وتجعل بعض المصادر (كرامة) أباه لا جده، فتقول: (المحسن ابن كرامة) أو «المحسن بن محمد كرامة» والسبب في ذلك فيما يبدو يعود إلى نسبته الكثيرة إلى جده، حتى إن بعض الذين أشاروا إلى كتبه بإيجاز قالوا إنها للحاكم بن كرامة، أو لأبي سعد بن كرامة.
وعمادنا في بيان نسبه المذكور على كل حال إنما هو على (تاريخ بيهق) لابن فندق الذي ترجم فيه لأعيان بيهق، والذي ألفه بعد وفاة الحاكم بأقل من سبعين عاما فقط.
٢) وتضطرب الكتب التي ترجمت للحاكم في نسبته إلى (جشم) أهي نسبة إلى بلدة أم قبيلة؟ فابن فندق (ت ٥٦٥) ينص على أنها نسبة إلى بلدة، فيقول في الحاكم: (المولود بجشم) ويذكر صاحب شرح الأزهار (ت ٨٤٠) - بعد أن قال في نسبته (الجشمي البيهقي) - أن (جشم بلدة من خراسان)، وجرى ياقوت وصاحب القاموس على أن جشم بلدة ببيهق أو من قراها. ولكن يحيى بن حميد (من أعلام القرن العاشر) ويحيى بن الحسين (ت سنة ١١٠٠ تقريبا) يقولان إن جشم قبيلة الحاكم وأن بلده (من نواحي بيهق) أو في نواحيها.
ويذهب إبراهيم بن القاسم (المتوفى سنة ١١٥٠) إلى أن (جشم قبيلة من خراسان). ويكاد هذا القول الأخير أن يكون تصحيفا سببه الاختصار والتلفيق، لأن المصادر السابقة التي اعتمد عليها ابن القاسم لا تزيد على القول بأن جشم قبيلته دون البحث في أصل هذه القبيلة أو النص على أنها من خراسان، ثم إن (جشم) من قبائل العرب، وقد سمّي به حي من جرهم درجوا، وبطن من سعد العشيرة من مذحج، وبطن من جرم قضاعة- من القحطانية- وجشم أيضا بطن من العدنانية،
стр. 72
وفخذ منهم ... الخ، وقد ذكر السمعاني أن (جشم نسبة إلى قبائل منهم جشم الخزرج) - راجع معجم قبائل العرب لكحالة ١/ ١٨٧ - ١٩٠ والأنساب صفحة ١٣٠ - ولا يبعد أن تكون قبيلة من هذه القبائل العربية سكنت خراسان. وربما كان من الراجح أن تكون قد نزلت قرية من قرى (بيهق) فسميت باسمها، فنص ابن القاسم على أن جشم قبيلة من خراسان تحكّم لا لزوم له، ومهما يكن من أمر فلا شك في أن الحاكم من أصل عربي، وأن نسبه يتصل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، كما ذكر ابن فندق، وأن نسبته إلى (بلدة) جشم التي ولد بها، ولذلك نسب إليها وإلى بيهق لأنها الناحية الكبيرة التي تتبع لها جشم- على عادتهم في ذلك- «١».
ثانيا: ولادته ونشأته:
١) ولد الحاكم في بلدة (جشم) في شهر رمضان سنة (٤١٣)، ونشأ بإقليم خراسان. وبالرغم من أن المصادر التي بين أيدينا لا تذكر لنا شيئا عن هذه النشأة إلا أن من الراجح أنه نشأ نشأة كريمة تليق بنسبة ومكانة أسرته، وبخاصة في هذا الإقليم الذي يغلب على أهله
стр. 73
التشيع. ولم يحدثنا هو في ثبت شيوخه أن تلقى شيئا عن أبيه محمد، كما أنه لم ينقل عنه أو يعرض له فيما اطلعنا عليه من كتبه، ولعله لم يصحبه أو صحبه مدة قصيرة، وكتب التراجم على كل حال لا تذكر لنا شيئا عن حال أبيه العلمية سواء صحبه ابنه وتلقى عنه أم لا، في حين تحدثنا عن (محمد) ابن الحاكم، وتذكر أنه روى عن أبيه وعن غيره من العلماء، وأن (سماعه على أبيه) كان سنة (٤٥٢) «١» وفي هذا ما يشير إلى أن الحاكم لم يتأخر في الزواج عن الخامسة والعشرين من عمره.
٢) وقد انتقل الحاكم من بلده جشم وانزعج عن إقليم خراسان كله، لأنه مات بمكة سنة (٤٩٤)، ولكننا لا ندري شيئا عن تاريخ هذا الانتقال وعن الظروف المحيطة به، كما أننا لا ندري هل انتقل إلى غير مكة قبل أن يأوي إليها أم لا؟ ومن المحتمل أن يكون ترك نيسابور في أواسط القرن الخامس عند ما تركها كثير من أعلام المذاهب الأخرى كالجويني والقشيري نتيجة للفتن الشديدة التي حصلت بين الشيعة وأهل السنة هناك «٢»، وأنه لم يعد إليها كما عاد الأشاعرة بعد أن قرّبهم نظام الملك وبنى لهم المدارس الكثيرة في نيسابور- التي وضع على رأسها الجوينى- وغيرها، وأنه فضل البقاء في مكة مجاورا وبعيدا عن الفتن، وبخاصة أن مكة كان فيها كثير من الشرفاء الزيدية- منهم بنو سليمان بن حسن من أهل مكة، الذين ينتسب إليهم ابن وهّاس
стр. 74
(إمام الزيدية بمكة) المتوفى سنة (٥٥٦) «١» - ولكن الذي يبعد هذا سكوت كتب التاريخ وكتب التراجم عنه دون غيره من الأعلام! أو سكوتها عن مجاورته بمكة على الأقل، وبخاصة كتاب (العقد الثمين في أخبار البلد الأمين) الذي ترجم فيه الفاسي (ت ٨٣٢) لأعلام مكة والوافدين عليها والمجاورين بها، ولكل من زارها أو توفي فيها من العلماء والأعلام على مدى ثمانية قرون تقريبا، في الوقت الذي أفاض فيه في ترجمة الزمخشري «٢» - تلميذ الحاكم- وابن وهاس تلميذ الزمخشري.
ثم إن من المستبعد أن يقيم الحاكم بمكة كل هذه المدة الطويلة ثم يموت فيها مقتولا- كما سنرى- ويسكت عنه مثل هذا السكوت! كما أن شهرته في الزيدية لا تبيح لابن
وهاس أن يتتلمذ على الزمخشري دونه، حتى ولو كانت شهرة ابن وهاس كإمام للزيدية بمكة إنما كانت بعد وفاة الحاكم، اللهم إلا أن يكون الحاكم قد دخل مكة خفية- لأن أيدي الجناة كانت وراءه- وهذا يدل على أنه دخل مكة في أواخر حياته لا في أواسط القرن الخامس، وهو احتمال سنعرض له عند الحديث على موته ﵀.
