← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37676

جمع القرآن - دراسة تحليلية لمروياته

أكرم الدليمي

Полный текст (340 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النبوية وتشير الروايات إلى أن ورقة بن نوفل كان يكتب الكتاب العربي والكتاب العبراني «١». وحين قاطعت قريش النبي ﷺ والمسلمين في بداية الدعوة بمكة كتبوا كتابا بذلك وعلقوه في جوف الكعبة «٢». أما الخط في المدينة (يثرب)، فقد قال علماء السيرة: إن النبي ﷺ دخلها وكان فيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة، وكان فيها بضعة عشر من الرجال يعرفون الكتابة ومنهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وزيد بن ثابت، فكانوا يعرفون الخط الحجازي المأخوذ من الحيرى، وأول من نشر الكتابة بطريقة عامة هو الرسول الكريم محمد ﷺ بعد الكتاب، وجعل فدية الكاتبين منهم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة، ففعلوا ذلك، وانتشر الخط بالتدريج من ذلك الحين في المدينة «٣». أما القرآن الكريم، فقد كتب في المصاحف بالكتابة العربية المتداولة حاليا والتي تتألف من ثمانية وعشرين حرفا، وكانت تمتاز بمميزات وخصائص، فالحروف ليست معجمة آنذاك «٤»، والحركات غير مرسومة إلى جانب مميزات أخرى، تتمثل في حذف حروف المد أحيانا، أو رسم التاء المدورة مبسوطة،

стр. 72

أو وصل بعض الكلمات أو فصلها .. إلخ «١». كذلك كان الصحابة قد جردوا القرآن حين كتبوه في المصحف من كل زيادة ليست من النص القرآني، وكانوا يقولون: (جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء) «٢». فلم يكتبوا أسماء السور ولا ما يتعلق بكونها مكية أو مدنية، ولم يبينوا عدد آياتها، ولا كانوا يشيرون إلى رءوس الأجزاء «٣»، فكانوا ملتزمين بالقواعد الهجائية وأصول الرسم، وهذه الطريقة في الكتابة التي ارتضاها عثمان ﵁ سماها العلماء ب (الرسم العثماني للمصحف) نسبة إليه «٤». وقد اختلف علماء المسلمين في وجوب التمسك بالرسم القرآني المأثور- أو بالرسم العثماني- فمنهم من قال بأن هذا الرسم توقيفي. ويجب الأخذ به، ولا تجوز مخالفته. ومنهم من قال ليس توقيفيا عن النبي ﷺ ، لكنه اصطلاح ارتضاه عثمان ﵁، فيجب الالتزام به، ومنهم من قال: إن الرسم العثماني اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته «٥». وإليك تفصيل هذه الآراء الثلاثة: الرأي الأول: إنه توقيفي لا تجوز مخالفته، وذلك مذهب الجمهور «٦». واستدلوا بأدلة منها:

стр. 73

١ - أن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم، ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتابة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل، بل ورد أنه ﷺ كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته، ومن ذلك قوله ﷺ لمعاوية ﵁ وهو من كتبة الوحي: (ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك) «١». وكما يقول صاحب كتاب (إتحاف فضلاء البشر): لم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق، بل عن أمر- عندهم- قد تحقق، وكأن النبي ﷺ قد أقر هذا الرسم «٢». (والذي نعتقده في هذا الشأن هو أن الله الذي أكد حفظه لكتابه إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٣»، لم يكن ليدع الخطأ يقع في كتابه، أصل شريعته، وعماد دينه، ولا يلهم نبيه تصحيحه) «٤». ٢ - إن كتابة القرآن الكريم على الهيئة المعروفة حاليا هو (لأسرار لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خصها الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فلا يوجد شيء من هذا الرسم في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في غيرها من الكتب السماوية) «٥».

стр. 74

(وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) «١» دون (فئة) «٢»، وإلى سر زيادة الياء في (بأييد) «٣»، و (بأييكم) «٤» ؟ أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في (سعوا) ب (الحج) «٥»، ونقصانها من (سعو) ب (سبأ) «٦»، وأم كيف تبلغ العقول إلى درجة حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض؟ .. إلخ) «٧». ونقل العلامة ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ، إذ يقول في كتابه الإبريز: (رسم القرآن من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة، قال ابن المبارك: فقلت له: هل رسم الواو بدل الألف نحو (الصلاة، والزكاة، والحياة، ومشكاة) وزيادة الواو في (سأوريكم، وأولئك، .. ) وكالياء في نحو (هديهم، وبأييكم) فقال: هذا كله صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ . وقال أيضا الشيخ عبد العزيز الدباغ: (ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ وهو الذي أمرهم أن يكتبوه وعلى الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصها لأسرار لا تهتدي إليها العقول .. ) «٨». ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف، وبإشراك الصحابة

