الحسين الحسني، وإليه تشد الرحال في طلب العلم، وهو غاية في الزهد، وعليه سيماء النبوة .. » «١» ويبدو أن الحاكم قد ألف كتابه هذا قبل خروج الإمام المرشد ودعوته لنفسه بالإمامة، لأن دعوته إنما كانت في حدود سنة ٤٩١. والواقع أننا لا نقف من أئمة الزيدية في هذا القرن- في الديلم- على غير الإمام المرشد بالله، والإمام أبي طالب يحيى بن الحسين المتوفى سنة ٤٢٤ «٢» وكما يجوز خلو عصر من الإمام عندهم- إذا انعدم الخروج- فإن من الراجح أن الأمر كان يخرج من أيديهم لأحد الدويلات حتى يصبح التأريخ لإقليم ما في بعض الأحيان تأريخا لكثير من الأسر الحاكمة «٣»، على أن هناك دعاة عند الزيدية يسمون «المحتسبين» أو «المقتصدين» يهيئون الأمر للخروج ويدافعون عن الحق، وبهم تتم سلسلة الأئمة. والذي يبدو على كل حال أن زيدية الديلم في القرن الخامس كانوا من الناحية السياسية في حالة ضعف، مما مهد لانتهاء دولتهم بعد ذلك في وقت قريب.
أما دولتهم في اليمن فتنتسب إلى الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
стр. 37
(١٦٩ - ٢٤٦) من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب «١»، الذي وضع أصول المذهب الزيدي كما عرف في هذه الدولة «٢»، أما الذي استولى على اليمن فهو الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين أحد أحفاد الإمام القاسم، ولد بالمدينة المنورة سنة ٢٤٥، وخرج إلى اليمن سنة ٢٨٠ بطلب من أهله، ولكنهم خذلوه فعاد إلى الحجاز، ثم راجعوه فعاد إليهم ووصل «صعدة» سنة ٢٨٤، وتمكن بعد حروب طويلة مع القرامطة وغيرهم أن يؤسس دولة الزيدية في اليمن، ويفيض الزيدية في الحديث عن بأسه وشجاعته وورعه وتصانيفه ... ويعدونه من معجزات جده رسول الله ﷺ ، ويروون فيه بعض الآثار، ويقولون: ما من زيدي في اليمن إلا وله عليه حق «٣».
أسس الامام الهادي دولة الزيدية في اليمن، وكان أولاده من بعده يبايعون فيها بالإمامة بخروجهم أو بالقتال، وكثيرا ما خرج الأمر
стр. 38
من أيديهم إلى أحفاد القاسم الرسي نفسه، أو إلى غيرهم ممن ينتسب إلى الإمام علي بن أبي طالب ﵁. وقد رأينا أن أظهر الأحداث التي مرت ببلدهم في القرن الخامس هو استيلاء الصليحي على صنعاء وعلى أكثر مناطق اليمن، وبالرغم من أنهم لم يفقدوا وجود دولتهم في بعض بلاد اليمن إلا أن الصليحي قتل إمامهم الكبير فيها: أبا الفتح بن الناصر الديلمي الذي دعا سنة ٤٣٠ وملك صعده والظاهر واختط «حصن ظفار»، ولم تزل المعارك بينه وبين الصليحي حتى تمكن هذا من قتله سنة ٤٤٤ «١»، ويحدثنا صاحب «بلوغ المرام» أنه لما قتل «استقام الشريف الفاضل ابن جعفر العياني على الحسبة التي كان عليها» أي قبل وصول أبي الفتح من الديلم ودعوته إلى نفسه، ويبدو أنهم بقوا على هذه الطريقة حتى عام ٥٣٢ حين قام بالدعوة واسترد صنعاء الإمام أحمد بن سليمان (٥٠٠ - ٥٦٦) «٢».
ويتبين من مراجعة تراجم أئمة الزيدية وعلمائهم أن الصلات بين دولتيهم في الديلم واليمن كانت دائمة، وإليها يعود الفضل في حفظ بقية صالحة من تراث المعتزلة في اليمن، كما سنتحدث عن ذلك فيما بعد.
٦ - ملوك الطوائف في الأندلس
: وفي الأندلس يستغل النصارى الخلافات الشديدة بين ملوك الطوائف- في عهدهم الأول في هذا القرن- ليظفروا ببعض البلاد من أيدي المسلمين، فيستولي ألفونس القشتالي
стр. 39
على طليطلة سنة ٤٧٨ بعد حصار دام سبع سنين. ويهب يوسف بن تاشفين من مراكش لنجدة المسلمين في الأندلس ويتمكن من أن يهزم الفونس السادس في موقعة الزّلاقة سنة ٤٧٩. ويمضي هذا القرن على الأندلس موحدة تحت راية المرابطين لتنتظرها عام ٥١٥ فتنة ابن تومرت الذي زعم أنه المهدي، وليقوم في الأندلس بدور خطير «١».
٧ - الحروب الصليبية
: ومن أهم الأحداث السياسية التي وقعت لعامة المسلمين في هذا القرن مصابهم بالصليبيين، ففي جمادى الأولى من عام ٤٩١ «ملك الإفرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد، ثم صاروا إلى معرّة النّعمان فأخذوها بعد حصار» «٢» وفي ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان استولوا على بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وجاسوا خلال الديار!
وفي عام ٤٩٤ - يوم عظم الخطب بالباطنية في نواح كثيرة، وكان أولاد ملكشاه ما يزالون في اقتتالهم- زحفوا على بلاد أخرى في أرض الشام فملكوا «سروج» و «قيسارية» و «أرسوف» أو كما قال اليافعي اليمني في أحداث هذه السنة: «وفيها أخذت الفرنج بلداننا بالشام» «٣» نعم «بلداننا» بالشام، فقد كان مصاب المسلمين عاما في كل مكان.
وبالرغم من مظاهر الفوضى السياسية التي كان يعيش فيها العالم الإسلامي إلا أنه لم يفقد وحدته الروحية بحال.
стр. 40
ثانيا: الحالة الدينية
وفي ظل هذه الأحداث السياسية المضطربة لم يكف أصحاب المذاهب والفرق عن المنازعة والجدل، بل إن هذه الأحداث زادت من حدّة هذا النزاع، ونقلته إلى حد التصادم والفتن الدامية التي لم يكد يخلو منها عام واحد من أعوام هذا القرن، وقد كان لتدخل «السلاطين» الجدد- أو الكثر المتجددين- أثره الكبير في هذا التصادم بعد أن مضى
عهد الخلافة المذهبية الواحدة- كما يمكن أن يسمّى- التي كان السلطان فيها للخليفة الذي لم يكن الخارجون عليه بقادرين على إحداث مثل هذه الفتن التي نشهدها في هذا القرن، أو بعد أن دخل العالم الإسلامي في القرن الرابع في عصر الحكم الشيعي «١»، وأصبح لكلّ صاحب مذهب سند من حكم قائم يحميه، أو ذاهب قد مكّن له.
