علاه، فقام النبي ﷺ الذي يعتقد بأن الصمد هو الله يتضرع إلى ربه حتى سقط رداءه عنه، وهو يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدت، اللهم وعدك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت) فيقول أبو بكر ﵁ وأرضاه: أبشر يا رسول الله! إن الله منجز لك ما وعدك، وعند ذلك جاءته البشرى من الله قبل أن ينزل يديه، فنظر ﷺ ، وإذا بجبريل ﵇ ومعه الملائكة تنزل لإغاثة المسلمين، حتى يكتب الله النصر لهذه الأمة، وهذا هو أثر تعبد العباد بهذه الصفة الجليلة (صفة الصمدية) فأنت تعلم أن حاجتك كلها لا يمكن أن تنزلها بعبد؛ لأنه لن يضرك ولن ينفعك، بل سيزيدك هماً على همك، والذي سيفرج همك هو الصمد سبحانه جل في علاه. وتأمل وتدبر في حديث النبي ﷺ في الصحيحين قال: (قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد وسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيء)، فعلى المسلم أن يتدبر هذه الصفة تدبراً حسناً ويتعبد بها الله ، وينزل حاجته بالله، ولا ينزل حاجته بالبشر، فإنه إن أنزل حاجته بالبشر ذل وأذل نفسه، ولو أنزل حاجته بالصمد فإن الله يفرج همه، وهذا غير النصر الذي يراه في الآخرة بإذن الله تعالى.

стр. 35

صفة العزة لله تعالى الصفة الثانية: صفة العزة: وهي صفة فعلية ثابتة لله بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، وهي صفة ثبوتية، أي: أثبتها الله تعالى لنفسه، وهناك صفات منفية، أي: نفاها الله عن نفسه، ونفاها عنه رسوله ﷺ . ومعنى صفة ذاتية، أي: لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً، والصفة الفعلية هي: التي يتصف بها في حين ولا يتصف بها في حين آخر، مثل الضحك، فهل يضحك ربنا من الأزل؟ لا؛ فهي صفة تتعلق بالمشيئة. إذاً: العزة صفة ثبوتية ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه، فإن الله له العزة كلها سبحانه جل في علاه، فالرب عزيز قبل أن يخلق الخلق، وعزيز بعد أن خلق الخلق، وهي صفة أزلية لله لا تنفك عن الله جل في علاه، ومعناها: أن العزة كلها لله، وقد ثبتت لله بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة.

стр. 36

ثبوت صفة العزة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، هل هذه الآية فيها دلالة على أن الله يتصف بالعزة؟ وأين وجه الشاهد ووجه الدلالة من الآية؟ وجه الدلالة من هذه الآية: أن العزة صفة من صفات الله، وقد حصرت الآية بأن العزة له لا لغيره، فالعزة خاصة بالله جل في علاه، والعزة كلها له جل وعلا، وكأنه يقول: كل العزة لي، وإضافة (لله) من باب: إضافة صفةٍ لموصوف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] أين صفة العزة هنا؟ وأين الدلالة في الآية على أن العزة لله جل في علاه؟ الجواب هو أن اسم (العزيز) يتضمن صفة كمال، وهذه الصفة هي: العزة. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ ، أن الله قال: (الكبرياء ردائي، والعزة إزاري). وأيضاً ورد عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود أنه قال: (اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم؛ فإنك أنت الأعز الأكرم) ففي الحديث دلالة على أن العزة لله جل في علاه.

стр. 37

أثر التعبد لله بصفة العزة والمتعبد لله جل في علاه بهذه الصفة يجد العزة في قلبه، وفي بشاشة إيمانه بالله ، وليعلم المؤمن أن كمال العزة تكون في كمال الذل لله جل في علاه، فلا يتذلل إلا لربه، ويعلم أن أذل أهل الأرض لله هو أعز أهل الأرض عند الله، ولذلك ترى أن العبد يرتقي عند ربه كلما سجد وذلل نفسه لله ، ونحن نجزم أن أذل أهل الأرض لله هو رسول الله ﷺ ، ولذلك جعله الله أعز أهل الأرض ﷺ . والعبد الذي يتعبد لله بهذه الصفة يمشي وهو مهزوم في عزة، يمشي وهو مغلوب في عزة، يمشي وهو مكروب في عزة، بل يكون في عزة لا تدانيها عزة؛ لأنه يعلم بأن العزة كلها لله جل في علاه، وأن العزيز يصف المؤمنين بالعزة، كما بين في كتابه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وغير هؤلاء لا يدخلون في العزة. وعندما ينظر المسلم إلى هذه الأمة المهزومة، وإلى هذه المذلة والمهانة التي نزلنا إليها، ويرتقي ببصره إلى السماء، يعلم أن العزة تكون له بطاعته لربه، وذله إذا عصاه.

