← Акыда

Акыда · id 37674

صفات الله وآثارها فى إيمان العبد

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثبوت صفة العزة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، هل هذه الآية فيها دلالة على أن الله يتصف بالعزة؟ وأين وجه الشاهد ووجه الدلالة من الآية؟ وجه الدلالة من هذه الآية: أن العزة صفة من صفات الله، وقد حصرت الآية بأن العزة له لا لغيره، فالعزة خاصة بالله جل في علاه، والعزة كلها له جل وعلا، وكأنه يقول: كل العزة لي، وإضافة (لله) من باب: إضافة صفةٍ لموصوف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] أين صفة العزة هنا؟ وأين الدلالة في الآية على أن العزة لله جل في علاه؟ الجواب هو أن اسم (العزيز) يتضمن صفة كمال، وهذه الصفة هي: العزة. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ ، أن الله قال: (الكبرياء ردائي، والعزة إزاري). وأيضاً ورد عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود أنه قال: (اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم؛ فإنك أنت الأعز الأكرم) ففي الحديث دلالة على أن العزة لله جل في علاه.

стр. 37

أثر التعبد لله بصفة العزة والمتعبد لله جل في علاه بهذه الصفة يجد العزة في قلبه، وفي بشاشة إيمانه بالله ، وليعلم المؤمن أن كمال العزة تكون في كمال الذل لله جل في علاه، فلا يتذلل إلا لربه، ويعلم أن أذل أهل الأرض لله هو أعز أهل الأرض عند الله، ولذلك ترى أن العبد يرتقي عند ربه كلما سجد وذلل نفسه لله ، ونحن نجزم أن أذل أهل الأرض لله هو رسول الله ﷺ ، ولذلك جعله الله أعز أهل الأرض ﷺ . والعبد الذي يتعبد لله بهذه الصفة يمشي وهو مهزوم في عزة، يمشي وهو مغلوب في عزة، يمشي وهو مكروب في عزة، بل يكون في عزة لا تدانيها عزة؛ لأنه يعلم بأن العزة كلها لله جل في علاه، وأن العزيز يصف المؤمنين بالعزة، كما بين في كتابه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وغير هؤلاء لا يدخلون في العزة. وعندما ينظر المسلم إلى هذه الأمة المهزومة، وإلى هذه المذلة والمهانة التي نزلنا إليها، ويرتقي ببصره إلى السماء، يعلم أن العزة تكون له بطاعته لربه، وذله إذا عصاه.

стр. 38

بيان عزة الله تعالى من خلال عرض بعض القصص هذا رسول الله ﷺ ربَّى أصحابه على العزة، فما من صحابي إلا وكان ذليلاً في الكفر، فأعزه الله بدينه وإيمانه. وانظروا إلى ابن مسعود كيف كان ذليلاً وسط مكة، ثم لما أسلم، ونشر الله الدين، وأقام النبي ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم جاءت غزوة بدر الكبرى، التقى الصفان على غير ميعاد، فمن الذي ارتقى على صدر أبي جهل؟ وأبو جهل كان صنديداً من صناديد قريش، فارتقى ابن مسعود على صدر أبي جهل، وهو يكلمه بعزة الكافر: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! فحز ابن مسعود رأسه، وأتى به إلى النبي ﷺ . وانظروا إلى موقف سعد بن معاذ الذي رأى عزة الإسلام، عندما رمتهم العرب عن قوس واحدة، فقال الرسول ﷺ له: نهادن غطفان بشطر تمر المدينة، فيقول له بعزة المسلم المؤمن: يا رسول الله! والله لقد كنا في ذل الكفر، وما نعطيهم من هذا التمر إلا قرى الضيف، أما وقد أعزنا الله بالإسلام فلا نعطيهم شيئاً، وعند ذلك علم النبي ﷺ أن الإيمان والاعتزاز بالله جل في علاه ملأ قلبه فنزل على رأيه. وانظروا إلى موقف عمر بن الخطاب يوم أحد، لما انهزم المسلمون بسبب مخالفتهم لأمر النبي ﷺ ، وقتل من قتل من الصحابة، فقتل حمزة أسد الله، وقتل مصعب وأنس، وقتل كثير من الصحابة، وكاد أن يقتل فيها رسول الله ﷺ ، وفي نهاية الغزوة جاء أبو سفيان -قبل أن يسلم ﵁ فقال: أفيكم محمد؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أفيكم أبو بكر؟ قال: اللهم نعم. فقال: أفيكم عمر؟ أفيكم علي؟ أفيكم عثمان؟ قالوا: اللهم نعم. وانظروا إلى عزة الكافر الزائفة فقد قال: اعلُ هبل. فسكت القوم، فقال النبي ﷺ : (أما منكم من أحد يرد عليه؟ فقال عمر: وما نقول يا رسول الله؟!) انظروا إلى عزة المؤمن المسلم الذي يعتز بدينه وبربه جل في علاه فقال: (قل: الله أعز وأجل، فقال: الله أعز وأجل، فقال: يا محمد! يوم بيوم بدر، يوم علينا ويوم لنا، يوم نساء ويوم نسر، فقال النبي ﷺ : أفيكم أحد يرد عليه؟ فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار). وهنا نلمح عزة الدين حتى في الهزيمة؛ لأنه يقول بلسان حاله: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢]، هل تربصون بنا إلا الفوز بالشهادة، ودخول الجنة، وإلا النصر والعزة، ففي الحالتين العزة بالله جل في علاه موجودة. وأيضاً كما تكون العزة في الهزيمة تكون العزة عند النصر، فهذا فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ عندما فتح بيت المقدس للمسلمين دعا ربه قائلاً: اللهم رده إلينا رداً جميلاً ثم لما تم الفتح للمسلمين، أرسل أبو عبيدة إلى عمر؛ ليقوم عليه ليتسلَّم مفاتيح بيت المقدس، فجاء عمر فمر بمخاضة، وخلع نعليه، وتأبط نعليه، أي: جعل النعل تحت الإبط، ومشى حافياً ذلاً لله جل في علاه؛ لأنه يعلم أن الذل لله هو كمال العزة، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! ما أحب أن القوم يرونك على هذه الحالة، فقال عمر بن الخطاب: إيه يا أبا عبيدة! لو قالها غيرك لصفعته، ثم قال له ﵁ وأرضاه: كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين -انظروا العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولأهل الإسلام- ولو ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وفي صلح الحديبية عندما صالح النبي ﷺ المشركين على بنود ظاهرها الإجحاف والظلم بالمسلمين، وباطنها نصر عظيم من الله للمسلمين، فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعط الدنية في ديننا، فقال له النبي ﷺ : (أنا رسول الله ولن يضيعني الله) كما قال أبو بكر عن رسول الله ﷺ ، وكان الفتح العظيم. وهذا يبين لك أن عزة أهل الدين إنما تكون بالذل لله. والرسول ﷺ في يوم فتح مكة دخل فاتحاً مكة فطأطأ رأسه، ويقال: إنه دخل بعمامة سوداء، وهذه السنة أميتت أيضاً في هذه الأزمان، وكان على رأسه المغفر، فدخل يطأطئ رأسه حتى لامست لحيته رحله من الذل والتواضع لله . وانظروا إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم بعدما أعزهم الله بهذا الدين، فهذا هارون الرشيد عندما بعث إلى نقفور ملك الروم رسالةً يوبخه فيها ليدفع الجزية، قال فيها وهو يهدد بعزة المسلم المؤمن: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه سآتيك بجنودٍ أولهم عندك، وآخرهم عندي. وهذا نموذج آخر: ربعي بن عامر الذي ضرب لنا أروع الأمثلة في عزة المسلم، فعندما دخل على رستم قائد الجيوش الفرسية، دخل عليهم بسيف قصير وبرمح قصير يطعن به الفرش والنمارق، وهمَّ القوم أن يمنعوه، فقال: أنتم دعوتموني، فإن دخلت وإلا رجعت من حيث أتيت، فدخل عليهم، فنظر إليه ضاحكاً محتقراً هذا العبد الذي دخل بالثياب الرثة، لكن قلبه امتلأ عزةً بالله تعالى فقال له رستم: ما هذا السيف؟ وكان سيفاً صغيراً، فقال: هذا السيف أتقدم به في نحور الأعداء ولا أتأخر، وعند ذلك خاف القوم، ثم قال له: من أنتم، وماذا تريدون؟ فقال ربعي: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه جل في علاه، ونخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) فهذه عزة المسلم تظهر عندما يتعبد العبد لله بهذه الصفة، وعندما يتذلل العبد لله جل في علاه. وانظروا إلى محمد الفاتح كيف فتح الله له القسطنطينية عندما تذلل لربه ، وهي المدينة التي بشر بفتحها النبي ﷺ من القرون الأولى. وهذا قطز عندما رد على هولاكو الذي أعمل القتل في المؤمنين في بغداد مليون أو أكثر من مليون قتيل من العلماء وأفسد الكتب وغير ذلك، دخل فأعمل الفساد في بغداد فبعث الله عليه قطز وبيبرس اللذين جعلهما الله جل في علاه نصراً لهذا الدين، ودحراً لصحيفته التي أرسلها إلى قطز فرد عليه بالسيف قطعاً، وقال للرسول: لو كانت تقتل الرسل لقتلتك، ارجع بها إلى مولاك، ثم نصره الله لما اعتز بربه. صفة العزة ضاعت منا الآن، وما من أحد يتعبد لله بهذه الصفة يمشي على الأرض عزيزاً بعز الله جل في علاه إلا أعزه الله، وجعل قلبه معلقاً بالعزيز الذي سيعزه، ولا يمكن أبداً أن يرضى له الذل لأن الله يحب أولياءه، فإن كنت ولياً لله فأنت من الأعزاء، وإن كنت غير ذلك فراجع نفسك، وتعبد لربك بهذه الصفات الجليلة العظيمة.