وبالرغم من هذا الاشتهار والتمكن الذي أصابت منه أغلب الفرق، وبالرغم من تأثر معظمها بالفلسفة «٢» إلا أننا نقتصر في هذا التمهيد على
стр. 41
بيان حال الفرقتين الكبيرتين: المعتزلة والأشاعرة، مع الإلمام بحال الصوفية في هذا القرن، لما لهذا من إيضاح بعض الجوانب الهامة في الحياة الاجتماعية، ولإلقاء بعض الضوء على حياة مؤلفنا المعتزلي ﵀، والحالة الدينية في هذا القرن- كما نرجح- تصورها الفرق، لأنه كان عصر تعصّب مذهبي واضح.
١ - المعتزلة
: كان البويهيون في بغداد قد أظهروا التشيع والاعتزال حتى قويت بهم الشيعة وفشا مذهب الاعتزال بالعراق وخراسان وماوراء النهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء كما يقول المقريزي «١»، بل إن الاعتزال شهد على أيديهم نهضته الكبيرة على يد القاضي عبد الجبار والمدرسة الجبائية التي ينتسب إليها، وكان القاضي عبد الجبار أكبر قضاة بني بويه، وكان أشهر وزراء هذه الدولة وأعظمهم الصاحب بن عبّاد الذي حرّم القضاء والمناصب الكبرى على غير المعتزلة، وقد كان هو مشهورا بالاعتزال- والتشيع كذلك- حتى قال فيه القاضي: «مولانا الصاحب معتزلي الشعر، شيعي التصنيف»، وكان يذهب في تشيعه مذهب الزيدية كما يقول الحاكم نفسه ﵀ «٢».
ولم يكن «الخليفة» - السني بالطبع- بقادر على أن يصنع شيئا تجاه «سلاطين» بني بويه وتعصبهم للشيعة والمعتزلة، ولكن اضطر في أوائل القرن الخامس سنة ٤٠٨ إلى أن يتدخل «رسميا» لفض المنازعات المذهبية التي أثارها المعتزلة والشيعة الذين صعّروا خدودهم ببغداد، فأمر
стр. 42
المعتزلة في هذا العام بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال «والمقالات المخالفة للإسلام»! وأنذرهم- إن خالفوا أمره- بحلول النكال والعقوبة «١» إلا أنهم لم يكفوا عن الجدل فيما يبدو، فما زال فقهاء أهل السنة به حتى صدر في بغداد سنة «٤٣٣» كتاب آخر سمّى الاعتقاد القادري- نسبة إلى الخليفة القادر صاحب الأمر السابق- وقرئ في الدواوين، وكله نقض لآراء المعتزلة، «وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر!» «٢».
ولم يلبث المعتزلة أن تعرضوا للسب والتضييق بعد زوال بني بويه، ففي سنة ٤٥٦ «لعنت المعتزلة في جامع المنصور» وهجم قوم من الأشاعرة على مدرس معتزلي «فسبوه وشتموه لامتناعه عن الصلاة في الجامع، وتدريسه للناس بهذا المذهب، وأهانوه وجودوه» «٣»، بل بلغ الأمر ببعضهم أن جلس ليلعن المعتزلة، كما قال ابن كثير عن بعض العلماء إنه «جلس وجعل يلعن المعتزلة» «٤» وكأنّ ذلك ذكر أو قربة!!
ولكن الاضطهاد الذي أصاب المعتزلة لم يكن في الواقع على أيدي
стр. 43
السلاجقة- الذين قدموا الأشاعرة بعد- وإنما كان على يد محمود بن سبكتكين الذي سبقت الإشارة إليه، ففي سنة ٤٣٠ انتزع الرّي من البويهيين فجمع من فيها من المعتزلة ونفاهم إلى خراسان «وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنجوم» «١» واستخرج من بيت كتب الصاحب بن عباد كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه- وكان فهرس كتبه يقع في عشر مجلدات «٢» - وقد ذكر الحاكم أن السلطان المذكور بعث بكتاب إلى عامله بنيسابور بحمل المعتزلة إلى حضرته بغزنة فحمل إليه ثلاثة
نفر هم رءوس القوم «فبعث بهم إلى غزدار فماتوا هناك» «٣».
ومع هذا فقد بقي الغالب على نيسابور- بيئة الحاكم- التشيع والاعتزال، ذكر الحاكم أن أبا رشيد النيسابوري المعتزلي أحد تلامذه القاضي عبد الجبار، كانت له حلقة بنيسابور يجتمع اليها المتكلمون بعد أن عاد إليها عقب وفاة القاضي عبد الجبار، وأنه لما لم يقاومه أحد من المخالفين خرج إلى الري «٤» وذكر أنه شاهد بعض الوزراء في خوارزم يذهبون مذهب العدل، وأن أمراء خوارزم وأكثر فقهائها معتزلة «٥».
стр. 44
٢ - الأشاعرة
: أما الأشاعرة فإن مذهبهم أصلا لم يأخذ في الانتشار بالعراق إلا من نحو سنة ٣٨٠ «١» وكان الماتريدية في أقصى المشرق ينافسوهم على الرغم من تشابه المذهبين في الأصل، كما أنه كان عليهم في نهاية القرن الرابع وأوائل الخامس أن يدرءوا هجمات الحنابلة الذين كان شيخهم ببغداد حوالي سنة ٤٠٠ يطعن على أبي الحسن الأشعري أمام الملأ وينال من الأشاعرة «٢» وأن يقاوموا أيضا هجمات الكرامية الذين تحزبوا عليهم ورموهم بالباطل عند ابن سبكتكين قائلين إن الأشاعرة يعتقدون أن رسالة النبي انقطعت بموته «٣» ولم تكن حال الأشاعرة- في الواقع- في أول عهد السلاجقة بأحسن من حال المعتزلة، فقد تعصب طغرلبك ضدهم وطاردهم مع المعتزلة، وبخاصة قبل دخوله بغداد (ما بين سنة ٤٤٣ وسنة ٤٤٧) فقد نقل له عام ٤٤٥ أن أبا الحسن الأشعري يقول في الدين بأمور لا تليق بالسنة فأمر بلعنه، وصرح أهل نيسابور بتكفير من يقول ذلك، واضطر علماء نيسابور كالجويني والقشيري إلى أن يغادروها إلى القدس أو مكة، وزادت محنة الأشاعرة بمنعهم من الخطابة والوعظ، وبلعنهم في الجمعة، وجرت فتن طويلة بالرغم من أن طغرلبك استدعى جماعة من الأشاعرة وسألهم عما أنهى إليه من ذلك فأنكروه، وأنكروا أن يكون الأشعري قاله، فقال السلطان: فنحن إنما لعنا من يقول هذا «٤»!
