← Акыда

Акыда · id 37683

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - المقدمة لقد جاء الرسول ﷺ من عند ربه تعالى بالدين الحق ليذهب به ظلام الباطل والشرك، ولأجل ذلك فقد خالف ﵊ أهل الجاهلية والشرك في كثير مما كانوا عليه، فكان لابد لكل من أراد تمام التوحيد أن يتميز عن أهل الباطل بما يجعله مستعلياً بإيمانه بالله تعالى.

стр. 2

منزلة العبودية عند الله تعالى وفضلها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا شك أن الله جل في علاه خلق الخلق لمهمة عظيمة، ولحكمة جسيمة، قال جل في علاه في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. والعبودية لله هي من أرقى المنازل التي يمكن أن يعلو المرء إليها، وهي أشرف المنازل، وأرقى المراتب، وأعلى المقامات التي يمكن أن يصلها العبد، ويتشرف بها في هذه الدنيا والآخرة، والنجاة في الآخرة لا تكون إلا على تمام العبودية، أما رأيتم أن الله جل في علاه شرف نبيه ﷺ وعظمه وكرمه بهذه المنزلة، حيث قال في مقام الإعجاز: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]؛ ليبين أن هذه المنزلة التي أنزلها الله لرسوله ﷺ هي أفضل المنازل التي يمكن أن يرتقي إليها عبد من عباد الله جل في علاه. وقال تعالى أيضاً في مقام التحدي لأهل الكفر: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، فأخبر أنه رفعه إلى منزلة عظيمة وهي منزلة العبودية، وذلك في قوله: (على عبدنا). وأيضاً في مقام الدعوة إلى الله وسمه بأرقى الصفات، وهي صفة العبودية، حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]. وأيضاً في مقام الوحي وصفه الله بهذه المنزلة العظيمة، فقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]. فمنزلة العبودية هي أرقى المنازل التي يمكن لعبد أن يرتقي إليها، وهذه المنزلة لا يمكن أن ينزلها المرء حتى يرتقي إلى كمال التوحيد، فالعبد لا يرتقي عند ربه إلا بتمام التوحيد وكماله، وبين مراتب العباد مفاوز، بل بين درجات الجنة كما بين السماء والأرض.

стр. 3

أقسام الأمن والهداية وارتباطهما بالتوحيد إن كمال التوحيد يكون به كمال الأمن، ويكون به كمال المتعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ [الأنعام:٨٢] يعني: الأمن التام، وليس مطلق الأمن، بل الأمن المطلق. والأمن أمنان: أمن في الدنيا، وأمن في الآخرة، والهداية هدايتان: هداية في الدنيا، وهداية في الآخرة، والأمن التام في الدنيا هو الأمن القلبي؛ لأنهم قد لا يأمنون جسدياً؛ وذلك بأن يبتليهم الله تعالى بتسليط الأعداء. فالأمان الحقيقي هو أمان القلب، ولو ذبحوني فقلبي مملوء بالتوحيد، كما قال شيخ الإسلام: ماذا يفعل أعدائي بي، إن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن نفوني فنفيي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، أنا جنتي في قلبي. إذاً: فالأمن التام يكون في القلب. وأما الأمن في الآخرة فهو أمن كامل، أمن من كل المصاعب والمتاعب، يأمن حتى في عرصات يوم القيامة، عندما يقوم الناس فزعين هو لا يفزع، عندما يشتد عليهم الكرب والعطش، فإن الله جل وعلا يرويه؛ لأنه أتم التوحيد، بل أول من يدخل الجنة على صورة القمر سبعون ألفاً من غير حساب ولا عذاب كما جاء في الحديث، وفي رواية أخرى: مع كل واحد من السبعين ألفاً، سبعون ألفاً يدخلون الجنة، وجوههم كالقمر، كل واحد منهم كما وصف النبي ﷺ يأخذ بيد أخيه، فالكل يدخلون مرة واحدة، وهذا يسمى الأمن التام أو الأمن المطلق.

стр. 4

الفرق بين الأمن المطلق ومطلق الأمن إن الفرق بين مطلق الأمن والأمن المطلق: أن مطلق الأمن هو أصل الأمن، وهو يحصل بأدنى جزء منه، وأما الأمن المطلق فهو كمال الأمن، فلا يكون ذلك إلا بتمام التوحيد؛ لذا فنحن نركز بفضل الله في دروس العقيدة على الكلام على التوحيد، لاسيما وأن التوحيد هو فرض عين، وأن على كل إنسان أن يتعلم علم التوحيد وما ينافيه من الشرك؛ لأنه لن يسلم المرء بين يدي ربه جل في علاه، ولن يرضى الله عنه حتى يتم التوحيد بأصله وكماله.