стр. 39

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الربوبية والسبوح والسلام لله إن الربوبية صفة ذاتية من صفات الله ، فهو الخالق الرازق والمدبر لأمر هذا الكون، ولذلك يجب أن يفرد بالعبادة والخوف والخضوع والانقياد. ومن صفاته سبحانه: السبوح، فهو الذي يسبح بحمده من في السماوات والأرض، وينزهونه عن كل نقص. ومن صفاته أيضاً: السلام، الذي سلم عباده من الشرور والمفاسد.

стр. 40

إثبات صفة الربوبية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن صفة الربوبية من صفات الله جل في علاه، والتي لها أثرها في تعبد العبد وإيمانه. وهي صفة من صفات الله الذاتية التي ثبتت بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ﴾ [مريم:٦٥]. وقال النبي ﷺ : (فأما الركوع فعظموا فيه الرب). فأثبت لله صفة الربوبية، وهذه الصفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً ولا أبداً. ومن لوازم ربوبية الله جل في علاه: إفراده بالعبادة، فكثيراً من الناس يعتقدون أن الله هو ربهم، فيؤمنون بالربوبية ولا يعرفون معناها، كمشركي العرب الذين أثبتوا لله الربوبية، ولكنهم نازعوه في الإلهية، وهم مع ذلك أفضل بكثير من الذين يزعمون التوحيد في هذه العصور، إذ أنهم علموا كيفية توحيد الإلهية، وأيضاً أيقنوا بربوبية الله جل في علاه، وبعض الناس اليوم يدعون التوحيد ويزعمون أنهم آمنوا بالربوبية، وهم مشركون في ربوبية الله جل في علاه. ومعنى الرب: هو الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي، وهو الذي انفرد بخلق كل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. وصح أن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق كل صانع وصنعته).

стр. 41

أنواع الخلق الخلق نوعان: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى أخرى، أما الخلق الذي هو إيجاد من عدم فينفرد الله به اتصافاً كاملاً، فقد خص الله نفسه بالانفراد بالخلق والإيجاد من عدم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، ثم أخبر جل وعلا أنه خلق الإنسان، وجعل له السمع والبصر والفؤاد ليعقل به. والنوع الثاني من الخلق: هو تحويل من صورة إلى صورة: كتحويل الخشب إلى باب أو نافذة، أو تحويل الحديد إلى سيارات مثلاً، فهذا تحويل من صورة إلى صورة ويسمى: خلقاً، وهذا الذي يحل به الإشكال الوارد في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فكأن الله جل وعلا يقول: مع الله خالق، وهذا ليس على الإطلاق، بل هو: تحويل صورة إلى أخرى وهذا يسمى: خلقاً، ولذلك وصف الله به بعض عباده، وهذه الصفة تتعلق بالإنسان ونقصه وفقره، أما الخلق الذي يتصف به الله فإنه يليق بجماله وكماله وبهائه وعظمته وقوته ، فهو الذي انفرد بالإيجاد من عدم.

стр. 42

لوازم الربوبية إن الخلق والرزق من أول لوازم الربوبية، والرزق كله بيد الله جل في علاه، ولا أحد يمتلكه غيره، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، وقال النبي ﷺ كما في الحديث القدسي: (قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، -أي: أعطاهم من رزقه- ما نقص ذلك مما عندي من شيء). قال الله تعالى: ﴿ولله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠]، وقال جل في علاه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١]، فهو المالك الرازق، والرزق كله بيده، وهو الخالق المدبر، وتدبير الكون كله بيد الله جل في علاه، فهو الذي دبر أمر هذا الكون، وكتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، سبحانه جل في علاه، فالتدبير كله لله جل في علاه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، وقال جل في علاه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. قال ابن مسعود: يدبر الكون، يرفع أقواماً ويخفض آخرين، وينصر أقواماً ويهزم آخرين، ويعطي هذا، ويمنع هذا، ويحيي هذا، ويميت هذا. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، وهذا من تمام تدبيره للكون، فالله غالب على كل شيء، مدبر لكل شيء، وسعادة الإنسان بيد الله، فعندما يعتقد الاعتقاد الجازم بأن الله هو الذي يدبر أمر حياته ومماته وأمر دنياه وآخرته، ويتعبد لله بهذا الاعتقاد يسعد في الدنيا والآخرة. إن الله هو الخالق الرازق المدبر السيد الآمر المطاع ، ولذلك لما قالوا للنبي ﷺ : أنت سيدنا! قال: (إنما السيد الله جل في علاه)، والسيد: المتفرد بالأمر وبالتشريع سبحانه جل في علاه.

стр. 43

الفرق بين مشركي هذا العصر ومشركي العرب قديماً إن المشركين الذين أيقنوا بربوبية الله لما سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: خلقهن الله، العزيز القدير الرحمن القوي الرب سبحانه، فكانوا يعتقدون أن الله ربهم، ولذلك لما نزلت بهم الضوائق وكانوا على مشارف الهلكة وحدوا الدعاء لله جل في علاه، فاعتقدوا الربوبية واعتقدوا بلازم الربوبية، والمعنى: أنهم اعتقدوا أن المدبر الخالق المنجي هو الله جل في علاه، وأن أمر هذا الكون كله بيده سبحانه، فعلموا أنه لن يقبل منهم ذلك إلا أن يأتوا بلازم الربوبية، وهو: توحيد الإلهية، فلجئوا إلى الله، أما المشركون اليوم فإنهم إذا حلت بهم ضائقة لجئوا إلى السيد البدوي أو الجيلاني. فمشركوا العرب قديماً اعتقدوا ربوبية الله، وأتوا بلازم الربوبية، وهو توحيد الإلهية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢]. فبعد أن أحيط بهم، وعلموا أن لا منجا ولا ملجأ من الله إلا الله ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢]، وأتوا بتوحيد الإلهية، وهذا هو الفرق بين هؤلاء، وبين مشركي العصر.

стр. 44

أثر الربوبية في إيمان العبد إن العبد الآن المؤمن الذي اعتقد الاعتقاد الجازم بربوبية الله وألوهيته يعلم أن رزقه بيد الله جل في علاه، فلا يتوسل إلا بالله، علم أن حياته وقوت يومه ونهاره بيد الله جل في علاه، فلا يتذلل إلا لله، ولا يميل إلا لله جل في علاه، مستحضراً بذلك قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً). فهو يعتقد أن الله جل في علاه إن كانت خزائن السماوات والأرض في يده، وإن كان لا يمنع عبداً من خيره فإنه لن يتذلل إلا له سبحانه، مستحضراً قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١]، وقول النبي ﷺ كما في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيء)، فلما اعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، وعلم أن رزقه بيد الله لم ينشغل بالرزق أبداً، وإنما انشغل بالله، كما قال ابن القيم ﵀: إن الله خلق الكون كله من سماء، وأرض، وأنهار، وجبال، وأشجار، وثمر، وطعام، وأسماك، وكل ذلك خلقه لك، وخلقك أنت لمهمة عظيمة جسيمة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فانشغل بما خلقت أنت له، ولا تنشغل بما خلق لك، فإن علمت أن رزقك بيد الله جل في علاه فلن تتوكل إلا على الله، والذي يعينك على ذلك هو استحضارك توكل السلف، كـ أبي بكر ﵁ وأرضاه عندما دعا رسول الله ﷺ الصحابة للإنفاق فجاء أبو بكر بكل ما عنده، وهذا قمة التوكل على الله، وقمة الاعتقاد في ربوبية الله جل وعلا، فعندما امتلأ قلبه بالإيمان، وعلم يقيناً أن الرزق بيد الله أعطى كل ماله لله، فقال له رسول الله ﷺ : (ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله)؛ لأنه يعلم أن الله جل وعلا سيخلف عليه خلفاً حسناً، فإن النبي ﷺ قد قال: (إن الله بعث ملكاً يقول كل ليلة، أو كل صباح ومساء: اللهم أعط كل منفق خلفاً، وأعط كل ممسك تلفاً)، فاعتقد هذا الاعتقاد وعلم أن الرزق بيد الله جل في علاه، وتوكل توكلاً تاماً، وأيقن أن الله هو الرب المدبر الرازق الخالق سبحانه، فأنفق ماله كله في سبيل الله. وهذا خالد بن الوليد توكل على الله، واعتقد الاعتقاد الجازم بالله، وبأن الله جل في علاه هو القوي المتين، وهو الرب الخالق المدبر، فبعث إلى ملك الفرس يقول له: لآتينك بجنود يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، وفي رواية: آتيك بجنود يحبون الموت كما تحبون أنتم الخمر، فنصره الله على عدوه بالرعب؛ وذلك لشدة توكله على ربه ، بل أروع من ذلك: أنه عندما دخل على ملك الفرس ودعاه إلى الإسلام فأبى، قال: إن شربت هذا السم ولم يحدث لي شيء، أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: اللهم نعم، فتوكل خالد على ربه، وفوض أمره إلى تدبير خالقه، واستحضر ربوبية الله، وأنه هو الذي يمتلك هذا الكون، وهو الخالق الرازق المدبر، فأخذ السم وقال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم وشربه فلم يحدث له شيء، فآمن الرجل؛ لتوكل هذا الصحابي الجليل على الله . وهكذا فقد ضرب الصحابة والتابعون أروع الأمثلة في التوكل على الله في الرزق، فهذا الحسن البصري بعد أن رزقه الله رزقاً واسعاً كان يأتي الأسواق فيبيع من التمر ما يسد به حاجة يومه، فيقولون له: فتح الله عليك فاستزد فيقول: لا والله، علمت أن رزقي بيد ربي ولن يذهب لغيري.