стр. 45
واستمرت الحال بالأشاعرة كحال غيرهم في وقت ملىء بالفتن والمنازعات، حتى وزر للسلاجقة الوزير «نظام الملك» مدة تقرب من الثلاثين عاما استطاع خلالها أن يثبت حكم السلاجقة أنفسهم وأن يمكن للمذهب الأشعري لدى العامة والخاصة عن طريق الدرس والتنظيم، والواقع أن نظام الملك كان أفضل رجال السياسة من حماة العلوم، مثّل في الدولة السلجوقية دور الصاحب لدى البويهيين، ولم يكن يقل عنه ولعا بالعلم والمعرفة وحبا للعلماء وتقريبا لهم، إن لم يفقه في الأناة وسعة الصدر. ويفيض المؤرخون وكتاب التراجم في الثناء على نظام الملك، وعلى حنكته ودهائه وتدينه وورعه وعدله بين الناس «١» وقد لا يكونون مغالين في ذلك إذا ذكرنا إصلاحه الاجتماعي الذي تجلى في تأسيس القضاء على الفنن القائمة، والاحتيال على التخفيف من آثارها بالحكمة والدهاء. وقد رأى نظام الملك أن سبيل الاستقرار إنما يكون في التمكين للمذهب الأشعري في نفوس عامة المسلمين عن طريق العلم والمعرفة، فبنى المدارس «النظامية» في بغداد وبلخ ونيسابور وهراة واصبهان والبصرة ومرو وطبرستان والموصل «٢» ودعا أئمة «أهل السنة» للتدريس في هذه المدارس، فكان أبو إسحاق الشيرازي على رأس مدرسة نيسابور «٣» وقد تم افتتاح نظامية بغداد عاشر
стр. 46
ذي القعدة سنة ٤٥٩ وكتب على بابها أنها لأصحاب الأشعري «١».
وبالرغم من هذا النجاح الذي تحقق للأشاعرة على يد نظام الملك «٢» إلا أن اعتراف الخليفة- رسميا- بالمذهب الأشعري على أنه مذهب أهل السنة لم يكن إلا في عام ٥١٦ حين حضر الخليفة المسترشد بالله درسا بالنظامية ببغداد، وأضحى منذ ذلك اليوم مذهب الأشاعرة هو مذهب أهل السنة والجماعة «٣» وإن كان اتفق له أيضا أسباب أخرى ساعدته على ذلك، كما ساعدته على التوسع وسعة الانتشار «٤».
٣ - الصوفية
: أما الصوفية فقد كثر أتباعهم واعترى حالتهم بعض السوء عن القرن الماضي، مما دعا واحدا من أعلامهم المشهورين في هذا القرن هو أبو القاسم القشيري المتوفى سنة ٤٦٥ إلى أن يكتب رسالته المشهورة سنة ٤٣٧ إلى «جماعة الصوفية ببلاد الاسلام» يذكرهم فيها بسير شيوخ هذه الطريقة في أخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم، لتكون عونا لهم على صلاح أمرهم بعد أن انقرض «أكثر شيوخ الصوفية المحققين وفسد حال كثير
стр. 47
من الباقين» كما يقول «١».
ويبدو أن عناية الصوفية بالمظاهر قد زادت في هذا القرن، يحدّثنا المقدسي عن مجالسهم في القرن الماضي وما كان يجري فيها من الغناء بقوله:
«فكرة أزعق معهم، وتارة أقرأ لهم القصائد» «٢» أما في هذا القرن فقد حفلت مجالسهم بالرقص حتى إن الهجويري «٣» يقول إنه لقي طائفة من العوام يظنون أن مذهب التصوف ليس إلا الرقص «٤» ولم يحملهم على هذا الاعتقاد- فيما يظهر- إلا كثرة ما يشاهدونه من شيوع هذه الطريقة لدى الصوفية.
وزاد الصوفية أيضا في هذا القرن طبقات أوليائهم و «نظموها» على طريقة تقرب من الطرائق الكهنوتية- وكل هذا دخيل على التصوف الإسلامي الصحيح «٥» - ففي القرن الرابع يذكر المؤرخون من طبقات الصوفية طبقة الأبدال «٦» أما في القرن الخامس فيذكر الهجويري لهم
стр. 48
طبقات أخرى من الأولياء، فهناك ثلاثمائة يسمون الأخيار، وأربعون يسمون الأبدال، وسبعة يسمون الأبرار، وأربعة يسمون الأوتاد- وهم يطوفون العالم بجملته في كل ليلة- وثلاثة نقباء، وأخيرا يوجد القطب أو الغوث! قال: «والأولياء هم ولاة العالم، والحل والعقد منوط بهم، وتدبير العالم موصول بهمتهم» «١» ويبدو أن زيادة تعلقهم بالأولياء في هذا القرن زادت من عدد المتعصبين للحلاج والمنتظرين لخروجه كذلك- بعد أن تطاول العهد على قتله الشنيعة سنة ٣٠٩ - يقول الهجويري إنه رأى بالعراق أربعة آلاف يسمون أنفسهم الحلّاجية «٢» وكان في عصر أبي العلاء المعري (ت ٤٤٩) قوم في بغداد ينتظرون خروج الحلاج، ويقفون بحيث صلب على دجلة يتوقعون ظهوره!
ونستطيع أن ندرك مدى تأثر الصوفية بالحركات الباطنية التي انتشرت في هذا القرن من رد الهجويري على دعواهم- أو دعوى بعضهم- في هذا القرن بسقوط الشريعة إذا كشفت الحقيقة، بقوله: «هذه مقالة الزنادقة من القرامطة والشيعة ومن وسوسا إليهم من الأتباع» «٣».
стр. 49
ثالثا: أثر الحالة السّياسيّة والدينيّة في الحياة العامة
وكان لهذه الحالة السياسية والدينية- المضطربة والمتناحرة- أثرها السيئ على الحياة العامة، بما حملته من الفرقة والانقسام، وبما صاحبها من الفتن والمنازعات بين العساكر والأجناس، وبين أصحاب الفرق والمذاهب:
١ - الفتن السياسية
: يذكر ابن الأثير في أحداث سنة ٤١٧ أنه كثر فيها تسلط الأتراك ببغداد فأكثروا مصادرات الناس وأخذوا الأموال، حتى إنهم قسّطوا على الكرج خاصة مائة ألف دينار، وعظم الخطب وزاد الشر وأحرقت المنازل والدروب والأسواق، «ودخل في الطمع العامة والعيّارون فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان» ويذكر أن الحرب قد وقعت بين الجند والعامة فظفر الجند فنهبوا وقتلوا «١» ثم في عام ٤١٩ شغب الأتراك ببغداد على «جلال الدولة» حتى إنه باع فرشه وثيابه وخيمه وفرق ثمنها فيهم حتى سكتوا، ولم يلبث الخلاف أن وقع بالبصرة بين الديلم والأتراك واقتتلوا «٢» وفي السنة التي استولى فيها طغرلبك على بغداد ٤٤٧ كثر فساد الغزّ ووقعت الفتن بين الأتراك والعامة ونهبت بعض جوانب بغداد «٣» وفيها اشتد الغلاء بمكة وعدمت الأقوات، وجرى نحو ذلك
стр. 50
في اليمن حين استولى عليها الصليحي في نفس العام «١». وجرت على مثل هذه الحال الشنيعة كثير من السنوات الأخرى.