والذي نرجحه أنه لم ينزعج عن بلده إلا في أواخر حياته، سواء أقام بغير مكة أم لم يقيم، والدليل على ذلك أن الزمخشري قد تلقى عنه- كما سنرى في ثبت تلاميذه- والزمخشري ولد سنة (٤٦٧) ولم يجاور بمكة إلا بعد وفاة الحاكم- على الأرجح- لأن صاحب العقد الثمين يقول في ترجمة الزمخشري: «ودخل بغداد قبل سنة خمسمائة،
стр. 75
وسمع فيها من أبي الخطاب نصر بن البطر وغيره، وتوجه إلى الحجاز فأقام هنا لك مدة مجاورا بمكة يفيد ويستفيد» «١»، فقوله «قبل سنة خمسمائة» يدل على أن دخوله بغداد كان على أبعد الفروض ما بين (٤٩٥ - ٥٠٠) كما تدل باقي عبارته على أنه مكث مدة ببغداد سمع فيها من بعض العلماء ثم توجه الى مكة- وإن لم تكن الواو تقتضي الترتيب- وربما لم يدخلها، لذلك، إلا على رأس الخمسمائة. ومما يؤكد أن سفره إلى مكة كان بعد دخوله بغداد، أنه أقام بمكة «مدة مديدة يفيد ويستفيد» - وكل هذا بعيد عن طالب يدخل البلاد للسماع على العلماء- وأن رجوعه بعد ذلك إلى خوارزم- بلده- إنما كان من مكة ولم يكن من بغداد «٢». وكل هذا يدل على أن الزمخشري دخل مكة بعد وفاة الحاكم بها، وإذن فقد كانت تلمذته عليه في غير مكة، والراجح أنها كانت في جشم أو بيهق أو حيث كان يقيم الحاكم في إقليم نيسابور ويسعى إليه الطلاب، ومثل هذه الرحلة التي يقوم بها الزمخشري من قريته بخوارزم إلى بيهق ليست مما يلفت نظر المؤرخ، وبخاصة أن الزمخشري كان لا يزال طالبا صغيرا يسعى على طلب العلم في إقليمه الغني الواسع، فلو فرضنا أنه رحل- أو انتقل بتعبير أدق- وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره- مثلا- لكان قد لقي الحاكم سنة (٤٨٢) وقرأ عليه مدة تبيح للمؤرخ أن يقول في ترجمة الحاكم: «وهو أستاذ العلامة الزمخشري» «٣»
стр. 76
ومما يرجح هذا الانتقال للزمخشري- الطالب الخوارزمي- أننا نجد في ثبت تلامذة الحاكم بعض الخوارزميين الآخرين.
ويرجح ما ذهبنا إليه أيضا أن أحد القضاة باليمن- قاضي بلدة صعدة- قد رحل إلى الحاكم ليتلقى عنه في سنة (٤٨١) «١» ويكتفي مؤرخو الزيدية ببيان موطن الحاكم في بيهق، وأن قاضي صعدة قد رحل إليه، ولو أن قاضيهم رحل إلى الحاكم في عير بلده أو موطنه لما جهلوا ذلك- على الأرجح- ولما امتنعوا عن ذكره، وفي هذا ما يدل- من جهة أخرى- على أن قصد الحاكم من (خوارزم) جدّ طبيعي، وأنه قد بعد صوته وكثر تلامذته والراحلون إليه في موطنه الذي نرجح- لهذا كله- أنه لم ينزعج عنه إلا في أواخر حياته، والحديث- مرة أخرى- في أسباب إهمال ذكره لدى أكثر المؤرخين، وفي أي عام كانت رحلته إلى مكة على وجه التقريب، يفضي بنا للحديث عن موته وعن الظروف التي أحاطت به.
ثالثا: وفاته
مات ﵀ مقتولا بمكة المكرمة في الثالث من شهر رجب سنة (٤٩٤) «٢» وله من العمر واحد وثمانون عاما، وقد حدد صاحب
стр. 77
نزهة الأنظار عمره حين قتل- في حساب طريف لا مجال فيه للتصحيف- بإحدى وستين سنة، فقال فيه: «المقتول بمكة في شهر رجب سنة ٤٩٤ وكان مبلغ عمره إحدى وستين، وكان مولده في شهر رمضان الكريم سنة ٤١٣» «١» وذهب إلى هذا التحديد أيضا أبو الرجال الصنعاني، إلا أن أبا الرجال يحدد تاريخ وفاته سنة (٥٤٥) «٢» - وقد أهمل بالطبع تاريخ ميلاده- وهو التاريخ الذي حكاه ابن القاسم عن بعضهم وحكم بخطئه، والواقع أنه وهم محض لأنه تاريخ وفاة رجل آخر يدعى (الفضل بن الحاكم) حتى إن بعضهم قد توهم أيضا فجعله تاريخ (محمد ابن الحاكم) الذي أشرنا إليه، وإن كان الوهم هنا أقرب، وقد توفي محمد المذكور سنة (٥١٨) كما سيأتي تحقيقه.
وكل المصادر مجمعة على أنه «قتل بمكة غيلة» أو قتل فيها شهيدا، ويدور سبب قتله- فيما ترويه هذه المصادر- حول رسالة له طعن فيها على المجبّرة وجعلهم فيها من
أتباع إبليس، قال صاحب نزهة الأنظار:
«وكان قتله بسبب ما قاله في العدل والتوحيد وحب أهل البيت في رسالته الموسومة: من أبي مرة إلى إخوانه المجبرة» وقال صاحب مطلع البدور: «واتهم بقتله أخواله وجماعة من الجبرية بسبب رسالته المسماة برسالة الشيخ أبي مرة» «٣» وكأن يحيى بن حميد يجعل سبب قتله اعتزاله،
стр. 78
أو مغالاته في الاعتزال وحب أهل البيت الذي أودعه في رسالته عن الجبرية، والواقع أن الاعتزال وحب أهل البيت مهما اشتط فيهما المرء ما عرفا سببا لانتقام فردي أو خاص وإن أثارا من الفتن العامة ما أثارا. ثم إن ما قاله الحاكم في العدل والتوحيد وحب أهل البيت قاله في سائر كتبه المطولة فلا معنى للحديث عنهما في هذه الرسالة، أو تخصيصها بهما وجعلها إطارا لموضوعاته العامة الأخرى، بل إن الذي يدل عليه عنوان الرسالة- التي سميت أيضا برسالة إبليس إلى المجبرة- هو أنه جعلها إطارا لموضوع رئيسي خاص على خلاف قول ابن حميد- هو الرد على الجبرية في مسألة خلق الأفعال أولا، وما يتبع ذلك- أو يتقدمه- من أن صحة التكليف مرهونة بالاختيار، وأن الحساب والعقاب منوطان به أيضا ... إلى ما هنالك من هذه الأمور، وهذا لا يمنع أنه كان يصدر في هذه الردود والمناقشات عن مذهبه في العدل والتوحيد الذي بثه في كل كتبه، بل هو الباعث له على التأليف في الحقيقة، ولكنه لم يكن الباعث على قتله أو السبب المباشر له، ومن هنا كانت عبارة أبي الرجال الصنعاني أدق وان يكن قد أضاف الى المجبرة أخواله أيضا، وجعل الباعث للجميع على قتله الرسالة المذكورة، وهذا يدل على أن أخواله كانوا من المجبرة أو من المنتصرين لهم، وان مما يبعد أن يقدموا على قتله لحبه أهل البيت وهم يمتون اليهم بسبب!