стр. 5

أقسام التوحيد التوحيد قسمان: التوحيد العلمي الخبري، وتوحيد القصد والطلب، فأما التوحيد العلمي الخبري فهو توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية، وأما توحيد القصد والطلب فهو توحيد العبادة، أو توحيد الله بأفعال العباد. فأما توحيد الأسماء والصفات فقد أشبعنا القول فيه.

стр. 6

توحيد الربوبية توحيد الربوبية: هو أن تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله جل في علاه هو الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي المطاع. والاعتقاد من أفعال القلوب، ودليل هذا النوع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وهذا نص عام يدخل تحته أفعال العباد، فالله هو خالقها وخالق كل شيء. وفي هذا رد على القدرية الذين يقولون: إن العبد هو خالق فعل نفسه، فالله جل في علاه خلق كل شيء، وما خلق شيئاً من دقيق ولا جليل إلا بقوله: (كن فيكون) كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، واختص الله جل في علاه، من ذلك تكريماً وتعظيماً وتشريفاً أموراً ثلاثة فخلقها بيده: فخلق الله جل في علاه آدم بيده المقدسة سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. وخط التوراة بيده، كما في الصحيحين: (أن آدم ﵇ قال لموسى: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده). وغرس كرامة أهل الفردوس الأعلى بيده، أما باقي الخلق (فبكن) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. وتوحيد الربوبية قال الله عنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١]. والرزق رزقان: رزق القلوب، ورزق الأبدان، فأما رزق القلوب فهو الأتم والأكمل، وهو رزق العلم، ورزق محبة الله جل في علاه، ورزق كمال الإيمان، وهذا لا يؤتاه إلا من اصطفاه الله من الخلق، فهو خاص بالمؤمنين. وأما رزق الأبدان فهو يعم الكافر والمؤمن، والصالح والطالح، والبر والفاجر، فلم يمنع الله منه أحد، أما رأيتم قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله، يسبونه وينسبون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم). فهو رزق لكل مخلوق، بل أهل الكفر والإلحاد ينعمون في الدنيا، حتى إذا وقفوا في عرصات يوم القيامة بين يدي ربهم ومليكهم جل في علاه لم يجدوا حسنة يجازون بها، وأما رزق القلوب فهو بتمام الإيمان، وتمام محبته سبحانه، وتمام العمل بطاعته سبحانه، فهذا لا يكون إلا للمؤمنين؛ لأن الله يغار، وغيرة الله أن يضع الشيء في غير موضعه، فهو لا يضع ذلك إلا في قلب صافٍ نقي. وأما رزق الأبدان فهو الذي يمنح المرء التوكل التام على الله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢] فما جعله الله في الأرض؛ لأنه يملكه جل في علاه، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها)، وفي رواية أخرى صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرزق ليسعى خلف ابن آدم كما يسعى خلفه الموت)، فلا يُتعبن أحد نفسه، ولا يشغلن باله في أمر الرزق؛ فإن الله قد كفاه هذا الأمر، فما على العبد إلا أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله جل في علاه قد قدر له في اللوح المحفوظ أجراً ورزقاً فسيأتيه، فإما أن يتعجله بالمعصية فسيأخذه مذموماً، وإما أن ينتظره ويعمل بنصيحة النبي ﷺ إذ قال: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فأجمل الطلب، فالله جل في علاه يمنحك إياه بطاعة وكنت عنده محموداً. والنبي ﷺ كما في الصحيحين يقول: (قال الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيئاً). فالله جل وعلا بيده خزائن السماوات والأرض، فهذا الاعتقاد يجرك إلى ألا يميل قلبك لأحد غير الله جل في علاه، فما من شيء دقيق ولا جليل في الكون كله من شئون حياتك وحياة الخلق أجمعين إلا قد دبره الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، فهو قائم على كل نفس بكل شيء مما ينفعها وييسر عليها أمر الطاعة، أو يغلق عليها باب المعصية، أو يفتح عليها من الفتوحات، فهذا كله بيد الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] وقال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. وقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يرفع أقواماً ويخفض آخرين، ويعز أقواماً ويذل آخرين، وينصر أقواماً ويهزم آخرين، ينزع الملك ممن يشاء، ويؤتي الملك من يشاء . فهذا من تمام تدبير الله جل في علاه. ومن الاعتقاد الجازم في ربوبية الله جل في علاه: الاعتقاد بأن السيد المطاع هو الله، فلا آمر إلا الله، ولا سمع ولا طاعة إلا لله جل في علاه، وأي سمع وطاعة لأي أحد غير الله فهو سمع وطاعة تابعة لطاعة الله، أما رأيتم الله جل وعلا وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فجعل السمع والطاعة واجبة عليك لولي الأمر مادامت تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ، ولما دخل النبي ﷺ عليهم قالوا: (أنت سيدنا وابن سيدنا فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، ثم قال: إن الله هو السيد). فالسيادة المطلقة لا تكون إلا لله جل في علاه؛ لأنه الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي المطاع . فهذا مجمل الكلام على توحيد الربوبية، وله علاقة وطيدة بتوحيد الإلهية.