٢ - فتن أرباب العقائد
: أما الفتن بين أرباب المذاهب- وبخاصة بين السنة والرافضة- فكانت لكثرتها جزءا من الحياة العامة، وربما من الحياة اليومية، حتى إن مؤرخا كابن كثير كان يقول مثلا: إن الفتنة حصلت عام كذا- وهو يؤرخ بحسب السنوات- «كالعادة» «٢» أو يقول مثلا في بعض السنوات التي حصل فيها كوارث عامة كالزلازل والطاعون، وأن الفتن مع ذلك لم تنم: «ومع هذا كله وقعت فتنة عظيمة بين الرافضة والسنة قتل فيها خلق كثير» «٣» وربما أشار في عبارات موجزة إلى ما طواه من الأمور الشنيعة التي ترتكب في هذه الفتن، كقوله في الفتن التي حصلت سنة ٤٤١ بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة: «إنها فتن لا تحصى حصل فيها قتل ونهب وسلب وسخف لا ينحصر ولا ينضبط!» «٤» وكثيرا ما يعبر عن قيام الفتنة «بالتجدد» إشارة إلى استمرار الفتن وأنها ما تكاد تهدأ حتى تثور «٥».
وكان الخليفة- كما أشرنا- ربما تدخل لفض النزاع، ولكن الخلاف الذي تأصّل، وكان بحاجة ماسة إلى عمل طويل كالذي نهض لتأسيسه
стр. 51
نظام الملك، لم يكن يحل عن طريق الإشارة بفضه إلى السلطان أو الوزير؛ حصل عام ٤٢٠ أن خطيب مسجد الكرخ- وكانت بيئة شيعيّة اعتزالية- ذكر مذاهب فاحشة من مذاهب فاحشة من مذاهب الشيعة وغلا في علي ﵁، فأمر الخليفة بالقبض عليه وعين محله خطيبا آخر، فلما صعد المنبر دقه بعقب سيفه، والشيعة ينكرون هذا، وقصّر في الخطبة في ذكر عليّ، ﵁، عما كان يفعله من تقدمه، وقال: اللهم اغفر للمسلمين ومن زعم أن عليا مولاه! فرماه العامة بالآجرّ فوافاه كالمطر وخلع كتفه وكسر أنفه ... وأحفظ ذلك الخليفة فكتب في الشيعة كتابا شديدا للوزير، ولكن الوزير فيما يبدو لم يصنع شيئا- عجزا أو تواطؤا- ولم تنته الفتنة حتى توجه مشايخ الكرخ مع الشريف المرتضى إلى دار الخلافة، وأحالوا ما حصل على سفهاء الأحداث، وطلبوا إقامة خطيب عملت له نسخة يعتمدها فيما يخطب وتجنب ما يحفظ الشيعة «١».
وفي عام ٤٢٢ غلّق الشيعة الأسواق بمناسبة عاشوراء وعلقوا المسوح وخرجوا يبكون في الأزقة، فأقبل عليهم أهل السنة في الحديد واقتتلوا اقتتالا شديدا، وقوي عليهم أهل السنة فقتلوا منهم خلقا كثيرا ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى! ونهبت العامة دور اليهود بتهمة معاونتهم للروافض! وتعدّى النهب إلى دور كثيرة ... وانتشرت المحنة بأمر العيارين في أرجاء البلد «٢».
٣ - منازعات الفقهاء
: وفي مثل هذا الجو الشنيع لم تكن الخلافات بين أصحاب المذاهب الفقهية بأقل أثرا من خلافات أرباب السياسة والكلام،
стр. 52
وإن كان أكثر الحنابلة فيما يبدو تضيق صدورهم بمن عداهم من الشافعية والشيعة والأشاعرة والمعتزلة جميعا، ففي عام ٤٤٧ قوي جانبهم على الأشاعرة «بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات» «١» وحاولوا منع الشافعية من الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والترجيع في الأذان والقنوت، وكادت تحصل فتن كبيرة لولا أن حملوا على السكوت آخر الأمر. وفي عام ٤٦٩ وقعت الفتنة بينهم وبين الأشاعرة لأن ابن القشيري قدم بغداد فجلس يتكلم في النظامية وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم «٢» بل بلغ الأمر بالحنابلة أن نقموا سنة ٤٦١ على أحد كبرائهم وهو الشيخ أبو الوفا العقيلي لتردده على أبي علي بن الوليد المعتزلي «٣» واتهموه بأنه تأثر ببعض آرائه في الكلام «وإنما كان يتردد عليه ليحيط علما بمذهبه»، كما قيل، حتى اضطر أن يحضر إلى الديوان ويكتب على نفسه كتابا يتضمن توبته من الاعتزال «٤».
رابعا: حركة التأليف في التفسير وعلم الكلام
ولم ينقطع العلماء خلال هذه الرزايا عن الكتابة والتأليف، شأنهم في كل عصر، بل إن حركة التأليف- بعامة- قد نشطت في النصف
стр. 53
الثاني من هذا القرن بفضل النهضة الثقافية الشاملة التي أحدثتها المدارس الكثيرة، كما أن عناية البويهيين بالكتب والتأليف كانت كبيرة أيضا في النصف الأول، وإن مما يستبعد أن تذهب عناية الصاحب بالكتب وتشجيعه للعلماء على الكتابة ويمحي أثرها في دولة بني بويه بمثل هذه السرعة أو البساطة، فدار الكتب التي أنشأها وزير «بهاء الدولة» ببغداد سنة ٣٨١ وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد معظمها بخط أصحابها، أو من الكتب التي كان يملكها رجال مشهورون، بقيت إلى سنة ٤٥٠ حين احترقت بعد مجيء طغرلبك إلى بغداد «١» ودور الكتب الأخرى برامهرمز والبصرة وغيرها بقيت تؤدي دورها إلى عصور لاحقة «٢» وكان للشريف المرتضى دار سماها دار العلم فتحها لطلبة العلم «وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه»، وقد اعتذر الصاحب بن عباد عن استدعاء الملك نوح بن منصور الساماني- آخر السامانيين- له ليوليه وزارته،
стр. 54
بأن عنده من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر «١» كما أن رعاية الصاحب للمعتزلة آتت أكلها، أو استمرت في ذلك العطاء، بعد أن تفرق تلامذة القاضي عبد الجبار- الذي حبا عصر الصاحب بخلاصة الفكر الاعتزالي- في الأقطار يدرّسون ويؤلفون، والذين تتلمذ على بعضهم مؤلفنا الحاكم الجشمي ﵀.
وقد شهد هذا القرن نهضة أدبية كبيرة على أيدي اللغويين والشراح، كما شهد حركة كبيرة في التأليف في علم الكلام، وبخاصة في الملل والنحل بحيث يمكن اعتباره أزهى عصور التأليف في هذا النوع من فروع الدراسات المقارنة. ونكتفي هنا بالإشارة إلى أهم المؤلفات التي كتبت في التفسير وعلم الكلام، وإلى ميزاتها الرئيسية أو المشتركة، في حين ندع الحديث عن تفاسير المعتزلة قبل الحاكم إلى موضعه من هذا البحث.
