المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- وبعد، فإن للقراءات القرآنية شأنا في علوم العربية، فقد أثمرت تراثا غنيا، تأتي في مقدمته كتب الاحتجاج، وهي تعنى ببيان وجه كل قارئ فيما اختاره من قراءة، وأكثر هذه الوجوه لغوية، فكانت مجلى نظرات بارعة في درس العربية من جوانبها كافة: الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية.
على أن اختلاف القراءات القرآنية، وهو أدائي في غالب الأمر «١»، جعل للجوانب الصوتية الكفّة الراجحة في تلك الكتب.
- ويأتي هذا البحث ليسهم مع بحوث أخرى قدّمت في التأريخ للدراسات الصوتية في تراثنا العربي، فقد تعددت فيه ضروب الكتب التي عنيت بالجوانب الصوتية، من مثل كتب: النحو، والصرف، واللغة، والبلاغة، والقراءات، والتجويد، والطب، والموسيقا.
وتتبوّأ كتب الاحتجاج منزلة سامقة بين هذه الضروب، ولها طابع فريد يجعل منها اتجاها واضح المعالم والقسمات. فحقّ لها أن تحظى- كما حظي قرناؤها من قبل- بدراسة تستخرج ما حفلت به، وتعيد فيه النظر على ضوء ما جدّ من علم الأصوات، وهي الغاية التي يصدر عنها هذا البحث.
стр. 2
- وكنت وقفت على أحد عشر كتابا في الاحتجاج للقراءات، تخذتها مصادري في هذا البحث، وهي:
١ - (معاني القراءات) لأبي منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ).
٢ - (إعراب القراءات السبع وعللها) لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ).
٣ - (الحجة في القراءات السبع) له أيضا.
٤ - (الحجة للقراء السبعة) لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ).
٥ - (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها) لابن جني (ت ٣٩٢ هـ).
٦ - (حجة القراءات) لابن زنجلة (ت نحو ٤٠٣ هـ).
٧ - (الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ).
٨ - (شرح الهداية) لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت نحو ٤٤٠ هـ).
٩ - (مفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني) لأبي العلاء الكرماني (ت بعد ٥٦٣ هـ).
١٠ - (الموضح في وجوه القراءات وعللها) لنصر بن علي الشيرازي، المعروف بابن أبي مريم (ت بعد ٥٦٥ هـ).
١١ - (إعراب القراءات الشواذ) لأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ).
- وقد جاء البحث في تمهيد وثلاثة فصول، فضلا عن المقدمة والخاتمة، مشفوعا بثلاثة ملحقات:
عقدت التمهيد للاحتجاج للقراءات القرآنية، فذكرت معنى (الاحتجاج) لغة واصطلاحا، وعرضت تسميات أخرى لهذا الفن، وتقريت دوافع التأليف
стр. 3
فيه، وتتبعت تاريخه، وسقت طرفا من أشهر كتبه، وفصّلت في أنماطها، وتقصيت أنواع الاحتجاج فيها.
وعقدت الفصل الأول للجوانب النطقية، وهي النظر إلى الأصوات في الإفراد، فتحدثت عن الحروف عدّتها وأنواعها، وألممت بأعضاء النطق، وحددت مخارج الحروف، وأشرت إلى ألقاب الحروف ونسبتها إلى مخارجها، وأفضت في صفات الحروف، وانتظمت في زمرتين:
الأولى- صفات متضادة، وهي: الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح، والاستعلاء والاستفال، والذلاقة والإصمات.
والأخرى- صفات مفردة، وهي: القلقلة، والصفير، والتفشي، والانحراف، والغنة، والتكرير، والهتّ، والخفاء، والهوي.
وتكلمت على القوة والضعف في الصفات، وأوضحت العلاقة الكمية بين حروف المدّ والحركات، وبينت مكان الحركات من الحروف، وبحثت دلالة الأصوات.
وكان الفصلان الثاني والثالث للجوانب التشكيلية، وهي النظر إلى الأصوات في التركيب.
عقدت الفصل الثاني لأشكال التغيرات الصوتية، وجعلته في مبحثين:
وقفت المبحث الأول على التغيرات الصوتية في الصوامت، وهي ضربان:
تغيرات عامة، ودرست فيه: الإدغام، والإبدال، والقلب المكاني، والحذف.
وتغيرات خاصة، ودرست فيه: الهمزة، والتاءات، والراءات، واللامات، والنون الساكنة والتنوين.
ووقفت المبحث الثاني على التغيرات الصوتية في الصوائت، عكفت فيه على دراسة نوع الصوائت، ومدّها، وإضافتها، وحذفها، وقلبها.
стр. 4
وعقدت الفصل الثالث للقوانين الصوتية، فوطأت له بالحديث عن (الأصل)، الذي جاءت تلك القوانين تفسّر ما خرج عنه، ثم تناولت ما وقفت عليه منها، وهي:
المماثلة، والمخالفة، والسهولة والتخفيف، وكثرة الاستعمال، وأمن اللبس، وطرد الباب، والتعويض، وضعف الطرف.
وعقدت الخاتمة للتقويم والنقد، فرسمت الخطوط العامة للجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقراءات: في المناهج، والمصادر، والسمات.
وأوردت في الملحق الأول أسماء القراء العشرة ورواتهم متبوعة بسني وفياتهم.
وترجمت في الملحق الثاني لأصحاب كتب الاحتجاج للقراءات.
وناقشت في الملحق الثالث الجهر والهمس في أصوات العربية.
- وأوليت النصوص في هذا البحث فضل عناية بتحقيقها والعودة بالأقوال والمذاهب إلى مظانّها من كتب المتقدمين، على أني أعتذر عما وقع في بعضها من طول أو تكرار لغايات لا تخفى على الناظر.
واعتمدت في القراءات المتواترة على كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) خاتمة المحققين من القراء، غير أني أغفلت الإحالة عليه لئلا أثقل الحواشي، واكتفاء بنسبة القراءة إلى أصحابها.
- ورجعت إلى طائفة من الكتب الحديثة: العربية والمترجمة، وكان من أبعدها أثرا في نفسي (الدراسات الصوتية عند علماء التجويد) للدكتور غانم قدوري الحمد، فقد أفدت منه مرتين:
الأولى: حينما أوحى إليّ بإنشاء نحو من دراسته في كتب الاحتجاج للقراءات.
والأخرى: بكثرة المواضع التي عدت فيها إليه.
стр. 5
- وبعد فهذا جهد المقلّ، إن فاته التوفيق في العمل، لم يفته صدق النية فيه.
