← Акыда

Акыда · id 37674

صفات الله وآثارها فى إيمان العبد

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (102 стр.). Показаны 71–102 · переход к 76.

стр. 71

أدلة ثبوت صفة العلم لله من الكتاب والسنة هذه الصفة الجليلة ثبتت لله جل في علاه بالكتاب وبالسنة. أما بالكتاب: قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣] وقال: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. أما من السنة: فقول النبي ﷺ : (اللهم إني أستخيرك بعلمك)، وأيضاً في بعض الروايات قال: (بعلمك الغيب). وأيضاً قوله ﷺ : (اللهم عالم الغيب والشهادة)، وهذه دلالة من السنة على صفة العلم، وعلم الله جل في علاه تكلمنا عنه كثيراً لكن الآن نمر عليه مرور الكرام، فهو يعلم الغيب والشهادة . والله يعلم السر وأخفى من السر، بل يعلم خائنة الأعين، بل يعلم دقات القلوب، بل يعلم ما تخفيه الصدور، لا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، سبحانه جل في علاه، يعلم كل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً، كبيراً أو صغيراً.

стр. 72

اختصاص الله تعالى بعلم الغيب الغيب كله لله، ولا أحد يعلم الغيب مع الله جل في علاه، فإنَّ الله يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الجن:٢٦]. ويقول أيضاً: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وأيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. وهذا أسلوب حصر، أي: لا يعلم الغيب إلا الله، لكن قد يشكل علينا قول النبي ﷺ : (كذب المنجمون ولو صدقوا) فأخبر النبي أنهم يصدقون في علم الغيب أحياناً، فكيف يكون ذلك؟ نقول: إن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر:١٨] فالنبي ﷺ أخبر أن الجن يركب بعضهم فوق بعض حتى يسترق المسترق منهم السمع، وذلك بأن الله جل وعلا يطلع الملائكة على شيء فيسمع الجني هذه الكلمة فيلقيها في أذن من تحته فقد تصل الكلمة قبل أن يصل الشهاب، وقد يحترق بالشهاب قبل أن يصل بهذه الكلمة، فإذا وصلت الكلمة يزيد عليها مائة كذبة. ولذلك اختبأ النبي ﷺ خلف الأشجار لـ ابن صياد، فقالت أمه: (يا صاف! هذا محمد ﷺ ، فجاء النبي ﷺ إليه فقال له: من يأتيك؟ قال: يأتيني صادق وكاذب -أي: يأتونه بكلمة صادقة ومائة كلمة كاذبة- قال: ماذا ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء، قال: إني قد خبأت لك خبيئة، فقال له: الدخ) ثم وقفت نفسه وما استطاع أن يكملها؛ وذلك لأن الملك نطق بكلمة (الدخان)، فسمعتها الجان التي فوق وأخذت تلقيها في أذن الجني الأسفل فقالت له: الدخ، ونزل الشهاب فقطع دابرها بفضل الله، فوقفت عند الدخ، فقال له النبي ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك)؛ لأنها من مسترق السمع. فهذه دلالة على أن هذا ليس بغيب مطلق؛ لأن الله جل وعلا استثنى بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر:١٨] أي: إلا من استرق السمع فأخذ كلمة، وكذب عليها مائة كذبة، أما الرسول ﷺ فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الجن:٢٧] إلى آخر الآيات، وهذه موضحة على أن الغيب كله لله جل في علاه. فإذا قيل: لماذا يسمح الله لجني كافر أن يسترق السمع؟ نقول: فتنةً لعباده واختباراً، اللهم احفظنا من مضلات الفتن يا رب العالمين! فمن زعم حب الله ورضاه، فإن الابتلاء ينزل عليه تترى حتى يظهر صدقه، فالله يبتلي العباد بذلك، فالقبوري مثلاً: يذهب عند القبور ليدعو أصحابها، فيستجيب الله له فتنة له. فلذلك نقول: بأن الله جل وعلا يختبر عباده، ونسأل الله أن يثبتنا على الحق، فعالم الغيب هو الله جل في علاه، وعلم الله: علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.

стр. 73

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة السمع والبصر والجمال والجود لله لقد بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله أن له أسماءً تسمى بها، وصفاتٍ اتصف بها، وينبغي على المسلم أن يتعبد لله بهذه الأسماء والصفات، إثباتاً لها، وعملاً بمعانيها ومقتضياتها، متقرباً بذلك لله جل وعلا، وإن الإيمان بهذه الأسماء والصفات ينمي في حس المسلم ووجدانه معاني الإيمان، ويحيي في قلبه معاني التعظيم لله جل وعلا، وتقديره حق قدره.

стр. 74

إثبات صفتي السمع والبصر لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فأن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن العلم بصفات الله جل في علاه هو أرقى العلوم وأشرفها، إذ العلم علمان: علم بالله, وعلم بأمره ونهيه. وأشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله؛ لأنه ليس أحد أشرف من الله جل في علاه. والعلم بالله ينقسم إلى علم بربوبيته جل في علاه، وعلم بأسماء الله الحسنى، وعلم بصفات الله جل في علاه. لا يوصف الله جل وعلا بالبركة؛ لأنه لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة يصف الله بالبركة, وصفات الله جل في علاه توقيفية, يعني: لا نعرفها إلا عن طريق السماع من الكتاب أو السنة. فلا نصف الله بالبركة، وإنما نصفه جل في علاه بتبارك؛ لأن الدليل جاء فقصرها على الله جل في علاه, فلا يصح أن نصف الله بالبركة. السمع والبصر صفتان ثبتتا لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فأثبت لنفسه السمع والبصر، والنبي ﷺ عندما تكلم عن سمع الله وبصر الله وضع أصبعه على عينه، ووضع الأصبع الآخر على أذنه، كما في السنن أنه فعله أبو هريرة ورفع الفعل للنبي ﷺ . وفي الصحيحين عن أبي موسى لما كانوا في سفر وعلت أصواتهم فقال: لهم النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً). فأثبت لربه السمع والبصر. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن لله سمعاً وبصراً.

стр. 75

المعنى اللغوي لصفتي السمع والبصر المثبت لله تعالى والسمع في اللغة معلوم، فبه تسمع كل المسموعات، فلا يخفى على الله جل في علاه شيء، فيسمع حتى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى مخ سوقها. فيسمع نبضات القلب، بل يسمع همسات الصدر, ويسمع كل شيء، السر والنجوى، سبحانه جل في علاه. وأما معنى البصر: فهو أن الله أحاط بكل شيئاً بصراً, ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه)، سبحات يعني: أنوار وبهاء وعظمة وجمال وجهه، قوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: أن بصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، فقد أحاط بكل شيء سمعاً وبصراً. وفي البخاري أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها, إن المرأة تشتكي لرسول الله وأنا في ناحية المنزل يخفى عليّ بعض حديثها، فأنزل الله جل في علاه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، أي: من فوق سبع سماوات، سبحانه جل في علاه.

стр. 76

أنواع سمع الله وسمع الله أنواع: سمع تهديد وسمع تسديد ونصرة وتأييد, وسمع قرب وإجابة ورفع بلوى وكشف كربة. أما سمع التهديد: فكما بين الله جل في علاه لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، ثم بعد ذلك يدبرون الأمر بالليل، فأخبرهم أنه يسمع سرهم ونجواهم، وهذا السماع وهذه الآية تدل على أن الله يهددهم، فكأنه يقول لهم: أسمع سركم وأسمع نجواكم، فإن سمعت ما تقولون أو ما تسرون في قلوبكم أو في أماكنكم فإن قوتي ستصل إليكم؛ لأني سمعت ما تدبرون وإني قاصم لظهوركم. سبحانه جل في علاه. فهذا سمع تهديد، يهدد به الله جل في علاه القلوب المريضة، ولترجف وترجع. وسمع تأييد ونصرة وتسديد. اللهم اسمعنا بنصرك يا رب العالمين، وبتسديدك وتأييدك. وهذا السمع هو الذي قاله الله جل في علاه لموسى عندما قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، وذلك لما ذهب إلى فرعون الطاغية الأكبر الأرعن، الذي تجرأ وقال: إني أنا ربكم الأعلى. فخاف موسى وخاف على هارون, ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، فبين الله أنه يسمعهم، وهذا السمع يستلزم التأييد والنصرة، بل ويستلزم أن الله جل وعلا يعصمه من كل شر. ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، أي: أسمع ما يحاك بكم، وما يدار بينكم، وكل ما يدور معكم، وإني منجيكم من هؤلاء الكفرة الظلمة, ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. فسمعه سمع قرب, وإجابة وكشف الكربة, ورفع البلوى. فيسمع لعبده في السحر في الليل وهو متخشع متذلل متضرع لربه جل في علاه، فيسمع دعواه ويستجيب له. ولذلك ينزل ربنا نزولاً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيسمع دعاء عبده, كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وخاصة إذا قدمت بين دعاءك دعاء الثناء؛ لأن الدعاء: دعاء عبادة ودعاء مسألة, فإذا قدمت دعاء الثناء والعبادة فإن الله يقبل المسألة. ومثال ذلك: إذا كنت في الصلاة فقرأت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فقد أثنيت على الله بالربوبية, ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٣ - ٥]، وهذا ثناء على الله بأنه المتفرد وحده بالعبادة، فقد أثنيت على ربك أولاً بدعاء الثناء وهو دعاء العبادة، بل هو كل العبادة. وقد احتج له شيخ الإسلام بحديث فيه ضعف، ولكن أستأنس به ومعناه صحيح، وهو حديث: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين) فإذا أديت دعاء العبادة، ثم ركعت فعظمت الرب قائلاً: سبحان ربي العظيم، فقد قدمت ثناء العبادة أو دعاء العبادة، فدعاء المسألة لك مستجاب، فقل: سمع الله لمن حمده, يعني: أن الله سمع ثناءك وحمدك وشكرك، وسيجازيك عن ذلك خيراً, فهذا السماع: سماع قرب واستجابة للدعاء. وقد سمع الله قلب زكريا قبل صوته عندما خفق قلبه على الولد، وقد بلغ من الكبر عتياً، وامرأته عاقر. ولما دخل على مريم ﵂ وأرضاها ورأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء والعكس بالعكس, نادى ربه، وهو يعلم بأن الله سميع قريب مجيب سيسمع دعاءه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]. وهذا هو سمع الإجابة, فكانت المكافئة: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم:٧]. ولو تدبر أحدنا ذلك وعلمه، واجتهد حتى يتعلم هذه الصفات، وكيف يتعبد بها لربه جل في علاه؟ ومن السمع القريب: سمع الله جل في علاه في كشف الكربة ورفع البلوى, كما في قصة المرأة التي جاءت تشتكي زوجها، وأنه بعدما كبر سنه، وبعد العشرة الطويلة, قال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان هذا في الجاهلية يعد طلاقاً، فكأنه بت طلاقها. فذهبت تشتكي ذلك لرسول الله ﷺ ، كيف يفعل بها ذلك؟ وهي حجرها له وطاء، وهي معه في هذا العمر المديد. فأنزل الله جل في علاه كاشفاً عنها الكربة ويقول: لا ليس بطلاق، إنما هذا منكر من القول وزور، فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] فسمع شكوى المرأة، وكشف كربتها، ولم يجعل هذا طلاقاً بائناً أبداً, بل جعله منكراً من القول، ثم عاقب هذا القائل بأنه لا بد أن يكفر عن هذا القول الذي هو منكر وزور, فكشف الكربة، ورفع البلوى. وهذه الصفة قد تعبد بها يونس ﵇، عندما كان في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وفي بعض هذه الآثار وإن كانت إسرائيليات لا تصدق ولا تكذب، أن الملائكة كانوا يقولون: سمعنا قولاً، أو سمعنا كلاماً أو صوتاً من مكان بعيد، ولكنه عند الله قريب ولذلك سمع الله له, فجاد عليه جوداً لم يجده على نبي مثله.