١ - التفسير
: وأول ما يلاحظ على مؤلفات التفسير وعلوم القرآن- بعامة- في هذا القرن هو التنوع والكثرة، وبالرغم من أنه قد وصلنا منها عدد وافر إلا أن تفسيرا واحدا منها- وبخاصة المطولات- لم يظفر بنشر أو تحقيق «٢» وبقيت الهوة شاسعة بين الطبري المتوفى سنة ٣١٠ والرازي المتوفى سنة ٦٠٦، وحتى لو أخذنا بعين الاعتبار تفسير
стр. 55
البغوي (ت ٥١٦) والنسفي (ت ٥٣٧) والزمخشري (ت ٥٣٨) - وكلها تفاسير قصيرة لا تقاس بالطبري أو الرازي أو القرطبي- فإن الهوة تبقى شاسعة، وتبقى تفاسير القرنين الرابع والخامس- على وجه التقريب- بحاجة إلى عناية الدارسين. ونشير هنا إلى فروع الدراسات القرآنية الأخرى قبل أن نبحث في تفاسير هذا القرن.
تطالعنا في مجال القراءات ونظائر القرآن وإعرابه كتب كثيرة وكان من أعلام هذا القرن الذين عنوا بهذا النوع من الدراسة أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت ٤٤٤) الذي سبق في هذا المجال «١» وأبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧) «٢» وأحمد بن محمد المعافري (ت ٤٢٩) أول من أدخل علم القراءات إلى الأندلس، وصاحب التفسير الكبير أيضا «٣»، وغيرهم.
وفي مجال العناية بنوع معين من آيات الكتاب نجد كتب المتشابه اللفظي- الوثيق الصلة بالنظائر- وكتب أحكام القرآن المتصلة بالتفسير والفقه. ولدينا اليوم من كتب المتشابه كتاب «البرهان في متشابه
стр. 56
القرآن) لمحمود بن حمزة الكرماني (ت حوالي ٥٠٠) «١» وكتاب (درة التأويل في متشابه التنزيل) للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢) «٢» اللذين أفادا فيهما من كتاب «درة التنزيل» للخطيب الإسكافي (ت ٤٢٠).
ولدينا من كتب أحكام القرآن كتابا البيهقي (أحمد بن الحسين ت ٤٥٨) «٣» والكيا الهراسي (علي بن محمد ت ٥٠٤) «٤» وهما شافعيان.
وفي ميدان البلاغة والإعجاز يظفر هذا القرن بالكتاب القيم الذي صنف في تشبيهات القرآن، وهو كتاب (الجمان في تشبيهات القرآن) لابن ناقيا البغدادي (ت ٤٨٥) «٥».
أما أهم التفاسير المطولة التي وصلتنا فهي:
١) تفسير القرآن لمنصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي المتوفى
стр. 57
سنة ٤٨٩ وهو تفسير كامل يقع في ثلاث مجلدات كبار، انتصر فيه صاحبه لمذهب أهل السنة «١».
٢) وتفسير (الكشف والبيان) لأبي إسحاق النيسابوري الثعلبي (أحمد بن محمد ت ٤٢٧) «٢» الذي كان من أشهر تفاسير هذا القرن فيما يبدو «٣»، والذي عني فيه الثعلبي بالحديث وبآثار الصحابة والتابعين، كما عني فيه باللغة والقراءات والأحكام الفقهية- التي ربما عقد لها بعض الفصول الخاصة- بالإضافة إلى العناية بأقوال الصوفية وتفسيرهم في بعض الأحيان. ومن أهم ميزات هذا التفسير العناية بالسند في نقل الأخبار والآثار «٤».
٣) وتفسير (البرهان في علوم القرآن) لأبي الحسن الحوفي (علي ابن إبراهيم ت ٤٣٠) وهو تفسير كبير أكثر فيه صاحبه من الإعراب
стр. 58
واختلافات النحاة- بحكم الاختصاص- واعتنى فيه باللغة والنظائر والأضداد، وبالوقف والابتداء الذي أفرد له فقرة خاصة ينهى بها وجوه القول في تفسير الآية وبيان أحكامها. وبالرغم من معارضته الشديدة للمعتزلة في الوعيد وخلق القرآن ومسائل أخرى، ومناقشته الموضوعية المركزة لهم في ذلك، فإنه قد تأثر بقول بعضهم بالصّرفة في موضوع الإعجاز، وبما أجمعوا عليه في مسألة خلق الأفعال، فيما يبدو «١».
٤) والتفسير البسيط للواحدي (علي بن محمد ت ٤٦٨) صاحب التفاسير الثلاثة. وقد نازل فيه المعتزلة والقدرية وانتصر للأشعري، ويبدو أنه لم يفد من التطور الذي أصاب بعض آراء الأشعري على أيدي كبار رجال المذهب «٢» وكان له في هذا التفسير عناية زائدة بالإعراب والقراءات والمشاكل اللغوية- على عادة هذا العصر- كما أنه أكثر فيه من النقل عن تفسير أستاذه الثعلبي «٣».
стр. 59
٥) وتفسير الراغب الأصفهاني (الحسين بن محمد ت ٥٠٢) الذي جرى فيه على منهج أشعري معتدل، وأفاد منه بعض مفسري أهل السنة فيما بعد، منهم البيضاوي المتوفى سنة ٧٩١ «١».
٦) وتفسير أبي جعفر الطوسي (محمد بن الحسن ت ٤٦٠) فقيه الشيعة ومصنفهم، الذي عنى به الزيدية في اليمن أيضا كما يذكر صاحب نزهة الأنظار «٢».
٧) وتفسير أبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥) المسمى «لطائف الإشارات» الذي كان يظن أنه سيضع يدنا على مدى الصلة بين الأشاعرة والصوفية، أو بين المنهجين في تفسير القرآن، فقد كان القشيري مقدّما في الأشاعرة، ورأسا من رءوس الصوفية في القرن الخامس، وهو القرن الذي يؤرخ به بعض العلماء وجود من ينتمي إلى التصوف من الأشاعرة «٣»؛
стр. 60
ولكن الكتاب- وقد نشر بعضه بعد اطلاعنا على قطعة خطية صغيرة منه «١» - يسجل نوعا من المنهج «المتميز»، أو بعبارة أخرى: يسجل نوعا من «المغايرة» والاختلاف بين المنهجين- ولتفصيل القول في ذلك موضع آخر- يدل على ذلك أن القشيري فرغ من تأليف كتاب اللطائف سنة ٤٣٤ بعد أن أخذ طريقه إلى التصوف، مخلفا وراءه تفسيره الكبير، الذي لم يصلنا، والذي فرغ منه سنة ٤١٠.