стр. 75

ورضاهم، ولم يخالفها أحد منهم ثم حذا حذوه عثمان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وعلى ملأ من الصحابة، وأقر أصحاب النبي عمل أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين، وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، ولم ينقل أن أحد منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين، بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه «١». وما دام قد انعقد الإجماع على تلك الرسوم فلا يجوز العدول عنها إلى غيرها إذ لا يجوز خرق الإجماع بوجه «٢». (والإجماع حجة. حسبما تقرر الأحوال، ومحال في حق الصحابة ﵃ أن يخالفوا ما أقره النبي ﷺ ويتصرفوا في القرآن بأي زيادة أو نقصان ... ) «٣»، ويقول الزرقاني في المناهل: (وانعقاد الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها) «٤». الرأي الثاني: إن رسم المصحف اصطلاحي، وليس توقيفيا عن النبي ﷺ ، بل ارتضاه عثمان ﵁ وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الالتزام به والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وقد اصطلح الكتبة في عهد عثمان ﵁ هذا الرسم بعد أن جعل لهم ضابطا لذلك بقوله للرهط القريشيين الثلاثة: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في

стр. 76

شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم) «١». فأمر عثمان ﵁ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام باستنساخ المصاحف، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة بعد أن طلبها منها ووعدها أن يردها إليها بعد أن يستنسخها «٢». وحين اختلفوا في كتابة (التابوة) وقال النفر القريشيون: (التابوت) وترافعوا إلى عثمان ﵁ قال: (اكتبوها (التابوت) فإنما أنزل القرآن على لسان قريش) «٣». ومن الأدلة الأخرى على الالتزام بالرسم العثماني: (روى السخاوي بسنده أن مالكا ﵀ سئل: أرأيت من استكتب مصحفا، أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى، قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالك هو الحق، إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى بعد الأخرى إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى) «٤». قال أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالك من علماء الأمة في ذلك. وقال أيضا: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا قال أبو عمرو: يعني الألف والواو

стр. 77

المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو (أولوا) «١». وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في الواو أو الألف أو الياء أو غير ذلك «٢». وقال البيهقي في شعب الإيمان: (من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن يظن بأنفسنا استدراكا عليهم) «٣». الرأي الثالث: وقال بعض العلماء: إن الرسم العثماني اصطلاحي ولا مانع من مخالفته إذا اصطلح الناس على أمر خاص للإملاء، وأصبح شائعا بينهم. قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه (الانتصار): وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يؤخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسم بعينه دون غيره أوجبه عليهم، وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه. ولا نص في السنة ما يوجب ذلك، ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحد عن

стр. 78

كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال .. وأن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والرموز، فكل رسم دال على الكلمة معيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أي صورة كانت .. وبالجملة، فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه. وأنى له ذلك) «١». ويميل الزركشي إلى ما يفهم من كلام العز بن عبد السلام من أنه يجوز بل يجب كتابة المصحف الآن لعامة الناس على الاصطلاحات المعروفة الشائعة عندهم، ولا تجوز كتابته لهم بالرسم العثماني الأول لئلا يوقع في تغيير الجهال، ولكن يجب في الوقت نفسه المحافظة على الرسم العثماني كأثر من الآثار النفيسة الموروثة عن سلفنا الصالح، فلا يهمل مراعاة لجهل الجاهلين، بل يبقى في أيدي العارفين الذين لا تخلو منهم الأرض «٢». وقال الزركشي معقبا على قول الإمام مالك عند ما سئل: (هل يكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى)، قال- أي الزركشي-: (وهذا كان في الصدر الأول والعلم حي غض، وأما الآن فقد يخشى الإلباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى درس العلم،

стр. 79

وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم الله بحجة) «١». وانطلاقا من هذا الرأي يدعو بعض الناس اليوم إلى كتابة القرآن الكريم وفق القواعد الإملائية الشائعة المصطلح عليها، حتى تسهل قراءته على القارئين من طلاب المدارس، ولا يشعر الطالب في أثناء قراءته للقرآن باختلاف رسمه عن الرسم الإملائي الاصطلاحي في المصحف «٢». والذي أراه أن الرأي الثاني هو الرأي الراجح، وأنه يجب كتابة القرآن بالرسم العثماني المعهود في المصاحف، والذي ارتضاه عثمان لنفسه بجمع من الصحابة ﵃، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الالتزام والأخذ به، ولا تجوز مخالفته، والله أعلم.