стр. 77

أثر الإيمان بصفتي السمع والبصر ومن اعتقد في الله هذا الاعتقاد, وعلم أن ربه يسمع وأنه يرى, فإنه سيخشى أن يقع في ما يضره عند الله جل في علاه. وفيما ينزل قدره عند ربه جل في علاه, وإذا علم أن الله يسمعه سمع التسديد والنصرة والتأييد فلا يقع في بلوى, أو في مأزق, أو في أي أمر من الأمور إلا ويستحضر ذلك، ويعلم أن الله مؤيده، وأن الله غالب على أمره. وإذا علم أن الله يراه فإنه سيستحي أن ينظر إلى ما يغضب الله جل في علاه.

стр. 78

ثبوت صفة الجمال لله والأدلة عليها الجمال صفة ثوبتية لله جل في علاه, والجمال جمال في كل شيء, فهو جمال في الذات المقدسة, وجمال في الصفات الكاملة والأسماء الحسنى, جمالاً في الأفعال, وجمال في الصنعة أي: الأفعال, وجمال في كل شيء. وهذه الصفة ثابتة لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. أما الأدلة من الكتاب: فقوله تعالى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]. وقوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]، هذه الدلالات تدل على جمال الله جل في علاه. وأما الأدلة من السنة: فما جاء صريحاً في سنن الترمذي بسندٍ صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال). فالله جميل، لن يتنعم المرء مثل تنعمه برؤية وجه الله جل وعلا, ورؤية جماله سبحانه.

стр. 79

جمال المخلوقات من جمال الخالق انظروا إلى بديع خلق الله, وإلى جمال القمر ليلة البدر, فإنه لا يوجد مثله في الجمال والبهاء والعظمة والجلال. فهذا القمر جلاله وبهاؤه وعظمته وجماله من جلال وبهاء وعظمة وجمال الله جل في علاه. وانظروا إلى النجوم التي تبرق وتتلألأ في السماء الصافية, هداية للحائرين, ومتعة للناظرين, فإنها من خلق الله جل في علاه، ومن صنعه سبحانه. وانظروا إلى الثمار الزاهية شموا شذى عطرها، فإنها من الله جل في علاه. فكل جمال تراه في هذه المخلوقات في هذه الدنيا ما هو إلا نابع من جمال الله جل في علاه. بل لو اجتمع جمال السموات والأرض وما فيهن ما كان إلا سراجاً مقارنة بنور جمال الله جل في علاه.

стр. 80

التعبد لله بصفة الجمال لقد تعبد رسول الله ﷺ بصفة الجمال عندما قال: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به السموات والأرض) , فإن الأرض تشرق بنور ربها، حين يأتي الرب جل في علاه ليفصل بين العباد, وهذا من جمال الله جل في علاه, والله جميل يحب كل جميل. ويتعبد المرء بهذا الجمال كالآتي: التدبر في جمال الله جل في علاه, فينظر في جمال أسماء الله الحسنى. فمثلاً ينظر في اسم اللطيف، وينظر في جمال اللطف، وأن الله يخفي الأشياء في أضدادها، فيخفي النصر داخل الهزيمة, ويخفي العزة داخل الذل, ويخفي الحرية داخل الرق، سبحانه جل في علاه, وينتزع النصر من أنياب القهر والظلم، فهذا من جمال أسماء الله جل في علاه. وينظر إلى اسم الله الحنان المنان، سبحانه جل في علاه. فينظر كيف يمن على عباده بأرزاق شتى، أرزاق القلوب، وأرزاق الأبدان. وينظر إلى جمال صفات الله، فينظر إلى صفة الضحك، فإن الله يضحك، وهذا من جماله, وإذا كان الله يضحك فإنا لن نعدم من رب يضحك خيراً, كما قال الصحابي الفقيه الأريب اللبيب عندما قال للنبي ﷺ : (أيضحك ربنا؟ قال: يضحك ربكم. قال: ما يضحك الرب؟ قال: أن تدخل بغير درع، أن تدخل مقبلاً غير مدبر، فتضرب في عنقك، أو تضرب في صدرك، فيضحك الرب من ذلك)، وإن كانت الأسانيد مختلف فيها, لكن لها شواهد تدل على الصحة. فقال الرجل: لن نعدم من رب يضحك خيراً. ويضحك سبحانه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، ويأخذ الأول بيد الآخر ويدخلان الجنة. وينظر إلى جمال صنيع الله، وفعل الله مع نبيه ﷺ , فبعد أن كان ذليلاً طريداً مكن له في المدينة، وأسس الدولة الإسلامية، وكشف عنه الكربة، وسلاه بعد هذا الكرب الشديد الذي نزل عليه. وأخذه إلى رحلة لم يأخذ نبياً لها أبداً، إلا رسول الله ﷺ ، تشريفاً وتعظيماً وتوقيراً لمكان هذا النبي، وذلك في الإسراء والمعراج، وهذا من جمال فعل الله جل وعلا مع نبيه. وينظر إلى جمال فعل الله جل في علاه مع عباده، فقد فتح لهم باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فهذا من جميل صنيع الله جل في علاه.

стр. 81

أثر الإيمان بصفة الجمال إذا تدبر العبد ذلك قال: إن الله جميل في صفاته، وجميل في ذاته، وجميل في أفعاله. فلا بد أن أكون جميلاً في ذاتي, جميلاً في أفعالي, جميلاً في صفاتي, فإن الله جميل يحب كل جميل، فلا بد أن تكون جميلاً في ثوبك، وفي نعلك وفي هيئتك، وفي وقارك وفي تعظيمك لسنة النبي ﷺ ، فإن هذا جمال يحبه الله جل في علاه. وإن أنعم الله عليك نعمة فعليك أن تري الله جل في علاه أثر هذه النعمة عليك, فإن الله يحب أن يرى أثر النعمة على عبده, فهذه من الجمال والبهاء. أيضاً لا بد أن تكون جميلاً في الظاهر والباطن, وهذا هو الأهم عند الله. فجمال الباطن بنقاء السريرة، فلا غل ولا حسد ولا حقد ولا مشاحنة ولا هجر لا مهاجرة، ولا عمل يسيء إليك أمام ربك جل في علاه. فلا بد من نقاء السريرة، وهذا هو الجمال المطلوب، وعليك أن تعود نفسك عليه، حتى يرضى عنك ربك, وحتى يرى أثر جماله في جمال قلبك، ونقاء سريرتك، وانظر إلى جميل فعل صحابة رسول الله عندما تأثروا بجمال الله ظاهراً وباطناً، ففي مسند أحمد أنه ﷺ قال: (يخرج عليكم اليوم رجل من أهل الجنة، وفي اليوم الثاني قال: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة) وخرج نفس الرجل، وفي اليوم الثالث خرج نفس الرجل، فذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ينظر في هذا الرجل وفي شدة عبادته، فما رأى كثير صلاة ولا صيام, فقال: ما الذي جعلك تبشر بالجنة وأنت تمشي على قدميك بين الناس؟! قال: ما أبيت وفي صدري لأحد شيئاً. وهذه هي التي رفعته عند ربه جل في علاه، وصاحب البطاقة ما ارتقى وما نجا إلا بنقاء السريرة ونقاء القلب, وأرقى من ذلك ما اصطفى الله جل في علاه محمداً إلا بنقاء قلبه، فعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه موقوف عليه بسند صحيح كما في سنن الدارمي وغيره أنه قال: إن الله نظر في القلوب فوجد أنقاها قلب رسول الله ﷺ فاختاره نبياً وخليلاً، ثم نظر إلى القلوب فوجد أتقاها وأنقاها قلوب صحابة رسول الله ﷺ . فما اختار الله نبيه إلا بالقلب، وما اختار أصحابه إلا بالقلب، وهذا من جميل صنيع الصحابة، وصنيع الله مع صحابة رسول الله ﷺ ، فإن مقياس الناس عند رب الناس هي: القلوب. جمال الظاهر عند الصحابة قد طبقوه واقعاً يعيشون به, فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه نال ما نال، ولو أن أحدنا نال ما ناله أبو بكر لأعمل السيف في الذي أوصل له هذا الضر الشديد, فإن عائشة وهي الصديقة بنت الصديق لما تكلم عنها مسطح الذي كان ينفق عليه أبو بكر ﵁ وأرضاه ومسطح ابن خالته, وكان من المهاجرين، ومن المؤمنين الصالحين، ﵁ وأرضاه، ولكنه زل زلة شديدة عندما تكلم وخاض مع الخائضين في حادثة الإفك, فقال أبو بكر: والله لأمنعن النفقة عن مسطح، فالله جل في علاه عظم قدره بجميل فعله فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]. فهنيئاً لك يا أبا بكر، فإن الله كلمك بالتعظيم لجميل صنعك, وانظروا إلى جميل فعله مع رسول الله، قال النبي ﷺ : (وواساني بماله وأهله). فقد أنفق ماله كله في الدعوة إلى الله جل في علاه, فكان يحوط رسول الله ﷺ برعايته وبماله كله، فشكر الله له ذلك وعظمه، وتكلم معه مخاطباً إياه بالتعظيم فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢] إلى آخر الآيات, فقال: عدت في النفقة. فلما قال الله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] قال: أحب أن يغفر الله لي. فهذا جمال صنيع أبي بكر. وانظروا إلى ما هو أروع من ذلك، أو ما هو في روعة هذا، وهو فعل سعد بن الربيع ﵁ وأرضاه، وجميل صنعه وجمال فعله بالتعبد لله بالجمال, فعندما آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف قال له: أما البيت فبيني وبينك نصفين، فنقسمه بيني وبينك نصفين, وأما أزواجي فانظر إلى واحدة منهن أعجبتك أطلقها وتتزوجها. ومع أن العرب معروف عنهم الغيرة الشديدة، إلا أنه يقول: أيتهما أعجبتك أطلقها فتتزوجها. وأرقى جمالاً من ذلك ما فعل عبد الرحمن بن عوف، فإنه قال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، فدلني على السوق. نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يتعبد بصفات الله، وجمال الله، وبهاء الله، وجلال الله، وعظمة الله.