- وفي الختام أتوجه بوافر الشكر وخالصه إلى السادة:
الأستاذ الدكتور مصطفى جطل الذي كان معي في هذا البحث خطوة بخطوة منذ تولّى الإشراف عليه حتى استوى في صورته التي هو عليها الآن، أفزع إليه كلما ضاقت بي السّبل، فأجدها بعد إرشاده لا حبة سهلا حزنها.
والأستاذ الدكتور صلاح كزارة، الذي كان للبحث نصيب من إشرافه في مرحلة منه، وبقي يغمر صاحبه بفيض رعايته.
والأستاذ الدكتور أحمد قدور، الذي أورثتني التلمذة له شغفا بهذا الجانب من البحث اللغوي.
والمقرئ محمد حمزة عطار الجامع للقراءات العشر، الذي ما فتئ يتحفني بنفائس مكتبته العامرة بكتب القراءات.
وإلى الله القصد، وهو الهادي إلى سواء الصراط.
حلب في ١٦/ ٤/ ١٤٢٦ هـ ٢٥/ ٥/ ٢٠٠٥ م
عبد البديع النيرباني
******
التمهيد الاحتجاج للقراءات القرآنية
١ - معنى الاحتجاج.
٢ - تسميات أخرى.
٣ - دوافع التأليف في الاحتجاج.
٤ - تاريخ التأليف في الاحتجاج.
٥ - من كتب الاحتجاج.
٦ - أنماط كتب الاحتجاج.
٧ - أنواع الاحتجاج.
стр. 8
الاحتجاج للقراءات القرآنية
١ - معنى الاحتجاج:
- جاء في اللسان: «الحجّة: البرهان، وقيل: الحجة: ما دوفع به الخصم، وقال الأزهري: الحجة: الوجه الذي يكون به الظّفر عند الخصومة.» «١»
وفي التعريفات للشريف الجرجاني (ت ٨١٦ هـ): «الحجة: ما دلّ به على صحة الدعوى.» «٢»
وعلى هذا فالاحتجاج هو: إقامة الحجة «٣».
- وأما ما يستخلص من كتب الاحتجاج من معناه فهو أنه: بيان وجه كل قارئ فيما اختاره من قراءة. وأكثر هذه الوجوه لغوية، ومنها ما ليس كذلك، مما سيأتي الحديث عنه في (أنواع الاحتجاج) «٤».
- وسمّي هذا الضرب من التأليف احتجاجا، لأن أكثر من ألّف فيه كان يفتتح بيان وجوه القراء بقوله: (وحجّة من قرأ بكذا .... ).
٢ - تسميات أخرى:
- عرفت كتب الاحتجاج تسميات أخرى، نحو:
стр. 9
(وجوه القراءات) و (علل القراءات) و (معاني القراءات) و (إعراب القراءات) و (توجيه القراءات) «١».
٣ - دوافع التأليف في الاحتجاج:
- يكاد الباحثون يتفقون على أن دوافع التأليف في الاحتجاج أمران:
آ- توضيح الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة:
- صحة السند.
- موافقة العربية ولو بوجه.
- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا.
ب- الدفاع عن القراءات، ولا سيما المتواترة، ضد من توهّم أن فيها لحنا «٢».
- وفي كليهما نظر:
أما الأول فإن كتب الاحتجاج لم تعن بنقد أسانيد القراءات التي تعرض لها، وهي حينما تحتج برسم المصحف لا تفعل ذلك لتوضيح موافقة القراءات لمرسوم الخط، بل لترجّح قراءة على أخرى «٣».
وأما الآخر فهو لا يفسر سوى الاحتجاج لمشكل القراءات، مما تكلم فيه بعض اللغويين وغيرهم، وهو نزر إذا قيس بما وراءه، مما لم يختلف على صحته لفظا ومعنى «٤».
стр. 10
على أن ممن ألف في الاحتجاج من ضعّف وردّأ وخطّأ ولحّن ووهّم وردّ بعض القراءات المتواترة، وكان أجرأهم على هذا أبو منصور الأزهري «١».
فكيف يقال عن هؤلاء: إن دافعهم للتأليف في الاحتجاج للقراءات هو الدفاع عنها؟
- وكل ما في الأمر أن كتب القراءات لما كانت كتب رواية يراعى فيها الاختصار تمكينا للطلبة من حفظها، كان أكثرها يخلو من المعاني والعلل.
فجاءت كتب الاحتجاج، وهي كتب دراية، تشرح ما اختصر فيها.
قال مكي في مقدمة كتابه (الكشف): «كنت قد ألفت بالمشرق كتابا مختصرا في القراءات السبع ... وسميته (كتاب التبصرة)، وهو فيما اختلف فيه القراء السبعة المشهورون، وأضربت فيه عن الحجج والعلل ومقاييس النحو في القراءات واللغات، طلبا للتسهيل وحرصا على التخفيف؛ وو عدت في صدره أني سأؤلف كتابا في علل القراءات التي ذكرتها في ذلك الكتاب (كتاب التبصرة)، أذكر فيه حجج القراءات ووجوهها، وأسميه (كتاب الكشف عن وجوه القراءات) ... » «٢»
ثم قال موازنا بين الكتابين: «فهذا الكتاب كتاب فهم وعلم ودراية، والكتاب الأول كتاب نقل ورواية.» «٣»
- ومما يشهد أن الدافع للتأليف في الاحتجاج إنما كان شرح كتب القراءات لما انطوت عليه من إيجاز، أن أكثر كتب الاحتجاج بني على كتاب في القراءات جعل متنا له:
ف (معاني القراءات) للأزهري، و (إعراب السبع) و (الحجة) لابن خالويه،
стр. 11
و (الحجة) لأبي علي: وضعت على (كتاب السبعة في القراءات) لابن مجاهد «١».
و (الكشف) لمكي وضع على (التبصرة) له «٢».
و (شرح الهداية) للمهدوي وضع على (الهداية) له «٣».
و (الموضح) لابن أبي مريم وضع على (تبصرة البيان في القراءات الثمان) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي الرازي «٤» «٥».
- وهذا مما يفسّر تكاثر كتب الاحتجاج بعد تأليف ابن مجاهد كتابه، قال محققو كتاب المحتسب: «فكأنما كان تأليف القراء الكتب في جمع القراءات ونسبتها والبحث عن إسنادها داعيا لعلماء اللغة أن يؤلفوا الكتب في الاحتجاج لها، فقد مهدت أمامهم السبيل، ومدت لهم الأسباب، فكان جمع القراءات الخطوة الأولى والاحتجاج لها الخطوة التالية.» «٦»
٤ - تاريخ التأليف في الاحتجاج:
- ارتقى التأليف في الاحتجاج للقراءات من نظرات متناثرة رويت لنا عن بعض الصحابة وأئمة القراء إلى وضع مؤلفات استوعبت القراءات أجمع.