ويتردد الباحث في قبول مثل هذا السبب للإقدام على قتل شيخ جاوز الثمانين مهما قيل في مغالاته في عداء الجبرية أو لدده في خصومته التي لا ننكر ظهورها في كتبه مع أعدائه ومخالفيه، وبخاصة الجبرية «١» وقد
стр. 79
بحثت طويلا عن أسباب أخرى، وبخاصة الأسباب السياسية ولكنني لم أقف على شيء، وقد وجدت أن ثناءه على الامام المرشد بالله كان عظيما كما أشرت الى ذلك في الحديث عن الزيدية، وأن من الراجح ألا يمتنع عن مبايعته عند خروجه سنة ٤٩١ ودعوته لنفسه، أو عن عدّه في «الأئمة» في كتابه (السفينة) الذي جعل قسما منه لأئمة الزيدية، واختلف فيه مع كثير من مؤرخيهم في عد بعض دعاتهم من الأئمة.
ويبقى السبب الذي أشارت اليه المصادر السابقة قائما معتبرا، وله ما يدعمه من شدته- ﵀ على المخالفين، وإن من المؤسف حقا أن الرسالة المذكورة لم تصلنا، ولقد كان من الممكن أن توضح قيمة هذا السبب ومدى أهميته- أو جديته- في هذه الواقعة المؤلمة، كما أنها ربما ألقت ضوءا كافيا على انتقاله الى مكة، وبخاصة اذا كانت من أواخر ما كتب أو آخر ما كتب، ولعلها كذلك، لأنه لم يشر اليها فيما اطلعنا عليه من كتبه الكثيرة الهامة، ولأنه قد قتل بسببها فكأنه لم يمهل حتى يكتب أو يؤلف! وإذن فمن الممكن أن يكون جمع فيها خلاصة طعونه المتفرقة والشديدة على المجبرة بعامة، وسلكهم في الفئات الطاغية الكفرية، وجعلهم من
стр. 80
أتباع إبليس ومن تلامذته، ووضع على هذه الرسالة ذلك العنوان الصارخ فأثار ثائرتهم فطلبوه فانزعج إلى مكة، ولذلك لم يدخلها دخولا يتناسب مع شهرته وكثرة تلامذته فوافوه بها فاغتالوه! وكانت الأحداث السياسية في مكة وغيرها في هذا العام- ٤٩٤ - أبعد من أن تحفظ ذكر شيخ يتجاوز الثمانين يغتال في طرف من أطراف مكة، أو أن تحفظ له قبرا مع قبور المقدمين والرؤساء «١».
رابعا: شيوخه:
تتلمذ الحاكم على رءوس العلماء المشهورين في عصره، وأكثر من الأخذ عن المعتزلة تلامذة القاضي عبد الجبار ومن أخذ عنهم، أو «عن أهل العدل» كما يسميهم دائما. وبالرغم من كثرة شيوخه الذين تلقى عنهم وتعرضه لأكثرهم في الفصل الذي عقده في كتابه (شرح عيون المسائل) لمن أدركه من أهل العدل- وتعرض كتب الطبقات لسائرهم- فإن من الواضح أن المقدمين من هؤلاء الشيوخ كانوا ثلاثة هم:
١) الشيخ أبو حامد أحمد بن محمد بن إسحاق النجاري النيسابوري
стр. 81
المتوفى سنة ٤٣٣ «١» وهو أول شيوخه وأبعدهم أثرا في ثقافته وفكره، قرأ عليه الكلام وأصول الفقه، وقد اختلف إليه في أول عهده بطلب العلم في سن مبكرة لأن صاحب شرح الأزهار يقول: «وقد أكثر من الرواية عن الشيخ أبي حامد» «٢» ولم يكن عمره مع ذلك يتجاوز العشرين حين مات شيخه. قال الحاكم: «أول من لقيناه من مشايخ أهل العدل وأخذنا عنه شيخنا أبو حامد أحمد بن محمد بن إسحاق ﵀، وكان قرأ على قاضي القضاة، فقرأت عليه صدرا من لطيف الكلام وجليله ومن أصول الفقه .. وكان يجمع بين كلام المعتزلة وفقه أبي حنيفة ورواية الحديث ومعرفة التفسير والقرآن، وكان زاهدا لم يحظ من الدنيا بشيء» «٣» ويبدو أنه لم يختلف طيلة حياة شيخه أبي حامد إلى أحد سواه.
٢) الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله، نيسابوري الأصل بيهقي الوطن، المتوفى سنة ٤٥٧ وقد اختلف إليه الحاكم بعد وفاة شيخه أبي حامد سنة ٤٣٣، وكان أبو الحسن قرأ على السيد أبي طالب يحيى ابن الحسين المتوفى سنة ٤٢٤ - من تلامذة القاضي عبد الجبار- فقرأ عليه الحاكم «شيئا من الكلام وأصول الفقه والتفسير» وكان من المعجبين
стр. 82
بفضله وخطابته «١».
٣) الشيخ الامام أبو محمد عبد الله بن الحسين الناصحي قاضي القضاة المتوفى ٤٤٧، قال الحاكم: «واختلفت إليه سنة أربع وثلاثين وأربعمائة» أي بعد وفاة شيخه أبي حامد، وكأنه اختلف إلى مجلس شيخيه أبي الحسن وأبي محمد في وقت واحد. وكان الامام أبو محمد من أئمة أصحاب أبي حنيفة «وكان لا يخالف أهل العدل إلا في الوعيد»
قال الحاكم: «فقرأت عليه أصول محمد بن الحسن والجامع والزيادات ومسائل الحساب» «٢».
أما سائر شيوخه فكان أخذه عنهم دون هؤلاء الثلاثة، وفي الفصل الذي عقده لمن «أدركه من أهل العدل» ذكر كثيرا من الشيوخ الآخرين ولكنه لم يصرح بأنه اختلف إليهم أو أخذ عنهم، وإنما اكتفى بالقول بأنه قد لقيهم وإن كان قد روى عن بعضهم في كتبه، كما أن ابن القاسم في طبقات الزيدية عد بعضهم الآخر ممن قرأ عليهم، وأضاف إليهم بعض الشيوخ الآخرين. ويبدو أنه لا نزاع في أنه قرأ على اثنين من الشرفاء هما:
стр. 83
٤) أبو القاسم محمد بن أحمد بن مهدي الحسني، وكان زيديا ممن أخذ عن السيد الامام أبي طالب أيضا.