ولعل مما يلقي بعض الضوء على حديثنا السابق عن الحالة التي آل إليها أمر بعض الصوفية: الإشارة إلى تفسير صوفي آخر- صغير الحجم- هو «حقائق التفسير» «٢» - الذي كان يجب أن يسمى أباطيل التفسير- لأبي عبد الرحمن السّلمي الأزدي (محمد بن الحسين ت ٤١٢)، والذي قال فيه الذهبي بحق: «إنه تحريف وقرمطة»! حتى إن السبكي يستغرب من شيخه الذهبي أن يصف السلمي «بالجلالة» مع علمه بما في كتابه من التحريف «٣»!!
٨) هذا بالإضافة إلى تفسير أبي الفتح الديلمي (ت ٤٤٤) وتفسير الماوردي: (ت ٤٥٠) وتفسير مؤلفنا الحاكم، التي سنتحدث عنها بالتفصيل مع تفاسير المعتزلة في الباب الثاني.
أما التفاسير التي لم تصلنا فإنها أكثر من هذه بكثير، كما نجد ذلك في الفهارس وفي كتب التراجم والطبقات، وإن كان يبدو أن من أهم
стр. 61
هذه الكتب (التفسير الكبير) لأبي القاسم القشيري «١» والتفسير الكبير أيضا لأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين (ت ٤٣٨) «٢» والذي أثنى عليه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وقال «انه اشتمل على عشرة أنواع في كل آية» «٣» ويعني بذلك فيما يبدو استيفاء وجوه الإعراب والقراءة واللغة والنظم وأسباب النزول والأحكام ونحو ذلك.
والكلمة التي نختم بها هذه الجولة في تفاسير هذا القرن هي أننا نلاحظ كثرة تفاسير الأشاعرة وأصالتها، وقد كان أكثر أصحابها على المذهب الشافعي في الفروع، وإن كان التفسير الاعتزالي لم يفقد أصالته في التجديد والجمع كما يوضح كتابنا «التهذيب» وكما يفهم في ثناء العلماء على تفسير القزويني وإعجابهم به، ولكن المعتزلة الذين آل تراثهم وفكرهم إلى الزيدية فقدوا هذه الأصالة في القرون التالية- وليس كذلك حال مجموع أهل السنة- فقد قنع الزيدية في اليمن بالحواشي والتعليقات، وبخاصة على تفسير الكشاف للزمخشري المتوفى سنة ٣٥٨ هـ، وإذا اعتبرنا الزمخشري من أعلام القرن التالي فإن الزيدية أنفسهم لا يعفونه من هذا الحكم لأن بعضهم يتهمه- كما سنرى- بأنه لم يعد في تفسيره أن لخص تفسير مؤلفنا الحاكم ﵀.
أما تفاسير أهل السنة فقد جاءت في القرن الخامس على درجة عالية من النضج بعد تطور مذهب الأشعري واستقراره تقريبا على يد الباقلاني
стр. 62
(ت ٤٠٣) والجويني (ت ٤٧٨)، كما نجد ذلك في التفاسير السابقة وبخاصة تفسير الراغب الأصفهاني. ويفترض الباحث تأثر المفسرين الذين أتوا من بعد بجهود أهل السنة في هذا القرن وأواخر القرن الرابع- وإن كنا لم نلحظ تفاسيره بدقة- إلا أن الدليل على صحة هذا الفرض تحتاج إلى بحث آخر.
٢ - علم الكلام
: وفي علم الكلام نجد الأشاعرة الذين أصبحوا يمثلون عقيدة أهل السنة يقدمون على التصنيف الغزير بعد ما أصابهم من «تحدي» المعتزلة في دولة بني بويه، وما أصابوه من الحظوة لدى السلاجقة، والمتتبع لتصانيفهم في هذا القرن يدرك مدى ما فرغوا أنفسهم له من التصنيف في (أصول الدين) كما سموا بذلك كثيرا من كتبهم التي بسطوا فيها عقيدة أهل السنة، وبينوا فيها موقفهم من أهم آراء الفرق الأخرى، وبخاصة المعتزلة الذين كانوا غالبا ما يناقشونهم مناقشة جزئية. ومن هذه الكتب كتاب (أصول الدين) لأبي منصور البغدادي (ت ٤٢٩) و (أصول الدين) «١» للكيا الهراسي الشافعي (ت ٥٠٤) و (الشامل في أصول الدين) «٢» للجويني (ت ٤٧٨) و (المغني في أصول الدين) «٣» لأبي سعيد المتولي الشافعي (ت ٤٧٨) و (أصول الدين) «٤» للقاضي أبي اليسر البزدوي (ت ٤٩٣) - الذي شرح فيه عقيدة الماتريدية التي كانت تعبر عن رأي أهل السنة في سمرقند وبخارى- وكتاب
стр. 63
(الإشارة إلى مذهب أهل الحق) «١» لأبي إسحاق الفيروزآبادي (ت ٤٧٦) و (التمهيد لقواعد التوحيد) «٢» لأبي المعين النسفي (ت ٥٠٨) وغيرها من الكتب الكثيرة الأخرى التي ذكرت في تراجم الأشاعرة وعامة أهل السنة في (تبيين كذب المفتري) وطبقات السبكي وكتب التراجم والأعلام الأخرى «٣» هذا عدا ما وصلنا من كتب إمام الحرمين «٤» والإمام أبي حامد الغزالي الذي يعد وحده، بعبقريته وإنتاجه الغني عن التعريف، أشهر معالم هذا القرن، وأكبر فيلسوف متكلم في تاريخ الإسلام.
وقد استتبع ذلك: التصنيف في نوعين آخرين من كتب الكلام:
الأول في عقائد سائر الفرق الإسلامية لبيان رجحان مذهب أهل السنة عليها، وتعرض هنا مذاهب الفرق الإسلامية بالتفصيل، كما تصدّر هذه المصنفات أو تختتم بخلاصة عقيدة أهل الحق أو أهل السنة والجماعة.
والنوع الثاني في (الملل والنحل) بعامة. وقد صنف في هذين النوعين البغداديّ،- بالإضافة إلى كتابه السابق في أصول الدين- والأسفراييني (ت ٤٧١) الذي كان يديم النظر في كتب البغدادي فيما يبدو!.
كتب البغداديّ (الفرق بين الفرق) و (الملل والنحل) «٥» وكتب
стр. 64
الأسفراييني (التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين) و (الملل والنحل) «١» أيضا. ثم جاء ابن حزم (ت ٤٥٦) فألف كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) على منهجه الخاص الشامل، وألف الشهرستاني (ت ٥٤٨) فيما بعد كتابه الموضوعي القيم في الملل والنحل.
ويرى الأستاذ آدم متز أن علم مقارنة الملل قد نشأ من قبل، ولكن في هذا القرن أقبل على البحث فيه «بعض المتكلمين الميالين إلى معرفة ما غاب منهم» «٢» ويكتفي بهذا التعليل بعد أن ردّ نشأة هذا العلم إلى تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى. والواقع أن توسع البحث في الملل في هذا القرن أمر طبيعي بعد أن كثرت الكتب في أصول الدين والفرق الإسلامية، وفي الوقت الذي يرى فيه أهل السنة أن كثيرا من آراء هذه الفرق كان متأثرا بالملل القديمة. ويلاحظ آدم متز أن أبا الرّيحان البيروني (ت ٤٤٠) الذي ألف كتابه (تحقيق
стр. 65
ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) في أول القرن الخامس، قد جعله حكاية لمذاهب الهند على وجهها لا كتاب حجاج وجدل، وأنه لذلك لم يناقش الخصوم ولم يتحرج من حكاية كلامهم، ويرى أن هذا مما جعل عقيدة مؤرخي النحل موضعا للشك «١».
