← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37676

جمع القرآن - دراسة تحليلية لمروياته

أكرم الدليمي

Полный текст (340 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع، والأكتاف، والعسب، والقرطاس «١». غير أن هذا التنوع لا يعني أن الكتابة على تلك المواد الخشنة كانت تشمل أكثر القرآن الكريم، فهنالك أدلة كثيرة تدل على أن المواد اللينة من ورق، أو جلد، بل حتى الحرير كانت من ضمن المواد الأصلية التي كتب عليها القرآن الكريم في زمن النبي ﷺ . روى الإمام الترمذي وأحمد بن حنبل عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع) «٢»، والرقاع يكون من جلد أو ورق. وكانت العرب قبل الإسلام وبعده تعرف من وسائل الكتابة أدواتها اللينة كالجلد والورق ولا سيما إذا تصورنا أن مكة كانت مركزا تجاريا مهما تقوم التجارة فيها على توثيق العقود وتدوين الحسابات، ومن الأدلة الأخرى أيضا: لقد كتبت صحيفة قريش في مقاطعة بني هاشم وصحيفة صلح الحديبية ورسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء لدعوتهم إلى الإسلام على مواد لينة كما تقتضي بذلك الأخبار الموثقة «٣». وكيف لا تنتشر هذه الأدوات اللينة بين المسلمين وقد جاوروا أهل الكتاب، وكانت بأيديهم كتب يتدارسونها، وقد تكررت إشارات القرآن إلى هذه الكتب، كما خاطب القرآن العرب بأسماء هذه الأدوات اللينة كالصحف

стр. 37

والقراطيس كما في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) «١»، وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «٢»، وقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً «٣». وذكر القرآن أيضا القلم والسجل والورق، كل ذلك موجه إلى العرب الذين لصقت بهم صفة الأمية خلال التاريخ، فلا ريب أنها لم تكن أمية جهل بالقراءة والكتابة، وإنما هي وثنية كانوا يدينون بها «٤». إضافة إلى أنه لو صح أن معظم القرآن الكريم قد كتب على المواد الخشنة لكانت تلك المواد تحتاج في الهجرة إلى حمل قافلة، لأن القرآن الذي نزل بمكة يعد ثلثي القرآن، ولم تحدثنا أخبار الهجرة أن مثل هذه القافلة قد جيء بها إلى المدينة قبل النبي ﷺ أو بعده «٥». وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵃ أن أوائل سورة (طه) كانت مكتوبة في رقعة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون

стр. 38

فيها القرآن «١». وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵃ أنه قال: لما خطب النبي ﷺ في فتح مكة قام إليه رجل من اليمن يقال له أبو شاه، وطلب إليه أن يكتبوا الخطبة، فقال ﷺ : (اكتبوا لأبي شاه) «٢». وهنا يبرز سؤال، أو ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يجمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي ﷺ وتضم المواد المشار إليها والتي استعملت في الكتابة بعضها إلى بعض؟ إن ذلك يرجع إلى ما كان يترقبه النبي ﷺ من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، وكان النبي ﷺ هو الذي يقرر ترتيب الآيات، فيقول: (ضعوا الآية كذا في موضع كذا) «٣». وإن ذلك لم يكن خاضعا للاجتهاد منه ﵊ لأن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن مرة في رمضان من كل عام، وفي العام الذي توفي فيه ﷺ عارضه به مرتين «٤». وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، والصحابة ﵃ الذين كانوا يكتبون القرآن لم يلتزموا بتوالي السور وترتيبها، وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورة أنزلت

стр. 39

على رسول الله ﷺ أو كتبها، ثم خرج في سرية مثلا ونزلت في وقت غيابه سورة أخرى، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، فيستدرك ما كان يفوته في غيابه «١». وهكذا فقد ظل القرآن يكتب في حياة رسول الله ﷺ على القطع المتفرقة، دون أن يجمع ويكتب على الصورة التي نجدها للمصحف اليوم، وتأكيدا لما ذكرنا، فقد روى الطبري في تفسيره عن محمد بن شهاب الزهري أنه قال: (قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء، وإنما كان في الكرانيف والعسب) «٢». وقد ذكر ابن عبد البر ووافقه ابن حجر والسيوطي أن القرآن كان مكتوبا ومجموعا، ولكن في الصحف والألواح والعسب، قال في الاستيعاب: (وكان القرآن مجموعا في عهد النبي ﷺ ولكنه لم يكن في مصحف واحد، بل كان في صدور الرجال وفي العسب واللخاف والرق وأكتاف الإبل وما إلى ذلك) «٣». وقال ابن حجر: (إن القرآن كان كله قد كتب في عهد النبي ﷺ في الصحف والألواح والعسب، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب) «٤». وجاء في الإتقان: (وإنما لم يجمع في مصحف منظم في حياة رسول الله ﷺ لأن القرآن كان ينزل مفرقا، ولأن السورة ربما نزل بعضها ثم تأخر نزول

стр. 40

تتمتها، فكان القرآن يكتب على القطع حتى إذا توفي رسول الله ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين جمع القرآن على نسق ما كان يقرأ في زمن النبي ﷺ من القطع التي كتبت بين يديه) «١». وكذلك أنه لم يوجد من الدواعي لكتابته في مصحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر، ولا مثل ما وجد في عهد عثمان ﵄، فالمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والفتنة مأمونة، وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول تفوق الوصف، وكذلك أن القرآن الكريم نزل منجما على مدى أكثر من عشرين سنة. ولو جمع في مصحف والحال على ما أشرنا لكان عرضة لتغيير الصحف، أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب، وذلك عسير جدا «٢». المطلب الثاني: كتاب القرآن من الصحابة إن الكتابة أهم وسيلة لحفظ الأفكار ونقل المعرفة من جيل إلى جيل، لكن الكتابة كانت قليلة في بلاد العرب، حين ظهر الإسلام، فكان الكتاب في مدن الجزيرة العربية آنذاك أفرادا معدودين. قال البلاذري وهو يتحدث عن الكتابة في مكة: (دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب)، وقال عن الكتابة في يثرب: (إن الإسلام جاء وفيهم عدة يكتبون)، وذكر منهم أحد عشر كاتبا «٣». ولم تمنع قلة الكتاب ولا وسائل الكتابة الصعبة من تدوين ما ينزل على