стр. 38

بيان عزة الله تعالى من خلال عرض بعض القصص هذا رسول الله ﷺ ربَّى أصحابه على العزة، فما من صحابي إلا وكان ذليلاً في الكفر، فأعزه الله بدينه وإيمانه. وانظروا إلى ابن مسعود كيف كان ذليلاً وسط مكة، ثم لما أسلم، ونشر الله الدين، وأقام النبي ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم جاءت غزوة بدر الكبرى، التقى الصفان على غير ميعاد، فمن الذي ارتقى على صدر أبي جهل؟ وأبو جهل كان صنديداً من صناديد قريش، فارتقى ابن مسعود على صدر أبي جهل، وهو يكلمه بعزة الكافر: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! فحز ابن مسعود رأسه، وأتى به إلى النبي ﷺ . وانظروا إلى موقف سعد بن معاذ الذي رأى عزة الإسلام، عندما رمتهم العرب عن قوس واحدة، فقال الرسول ﷺ له: نهادن غطفان بشطر تمر المدينة، فيقول له بعزة المسلم المؤمن: يا رسول الله! والله لقد كنا في ذل الكفر، وما نعطيهم من هذا التمر إلا قرى الضيف، أما وقد أعزنا الله بالإسلام فلا نعطيهم شيئاً، وعند ذلك علم النبي ﷺ أن الإيمان والاعتزاز بالله جل في علاه ملأ قلبه فنزل على رأيه. وانظروا إلى موقف عمر بن الخطاب يوم أحد، لما انهزم المسلمون بسبب مخالفتهم لأمر النبي ﷺ ، وقتل من قتل من الصحابة، فقتل حمزة أسد الله، وقتل مصعب وأنس، وقتل كثير من الصحابة، وكاد أن يقتل فيها رسول الله ﷺ ، وفي نهاية الغزوة جاء أبو سفيان -قبل أن يسلم ﵁ فقال: أفيكم محمد؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أفيكم أبو بكر؟ قال: اللهم نعم. فقال: أفيكم عمر؟ أفيكم علي؟ أفيكم عثمان؟ قالوا: اللهم نعم. وانظروا إلى عزة الكافر الزائفة فقد قال: اعلُ هبل. فسكت القوم، فقال النبي ﷺ : (أما منكم من أحد يرد عليه؟ فقال عمر: وما نقول يا رسول الله؟!) انظروا إلى عزة المؤمن المسلم الذي يعتز بدينه وبربه جل في علاه فقال: (قل: الله أعز وأجل، فقال: الله أعز وأجل، فقال: يا محمد! يوم بيوم بدر، يوم علينا ويوم لنا، يوم نساء ويوم نسر، فقال النبي ﷺ : أفيكم أحد يرد عليه؟ فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار). وهنا نلمح عزة الدين حتى في الهزيمة؛ لأنه يقول بلسان حاله: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢]، هل تربصون بنا إلا الفوز بالشهادة، ودخول الجنة، وإلا النصر والعزة، ففي الحالتين العزة بالله جل في علاه موجودة. وأيضاً كما تكون العزة في الهزيمة تكون العزة عند النصر، فهذا فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ عندما فتح بيت المقدس للمسلمين دعا ربه قائلاً: اللهم رده إلينا رداً جميلاً ثم لما تم الفتح للمسلمين، أرسل أبو عبيدة إلى عمر؛ ليقوم عليه ليتسلَّم مفاتيح بيت المقدس، فجاء عمر فمر بمخاضة، وخلع نعليه، وتأبط نعليه، أي: جعل النعل تحت الإبط، ومشى حافياً ذلاً لله جل في علاه؛ لأنه يعلم أن الذل لله هو كمال العزة، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! ما أحب أن القوم يرونك على هذه الحالة، فقال عمر بن الخطاب: إيه يا أبا عبيدة! لو قالها غيرك لصفعته، ثم قال له ﵁ وأرضاه: كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين -انظروا العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولأهل الإسلام- ولو ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وفي صلح الحديبية عندما صالح النبي ﷺ المشركين على بنود ظاهرها الإجحاف والظلم بالمسلمين، وباطنها نصر عظيم من الله للمسلمين، فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعط الدنية في ديننا، فقال له النبي ﷺ : (أنا رسول الله ولن يضيعني الله) كما قال أبو بكر عن رسول الله ﷺ ، وكان الفتح العظيم. وهذا يبين لك أن عزة أهل الدين إنما تكون بالذل لله. والرسول ﷺ في يوم فتح مكة دخل فاتحاً مكة فطأطأ رأسه، ويقال: إنه دخل بعمامة سوداء، وهذه السنة أميتت أيضاً في هذه الأزمان، وكان على رأسه المغفر، فدخل يطأطئ رأسه حتى لامست لحيته رحله من الذل والتواضع لله . وانظروا إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم بعدما أعزهم الله بهذا الدين، فهذا هارون الرشيد عندما بعث إلى نقفور ملك الروم رسالةً يوبخه فيها ليدفع الجزية، قال فيها وهو يهدد بعزة المسلم المؤمن: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه سآتيك بجنودٍ أولهم عندك، وآخرهم عندي. وهذا نموذج آخر: ربعي بن عامر الذي ضرب لنا أروع الأمثلة في عزة المسلم، فعندما دخل على رستم قائد الجيوش الفرسية، دخل عليهم بسيف قصير وبرمح قصير يطعن به الفرش والنمارق، وهمَّ القوم أن يمنعوه، فقال: أنتم دعوتموني، فإن دخلت وإلا رجعت من حيث أتيت، فدخل عليهم، فنظر إليه ضاحكاً محتقراً هذا العبد الذي دخل بالثياب الرثة، لكن قلبه امتلأ عزةً بالله تعالى فقال له رستم: ما هذا السيف؟ وكان سيفاً صغيراً، فقال: هذا السيف أتقدم به في نحور الأعداء ولا أتأخر، وعند ذلك خاف القوم، ثم قال له: من أنتم، وماذا تريدون؟ فقال ربعي: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه جل في علاه، ونخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) فهذه عزة المسلم تظهر عندما يتعبد العبد لله بهذه الصفة، وعندما يتذلل العبد لله جل في علاه. وانظروا إلى محمد الفاتح كيف فتح الله له القسطنطينية عندما تذلل لربه ، وهي المدينة التي بشر بفتحها النبي ﷺ من القرون الأولى. وهذا قطز عندما رد على هولاكو الذي أعمل القتل في المؤمنين في بغداد مليون أو أكثر من مليون قتيل من العلماء وأفسد الكتب وغير ذلك، دخل فأعمل الفساد في بغداد فبعث الله عليه قطز وبيبرس اللذين جعلهما الله جل في علاه نصراً لهذا الدين، ودحراً لصحيفته التي أرسلها إلى قطز فرد عليه بالسيف قطعاً، وقال للرسول: لو كانت تقتل الرسل لقتلتك، ارجع بها إلى مولاك، ثم نصره الله لما اعتز بربه. صفة العزة ضاعت منا الآن، وما من أحد يتعبد لله بهذه الصفة يمشي على الأرض عزيزاً بعز الله جل في علاه إلا أعزه الله، وجعل قلبه معلقاً بالعزيز الذي سيعزه، ولا يمكن أبداً أن يرضى له الذل لأن الله يحب أولياءه، فإن كنت ولياً لله فأنت من الأعزاء، وإن كنت غير ذلك فراجع نفسك، وتعبد لربك بهذه الصفات الجليلة العظيمة.