٥) وأبو البركات هبة الله بن محمد الحسني الذي كان يميل إلى الزيدية.
كما أن من الراجح أن يكون قد قرأ أيضا على:
٦) الشيخ أبي الحسن علي بن الحسن الذي وصفه بأنه «حسنة خراسان، وفرد العصر، وإمام زمانه، والمبرّز في العلوم، والمقدّم في أصحاب أبي حنيفة، والداعي إلى التوحيد والعدل بالقول والفعل» وعلى:
٧) الشيخ أبي حازم سعد بن الحسين.
٨) والقاضي أبي عبد الله اسماعيل بن منصور الحرفي.
٩) وأبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي في نيسابور.
١٠) وأبي محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني «١».
والحاكم، بعد، يجري على سنن القاضي عبد الجبار في نعت كل من أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، بشيخه- أي في المذهب- فيقول:
قال شيخنا أبو علي، وقال شيخنا أبو هاشم، أو يقول: اختلف شيخانا ...
وكثيرا ما ينقل آراء أبي هاشم عن القاضي مباشرة معرضا عن أي سند فيقول: قال القاضي قال أبو هاشم «٢».
стр. 84
خامسا: تلامذته:
قال ابن القاسم: «وتلامذته كثير»، ولكنه لم يذكر منهم سوى:
١) أحمد بن محمد بن إسحاق الخوارزمي.
٢) وعلي بن زيد الروقني «٣».
٣) ومحمد بن المحسن- ولد الحاكم- الذي سمع عن أبيه سنة اثنين وخمسين وأربعمائة «١».
٤) وجار الله الزمخشري، كما ينقل ذلك عن القاضي الحافظ.
والواقع أننا لا نظفر هنا بمعلومات كبيرة عن تلامذة الحاكم، بخلاف شيوخه، لأنه هو- كما سنرى- مؤرخ الزيدية والمعتزلة وكاتب طبقاتهم، وقد انقضى من بعده وقت طويل حتى كتب الزيدية تراجم أئمتهم وعلمائهم، في حين بقيت طبقات المعتزلة كما تركها الحاكم- أو كما أكملها- لم يعرض لها أحد، وإن كان الذي يبدو أن ابنه محمدا والإمام الزمخشري
стр. 85
كان لهما دور كبير في نشر كتبه وإجازة الطلبة بها، جاء في طبقات الزيدية أن «محمد بن المحسن بن كرامة الجشمي، العلامة، قرأ على أبيه تفسيره المعروف بتهذيب الحاكم جميعه، وكتاب جلاء الأبصار وغير ذلك، وأخذ عنه التفسير أبو جعفر الديلمي مناولة للجزء الثاني وإجازة لسائر الأجزاء، وأحمد بن محمد الخوارزمي تلميذ والده .. » «١» كما أن القاضي شمس الدين جعفر بن عبد السلام (ت ٥٧٣) سمع كتاب (التهذيب في التفسير) للحاكم علي الديلمي وأخذ منه إجازة ببقية كتب الحاكم، وسمع (جلاء الأبصار) للحاكم- مع كتب أخرى له- على ابن وهاس تلميذ الزمخشري «٢».
سادسا: عقيدته ومذهبه
١) لا يختلف المترجمون له في أنه كان حنفيا ثم انتقل إلى مذهب الزيدية وإن لم يحدّد أحد منهم تاريخ هذا الانتقال، وقد رأينا في ثبت شيوخه أن أولهم- أبا حامد- كان حنفي المذهب، وأنه اختلف من بعده- وقد جاوز العشرين من عمره- إلى الإمام أبي محمد قاضي
стр. 86
قضاة الحنفية، وأنه قرأ عليه كتب ظاهر الرواية، ولا شك أن قراءتها يحتاج إلى زمن غير قليل، فانتقاله عن المذهب الحنفي- فيما يبدو- لم يكن في سن مبكرة أو في سن الطلب على الأقل. بل لعل ذلك إنما كان بعد أن اشتهر وعرفت آراؤه في المذهب، نظرا لشهرة هذا الانتقال بين الفقهاء، ولتعرضهم له في بعض مسائل الفقه، قال الفقيه العلامة سليمان الصعدي، في كتاب له اسمه «التذكرة» في باب الأطعمة والأشربة، عند ذكر المثلّث من الخمر: «وكان المحسّن بن كرامة الجشمي حنفي المذهب عدليّ الاعتقاد، ثم إنه رجع إلى مذهب الزيدية والشيعة، روى ذلك عنه صاحب التمهيد من بني خنش رحمه الله تعالى، ورواه أيضا محمد بن أحمد القرشي ... » «١» ولكن شهرته في الزيدية بعد قد غطت على «أصله» الحنفي، وبخاصة بعد أن كتب في فقه الزيدية- فيما يبدو- كثيرا من الكتب، والحنفية على كل حال لم يترجموا له في طبقاتهم على أي اعتبار.
٢) أما في أصول الاعتقاد فهو معتزلي لم يزل، وقد كان شيوخه ممن أخذ عن القاضي عبد الجبار أو من هو في طبقته، وكان القاضي- كما أشرنا- من أتباع المدرسة الجبائية ومن أشياع أبي هاشم بخاصة، ومن هنا جاء انتساب الحاكم إلى معتزلة البصرة- الفرع الذي بقي أقوى أثرا وأبعد صوتا- ولأبي هاشم الذي أكثر من النقل عنه بعبارة «قال شيخنا أبو هاشم» وللقاضي عبد الجبار الذي كان شديد الاعجاب به وبعلمه وكتبه وطريقته في التدريس حتى قال فيه: «وليس تحضرني عبارة
стр. 87
تنبئ عن محله في الفضل وعلوّ منزلته في العلم فإنه الذي فتق الكلام ونشره، ووضع فيه الكتب الكثيرة الجليلة التي سارت بها الركبان وبلغت المشرق والمغرب، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله ... » «١»
فإذا علمنا أن كتب القاضي ﵀ إنما حوت آراء أبي علي وأبي هاشم، وأن انتصار القاضي في الأغلب كان لأبي هاشم أدركنا منزع قول الحاكم: «وقد صار العدد والعلم والانتساب إلى الاعتزال لأصحاب أبي هاشم، وصار كالأصل لكثرة أصحابه ووفور علمه وصحة مذاهبه» «٢» ورجحنا بذلك انتسابه لأبي هاشم.
بل يمكننا أن نرجح هنا أنه كان من أشهر رجالات المدرسة الجبائية بعد القاضي عبد الجبار بما خلفه من تراث كبير، وبما تركه هذا التراث من أثر واضح في الزيدية المعتزلة الذين بقوا يحكمون اليمن، وبقوا على صلتهم بكتبه إلى العهد الحاضر، ولعله- فوق ذلك- خاتمة هذه المدرسة كما يشير إلى ذلك مؤرخو الزيدية حيث يختمون به (طبقات المعتزلة) - التي شارك هو في كتابتها- فيقول يحيى بن حميد- من أعلام القرن العاشر- بعد أن استعرض هذه الطبقات: «ولنختم ذكر العدلية برأسهم
стр. 88
وناصر مذاهبهم بما هو القاطع القاصم المحسن الحاكم بن كرامة ... » «١».