стр. 41

النبي ﷺ من القرآن، وما يحتاج إليه من كتابات أخرى مثل كتابة رسائله ﷺ وغيرها، فالذين اختصوا منهم بكتابة القرآن كانوا يسمون بكتاب الوحي، وكانت كتابة القرآن تخضع للمراجعة والتدقيق حتى لا يتطرق احتمال الخطأ والنقصان إلى كتاب الله تعالى. فقد ورد عن زيد بن ثابت أنه قال: (كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ وهو يملي علي، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس) «١». فكان زيد ﵁ من أكثر الصحابة كتابة، وهذا ما قال به أبو بكر ﵁: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وإذا غاب زيد بن ثابت دعا رسول الله ﷺ من كان عنده من الكتاب، فقد ورد عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا) «٢». وقد اختلف المؤرخون في عدد كتاب النبي ﷺ ، وفي نوع المهمات الكتابية التي ألقيت على كل منهم، فذكر البعض منهم عددا محدودا جدا لا يكاد يعقل، وذكر البعض الآخر عددا معقولا، ولكنه لم يسم لنا، فأوقعنا في حيرة وتساؤل. والسؤال الذي يطرأ على البال في هذا المجال هو: هل أن جميع الكتاب كانوا يكتبون باستمرار أم أنهم كانوا يتناوبون فيما بينهم؟ وهل استبدل بعضهم وحل محله البعض الآخر؟

стр. 42

ذكر البلاذري «١» أسماء أحد عشر كاتبا هم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح، وعثمان بن عفان، وشرحبيل بن حسنة، وجهيم بن الصلت، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع ﵃ أجمعين. أما الطبري «٢» فقد ذكر أسماء عشرة من كتابه ﷺ مضيفا: علي بن أبي طالب ومختزلا شرحبيل بن حسنة، وجهيم بن الصلت. وذكر المسعودي أسماء ستة عشر كاتبا مضيفا إلى قائمة البلاذري والطبري الأسماء الآتية: المغيرة بن شعبة، والحصين بن نصيرة، وعبد الله بن الأرقم، والعلاء بن عقبة، والزبير بن العوام، وحذيفة بن اليمان، ومعيقيب الدوسي ﵃ «٣». وقال المسعودي مبينا وجهة نظره في عدد الكتاب الذين ذكرهم: (وإنما ذكرنا من أسماء كتابه ﷺ من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب أو الكتابين والثلاثة، إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف على جملة كتابه) «٤». ونلاحظ من خلال كلام المسعودي هذا أنه كان للنبي ﷺ كتاب، ليس للرسائل فقط، بل هناك من كتاب الوحي أو الرسائل أو الصدقات أو المعاملات أو المداينات أو المغانم أو لأغراض إحصائية وما إلى ذلك. عن الإمام الدميري «٥» رحمه الله تعالى، قال: (كان الزبير بن

стр. 43

العوام وجهم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وحذيفة بن اليمان حوض النخل، والمغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات، وشرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك) «١». أما ابن عبد البر «٢» فقد سمى لنا ثلاثة وعشرين كاتبا، وإذا استبعدنا من قائمته الذين ذكرهم البلاذري والطبري والمسعودي نجد أن قائمته تزيد على قائمتي الطبري والمسعودي بالأسماء الآتية: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وعمرو بن العاص ﵃ أجمعين. وذكر الديار بكري أسماء أربعة وثلاثين كاتبا استوعبت القوائم المشار إليها مع زيادة متمثلة في: طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والأرقم بن أبي الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وسعيد بن العاص، وحويطب بن عبد العزى العامري، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وحاطب بن عمرو بن حنظلة ﵃ أجمعين، وقال: (قيل: إن كتابه نيف وأربعون وأكثرهم ملازمة له زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان بعد الفتح) «٣». وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين «٤».

стр. 44

وأيا كان الأمر، فإن المصادر تشير إلى أن عدد الكتاب تراوح بين ستة وعشرين وثلاثة وأربعين كاتبا «١»، وكانوا يتناوبون على الكتابة، وكان أكثرهم مداومة على كتابة الوحي زيد بن ثابت ﵁ بعد الهجرة، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁ بعد الفتح. ولم يكن جميع الكتاب يكتبون الوحي، والواقع أن هذه المسألة مهمة جدا في معرفتها «٢». ويفهم من هذه النصوص، ونصوص أخرى: أن كتاب الوحي المعتمدين هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃، وإن غاب هؤلاء تولى الكتابة من حضر من الكتاب وهم: معاوية بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع ﵃. وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب الوحي ثم ارتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام يوم فتح مكة وحسن إسلامه. هؤلاء هم الذين أشارت المصادر إلى أنهم كتبوا الوحي، وكان حنظلة بن الربيع خليفة كل كاتب من كتابه ﷺ إذا غاب عن عمله «٣». ويتضح لدى الاستقراء أن ثمة تخصصا كان موجودا في الكتابة والكتّاب. وهذا لا يعني ضرورة أن ينفرد كاتب كخالد بن سعيد بن العاص أو حنظلة الأسيدي بالكتابة بين يديه ﷺ في سائر ما يعرض من أمور «٤»، علما أن

стр. 45

أهم أنواع الكتابة وأعظمها شرفا هي كتابة الوحي، التي ألمحت أن زيد بن ثابت الأنصاري كان ألزم الصحابة لكتابتها. فقد ورد الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة) «١». ويمكن أن نصنف الكتابة في زمن النبي ﷺ على الشكل الآتي: ١ - كتاب الوحي. ٢ - كتابة رسائل النبي ﷺ «٢» وما يعرض من حوائجه ﵊. ٣ - كتابة المداينات بين الناس والعقود والمعاملات. ٤ - كتابة أموال الصدقات. ٥ - كتابة الخرص «٣». ٦ - كتابة المغانم. ٧ - كتابة العهود والمواثيق والصلح. وفضلا عن ذلك فقد وردنا عن حذيفة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : (اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة!! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) «٤». يستنتج من ذلك أنهم كتبوا أسماء المسلمين لأغراض إحصائية. ولا مشاحة أنهم كانوا يحتاجونها في السلم والحرب. ومن نافلة القول التأكيد على أمانة الكتاب ومدى الثقة بهم، لأنهم