стр. 45

ما يجب على العبد من تعبد لله بصفة الربوبية ينبغي على الإنسان أن يعلم أن الرزاق هو الله، وقد ضرب الله لنا صراطاً على لسان نبيه ﷺ يسير على نهجه المستيقن في ربه أنه هو الذي بيده الرزق، قال النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أن لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) فالرزق يسعى خلف المرء كما يسعى إليه الموت، فعليه أن يتقي الله، وأن يجمل في الطلب، ولا يكن كما قال النبي ﷺ : (حمار بالليل جيفة في النهار)، والرزق المقدر والمكتوب سيأتي، ولن يستطيع الإنسان أن يزيد عليه أو ينقص منه، وكما ورد في بعض الإسرائيليات -وهي لا تصدق ولا تكذب-: عبدي! خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك الرزق فلا تتعب، فإن أنت رضيت بما قسمته لك كنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن تأخذ إلا ما قسم لك، وكنت عندي مذموماً. فعلى الإنسان أن يتقي الله، وأن يعتقد الاعتقاد الصحيح في ربه، وليعلم أن رزق الله جل في علاه لا ينفد أبداً، وأنه بيد الله، ليس بيد البشر، فلا يمل قلبه للبشر ولا يعتقد فيهم اعتقاداً يجعله يشرك بالله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُ مِثْلَمَا أَنَّكُم تَنْطِقُوْنَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣]، ولذلك فإن الأعرابي قال: ومن ذا أغضب الجبار ليقسم على هذا؟ فإن الرزق في السماء وليس في الأرض، والدلالة على أنه في السماء: أنه لا أحد يملكه إلا رب السماء سبحانه جل في علاه. وعلى الإنسان كذلك أن يعلم أن أمره كله بيد الله، وأن يرفض بقدر الله وبتدبير الله له، فهو الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون. وقد كان عمر بن عبد العزيز يصبح فرحاً بتدبير الله له، فالله يعلم ما يصلح أمر هذا الإنسان وما يفسده، كما ورد في الحديث القدسي عن النبي ﷺ : (إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، وإن أفقرته لفسد حاله)، وهو حديث ضعيف، لكن يستأنس به. فليعلم العبد أن الله يدبر له أمره، ولن يتركه سدى، وأنه سيحوطه بتدبيره وكرمه وعطائه جل في علاه. هذا الذي فهمه الصحابة، وفهمه الرسول ﷺ ، فعندما رأت فاطمة ﵂ وأرضاها، ما ينزل بأبيها من البلاء، قال لها النبي ﷺ : (لا سوء على أبيك، ثم قال: والله لن يترك هذا الدين بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل) فعلم وأيقن بتدبير ربه جل في علاه. ويقول الله عن الرسول ﷺ وأصحابه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وذلك لما قيل لهم: إن المشركين قد أعدوا العدة لاستئصالكم، فاعتقدوا أن صلاح شأنهم بيد الله، فهو المدبر ، ولما حاصروهم في المدينة قام النبي ﷺ وهو يحفر الخندق ويحمل الحجر والصخر معهم ويقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخره اللهم انصر الأنصار والمهاجرة) واعترضت صخرة كبيرة على الصحابة واستنصروا برسول الله ﷺ ، فأخذ المعول فضربها، وهو يعتقد ويعلم أن الله جل وعلا هو الذي يدبر له الأمر أولاً وآخراً، فلما ضربها قال: (الله أكبر! أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، أو قال: الأحمر والأصفر)، وهي كنوز كسرى وقيصر، كما رأى أن سراقة ارتدى سواري كسرى، فالصحابة عندما رأوا ما رأوا من حصار القوم لهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]، وقد كانوا قليلين يخافون على أنفسهم، حتى إن أحدهم يخشى على نفسه من الذهاب لقضاء الحاجة، ولكن لما اعتقدوا في الله الاعتقاد الصحيح، وعلموا أن الله لا بد أن ينصر دينه، نصرهم الله ورفعهم، وجعل لهم القيادة والريادة؛ لأنه الخالق الرازق المدبر . إن الله سبحانه أحسن تدبير يوسف ﵇ وهو طفل صغير عندما كان في غيابة الجب، حتى أعطاه خزائن مصر، وجعله ملكاً عليهم، بعد أن عانى ما عانى في غيابة الجب، فالله دبر أمره وقال: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. هذا الاعتقاد غاب عند كثير من الناس، فما علموا أن القوة والقدرة والعدة بيد الله، وأن الخلق والرزق والتدبير كله بيده جل في علاه، بل إن من الملتزمين من يضعف اعتقاده بالله وبتدبيره لشئون الكون، فيميل قلبه لمديره أو رئيسه في العمل، ولا يميل قلبه لله جل في علاه، يميل قلبه للسبب ولا يميل للمسبب.

стр. 46

أثر الإيمان بالربوبية في الحياة الآخرة إن الذين اعتقدوا في ربهم الاعتقاد الصحيح وآمنوا بربوبيته، وتعبدوه بها حق التعبد يدخلون الجنة على صورة القمر، كل منهم يأخذ بيد أخيه ويدخلونها من أول وهلة، دون عذاب ولا حساب، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قالوا: من يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون- وجماع كل هذه الصفات صفة الربوبية- وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية سبعون ألفاً يدخلون الجنة مع كل واحد سبعون ألف، وهذا هو الفوز العظيم، نسأل الله أن يجعلنا ممن يتدبر في صفات الله جل في علاه.

стр. 47

صفة السيادة إن الله هو السيد الآمر الناهي المطاع، والسيد هو: الآمر والناهي والمطاع، ولا يمكن أن تكون هناك سيادة مطلقة إلا لله جل في علاه، ولذلك قال النبي ﷺ : (إنما السيد الله)، فهو الذي يأمر وينهى ويجب أن يطاع سبحانه جل في علاه، والسيادة صفة من هذه الصفات الذاتية، التي لا بد وأن يتعلمها العبد ويتفكر في آثارها، ويتعبد الله جل في علاه بها.

стр. 48

السبوح الثانية: صفة السبوح، أي: المنزه المبرأ عن كل نقص وعيب، وهي صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه، وقد ثبتت لله بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة. أما الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿هُوَ اْلَّذِيْ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ َ﴾ [الحشر:٢٣]، أي: تقدست أسماؤه وصفاته، فله الكمال المطلق المبرأ عن كل نقص وعيب، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه كان يقول في سجوده: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)، سبوح: أي: منزه عن كل عيب ونقص. فالنبي ﷺ كان ينزه ربه عن كل نقص وعيب، وما حدث له من حدث يرى فيه نقيصة إلا قال: (سبحان الله)، حتى إنه ﷺ سبح عندما استحى أن يتلفظ بشيء يستحيا منه، فقد جاء في الحديث: أن امرأة دخلت عليه وهي تشكو له الدم تراه في ثوبها، قال لها: (خذي فرصة ممسكة وتطهري بها، ثم صلي، قالت: كيف أتطهر بها يا رسول الله؟! فقال النبي ﷺ : تطهري، قالت: كيف أتطهر؟ فقال: سبحان الله تطهري بها)، ففي هذه الحالة يُنزه ربه عن كل نقص؛ لأن هذه نقيصة، وهو مستحب أن يقول لها: تتبعي أثر الدم على الفرج. فبعد أن قال لها النبي ﷺ : (سبحان الله، تطهري! قالت عائشة: فجذبتها فقلت لها: تتبعي أثر الدم). فكان النبي ﷺ دائماً يقول: (سبحان الله)، عندما يرى أمراً فيه نقيصه، وقد علم أصحابه إن كانوا في سفر واعتلوا مرتفعاً أو جبلاً شاهقاً أن يقولوا: الله أكبر! أي: لا أحد أكبر من الله جل في علاه، والعظمة كلها لله، فإذا نزلوا قالوا: سبحان الله، تنزيهاً لله جل في علاه عن كل نقص. وقد نزه الله نفسه في مواضع عدة منها: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وهذا فيه رد على السفلة الفجرة الكفرة الذين يتجرءون على ربهم جل في علاه، فيتهمونه بالنقائص والمعايب، وهم الذين قالوا: إن الله بعد ما خلق السماوات والأرض تعب، -عليهم لعائن الله- فقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وهناك أيضاً من ينسبون إلى لله الولد، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ﴾ [الإخلاص:١ - ٣].