стр. 12
- وأكثر الصحابة ممن روي عنهم هذا الضرب من النظر: ابن عباس (ت ٦٨ هـ)، ومنه قوله تعالى: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة ٢٥٩]، قال ابن زنجلة:
«قرأ حمزة والكسائي: (قال اعلم أن الله على كل شيء قدير) جزما على الأمر من الله، وحجتهما قراءة ابن مسعود: (قيل اعلم أن الله على كل شيء قدير). وكان ابن عباس يقرؤها أيضا: (قال اعلم) ويقول: أهو خير أم إبراهيم إذ قيل له: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة ٢٦٠]؟» «١»
ومنه قوله تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة ٢٨٥]، قرأ حمزة والكسائي وخلف: (وكتابه) بالإفراد، وقرأ الباقون: (وكتبه) بالجمع، «قال أبو منصور:
عن ابن عباس أنه قرأ: (كتابه)، وقيل له في قراءته فقال: (كتاب) أكثر من (كتب).
قال أبو منصور: ذهب به إلى الجنس، كما يقال: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس.
ومن قرأ: (وكتبه) فهو مثل: حمار وحمر، وغلاف وغلف.» «٢»
ومنه قوله تعالى: قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الإسراء ١٠٢]، قرأ الكسائي: (لقد علمت) بالضم، وقرأ الباقون: (لقد علمت) بالفتح، قال ابن خالويه: «وبلغ ابن عباس وابن مسعود أن عليا قرأ: (لقد علمت) فقالا: (لقد علمت) بالفتح، لأن الله تعالى قال:
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً [النمل ١٤].» «٣» «٤»
стр. 13
- وأكثر أئمة القراء ممن روي عنه هذا الضرب من النظر: أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ)، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ [آل عمران ١٥]، قال ابن زنجلة: «ذكر أبو بكر بن مجاهد في كتابه عن أبي عبد الرحمن اليزيدي عن أبيه قال: لقيني الخليل بن أحمد في حياة أبي عمرو، قال لي: لم قرأ:
آؤلقي الذّكر [القمر ٢٥] وآؤنزل [ص ٨]، ولم يقرأ: (آؤنبئكم)؟ قال: فلم أدر ما أقول له، فرحت إلى أبي عمرو فذكرت له ما قال الخليل، فقال: فإذا لقيته فأخبره أن هذا من (نبّأت) وليس من (أنبأت)، قال: فلقيته فأخبرته بقول أبي عمرو فسكت.» «١»
ومنه قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح ٢٥]، قرأ أبو عمرو:
(خطاياهم)، وقرأ الباقون: (خطيئاتهم)، قال ابن خالويه: «فأما قراءة أبي عمرو فإن ابن مجاهد حدثني عن ابن عياش عن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال أبو عمرو: إن قوما كفروا ألف سنة: كانت لهم خطيئات؟ لا بل خطايا!
يذهب أبو عمرو إلى أن التاء والألف للجمع القليل، وهو جمع السلامة في المؤنث، و (خطايا) جمع التكسير، وهو الكثير «٢» ... » «٣» «٤»
ومنه قوله تعالى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات ٢٣]، قرأ نافع
стр. 14
والكسائي وأبو جعفر: (فقدّرنا) بالتشديد، وقرأ الباقون: (فقدرنا) بالتخفيف، قال ابن زنجلة:
«وقيل للكسائي: لم اخترت التشديد واسم الفاعل ليس مبنيا على هذا الفعل؟ فقال: هذا بمنزلة قوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ [الطارق ١٧]، ثم قال:
أَمْهِلْهُمْ ولم يقل: (مهّلهم)، فجمع بين اللغتين. ومثله: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً [المائدة ١١٥] ولم يقل: (تعذيبا).» «١» «٢»
٥ - من كتب الاحتجاج:
- تتبع بعض الباحثين ما ألّف في الاحتجاج للقراءات، فأحصوا بضعة وسبعين كتابا «٣»، على ندرة المطبوع منها، وأشهرها:
١ - كتاب في (وجوه القراءات) لهارون بن موسى الأعور (ت ١٧٠ هـ)، قال أبو حاتم السجستاني:
«كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألفها، وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده: هارون بن موسى الأعور.» «٤»
стр. 15
٢ - (القراءات) لأبي عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ)، جمع فيه قراءات خمسة وعشرين قارئا مع الأئمة السبعة «١»، بعللها «٢».
٣ - (وجوه القراءات) لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) «٣».
٤ - (احتجاج القرّاء) لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد (ت ٢٨٥ هـ) «٤».
٥ - (قراءة ابن عامر بالعلل) لهارون بن موسى الأخفش (ت ٢٩٢ هـ) «٥».
٦ - (الفصل بين القراءة) لمحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) «٦».
٧ - (احتجاج القرّاء في القراءة) لأبي بكر بن السرّاج (ت ٣١٦ هـ) «٧».
٨ - (الاحتجاج للقرّاء) لابن درستويه (ت ٣٤٧ هـ) «٨».
٩ - (معاني القراءات) لأبي منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ).
١٠ - (إعراب القراءات السبع وعللها) لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ).
стр. 16
١١ - (الحجة في القراءات السبع) له أيضا «١».
١٢ - (الحجة للقراء السبعة) لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ).
١٣ - (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها) لابن جني (ت ٣٩٢ هـ).
١٤ - (حجة القراءات) لابن زنجلة (ت نحو ٤٠٣ هـ).
١٥ - (الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها) لمكي ابن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ).
١٦ - (شرح الهداية) لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت نحو ٤٤٠ هـ).
١٧ - (الموضح لمذاهب القراء واختلافهم في الفتح والإمالة) لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) «٢».
١٨ - (الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو بن العلاء، والحجة لكل واحد منهما) لأبي عمر يوسف بن عبد البرّ النّمري (ت ٤٦٣ هـ) «٣».
١٩ - (احتجاج القرّاء في القراءة) للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) «٤».
٢٠ - (تعليل القراءات العشر) لمحمد بن سليمان المالقي (ت ٥٢٥ هـ) «٥».
٢١ - (الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي)
стр. 17
لأبي حسن شريح بن محمد الرّعيني (ت ٥٣٩ هـ) «١».
٢٢ - (مفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني) لأبي العلاء الكرماني (ت بعد ٥٦٣ هـ).