стр. 46

أصحاب رسول الله ﷺ ، وإذا صح أن وجد بينهم من لم يكن أمينا فسرعان ما يتضح أمره. فورد عن أنس ﵁ خادم النبي ﷺ أنه قال: (أنه كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ ، ثم عاد إلى نصرانيته، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، ثم أعمقوا له ثلاث مرات، فيصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من عمل الناس فتركوه) «١». وهذه الرواية الصحيحة بالرغم من أهميتها إلا أن آيات القرآن كانت أصرح الدلالة في هذا الجانب إذ يقول الباري : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢»، وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٣». ويبدو لي أن من الكتاب من ألقيت عليه مهمة تعليم القراءة والكتابة التي صورت لنا المصادر أن الإسلام كان حفيا بها في بواكير محنته مع أهل الشرك والضلال، وكيف أن النبي ﷺ قبل من أسرى بدر تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة فداء لأسرهم. إن هذا يعكس دون أدنى ريب الوجه الثقافي والحضاري الصاعد في شريعة الإسلام الخالدة، فكان مصعب بن عمير قد نزل- عند مقدمة المدينة- على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله . وكان مع مصعب بن عمير عبد الله ابن أم مكتوم «٤». ولكي تتضح تلك الأنواع المتخصصة بالكتابة أرى من الضروري

стр. 47

إيراد استعراض مختصر لبعض الكتاب، وسأذكرهم على ترتيب الحروف: ١ - أبان بن سعيد الأموي: أبو الوليد أبان بن سعيد بن العاص بن عبد شمس القريشي الأموي. أسلم بين الحديبية وخيبر وحسن إسلامه، واستعمله النبي ﷺ على بعض سراياه، ومنها سرية نجد، ثم ولاه البحرين برها وبحرها بعد أن عزل عنها العلاء بن الحضرمي سنة تسع للهجرة، فكان يأخذ الصدقات من البحرين، والجزية على من لم يسلموا أو لم ينزل عليها حتى توفي النبي ﷺ واعتبره البلاذري والطبري من كتاب النبي ﷺ ، غير أنهما لم يبينا لنا نوع الكتابة التي تولاها، وعده ابن عبد البر من كتاب النبي ﷺ ، وعده كذلك الزنجاني. وقال الواقدي: ثم قدم أبان على أبي بكر من البحرين وسار إلى الشام فقتل يوم أجنادين سنة ١٣ هـ، في خلافة الصديق ﵁ «١». ٢ - الأرقم بن أبي الأرقم: هو أبو عبد الله الأرقم بن عبد مناف بن أسد بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام، قيل: إنه سابع سبعة، وقيل: بل أسلم بعد عشرة أنفس، وفي داره كان النبي ﷺ متخفيا من قريش بمكة يدعو الناس إلى كلمة الله طيلة المدة التي كانت الدعوة فيها سرية. وكان ممن كتب للنبي ﷺ ، أسلم في داره كبار الصحابة في ابتداء الإسلام. وشهد الأرقم بدرا وأحدا والمواقف كلها، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: إنه توفي يوم وفاة الصديق ﵁، وقيل: بل كانت وفاته

стр. 48

بالمدينة سنة ٥٥ هـ، وهو ابن بضع وثمانين سنة. وأوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص «١». ٣ - أبي بن كعب الأنصاري أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية الأنصاري الخزرجي. حدث عنه الكثيرون، وأنه أول من كتب للنبي ﷺ من الأنصار، كان إذا غاب أبي لأمر ما تولى الكتابة زيد بن ثابت «٢»، فكان مؤتمنا على الوحي، وسيد القراء، وإلى جانب كتابة الوحي، فإنه كتب الرسائل «٣»، وهو من الذين جمعوا القرآن الكريم على عهد النبي ﷺ «٤». قال عنه ﷺ : (ليهنك العلم أبا المنذر) «٥»، فكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله. وهناك اختلاف في سنة وفاته، فقيل: سنة ١٩ هـ، وقيل: سنة ٢٢ هـ، وقيل: في خلافة عثمان ﵁، وهذا هو الراجح، بدليل قول الواقدي: (وقد سمعنا من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال: هو أثبت الأقوال عندنا، وذلك أن عثمان أمره أن يجمع القرآن) «٦».

стр. 49

٤ - ثابت بن قيس الخزرجي «١»: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك الأنصاري الخزرجي، كان خطيب الأنصار ويقال له: خطيب رسول الله ﷺ «٢». وكان من نجباء الصحابة، شهد أحدا وبيعة الرضوان وما تلاها من المشاهد، وإخوته لأمه عبد الله بن رواحة وعمرة بنت رواحة، وهو زوج جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول. آخى النبي ﷺ بينه وبين عمار بن ياسر، وقيل: بل المؤاخاة بين عمار وحذيفة، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا، قال عند مقدم النبي ﷺ إلى المدينة: (نمنعك ما نمنع به أنفسنا وأولادنا) «٣»، وقال عنه النبي ﷺ : (نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس) «٤». وعند ما نزلت الآية الكريمة: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٥»، جعل يبكي فطمأنه النبي ﷺ ، وكان ممن كتب للنبي ﷺ «٦».

стр. 50

٥ - جهيم بن الصلت: هو جهيم بن الصلت بن المغلب، ويقال: مخرمة بن عبد مناف، أسلم بعد الفتح، قال البلاذري: كان يعلم الخط في الجاهلية، فجاء الإسلام وهو يكتب فكتب للنبي ﷺ «١». ودليل آخر على أنه كان يكتب للنبي ﷺ أنه عند ما انتهى النبي ﷺ إلى تبوك أتاه بحسنة بن رؤية فصالحه ﵊ وكتب له كتابا، وفي آخره: كتب جهيم بن الصلت «٢». وكان جهيم بن الصلت والزبير بن العوام يكتبان أموال الصدقات وكيفية تقسيمها على ما جاء في القرآن الكريم «٣». ٦ - حذيفة بن اليمان «٤»: أبو عبد الله حذيفة بن حسيل (واليمان لقب له) بن جابر بن عمرو بن ربيعة، أحد الصحابة المشهود لهم، كان يكتب خرص الحجاز. شارك في معارك الإسلام الخالدة، ومنها تحرير العراق في معركة نهاوند سنة ٢١ هـ، استعمله الفاروق عمر ﵁ على المدائن ولم يزل بها حتى مات بعد استشهاد عثمان ﵁ بأربعين يوما، وقيل أيضا: إن وفاته كانت سنة ٣٥ هـ، وهو القائل: (لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها)، وكان أعلم أصحاب رسول الله ﷺ بالمنافقين، وبأخبار الفتن، فهو صاحب سر النبي ﷺ «٥».