стр. 80

المبحث الثالث الأحاديث المروية في العهد النبوي لكتابة القرآن توطئة: إن دراسة هذه المرويات ضرورية جدا، وذلك لمعرفة أصح الطرق منها وأضعفها، والتمييز بين الثابت منها والمنسوب إليها- كما سيأتي، وقد بذلت جهدا كبيرا في تتبع رجال هذه الروايات والكشف عنهم. وتبيان ما قاله علماء الجرح والتعديل فيهم. وسأتناول دراسة هذه الأسانيد دراسة نقدية، إضافة إلى تحليل المتن عند ما تقتضي الحاجة إلى ذلك. وقد توسعت في دراسة تحليل المتن ولا سيما في الصحيحين، لأنني لم أدرس رجال الإسناد فيهما، فماذا عساي أن أضيف أو أن أتكلم على رجال الإسناد في صحيح البخاري. وهو أصح كتاب بعد كتاب الله ﵎، وكذلك من بعده كتاب مسلم اللذان تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول. أما المرويات الأخرى التي هي خارج الصحيحين، فقد توسعت في دراسة أسانيدها، وبيان حال رجالها، وأوجزت في تحليل المتن فيها، لأن دراسة أسانيد هذه المرويات هو العمدة في بحثنا .. ومن الله تعالى التوفيق. أولا: أ- حدّثنا سليمان بن حرب حدّثنا شعبة عن عمرو بن مرّة عن إبراهيم عن مسروق قال: ذكر عبد الله عند عبد الله بن عمرو فقال ذاك رجل لا أزال أحبّه بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (استقرءوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود فبدأ به. وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن

стр. 81

جبل)، قال: لا أدري بدأ بأبيّ أو بمعاذ بن جبل «١». ب- وردت هذه الرواية في صحيح البخاري في وضع آخر عن طريق حفص بن عمر بسنده عن مسروق ولكن بلفظ: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب) «٢». ج- ووردت هذه الرواية في صحيح مسلم بلفظ: (اقرءوا القرآن من أربعة نفر ... ) الحديث «٣». دلالة الحديث: قوله ﷺ : (استقرءوا القرآن من أربعة) أو (خذوا القرآن من أربع) أي: تعلموه منهم، والأربعة المذكورون، اثنان من المهاجرين وهما عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، واثنان من الأنصار وهما: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب. وسالم هو ابن معقل مولى أبي حذيفة «٤». وقال الإمام النووي، وابن حجر، فيما معناه: وتخصيص هؤلاء الأربعة بأخذ القرآن عنهم إما لأنهم كانوا أكثر ضبطا لألفاظه، وأتقن لأدائه، وإن كان من غيرهم أفقه لمعانيه، أو لأنهم تفرغوا لأخذه منه ﷺ وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض. أو لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم، وأنه ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته ﷺ من تقدم هؤلاء الأربعة وتمكنهم وأنهم أقعد من

стр. 82

غيرهم في ذلك، فندب إلى الأخذ عنهم، لا أنه لم يجمعه غيرهم «١». ثانيا: أ- حدّثني محمّد بن بشّار حدّثنا يحيى حدّثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي اللهم عنه قال: (جمع القرآن على عهد النّبيّ ﷺ أربعة، كلّهم من الأنصار: أبيّ، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي) «٢». ب- ورواية الإمام مسلم عن قتادة أيضا أنه قال: (سمعت أنسا يقول: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي) «٣». دلالة الحديث: قوله: (جمع القرآن) أي: استظهره حفظا «٤». وقال الإمام النووي نقلا عن المازري «٥»: هذا الحديث مما يتعلق به بعض الملاحدة في تواتر القرآن، وجوابه: أنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة

стр. 83

لم يجمعه، فقد يكون مراده الذين علمهم من الأنصار أربعة، أما غيرهم من المهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفي علمه، ومع هذا فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ ، وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيا. وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمعوا القرآن، وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي ﷺ ، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها وبقي بالمدينة أو بمكة أو غيرهما، ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات. وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى «١». وهناك أجوبة أخرى لحديث أنس ﵁، ذكرها القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره من أهمها: ١ - فلا يلزم أن يكون غيرهم جمعه. ٢ - المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك. ٣ - إن المراد بجمعه تلقيه من فيّ رسول الله ﷺ بلا واسطة بخلاف غيرهم. ٤ - أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم. ٥ - المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا على ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب. وهناك احتمال آخر، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، بقرينة المفاخرة، فلا ينفي ذلك من غير القبيلتين من المهاجرين ومن جاء

стр. 84

بعدهم. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلق غرضه بهم «١». ولذلك ... الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر ﵁ كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، وهو ليس من هؤلاء الأربعة الذين خصهم النبي ﷺ بحفظ القرآن وقد جاء بالأثر أنه: (بنى مسجدا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن) «٢». وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي ﷺ . وجاء في صحيح مسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) «٣»، وكما جاء في الأثر أيضا: (أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض) «٤»، فيدل ذلك على أنه كان أقرأهم. وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي ﷺ فقال: اقرأه في كل شهر ... ) «٥» الحديث. ج- وهناك رواية أخرى في صحيح البخاري تخالف رواية قتادة من وجهين، وهذه الرواية هي: (حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن

стр. 85

ورثناه) «١». الوجه الأول: الذي خالفت فيه رواية قتادة التي ذكرناها قبل قليل: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة «٢». ثانيهما: ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب. فأما الوجه الأول فقد تقدم الجواب عنه من عدة احتمالات. فلا نسلم حمله على ظاهره، واستدل الإمام القرطبي أيضا إضافة إلى بعض ما تقدم: من أنه قتل يوم اليمامة سبعون من القراء وقتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد «٣». قال: وإنما خص أنس الأربعة من القراء بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم «٤». وأما الوجه الثاني من المخالفة: هو ذكر أبي الدرداء بدلا من أبي، قال بعض العلماء بأن ذكر أبي الدرداء وهم، والصواب أبي بن كعب «٥». وقال ابن حجر: وقد أشار البخاري إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين، ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين، فذكره مرة أبي بن كعب، ومرة أبا الدرداء. وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل،

стр. 86

وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري) «١». قال ابن حجر: إسناده حسن مع إرساله. وهو شاهد جيد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء وإن خالفه في العدد والمعدود «٢». إذن .. فهذه الرواية- التي خالفت رواية قتادة- الحصر فيها حصر إضافي وليس حصرا حقيقيا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله ﷺ ، فسيدنا أنس ﵁ هو صادق في كلتا الروايتين، لأنه ليس بمعقول أن يكذب نفسه- حاشاه- فتعين أنه يريد الحصر الذي أورده الحصر الإضافي، بأن يقال: إن أنسا ﵁ تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء، ثم علق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبا الدرداء دون أبي بن كعب، وهذا التوجيه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين روايات أخرى ذكرت غير هؤلاء «٣». وقوله: (وأبو زيد): القائل ذلك هو أنس بن مالك ﵁. قال قتادة: قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. رجح الإمام النووي أن أبا زيد هو: (سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف، بدري، يعرف بسعد القاري. استشهد بالقادسية سنة خمسة عشرة في أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة) «٤».

стр. 87

وبهذا جزم الطبراني «١»، إلا أن الواقدي «٢» رجح أنه: هو قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاري النجاري، ويرجحه قول أنس: (أحد عمومتي) فإنه من قبيلة بني حرام «٣». وجاء في صحيح البخاري أيضا عن أنس ﵁ أنه قال: (مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا) «٤». فقول أنس: (أحد عمومتي، نحن ورثناه) في الرواية الأولى يرد على من يرجح أن أبا زيد المذكور هو سعيد بن عبيد بن النعمان، لأن أنسا خزرجي وسعد بن عبيد أوسي. قال ابن حجر: وإذا كان كذلك احتمل أن يكون سعد بن عبيد ممن جمع ولم يطلع أنس على ذلك «٥». وقد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة، وهو خزرجي، ويكنى أبا زيد وهذا ما رجحه ابن حجر، قال: (ثم وجدت عند ابن أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن

стр. 88

أ نس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: (وكان رجلا منا بني عدي بن النجار أحد عمومتي، مات ولم يدع عقبا، ونحن ورثناه)، قال ابن أبي داود: (مات قريبا من وفاة النبي ﷺ فذهب علمه ولم يؤخذ عنه وكان عقبيا بدريا) «١». والذي أرجحه وأميل إليه، أن أبا زيد الذي هو أحد عمومة أنس بن مالك هو: قيس بن السكن .. لأن كليهما خزرجي، والله تعالى أعلم. ثالثا: أ - حدّثنا محمّد بن بشّار حدّثنا وهب بن جرير حدّثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيّوب يحدّث عن زيد بن ثابت قال: كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع فقال رسول الله ﷺ : (طوبى للشّام)، فقلنا: لأيّ ذلك يا رسول الله: قال: (لأنّ ملائكة الرّحمن باسطة أجنحتها عليها) «٢». بيان حال الرواة: ١ - محمد بن بشار: (،؛) هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان، أبو بكر العبدي. (،؛) روى عن: وهب بن جرير، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان. (،؛) روى عنه: الجماعة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. (،؛) قال ابن حجر: ثقة من العاشرة، مات سنة اثنين وخمسين وله بضع وثمانون سنة «٣».

стр. 89

٢ - وهب بن جرير: (،؛) هو وهب بن جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله، أبو العباس، الأزدي. (،؛) روى عن: أبيه جرير بن حازم، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد. (،؛) روى عنه: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار. (،؛) قال ابن حجر: ثقة من التاسعة، مات سنة ست ومائتين «١». ٣ - جرير: (،؛) هو جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع أبو النصر الأزدي. (،؛) روى عن: أيوب السجستاني، والحسن البصري، ويحيى بن أيوب. (،؛) روى عنه: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابنه وهب بن جرير بن حازم. (،؛) قال ابن حجر: ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، مات سنة سبعين بعد ما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه «٢». ٤ - يحيى بن أيوب: (،؛) هو يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس المصري. (،؛) روى عن: هشام بن عروة، ويزيد بن أبي حبيب. (،؛) روى عنه: جرير بن حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري. (،؛) قال أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي: يحيى بن أيوب أحب إليك أو ابن أبي الموال؟ قال: يحيى بن أيوب أحب إلي، ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به.