٢٣ - (الموضح في وجوه القراءات وعللها) لنصر بن علي الشيرازي، المعروف بابن أبي مريم (ت بعد ٥٦٥ هـ).
٢٤ - (المنتقى في شواذ القراء) له أيضا «٢».
٢٥ - (إعراب القراءات الشواذ) لأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ).
- على أن كتبا أخرى كان لها حظ في الاحتجاج للقراءات، دون أن تكون أفردت له، منها بعض كتب العربية، وكتب معاني القرآن وإعرابه، وكتب التفسير، وكتب القراءات.
فمن كتب العربية: الكتاب لسيبويه «٣» (ت ١٨٠ هـ)، والأصول في النحو لأبي بكر بن السراج «٤» (ت ٣١٦ هـ)، وشرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
стр. 18
لابن هشام الأنصاري «١» (ت ٧٦١ هـ).
ومن كتب معاني القرآن وإعرابه: معاني القرآن للفراء (ت ٢٠٧ هـ)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجّاج (ت ٣١١ هـ)، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري (ت ٦١٦ هـ).
ومن كتب التفسير: جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، والكشاف للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ).
ومن كتب القراءات: كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ)، وإتحاف فضلاء البشر بقراءات القراء الأربعة عشر «٢» لأحمد بن محمد البنّا (ت ١١١٧ هـ).
٦ - أنماط كتب الاحتجاج:
- تنقسم كتب الاحتجاج قسمة أولى باعتبار صحة القراءات التي تحتج لها على ثلاثة أضرب:
стр. 19
١ - ضرب احتج للقراءات المتواترة والشاذة معا.
٢ - وضرب احتج للقراءات المتواترة فقط.
٣ - وضرب احتج للقراءات الشاذة فقط.
والضرب الثاني هو الغالب على كتب الاحتجاج، لأن حاجة الناس إليه أكثر، واهتمامهم به أوفر «١».
- وتنقسم قسمة ثانية باعتبار عدد القراءات التي تحتج لها على ضربين:
مطلق ومقيد، والمقيد على أضرب:
١ - ضرب احتج لقراءة واحدة.
٢ - وضرب احتج لقراءتين.
٣ - وضرب احتج للسبع.
٤ - وضرب احتج للثمان «٢».
٥ - وضرب احتج للعشر.
والضرب المقيد بالسبع هو الغالب على كتب الاحتجاج، لأن أكثر هذه الكتب وضع شرحا لسبعة ابن مجاهد.
- وتنقسم قسمة ثالثة باعتبار منهجها في الاحتجاج على ضربين:
١ - كتب القراء.
٢ - وكتب النحاة.
وفرق بينهما أن كتب القراء صدّرت بفصول احتج فيها لأصول القراء، وهي اختلافهم فيما يكثر دوره في القرآن ويندرج تحت ضوابط مطردة، كالإظهار والإدغام، والمدّ والقصر، والفتح والإمالة؛ في حين أن كتب النحاة
стр. 20
كانت تعرض لشيء من هذه الأصول عند أول ورود لها في القرآن، دون أن تجمع القول فيها جمع كتب القراء له «١».
٧ - أنواع الاحتجاج:
- تقدّم في (معنى الاحتجاج) أن أكثر الوجوه التي تذكر احتجاجا للقراءات إنما هي وجوه لغوية، ومنها ما ليس كذلك، والحديث هنا عنها، كالاحتجاج بالقراءات الشاذة، ورسم المصحف، والقرآن الكريم، واتفاق جماعة القراء، والتفسير، والآثار، وأسباب النزول.
آ- القراءات الشاذة:
- أكثر ما احتج به من القراءات الشاذة قراءتا أبيّ بن كعب (ت ٢١ هـ) وعبد الله ابن مسعود (ت ٣٢ هـ) ﵄.
نحو قول ابن خالويه: «وقوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد ٤٢]، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (الكافر) موحدا ... وقرأ الباقون:
(وسيعلم الكفار) على الجمع، وحجتهم قراءة عبد الله وأبي، لأن في حرف أبي: (وسيعلم الذين كفروا)، وفي حرف عبد الله (وسيعلم الكافرون).» «٢»
ونحو قول مكي: «قوله: تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ [النمل ٨٢] قرأ الكوفيون (أن الناس) بفتح الهمزة، على تقدير: بأن الناس، وفي حرف أبي: (تنبئهم أن الناس)، فهذا لا يكون معه إلا فتح (أن). وفي حرف ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس)، فهذا ظاهر في فتح (أن).
стр. 21
وقرأ الباقون بكسر الهمزة على إضمار القول، أي: تكلمهم فتقول:
إن الناس.» «١»
ونحو قول ابن زنجلة: «قرأ ابن كثير وأبو بكر: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ [الحديد ١٨]، بتخفيف الصاد فيهما، أي المؤمنين والمؤمنات الذين صدقوا الله ورسوله.
وقرأ الباقون: (إن المصّدّقين والمصّدّقات) بتشديد الصاد فيهما، أرادوا:
المتصدقين والمتصدقات، فأدغموا التاء في الصاد. وحجتهم أن في حرف أبي:
(إن المتصدقين والمتصدقات) بتاء ظاهرة.» «٢»
وأما القراءات المتواترة فقليلا ما يحتجون بها، ومنه قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة ٥٣]، قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر: (يقول الذين) بلا واو رفعا، وقرأ أبو عمرو ويعقوب: (ويقول الذين) بواو نصبا، وقرأ الباقون: (ويقول الذين) بواو رفعا، وفيها يقول ابن أبي مريم: «ويؤيد وجه الرفع قراءة من قرأ بحذف الواو من (يقول).» «٣»
ب- رسم المصحف:
- نحو قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة ٢٥٥]، قرأ يعقوب: (هوه) بالهاء في الوقف، وكذلك: فنعمّا هيه [البقرة ٢٧١]، وكأنه هوه [النمل ٤٢]، قال الأزهري: «أما ما اختاره يعقوب من الوقف على هذه الحروف بالهاء فهو من كلام العرب الجيد، غير أني أختار المرور عليها، وألا يتعمد الوقوف عليها، لأن الهاءات لم تثبت في المصاحف، فأخاف
أن تكون زيادة في
стр. 22
التنزيل. وإن اضطر الواقف إلى الوقوف عليها، وقف بغير هاء، اتباعا للقراء الذين قرءوا بالسّنة.» «١»
وقال ابن أبي مريم: «الله لا إله إلا هوه بالهاء في حال الوقف، قرأها يعقوب وحده ... إلا أن القراء يكرهون ذلك، لأن الهاء ليست في المصحف، وهو الإمام، فكرهوا مخالفته.» «٢»
ونحو قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [النمل ٢٥]، قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويس: (ألا يسجدوا) بتخفيف اللام، جعلوا (ألا) حرف استفتاح، و (يا) حرف نداء أو تنبيه، و (اسجدوا) فعل أمر.