стр. 51

٧ - الحصين بن نمير الأنصاري «١»: هناك اشتباه وقع فيه المؤرخون في تحديد من هو هذا الصحابي لتشابه الأسماء، فهناك الحصين بن نمير الأنصاري والحصين بن نمير السكوني، وقد ذكر المؤرخون من كتاب النبي ﷺ الحصين بن نمير ولم يوضحوا نسبه. قال المسعودي: كان الحصين بن نمير والمغيرة بن شعبة يكتبان فيما يعرض حوائجه «٢»، وكانا يكتبان المداينات والمعاملات «٣». ولقد خلط ابن عساكر بين حصين بن نمير السكوني والحصين بن نمير الأنصاري. وكان الأول أميرا ليزيد بن معاوية على قتال أهل مكة وحاصر عبد الله بن الزبير، وكان إبراهيم ابن الأشتر قد هاجم هذا الجيش الذي تحت إمرة السكوني سنة ٦٦ هـ- ٦٧ هـ وقتل الأمير وعددا من معاونيه، وبعث برءوسهم إلى المختار «٤». وذكر ابن حجر حصين بن نمير الأنصاري الذي أغار على تمر الصدقة في غزوة تبوك سنة ٩ هـ، ثم ذكر حصين بن نمير آخر وقال: ما أدري الذي قبله أو غيره. ذكره ابن عساكر في تاريخه وقال: كان عامل عمر ﵁ على الأردن، ثم أميرا ليزيد بن معاوية، نسبه ابن الكلبي فقال: حصين بن نمير بن فاتك بن لبيد بن جعفر بن الحارث بن سلمة بن سكانة، وقال: إنه كان شريفا بحمص وكذا ولده، إلى أن يقول: فلا أدري أراد هذا أو أراد الذي قبله «٥».

стр. 52

٨ - حنظلة بن الربيع «١»: حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح بن مخاشن بن معاوية بن أسيد التميمي ابن أخى أكثم بن صيفي الحكيم المشهور، وكان يلقب بحنظلة الكاتب، كتب بين يدي النبي ﷺ في جميع الأمور، وإذا غاب واحد من الكتاب فهو ينوب عنه «٢»، وهذا يشير على ما يبدو إلى إمكانيته الفذة من ناحية، وأنه لم يختص بنوع معين من الكتابة، ومن ناحية أخرى فهو موضع ثقة نظرا لما كان يتولاه من أمور الكتابة وبهذا الشكل. شهد القادسية، وتوفي في خلافة الفاروق ﵁ بعد أن فتح الله على المسلمين البلاد، فتفرقوا فيها، فصار حنظلة الكاتب إلى الرها فمات فيها «٣». وقال ابن حجر: بل مات في خلافة معاوية، ورثته امرأة من قومه وقيل زوجته بقصيدة منها البيت الذي نصه: إن سواد الرأس أودى به ... حزني على حنظلة الكاتب وقد توهم الديار بكري فقال: استشهد في أحد «٤»، لأن الذي استشهد في أحد إنما هو حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة «٥».

стр. 53

٩ - خالد بن سعيد بن العاص «١»: أبو سعيد خالد بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي أحد السابقين الأولين وكان من المهاجرين إلى الحبشة هو وأخوه عمرو، أقام بالحبشة إذ هاجر إليها وكانت معه امرأته وابناه سعيد وخالد اللذان ولدا بأرض الحبشة، وكان خالد يكتب للنبي ﷺ في سائر ما يعرض من أموره هو وحنظلة الكاتب «٢». قدم على النبي ﷺ في يوم خيبر سنة ٧ هـ، وأسهم له النبي ﷺ ثم رجع معه إلى المدينة وبعثه عاملا على صدقات اليمن، وتوفي النبي ﷺ وهو عامله على صنعاء اليمن، وأقره الصديق ﵁ أميرا على جيش فتح الشام لتحريرها من الروم، فحاربهم في مرج الصفر «٣»، فقيل: إنه قتل فيه، وقيل: إنه بقي حيا حتى شهد اليرموك. روي عن أم خالد بنت خالد أنها قالت: (كان أبي خامسا في الإسلام وهاجر إلى أرض الحبشة، وأقام بها بضع عشرة سنة وولدت أنا بها وأبي أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم) «٤». وجاء في الاستيعاب أنه استشهد يوم أجنادين، أما في الإصابة فقد ذكر موضعان فقال: (إنه استشهد في مرج الصفر، وعن موسى بن عقبة أنه استشهد

стр. 54

يوم أجنادين، وقد اختلف أهل التاريخ أيهما كان قبل والله أعلم) «١». ورجح البلاذري أنه مات في مرج الصفر التي وقعت بعد أجنادين بعشرين ليلة، وأن فتح مدينة دمشق بعده «٢». ١٠ - خالد بن الوليد «٣»: أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القريشي المخزومي، سيف الله وأمه لبابة الصغرى، وهو أحد أشراف قريش في الجاهلية وعليه كانت القبة والأعنة «٤». ذكره ابن عبد البر مع الذين كتبوا للنبي ﷺ «٥». اختلف في تحديد وقت إسلامه، فقيل: هاجر خالد بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وذهب بعضهم إلى القول أن إسلامه كان سنة ثمان للهجرة مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، ولما رآهم النبي ﷺ قال: (رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها) «٦»، حسن إسلامه وولاه النبي ﷺ على أعنة الخيل وسماه (سيفا من سيوف الله) «٧»، وشهد فتح مكة مسلما، وبعثه ﷺ إلى

стр. 55

بيت العزى، وكان مما تعظمه قريش وكنانة ومضر بنخلة فهدمها وجعل يقول: كفرانك اليوم لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك وقال بعض المؤرخين: لا يصح لخالد مشهد مع الرسول ﷺ قبل الفتح. ومضى أميرا على الجيوش التي ذهبت للقضاء على المرتدين، ولما حضرته الوفاة قال: شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم ها أنا ذا أموت كما يموت البعير، فكان ﵁ يطمع بالشهادة في سبيل الله، وكانت وفاته بحمص. وقيل: توفي في المدينة سنة ٢١ هـ أو ٢٢ هـ، في خلافة عمر الفاروق ﵁ والأكثر أنه مات بحمص والله أعلم «١». ١١ - الزبير بن العوام «٢»: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القريشي الأسدي أبو عبد الله، حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (الزبير بن العوام ابن عمتي وحواري أمتي) «٣». وهو أول من سل سيفا في سبيل الله، وهو من العشرة المبشرة بالجنة، وكان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت يكتبان للنبي ﷺ في أموال