стр. 49

تنزيه الله عن النقائص كل الصفات السلبية تدخل تحت صفة السبوح، وهو المنزه عن كل النقائص. قال سبحانه: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وقال النبي ﷺ : (إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فهذه نقائص في حق الله سبحانه لا بد من تنزيه الله عنها، والعبد الذي يعتقد الاعتقاد الصحيح ينزه الله ويرفض كل نقيصة تنسب إليه سبحانه. ومن النقائص التي يجب أن ينزه الله عنها ما يقوله كثير من الناس: لماذا أهل الإسلام الآن في الحضيض، وأهل الكفر لهم السلطة والدولة عليهم؟ وهذا اتهام لله جل وعلا بالنقائص؛ لأن الله سبحانه تعبدنا بالإيمان بصفة من صفاته وهي الحكمة، فإذا قال الإنسان: لم يفعل الله كذا؟ فكأنه قدح في حكمته سبحانه، والله تعالى جعل الأيام دولاً، لحكم كثيرة منها: ليميز الخبيث من الطيب، وليصطفي من عباده شهداء، وليرجع العباد إليه ويلجئوا إليه عند الشدائد، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢]، كما أن من هذه الحكم: الاعتقاد الجازم بأن الكون كله بيد الله، وأن الله قادر على أن يرفع أقواماً ويخفض آخرين، ومنها: أن القوة المؤمنة، والقوة الكافرة إذا التقتا، وقاتلت هذه بالإيمان، وهذه بكفر، فالغلبة تكون لمن؟ لكن لو قاتلت القوى الكافرة والقوى المؤمنة على الحمية فإن الله يجعل الغلبة لمن؟ للأقوى، وقد كان ذلك. فهذه حكم جليلة مما يحدث بين أهل الإسلام وأهل الكفر يعلم الله بها من يشاء من عباده. فمن قال: لم يفعل الله كذا؟ فقد قدح في حكمة الله، ولم ينزهه حق التنزيه، وينبغي أن يعلم ويبين له أن هذا خطأ، وأن التعبد لله بهذه الصفة هو أن يعلم العبد أن الله منزه عن كل عيب، ويبغض كل عيب، كما يحب من كل عبد أن ينزه نفسه عن كل عيب، فعلى العبد أن يطهر قلبه من الحسد والأحقاد والضغائن وما يبغضه الله جل في علاه، ويطهر جوارحه من مساوئ الأخلاق، فإن الإنسان المنزه لا يرضى أن تخدش مروءته، ولذلك يقول الشافعي أو أحد السلف: والله لو علمت أن الماء يقدح في مروءتي ما شربته، ويقول الربيع: ما شربت الماء أمام الشافعي حياء منه؛ لأنه يخاف أن تخدش مروءته، وهذه قصة وإن كان في سندها كلام إلا أنها تبين كيف كان المحدثون يخشون على أنفسهم وعلى مروءاتهم، ويعلمون أن النقائص لا بد من البعد عنها، فـ البخاري -جبل الحفظ، والمحدث البارع في هذه الأمة التي امتن الله عليها به، والذي كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله جل في علاه- ركب سفينة وكان معه ألف درهم، أو ألف ألف درهم على رواية أخرى، وكان ينفقها من أجل طلب العلم، فجاء رجل فنظر في الناس فوجد أن أحسنهم سمتاً وخلقاً وأفضلهم عبادة هو البخاري، فدخل عليه فقال: رأيت فيك الخير، وما رأيتك إلا وذكرت الله، فأريد أن أخاللك في هذه السفرة، لنتعاون على طاعة الله، فجلس معه وقال له: معي من المال كذا وكذا أتاجر فيه، فهل معك من مال؟ -وكان البخاري لا يكذب في حديث الناس فضلاً أن يكذب في حديث النبي ﷺ فقال: معي ألف درهم، أو ألف ألف درهم- كما في رواية- فبات الرجل والشيطان يلعب بقلبه، ويوسوس له كيف يأخذ المال من البخاري؛ ولذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١]. فعندما طرق الطارق وبزغ الفجر قام صارخاً يبكي ويتباكى، ويقول: إن أمواله قد سرقت، فالتف حوله الناس في السفينة، فقال لهم: سرق مني ألف ألف درهم، قالوا: سرقت منك كيف ذلك؟ قال: بت الليل ومعي ألف ألف درهم، فما أصبحت إلا وقد سرقت، فقال حكيم منهم: إن سرقت ونحن في البحر، فلا بد من البحث عن المال عند أهل السفينة جميعاً، حتى نرى من الذي سرق منك مالك، فقاموا جميعاًَ يبحثون عن الألف ألف درهم، حتى ما بقي إلا البخاري، فدخلوا عليه وفتشوا مكانه فلم يجدوا شيئاً البتة، فلما لم يروا ذلك قالوا: إنك رجل مجنون! فذهب الرجل يبكي على ما فعل، وقال للبخاري: بالله عليك أين وضعت المال؟ -وهو يعلم يقيناً أن البخاري لا يكذب- فقال: المال في البحر قال: ألقيت ألف ألف درهم في البحر؟ قال: أتحسب أن مروءتي تساوي ألف ألف درهم، وحافظ البخاري على مروءته، فهو الذي يحدث عن رسول الله ﷺ ، وحتى لا يقال فيه مرة: اتهم بالسرقة فيضعف حديثه، ففاز البخاري ﵀ بفعله. والحديث عن هؤلاء كثير فقد كانوا ينزهون أنفسهم دائماً عن النقائص والمعايب، حتى إن البخاري نفسه لما رأى قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَة﴾ [الهمزة:١]، وكان جالساً في مجلس العلم، وشيخه في مجلس التحديث يملي عليهم الحديث، فأشار شيخه بيده، فتبسم البخاري لإشارة شيخه، فخشي أن تكون هذه من الغيبة أو يحل عليه العقاب الوارد في هذه الآية فذهب يتحلل من شيخه. وهذا من شدة ورعه ﵀، وبعده عن النقائص والمعايب. ودخل ابن عمر على نافع وهو يصلي حاسراً عن رأسه، فاشتد غضبه عليه، فلما انتهى من الصلاة قال: يا نافع! أتخرج في الأسواق في هذا -أي وأنت حاسر عن رأسك- قال: لا، قال: فالله أحق أن تستحي منه. هكذا كانوا ينزهون الله ويعطمونه ﵃. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتعبدونه بالتسبيح والتنزيه عن كل عيب ونقص.

стр. 50

صفة السلام الصفة الثالثة: صفة السلام، ومعناها: أن الله جل وعلا سلم من كل نقص وعيب -كالسبوح- وسلم عباده من كل شر وسوء في الدنيا والآخرة. وهذه الصفة من الصفات الثبوتية الذاتية التي ثبتت بالكتاب، والسنة، وبإجماع أهل السنة. أما بالكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ اْللهُ اْلَّذِيْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوْ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣]. وأما السنة: ففي الصحيح عن ابن مسعود: أن الصحابة كانوا يقولون: (السلام على الله، فقال لهم النبي ﷺ : إن الله هو السلام)، وكان النبي ﷺ إذا انتهى من الصلاة يقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام). ففي هذا تصريح بأن الله هو السلام، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات هذا الاسم له سبحانه. والذي يتعبد يرى أن السلام لا يكون إلا من الله جل وعلا؛ لأنه هو السلام، وأن الله جل وعلا وضع بين الناس السلام في ابتداء المخاطبة وعند اللقاء، ولذلك ورد في السنن بسند صحيح أن الله جل وعلا لما نفخ الروح في آدم وصلت إلى أنفه فعطس، فقال: الحمد لله، فقال له الله جل وعلا: يرحمك الله يا آدم! وأمر أن يذهب إلى الملائكة فيسلم عليهم، فذهب وقال: السلام عليكم، فقالوا: عليكم السلام ورحمة الله، فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك من بعدك. وبين النبي ﷺ أن تحية أهل الإسلام هي: السلام عليكم ورحمة الله، وردها: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكأن المسلم يقول: أسأل الله أن يسلمك من كل شر وسوء، وأن يجعل لك ومعك السلام في الدنيا والآخرة. والمتعبد لله بهذه الصفة يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله جل في علاه سيسلم قلبه من النقائص، ويسلمه في الآخرة من كل سوء وشر، ثم يفوز بدخول الجنة، قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس:١٠]. فنسأل الله جل في علاه أن يدخلنا الجنة دار السلام، وأن يجعلنا من أهل السلام، وأن يجعلنا من دعاة السلام الحق، وممن يتقدم بين يدي طاعته بالسلام.

стр. 51

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة العلو والغنى لله من أنواع العبادات القلبية ما يستقر في القلوب من معاني أسماء الله وصفاته، وبقدر ما يكون منها في القلب يُرى أثر ذلك على الجوارح، فمن علم أن له رباً في العلو ويشهد ذلك بقلبه يشتاق للعلو بقوله وفعله وهمته، ومن يوقن بغنى الرب يستغني به عن كل عبد.

стр. 52

أدلة صفة العلو من الكتاب والسنة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع صفات الله وأثر هذه الصفات في إيمان العبد، ووقفنا مع صفة العلو، والعلو صفة لله جل في علاه ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي صفة ذاتية لله جل وعلا. أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقال جل في علاه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. وقال جل في علاه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]. أما السنة: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) وقال أيضاً: (يأتيني الوحي من السماء)، وقوله: (من في السماء)، يقصد على السماء كما في حديث ابن مسعود: (والله فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه). أي: فوق السماء، فالفوقية منا للذات، فمعنى: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) يعني: من فوق السماء، ومن جهة اللغة نحن نقول: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، وهل أحد شق الأرض ومشى داخلها؟ لا، إنما (في) هنا بمعنى: العلو. إذاً: ثبت بالكتاب وبالسنة أن الله جل وعلا فوق عرشه، وهو بائن من خلقه، يعلم ما هم عليه، وعلو الله المراد به: علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر. ومعنى علو الذات: أن الله جل في علاه قد استوى على العرش، وهو علي بذاته جل في علاه قريب في علوه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وكما مضى في حديث ابن مسعود: (وهو فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه). فهذا علو الذات. وأيضاً: النبي ﷺ أقر إيمان هذه الجارية لما اعتقدت الاعتقاد الصحيح بأن ربها في السماء، يعني: فوق العرش، وذلك لما سألها النبي ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء -يعني: فوق السماء- ثم قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ ، فقال: إعتقها فإنها مؤمنة). ومعنى علو الشأن: أنه لا ينفع ذا الجد منه الجد، وهو الذي تقدست أسماؤه الحسنى، والذي نزه عن كل نقص وعيب جل في علاه، فله الكمال المطلق، والجمال المطلق، والعظمة المطلقة، والقدرة المطلقة سبحانه، وهو الصمد الذي له السؤدد المطلق سبحانه جل في علاه، وله الكمال في كل شيء، فهذا هو علو الشأن. ومعنى علو القهر: أنه قهر كل المخلوقات، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، أي: عبداً مقهوراً ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٤]. ولما خلق الله السماوات والأرض قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فهذا أيضاً قهر، والله جل في علاه غالب على أمره، وإذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، حيث قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]. وقال جل في علاه حاكياً عن يوسف، وتمكين الله له، وأن هذا من قدرة الله، ومن قهر الله للعباد: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. والله جل في علاه كتب على نفسه النصرة لأهل الإيمان والتقى والدين من الأنبياء والشهداء والصالحين والمرسلين، فهذا العلو هو علو القهر وعلو الغلبة، وأوضح من ذلك استدلالاً من كتاب الله جل في علاه: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]. وهذه التقسيمات مستقاة من الآيات ومن أحاديث النبي ﷺ .