٣) وبعد، فإن مذهب الزيدية الكلامي هو الاعتزال، ولا يختلف الزيدية عن المعتزلة في الأصول إلا في مسألة الامامة «٢» - وهي في الأصل مسألة فقهية يشيرون إليها في الأصول لأهميتها- قال الحاكم: «ومن أصحابنا البغدادية من يقول: نحن الزيدية، لأنهم كانوا مع أئمة الزيدية والمبايعين لهم والمجاهدين تحت راياتهم، ولاختلاطهم قديما وحديثا، ولاتفاقهم في المذهب» «٣» وقد ارتقى أيضا بسند المعتزلة من شيوخه حتى انتهى به إلى علي بن أبي طالب «٤» ونقل عن أبي علي الجبائي أنه همّ أن يجمع
стр. 89
بين المعتزلة والشيعة بالعسكر، وقال قد وافقونا في التوحيد والعدل وإنما خلافنا في الإمامة «١».
بل إن الحاكم يطلق القول بأن جميع أهل العترة عدليون إلا القليل، وبأنه «لا شبهة أن المعتزلة هم الشيعة لا تباعهم أمير المؤمنين وأهل بيته في كل عصر وحين، واتفاقهم في مذاهبهم» «٢».
وقد جعل أبو الحسين الملطي الفرقة الرابعة من الزيدية (معتزلة بغداد) «٣» وذكر أن المعتزلة «كانوا من أصحاب علي» وأن هذه التسمية- معتزلة- لزمتهم لاعتزالهم الحسن ومعاوية وجميع الناس احتجاجا على مبايعة الحسن لمعاوية «٤» الذي أجمعوا على البراءة منه ومن عمرو بن العاص ومن كان في شقهما «٥».
وليس هذا بغريب إذا كان الاعتزال- أو العدل- إنما ظهر على يد «فضلاء العترة»، وأن «واصلا» أخذه عنهم، كما يقول مصنفنا الحاكم ﵀ «٦»، والنصوص في ذلك كثيرة، وتاريخ المعتزلة مع
стр. 90
الشيعة عموما شديد التداخل، وذلك يعود إلى أسباب كثيرة وقديمة لا مجال هنا لاستعراضها «١» مع تلك النصوص.
رأي الزيدية في الإمامة
والذي نود أن نعرض له هنا: الإشارة إلى رأي الزيدية في الإمامة وبعض المسائل الهامة المتصلة بها، في سبيل توضيح بعض الجوانب في عقيدة الحاكم، وبيان مدى اعتداله في آرائه وأحكامه:
يرى الزيدية أن الإمام بعد النبي ﷺ : علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم زيد بن علي، ثم من سار بسيرتهم من أولاد فاطمة ﵍ لا فرق في ذلك بين أولاد الحسن وأولاد الحسين، ولكنهم لم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم «٢» والطريق إلى الإمامة عندهم (النص) في الأئمة الثلاثة الأول، والدعوة والخروج في الباقي «٣» ولذلك فإنهم لم يعتقدوا إمامة علي زين العابدين لأنه لم يشهر سيفه في منابذة الظلمة. وهم بذلك يختلفون عن الشيعة الامامية الذين نصوا على إمامة علي زين العابدين
стр. 91
وجعلوا الامامة بعده في جعفر الصادق إلى اثني عشر إماما «١» ويختلفون كذلك عن المعتزلة الذين جعلوا الطريق إلى الامامة «العقد والاختيار» ونصوا على أن الامام بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي «ثم من اختارته الأمة وعقدت له ممن تخلّق بأخلاقهم وسار بسيرتهم» قال معلق شرح الأصول: «ولهذا تراهم يعتقدون إمامة عمر بن عبد العزيز لما سلك طريقهم» «٢».
وهناك نقطتان رئيسيتان في موضوع الإمامة عند الزيدية: الأولى: أنهم جوزوا خروج إمامين في قطرين يجمع كل منهما خصال الإمامة ويكون واجب الطاعة.
والثانية: أنهم جوزوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل «٣» وهذا فيما يبدو أثر من آثار إنكارهم وجود النص على الإمام في غير الأئمة الثلاثة، وورع من الإمام زيد ﵁ في الشيخين، وموقف عملي سبق إليه
стр. 92
جدّه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ فحين سئل الإمام زيد ممن رأيه في أبي بكر وعمر ﵄، من قبل الخارجين معه بالكوفة حين اشتد القتال مع عامل هشام بن عبد الملك، أثنى عليهما خيرا وقال:
أثنى عليهما جدّي وقال فيهما حسنا، وإنما خروجي على بني أمية الذين قاتلوا جدي عليا وقتلوا جدي حسينا، فانفضوا عنه ورفضوه لهذا القول فسموا رافضة، وقاتل بمن بقي معه منهم، الذين دعوا بالزيدية، حتى أتى القتل عليهم جميعا «١» وبالرغم من أن بعض فرق الزيدية بعد قد ادعت النص، وخاض منهم من خاض في الشيخين ﵄، وشوّهوا آراء الامام زيد- وبقوا مع ذلك ينتسبون إلى الزيدية أو ينسبون إليهم «٢» - فإن
стр. 93
مصنفنا الحاكم ﵀ لم يتجاوز آراء الامام زيد، فأفاض في احترام الشيخين والثناء عليهما «١» وأنكر أن يعدّ من الزيدية أصلا من يقول بالرجعة
стр. 94
أو بأي رأي ثنوي آخر «١».
ونجده في كتابه «التأثير والمؤثر» يعقد فصلا خاصا لموضوع الامامة، تحت عنوان: «فصل في الامام» يبين فيه عن رأيه في
стр. 95
هذا الموضوع الهام، قال: «الامامة رئاسة عامة. ولا يجب إقامته- أي الامام- عقلا وإنما هو من فروض الكفايات لإجماع الصحابة على ذلك، ولإقامة الحدود التي أوجبها الله تعالى، ولا يقوم بها كل أحد. وقد يجب نصب الرئيس إذا غلب على ظنهم أن الضرر لا يندفع إلا به، ولا يجب نصبه لمعرفة شكر نعمة الله تعالى، ولا يحتاج إليه ليعلم الدين من أصول التوحيد والعدل والشرائع، ولا حفظها، لأن كل ذلك محفوظ مع عدم الامام، وإنما يحتاج إليه لأمور شرعية، كإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وجباية الأموال ووضعها في مصارفها، ونصب القضاة والأمراء ونحو ذلك.
وتجب إقامته إذا أمكن. ولا بد للإمامة من طريق، ولم يوجد نص من الله تعالى ولا من رسوله على أحد فليس النص بطريق لها، وكذلك المعجز ليس طريق الامامة، وكذلك الخروج بالسيف أو الدعاء إلى النفس، وكذلك الوراثة، وإنما طريقها الاختيار.