стр. 82

ثبوت صفة الجود لله صفة الجود: صفة ثبوتية ذاتية؛ لأن جود الله عم كل البشر، ووصل جوده إلى الحيوانات العجماوات, ووصل إلى أكفر أهل الأرض، فقد وصل جود الله إلى فرعون، فعافاه وأعطاه ومنحه وملكه، وهو مع ذلك يكفر برب العالمين جل في علاه. وقد ثبتت هذه الصفة لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة. أما بالكتاب فالدليل عليها وإن كانت المسألة فيها رقائق بعيدة عن المنهجية، لكن قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وهي تدل على الجود. وأما من السنة فما جاء في السنن: (إن الله جواد يحب الجود). وهذه الصفة العظيمة الجليلة معناها: كثرة العطاء، وكثرة الفضل والإحسان. وقد قال ابن القيم في نونيته: وهو الجواد فجوده عم الوجود جميعه بالفضل والإحسان وهو الجواد فلا يخيب سائله ولو أنه من أمة الكفران فجود الله عم الدنيا بأسرها، كما قال النبي ﷺ : (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، لا تغيظها نفقة، أرأيتم ما انفق الله منذ خلق السموات والأرض؟ ما نقص ذلك مما عند الله شيئاً).

стр. 83

أنواع الجود جود الله نوعان: جود معنوي، وجود حسي، فأما الجود الحسي فهو معلوم، وهو الجود بالأرزاق، فمن جود الله إرسال الرياح رحمةً وبشرى بين يدي رحمته, ومن جوده إنبات الثمر للحيوانات قبل البشر، ومن جوده جل في علاه إعطاء المحروم ما يريد وما يتمنى. ومن جود الله جل في علاه المعنوي: الجود على أوليائه بالإيمان وبالعلم وبالنفقة القلبية، فيكشف عن القلوب، فيجود عليها بحبه وبإيمانه. ومن جوده أنار لك طريق الهداية، ومن جوده أرسل محمداً رحمةً للعالمين سبحانه جل في علاه, وأعجب من ذلك: أن جوده بلغ الكافر كما بلغ المسلم, كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (لا أحد أصبر على أذى من الله, يسبونه، ويدعون له الولد، وهو يعافيهم ويرزقهم!). وهذا من جود الله جل في علاه. فالجود عم كل المخلوقات، فقد عم المسلم والكافر, وعم البر والفاجر, وعم حتى الحيوانات العجماوات.

стр. 84

التعبد لله بصفة الجود لا بد أن يتأثر العبد بجود الله جل في علاه, فيكون جواداً كريماً، منفقاً مما عنده، شطر ما عنده، أو ربع ما عنده، أو ثلث ما عنده، أو خمس ما عنده، تقرباً لله جل في علاه، حتى يكتب عند الله جواداً. ويجود بالعلم، والجود بالعلم فوق الجود بالمال، وأرقى منه بمراتب، والدليل على ذلك من السنة هو ما جاء عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن).

стр. 85

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الحق والحمد والحلم لله صفات الحق والحمد والحلم لله ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن أسماء الله الحسنى: الحق والحميد والحليم، وقد تعبد النبي ﷺ ربه بهذه الصفات، وظهرت آثارها جلية في حياته، وتبعه على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 86

ثبوت صفة الحق لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما زلنا مع صفات الله الجليل، وأثر هذه الصفات في إيمان العبد الذي يتعبد لله بهذه الصفة التي اعتقدها اعتقاداً جازماً. إن صفة الحق صفة جليلة، وصفة كمال وجلال وبهاء وعظمة لله جل في علاه، وصفة الحق صفة ذاتية ثبتت لله جل في علاه في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، ومعنى هذه الصفة: هو الحق في وجوده وفي كونه جل في علاه، وهو الحق في وعده وفي قوله، وهو الحق في لقائه، وهو الحق في ثوابه، وهو الحق في عقابه ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦]، وقال جل في علاه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤]. وفي السنة كما في الصحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ كان يقول في قيام الليل: وأنت الحق، وقولك الحق)، ووجه الدلالة من ذلك: أن اسم الله جل في علاه الحق، ويتضمن صفة الحق، والعبد الذي يعتقد بهذه الصفة اعتقاداً جازماً، فإنها تؤثر في سويداء قلبه، وتؤثر في أعماق إيمانه، فالمتعبد بهذه الصفة يصدق بوجود الله، فهو يتعبد لربه سبحانه وهو موجود، وهو يصدق بوعد الله جل في علاه، ويصدق بلقاء الله، ويحمله ذلك على أن يصدق بأنه سيقف أمام الله جل في علاه ويحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، ويحاسبه على النَّفَس وعلى الكلام، وعلى الضحك، وعلى النوم، وعلى النفقة، وعلى كل عمل دقيق أو جليل، فيصدق بأنه سيقف بين يدي ربه ليس بينه وبينه ترجمان، وهذا التصديق يحمله على المسارعة في الخيرات؛ لأنه مصدق بأنه سيلقى وعد الله حقاً. وأيضاً المتعبد لله بهذه الصفة الجليلة يعلم بأن الله حق يحب الحق، فلا يتكلم إلا بالحق، ولا يفعل إلا الحق، ولا يناصر إلا الحق، ولا يؤدي غضبه أو عاطفته إلى أن يحيد عن الحق، فقد قال النبي ﷺ في دعائه كما في الصحيح: (اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا)، فلا يحمله الغضب على أن يحيد عن الحق، ولا يميله الحب أو العاطفة عن الحق، فهو دائماً متكلم بالحق، ويناصر الحق، ويسعى للحق حيثما كان، ويعلم أن الله جل في علاه يرتب لأهل الحق حق اليقين في الجنات، وقد قال النبي ﷺ : (سيد الشهداء حمزة ورجل تكلم بكلمة الحق عند سلطان جائر فقتله)، فهو بتصديقه بموعود الله، وبتصديقه بهذه الصفة يحب الحق، ويناصر الحق، ويسعى للحق، وهو بذلك يستحضر كيف تعبد الصحابة الكرام بهذه الصفة لله جل في علاه، فإن النبي ﷺ يحب الحق، ويتكلم بالحق، ويناصر بالحق، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فلابد من كلمة الحق حتى لو على نفسك أو على الوالدين والأقربين.