стр. 53

تعبد المسلم لربه بصفة العلو كيف يتعبد المرء لربه بهذه الصفة العظيمة؟ إن الله علي في ذاته، علي في شأنه، علي في قهره جل في علاه، والله جل في علاه إذ يتصف بهذه الصفة الجليلة يحب أن يرى أثر هذه الصفة خلقاً من أخلاقيات عباده، فلا بد للعبد أن يتخلق بأثر هذه الصفة، فتعلو همته لله جل في علاه، ينظر إلى فوق العرش فيعلم أن ربه فوق العرش يدبر أمر عباده، فتعلو همته فلا ينام ليله إلا وروحه تصعد عند العرش، فتطوف حوله، وتعلو همته إلى أن يجاور رب العرش سبحانه جل في علاه في الفردوس الأعلى.

стр. 54

تعبد الصحابة لربهم بصفة العلو هذا الرجل مولى رسول الله ﷺ عندما وضع الوضوء للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ شاكراً لفعله: (سلني، قال: أسألك مرافقتك في الجنة؟)، علو في الهمة، فهو يعلم أن ربه علي، وعلو الهمة صفة يحبها الله جل في علاه كما في الحديث الصحيح: (إن الله يحب معالي الأمور ويبغض أسافل الأمور)، فلذلك قال مولى رسول الله ﷺ : (أسألك مرافقتك في الجنة)، همة عالية فما رضي بالدون، وما قال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فكثير من العامة الآن تسمعهم يقولون: نحن لا نريد إلا أن نزحزح عنها فقط، فقط نمر على الصراط، هذه همة دنيا، والهمة الدنيا يمكن أن ينزل بها إلى نار جهنم، بل قال بعضهم: انظر إلى السماء حتى تصل إلى المأذنة؛ فلا بد لك من همة عالية، ولا ترضى بغير الفردوس بديلاً، وإن علمت أنك ربما تقع وتتجرأ وتتعدى وتفعل الحرام فاعلم بأن ربك سيوفقك للتوبة، واعلم أنك ما زلت على هدف غالٍ ثمين، هذا الهدف بعلو همتك ستصل إليه. كانت همة الصحابة رضوان الله عليهم في الفردوس الأعلى، عمرو بن الجموح ذلك الرجل الذي ابتلاه الله جل في علاه بعرجة في رجله وقد رفع عنه الحرج، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، عندما جاء إلى النبي ﷺ بين له أن الله قد رفع عنك الحرج، لكن له همة عالية لا ترضى بالدون، لا يرضى أن يكون تحت الناس، ولا أن يكون في الخط الخلفي، قال: والذي نفسي بيده لأطأن بعرجتي هذه الجنة، نسأل الله جل في علاه أن يجعله في الفردوس الأعلى مع النبي ﷺ ، هذه هي الهمة العالية في طلب الله جل في علاه.

стр. 55

تعبد الرسل لربهم بصفة العلو لقد ضرب لنا موسى ﵇ أروع الأمثلة في الهمة العالية، فبعد أن سمع صوت الله جل في علاه عندما ناداه ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، هذا من الهمة العالية؛ لأنه بعدما سمع هذا الصوت قال: إن كان هذا الجمال في الصوت فجمال الرؤيا أمتع وأشد وقعاً علي، فطلب بهمة عالية رؤية الله جل في علاه، لكن حال بينه وبين هذه الرؤية أن الله كتب ألا يراه أحدٌ في هذه الدنيا، ونطمع بإذن الله أن نرى ربنا في الآخرة، وكل بحسب إيمانه. همة عالية أيضاً في الدعوة إلى الله جل في علاه، أما رأيتم رسول الله ﷺ ومكة بأسرها تتكالب عليه وتتهمه بالجنون، وتضرب عليه بيد من حديد وتريد قتله، بل بعد ذلك ساومته ليتملك مكة بأسرها من مال وجاه ونساء وهو لا يرضى بذلك، ولا يرضى بدعوة الله جل في علاه بديلاً. إن رسول الله ﷺ صاحب الهمة العالية ما مات حتى أتم الله عليه الشريعة بأكملها، وبلغ عن الله أتم البلاغ، وبين عن الله أتم البيان ﷺ ، ولذلك قال في خطبة الوداع: (خذوا عني مناسككم، خذوا عني مناسككم، ثم قال: أترون أني قد بلغت؟ ثم جعل يرفع إصبعه يشير بها إلى السماء ثم ينكسها ويقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد). همة عالية في نشر دعوة الله جل في علاه، رجل واحد غير الله به الدنيا بأسرها مشارقها ومغاربها، وأصبح هذا الدين هو الدين الحق، وأصبحت الأمة الإسلامية هي أفضل أمة عند الله وكفى بهذه الأمة فخراً وشرفاً وعلواً أن النبي ﷺ يقول: (نحن الآخرون السابقون)، أي: سابقون في القضاء، وعبور الصراط، ودخول الجنة. وصحابة رسول الله ﷺ تعلموا الهمة العالية من رسول الله ﷺ متأثرين بصفة العلو لله جل في علاه، فأنا أهيب بنفسي وبإخوتي أن يتمثلوا بذلك ويتدبروا هذه الصفة، فإن كان طالباً للعلم فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية، إن كان حافظاً للقرآن فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية، إن كان داعياً إلى الله فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية.

стр. 56

تعبد العلماء لربهم بصفة العلو انظروا إلى ابن حزم ﵀، فهو أروع الأمثلة التي ضربت من العلماء، فقد بين لنا الهمة العالية كيف تصنع بصاحبها، دائماً كانوا يقولون: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، يعني: الذي يتعلم في الكبر تعليمه لا ينفع، لكنه كسر كل هذه القواعد: دخل المسجد بعد العصر، فأراد أن يصلي فقام له رجل فقال: يا جاهل! تصلي بعد العصر، وفي حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر، فاستحيا ابن حزم وجلس فلم يصل، فجاء في الجمعة التي بعدها فصادف أنه دخل بعد العصر المسجد فجلس ولم يصل؛ لأن الرجل قد علمه بأن النبي نهى عن ذلك، فلما أراد أن يجلس قال له طالب علم: أيها الجاهل! تدخل المسجد وتجلس ولا تصلي؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)؟ فقام حزيناً بعدما صلى، فذهب وقال: والله لا أتركن العلم بحال. انظروا إلى الهمة العالية، وكيف يتعبد لله بصفة العلو، فعكف على الكتب ثلاث سنوات فقام يطيح بالرءوس، ويشتد على الشافعي وأبي حنيفة والترمذي ويقول: ما سمعت بهذا الرجل، وما ترك أحداً إلا وبرى قلمه عليه، والعلماء يقولون: ابن حزم فحل من فحول أهل العلم لولا لسانه؛ لأن لسانه كان سيفاً بتاراً، فـ ابن حزم قال فيه العز بن عبد السلام: والله ما أبحت لنفسي أن أفتي حتى اقتنيت المغني لـ ابن قدامة، والمحلى لـ ابن حزم، ومن قرأ في المحلى علم غزارة علم الرجل حديثاً وفقهاً وأصولاً ولغة، فهو بحر في كل شيء لا ساحل له، ولولا قلمه لنال القبول العام عند العلماء، لكن انظر الهمة العالية التي جعلته في ثلاث سنوات يناطح الجبال، بل قام يناطح الجوزاء نفسها. مسدد بن مسرهد كان رجلاً محدثاً بارعاً ثقة ثبتاً، دار على محدثي الكوفة والبصرة وذهب إلى العراق فما ترك محدثاً إلا واستمع منه، يعاني كل ذلك ليسمع من ابن حنبل، ثم هو في كل طريق يسأل عن الإمام أحمد بن حنبل فدخل على يحيى بن معين فقال: أسألك، قال: سل، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ثقة، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ضعيف، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ثقة، قال: أسألك عن أحمد بن حنبل توثقه؟ فتعجب يحيى بن معين وقال: وأحمد بن حنبل يسأل عنه؟ أحمد بن حنبل إمام الدنيا بأسرها، أحمد لا يسأل عنه، ويذهب مسدد يسمع الحديث من أحمد بن حنبل وكان ثقة ثبتاً، بل أحمد رئيسه وشيخه وسيده، فظهر لنا علو همته في الطلب لما ذهب من بغداد ماشياً يريد صنعاء حتى يسمع الحديث من عبد الرزاق، وكان يستأجر نفسه، ويذهب يحمل عن الناس المتاع حتى يأخذ الأجرة فيطعم ويشرب حتى يذهب إلى عبد الرزاق ويسمع منه. البخاري من بخارى ما ترك بلدة فيها محدث إلا وذهب إليها، فذهب إلى أحمد وجلس إليه وأخذ منه الحديث، ثم ترك بغداد، وأراد أن يرحل إلى مصر، فقال له أحمد: أين تذهب؟ أتتركنا وتترك الحديث؟ لكن البخاري قد أخذ منه ما يريد وذهب باحثاً عن علو الإسناد، فما ترك بلدة فيها محدث إلا وذهب إليها. أبو داود جاء من سجستان في خراسان وذهب إلى الإمام أحمد، وله كتاب مشهور جداً يربطه بالإمام أحمد اسمه: سؤالات أبي داود، كان يسأل الإمام دائماً ويكتب عنه، فجمع الله بينهم فأخذ منه، ثم ذهب يدور على البلاد حتى يكتب الحديث. انظروا إلى الهمة العالية من هؤلاء الأفذاذ أساطين أهل العلم، تأثروا بصفة العلو لله جل في علاه، وأصبحت الهمة كالجبال عالية لا ترضى بالدون، كما قامت هند وسط الناس وأخذت بـ معاوية وقالت: إن ابني هذا سيد وسيعانق الجوزاء، وصدقت حينما قالت ذلك؛ فإن معاوية ﵁ وأرضاه صاحب همة عالية لا يرضى بالدون؛ ولذلك أصبح أميراً للمؤمنين ﵁ وأرضاه، فالصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم كانوا يتعبدون لله جل في علاه بهذه الصفة العظيمة الجليلة، وأيضاً من التابعين وتابعي التابعين. نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من أصحاب الهمم العالية. لكن أنا أشتكي إلى ربي من نفسي ثم الله أعلم بإخوتي؛ لأني أعصي الله، والمعصية شوك في طريق طالب العلم، وجبل هدام على طالب العلم، فالله جل في علاه يغفر لنا زلاتنا، ويسير بنا على هذا الطريق الذي هو أشرف وأنبل الطرق، ويجعل همتنا همة عالية حتى ننظر في وجهه الكريم ونحن في الفردوس الأعلى لا ننزل عنها درجة أبداً، وإن كانت الأعمال لا تصل بنا، لكن كفانا بحديث النبي ﷺ : (المرء مع من أحب)، ونحن جميعاً بفضل الله نحب الله، ونحب رسوله، ونحب أبا بكر وعمر جمع الله بيننا وبينهم في الفردوس الأعلى.