стр. 90

(،؛) قال ا ب ن حجر: صدوق، ربما أخطأ، من السابعة، مات سنة ثمان وستين مائة «١». ٦ - عبد الرحمن بن شماسة: (،؛) هو عبد الرحمن بن شماسة بن ذؤيب بن أحور أبو عمرو المهدي. (،؛) روى عن: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة ﵂. (،؛) روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب. (،؛) قال ابن حجر: ثقة من الثالثة، مات سنة إحدى ومائة أو بعدها «٢». الحكم على الرواية: قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث يحيى بن أيوب «٣». ب - وردت هذه الرواية في مسند الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الرحمن بن شماسة أخبره: أن زيد بن ثابت قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع ... ) «٤» الحديث. بيان حال الرواة: تقدمت ترجمتهم في الرواية الأولى، إلا يحيى بن إسحاق.

стр. 91

(،؛) فهو يحيى بن إ سحاق، أبو زكريا، ويقال: أبو بكر السيلحيني البجلي. (،؛) روى عن: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ويحيى بن أيوب المصري. (،؛) روى عنه: أحمد بن حنبل، وأحمد بن خيثمة، وزهير بن حرب. (،؛) قال أحمد بن حنبل: شيخ صالح، ثقة، سمع من الشاميين، ومن ابن لهيعة، وهو صدوق. (،؛) وقال ابن حجر: صدوق من كبار العاشرة، مات سنة عشر ومائتين «١». الحكم على الرواية: طريق الإمام أحمد حسن، لأن فيه صدوقان، يحيى بن إسحاق، ويحيى بن أيوب، وبقية رجاله ثقات، وبهذا الإسناد تنتفي الغرابة من الحديث، والله أعلم. دلالة الحديث: قوله: (نؤلف القرآن من الرقاع): أي ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي ﷺ ، والرقاع تكون من جلد أو ورق «٢». رابعا: أ - حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا الوليد، قال: حدثتني جدتي، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكانت قد جمعت القرآن، وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها «٣».

стр. 92

بيان حال الرواة: ١ - أبو نعيم: (،؛) هو الفضل بن دكين، وهو لقب، واسمه: عمرو بن حماد بن زهير، أبو نعيم الكوفي. (،؛) روى عن: جرير بن حازم، وحماد بن زيد والوليد بن عبد الله بن جميع. (،؛) روى عنه: البخاري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. (،؛) قال ابن حجر: ثقة، ثبت، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة، وكان مولده سنة ثلاثين، وهو من كبار شيوخ البخاري «١». ٢ - الوليد: (،؛) هو الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري. (،؛) روى عن: إبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن جده عن أم ورقة، وقيل: عن جدته عن أم ورقة. (،؛) روى عنه: ابنه ثابت بن الوليد بن عبد الله، وأبو نعيم الفضل بن دكين. (،؛) قال يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال العجلي:، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. (،؛) وقال ابن حجر: صدوق يهم، ورمي بالتشيع، من الخامسة «٢». ٣ - جدته: (،؛) هي ليلى بنت مالك. (،؛) قال ابن حجر: لا تعرف، من الثالثة، ووقع في بعض الروايات عن جدته أم ورقة. والأول أثبت.

стр. 93

(،؛) وقد روت عن أ ب يها مالك «١». ٤ - أم ورقة: (،؛) بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية. (،؛) روى حديثها الوليد بن عبد الله بن جميع، عن جدته عن أمها أم ورقة. وقيل: عن الوليد عن جدته ليلى بنت مالك عن أبيها عن أم ورقة، وقيل: عن الوليد عن جدته عن أم ورقة. (،؛) لها صحبة، كان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة. وكانت تؤم أهل دارها. (،؛) ماتت في خلافة عمر، قتلها خدمها «٢». (،؛) وورد في الخلاصة: أنها (أم ورقاء بنت عبد الله بن الحارث .. كذا في نسخة البخاري، وفي التهذيب والتقريب أم ورقة، وفي رواية حديثها اضطراب) «٣». الحكم على الرواية: الرواية ضعيفة لجهالة ليلى بنت مالك، جدة الوليد بن عبد الله. ب - وردت هذه الرواية أيضا في طبقات ابن سعد، قال: (أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله ﷺ يزورها، ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكان رسول الله ﷺ حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال:

стр. 94

إن الله مهد لك شهادة، فكان يسميها الشهيدة، وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، فخدمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر، وإنهما هربا، فكانا أول مصلوبين في المدينة، وقال عمر: صدق رسول الله ﷺ ، كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة) «١». وأورد هذه الرواية بشكل مختصر ابن خزيمة في صحيحه في باب إمامة المرأة النساء في الفريضة، وذكر الحديث: (انطلقوا بنا نزور الشهيدة) «٢». الحكم على الرواية: نظرا لجهالة جدة الوليد- ليلى بنت مالك- والتي ورد ذكرها في رواية ابن سعد وفي مسند الإمام أحمد، فتكون الرواية ضعيفة، حيث قال عنها ابن حجر: لا تعرف، من الثالثة «٣». خامسا: أ- حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ يقول: لما نزلت لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٤»، دعا رسول الله ﷺ زيدا، فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت لا يَسْتَوِي