стр. 56

الصدقات «١»، ويقومان بتصفيتها وتوزيعها على ما ورد في الآية الكريمة* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٢». أبلى الزبير بلاء عظيما في معارك الإسلام الخالدة، وفي اليرموك على وجه التحديد، استشهد سنة ٣٦ هـ، في وقعة الجمل، قتله ابن جرموز بوادي السباع «٣». منصرفا تاركا للقتال طالبا للنجاة من الفتن، فأخذ ابن جرموز سيفه بعد أن قتله وأخبر عليا ﵁ فبشره بالنار، لما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) «٤»، فقال ابن جرموز متهكما: يا ويلنا إن قاتلناكم ويا ويلنا إن قاتلنا معكم فنحن في النار «٥». وكان الإمام علي ﵁ يقول: (والله إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من أهل هذه الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) «٦». ١٢ - زيد بن ثابت الأنصاري «٧»: هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، كاتب الوحي للنبي

стр. 57

صلى الله عليه وسلم. قتل أبوه في يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين «١»، وعند ما قدم النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة كان زيد صبيا ذكيا نجيبا، وكان عمره إحدى عشرة سنة. فأمره النبي ﷺ أن يتعلم خط اليهود، فأجاد الكتابة وحفظ القرآن الكريم وأتقنه، وكتب الوحي للنبي ﷺ ، كما كتب زيد مغانم النبي ﷺ قبل أن يتولاها معيقيب ابن فاطمة الدوسي «٢». ثم كتب الكتب إلى الملوك وأجاب عنها بحضرة النبي ﷺ ، وكان يترجم من الفارسية والرومية والقبطية والحبشية، وكان قد تعلمها في المدينة من أهل هذه الألسن، كما جاء في حديث: (يا زيد تعلم كتابة يهود، فإني ما آمنهم على كتابي) «٣». وفي حديث آخر عن زيد بن ثابت قال: قال لي النبي ﷺ : (إني أكتب إلى قوم أخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية فتعلمتها في سبعة عشر يوما) «٤». وروي عنه أيضا أنه قال: (كنت إلى جانب النبي ﷺ فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذي فما وجدت شيئا أثقل منها. ثم سري فقال لي: اكتب، فكتبت في كتف «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون» «٥»، فقام عمرو بن أم مكتوم فقال: كيف بمن لا يستطيع؟ فما انقضى كلامه حتى غشيت

стр. 58

رسول الله ﷺ السكينة، ثم سري عنه فقال: اكتب غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١». واستصغر يوم بدر، وكان أفرض الصحابة، وأحد أصحاب الفتوى كما روى ذلك ابن سعد بإسناد صحيح، قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى وهم ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت ﵃ «٢». وأوضح ابن عبد البر أن زيدا كان ألزم الصحابة لكتابة الوحي مع أنه كان يكتب كثيرا من الرسائل، وسبقت الإشارة إلى أن أبي بن كعب كان أول من كتب للنبي ﷺ من الأنصار، فإذا لم يكن حاضرا دعا زيد بن ثابت، وكانا يتناولان الكتابة في الوحي، كما كتبا كتبه ﷺ إلى الناس «٣». وانتدب في زمن الصديق ﵁ لجمع القرآن، ثم عينه عثمان ﵁ لكتابة المصحف وثوقا بحفظه، ودينه وأمانته وحسن كتابته وكتب بعد النبي ﷺ لأبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵃ جميعا، كما كتب لهما معيقيب الدوسي معه «٤». وقرأ عليه القرآن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي، وحدث عنه ابنه خارجة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وعبيد بن السباق، وعطاء بن يسار وغيرهم، وكان ابن عباس يأتي بابه وينتظر خروجه ليسمع منه العلم، فإذا ركب أخذ بركابه، فيقول: ما هذا يا ابن عباس؟

стр. 59

وفي رواية الشعبي: تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ ، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وكان عمر ﵁ يستخلفه على المدينة إذا حج، وكان من الراسخين في العلم، وكان رأسا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض «١». وقد اختلف في وفاته فقيل: سنة ٤٥ هـ، وقيل: سنة ٥٥ هـ، وقيل غير ذلك، وأكثر الأقوال على أنه توفي سنة ٤٥ هـ «٢». ١٣ - شرحبيل بن حسنة «٣»: قال القاضي الرامهرمزي: هو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو من كندة، وأمه حسنة مولاة معمر بن حبيب الجمحي، هي من بطن حمير، وكان سفيان بن معمر بن حبيب بن وهب الجمحي تزوجها بعد عبد الله بن المطاع وتبنى ابنها في الجاهلية، فولدت له جابرا وجنادة ابني سفيان، فلما قدموا من الحبشة نزلوا على قومهم من بني زريق، ونزل شرحبيل مع أخويه لأمه، ثم هلك سفيان وأبناءه في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. فتحول شرحبيل بن حسنة على بني زهرة فحالفهم «٤». وكان ممن كتب للنبي ﷺ «٥»، وهناك من ذهب إلى أنه أول كاتب للنبي ﷺ «٦». وكان من مهاجرة الحبشة مصدرا في وجوه قريش، ثم أصبح أميرا مجاهدا

стр. 60

في تحرير الشام، كما ولاه الفاروق ﵁ ربع أرباع الشام، وكانت وفاته شهيدا في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ، وهو ابن سبع وستين سنة «١». ١٤ - عامر بن فهيرة «٢»: هو عامر بن فهيرة التميمي، مولى أبي بكر الصديق ﵁، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان ممن يعذب في الله، وأوضح ابن إسحاق أنه كان مولودا من الأزد للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، فاشتراه الصديق ﵁ وأعتقه، فأسلم وحسن إسلامه، وهو من الذين كتبوا للنبي ﷺ قبل الهجرة «٣». وكان له دور مهم في هجرة النبي ﷺ مع انه كان راعيا للأغنام، فكان يريحها ليحتلب منها النبي ﷺ والصديق ﵁ مدة لبثهم في غار ثور متخفين عن أعين المشركين، ثم يسير بغنمه ليخفي آثار عبد الله بن أبي بكر الذي كان يواصل النبي ﷺ بأخبار قريش، وآثار أخته أسماء ذات النطاقين التي كانت تأتي بالطعام للنبي ﷺ وصاحبه، وكانت وفاته سنة ٤ هـ، عند بئر معونة، وكان النبي ﷺ قد بعث أربعين رجلا إلى أهل نجد للدعوة إلى الإسلام، فذهب عدد من خيار المسلمين وأميرهم المنذر بن عمرو، ومنهم عامر بن فهيرة، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم فغدروا بهم ﵏ «٤».