стр. 87

تعبد النبي ﷺ والصحابة لله بصفة الحق وانظروا إلى رسول الله ﷺ كيف يعرف أن ربه الحق، وأن الله يحب الحق، وأن صفة الحق للحق، فهو يدافع عن الحق ويناصر الحق، جاء أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه حب رسول الله ﷺ يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، فثار النبي ﷺ للحق، وأراد أن يناصر الحق، وما كان ﷺ يغضب لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتصر للحق، فقال ﷺ لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) انتصاراً للحق، وغضباً للحق. وهكذا كان الصحابة الذين الذين تربوا على يد رسول الله ﷺ يتعبدون بهذه الصفة الجليلة لله، ويعلمون أن مناصرة الله تعبداً بصفة الحق للحق ، وانظر إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه وهو يناصر الحق أمام الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، يقوم عمر بن الخطاب ويعارض أبا بكر فيقول: أتقاتل قوماً يقولون: لا إله إلا الله؟ وقد قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)، هو يرى أن هذا هو الحق فيناصره، والمناصر للحق لا يضيع الحق، لكن المتخاذل عن الحق لم يتعبد الله بهذه الصفة، بل سيضيع الحق بسببه، وأنه لم يتعبد لله بهذه الصفة، وأبو بكر أرق الأمة وأرحم الأمة بالأمة ومع ذلك كان أبو بكر مناصراً للحق، ويعلم أن الحق يحب الحق، فقال لـ عمر بن الخطاب: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، أردت قوتك تأتيني بضعفك وخورك وجبنك، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة وبين الزكاة، والله لو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، مناصرة للحق، فإن النبي ﷺ علم أصحابه كيف يتعبدون بهذه الصفة لله جل في علاه، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه جلد ابنه فلذة كبده من أجل أن ينصر حداً من حدود الله جل في علاه، عملاً بهذه الصفة الجليلة، وأيضاً علي بن أبي طالب كان يناصر الحق حتى ولو كان ذلك على أمير المؤمنين، فـ عثمان بن عفان الحج كان ينهى عن المتعة في الحج، والمتعة: أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، أي: يعتمر ثم يتحلل ثم بعد ذلك يهل بالحج، فكان عثمان ﵁ وأرضاه ينهى عن المتعة، فقام له علي فقال له: أتنهى عن المتعة وتعلم أن رسول الله ﷺ قد أمر بها؟ والله لأقومن بسنة رسول الله ﷺ ، ولأخالفن من خالف رسول الله ﷺ كائناً من كان، لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج. فهذا يل على تعبد الصحابة ﵃ وأرضاهم بهذه الصفة العظيمة الجليلة، صفة الحق ومناصرته، أما المتخاذلون الذين يتخاذلون عن الحق فهؤلاء قد جهلوا صفات ربهم، فضيعوا الحق، وضيعوا التعبد لله بهذه الصفة، فهم آثمون وأيضاً هم عند الله جل في علاه على مذمة عظيمة؛ لأنهم لم يتعبدوا بصفة الحق، ولم ينصروه، فهذه ثلاثة آثام يقع فيها الذين يتخاذلون عن الحق.

стр. 88

ثبوت صفة الحمد لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع الحمد صفة ثبوتية ذاتية ثبتت لله جل في علاه بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وجه الدلالة من الآية: أن الله سمى نفسه الحميد، وهذا الاسم يتضمن صفة كمال، وهي صفة الحمد. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. وفي السنة جاء في الحديث المتفق عليه الذي علم فيه النبي ﷺ ابن مسعود والصحابة كيف يصلون عليه، قال النبي ﷺ في آخره: (إنك حميد مجيد)، وهذه أيضاً تسمية لله في علاه تتضمن هذه الصفة، ومعناها: هو المحمود على كل حال ، وهذه الصفة صفة كمال وجلال وبهاء وعظمة، فإن الله يحمد على صفات الكمال والجلال والقوة والجبروت والعزة، ويحمد عباده جل في علاه على القليل من العمل بفضل منه ونعمة، فهو يحب العبد الشاكر، ويحمد العبد الشاكر، ويحمد عمل العبد القليل فيثيبه عليه، وأحب عباد الله إلى الله الذين يشكرون، كما بين الله جل في علاه مادحاً نوحاً: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢١]، فإن الله يحب العبد الشكور، ولذلك جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب من أحدكم إذا أكل أن يحمد الله على ذلك، وإذا شرب أن يحمد الله على ذلك) فإن الله يحب ذلك من العبد؛ لأنه محمود ويحمد ويحب هذه الصفة، ولذلك المتعبد لله بهذه الصفة يقول: علي أن أحمد الله، وأتدبر نعائم الله، فأشكر ربي وأثني الثناء على المنعم ، والشكر يدخل مع الحمد إذا انفرد أحدهما عن الآخر، فيحمد الله جل في علاه على كل نعمة، وأجل النعائم التي لا بد للإنسان لزاماً أن يحمد الله عليها: نعمة الإسلام، ثم نعمة الإيمان، ثم نعمة العلم، ثم نعمة الجهاد، ثم نعمة النفقة، ثم نعمة الطاعة، هذه النعائم التي تحتاج إلى الحمد.

стр. 89

فوائد حمد الله والحمد له فوائد عظيمة جليلة: منها أولاً: العبد الذي يحمد ربه جل في علاه يحمده الله؛ لأنك إذا ذكرت ربك بالحمد ذكرك هو بالثناء في الملأ الأعلى. ثانياً: إن الحمد يحفظ لك النعائم، حيث قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] يعني: لا يحمدون الله جل وعلا عليها. ثالثاً: أن مع حمد الله على هذه النعائم تزداد هذه النعائم، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فإن النعائم تزداد بالحمد وبالشكر لله جل في علاه.

стр. 90

تعبد النبي ﷺ والصحابة بصفة الحمد لله تعالى ولقد استشعر النبي والصحابة حقيقة هذه الصفة فتعبدوا الله بها وجعلوها واقعاً مشاهداً عندما اعتقدوا هذه الصفة في قلوبهم وتعبدوا بها لله جل في علاه، فرسول الله ﷺ عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه بقي يحمد الله ويشكر الله جل في علاه ليل نهار، وكان يشكر الله قولاً باللسان واعتقاداً بالجنان وعملاً بالأركان، فكان يقوم الليل كله، وتقول عائشة: (يا رسول الله! لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول النبي ﷺ : أفلا أكون عبداً شكوراً)، وكان النبي ﷺ يحمد الله ويعمل بما أمر الله به من الحمد، وكان ﷺ يقول: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله) جل في علاه، فالمعتقد أن النعم التي أتته هي من قبل الله يعتقد أن الله قد سبب أسباباً لهذه النعم التي آتاه إياها، فهذه الأسباب لا بد أن تشكر، والذي يجحد بهذه الأسباب لزاماً لا بد أن يجحد بالمسبب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (من لم يشكر الناس لا يشكر الله) جل في علاه، وهذا طبقه النبي ﷺ حتى نأتسي به ﷺ ، بل طبقه مع الكافر قبل المسلم، فقد كان النبي ﷺ يشكر صنائع الكافر قبل أن يشكر المسلم، فلما رجع النبي ﷺ إلى مكة مغتماً حزيناً حين طرده أهل الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي فأخذ المطعم بن عدي السيف وأخذ أولاده وقال: إن محمداً في جواري، فاشترط عليه كفار قريش أن يتعبد ربه في سره ولا يكشف لهم ما يتعبد به، فشكر له النبي ﷺ ذلك وهو كافر، فقال في أسرى يوم فتح مكة: (لو كان المطعم حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لدفعتهم إليه) شكراً له، بل أرقى من ذلك وأوجب وأقوى من ذلك عندما تتدبر هذه الصفة الجليلة لله جل في علاه، وذلك حين يشكر الله المرء إذا أحسن للكلب أو أي حيوان آخر، فإن الله يحمد عباده على حسن صنيعهم مع العجماوات، فهذه بغي من بني إسرائيل تزني كل ليلة وتضاجع رجلاً، وتأكل من فرجها، وتأتي ما يغضب الله سبحانه، فكانت مرة في صحراء وبلغ منها العطش مبلغه فوجدت بئراً فنزلت فيها وشربت، ولما خرجت رأت كلباً يلهث، قالت: إن العطش بلغ من هذا الكلب ما بلغ مني، فنزلت فسقت الكلب فشكر الله لها فغفر لها، فانظروا حمد الله جل في علاه لعباده، كذلك العباد لا بد أن يحمدوا الله على ذلك. وانظروا كيف يطبق النبي ﷺ التعبد بهذه الصفة عندما يحمد أبا بكر ﵁ وأرضاه على حسن صنيعه معه، وكان النبي ﷺ يقول: (سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر فإنه أتاني بأهله وماله)، فهذا شكرٌ لـ أبي بكر على ما صنع مع رسول الله ﷺ ، انظروا كيف يشكر الله أبا بكر ﵁ -وإن كان في إسناد هذا الحديث نظر، والراجح فيه الصحة والله تعالى أعلى وأعلم- فقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ جلس، وجلس أمامه أبو بكر ﵁ وأرضاه عليه ثياب خلقة رثة، فجاء جبريل فقال: يا محمد! ألق السلام على أبي بكر وقل له: إن ربك يلقي عليك السلام وهو عنك راض، فهل أنت راض عن الله؟) جل في علاه، يعني: عن أفضال الله عليك بعدما أنفقت مالك عن بكرة أبيه في الدعوة إلى الله جل في علاه، فهذا شكر الله لـ أبي بكر؛ إذ يرسل جبريل ﵇ من فوق سبع سماوات ليلقي السلام ويبين الرضا عن أبي بكر ﵁ وأرضاه، حمداً لحسن صنيع هذا العبد. وكما قلت: لا بد لنا أن نتدبر هذه الصفات الجليلة ونتعبد لله بها، فعلى العبد كل حين وكل آن أن يحمد الله ليل نهار على لسانه الذي يذكر به الله جل في علاه، وعلى أذنه التي يسمع بها كتاب الله جل في علاه وأحاديث النبي ﷺ ، وعلى يده التي يكتب بها أحاديث النبي ﷺ أو القرآن أو يبطش بها في الحق، وعلى بصره الذي لا ينظر به إلا إلى ما يرضي الله جل في علاه، وإن نعائم الله تتنزل على العبد تترا فلابد أن يشكر العبد ربه ويتعبد لله بهذه الصفة الجليلة صفة الحمد لله جل في علاه.