«ولما كانت الامامة أمرا شرعيا كانت شرائطها مأخوذة من الشرع، فمن شرائطه- الإمام- العلم بالشرع حتى يمكنه تنفيذ الأحكام، والعلم بتدبير الحروب ونحوه ليمكنه القيام به ومنها الأمانة فيكون عدلا مؤتمنا على الأموال والفروج. ومنها أن يكون أفضل أو كالأفضل، ولا يجوز إمامة المفضول إلا لعذر، وعند الأعذار يجوز. ولا يجب أن يكون معصوما ولا أن يعلم جميع علوم الدين والدنيا كما لا يجب ذلك في القضاء ...
ولا يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، ويجوز أن يحتاج إلى غيره في العلوم؛ ألا ترى أنه يرجع إلى أهل الصناعات في قيم وأروش الجنايات! ...
стр. 96
«والذي لأجله بويع المفضول وجوه: منها أن يكون أعلم بوجوه السياسة، أو يكون في الفاضل علة تقعده عن القيام بالامامة بأن يكون عبدا أو مريضا مرضا ينفر أو بخيلا أو جبانا، أو يكون المفضول أشد اشتهارا في العامة والخاصة، أو يكون انقياد الناس له أكثر، أو يكون- الفاضل- له عذره في حال العقد كغيبته وحضور المفضول في البلد الذي مات فيه الإمام أو يكون قريبا ...
«ويجب أن يكون الإمام واحدا، فإن بويع لاثنين فالأول هو الإمام، فإن لم نعلم السابق، قال أبو علي: نستعمل القرعة، وقال أبو هاشم: لا يجوز استعمال القرعة، ولكن يبطل العقدان ويستأنف العقد لأحدهما ... » «١»
ولا يذكّرنا هذا النص الهام بآراء المعتزلة في الإمامة فحسب، بل يذكرنا كذلك بشيء من فلسفة الحكم في الإسلام، وفي أحدث النظم والقوانين الدستورية.
стр. 97
الفصل الثاني آثاره
تتبين لنا منزلة الحاكم ﵀ في الفكر الاسلامي بعامة من خلال آثاره ومصنفاته الكثيرة في التفسير والحديث والكلام والفقه والتاريخ، على قلة ما وصلنا منها، ولهذا فإننا لم نبعد حين عددناه أشهر رجالات المدرسة الجبائية بعد القاضي عبد الجبار، بل إننا نجد فيه الحلقة المفقودة من حلقات الاعتزال بين القاضي والزمخشري. وسوف نرى من خلال كتبه مدى الدور الهام الذي قام به في حفظ بقية صالحة من تراث المعتزلة، وبخاصة في تفسيره (التهذيب) الذي وضع بين أيدينا- للمرة الأولى- خلاصة تفاسير المعتزلة قبله، والتي نفقدها جميعا على وجه التقريب، هذا إلى جانب ما أضافه من آراء وأفكار في التفسير وعلم الكلام. وقد فطن مؤرخو الزيدية- المعتزلة- إلى هذه المكانة التي يحتلها الحاكم فوصفه يحيى بن حميد- كما رأينا- بأنه «رأس العدلية وناصر مذاهبهم بما هو القاطع القاصم» ووصفه أبو الرجال الصنعاني وإبراهيم بن القاسم بأنه كان «إماما عالما مصنفا صادعا بالحق» «١» وقال فيه يحيى بن الحسين إن
стр. 98
«شهرته ظاهرة، وكتبه شاهدة له بالتبريز» «١» وأثنى صاحب شرح الأزهار على اطلاعه الواسع على علوم كثيرة، فقال إنه «كان علّامة في فنون كثيرة» «٢» وخصه يحيى بن الحسين بالتفوق من هذه العلوم في التفسير وعلم الكلام، فقال إنه «علامة عصره وفريد دهره في علم التفسير وعلم العدل والتوحيد» «٣» وقد بلغت مصنفاته نيفا وأربعين كتابا، ذكرت كتب التراجم والطبقات من أسمائها ما يقارب الثلاثين، نوردها فيما يلي مرتبة بحسب العلوم، مع التعريف بما وصل إلينا منها، وذكر بعض الملاحظات الضرورية- إن وجدت- لجلاء هذا التعريف.
اولا: في تفسير القرآن
١) التهذيب في التفسير
٢) تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين
ذكرهما يحيى بن حميد، والجنداري، وأبو الرجال الصنعاني، ويحيى ابن الحسين، وابن القاسم.
٣) التفسير المبسوط
٤) التفسير الموجز
ذكرها يحيى بن حميد، والصنعاني، وابن الحسين، وابن القاسم.
стр. 99
وقد وصلنا من هذه الكتب كتابا التهذيب، وتنبيه الغافلين، وقد نصت كتب التراجم على أن تفسيريه: المبسوط والموجز، باللغة الفارسية.
ولعلهما مما ألفه بهذه اللغة، لأنني قد وقفت في بعض الإجازات على أن للحاكم «مصنفات عدة منها موضوع بالفارسية» «١» والأرجح أن يكون قد كتبهما بعد (التهذيب) لأنه لم يذكرهما أو يعرض لهما في محل واحد من هذا الكتاب، ومن الراجح أيضا أن يكون قد أفاد في وضعهما منه سواء كتبهما بالعربية أو الفارسية.
١ - و (التهذيب)
هو موضوع هذه الرسالة، ويوجد منه بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء اليمن بضعة عشر مجلدا كتب أكثرها بخط قديم يرجع إلى حوالي عصر المؤلف «٢» وتشتمل هذه المجلدات على تفسير كامل للقرآن، مع وجود أكثر من نسخة من تفسير بعض السور والأجزاء، وقد صورت دار الكتب المصرية من هذه المجلدات سبعا فقط كانت عمادنا في هذا البحث.
٢ - تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين:
أما كتابه (تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين) فقد خصه بالآيات التي نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ وسائر أهل البيت، أوردها مرتبة بحسب ترتيبها في السور، وعقبها بذكر الآثار والأخبار الدالة على أنها نزلت فيهم، وقد قال فيه صاحب شرح الأزهار إنه «لا نظير له في
стр. 100
الآيات الواردة في أمير المؤمنين وأولاده وغيرهما» «١» وقد تحدث الحاكم عن موضوع هذا الكتاب في المقدمة التي صدره بها فقال: «وقد جمعت في كتابي هذا ما نزل فيهم- آل البيت- من الآيات مما ذكرها أهل التفسير وصحت بالروايات الصحيحة، وألحقت بكل آية ما يؤيدها من الآثار بحذف الأسانيد طلبا للتخفيف وإيثارا للإيجاز، وبينت في كل آية ما تتضمن من الدلالة على الفضيلة والامامة، من غير تطويل: لتكون تذكرة للمهتدي! وتنبيها للمبتدي، ولتكون ذخيرة ليوم الحشر رجاء أن أحشر في زمرتهم وأعد في جملة شيعتهم، وسميته: تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين» «٢» وقبل أن يشرع في كتابه على هذا المنهج استهله بالحديث عن (فضل أهل البيت على الجملة ﵈ في فصل مختصر قال فيه:
«المروي عن ابن عباس أنه قال: ما أنزل الله تعالى في القرآن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا وعليّ أميرها وشريفها» وقال إن الله تعالى عاتب أصحاب محمد في غير آية وما ذكر عليا إلا بخير، قال الحاكم: «ولا شبهة أن كل ما ورد في القرآن من آية تتضمن مدحا وتعظيما وإكراما وتشريفا أن أمير المؤمنين معني بها داخل فيها، ولا وعد برحمة في العقبى ولا نصرة في الدنيا إلا وهو مراد بها، نحو قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)
стр. 101
(وَالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ) (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) ... الخ» «١».