стр. 61

١٥ - عبد الله بن الأرقم «١»: هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف القيسي الزهري، أسلم عام الفتح وكتب للنبي ﷺ ، ثم لأبي بكر الصديق ﵁، واستكتبه عمر الفاروق ﵁، وكان يجيب الملوك عن النبي ﷺ . وأشار المسعودي على أن عبد الله بن الأرقم والعلاء بن عقبة كانا يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات «٢»، فلما ولي عمر ﵁ استعمله على بيت المال في خلافته، واستمر في خلافة عثمان ﵃ سنتين حتى استعفاه من ذلك فأعفاه، وكانت وفاته في خلافة عثمان ﵁. ١٦ - عبد الله بن رواحة «٣»: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، كني ب (أبي عمرو وأبي محمد)، نزيل دمشق، وهو بدري، روى عنه أبو هريرة وابن عباس ﵃، وكان نقيبا في بيعة العقبة الثانية، وكان شاعرا، وهو أخو أبي الدرداء لأمه، وهو الذي جاء ببشارة وقعة بدر إلى المدينة، ويعتبر من كتاب الأنصار المشهورين، وكتب للنبي ﷺ ، واستشهد في غزوة مؤتة سنة ٨ هـ، بعد صاحبيه زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وكان ابن رواحة ﵁ قوي الإيمان وهو القائل: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

стр. 62

فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن العدو قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا وكان أحد شعراء النبي ﷺ الذين كانوا ينافحون عنه وفيه، وكحسان بن ثابت وكعب بن مالك «١». وفيه قال ﷺ : (رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة) «٢». ١٧ - عبد الله بن سعد «٣»: هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري من بني عامر بن لؤي بن غالب. أسلم وكتب للنبي ﷺ ، قال الطبري: هو أول من كتب للنبي ﷺ من قريش في مكة، ثم ارتد ولحق بالمشركين، يقول: كان يملي علي (عزيز حكيم)، فأقول: (عليم حكيم) «٤». ونزل فيه قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ... «٥». ثم أسلم وحسن إسلامه. وله رواية وحديث. وولاه الفاروق ﵁ الصعيد كما ولي مصر لعثمان ﵁، وهو الذي فتح إفريقيا وقتل جرجير صاحبها. وغزا ذات الصواري سنة أربع وثلاثين، ورجح ابن حجر أن وفاته كانت سنة ٥٩ هـ، وقيل: في خلافة علي ﵁ سنة ست وثلاثين «٦».

стр. 63

١٨ - العلاء بن الحضرمي «١»: العلاء بن عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة، كان من حلفاء بني أمية ومن سادة المهاجرين، ولاه النبي ﷺ البحرين ثم وليها لأبي بكر وعمر ﵄، وتروي المصادر أن الفاروق ﵁ بعثه أميرا على البصرة فمات قبل أن يصل إليها. ونقل الذهبي عن محمد بن سيرين أن العلاء كتب للنبي ﷺ «٢». وقال المسعودي: (ربما كتب بين يديه) «٣»، وعده البلاذري والطبري من كتاب النبي ﷺ «٤». ومن فضائله ﵁ ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (رأيت ثلاثة أشياء في العلاء لا أزال أحبه أبدا، قطع البحر على فرسه بواد أرين، وقدم يريد البحرين فدعا الله بالدهناء فنبع لهم ماء فارتووا، ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد فلقيه ولم يجد الماء، ومات ونحن على غير ماء فأبدى الله سحابة فمطرنا، فغسلناه وحفرنا له بسيوفنا ودفناه ولم نلحد له)، وكانت وفاته سنة ٢١ هـ «٥». ١٩ - محمد بن مسلمة «٦»: أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج حليف لبني عبد الأشهل. ولد قبل البعثة باثنتين

стр. 64

وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا، وقيل: يكنى أبا عبد الله، وقال ابن سعد: أسلم قديما على يد مصعب بن عمير وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة «١»، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ ، وكان من كتاب النبي ﷺ «٢». استخلفه النبي ﷺ على المدينة في بعض غزواته، وشهد مع النبي ﷺ بدرا والمشاهد كلها إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن من النبي ﷺ ، فأذن له أن يقيم بالمدينة. وكان ممن ذهب إلى قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي آذى المسلمين وتكلم على نسائهم «٣». وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين، وقال حذيفة في حقه: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فذكره وصرح بسماع ذلك من النبي ﷺ . وقال ابن الكلبي: ولاه عمر ﵁ على صدقات جهينة، وقال غيره: كان عند عمر معدا لكشف الأمور المعضلة في البلاد. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأرخه المدائني ومحمد بن الربيع أنه مات سنة ثلاث وأربعين في داره بالمدينة «٤». ٢٠ - معاوية بن أبي سفيان «٥»: معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. ولد قبل البعثة بخمس سنين، أسلم قبل أبيه في عمرة

стр. 65

القضاء بعد الحديبية، ولم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح سنة ٨ هـ. وهو أخو أم حبيبة ﵄. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وأم حبيبة ﵃، وروى الحديث عن غيرهم. كما روى عنه خلق من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير ومروان بن الحكم، وسعيد بن المسيب وأبو إدريس الخولاني «١». تولى كتابة الرسائل فيما بين النبي ﷺ وعرب البادية، قال المدائني: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية بكتب للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، وعن ابن عباس ﵁ أنه كان كاتبا للوحي «٢». قال البلاذري: كتب له بعد إسلامه عام الفتح. وقال المسعودي: كتب له معاوية قبل وفاته ﷺ بأشهر «٣». تجمع الروايات على أن معاوية كتب الرسائل والوحي، وكان هو وزيد بن ثابت ملازمين للكتابة بين يدي النبي ﷺ في الوحي وغيره. وفي مسند الإمام أحمد- وأصله في مسلم- عن ابن عباس قال: قال لي النبي ﷺ : (ادع لي معاوية، وكان كاتبه) «٤». وقد ولاه الفاروق ﵁ الشام بعد أخيه يزيد ﵄، وأقره عثمان ﵁، وكان إذا رآه يقول: هذا كسرى العرب، وقال عنه الفاروق أيضا: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى، وتدعون معاوية «٥».