стр. 91

ثبوت صفة الحلم لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع صفة الحلم صفة ذاتية ثبوتية، قد ثبتت لله في الكتاب وفي السنة وبإجماع أهل السنة، أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وأيضاً في دعاء الكرب في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: (لا إله إلا الله العظيم الحليم)، فهذه نصوص على أن صفة الحلم ثابتة لله، والاسم يتضمن صفة كمال، فالحليم يتضمن صفة الحلم: ومعنى الحلم هو: الذي لا يعجل بالعقوبة ، فإنه يملي للعباد ولا يهمل؛ لأنه إذا أخذ لم يفلت، فهو يملي للعباد، ويفتح لهم أبواب التوبة والأوبة والرجوع إليه ، فإنه حليم، وانظروا إلى حلم الله جل في علاه المتدفق على عباده المؤمنين والكافرين، ترون أعجب ما ترون من حلم الله جل في علاه بعد علمه، إذ يرى الذين يعيثون في الأرض فساداً فيحلم عليهم ويفتح لهم أبواب التوبة، بل يرضى منهم التوبة والأوبة والرجوع إليه، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله، يسبونه، وينسبون له الولد، وهو مع ذلك يطعمهم ويسقيهم ويرزقهم ويعافيهم) جل في علاه. أيضاً انظر إلى الذين يعيثون في الأرض فساداً، ويسومون أهل الإسلام سوء العذاب، والمؤمن الموحد المخلص لله جل في علاه أفضل عند الله من الكون بأسره، أفضل من السماء والأرض والجبال والأنهار والجنات، بل شرف المؤمن أشرف عند الله من شرف الكعبة، فقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه كان يطوف بالكعبة ويقول: أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمك، وعظمة دم المرء المسلم عند الله أشرف منك وأعظم منك. بل جاء عن النبي ﷺ مرفوعاً: (إن حرمة دم المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة)، وأيضاً: جاء عن النبي ﷺ كما في سنن الترمذي بسندٍ صحيح أنه: (لو تمالأ أهل الأرض وأهل السماء على دم امرئ مسلم -يعني: ظلماً- أكبهم الله في النار ولا يبالي)، من عظم حرمة دم المسلم عند الله جل وعلا، وأنتم ترون الآن دول أهل الكفر يسومون أهل الإسلام سوء العذاب، والله بحلمه يتدارك أهل الإسلام، وبحلمه يفتح أبواب التوبة لهؤلاء الكفار، وانظروا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] أي: يريدون ردهم عن التوحيد، فقد حفروا الأخاديد وأججوها ناراً، وقذفوهم فيها، ورغم ذلك فإن الله تعالى يقول في هؤلاء الكفار: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، والشاهد: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠]، (ثم) هنا: للتراخي، بعدما حفروا الأخاديد وأججوها ناراً وأقحموا الناس فيها يقول الله لهم: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] فعلى الرغم من شناعة هذه الأفعال يفتح الله لهم باب التوبة ويقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فاعلموا أن حلم الله جل في علاه يتدارك الكافرين قبل أن يتدارك المؤمنين، فما بالكم بحلم الله على المؤمنين.

стр. 92

تعبد النبي ﷺ والصحابة الكرام بصفة الحلم والعبد إذا أراد يتعبد لله بهذه الصفة فعليه أن ينظر إلى من سبقه بالتعبد بها ليعلم كيف يتعبد لله بهذه الصفة، فرسول الله ﷺ ضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك، فقد علم أن الله حليم يحب الحلم؛ لأن الله جل في علاه يحب صفاته، ويحب أن يرى أثر هذه الصفات على العبد المؤمن الذي اعتقدها لله جل في علاه، فلذلك كان النبي ﷺ يعلم بأن الله حليم ويحب كل حليم، وانظروا إلى حلم رسول الله ﷺ مع بيته أولاً، فقد كان حلم النبي ﷺ مع أزواجه يضرب به المثل، فكان ذات مرة عند عائشة ﵂ وأرضاها وكانت نوبتها فأرسلت زينب ﵂ وأرضاها بقصعة فيها طعام في نوبة عائشة، فغارت عائشة، وغيرة النساء معلومة، حتى قال الإمام مالك: إن المرأة إذا غارت قذفت، وإذا قذفت لم تحد؛ لأن الغيرة تغلب على العقل، وكان رسول الله ﷺ جالساً ومعه أصحابه، فالمجلس فيه أصحاب رسول الله وفيه المعظم رسول الله ﷺ أكرم الخلق على الله، بينما هم كذلك إذ تخرج عائشة ﵂ وأرضاها قبل الحجاب، وتأخذ قصعة الطعام فتلقي بها فتكسرها، فقال النبي ﷺ : (غارت أمكم غارت أمكم، إناء بإناء وطعام بطعام)، انظروا إلى حلم النبي ﷺ مع زوجاته وهو بذلك يتعبد لله بهذه الصفة الجليلة بعدما اعتقدها اعتقاداً جازماً لله جل في علاه، وكان النبي ﷺ يشتهي عسلاً، فكان في كل يوم في العصر يذهب إلى زينب فيجلس يسامرها ويحب أن يأكل عندها العسل، فغارت عائشة فقالت: يذهب إلى زينب ويجلس، لم يجلس؟ فعرفت أنه يأكل عندها العسل، فذهبت إلى سودة، وكانت عائشة شديدة الرأي عليهن؛ لأن عائشة كانت لها الحظوة عند رسول الله ﷺ ، فكن يخشين عائشة، يعني: إن خالفنها تألم عليها رسول الله، كن يعتقدن ذلك، ورسول الله ﷺ لا يعلم، فهو يتعامل مع كل امرأة بحسن خلقه، فذهبت عائشة إلى سودة، وسودة أكبر منها سناً بمراحل فقالت: إذا دخل عليك فقولي له: أكلت مغافير؟ ونزلت على رأي عائشة، ثم ذهبت حفصة وقالت لها الشيء نفسه، وكان النبي ﷺ يكره أن يشتم منه رائحة لا تقبل، وهذه سنة سنها الرسول ﷺ لكل إنسان يحاول قدر الإمكان أن يكون على رائحة طيبة، فدخل النبي ﷺ على حفصة فقالت: يا رسول الله! كأنها تشمئز، ما هذا؟ أكلت مغافير؟ فالنبي ﷺ يقول: (والله ما أكلت مغافير ما أكلت إلا عسلاً)، فذهب إلى سودة فقالت: ما هذا يا رسول الله! أكلت مغافير؟ ثم دخل على عائشة فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: ما هذا يا رسول الله! ما هذه الرائحة؟ أكلت مغافير؟ فقال: (والله ما أكلت مغافير بل أكلت هذا العسل)، فأقسم بالله ألا يأكل العسل، وهذا حلم رسول الله ﷺ مع أزواجه، فهو لم ينهر امرأة منهن، بل منع نفسه مما يشتهي حتى لا يقال له: أكلت مغافير، فأنزل الله جل في علاه على النبي ﷺ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١]. وانظر إلى سعة حلم النبي ﷺ عندما جاءته الوفود وجاءه أعرابي جلف لا يعرف كيف يتعامل مع أكرم خلق الله على الله، فجبذه بردائه ﷺ ، حتى ظهر ذلك في صفحة عنق النبي ﷺ ، فقال له: أعطني من مال الله ليس من مالك ولا من مال أبيك، فأراد الصحابة قتل هذا الأعرابي والنبي ﷺ يبتسم له ويكتب له عطاء. وقد علمنا أبو بكر ﵁ وأرضاه الحلم، وابنته كذلك، وكان ذلك في حادثة الإفك وقد تولى كبره المنافق العربيد عبد الله بن أبي ابن سلول وخاض فيه من خاض، ومرضت أم المؤمنين شهراً، وكان النبي ﷺ يدخل عليها -وبكل حلم- ويقول: (كيف تيكم؟) ويتركها ويسير، فلما علمت بحادثة الإفك دخل عليها رسول الله وهي تبكي فقال: (يا عائشة! إن كنت قد ألممت بالذنب، فاستغفري ربك فإنه غفور رحيم، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله. فقالت: والله ليس مثلي ومثلكم إلا كمثل يعقوب مع أولاده، فصبر جميل والله المستعان) من الحلم؛ لأن علامات الحلم الصبر، فالله جل في علاه كافأها على حلمها في هذا البلاء بأن برأها من فوق سبع سماوات، وقد اشتد غضب أبيها أبي بكر ﵁ وقال: والله لا أنفق على مسطح فأنزل الله معاتباً إياه: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، فقال: أحب أن يغفر الله لي، ثم أعاد النفقة على مسطح. وعمر بن الخطاب ضرب لنا أروع الأمثلة في الحلم أيضاً، عندما دخل المسجد وكان هناك من ينام في المسجد وكان عمر ﵁ وأرضاه رجل طوال، ورجله ليست بالهينة، فوطئ رجلاً بقدمه، فقام الرجل فقال: أنت أيها الأعمى! يقول ذلك لـ عمر، وعمر معه من معه من الصحابة، فقاموا لتأديبه فقال: اتركوه وقال للرجل: أوما ترى عيني؟ إني لست بأعمى، وهذا من حلم عمر ﵁ وأرضاه. اللهم ارزقنا الحلم، فالإنسان إذا تعلم الحلم ساد، والقاعدة عند العلماء: لا يسود المرء إلا بالحلم. فنسأل الله جل في علاه أن يعلمنا الحلم، وأن يجعلنا نطبق هذه الآيات وهذه الصفات على أنفسنا، فيرى الله منا الصدق ويحلينا بصفات المتقين، ويرزقنا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 93

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الحكم والحكمة لله إن من أعظم ما يزيد إيمان العبد أن يعلم صفات الله تعالى ويتعبده بما فيها من المعاني الجليلة، ومن هذه الصفات صفة الحكم لله جل وعلا، والتي معناها: أن الأمر كله يرجع لله في الدنيا والآخرة، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه العدل، وقوله الفصل، والعلم بذلك يلزم منه رد التنازع والتحاكم إليه في كل ما يختلف فيه الناس، ومن صفات الله الجليلة: صفة الحكمة والتي معناها: أن الخالق الحكيم يضع الشيء في موضعه، فإذا نظر العبد في أفعال الله تعالى علم أنها لا تكون إلا عن حكمة، فيعيش راضياً بأقدار الله، مطمئن البال سعيداً، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

стр. 94

إثبات صفة الحكم لله تعالى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنحن اليوم على موعد مع صفة من صفات الجليل، هذه الصفة صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً ولا أبداً، وهي صفة الحكم؛ قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] يعني: أن الحكم كله يرجع لله جل في علاه، يفصل في كل أمورنا في الدنيا وفي الآخرة، وهذه الصفة أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وهذا الإجماع ينبني على الكتاب والسنة، أما من الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام:١١٤]، والحكم هنا اسم من أسماء الله جل في علاه يتضمن صفة كمال وهي الحكم، وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف:٨٧]، وفي سورة يوسف ذكر الحكم صريحاً فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، ففي هذه الآية قصر الحكم على الله وحده لا شريك له. أما من السنة فإن النبي ﷺ مر برجل يكنى بـ أبي الحكم فقال: (لمَ كناك الناس بهذا الاسم؟ فقال: إنهم كانوا يتحاكمون إلي، فأحكم بينهم فيأخذون بحكمي، فقال له النبي ﷺ : إن الله هو الحكم، ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:٥٧]، ثم قال: ما اسم ابنك الأكبر؟ فقال: اسمه شريح، فقال: أنت أبو شريح)، فكناه باسم ابنه الأكبر، فهذا دليل من السنة على أن الحكم المطلق لا يكون إلا لله جل في علاه.