стр. 39

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الربوبية والسبوح والسلام لله إن الربوبية صفة ذاتية من صفات الله ، فهو الخالق الرازق والمدبر لأمر هذا الكون، ولذلك يجب أن يفرد بالعبادة والخوف والخضوع والانقياد. ومن صفاته سبحانه: السبوح، فهو الذي يسبح بحمده من في السماوات والأرض، وينزهونه عن كل نقص. ومن صفاته أيضاً: السلام، الذي سلم عباده من الشرور والمفاسد.

стр. 40

إثبات صفة الربوبية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن صفة الربوبية من صفات الله جل في علاه، والتي لها أثرها في تعبد العبد وإيمانه. وهي صفة من صفات الله الذاتية التي ثبتت بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ﴾ [مريم:٦٥]. وقال النبي ﷺ : (فأما الركوع فعظموا فيه الرب). فأثبت لله صفة الربوبية، وهذه الصفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً ولا أبداً. ومن لوازم ربوبية الله جل في علاه: إفراده بالعبادة، فكثيراً من الناس يعتقدون أن الله هو ربهم، فيؤمنون بالربوبية ولا يعرفون معناها، كمشركي العرب الذين أثبتوا لله الربوبية، ولكنهم نازعوه في الإلهية، وهم مع ذلك أفضل بكثير من الذين يزعمون التوحيد في هذه العصور، إذ أنهم علموا كيفية توحيد الإلهية، وأيضاً أيقنوا بربوبية الله جل في علاه، وبعض الناس اليوم يدعون التوحيد ويزعمون أنهم آمنوا بالربوبية، وهم مشركون في ربوبية الله جل في علاه. ومعنى الرب: هو الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي، وهو الذي انفرد بخلق كل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. وصح أن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق كل صانع وصنعته).
следующие страницы →