стр. 57

صفة الغنى لله تعالى

стр. 58

الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبرية الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبرية: أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الله، فهي أزلية أبدية اتصف الله بها في كل الأحايين، أما الخبرية فتأخذ حكم الذاتية في أنها لا تنفك عن الله، ولا تستطيع أن تقول: لله عين، عندما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وليس له عين في الوقت الآخر حاشا لله، فلا يصح أن تنفك عن الله فلله عين أزلاً وأبداً، لكن الفرق بينهما: أن العقل يمكن أن يثبت الذاتية، ولا يمكن أن يثبت الخبرية. ولو أدخلنا العقل في الصفة الخبرية لدخلنا في التكييف. مثال الصفة الذاتية: العزة، نقول: محمد عزيز، فإذا وصفت محمداً بالعزة فهذه صفة كمال، فمن باب أولى أن أصف رب محمد بالعزة. إذاً: العقل أثبت الصفة الذاتية أثبتها عن طريق قياس الأولى، وأقول: محمد كريم، فمحمد موصوف بالكرم، وهذه صفة كمال، إذاً: فرب محمد أولى أن يتصف بها، إذاً: العقل يمكن أن يثبتها. أما مثال الصفة الخبرية فأقول: محمد له عين، هل العين كمال في محمد فأصف الله بها؟ لا؛ لأني لا أعلم، فقد لا تكون صفة كمال في الإنسان وهي نقص في حق الله تعالى؛ لأن الإنسان يحتاج إلى العين ليرى لعجزه ونقصه، ولا تستطيع أن تقول: هذا في حق الله جل في علاه، هذا الفارق؛ لأن الصفة الخبرية لا يمكن أن تصف الله بها إلا أن تأتيك عن طريق الخبر، أما صفة الكمال الذاتية فمن الممكن أن تصف الله بها عن طريق قياس الأولى.

стр. 59

أدلة صفة الغنى في الكتاب والسنة الغنى صفة ذاتية لله جل في علاه ثبتت بالكتاب وبالسنة، أما بالكتاب: فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (بينما أيوب يغتسل ذكر لنا أنه سقط عليه قيراط من ذهب، فأخذ يحثو من الذهب، فأوحى الله إليه: ألم أكن قد أغنيتك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك). وجه الشاهد: (أغنيتك)، ووجه الدلالة: أن هذا فعل من أفعال الله، وهو أثر صفة من صفاته وهي صفة الغنّى. إذاً: صفة الغنى لله جل في علاه ذاتية الأصل، وتكون فعلية بالنسبة لفعل الرب تجاه العبد، فهو يغني من يشاء ويفقر من يشاء جل في علاه.

стр. 60

تعبد المسلم لربه بصفة الغنى إذا قلت ذلك فاعلم أخي الكريم -حتى تيأس من هذه الدنيا- أن الغنى والفقر بيد الله جل في علاه؛ ولذلك كان النبي ﵊ دائماً يقول: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السموات والأرض لا ينفع ذا الجد منك الجد)، أي: لا ينفع الغنى منك الغنى، فإن الغنى كله بيد الله جل في علاه، فإن أردت أن تتعبد بهذه الصفة لله جل في علاه فاعلم أن ربك غني عنك وعن أمثالك وعن الدنيا بأسرها، إن مدحت ربك بسجودك وتذللك وتضرعك فلا تمن على الله بذلك؛ لأنه غني عن عبادتك وتضرعك ومدحك وثنائك عليه، ألم تسمع قول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك مما عندي شيئاً)؟ وأيضاً يقول النبي ﷺ في الصحيح: (قال الله جل في علاه: يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)، فالغنى المطلق لله جل في علاه. إن علمت ذلك -أخي الكريم- فاستغن بربك، ولا تسألن أحداً إلا إذا أباح لك الله السؤال في المسألة التي تحل لك؛ لأنك إذا استغنيت بربك فالدنيا بأسرها ستكون معك، ومن كان الله معه فمن عليه؟! ومن انشغل بالله كفاه الله كل الهموم، كما في بعض الآثار: (خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك الرزق فلا تتعب). قال ابن القيم: خلق الكون كله لك، وخلقك أنت له؛ فإن استغنيت به جعل الكون كله في يديك. أنت موظف عند ربك جل في علاه، فانشغل بهذه الوظيفة يكفيك الله كل الهموم. ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية يبين غناه بربه جل في علاه، ويدحض الشبه التي تأتيه فيقول: ماذا يريد أعدائي بي؟ انظروا إلى الغنى بالله جل في علاه، ما سأل أميراً ولا وزيراً ولا حاكماً ولا غير ذلك، قال: ما يفعل أعدائي بي؟ ما يظن أعدائي بي؟ ما يريدون مني، أنا جنتي في قلبي، ولذلك قلنا بأن الرزق رزقان: رزق قلوب، ورزق أبدان، وأفضل ما يكون من رزق القلوب هو غنى القلب، وأن تستغني بربك في قلبك، قال: إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن نفوني فنفيي سياحة. فهو يستغني بربه عن كل شيء.

стр. 61

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة العظمة والعلم لله إن صفة العظمة لله تعالى ثابتةٌ في الكتاب والسنة، وهي صفة ثبوتية ذاتية، ويستدل لعظمة الله تعالى بعظمة خلقه، وقد ضرب النبي ﷺ وأصحابه أروع الأمثلة في تعظيم الله ، وتعظيم أوامره، كذلك صفة العلم من الصفات الذاتية الثبوتية لله تعالى، وهي ثابتة في الكتاب والسنة، وهو سبحانه مختص ومتفرد بعلم الغيب.

стр. 62

صفة العظمة لله تعالى وآثارها في إيمان العبد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن العظمة صفة من صفات الله الذاتية التي لا تنفك عن الله جل في علاه، وقد ثبتت لله في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، أما في الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] وقوله جل في علاه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣]. هذه كلها تنبثق من اسم الله العظيم، فهذا الاسم يتضمن صفة الكمال وصفة العظمة. أما من السنة: فقد قال النبي ﷺ -في حديث الشفاعة: (قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)، قوله: (وعظمتي) هذا هو الشاهد. نستدل على عظمة الله جل في علاه بالنظر والتدبر في عظيم خلق الله جل في علاه، فإن العبد يؤمر من قبل ربه أن يوقر ربه، وتوقير الله بمعنى تعظيم الله جل في علاه. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] هذه معاتبة شديدة من الله لعباده؛ وذلك لتقصيرهم في تعظيمه وتوقيره. ثم بين لنا سبحانه الدواعي والأسباب التي تحث المرء على تعظيم الله جل في علاه وتوقيره سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح:١٥ - ٢٠]. وما أروع ما قاله الأعرابي: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وأنهار ذات أمواج، دلالة على عظمة الخالق الواحد القهار سبحانه جل في علاه. ونستدل على عظمة الله بعظمة الرسول ﷺ ، وهذا سنبينه في الجزء الثاني من الشرح: أن من عظمة الرسول أن الله أقسم بعمر الرسول ﷺ ؛ لعظيم خلق النبي؛ وعظيم قدره؛ وحسن فعاله ﷺ ، وفيه دلالة واضحة جداً على عظمة الخالق، فإن عظمة المخلوق أدل الدلائل على عظمة الخالق .