[اهم مصنفات المعتزلة في علم الكلام]
أما مصنفات المعتزلة في علم الكلام، فإذا استثنينا منها مصنفات مؤلفنا الحاكم فإننا نجد أن النصف الثاني من هذا القرن يكاد يخلو من أي مصنف لهم فيما وصل إلينا، كما نجد أن أكثر مصنفاتهم يقع في أواخر القرن الرابع وأوائل هذا القرن، أو إلى عام ٤٣٠ تقريبا حيث انقرض تلامذة القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥) الذين توزعوا في الأقطار «٢» وقد كان القاضي لسان المدرسة الجبائية وقلمها ومن أصحاب أبي هاشم بخاصة- ولم يكن القاضي مبتكرا في الكلام أو صاحب مذهب خاص- وقد ورث تلامذة القاضي عن شيخهم عنايته بآراء أبي هاشم، فانتشر على أيديهم مذهبه في الكلام، ومن هنا جاء قول البغدادي إن أكثر معتزلة عصره على مذهب أبي هاشم «٣» وكان أبو هاشم بعد أن انقسم المعتزلة في القرن الثالث إلى فرعين كبيرين- من معتزلة البصرة، وكان أصحاب هذه المدرسة يديمون النظر والبحث في الصفات الإلهية وما يدور حولها، وقد نلحظ أثر ذلك في كتب القاضي وفي كتب تلامذته على حد
стр. 66
سواء. وقد وصلنا من كتب هؤلاء التلاميذ كتاب (التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض) «١» و (التذكرة في علم الكلام) «٢» لأبي محمد الحسن بن أحمد بن متويه، وكتاب (ديوان الأصول) «٣» لأبي رشيد النيسابوري الذي انتهت إليه الرئاسة بعد وفاة القاضي، وقد ابتدأ في هذا الكتاب (بالجواهر والأعراض ثم بالتوحيد والعدل) كما يقول الحاكم «٤» وكتاب (البحث عن أدلة التكفير والتفسيق) لأبي القاسم إسماعيل بن أحمد البستي (ت ٤٢٠) وأمالي الشريف المرتضى (علي بن الحسين ت ٤٣٦) التي
مزج فيها بين التفسير والكلام والأدب. وقد أشار الحاكم في تراجمه لتلاميذ القاضي إلى كتب أخرى لم يصلنا منها شيء، كما أنه كان يكتفي في بعض الأحيان بالقول إن لهم بعض التصانيف «٥».
وخلاصة القول في الكتب الاعتزالية الكلامية في هذا القرن أنها كانت آخر خلاصة المدرسة الجبائية- أو البهشمية- التي لم تلحقها مدرسة أخرى بعد، ويمكن عد مؤلفنا الحاكم- كما سنرى- آخر رجالات هذه المدرسة.
стр. 67
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يراه آدم متز أن علم الكلام- بعامة- قد وقف عن التطور في هذا القرن منذ أن كتب الفقهاء في (الاعتقاد القادري) أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر «١» على الرغم من كثرة كتب أهل السنة- لأنها تكاد تكون نسخا مكررة- فإن هذا القرن يكون قد شهد بحق نهاية تطور علم الكلام.
стр. 68
الباب الأول حياة الحاكم وآثاره
стр. 69
الفصل الأوّل حياة الحاكم
اولا: اسمه ونسبته
١) هو الإمام الحاكم أبو سعد المحسّن بن محمد بن كرّامة الجشمي البيهقي، ينتهي نسبه إلى محمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ «١». ولا تنص بعض المصادر على تشديد اسمه
стр. 70
(المحسّن) كما لا ينص بعضها الآخر على تشديد اسم جده (كرّامة) وهذا وإن كان مما لا يحتج به فإن ما رجحناه هو ما ذهب إليه أصحاب المصادر المتقدمة التي ترجمت له، بالإضافة إلى أن اسم جده ضبط على هذا الوجه على نسخة من تفسيره (التهذيب) كتبت بخط قديم يرجع إلى عصر المؤلف، وعلى نسخة أخرى منه كتبت للفقيه حميد المحلّي الشهيد (ت ٦٥٢) من كبار علماء الزيدية، ومن أقدم المؤرخين وكتاب التراجم عندهم «١».
стр. 71
وتجعل بعض المصادر (كرامة) أباه لا جده، فتقول: (المحسن ابن كرامة) أو «المحسن بن محمد كرامة» والسبب في ذلك فيما يبدو يعود إلى نسبته الكثيرة إلى جده، حتى إن بعض الذين أشاروا إلى كتبه بإيجاز قالوا إنها للحاكم بن كرامة، أو لأبي سعد بن كرامة.
وعمادنا في بيان نسبه المذكور على كل حال إنما هو على (تاريخ بيهق) لابن فندق الذي ترجم فيه لأعيان بيهق، والذي ألفه بعد وفاة الحاكم بأقل من سبعين عاما فقط.
٢) وتضطرب الكتب التي ترجمت للحاكم في نسبته إلى (جشم) أهي نسبة إلى بلدة أم قبيلة؟ فابن فندق (ت ٥٦٥) ينص على أنها نسبة إلى بلدة، فيقول في الحاكم: (المولود بجشم) ويذكر صاحب شرح الأزهار (ت ٨٤٠) - بعد أن قال في نسبته (الجشمي البيهقي) - أن (جشم بلدة من خراسان)، وجرى ياقوت وصاحب القاموس على أن جشم بلدة ببيهق أو من قراها. ولكن يحيى بن حميد (من أعلام القرن العاشر) ويحيى بن الحسين (ت سنة ١١٠٠ تقريبا) يقولان إن جشم قبيلة الحاكم وأن بلده (من نواحي بيهق) أو في نواحيها.
ويذهب إبراهيم بن القاسم (المتوفى سنة ١١٥٠) إلى أن (جشم قبيلة من خراسان). ويكاد هذا القول الأخير أن يكون تصحيفا سببه الاختصار والتلفيق، لأن المصادر السابقة التي اعتمد عليها ابن القاسم لا تزيد على القول بأن جشم قبيلته دون البحث في أصل هذه القبيلة أو النص على أنها من خراسان، ثم إن (جشم) من قبائل العرب، وقد سمّي به حي من جرهم درجوا، وبطن من سعد العشيرة من مذحج، وبطن من جرم قضاعة- من القحطانية- وجشم أيضا بطن من العدنانية،
стр. 72
وفخذ منهم ... الخ، وقد ذكر السمعاني أن (جشم نسبة إلى قبائل منهم جشم الخزرج) - راجع معجم قبائل العرب لكحالة ١/ ١٨٧ - ١٩٠ والأنساب صفحة ١٣٠ - ولا يبعد أن تكون قبيلة من هذه القبائل العربية سكنت خراسان. وربما كان من الراجح أن تكون قد نزلت قرية من قرى (بيهق) فسميت باسمها، فنص ابن القاسم على أن جشم قبيلة من خراسان تحكّم لا لزوم له، ومهما يكن من أمر فلا شك في أن الحاكم من أصل عربي، وأن نسبه يتصل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، كما ذكر ابن فندق، وأن نسبته إلى (بلدة) جشم التي ولد بها، ولذلك نسب إليها وإلى بيهق لأنها الناحية الكبيرة التي تتبع لها جشم- على عادتهم في ذلك- «١».