стр. 66

وقد قال بعض المؤرخين: أنه عاش عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، وبهذا جزم محمد بن إسحاق «١». وكانت وفاته في رجب سنة ستين هجرية على الصحيح. ٢١ - معيقيب بن أبي فاطمة «٢»: هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ابن عدنان بن عبد الله الأزدي، كان حليفا لبني أسد، أسلم بمكة قديما وشهد بدرا وبيعة الرضوان وغيرها، وكان من مهاجرة الحبشة، كتب للنبي ﷺ ، ويبدو أنه كان مختصا بكتابة مغانم النبي ﷺ ، وكان عليها قبله زيد بن ثابت «٣». وهو صاحب خاتم النبي ﷺ ، كما كتب بعد النبي ﷺ للصديق والفاروق ﵄ وكان على بيت المال في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنه ابناه محمد والحرث، وابن ابنه إياس بن الحرث، وكانت وفاته سنة ٤٠ هـ «٤». ٢٢ - المغيرة بن شعبة الثقفي «٥»: هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن قيس الثقفي أبو محمد، وقال الطبري: أبو عبد الله، أسلم يوم الخندق، وشهد الحديبية

стр. 67

واليمامة وفتوح الشام واليرموك، له مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على تسعة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين، وعنه ابناه حمزة وعروة والشعبي وخلق وكان عاقلا أديبا حازما ذا رأي ودهاء كبير، ذكره المؤرخون كواحد من كتاب النبي ﷺ «١». وقال عنه ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وقال الشعبي: كان من دهاة العرب، استعمله الفاروق ﵁ على البحرين، وشكوا منه فعزله ثم ولاه البصرة. وفتح ميسان وهمدان، ثم عزله الفاروق وولاه بعد ذلك على الكوفة، وأقره عثمان ﵁ ثم عزله. وكانت وفاته بالكوفة سنة ٥٠ هـ. وهو أمير عليها، وقيل: سنة ٤٩ هـ. والأول هو الصواب كما قال ابن حجر، وقال: ونقل فيه الخطيب الإجماع «٢». ٢٣ - يزيد بن أبي سفيان «٣»: هو يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي أبو خالد الأمير. يقال له يزيد الخير، هو أخو معاوية من أبيه، وأخو أم المؤمنين أم حبيبة ﵃ جميعا. له أحاديث، روى عنه عياض الأشعري، وجنادة بن أبي أمية، ولي فتح الشام. كان من العقلاء الألباء والشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وشهد حنينا وأسهم له النبي ﷺ من غنائمها، كتب للنبي ﷺ في مراسلاته، واستعمله على صدقات بني فراس «٤». توفي في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ.

стр. 68

وهكذا ... فالقرآن الكريم حظي بأوفى نصيب من عناية النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فلا تصرفهم عنايتهم بحفظه عن عنايتهم بكتابته. ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم «١». المطلب الثالث: خط المصاحف قبل أن نتحدث عن خط المصاحف الذي كتب به القرآن الكريم. والذي كتب بالكتابة العربية، وبالخصائص والمميزات التي كانت تمتاز بها آنذاك ... لا بد أن نتحدث عن أصل الخط العربي، متى أنشئ وكيف وصل إلى بلاد الجزيرة العربية وبالذات إلى مكة قبل الإسلام؟ إن معرفة أصل الخط العربي مشكلة في التاريخ معقدة. تناولها بعض المؤرخين بالرواية تارة، وبالتخمين تارة أخرى. ويرجع ذلك إلى أن تاريخ الشعب العربي في الجاهلية وعلاقته آنذاك بالشعوب الأخرى من حوله، فلم يقيدوا كتابا إلا نتفا يسيرة جدا أثبتها الشعراء في قصيدهم، وتناقلها الرواة محرفة ومزيدة على مر الأجيال إلى أن جاءت إلينا غامضة متناقضة «٢». إلا أن ابن أبي داود ذكر في كتابه المصاحف ثلاث روايات تبين لنا أصل الخط العربي، وكيفية دخوله إلى بيئة قريش «٣». قال في باب خطوط المصاحف: ١ - حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن مجالد عن الشعبي، قال: سألت المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من

стр. 69

أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار «١». ٢ - حدثنا عبد الله، قال: حدثنا علي بن حرب عن هشام بن محمد بن السائب، قال الأكيدر دومة «٢»، هو الأكيدر بن عبد الملك الكندي، وأخوه بشر بن عبد الله الذي علمه أهل الأنبار خطنا هذا، فخرج بشر إلى مكة، فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية فولدت له جاريتين. ٣ - عن هشام بن محمد: أن خطنا هذا سمي الجزم «٣». وأول من كتب به، كتبه قوم من عدي يقولون هم من بولان، وكان الشرقي يقول مرامر بن مروة وسلمة بن حزرة وهم الذين وضعوا هذا الكتاب. قال أبو بكر: إن بشرا لما تزوج الصهباء بنت حرب علم هذا الخط

стр. 70

سفيان بن حرب، وقال: إن عمر بن الخطاب ومن بمكة من قريش تعلموا الكتابة من حرب بن أمية «١». وروايات السجستاني هذه لا تختلف في المصدر الأول للخط. وهو الأنبار، ولكنه يجعل وصف حركة انتقاله من الأنبار إلى الحيرة، ثم إلى المهاجرين في الخبر الأول، ويفصل في الخبرين الآخرين أمر إنشاء الخط في الأنبار أو أمر انتقاله منها إلى مكة. وهناك أقوال أخرى في أصل الخط العربي منها: ما روي عن كعب الأحبار أن آدم ﵇ قد وضع الكتاب العربي والسرياني قبل موته بثلاثمائة عام. وروي أن إدريس ﵇ أول من خط بالقلم بعد آدم، وروي عن ابن عباس ﵄ أن أول من وضع الكتاب بالعربية إسماعيل بن إبراهيم ﵉ «٢». ويرى بعض العلماء أن الخط توقيفي، وأن هذه الحروف داخلة في الأسماء التي علم الله آدم «٣»، استدلوا بآيات قرآنية منها قوله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) «٤»، وقوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) «٥»، وسيأتي الحديث عن ذلك في اختلاف العلماء في التمسك بالرسم العثماني هل هو توقيفي أو لا؟ إذن فتاريخ دخول الخط العربي إلى البيئة المكية كان موجودا قبل البعثة