стр. 63

الأمور التي يتعبد الله بها في صفة العظمة يتعبد المرء لله جل في علاه بصفة العظمة بعدة أمور: الأمر الأول: أن يتواضع كل التواضع لعظمة الله جل في علاه، فلا يتعاظم في نفسه بحال من الأحوال، إذ أنه من أظلم الظلم أن تطلب التعظيم والتوقير لنفسك، وأنت لست معظِّماً لله ولا لأمره جل في علاه، فالواجب عليك أن تعظم الله، فتتواضع كل التواضع لله جل في علاه، فلا تتعاظم في داخل نفسك ولا تتكبر؛ لأن الله جل وعلا يبغض المتكبرين، وقد بيَّن على لسان نبيه ﷺ : (أنه لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، والعياذ بالله، فأصل تعظيم الله جل في علاه تواضع المخلوق لعظمة الخالق. الأمر الثاني: تعظيم أمر الله، وتعظيم أمر رسول الله ﷺ ، فمن تعظيم الله أن تعظم أوامره جل في علاه بالسمع والطاعة على قدر طاقتك، قال الله جل في علاه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والله جل في علاه بين على لسان نبيه ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). فهذه دلالة واضحة جداً على تعظيم أوامر الله. ومن تعظيم قدر الله جل في علاه: تعظيم شعائره، وقد ربط الله تقوى القلوب بتعظيم شعائره سبحانه؛ لأنه بيَّن أن من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، فربط التقوى بتعظيم الله وتوقيره جل في علاه. أيضاً من استحضار عظمة الله جل في علاه: ألا تنظر إلى عظمة المعصية، لكن تنظر إلى عظمة من عصيت، كما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه مبيناً لنا خطاً واضحاً في التعبد لله بصفة التعظيم والتوقير لله جل في علاه، حيث قال: (لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت) فهذا من تعظيم الله جل في علاه. ومن توقير الله جل في علاه: أن توقر الله فلا تجترئ على محارمه، قال الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب أي: أنه عظيم يعلم كل ما نفعل.

стр. 64

تعظيم النبي ﷺ لنعم الله لقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة بتعظيمه وتوقيره لله جل في علاه. تعظيمه أولاً لنعم الله وهذا من توقير الله ومن تعظيم عطاء الله جل في علاه، فمن تعظيم النبي ﷺ وتوقيره لنعم الله: أنَّه كان يقوم الليل لا يفتر حتى تتورم قدماه، فتقول عائشة ﵂ وأرضاها: (يا رسول الله! إنك عبد قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلم هذا؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً). فهذا من تعظيم منن الله على العبد، فأنت من تعظيمك لله تعظم نعمة الله عليك، وكل نعمة دقيقة أو جليلة جاءت فهي عظيمة؛ لأنها جاءت من العظيم، وانظروا أيضاً إلى تعظيم النبي ﷺ لقدر وشأن الرب جل في علاه عندما قال له الخطيب: ما شاء الله وشئت، فقال له: (بئس خطيب القوم أنت! أجعلتني لله نداً؟)

стр. 65

تعظيم النبي ﷺ لأوامر ربه من تعظيم النبي ﷺ لأوامر الله ولحرماته جل في علاه: عندما جاء أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، فقال له النبي ﷺ مغضباً: (يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله؟ والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). بأبي هو وأمي، كيف كان يعظم ربه قائماً وصائماً ونائماً وحاجاً ومزكياً ومتصدقاً، كيف كان معظماً لقدر ربه جل في علاه، كيف كان معظماً لربه جل في علاه بتنفيذ أوامره، وعدم انتهاك حرمات الله جل في علاه، وقد تربى على هذه المائدة الصحابة الكرام الذين عظموا قدر الله وأوامره وحرماته سبحانه.

стр. 66

من تعظيم الله سبحانه تعظيم رسوله إن تعظيم النبي ﷺ من تعظيم الله، ومن استهزأ برسول الله ﷺ فقد حكم الله عليه بأنه كافر. والكفر نوعان: كفر نوع، وكفر عين، فكفر النوع: أن تقول: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل والفاعل ليسا بكافرين؛ لأن النبي ﷺ قال: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، والعياذ بالله. فكفر النوع لا يكفر القائل والفاعل حتى تقام عليهما الحجة، وتزال عنهما الشبهة، والذي يقيم الحجة رجل عالم، أو طالب علم يعلم هذه المسألة ويتقنها. أما كفر العين فهو الذي لا يحتاج إلى إقامة حجة بل هو يكفر عيناً، وهذه لا تكون إلا بدليل أسطع من شمس النهار قد بينه الله جل في علاه، بأن يكون كفراً بواحاً صريحاً لا تستطيع أن ترده، أو تقول: لا بد أن تقام عليه الحجة. ومنها: المعلوم من الدين بالضرورة، كمن استحلَّ وطأ الأم فهذا كفر عين؛ لأنه تكذيب لله، والله يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. وكذلك: سب الرسول والاستهزاء به لا يحتاج إلى إقامة حجة، والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].

стр. 67

الفرق بين كفر النوع وكفر العين إذا سأل سائل وقال: ما الفرق بين كفر النوع وكفر العين؟ ف الجواب كفر النوع عام لا يُوجَّه إلى الشخص بعينه وإنَّما يوجَّه إلى الفعل الذي يؤدي إلى الكفر، وكفر العين يوجه إلى الشخص، ولكن بدليلٍ ساطع، مثاله: (أن النبي ﷺ كان كثيراً ما يؤتى إليه برجل يلقب بالحمار، كان يشرب الخمر كثيراً، فيؤتى به فيجلد، ثم يشرب، ثم يجلد، ثم يشرب، ثم يجلد، وذات مرة جيء به مخموراً فأقاموا عليه الحد، فقال خالد: لعنة الله عليك ما أكثر ما يؤتى بك؛ فقال له النبي ﷺ : لا تلعنه ولا تعِنْ عليه الشيطان، والله ما أعلمه إلا يحب الله ورسوله). فهذا دليل على التفريق بين كفر النوع وكفر العين، لكن كيف يجمع بين هذا الحديث وحديث أنَّ النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة، فقال: (لعن الله شاربها وبائعها) إلى آخره؟ الجواب: لعنهم الله ورسوله عموماً ونوعاً، ولكن لما جيء بالرجل الذي يشرب الخمر إلى النبي ﷺ ولعنه خالد قال: (لا تلعنه ولا تعن الشيطان عليه، والله ما أعلمه إلا يحب الله ورسوله) فنفى عنه لعن المعين، فهذا فيه دليل واضح على التفريق بين كفر النوع وكفر العين.

стр. 68

تعظيم الصحابة الكرام لله ولرسوله ولأوامرهما قال الله تعالى في تعظيم النبي ﷺ : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] أي: تعظموه، ومن تعظيم النبي ﷺ : موقف أبي بكر ﵁ عندما قال عروة بن مسعود: (والله ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس -يحقر من شأنهم- أو قال: ما أرى حولك إلا أشواباً من الناس -يعني: أخلاطاً سيفرون منك عما قريب- فقال أبو بكر: نحن نفر عن رسول الله ﷺ ، امصص بظر اللات) وهذه مسبة فاحشة كانت في العرب، انظروا قالها بكل جرأة، وسمعها النبي ﷺ وسكت عنها، ولذلك أنزل الله جل في علاه موافقاً لما فعل أبو بكر هذه الآية: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] يعني: أن من ظلم فله أن يرد، فلما ظُلم أبو بكر وظلم الصحابة؛ ردَّ أبو بكر هذا الردَّ على عروة بن مسعود الثقفي ﵁ وأرضاه قبل أن يسلم. وهذه دلالة بيِّنة على تعظيم قدر النبي ﷺ . وقد تحقق تعظيم الله في قلب أبي بكر عندما كان على فراش الموت، فقد قام ينصح عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قائلاً: (يا عمر! إن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار)؛ تعظيماً لأوامر الله جل في علاه؛ بل تعظيماً لانتهاك حرمات الله جل في علاه. أرأيت هذا العبد الذي كان يتكهن ويأتي أبا بكر كل يوم أو كل ليلة بالخراج فيأكل منه أبو بكر ﵁ وأرضاه، وكان يسأله من أين هذا؟ وفي ذات مرة نسي أبو بكر أن يسأل هذا العبد فأكل من الخراج فجاءه العبد فقال: يا أبا بكر لِمَ لِمْ تسألني من أين هذا؟ قال: من أين هذا؟ قال: هذا خراج كهانة كنت قد تكهنتها في الجاهلية، فأدخل أبو بكر إصبعه في فيه، وتقيَّأ كل ما في بطنه؛ ورعاً منه وتقوى وتعظيماً لله ولأوامره. وهذا عمر بن الخطاب من تعظيمه لقدر الله وتعظيمه لقدر النبي ﷺ عندما قال في صلح الحديبية: (يا رسول الله لم نعطي الدنية في ديننا؟ ألسنا على الحق؟ قال: بلى، أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له رسول الله ﷺ : إني رسول الله ولن يضيعني الله، ثم ذهب إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نُعطي الدنية في ديننا؟ فقال له أبو بكر: الزم غرزه) أي: الزم أمره. فتعظيماً لقدر النبي ﷺ قال عمر: ما ندمت على شيء مثل ما ندمت على هذا القول، ثم قال: وفعلت لذلك أفعالاً من صدقة وقيام وصيام واستغفار؛ لأنه عارض النبي ﷺ فيما فعل. فكان الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم أعظم الناس تقديراً لحرمات الله جل في علاه، ولحرمات الرسول ﷺ ، وقال أنس ﵁ وأرضاه للتابعين حين ساءته أفعالهم: (والله إنكم لتفعلون أفعالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنَّا نعدُّها في عهد رسول الله ﷺ من الموبقات). وهذا ابن مسعود يعاتب أصحابه ويبين بأن المعظم لحرمات الله يرى المعصية الصغيرة كالجبل الشاهق في السماء، والكافر أو المنافق يرى المعصية الكبيرة كالذبابة على أنفه يهشها هكذا بيده. هذا من عدم تعظيم قدر الله، وتعظيم عظمة الله جل في علاه، فعلى العبد أن يتصور ذلك، وأن يتدبر هذا، ويقرأ سيرة صحابة رسول الله ﷺ كيف عظموا الله جل في علاه؛ حتى يصل بهذا التعظيم إلى تعظيم لقاء الله جل في علاه.