قال أبو علي: «ومما يؤكد قول من قال: (ألّا) مثقلة، أنها لو كانت مخففة ما كانت في (يسجدوا) ياء، لأنها (اسجدوا)، ففي ثبات الياء في (يسجدوا) في المصحف دلالة على التشديد، وأن المعنى: أن لا يسجدوا، فانتصب الفعل ب (أن)، وثبتت ياء المضارعة في الفعل.» «٣»
ونحو قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم ٣٩]، قال ابن زنجلة: «قرأ نافع: (لتربوا في أموال الناس) بضم التاء وسكون الواو. فالتاء هاهنا للمخاطبين والواو واو الجمع ... والمعنى: لتربوا أنتم، أي: تعطون العطية لتزدادوا بها أنتم، وحجته أنها كتبت في المصاحف بألف بعد الواو.» «٤»
ج- القرآن الكريم:
قال ابن خالويه: «وقوله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى [طه ١٣٣]، قرأ أبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم بالتاء لتأنيث البينة، وقرأ الباقون
стр. 23
بالياء، لأن تأنيث البينة غير حقيقي، ولأنك قد حجزت بين البينة والفعل بحاجز.
والاختيار التاء، لأن بعض القرآن يشهد لبعض، وكان جماعة من الصحابة والتابعين يحتجون لبعض «١» القرآن على بعض؛ قال الله تعالى: جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة ٤] فهذا شاهد (أو لم تأتهم).» «٢»
وقال ابن أبي مريم: «فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها [الجاثية ٣٥] بفتح الياء وضم الراء قرأها حمزة والكسائي.
والوجه أنه مضارع (خرجوا)، والكلمة من الخروج، أخبر الله تعالى أنهم لا يخرجون من النار، لأن الله تعالى لا يخرجهم منها، وحجته قوله تعالى:
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة ٣٧].
وقرأ الباقون: (لا يخرجون) بضم الياء وفتح الراء.
والوجه أن خروجهم لا يكون إلا بإخراج الله تعالى إياهم، فلفظ الإخراج أولى، فإنهم لو تركوا لخرجوا.
ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية ٣٥] فبنى الفعل فيما عطف عليه للمفعول به، فينبغي أن يكون هذا أيضا كذلك ليتناسب الكلام.
وحجة هذه القراءة قوله تعالى: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [المؤمنون ١٠٧].» «٣»
وقال ابن زنجلة: «قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة: وَيَصْلى سَعِيراً [الانشقاق ١٢] بفتح الياء وسكون الصاد، أي: يصلى هو، أي: يصير إلى النار من (صلي يصلى فهو صال). وحجتهم إجماع الجميع على قوله:
стр. 24
يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى [الأعلى ١٢]، وإِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [الصافات ١٦٣]، فردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى، ومعنى يصلى أي: أنه يقاسي حرّها من (صليت النار) أي: قاسيت حرّها.
وقرأ الباقون: (ويصلّى) بالتشديد، من قوله: (صلّيته أصلّيه تصلية)، والمعنى: أن الملائكة يصلونه بحرّ النار.
وحجتهم: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة ٣١]، وقولهم: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة ٩].» «١»
د- اتفاق جماعة القراء:
- والجماعة إما أن تكون مطلقة أو مقيدة، فمن الأول قول مكي:
«وكل ما ذكرنا من الاختلاف فيما مضى، وما نذكر: فالاختيار فيه ما عليه الجماعة، إلا ما نبينه ... » «٢»، وقوله أيضا- وقد تكرر-: «وما عليه الجماعة أحب إليّ» «٣».
ومن الآخر قول مكي في اختياره الفصل بين كل سورتين بالتسمية:
«اتباعا لخط المصحف، ولقول عائشة: (اقرءوا ما في المصحف)، ولإجماع أهل الحرمين وعاصم على ذلك، فإجماعهم على القراءة حجة أعتمد عليها في أكثر هذا الكتاب.» «٤»
- نحو قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [الروم ٢٢]، قرأ حفص:
(للعالمين) بكسر اللام، وقرأ الباقون: (للعالمين) بفتحها. قال الأزهري:
стр. 25
«من قرأ: (العالمين) فهم الإنس والجن، جمع عالم، ومن قرأ (العالمين) فهو جمع العالم، خصّ أهل العلم بها.
والقراءة بفتح اللام لتتابع القراء عليه.» «١»
ونحو قوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران ١٧٩] قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف: (يميّز) بالتشديد، وقرأ الباقون: (يميز) بالتخفيف. قال أبو علي:
«ولقولهم: (ماز) من المزية أن أكثر القراء عليها، وكثرة القراءة بها تدل على أنها أكثر في استعمالهم.» «٢»
ونحو قوله تعالى: لَعَلَّكَ تَرْضى [طه ١٣٠]، قال مكي:
«قرأ الكسائي وأبو بكر بضم التاء، على ما لم يسمّ فاعله، والذي قام مقام الفاعل هو النبي ﷺ ، والفاعل هو الله جل ذكره، تقديره: لعل الله يرضيك بما يعطيك يوم القيامة، و (لعل) من الله واجبة.
وقرأ الباقون بفتح التاء، جعلوا الفعل للنبي ﷺ ، أي: لعلك ترضى بما يعطيك الله، ودليله قوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى ٥]، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه.» «٣»
هـ- التفسير:
- نحو قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة ٣٧]، قرأ ابن كثير: (آدم من ربه كلمات) بنصب (آدم) ورفع (كلمات)، وقرأ الباقون (آدم من ربه كلمات) برفع (آدم) ونصب (كلمات).
قال ابن زنجلة: «وحجتهم ما روي في التفسير في تأويل قوله:
стр. 26
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أي: قبلها، فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة.» «١»
ونحو قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة ٨١]، قال ابن زنجلة:
«قرأ نافع: (وأحاطت به خطيئاته) بالألف، وحجته أن الإحاطة لا تكون للشيء المنفرد، إنما تكون لأشياء ... وحجة أخرى: جاء في التفسير: قوله: (بلى من كسب سيئة
وأحاطت به خطيئاته) أي: الكبائر، أي: أحاطت به كبائر ذنوبه.» «٢»
ونحو قوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ص ٥٨]، قرأ أبو عمرو ويعقوب: (وأخر) جمعا، وقرأ الباقون: (وآخر) مفردا.