ثانيا: في علم الكلام
١) كتاب عيون المسائل: ذكره الجنداري ويحيى بن حميد وأبو الرجال الصنعاني ويحيى ابن الحسين وإبراهيم بن القاسم «٢».
٢) شرح عيون المسائل: ذكره الجنداري ويحيى بن حميد والصنعاني ويحيى بن الحسين وابن القاسم.
٣) رسالة إبليس إلى المجبرة: ذكره ابن شهراشوب وابن المطهّر الحلّي والجنداري وابن حميد والصنعاني ويحيى بن الحسين وابن القاسم «٣».
٤) الرد على المجبرة: ذكره الجنداري «٤».
стр. 102
٥) كتاب المؤثرات: ذكره الجنداري.
٦) كتاب الامامة: ذكره يحيى بن حميد، والصنعاني ويحيى بن الحسين «١».
٧) تنزيه الأنبياء والأئمة: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين وابن القاسم «٢».
٨) تحكيم العقول في الأصول: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين وابن القاسم «٣».
٩) كتاب العقل: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن القاسم.
١٠) التأثير والمؤثر: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين «وزاد: في أصول الدين» وابن القاسم. ولعل كتاب المؤثرات السابق هو هذا.
١١) الأسماء والصفات: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين وابن القاسم.
١٢) الانتصار لسادات المهاجرين والأنصار: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين وابن القاسم «٤».
стр. 103
١٣) الرسالة الباهرة في الفرقة الخاسرة: ذكره يحيى بن الحسين، قال: «يعني الباطنية».
١٤) الرسالة الغرّاء: ذكرها ابن حميد والصنعاني ويحيى بن الحسين وابن القاسم.
١٥) الحقائق في الدقائق: كذا ذكره ابن حميد وابن الحسين، وقال الصنعاني وابن القاسم: (الحقائق والوثائق).
وليس لدينا اليوم من هذه الكتب سوى كتابي (التأثير والمؤثر) و (شرح عيون المسائل).
١ - التأثير والمؤثر:
أما التأثير والمؤثر فقد أشار المؤلف فيه- وبهذه التسمية الدقيقة- إلى موضوع الكتاب الرئيسي، وهو البحث في علل الأشياء من الخلق والإبداع وحدوث الأفعال، وفي كيفية الخلق والإيجاد، وهل كان ذلك لعلة أو لمؤثر، وهل العالم قديم أم محدث .. مع الكلام في صفات القديم تعالى، من القدرة والعلم والحياة، ومدى تأثيره تعالى- الذي أبدع الكون وخلقه من العدم- في الكون، وأنه تعالى هو خالق الأعراض المؤثرة ... الخ، وقد قال المؤلف في خطبة الكتاب: «أما بعد فإني وجدت مبنى الديانات كلها أصولها وفروعها على معرفة ما يؤثر وما لا يؤثر، وكيفية التأثير، وصفات المؤثر وما يؤثر فيه، حتى ضلت بالجهل بذلك أقوام جمة وتحيرت أمم كثيرة، فأنكر بعضهم الاختراع، وأحالوا حدوث شيء لا من شيء، ونفوا الصانع المبدع، وقالوا بقدم العالم، ولما رأوا حوادث تحدث ألجأهم ذلك إلى تعليلها بمؤثر فأضافوها إلى ما لا
стр. 104
يعقل، وطلبوا لكل حادثة علة، وقطعوا الأحداث عن القديم المبدع الحكيم، وأثبتوا هيولى قديمة، وزعموا أن المركبات منها حصلت، جهلا منهم بالحقائق وقلة تأمل في الدلائل ... ».
ثم عرض لمن نفى الأعراض المؤثرة التي هي علل الصفات، والذين أحالوا بالأحوال على ما لا تأثير له، أو على ما لا يعقل من الطبائع والجمادات، ثم أشار «لمن ذهب في الفساد كل مذهب» من الذين أضافوا الحوادث إلى الكواكب أو الجمادات، أو الذين زعموا قدم العالم، أو أثبتوا صانعين قديمين، أو أخطئوا في فهم الصفات الإلهية .. ورد جميع أخطائهم إلى عدم فهم التأثير والمؤثر وصفاته .. ثم قال: «ووفق الله تعالى مشايخ التوحيد والعدل الذين هم فرسان الكلام وحرّاس الاسلام، وعلماء الأمة والذابّون عن الملة .. حتى بينوا الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، وأثبتوا العالم فعلا محدثا، وأثبتوا له صانعا ومبدعا، وأثبتوا له- للصانع- صفات ككونه قادرا عالما حيا، وأحالوا حدوث شيء من الأجسام من شيء، وأبطلوا التأثير إلا من قادر حي، وقالوا إن جميع أجسام العالم وأكثر أعراضها مخترعة، وأثبتوا الأعراض من جهة الحي القادر، وأحالوا تأثير الطباع والجمادات وما يزعمه أهل النجوم .. ».
وختم مقدمة الكتاب ببيان ما جمعه من الكلام في موضوع التأثير والمؤثر، وذكر مشايخه الذين جمع ذلك عن كتبهم، فقال: «فرأيت جملا وجوامع من الكلام فيما يؤثر وما لا يؤثر وكيفية التأثير وصفات المؤثر، من غير بسط لتكون مجموعا سهل التناول قريب المأخذ» قال:
«وجميع ذلك مما بلغني عن المشايخ المتقدمين والمتأخرين مما رأيناه في
стр. 105
كتبهم أو قرأناه في مصنفاتهم ورسائلهم، خصوصا من كتب الشيوخ الأربعة: الشيخ أبي علي محمد بن عبد الوهاب، والشيخ أبي هاشم عبد السلام بن محمد، والشيخ أبي عبد الله الحسين بن علي البصري، وقاضي القضاة عماد الدين أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد ﵃ ... ».
ثم بدأ كتابه بالحديث عن القديم تعالى لأن التأثيرات كلها تنتهي إليه، ثم أوجز الكلام في موضوعات كثيرة عقد لها فصولا خاصة:
«فصل في التكليف- الثواب- الوعد والوعيد، الأسماء والأحكام، أحكام الآخرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإمام، الأسماء والصفات والأحكام .. » وهو آخر فصول الكتاب، أو الموجود منه، لأن آخر ما لا ندري مقداره قد أصاب نهاية هذه النسخة الوحيدة «١».