стр. 95

الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١». ووردت هذه الرواية في مواضع أخرى من صحيح البخاري «٢»، وكذا في صحيح مسلم «٣»، ومسند الإمام أحمد «٤»، والترمذي «٥»، والنسائي «٦»، وسنقتصر على رواية الإمام مسلم مع الرواية الأولى عند البخاري. ب- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق: أنه سمع البراء يقول في هذه الآية: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فأمر رسول الله ﷺ زيدا، فجاء بكتف يكتبها فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٧».

стр. 96

دلالة الحديث: في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) «١». قال الإمام النووي: (فيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين) «٢»، من أهل الأعذار المبيحة لترك الجهاد، من العمى والعرج والمرض، ولهم ثواب، ولكن لا يكون كثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نياتهم «٣». إلا أن ابن حجر فصل القول بين القاعدين من أولي الضرر وغير أولي الضرر من المؤمنين، وحاصل قوله: (إن الله فضل المجاهدين على غير أولي الضرر من المؤمنين، أي أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم) «٤». والدليل على ما ذكره ابن حجر، حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم، حبسهم العذر) «٥».

стр. 97

وقال ابن حجر: فأفهمت إدخالهم في الاستواء «١»، لأن المراد منه استواءهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل «٢». وفي الحديث أيضا دلالة على أن أصل الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، قال الإمام النووي: (والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً «٣». وقد يكون فرض عين على من تعين عليه الجهاد، أو في حالة مداهمة العدو لديار المسلمين ما في أيامنا هذه. وفي الحديث أيضا جواز كتابة القرآن في الألواح والأكتاف، وفيه طهارة عظم المذكى، وجواز الانتفاع به «٤»، وكذلك اتخاذ الكاتب وتقريبه «٥». قوله: (وشكا ابن أم مكتوم ضرارته)، قال الترمذي: ويقال: عمرو ابن أم مكتوم، ويقال: عبد الله ابن أم مكتوم، وهو عبد الله بن زائدة، وأم مكتوم أمه) «٦». واسم أمه: عاتكة، وكان أعمى «٧». سادسا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: (دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ﵄، فقال له

стр. 98

شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، قال: ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين) «١». دلالة الحديث: قوله: (إلا ما بين الدفتين): ليس المراد منه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين، لأن ذلك يخالف ما قام به أبو بكر من جمع القرآن، ثم عثمان ﵄. وإنما لم يترك إلا ما في المصحف، الذي هو القرآن الكريم. قال ابن كثير: ومعناه أنه ﵇ ما ترك مالا ولا شيئا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث «٢» أخو جويرية: (ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ... ) «٣» الحديث. وهذا ما توضحه رواية الإسماعيلي: (شيئا سوى القرآن) «٤»، أي ما ترك شيئا من مال أو غيره سوى هذا المصحف الذي هو بين اللوحين. ومن الأدلة الأخرى التي تبين أن النبي ﷺ ما ترك مالا ولا شيئا يورث ما جاء في الحديث الذي يرويه أبو الدرداء ﵁: (العلماء ورثة الأنبياء، إن

стр. 99

الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما أورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) «١». قال ابن عباس ﵄: (إنما ترك ما بين الدفتين) يعني القرآن، والسنة المفسرة له ومبينة وموضحة، أي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا «٢»، وهذا فيه رد أيضا على ما اختلقه الروافض من ادعاء التخصيص على إمامة علي ﵁، واستحقاقه الخلافة عند موت النبي ﷺ كان ثابتا في القرآن، وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة، لأن الصحابة لم يكتموا مثل قوله ﵊: (أنت عندي بمنزلة هارون من موسى) «٣»، وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي تخصيص سيدنا علي بالإمامة دون غيره من الصحابة «٤». وجاء في حديث عن علي ﵁: (ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة) «٥». فالإمام علي ﵁ أراد الأحكام التي كتبها عن النبي ﷺ ، وهذا ما توضحه الرواية الأخرى في صحيح البخاري أيضا والتي يرويها بسنده عن أبي جحيفة «٦»

стр. 100

قال: (قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم. وما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير. ولا يقتل مسلم بكافر) «١». وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت- ولا سيما عليا ﵁ أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها، وهذا ما تؤيده الرواية الأخرى في صحيح البخاري في موضع آخر من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (خطب علي على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: ثم والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله. وما في هذه الصحيفة. فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل و ... الحديث) «٢». وأما جواب ابن عباس وابن الحنفية ﵃، فإنما أرادا من القرآن الذي يتلى، أو أرادا ما يتعلق بالإمامة، أي لم يترك شيئا يتعلق بأحكام الإمامة إلا ما هو بأيدي الناس «٣». سابعا: قال الدير عاقولي «٤» في فوائده: حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن

стр. 101

عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت، قال: (قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء) «١». بيان حال الرواة: ١ - إبراهيم بن بشار: (،؛) هو إبراهيم بن بشار الرمادي أبو إسحاق البصري الحافظ الزاهد. (،؛) روى عن: سفيان بن عيينة، وعبد الله بن رجاء المكي، ومحمد بن حازم الضرير. (،؛) روى عنه: أبو داود، وأبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، وأحمد بن أبي خيثمة. (،؛) قال البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق. (،؛) قال أحمد: كان يغير الألفاظ فتكون زيادة في الحديث. (،؛) قال ابن حجر: حافظ له أوهام، من العاشرة، مات في حدود الثلاثين ومائتين «٢». ٢ - سفيان بن عيينة: (،؛) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران، واسمه ميمون أبو محمد الهلالي. (،؛) روى عن جرير بن حازم وسليمان الأعمش، والزهري. (،؛) روى عنه: إبراهيم بن بشار الرمادي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. (،؛) قال عنه ابن حجر: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، من رءوس الطبقة الثامنة، وكان

стр. 102

أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة «١». ٣ - الزهري: (،؛) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب أبو بكر الزهري، المدني أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. (،؛) روى عن: إبراهيم بن أبي عبلة، وأيوب السختياني، وسفيان بن عيينة. (،؛) قال عنه ابن حجر: الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رءوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة أربع وعشرين ومائة «٢». ٤ - عبيد: (،؛) هو عبيد بن السباق الثقفي، أبو سعيد المدني. (،؛) روى عن: أسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وجويرية بنت الحارث ﵃. (،؛) روى عنه: ابنه سعيد بن عبيد، والزهري، وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف. (،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: ثقة من الثالثة «٣». ٥ - زيد بن ثابت: (،؛) هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد أبو سعيد الأنصاري، صحابي جليل. (،؛) روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان ﵃.

стр. 103

(،؛) روى عنه: أبان بن عثمان، وأنس بن مالك، وسليمان بن يسار. (،؛) قال ابن حجر: صحابي مشهور كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل بعد الخمسين «١». الحكم على الرواية: رجالها ثقات سوى إبراهيم بن بشار، قال عنه البخاري: صدوق، وقال عنه ابن حجر: حافظ له أوهام، فالأثر: إسناده حسن، وهو موقوف على زيد بن ثابت، والله أعلم. دلالة هذا الأثر: قال الخطابي: (إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر) «٢». قبض رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في الصحف، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط «٣»، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان الوحي يتنزل تباعا فيحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، لأنه ﵊ كان يترقب نزول الوحي من حين لآخر.

стр. 104

قال الزركشي: (وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يفضي إلي تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ «١». وبهذا يفسر الأثر المروي عن زيد بن ثابت: (قبض رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء)، أي: لم يكن جمع مرتب الآيات والسور في مصحف واحد «٢». ثامنا: حدثنا هداب بن خالد الأزدي، حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي، قال همام: أحسبه قال: متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار) «٣». دلالة الحديث: قال الإمام النووي: (اختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: (اكتبوا

стр. 105

لأبي شاه) «١»، وحديث صحيفة علي ﵁ «٢»، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسا ﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة: (أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب)، وغير ذلك من الأحاديث. وقيل: عن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيه فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة، والله أعلم) «٣». فمن خلال هذه الآراء التي ذكرها الإمام النووي يتبين: أن رسول الله ﷺ منع أصحابه- في بداية الأمر- من تدوين الأحاديث، وذلك حتى يتسع المجال أمام القرآن، ويأخذ مكانه من الحفظ والكتابة معا، وحتى يثبت في صدور الحفاظ، وتألفه أسماعهم، وبذلك يزول خطر الالتباس، وقد كان الصحابة ﵃ على جانب عظيم في الحفظ، فلم يكن هنالك خوف على السنن من الضياع. وشيء آخر جعل النبي ﷺ ينهاهم عن كتابة الحديث: هي المحافظة على تلك الملكة التي امتازوا بها في الحفظ، فلو أنهم كتبوا لا تكلوا على المكتوب وأهملوا الحفظ. فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن. أضف إلى هذا أن الكتابة لم تكن منتشرة فيهم، ولم يكونوا أتقنوها حتى تحل محل الحفظ، ولو أنهم كتبوا الحديث