قال أبو علي: «روي عن ابن مسعود وقتادة أنهما قالا: الزمهرير، فتفسيرهما يقوي قراءة من قرأ: (وآخر) بالتوحيد، كأنه: ويعذب به آخر، لأن الزمهرير واحد.
ويجوز على تفسيرهما الجمع: (وأخر) على أن يجعل أجناسا يزيد برد بعضه على بعض على حسب استحقاق المعذّبين ورتبهم في العذاب، فيكون ذلك كقولهم: جمالان، وتمران، ونحو ذلك من الجموع التي تجمع وتثنى إذا اختلفت، وإن لم تختلف عندي ... » «٣»
والآثار:
- وهذه الآثار على ضربين:
الأول: آثار تنعت قراءة النبي ﷺ ، وقراءة بعض أصحابه واختياره رضوان الله عليهم.
والآخر: آثار يرد فيها ما يتخذ حجة لترجيح لفظ أو معنى.
- فمن الأول قوله تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس
стр. 27
٥٨]، قال ابن زنجلة: «قرأ يعقوب في رواية رويس: (فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بالتاء فيهما ... وحجته أنها عن النبي ﷺ ، عن أبي بن كعب قال:
قال لي رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقرأ عليك)، قال: قلت: وقد سماني ربك؟
قال: (نعم) قال: فقرأ عليّ- يعني النبي ﷺ : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بالتاء ... «١»» «٢»
ومنه قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم ٥٤]، قال مكي: «قوله: (ضعف) قرأه أبو بكر وحمزة بفتح الضاد، في ثلاثة مواضع في هذه السورة، وقد ذكر عن حفص أنه رواه عن عاصم، واختار الضم لرواية قويت عنده، وهو ما رواه ابن عمر قال: قرأت على رسول الله ﷺ (من ضعف) يعني بالفتح، قال: فردّ عليّ النبي ﷺ (من ضعف) يعني بالضم، في الثلاثة «٣».
وروي عنه أنه قال: ما خالفت عاصما في شيء مما قرأت به عليه إلا في ضم هذه الثلاث كلمات «٤».
стр. 28
وقرأ الباقون فيهن بالضم، وهما لغتان كالفقر والفقر.» «١»
ومنه قوله تعالى: تُساقِطْ عَلَيْكِ [مريم ٢٥]، قراءة يعقوب: (يسّاقط) بياء مفتوحة وسين مشددة. قال الأزهري: «قوّى قراءة يعقوب ما حدثنا محمد بن إسحاق عن الصغاني عن أبي عبيد عن يزيد عن هارون عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرأ: (يسّاقط). وروي عن مسروق مثله.» «٢»
ومنه قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف ٢٥]، قال ابن خالويه: «قرأ عاصم وحمزة: (لا يرى إلا مساكنهم) بالياء على ما لم يسم فاعله، و (مساكنهم) بالرفع على تقدير: لا يرى شيء إلا مساكنهم. وقرأ الباقون:
(لا ترى) بالتاء على خطاب النبي ﵇، (إلا مساكنهم) بالنصب مفعول بها، أي: قد هلكوا فلا يحسّ لهم أثر خلا المنازل والمساكن. واحتج أصحاب هذه القراءة بما حدثني ابن مجاهد عن السّمّري عن الفراء قال: حدثني محمد بن الفضل الخراساني عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت عليا ﵁ يقرأ: (لا ترى إلا مساكنهم).» «٣»
ومنه قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [البقرة ٤٨]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (ولا تقبل) بالتاء، وقرأ الباقون: (ولا يقبل) بالياء.
قال مكي في الاحتجاج للقراءة بالياء: «وذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال: ذكّروا القرآن، وإذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء.» «٤»
- ومن الآخر قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [البقرة ١٦٤]، قرأ حمزة والكسائي وخلف: (الريح) بالإفراد، وقرأ الباقون: (الرياح) بالجمع.
стр. 29
قال مكي: «ووجه القراءة بالجمع في (تصريف الرياح) هو إتيانها من كل جانب، وذلك معنى يدل على اختلاف هبوبها، فهي رياح لا ريح ... وأيضا فإن هذه المواضع أكثرها لغير العذاب، وقد قال النبي ﵇ حين رأى ريحا هبت:
(اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا) «١»، فعلم أن الريح بالتوحيد أكثر ما تقع في العذاب والعقوبات، وليست هذه المواضع في ذلك، واعلم «٢» أن الرياح بالجمع تأتي في الرحمة، فواجب من الحديث أن يقرأ بالجمع إذ ليست للعقوبات.
ووجه القراءة بالتوحيد أن الواحد يدل على الجمع، لأنه اسم للجنس، فهو أخف في الاستعمال، مع ثبات معنى الجمع فيه.
والاختيار الجمع، لأن عليه الأكثر من القراء، ولأنه أبين في المعنى، لأنه موافق للحديث.» «٣»
ومنه قوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة ٢٧١]، قال ابن خالويه:
«وقرأ أبو عمرو ونافع في سائر الروايات وعاصم في رواية أبي بكر: (نعمّا هي) بكسر النون وإسكان العين.
وزعم بعض النحويين أنه أردأ القراءات، لأنه قد جمع بين ساكنين: الميم والعين، وليس أحدهما حرف لين، والاختيار إسكان العين، لأن هذه اللفظة رويت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: (نعمّا بالمال
стр. 30
الصالح) «١»، كذا تحفظ هذه اللفظة عن النبي، ومتى ما صح الشيء عن النبي ﷺ ، لم يحل للنحوي ولا غيره أن يعترض عليه.» «٢»
ومنه قوله تعالى: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران ١٢٥]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: (مسوّمين) بكسر الواو، وقرأ الباقون:
(مسوّمين) بفتحها. قال أبو علي: «وذكر بعض شيوخنا أن الاختيار عنده الكسر، لما جاء في الخبر أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: (سوّموا فإن الملائكة قد سوّمت) «٣»، فنسب الفعل إلى الملائكة.» «٤»
ز- أسباب النزول:
- نحو قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة ١١٩]، قرأ نافع ويعقوب: (ولا تسأل) جزما على النهي، وقرأ الباقون: (ولا تسأل) رفعا على النفي. قال ابن خالويه: «فالحجة لمن رفع أنه أخبر بذلك، وجعل (لا) نافية
стр. 31
بمعنى (ليس)، ودليله قراءة عبد الله وأبيّ: (ولن تسأل). والحجة لمن جزم: أنه جعله نهيا، ودليله ما روي أن النبي ﷺ قال يوما: ليت شعري ما فعل أبواي!