والقسم الموجود يقع في سبع ومائة ورقة.
وقد نقلنا من الكتاب رأي المؤلف في موضوع الإمامة، ونجتزئ به عن تكرار مثال آخر. ومنهج المؤلف واضح على كل حال، وقد ذكر بنفسه الكتب التي نقل عنها، وهو يؤيد ما رجحناه من نسبته إلى المدرسة الجبائية، وعنايته بآراء القاضي ﵀.
٢ - شرح عيون المسائل
أما شرح العيون فهو من أهم كتب الحاكم بإطلاق، ولعله أهم كتبه في علم الكلام، وقد استجاب فيه المؤلف- كما ذكر في المقدمة- إلى طلب بعض إخوانه في الدين شرح كتابه (عيون المسائل) «على طريقة الإيجاز
стр. 106
والاختصار» «١» وإن كان قد جاء هذا الشرح وافيا كبيرا في الواقع، وقد جرت عادته على ذكر (المتن) باسم: الأصل، يورده ثم يقول بعد ذلك: الشرح، ويبدو من نصوص هذا «الأصل» أنه صغير الحجم، كما أنه لا ذكر له في بعض أقسام الكتاب «٢».
وقد جعل المؤلف هذا الشرح الجامع في سبعة أقسام: القسم الأول في ذكر الفرق الخارجة عن الإسلام، والثاني في الكلام في فرق أهل القبلة، والثالث في «ذكر المعتزلة ورجالهم وأخبارهم وما أجمعوا عليه من المذهب وذكر فرقهم» والقسم الرابع في الكلام على التوحيد، والخامس في التعديل والتجوير، والسادس في الكلام في النبوات، والقسم الأخير في أدلة الشرع. ويبدو اعتماد المؤلف على كتب القاضي عبد الجبار واضحا في هذا الكتاب، بل إنه في القسم الثالث منه، وهو المتصل برجال المعتزلة، يعتمد اعتمادا كاملا على كتاب القاضي (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) «٣» الذي تحدث القاضي فيه في قسمه المتصل بفضل الاعتزال عن أسماء المعتزلة وألقابهم، وعن فضل الاعتزال وسند المعتزلة، وناقش فيه من يتهم المعتزلة بأنهم القدرية، ومن يحرم الخوض في الكلام، وأن المعتزلة أبدعوا في
стр. 107
الإسلام حدثا جديدا ... إلى أمور كثيرة أخرى عقد لها فصولا موجزة، والذي رتب المعتزلة في قسمه الثاني في عشر طبقات أولها طبقة الصحابة، كعلي وأبي بكر وعمر وأبي ذر الغفاري، وآخرها طبقة الذين أخذوا عن أبي هاشم وعمن هو في طبقته «مع اختلاف درجاتهم وتفاوت أحوالهم».
وقد ضمّن الحاكم القسم المذكور من كتابه جميع ما كتبه القاضي في كتابه (فضل الاعتزال ... ) فأخذ الطبقات العشر المذكورة فوضعها في هذا القسم مع تصرف يسير في العبارة وعدم الالتزام بالإشارة إلى النقل عن القاضي- بقوله المعهود قال قاضي القضاة- حتى حين يكون الكلام بحروفه من كتاب القاضي ﵀، كما أخذ القسم الأول المتصل بفضل الاعتزال فقدم به- فعل القاضي- لهذه الطبقات وإن كان قد اختصر منه بعض الفصول الهامة في الواقع، والتي تتجاوز ثلث هذه الفصول الفريدة «١».
والجديد الذي قدمه الحاكم في هذا القسم، أو في موضوع طبقات المعتزلة، هو ما أضافه إلى طبقات القاضي العشر السابقة، وهي إضافات هامة في الواقع بما أكملت من حلقات الاعتزال إلى عصره، وبما أضافت وأوضحت من أعلام الأدب والشعر والفقه والقضاء الذين ذهبوا إلى الاعتزال، أضاف الحاكم أولا طبقتين أخريين: الطبقة الحادية عشرة والطبقة الثانية عشرة، وقد جعل على رأس الطبقة الأولى قاضي القضاة عبد الجبار ابن أحمد ومن هو في منزلته، وخص الثانية «بأصحاب قاضي القضاة» وهم تلامذته ومن أخذ عنه، ومنهم بعض شيوخ الحاكم نفسه كما رأينا.
стр. 108
ثم عقد فصولا كثيرة فيمن ذهب مذهب العدل من العترة، وممن بويع له بالخلافة، وممن كان من الأمراء والرؤساء، وفصولا أخرى فيمن ذهب مذهب العدل من الفقهاء ورواة الأخبار والزهاد «١» أعقبها بذكر من أدركه من أهل العدل، وذكر من ذهب إلى الاعتزال من الشعراء وأئمة اللغة.
وختم هذه الفصول بالحديث عن خروج أهل العدل، متى خرجوا ومع من من الأئمة والدعاة، ويبين هذا الفصل الموجز الهام مدى صلة المعتزلة بالشيعة، ومدى مشاركة المعتزلة في الحياة العامة، وأنهم لم يسموا معتزلة لاعتزالهم الناس كما يرى بعضهم. ويقرب هذا القسم الذي أضافه الحاكم في الطبقات من أربعين ورقة في حين لا تزيد طبقات القاضي خاصة عن ستين.
ومما تجدر الإشارة إليه بعد ذلك أن ابن المرتضى (المتوفى سنة ٨٤٠) قد أخذ طبقات المعتزلة على هذه الصفة التي تركها عليها الحاكم، وجعلها
стр. 109
في صدر كتابه (المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل) وأسقط منها بعض الفصول الأخيرة، واختصر بعضها الآخر اختصارا مخلا، وقدم وأخر في بعض الفصول والتراجم، كما أضاف إلى بعض التراجم إضافات قليلة لا تكاد تذكر. وقد جرى على سنّة الحاكم في طبقات القاضي حيث لم يلتزم الإشارة إلى الحاكم فيما ينقله عنه، ولو كان الكلام بحروفه من كلام الحاكم ﵀، والراجح أن يكون اطلاعه على جميع الطبقات إنما كان من كتاب الحاكم على الرغم من قوله في آخر الطبقة العاشرة إنه لما فرغ من الطبقات التي ذكرها القاضي ذكر طبقتين أخريين ذكرهما الحاكم، وذلك لنقله عنه في طبقات القاضي بعبارة قال الحاكم، ولأن ما ورد عنده من كلام القاضي- مما تصرف فيه الحاكم في بعض الأحيان- وصدره بقوله: قال القاضي، موافق لما في شرح عيون المسائل لا لما في فضل الاعتزال للقاضي ﵀، ولأسباب أخرى لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة «١».
стр. 110
وقد رجعنا إلى «شرح عيون المسائل» في مواطن كثيرة من هذا