стр. 95

كيفية التعبد لله بصفة الحكم أما كيف يتعبد المرء بهذه الصفة الجليلة لله؟ فأقول: أولاً: لا بد أن يعلم أن الحكم حكمان: حكم كوني وحكم شرعي، فالحكم الكوني لا بد أن يقع، ولا مرد له، ولا يستطيع أحد أن يرده على الله جل في علاه! والحكم الكوني يقع فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله جل في علاه، كوجود إبليس. وحكم الله الكوني يقع حتماً فلا مرد له، ويمكن أن يمثل له بقصة سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه حين قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، فحكمه الله فيهم، فقال النبي ﷺ لهم: (تنزلون على حكم سعد؟)، قالوا: ننزل على حكم سعد، أخ كريم، فأشار إليهم فقال: تنزلون على حكمي؟ قالوا: ننزل على حكمك. ثم نظر ناحية النبي ﷺ تأدباً منه ولم يشر، فقال: أترضون بحكمي؟ -يقصد بذلك: رسول الله ﷺ فقال: (اللهم نعم) فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم فقال له النبي ﷺ : (حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، فهذا حكم لا مرد له بحال من الأحوال. والحكم الثاني هو: الحكم الشرعي، ولا يكون إلا فيما يحبه الله. إذاً: الفرق بينه وبين الكوني أن الحكم الكوني يقع فيما يحبه الله وفيما لا يحبه، وأما الحكم الشرعي فيكون فيما يحبه الله جل في علاه فقط، وقد يقع وقد لا يقع، بمعنى أنه يمكن أن يقبله الناس ويمكن أن يردوه. وقد جلى الله جل في علاه هذا الصنف بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فقد أنزل الله لهم الحكم من فوق سبع سماوات وما رضوه، بل ردوه على الله جل في علاه. فلا بد أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الحكم لله جل في علاه حكم كوني وحكم شرعي، وإذا أردت أن تتعبد وتمحص النظر في هذه الصفة فلا بد لك أن تعلم أن حكم الله تعالى له شقان: شق الدنيا، وشق الآخرة، أما شق الدنيا فلابد أن تعلم أن الله حكم عدل، وأن الله جل في علاه إذا حكم بين العباد وفصل بينهم فصل بينهم بالقسط وبالعدل، فإن مقتضى حكم الله تعالى نشر العدل ومنع الظلم ونشر البر ومنع الفساد، بل كل المصالح الدنيوية والأخروية نابعة عن حكم الله الشرعي فإذا أردت أن تتعبد لله بحكمه الكوني فما اختلفت في شيء مع أحد أو تنازعت معه في شيء فلا بد عليك لزاماً أن ترجع إلى حكم الله تعالى؛ فإن الله يحب أن يرى أثر هذه الصفة عليك، فإن كنت ممن يعتقد اعتقاداً جازماً أن أحقية الحكم لا تكون إلا لله جل في علاه، فإن تنازعت في شيء جليل أو دقيق فمرجعه إلى الله، وعليك أن تستحضر في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].

стр. 96

أمثلة من تسليم الصحابة لحكم الله والرجوع إلى الله ليحكم بين المرء وبين من اختلف معه -إما بكتاب الله وإما بسنة النبي ﷺ كان واقعاً عاشه الصحابة الكرام، ولذلك كتب الله لهم القيادة والريادة والسيادة، وكان هذا الرعيل هو الذي ارتقى عند ربه لأنه طبق هذه الصفة أيما تطبيق، فهؤلاء الصحابة كانوا إذا تنازعوا فيما بينهم ردوا الأمر إلى الله وردوا الأمر لرسول الله ﷺ ، عملاً واعتقاداً بأن الحكم العدل هو الله جل في علاه، وأن الحكم كله لله لا يرجع للقبائل ولا للقوانين الوضعية، ولا يرجع إلى شيء عدا الله جل في علاه. فعندما حدثت المشاحة بين أبي بكر وعمر رّدا هذا النزاع إلى رسول الله ﷺ ، وهما مقران في نفسيهما بأن الله حكم عدل، ولا بد من التسليم لحكمه؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وعملاً بقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فيا أخي الكريم! هل جلست مع نفسك عندما تنازعت مع إخوانك؟ فإن الشيطان الذي يئس أن يعبد في جزيرة العرب لم ييئس أن يحرش بين الإخوة المسلمين الملتزمين بدين الله جل في علاه، فهل عندما حدث التنازع رددت نفسك إلى ربك جل في علاه؟ هل رددت نفسك إلى رسول الله ﷺ ؟ هل عملت وتعبدت لربك بصفة الحكم لله جل في علاه؟ إن فعلت ذلك فأنت من السعداء، فأنت الذي اصطفاك الله جل في علاه؛ لتعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، بل وتترجمه حياة واقعة كما فعله الصحابة الذين أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات، فهذا أبو بكر حدثت بينه وبين عمر مشاحة، فاشتد أبو بكر على عمر؛ لأنه كان فيه حدة على رقة قلبه، ثم تراجع فذهب إلى عمر يستسمح، فـ عمر أبى على أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال: يفصل بيننا رسول الله ﷺ ، أو كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فهو يستحضر أن الحكم الصحيح الذي سينفذ على أبي بكر وعلى عمر ويكون على رأس أبي بكر ويكون على رأس عمر هو حكم الله جل في علاه، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فذهب أبو بكر متنازعاً مع عمر إلى رسول الله ﷺ ، فعندما رآه رسول الله وهو حاسر عن ركبته، قال النبي ﷺ : (إن صاحبكم قد غامر)، فلما كشف له عن حقيقة الأمر وجاء عمر تمعر وجه رسول الله ﷺ . وبادئ ذي بدء قد يقول الإنسان: كيف يستعدي أبو بكر رسول الله على عمر وهو الذي أخطأ في حق عمر، فيمكن للأغرار الأغمار الذين لا ينظرون بعمق النظر أن يقولوا ذلك، لكن النبي ﷺ بين أن سابقة أبي بكر، وأن فضل أبي بكر يسبق عمر بمراحل، فـ عمر نفسه كان يقول: ليتني شعرة في صدر أبي بكر ﵁ وأرضاه! فأراد النبي ﷺ أن يفصل في النزاع، فانظروا كيف التسليم، ولذلك من أروع ما قال ابن القيم في هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، قال: الإيمان لا يوجد إلا بثلاث خصال: الأولى: أن يحكم الله ورسوله في النزاع، فإن حكّم غير الله وغير الرسول فليس بمؤمن. والثانية: ألا يجد في نفسه حرجاً؛ فإن وجد في نفسه حرجاً بعدما سمع حكم الله وحكم الرسول فليس بمؤمن. الثالثة: أن يسلم تسليماً، فإن لم يجد من نفسه التسليم لحكم الله وحكم رسوله فليس بمؤمن. فانظروا إلى الصحابة كيف كانوا يطبقون هذه الصفة، فلما دخل عمر تمعر وجه النبي ﷺ وفصل في النزاع فقال: (هلّا تركتم لي صاحبي؟! قلتم: كذب، وقال: صدق، وواساني بأهله وماله، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر)، فرضي عمر بحكم رسول الله ﷺ ، ورضي الصحابة بحكم رسول الله ﷺ وسلموا تسليماً، قال الراوي: فما رؤي أبو بكر ﵁ وأرضاه حزيناً أبداً، كان يشتد على من يشتد عليه ويقول: يغفر الله لك يا أبا بكر. وقد حدث أن أبا بكر اشتد على بعض الأنصار ثم قال له: اقتص مني، فقال الأنصاري: يغفر الله لك يا أبا بكر! ولم يرد عليه، تسليماً لحكم رسول الله؛ ولأنه علم مكانة أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال له: اقتص مني وإلا استعديت عليك رسول الله، فقال بعض الأنصار: هو يشتد عليك ويستعدي عليك رسول الله؟ والله لنذهبن معك عند رسول الله ولنستعدين رسول الله عليه، فقال لهم الأنصاري: اصمتوا، لعل أبا بكر يسمعكم فيغضب، فيغضب رسول الله لغضب صاحبه، فيغضب الله لغضب رسوله فيهلك صاحبكم. انظروا إلى التسليم وإلى فصل النزاع من رسول الله ﷺ عندما فصل القضية، فـ أبو بكر لا يقال له إلا: يغفر الله لك، أبو بكر لا بد أن يوضع على الرءوس، أبو بكر هو الإمام والقدوة ولذلك يقول النبي ﷺ في مرض موته: (ائتوني بكتاب حتى لا يقول قائل)، يعني: حتى لا يقول قائل: أنا أحق بها، ثم قال رسول الله ﷺ : (لا، يأبى الله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر). ثم رجع رسول الله ﷺ إلى حكم الله عندما أراد أن يكتب الخليفة، ورجع إلى حكم الله الكوني؛ لأنه ركن إلى أن الله جل وعلا لا بد أن يمكن لـ أبي بكر رضي الله وأرضاه، وهذا هو الذي حدث، فقد مكن الله لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه. ومن أروع الأمثلة في ذلك ما حدث لـ بلال وأبي ذر لما تنازعا وحدث الشجار بينهما، ونحن نقول: حصل ذلك وهم صحابة رسول الله لأنهم بشر، والنبي ﷺ يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)، فالناس جبلوا على الوقع في الخطأ، لكن الله جل وعلا يتداركهم برحمته فيتوبون إليه. فنظر أبو ذر إلى بلال فقال: يا ابن السوداء! عيره بأمه؛ لأنه من الحبشة، فهذه مشاحة حدثت بين أبي ذر وبين بلال، فرأى بلال أن يرد الحكم لرسول الله؛ لقول الله : ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله)) [الأنعام:٥٧]، وهو إذا رد الحكم إلى رسول الله فقد رده إلى الله؛ لأن رسول الله لا يحكم إلا بحكم الله وبوحي منه، فذهب بلال فاشتكى إلى رسول الله ﷺ ، ففصل النبي ﷺ في النزاع بين صحابته فقال: (يا أبا ذر! قلت له: يا ابن السوداء؟ عيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية)، فرضي أبو ذر بحكم النبي ﷺ ، ولم يجد غضاضة في قلبه، وسلم تسليماً، فجاء إلى محفل من الصحابة وفيهم بلال ﵁ وأرضاه فتقدم إلى بلال فوضع خده على التراب، ثم قال لـ بلال: والله! لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأ خدي! هكذا يسلم لرسول الله ﷺ القائل: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، فقال: أرد ذلك بالتواضع لأخي في الله، عملاً بقول الله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. فانظروا إلى جميل صنيعهم عندما يتعبدون لله بصفة الحكم. وهناك قصة طريفة جاءت أيضاً في أمر التسليم تبين أن أمر التسليم لحكم الله وحكم الرسول هو مكمن الإيمان، وإن كان السند ضعيفاً، لكن يستأنس بها: فقد جاء منافق ويهودي يتحاكمان إلى رسول الله ﷺ ، فالنبي ﷺ بعدما نظر في دعوى الخصمين، حكم لليهودي؛ لأن ديننا حكم عدل، ورسولنا حكم عدل، فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق بحكم رسول الله، فقال: لا أرضى، نذهب إلى أبي بكر، فذهبوا إلى أبي بكر، فـ أبو بكر بعدما نظر إلى دعوى الخصمين حكم لليهودي، وهو لم يعلم أن رسول الله ﷺ قد حكم لليهودي؛ لأن الدين واحد، فقال: لا أرضى إلا بحكم عمر، فذهبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقال عمر: أحكم بينكما رسول الله؟ قالا: نعم، قال اليهودي: فلم يرض بحكم رسول الله، قال: ولم يرض؟ قال: نعم، فقال لليهودي: ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك، ثم قال للمنافق: ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك، قال: انتظروني هنيهة، فدخل فاستل سيفه، ثم خرج فقطع رقبة المنافق. لأن الله تعالى يقول: ((وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:٦٥]، فلما لم يوجد التسليم لرسول الله ﷺ من هذا المنافق كان هذا دليلاً على عدم الإيمان في القلب، ولهذا قطع عمر رأسه.