فأنزل الله تعالى: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)، فإنا لا نؤاخذك بهم، والزم دينك «١».» «٢»
ونحو قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة ١٢٥]، قرأ نافع وابن عامر: (واتخذوا) بفتح الخاء على المضي، وقرأ الباقون: (واتخذوا) بكسرها على الأمر. قال المهدوي: «من قرأ بكسر الخاء فهو على الأمر، ويقويه ما روي عن النبي ﷺ أنه أخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁، فلما أتى على المقام قال عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم، فقال النبي ﷺ : نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ... «٣»
ومن قرأ: (واتخذوا) بفتح الخاء فهو على الخبر، معطوف على قوله: وَإِذْ جَعَلْنَا [البقرة ١٢٥]، فعطف خبرا على خبر.» «٤»
ونحو قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران ١٦١]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (أن يغلّ) بالبناء للمعلوم، وقرأ الباقون: (أن يغلّ) بالبناء للمجهول.
قال المهدوي: «من قرأ: (يغلّ) بفتح الياء فإنه نسب الفعل إلى النبي ﷺ ، ويقويه قولان من التفسير:
стр. 32
أحدهما: أنه روي أن قطيفة حمراء كانت في المغانم يوم بدر فالتمست فلم توجد، فقال المنافقون: أخذها محمد ﷺ ، فأنزل الله: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ.
والقول الثاني: أن النبي ﷺ بعث طلائع ثم لقي المشركين بمن معه فغنموا، فأراد أن يقسم لمن حضر ولا يقسم لمن غاب، فأعلمه الله أن الغنيمة بين من حضر وبين من غاب، فقال: (وما كان لنبي أن يغل)، أي: أن يعطي قوما ويمنع قوما ...
ومن قرأ (يغلّ) فعلى وجهين:
أحدهما: أن يكون معنى (يغل) ينسب إلى الغلول، كما تقول: أكذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب ...
والوجه الثاني: أن يكون (يغل) بمعنى يخان، وهو أن يؤخذ شيء من المغانم بغير إذنه، وقد روي في التفسير أن قوما غلّوا يوم بدر، فأنزل الله تعالى:
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، فردوا ما كانوا غلوه «١».» «٢»
******
стр. 33
الفصل الأول الجوانب النطقية
١ - الحروف (عدّتها وأنواعها).
٢ - أعضاء النطق.
٣ - مخارج الحروف.
٤ - ألقاب الحروف ونسبتها إلى مخارجها.
٥ - صفات الحروف:
آ- الصفات المتضادة.
ب- الصفات المفردة.
٦ - القوة والضعف في الصفات.
٧ - العلاقة الكمية بين حروف المدّ والحركات.
٨ - مكان الحركات من الحروف.
٩ - دلالة الأصوات.
стр. 34
الجوانب النطقية
١ - الحروف (عدّتها وأنواعها):
- قال ابن أبي مريم: «وحروف المعجم عند جميع النحويين تسعة وعشرون حرفا «١»، إلا عند أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، فإنها عنده ثمانية وعشرون حرفا، وذلك لأنه كان لا يعدّ الهمزة حرفا منها، وكان يقول: إن الهمزة ليس لها صورة، لأنها لا تثبت على صفة، فإنها تخفف تارة بالحذف وتارة بالقلب وتارة بالتليين.
ولم يرتض ذلك أصحاب سيبويه «٢»، وذهبوا إلى أن الألف هي صورة الهمزة، يدل على ذلك أنها إذا وقعت موقعا لا سبيل فيها إلى التخفيف لم تكتب إلا ألفا، وذلك إذا وقعت أولا نحو: أخذ وأكل وأمر ...
فلما لم يتطرق إليها التخفيف في هذا الموضع لم تكتب إلا على أصلها وهو الألف، فدل على أن أصل صورتها الألف.
ودليل آخر: أن كل حرف من حروف التهجي يكون أول حروف تسميته لفظه بعينه؛ ألا ترى أن أول حروف الباء باء، وأول حروف الجيم جيم، وأول حروف الدال دال، وكذلك كل حرف منها يبدأ تسميته بما هو الحرف المقصود؟ وكذلك الألف بدئ فيه بالهمزة، فعلمنا أن الألف هو صورة الهمزة.
وأما المدة التي في قام وسار فصورتها مشاركة لصورة الهمزة من حيث إنها تسمى ألفا، إلا أنه ينبغي أن تقيد باللين فيقال: الألف اللينة ...
стр. 35
فحروف التهجي إذا تسعة وعشرون حرفا ... وهي في مخارجها على هذا الترتيب: الهمزة والألف والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء، والقاف، والكاف، والجيم والشين والياء، والضاد، واللام، والراء، والنون، والطاء والدال والتاء، والصاد والزاي والسين، والظاء والذال والثاء، والفاء، والباء والميم والواو «١».» «٢»
كأن ابن أبي مريم قصّر في توضيح مذهب المبرد على ما فيه من إلباس، فهو لا ينكر الهمزة صوتا ينطق، وإنما ينكرها صورة ترسم، قال في المقتضب:
«هذا باب مخارج الحروف ... اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلاثون حرفا، منها ثمانية وعشرون لها صور.» «٣»
ولما شرع في بيان مخارجها قال: «فمن أقصى الحلق مخرج الهمزة» «٤».
فالمبرد لم يعتبر الهمزة هنا من جهة أنه لا صورة لها ثابتة.
وأما الإلباس في قول المبرد، فهو أنه خلط بين أمرين لا ينتميان إلى صعيد واحد، إذ أخرج الهمزة من عدة الحروف التي لها صور وهو أمر إملائي، في صدر حديثه عن مخارج الحروف وهو أمر صوتي.
ولم يفرّق اللغويون العرب بين الواو والياء مديتين وغير مديتين، وذلك لأن اللغة لا تضع بينهما حجرا محجورا، وإن اختلف المخرج في كلّ «٥»؛
стр. 36
فالوقف على نحو: (لن يدعو، ولن يرمي) والواو والياء غير مديتين- يجعلهما مديتين: (لن يدعو، ولن يرمي).
وكذلك تخفيف الهمز في نحو: (مقروء، وخطيئة) والواو والياء مديتان- يجعلهما غير مديتين: (مقروّ، وخطيّة).