стр. 69

من تعظيم الله تعظيم لقائه من تعظيم الله تعظيم لقائه يوم القيامة، فإن الله يحشر الناس حفاةً عراة غرلاً غير مختونين، يخرجون من قبورهم عطاشاً، ويقفون موقفاً لا يحسدون عليه، والكرب شديد، والشمس تدنو من الرءوس مقدار ميل، وكل منهم يرى من أخيه هذا الكرب الذي يراه فيه، فمنهم من يعرق إلى الكعبين، ومنهم من يعرق إلى الركبتين، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. فيهرعون إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم وغيرهم يستشفعون بهم وكل نبي في هذا الموقف العظيم يقول: (نفسي نفسي، اللهم سلم سلم، فيذهبون إلى رسول الله ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها). فلابد للإنسان أن يعظم قدر لقاء الله، وأن الله سيتكلم مع المرء كفاحاً ليس بينه وبينه حجاب، ويعظم قدر الصراط الذي بينه ﷺ : أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، والكلاليب من جهنم تخرج، والنبي ﷺ يبين للناس أنَّ منهم من يمر على الصراط كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم الذي يمشي، ومنهم الذي يتقاعس، ومنهم الذي ينكب على وجهه، ومنهم الذي يزحف والكلاليب تخطفه. فلابد من تعظيم هذا اليوم، فهذه أيضاً من عظمة قدر الله جل في علاه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تعرفون لله حقاً ولا تعرفون له عظمةً ولا قدراً، فلا تقدرون الله حق قدره ولا أوامره حق قدرها.

стр. 70

صفة العلم لله تعالى وآثارها في إيمان العبد الصفة الثانية: صفة العلم، وصفة العلم أيضاً من الصفات الثابتة لله جل في علاه، وهي صفة ذاتية ثبوتية. والقدرية هم: الذين نفوا علم الله جل في علاه. فإذاً نقول: هي صفة ثابتة ثبوتية ذاتية لله جل وعلا؛ لأنها لا يمكن أن تنفك عن الله بحال من الأحوال أزلاً وأبداً.

стр. 71

أدلة ثبوت صفة العلم لله من الكتاب والسنة هذه الصفة الجليلة ثبتت لله جل في علاه بالكتاب وبالسنة. أما بالكتاب: قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣] وقال: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. أما من السنة: فقول النبي ﷺ : (اللهم إني أستخيرك بعلمك)، وأيضاً في بعض الروايات قال: (بعلمك الغيب). وأيضاً قوله ﷺ : (اللهم عالم الغيب والشهادة)، وهذه دلالة من السنة على صفة العلم، وعلم الله جل في علاه تكلمنا عنه كثيراً لكن الآن نمر عليه مرور الكرام، فهو يعلم الغيب والشهادة . والله يعلم السر وأخفى من السر، بل يعلم خائنة الأعين، بل يعلم دقات القلوب، بل يعلم ما تخفيه الصدور، لا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، سبحانه جل في علاه، يعلم كل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً، كبيراً أو صغيراً.

стр. 72

اختصاص الله تعالى بعلم الغيب الغيب كله لله، ولا أحد يعلم الغيب مع الله جل في علاه، فإنَّ الله يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الجن:٢٦]. ويقول أيضاً: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وأيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. وهذا أسلوب حصر، أي: لا يعلم الغيب إلا الله، لكن قد يشكل علينا قول النبي ﷺ : (كذب المنجمون ولو صدقوا) فأخبر النبي أنهم يصدقون في علم الغيب أحياناً، فكيف يكون ذلك؟ نقول: إن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر:١٨] فالنبي ﷺ أخبر أن الجن يركب بعضهم فوق بعض حتى يسترق المسترق منهم السمع، وذلك بأن الله جل وعلا يطلع الملائكة على شيء فيسمع الجني هذه الكلمة فيلقيها في أذن من تحته فقد تصل الكلمة قبل أن يصل الشهاب، وقد يحترق بالشهاب قبل أن يصل بهذه الكلمة، فإذا وصلت الكلمة يزيد عليها مائة كذبة. ولذلك اختبأ النبي ﷺ خلف الأشجار لـ ابن صياد، فقالت أمه: (يا صاف! هذا محمد ﷺ ، فجاء النبي ﷺ إليه فقال له: من يأتيك؟ قال: يأتيني صادق وكاذب -أي: يأتونه بكلمة صادقة ومائة كلمة كاذبة- قال: ماذا ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء، قال: إني قد خبأت لك خبيئة، فقال له: الدخ) ثم وقفت نفسه وما استطاع أن يكملها؛ وذلك لأن الملك نطق بكلمة (الدخان)، فسمعتها الجان التي فوق وأخذت تلقيها في أذن الجني الأسفل فقالت له: الدخ، ونزل الشهاب فقطع دابرها بفضل الله، فوقفت عند الدخ، فقال له النبي ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك)؛ لأنها من مسترق السمع. فهذه دلالة على أن هذا ليس بغيب مطلق؛ لأن الله جل وعلا استثنى بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر:١٨] أي: إلا من استرق السمع فأخذ كلمة، وكذب عليها مائة كذبة، أما الرسول ﷺ فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الجن:٢٧] إلى آخر الآيات، وهذه موضحة على أن الغيب كله لله جل في علاه. فإذا قيل: لماذا يسمح الله لجني كافر أن يسترق السمع؟ نقول: فتنةً لعباده واختباراً، اللهم احفظنا من مضلات الفتن يا رب العالمين! فمن زعم حب الله ورضاه، فإن الابتلاء ينزل عليه تترى حتى يظهر صدقه، فالله يبتلي العباد بذلك، فالقبوري مثلاً: يذهب عند القبور ليدعو أصحابها، فيستجيب الله له فتنة له. فلذلك نقول: بأن الله جل وعلا يختبر عباده، ونسأل الله أن يثبتنا على الحق، فعالم الغيب هو الله جل في علاه، وعلم الله: علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.

стр. 73

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة السمع والبصر والجمال والجود لله لقد بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله أن له أسماءً تسمى بها، وصفاتٍ اتصف بها، وينبغي على المسلم أن يتعبد لله بهذه الأسماء والصفات، إثباتاً لها، وعملاً بمعانيها ومقتضياتها، متقرباً بذلك لله جل وعلا، وإن الإيمان بهذه الأسماء والصفات ينمي في حس المسلم ووجدانه معاني الإيمان، ويحيي في قلبه معاني التعظيم لله جل وعلا، وتقديره حق قدره.

стр. 74

إثبات صفتي السمع والبصر لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فأن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن العلم بصفات الله جل في علاه هو أرقى العلوم وأشرفها، إذ العلم علمان: علم بالله, وعلم بأمره ونهيه. وأشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله؛ لأنه ليس أحد أشرف من الله جل في علاه. والعلم بالله ينقسم إلى علم بربوبيته جل في علاه، وعلم بأسماء الله الحسنى، وعلم بصفات الله جل في علاه. لا يوصف الله جل وعلا بالبركة؛ لأنه لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة يصف الله بالبركة, وصفات الله جل في علاه توقيفية, يعني: لا نعرفها إلا عن طريق السماع من الكتاب أو السنة. فلا نصف الله بالبركة، وإنما نصفه جل في علاه بتبارك؛ لأن الدليل جاء فقصرها على الله جل في علاه, فلا يصح أن نصف الله بالبركة. السمع والبصر صفتان ثبتتا لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فأثبت لنفسه السمع والبصر، والنبي ﷺ عندما تكلم عن سمع الله وبصر الله وضع أصبعه على عينه، ووضع الأصبع الآخر على أذنه، كما في السنن أنه فعله أبو هريرة ورفع الفعل للنبي ﷺ . وفي الصحيحين عن أبي موسى لما كانوا في سفر وعلت أصواتهم فقال: لهم النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً). فأثبت لربه السمع والبصر. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن لله سمعاً وبصراً.

стр. 75

المعنى اللغوي لصفتي السمع والبصر المثبت لله تعالى والسمع في اللغة معلوم، فبه تسمع كل المسموعات، فلا يخفى على الله جل في علاه شيء، فيسمع حتى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى مخ سوقها. فيسمع نبضات القلب، بل يسمع همسات الصدر, ويسمع كل شيء، السر والنجوى، سبحانه جل في علاه. وأما معنى البصر: فهو أن الله أحاط بكل شيئاً بصراً, ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه)، سبحات يعني: أنوار وبهاء وعظمة وجمال وجهه، قوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: أن بصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، فقد أحاط بكل شيء سمعاً وبصراً. وفي البخاري أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها, إن المرأة تشتكي لرسول الله وأنا في ناحية المنزل يخفى عليّ بعض حديثها، فأنزل الله جل في علاه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، أي: من فوق سبع سماوات، سبحانه جل في علاه.
следующие страницы →