стр. 97

حكم الله بين عباده يوم القيامة أما الحكم الأخروي: فما منا من أحد إلا يعلم أن الله سيحكم بين العباد بعدما يكلم كل إنسان منا، كما قال ﵊: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فيقول: هلكت هلكت، فيقول الله تعالى: عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: نعم. فيقول: عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: اللهم نعم. عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: اللهم نعم. ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم). ثم لا يمكن لأحد كتب الله له الجنة أن يمر على الصراط إلى بعد التنظيف؛ لأن الله أبى أن تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فيقفون على الصراط فيبدأ التحاكم إلى الله جل في علاه، كما في مسند أحمد بسند صحيح من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: (لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره أبداً، وديوان لا يتركه أبداً، وديوان هو في مشيئة الله جل في علاه)، أما الديوان الذي في مشيئة الله فهو ديوان الذنوب، وقد قال فيه الله جل في علاه: (عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)، وأما الديوان الثاني الذي لا يغفره الله أبداً فديوان الشرك، فالذين يشركون بالله فإنهم لا يغفر لهم أبداً، بل يخلدون في نار جهنم، وأما الديوان الثالث فديوان لا يتركه أبداً -وهو محل الشاهد في صفة التحاكم- الفصل بين العباد، فإن الله لا يترك عبداً انتهك حرمة أخيه، أو عبداً سرق أو زنى أو اغتاب، فوصل ضرره لأخيه إلا وسيقتص منه يوم القيامة، فعن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال: (تعلم لم يتناطحان؟ قال: الله ورسوله أعلم. فقال له: الله يعلم وسيقتص منهما)، والنبي ﷺ في أكثر من حديث يبين أن الشاة الجلحاء ستقتص من الشاة القرناء يوم القيامة، فالله يجعل هذا القصاص بين الحيوانات، فما بالكم بما بين البشر؟ وأجلى من ذلك ما بينه النبي ﷺ بقوله: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات)، وأول القصاص يوم القيامة ما يكون في الدماء، فإن الله يقضي بين العباد في الدماء، ثم بعد ذلك في المظالم، سواء أكانت السب أو الغيبة أو كانت الزنا، أو الطعن في العرض، أو غير ذلك من المظالم، فإن الله حكم عدل وسيفصل بين العباد. ولذلك ترى الصحابي الجليل أبا هريرة عندما روى الروايات عن رسول الله، قالوا: أكثر علينا أبو هريرة، فقال: قالوا: أكثر علينا أبو هريرة والله الموعد، يعني: موعدنا عند الله أي: أن الله جل وعلا سيفصل في هذا، وينظر هل أكثرت على رسول الله كذباً أم كان هذا بالحق وبالسماع من رسول الله ﷺ ، وعند الله تجتمع الخصوم. هذا الحكم الثاني وهو حكم الآخرة. فإن علمت ذلك فلا بد أن تتحرى ترك كل غيبة وكل نميمة، فقد قال ﵊: (لا يدخل الجنة نمام)، فكل انتهاك لعرض أخ من إخوانك لا بد أن ترد هذا الانتهاك، ولست معاباً أن تخطئ؛ لأن كل البشر يخطئون، لكن العيب كل العيب أن تصر على خطئك، وتتكبر ولا ترجع عن خطئك، ولذلك بين الله جل في علاه أن الذين لا يصرون على الأخطاء هم المغفور لهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فليس المهم ألا يقع الإنسان في الخطيئة فإننا كلنا نخطئ في حق الله، لكن أفضل الناس وخيرهم التواب، كما قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا جميعاً من التوابين، وعلينا أن نستحضر دائماً في قلوبنا حكم الله بيننا، فإن كانت مظلمة بيننا وبين إخواننا فعلينا أن نردها في هذه الدنيا؛ لأن الله الموعد، وعنده تجتمع الخصوم.

стр. 98

إثبات صفة الحكمة لله تعالى أما صفة الحكمة فهي أيضاً صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه، وهذه الصفة ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة والجماعة، أما بالكتاب فإن الله جل في علاه يقول: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، والحكيم اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة الحكمة، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أيضاً يتضمن صفة الحكمة. ومن السنة: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه أنه كان يقول: سبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، رواه مسلم. فالشاهد هنا: أنه ذكر اسم الله الحكيم الذي يتضمن صفة كمال، وهي صفة الحكمة، وصفة الحكمة أجمل ما يقال في معناها: أن الله جل وعلا يضع الشيء في موضعه، أما الظلمة فلا يضعون الشيء في موضعه، والذين ليسوا بحكماء لا يضعون الشيء في موضعه، لكن الله من حكمته سبحانه جل في علاه أنه يضع الشيء في موضعه.