فإذا كان هذا شأن العربية في هذين الحرفين، فما عسى أن يكون موقف اللغويين منهما سوى الاتباع؟
وأما عدم ذكرهم الحركات في حروف العربية، فلأنها حروف صغيرة. قال ابن جني:
«ألا ترى أن من متقدمي القوم من كان يسمّي الضمة الواو الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والفتحة الألف الصغيرة؟» «١»
وليس هذا، كما قد يتوهّم، عن تأثر بنظام الكتابة الذي لا يفرد للحركات رموزا مستقلة.
وأخذ بعض المحدثين على اللغويين العرب استعمالهم كلمة (حرف) وهو ما يكتب، بدل (صوت) وهو ما ينطق أو يسمع. قال د. إبراهيم أنيس:
«وقعت لنا أخيرا محاضرة ألقاها الأستاذ الألماني أ. شاده الذي كان يقوم بالتدريس في كلية الآداب، وفيها يعرض لآراء سيبويه ويناقشها.
وكان مما أخذه المحاضر على سيبويه استعماله كلمة (الحرف) التي تعبر في الحقيقة عن الرمز المكتوب، فقد استعملها لما يسمع أيضا.
ولكن يعتذر عن هذا بأن كثيرا من علماء أوربا ظلوا إلى عهد قريب يسلكون نفس المسلك.» «٢»
стр. 37
وغاية ما في الأمر أن يكون (الحرف) أصلا فيما يكتب كما ذكروا، ثم تجوّز العلماء في استعماله لما ينطق أو يسمع على سبيل حذف المضاف، أي:
صوت الحرف، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف ٨٢]، أي: أهل القرية؛ ولا مشاحّة في الاصطلاح.
وأما الصوت فعلاقته بالحرف عندهم علاقة العامّ بالخاصّ، فهو مادّة الحرف. قال ابن سينا: (ت ٤٢٨ هـ): «والحرف هيئة للصوت عارضة له يتميّز بها عن صوت آخر مثله في الحدّة والثّقل تميّزا في المسموع» «١»، فضلا عن عموم استخدام (الصوت) في الإنسان وغيره؛ قال ابن جني: « ... الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا، فهو صائت، وصوّت تصويتا فهو مصوّت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، قال الله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان ١٩] ... » «٢»
- ثم ذكر ابن أبي مريم أن لهذه الحروف التسعة والعشرين فروعا، بعضها مستحسن وبعضها غير مستحسن، قال:
«وهذه الحروف التسعة والعشرون قد يلحقها ستة أحرف أخر هي متفرعة عنها حتى تبلغ خمسة وثلاثين حرفا، وهذه الستة مستحسنة، يقع أكثرها في القرآن، ويجيء كلها في الفصيح من كلام العرب:
أحدها: النون الخفية ...
والثاني: الهمزة المخففة ...
والثالث: الألف الممالة ...
стр. 38
والرابع: الصاد التي هي كالزاي، وهي التي تسمّى المضارعة بين الزاي والصاد، نحو (الزّراط) إذا لم تجعلها زاء خالصة ولا صادا خالصة.
والخامس: ألف التفخيم، وهي التي ينحى بها نحو الواو ك (الصلاة) و (الزكوة).
والسادس: الشين التي هي كالجيم «١».
وهذان الحرفان- أعني ألف التفخيم والشين التي هي كالجيم- قلّ ما يقرأ بهما في القرآن، لأنه لم يرد بهما أثر يعتمد عليه «٢».
وقد تلحق بها بعد ذلك ثمانية أحرف، هي فروع مأخوذة من الحروف المذكورة غير مستحسنة، لا يجيء واحد منها في القرآن ولا في الشعر ولا في الفصيح من الكلام، ولا تكاد توجد إلا في لغة لا يعتدّ بها، كذا ذكره سيبويه «٣»، وهي: الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي هي كالكاف، والجيم التي كالشين «٤»، والضاد الضعيفة، وهي التي تقرب من الذال، والصاد التي هي كالسين، والطاء التي هي كالتاء، والظاء التي هي كالثاء، والباء التي هي كالميم «٥».
стр. 39
وهذه ثمانية أحرف قد بلغت بها الحروف ثلاثة وأربعين، وإن كانت هذه الثمانية غير معتدّ بها.» «١»
إن التفريق بين أصول الحروف وفروعها يذكّر بالتفريق بين الفونيم) Phoneme ( والألفون) allophone ( في علم الأصوات الحديث «٢»، وليس بينهما تمام اتفاق، فوجه تفرّع هذه الحروف عند اللغويين العرب أنها متولدة من امتزاج الحرفين الأصليين كما ذكر، عدا النون الخفية فوجه تفرعها أنها في الأصل صفة النون المظهرة «٣»؛ وهذا ما يفسّر إغفالهم ذكر اللام المفخمة والراء المرققة هنا.
و «أساس تقسيم الحروف الفرعية إلى مستحسنة ومستقبحة هو كثرة الاستخدام وقلّته، فما كثر استخدامه منها في لغة من ترتضى عربيته كان مستحسنا، وما قلّ استخدامه كان مستقبحا.» «٤»
٢ - أعضاء النطق:
- لم يأت في كتب الاحتجاج مصطلح (أعضاء النطق) على وفرة ما جاء منها، مع مجيء لفظ (العضو) في بعضها، كقول أبي علي في الإشمام: «وذلك أن الإشمام عند النحويين ليس بصوت ... وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت الذي هو الضم ليدلّ عليه، وليس بخارج إلى اللفظ.» «٥»
стр. 40
ومن تناول أعضاء النطق بالذكر لم يفردها بفصول خاصة، وإنما عرض لها في أثناء الحديث عن مخارج الحروف، فقد كانت الأساس الذي بني عليه تمييز المخارج ونسبة الحروف إليها.
ونبّه بعض المحدثين على أن اللغويين العرب لم يعرفوا الطيتين الصوتيتين، مع أنهم أدركوا أثرهما، وهو ما سمّوه بصوت الصدر «١».
- وهذه جملة ما جاء في كتب الاحتجاج من أعضاء النطق، الأدخل فالأدخل، بتقديم العام على الخاص، والثابت على المتحرك، وما كان في الفم على غيره:
- الصدر:
(الصدر) عند ابن أبي مريم، و (أول الصدر) عند المهدوي: أقصى المخارج وأبعدها «٢».
- الحلق:
له ثلاثة أقسام، هي عند ابن أبي مريم: (أقصى الحلق) و (أوسط الحلق) و (أدنى الحلق) «٣»، وعند المهدوي: (آخر الحلق) مما يلي الصدر، و (وسط الحلق)، و (آخر الحلق) مما يلي الفم «٤».