ثانيا: ولادته ونشأته:
١) ولد الحاكم في بلدة (جشم) في شهر رمضان سنة (٤١٣)، ونشأ بإقليم خراسان. وبالرغم من أن المصادر التي بين أيدينا لا تذكر لنا شيئا عن هذه النشأة إلا أن من الراجح أنه نشأ نشأة كريمة تليق بنسبة ومكانة أسرته، وبخاصة في هذا الإقليم الذي يغلب على أهله
стр. 73
التشيع. ولم يحدثنا هو في ثبت شيوخه أن تلقى شيئا عن أبيه محمد، كما أنه لم ينقل عنه أو يعرض له فيما اطلعنا عليه من كتبه، ولعله لم يصحبه أو صحبه مدة قصيرة، وكتب التراجم على كل حال لا تذكر لنا شيئا عن حال أبيه العلمية سواء صحبه ابنه وتلقى عنه أم لا، في حين تحدثنا عن (محمد) ابن الحاكم، وتذكر أنه روى عن أبيه وعن غيره من العلماء، وأن (سماعه على أبيه) كان سنة (٤٥٢) «١» وفي هذا ما يشير إلى أن الحاكم لم يتأخر في الزواج عن الخامسة والعشرين من عمره.
٢) وقد انتقل الحاكم من بلده جشم وانزعج عن إقليم خراسان كله، لأنه مات بمكة سنة (٤٩٤)، ولكننا لا ندري شيئا عن تاريخ هذا الانتقال وعن الظروف المحيطة به، كما أننا لا ندري هل انتقل إلى غير مكة قبل أن يأوي إليها أم لا؟ ومن المحتمل أن يكون ترك نيسابور في أواسط القرن الخامس عند ما تركها كثير من أعلام المذاهب الأخرى كالجويني والقشيري نتيجة للفتن الشديدة التي حصلت بين الشيعة وأهل السنة هناك «٢»، وأنه لم يعد إليها كما عاد الأشاعرة بعد أن قرّبهم نظام الملك وبنى لهم المدارس الكثيرة في نيسابور- التي وضع على رأسها الجوينى- وغيرها، وأنه فضل البقاء في مكة مجاورا وبعيدا عن الفتن، وبخاصة أن مكة كان فيها كثير من الشرفاء الزيدية- منهم بنو سليمان بن حسن من أهل مكة، الذين ينتسب إليهم ابن وهّاس
стр. 74
(إمام الزيدية بمكة) المتوفى سنة (٥٥٦) «١» - ولكن الذي يبعد هذا سكوت كتب التاريخ وكتب التراجم عنه دون غيره من الأعلام! أو سكوتها عن مجاورته بمكة على الأقل، وبخاصة كتاب (العقد الثمين في أخبار البلد الأمين) الذي ترجم فيه الفاسي (ت ٨٣٢) لأعلام مكة والوافدين عليها والمجاورين بها، ولكل من زارها أو توفي فيها من العلماء والأعلام على مدى ثمانية قرون تقريبا، في الوقت الذي أفاض فيه في ترجمة الزمخشري «٢» - تلميذ الحاكم- وابن وهاس تلميذ الزمخشري.
ثم إن من المستبعد أن يقيم الحاكم بمكة كل هذه المدة الطويلة ثم يموت فيها مقتولا- كما سنرى- ويسكت عنه مثل هذا السكوت! كما أن شهرته في الزيدية لا تبيح لابن
وهاس أن يتتلمذ على الزمخشري دونه، حتى ولو كانت شهرة ابن وهاس كإمام للزيدية بمكة إنما كانت بعد وفاة الحاكم، اللهم إلا أن يكون الحاكم قد دخل مكة خفية- لأن أيدي الجناة كانت وراءه- وهذا يدل على أنه دخل مكة في أواخر حياته لا في أواسط القرن الخامس، وهو احتمال سنعرض له عند الحديث على موته ﵀.
والذي نرجحه أنه لم ينزعج عن بلده إلا في أواخر حياته، سواء أقام بغير مكة أم لم يقيم، والدليل على ذلك أن الزمخشري قد تلقى عنه- كما سنرى في ثبت تلاميذه- والزمخشري ولد سنة (٤٦٧) ولم يجاور بمكة إلا بعد وفاة الحاكم- على الأرجح- لأن صاحب العقد الثمين يقول في ترجمة الزمخشري: «ودخل بغداد قبل سنة خمسمائة،
стр. 75
وسمع فيها من أبي الخطاب نصر بن البطر وغيره، وتوجه إلى الحجاز فأقام هنا لك مدة مجاورا بمكة يفيد ويستفيد» «١»، فقوله «قبل سنة خمسمائة» يدل على أن دخوله بغداد كان على أبعد الفروض ما بين (٤٩٥ - ٥٠٠) كما تدل باقي عبارته على أنه مكث مدة ببغداد سمع فيها من بعض العلماء ثم توجه الى مكة- وإن لم تكن الواو تقتضي الترتيب- وربما لم يدخلها، لذلك، إلا على رأس الخمسمائة. ومما يؤكد أن سفره إلى مكة كان بعد دخوله بغداد، أنه أقام بمكة «مدة مديدة يفيد ويستفيد» - وكل هذا بعيد عن طالب يدخل البلاد للسماع على العلماء- وأن رجوعه بعد ذلك إلى خوارزم- بلده- إنما كان من مكة ولم يكن من بغداد «٢». وكل هذا يدل على أن الزمخشري دخل مكة بعد وفاة الحاكم بها، وإذن فقد كانت تلمذته عليه في غير مكة، والراجح أنها كانت في جشم أو بيهق أو حيث كان يقيم الحاكم في إقليم نيسابور ويسعى إليه الطلاب، ومثل هذه الرحلة التي يقوم بها الزمخشري من قريته بخوارزم إلى بيهق ليست مما يلفت نظر المؤرخ، وبخاصة أن الزمخشري كان لا يزال طالبا صغيرا يسعى على طلب العلم في إقليمه الغني الواسع، فلو فرضنا أنه رحل- أو انتقل بتعبير أدق- وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره- مثلا- لكان قد لقي الحاكم سنة (٤٨٢) وقرأ عليه مدة تبيح للمؤرخ أن يقول في ترجمة الحاكم: «وهو أستاذ العلامة الزمخشري» «٣»