стр. 99

كيفية التعبد لله بصفة الحكمة وحكمة الله جل في علاه لا بد أن يستحضرها المرء في قلبه، يرى عطاء الله فيقول: إن الله لم يعط فلاناً إلا لحكمة، ولم يمنع فلاناً إلا لحكمة، ولم يرفع أقواماً ولم يخفض آخرين إلا لحكمة، ولم ينزع الملك من أقوام إلا لحكمة، ولم يؤت الملك لأقوام آخرين إلا لحكمة جليلة عظيمة، ألم تر أن الله قد عاب على من رد حكمة الله فيقول مثلاً: خلقت وما أدري لم خلقت؟! ومن أين جئت؟! أو أين أذهب؟! قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، واللام هنا تسمى لام تعليل، ويعبدون من الأفعال الخمسة التي تنصب بحذف النون، وهذه النون ليست نون الرفع وإنما هي نون الوقاية. إذاً: الحكمة من الخلق العبادة، وكأن الله جل وعلا يقول: خلقت الجن والإنس لأمر جسيم، ولأمر مهم، وهو العبادة، ولذلك استنبط العلماء من هذه الآية أن الجن مكلفون: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فحكمة الله لا بد أن ينظر لها العبد حتى يتعبد بها لله جل في علاه، ولا بد أن ينظر في أفعال الله ويقول: ما كانت إلا عن حكمة لله جل في علاه. فهذا يصل بالمرء إلى ألا يتسخط على أقدار الله، كما فعل عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه؛ فإنه كان يصبح وهمه في قدر الله، ولذا قال: ما فرحت بشيء إلا فرحت بقدر الله جل في علاه. والعبد إذا استحضر حكمة الله فيما يتنزل عليه من بلايا ومن سراء وضراء ومن خير وشر فإنه ستكون عاقبته إلى خير، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، فنصف الدين الشكر، والنصف الآخر هو الصبر، ويتقلب العبد بين الشكر والصبر بنظره إلى حكمة الله، وأن أفعال الله خاضعة لحكمته جل في علاه، فينظر إلى الواقع الذي عاشه الصحابة وهم يطبقون هذه الصفة تعبداً لله، فانظر هل خلق الله إبليس عبثاً أم لحكمة؟ إن الله ما خلق إبليس إلا لحكمة، وهذا يمنع المرء من أن يتسخط على أقدار الله، ويمنع المرء من الشطط ومن الغلو والجفاء، فلا يكون في باب القدر قدرياً ولا جبرياً، والفرق بين الجبرية والقدرية: أن القدرية قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، والله لا يخلق فعل العبد، وأما الجبرية فقالوا: إن الله خلق أفعال العباد جميعاً، وكلهم مطيع وعاصٍ تحت أمر الله جل في علاه، فكلهم مجبورون لله جل في علاه، ولذلك قالوا: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء فإذا تعبد العبد بصفة الحكمة لله جل في علاه لن يوافق القدرية، ولا الجبرية؛ لأنه سيرى أن الله جل وعلا حكيم عليم، هدى أناساً بحكمته وعلمه وفضله، وأضل أناساً بحكمته وعلمه وعدله، كما قال : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦].

стр. 100

تجلي حكمة الله في خلق إبليس وإنظاره إلى يوم القيامة إإن المرء إذا نظر إلى حكمة الله جل في علاه لم يتعجب كيف ترك الله إبليس يؤذي المؤمنين، ويحرش بينهم، ويعيث في الأرض فساداً، فيقول: إن الله ما تركه يفعل ذلك إلا لحكمة، وإن الله لم يخلق شراً محضاً، فإبليس رد أمر الله، واستكبر في الأرض، ثم أقسم ليغوين عباده أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، ثم رد حكمة الله، ورد الأمر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٤ - ١٥] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٨]، فأنظره الله جل في علاه واستجاب دعاءه، ولله في ذلك حكم وأسرار، من هذه الحكم: أولاً: أن الله جل في علاه ترك إبليس حتى يأخذ حقه في الدنيا بأسرها، ثم مآله إلى النار مع أعوانه؛ لأن الله حكم عدل. ثانياً -وهو أمر مهم جداً-: أن الله جل وعلا من حكمته ألا يسوي بين المختلفين، فالقاعدة التي استنبطها العلماء من كتاب الله ومن فعل النبي تقول: إن الشرع يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، ومن أظلم الظلم أن تسوي بين المختلفين وتفرق بين المتساويين، أرأيت الله جل وعلا كيف يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، فالمؤمنون ليسوا كالفجار؛ فإن الله يميز بين الخبيث والطيب، والله جل في علاه جعل إبليس يحرش ويغوي ويوسوس حتى يميز بين الصف المؤمن والصف المنافق، ويميز بين المؤمنين والكافرين، والله جل في علاه تمت حكمته بترك إبليس حتى يعلو من يستحق العلو، وينخفض من يستحق السفول، فإن إبليس إذا وسوس للمؤمن الصادق المصدق بربه جل في علاه فإنه يرد كيده، ويرد هواه وشهوته لله جل في علاه، ويترك الدنيا بأسرها، كما قالها علي بن أبي طالب ﵁: طلقتك ثلاثاً. ولما صارع عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه الشيطان قال رسول الله ﷺ : (يا عمر! لو سلكت فجاً لسلك الشيطان فجاً غير الفج الذي تسلكه)، لأنه ترك هواه وشهوته خلفه ظهرياً، وكان بالمرصاد لوسوسة الشيطان. فالله جل في علاه فعل ذلك ليميز بين الخبيث والطيب وبين المؤمن التقي والفاجر الفاسد، وبين المؤمن الصادق وبين الكافر المنافق، فهذا تمييز من الله جل في علاه، فهذه حكمة من الحكم لإبقاء الله لإبليس في الحياة الدنيا، بل وأبقاه أيضاً ليزيد الكافرين عذاباً؛ لأنه لما أغوى الكافرين كانوا أعوانه، فكانوا في المآل سواءً حكمة من الله وعدلاً.

стр. 101

حكمة الله في تسليط أهل الكفر والعصيان على أهل الحق والإيمان وإن من حكمة الله البالغة إنزال البلاء بالمسلمين، وجعل الله الأيام دول بين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان، وبين أنصار الرحمن وبين أنصار الشيطان؟ لمَ تكون الدولة للكافرين على المسلمين؟ فهذه أيضاً حكمة عظيمة خصوصاً في هذه الأوقات العصيبة التي نرى فيها أن الكافرين قد أحاطوا بالمؤمنين إحاطة ليس بعدها إحاطة، وأنهم تداعوا عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها كما قال النبي ﷺ ، فإنك إذا نظرت لذلك صدقت بالله، وآمنت بالله، وازداد يقينك في الله، وقلت: ما وعدنا الله ورسوله إلا صدقاً وحقاً، فإن الله فعل ذلك لحكمة عظيمة، فجعل الأيام دولاً لأمرين اثنين: الأمر أول: ليستشعر المؤمنون نعمة النصر ونعمة الخير التي أذاقهم الله إياها بعدما كانوا في تشرذم، وبعدما كانوا قلة، وبعدما كانوا مستضعفين، فنصرهم الله ببدر، وأراهم الخير كله، وأعلى كلمتهم على أهل الكفر، فشكروا الله جل في علاه، فتم لهم نصف الدين، ثم في غزوة أحد أنزل الله البلاء عليهم لينظروا في البأساء فيصبروا فيما كما شكروا في السراء، فتكتمل لهم درجات الإيمان. الأمر الثاني: ليتخذ الله جل في علاه من هؤلاء الذين اصطفاهم أناساً ليكونوا في منزلة لا يرتقي أحد إليها هذه المنزلة منزلة الشهداء لا تكون إلا بالهزيمة لأهل الإيمان، فلما هزم المؤمنون أظهر الله جل في علاه لنا شجاعة أنس بن النضر وبسالة طلحة وإقدام أبي دجانة ﵃، فهؤلاء الصناديد نبراس لنا وقدوة، ولم يظهروا إلا بعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد، فإن أنس بن النضر اتخذه الله شهيداً بعدما ظهرت شجاعته، ودخل متقدماً على الكافرين حتى قتل، وما عرف إلا ببنانه. وطلحة بن عبيد الله فدى رسول الله ﷺ بنفسه حتى إنه كان يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله! لا ترفع رأسك فيأتيك سهم من سهام القوم. ثم بعدما دق سيفه أخذ يدافع عن رسول الله بيده حتى شلت، فقال النبي ﷺ : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) يعني: أوجب الجنة. وأبو دجانة عندما ربط العصابة الحمراء قالوا: ربط أبو دجانة عصابة الموت، فأخذ النبي ﷺ خشبة، فهزها فأصبحت سيفاً، فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير، فقال: اجلس، فقام الزبير مرة ثانية، فقال: اجلس، حتى قام أبو دجانة فأعطاه رسول الله ﷺ ، فهذه من الحكم البليغة التي ظهرت في غزوة واحدة؛ فإنه ظهر فيها كيف أن رسول الله ﷺ يهزم وكاد يقتل، وجعل الله الدولة لأهل الكفر، كل ذلك لحكمة عظيمة هي اتخاذ هؤلاء الشهداء، وإظهار صدق الصادقين، ومنهم أنس وطلحة وعمرو بن الجموح، وهو من صناديد أهل الإسلام أيضاً؛ فإنه وكان أعرج، والله جل في علاه قد رفع الحرج عن الأعمى والأعرج، فجاء إلى النبي ﷺ وقال له: (يا رسول الله إني أريد هذه الغزوة. فقال له النبي ﷺ : قد رفع الله عنك الحرج، فقال: والذي نفسي بيده! لأطأن بعرجتي هذه الجنة! فعلم النبي ﷺ صدقه فقال لأولاده: اتركوه وما يشتهي، لعل الله يرزقه ما يريد)، فما كان له أن يكون شهيداً في هذه المعركة إلا بما حدث في غزوة أحد، فاتخذ الله الشهداء، وأظهر الصادقين. ومن حكم الله العظيمة التي أظهرها لنا في هذه الغزوة حكمة أعلى وأعظم، وهي أن في معصية رسول الله الهلاك، فالرماة عندما قال لهم النبي ﷺ : (إذا رأيتم الطير تتخطفنا فلا تنزلوا عن مواقعكم)، فعصوا أمر رسول الله بعدما رأوا أن القوة والغلبة للمسلمين، وقالوا: الغنيمة الغنيمة. ونسوا أو تناسوا أو غفلوا أو تغافلوا أمر رسول الله، فقال أميرهم: إن رسول الله أمركم ألا تنزلوا عن مواقعكم. فنزلوا عن مواقعهم فحدث ما حدث من الهزيمة، فحذار! من معصية رسول الله، وحذار أن يأتيكم أمر من رسول الله فتردوه، وحذار! أن تعلموا أن الله أو رسول الله حكم بحكم فتردوه، فلكم في هزيمة المؤمنين في غزوة أحد عبرة؛ فإن السبب الرئيسي هو عصيان أوامر رسول الله ﷺ . وهناك حكم بليغة عظيمة لممحص النظر في أفعال الله جل في علاه تظهر له ويتعبد بها لله جل في علاه.

стр. 102

كيفية التعبد لله بصفة الحكمة