стр. 106

لوقع الناس في حرج عظيم والتبس عليهم أمر السنة والكتاب «١». وبقي أن نقول: كيف نوفق بين أحاديث النهي عن كتابة السنة والإذن فيها؟ * فقد روى الإمام البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: (اكتبوا لأبي شاه) «٢»، يعني الخطبة التي سمعها من النبي ﷺ يوم فتح مكة. * وفي حديث أبي هريرة أيضا أنه قال: (ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) «٣». على غير ذلك من الآثار الدالة على إباحته ﷺ كتابة الحديث عنه، وهي بظاهرها تتعارض مع حديث أبي سعيد في النهي عن ذلك: (لا تكتبوا عني ... ) «٤». والجواب على هذا التعارض: أن النهي كان خاصا بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بالكتابة كان في غير ذلك الوقت، أو أن النهي كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن كان بكتابة ذلك متفرقا يؤمن الالتباس، أو يقال: كان النهي عن الكتابة متقدما لخوف التباس القرآن بالحديث أو لخوف الاتكال على الكتابة- كما ذكرنا- وإهمال الحفظ أو غير ذلك، وكان الإذن متأخرا ناسخا للنهي السابق عند أمن اللبس أو عدم

стр. 107

الخوف من الاتكال على المكتوب «١». والدليل على أن النبي ﷺ أذن لهم بالكتابة: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده .. الحديث) «٢». فقد هم النبي ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق، فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد «٣»، والله أعلم. تاسعا: أ- حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ قال: (كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له واعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه) «٤». قال ابن حجر عن الرجل النصراني: لم أقف على اسمه «٥».

стр. 108

ولكن في رواية الإمام مسلم- التي ستأتي- من طريق ثابت عن أنس: (كان منا رجل من بني النجار ... ) «١»، أي هو من أقارب أنس بن مالك، ترك دينه والتحق بأهل الكتاب وتنصر، وهذا غير عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري الذي أيضا قد كتب للنبي ﷺ ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم أسلم في فتح مكة وحسن إسلامه، وقد ذكرته فيمن كتب للنبي ﷺ في المبحث الأول «٢». ب- حدثني محمد بن رافع حدثنا أبو النضر حدثنا سليمان وهو ابن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا) «٣». لم يصرح لنا أنس بن مالك ﵁ باسم الرجل الذي ارتد عن الإسلام وكان من قبيلته، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، إلا أنه هرب والتحق بأهل الكتاب. قوله: (نبذته الأرض) أي طرحته على وجهها عبرة للناظرين بعد أن أهلكه الله ﵎ «٤». ج- ووردت هذه الرواية عن أبي داود في كتاب المصاحف إلا أن فيها تصريح بما كان يملى عليه: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا

стр. 109

أبو داود، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: (أن رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ فكان إذا أملى عليه: سَمِيعاً بَصِيراً، كتب: (سميعا عليما)، وإذا أملى عليه: سَمِيعاً عَلِيماً، كتب: (سميعا بصيرا)، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما قد قرأ كثيرا فتنصر الرجل، وقال: إنما كنت أكتب ما شئت عند محمد، قال: فمات، فدفن فلفظته الأرض، ثم دفن، فلفظته الأرض، فقال أبو أنس: قال أبو طلحة: فأنا رأيته منبوذا على وجه الأرض) «١». بيان حال الرواة في هذه الرواية: ١ - عبد الله: (،؛) هو المصنف صاحب كتاب المصاحف عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر السجستاني. (،؛) روى عن: أبيه وعمه وأبي طاهر بن السرج. (،؛) حدث عنه خلق كثير، منهم: ابن حبان، والحاكم، والدارقطني. (،؛) قال الذهبي: الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، صاحب التصانيف، صنف السنن والمصاحف وغيرها، مات سنة ٣١٦ هـ «٢». ٢ - يونس بن حبيب: (،؛) هو يونس بن حبيب بن عبد القاهر، أبو بشر الأصبهاني. (،؛) روى عن: ابن أبي بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن جعفر بن فارس. (،؛) وحدث عنه: أبو بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن جعفر بن فارس. (،؛) قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وهو ثقة، وقال الذهبي: المحدث الحجة،

стр. 110

مات سنة سبع وستين ومائتين «١». ٣ - أبو داود: (،؛) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر أبو داود السجستاني. (،؛) روى عن: إبراهيم بن بشار الرمادي، وأحمد بن حنبل. (،؛) وروى عنه: الترمذي، وابنه أبو بكر عبد الله بن أبي داود. (،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وسبعين «٢». ٤ - حماد بن سلمة: (،؛) هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري. (،؛) روى عن: أيوب السختياني، وثابت البناني، وحجاج بن أرطأة. (،؛) روى عنه: خليفة بن خياط، وسفيان الثوري، وأبو داود الطيالسي. (،؛) قال ابن حجر: ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومائة «٣». ٥ - ثابت: (،؛) هو ثابت بن أسلم، أبو محمد البناني. (،؛) روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃. (،؛) روى عنه: حماد بن سلمة، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجاج. (،؛) قال ابن حجر: ثقة، عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين، وله
следующие страницы →