стр. 71

النبوية وتشير الروايات إلى أن ورقة بن نوفل كان يكتب الكتاب العربي والكتاب العبراني «١». وحين قاطعت قريش النبي ﷺ والمسلمين في بداية الدعوة بمكة كتبوا كتابا بذلك وعلقوه في جوف الكعبة «٢». أما الخط في المدينة (يثرب)، فقد قال علماء السيرة: إن النبي ﷺ دخلها وكان فيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة، وكان فيها بضعة عشر من الرجال يعرفون الكتابة ومنهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وزيد بن ثابت، فكانوا يعرفون الخط الحجازي المأخوذ من الحيرى، وأول من نشر الكتابة بطريقة عامة هو الرسول الكريم محمد ﷺ بعد الكتاب، وجعل فدية الكاتبين منهم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة، ففعلوا ذلك، وانتشر الخط بالتدريج من ذلك الحين في المدينة «٣». أما القرآن الكريم، فقد كتب في المصاحف بالكتابة العربية المتداولة حاليا والتي تتألف من ثمانية وعشرين حرفا، وكانت تمتاز بمميزات وخصائص، فالحروف ليست معجمة آنذاك «٤»، والحركات غير مرسومة إلى جانب مميزات أخرى، تتمثل في حذف حروف المد أحيانا، أو رسم التاء المدورة مبسوطة،

стр. 72

أو وصل بعض الكلمات أو فصلها .. إلخ «١». كذلك كان الصحابة قد جردوا القرآن حين كتبوه في المصحف من كل زيادة ليست من النص القرآني، وكانوا يقولون: (جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء) «٢». فلم يكتبوا أسماء السور ولا ما يتعلق بكونها مكية أو مدنية، ولم يبينوا عدد آياتها، ولا كانوا يشيرون إلى رءوس الأجزاء «٣»، فكانوا ملتزمين بالقواعد الهجائية وأصول الرسم، وهذه الطريقة في الكتابة التي ارتضاها عثمان ﵁ سماها العلماء ب (الرسم العثماني للمصحف) نسبة إليه «٤». وقد اختلف علماء المسلمين في وجوب التمسك بالرسم القرآني المأثور- أو بالرسم العثماني- فمنهم من قال بأن هذا الرسم توقيفي. ويجب الأخذ به، ولا تجوز مخالفته. ومنهم من قال ليس توقيفيا عن النبي ﷺ ، لكنه اصطلاح ارتضاه عثمان ﵁، فيجب الالتزام به، ومنهم من قال: إن الرسم العثماني اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته «٥». وإليك تفصيل هذه الآراء الثلاثة: الرأي الأول: إنه توقيفي لا تجوز مخالفته، وذلك مذهب الجمهور «٦». واستدلوا بأدلة منها:

стр. 73

١ - أن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم، ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتابة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل، بل ورد أنه ﷺ كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته، ومن ذلك قوله ﷺ لمعاوية ﵁ وهو من كتبة الوحي: (ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك) «١». وكما يقول صاحب كتاب (إتحاف فضلاء البشر): لم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق، بل عن أمر- عندهم- قد تحقق، وكأن النبي ﷺ قد أقر هذا الرسم «٢». (والذي نعتقده في هذا الشأن هو أن الله الذي أكد حفظه لكتابه إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٣»، لم يكن ليدع الخطأ يقع في كتابه، أصل شريعته، وعماد دينه، ولا يلهم نبيه تصحيحه) «٤». ٢ - إن كتابة القرآن الكريم على الهيئة المعروفة حاليا هو (لأسرار لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خصها الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فلا يوجد شيء من هذا الرسم في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في غيرها من الكتب السماوية) «٥».

стр. 74

(وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) «١» دون (فئة) «٢»، وإلى سر زيادة الياء في (بأييد) «٣»، و (بأييكم) «٤» ؟ أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في (سعوا) ب (الحج) «٥»، ونقصانها من (سعو) ب (سبأ) «٦»، وأم كيف تبلغ العقول إلى درجة حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض؟ .. إلخ) «٧». ونقل العلامة ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ، إذ يقول في كتابه الإبريز: (رسم القرآن من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة، قال ابن المبارك: فقلت له: هل رسم الواو بدل الألف نحو (الصلاة، والزكاة، والحياة، ومشكاة) وزيادة الواو في (سأوريكم، وأولئك، .. ) وكالياء في نحو (هديهم، وبأييكم) فقال: هذا كله صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ . وقال أيضا الشيخ عبد العزيز الدباغ: (ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ وهو الذي أمرهم أن يكتبوه وعلى الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصها لأسرار لا تهتدي إليها العقول .. ) «٨». ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف، وبإشراك الصحابة

стр. 75

ورضاهم، ولم يخالفها أحد منهم ثم حذا حذوه عثمان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وعلى ملأ من الصحابة، وأقر أصحاب النبي عمل أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين، وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، ولم ينقل أن أحد منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين، بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه «١». وما دام قد انعقد الإجماع على تلك الرسوم فلا يجوز العدول عنها إلى غيرها إذ لا يجوز خرق الإجماع بوجه «٢». (والإجماع حجة. حسبما تقرر الأحوال، ومحال في حق الصحابة ﵃ أن يخالفوا ما أقره النبي ﷺ ويتصرفوا في القرآن بأي زيادة أو نقصان ... ) «٣»، ويقول الزرقاني في المناهل: (وانعقاد الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها) «٤». الرأي الثاني: إن رسم المصحف اصطلاحي، وليس توقيفيا عن النبي ﷺ ، بل ارتضاه عثمان ﵁ وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الالتزام به والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وقد اصطلح الكتبة في عهد عثمان ﵁ هذا الرسم بعد أن جعل لهم ضابطا لذلك بقوله للرهط القريشيين الثلاثة: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
следующие страницы →