стр. 7

توحيد الألوهية أما توحيد الألوهية أو توحيد الإلهية: فهو توحيد القصد والطلب، أو هو توحيد الله بأفعال العباد، أو هو توحيد العبادة، وهو إفراد الله جل في علاه بالعبادة، فكل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة لله جل في علاه فلا تصرفها لغير الله جل في علاه، فالذبح والنذر والتوكل والإنابة كل ذلك لا تصرفه إلا لله وحده لا شريك له. فهذا هو مجمل توحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية هو الذي من أجله ميز الله بين الكافرين وبين المؤمنين، فأهل الجاهلية كانوا يقرون بربوبية الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فأقروا بربوبية الله جل في علاه لكن نازعوا في الإلهية وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]؛ ولذلك أرسل الله جل في علاه الرسل من أجل التمايز بين الناس في توحيد الإلهية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] وهذا توحيد العبادة. ولقد بين الله جل في علاه أنه ما أرسل من رسول إلا ليدل على توحيده جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فأهل الإلحاد ومشركي العرب ما كفروا إلا بتوحيد الإلهية.

стр. 8

العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأدلة ذلك إن العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية هي علاقة استلزام، أي: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] هذا توحيد إلهية، ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، وهذا هو اللازم، وهو الخلق للإنسان والأرض والسماء، وكأن الله جل وعلا يقول للناس: طالما أنتم أقررتم بربوبية الله، وبأن الله هو الذي خلقكم وخلق الأرض والسماء ورزقكم، فيلزمكم بهذا الإقرار أن تفردوه بالعبادة. إذاً: فالربوبية تستلزم الإلهية، والأدلة على ذلك من الكتاب كثيرة. فالله جل في علاه أراد أن يلزم الخصم بما أقر به، وقد ذكرت في (شرح المهذب): أن هذه قاعدة استنبطها العلماء وهي: رد المخالف إلى الأمر المتفق عليه، وإلزامه به. فألزمهم الله بما سلموا به وهو الربوبية في المختلف فيه الذي هو الإلهية، فقال الله جل في علاه مبيناً ذلك في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، فصدَّر الآية بالخلق، فيستلزم من الخلق ألا يكون هناك إله مع الله، فلابد أن تفردوه بالعبادة. وأيضاً في سورة المؤمنون قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، فالله جل وعلا يبين لهم أن الذي يملك من في السماوات ومن في الأرض لابد أن تفردوه بالعبادة. وأيضاً في الآية الثانية قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧] والتقوى هي توحيد عبادة. والمشركون مع إشراكهم في الإلهية قد أخبر الله أنهم إذا مسهم الضر في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فهم يدعون الله من دون الشركاء. فالذين أقروا بالربوبية لم يقبل الله منهم إقرارهم بالربوبية حتى يقروا بتوحيد الإلهية.

стр. 9

قواعد مهمة تتعلق بتوحيد الألوهية مع الأمثلة لما كان توحيد الإلهية من الأهمية بمكان اخترنا كتاباً مهماً يتكلم عن هذه المسألة، وهو كتاب (المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية). وسنأخذ مختارات مهمة جداً مركزة في توحيد الإلهية من هذا الكتاب، وقبل أن أبدأ في الكلام على الجاهلية والفرق بينها وبين الإسلام أقعد قواعد مهمة؛ لأن كل مسائل التوحيد الإلهية ستتعلق بها. القاعدة الأولى: كل ما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك. يعني: أن كل عبادة ثبت في الشرع أنها عبادة فصرفها لله من كمال التوحيد، بل من أصل التوحيد، وصرفها لغير الله من الشرك بمكان، فمثلاً: الذبح عبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وجه الدلالة على أنه عبادة أن قوله: ((وَانْحَرْ)) أمر، والله جل وعلا لا يأمر إلا بما يحب، والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. ووجه الدلالة أيضاً أن النحر اقترن بالصلاة، والصلاة عبادة، فكذلك النحر، لكن دلالة الاقتران يمكن أن ينازع فيها؛ لأنها دلالة ضعيفة، وعلى كل الاستدلال الأول لا منازع فيه، فالنحر عبادة؛ لأن الله لا يأمر إلا بما يحب، فإذا ثبت في الشرع أنها عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، من ذبح للبدوي أو لـ عبد القادر الجيلاني، أو لـ أبي العباس، أو لـ أبي الدرداء أو للأولياء فقد أشرك، ومن أفرد الذبح لله جل في علاه فقد وحد. مثال آخر على القاعدة الأولى: النذر عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، والدليل على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. وجه الدلالة: أن الله مدح الوفاء بالنذر في الآية، والله لا يمتدح إلا العبادة، سواء كانت مستحبة أو واجبة، فهنا ثبت بالشرع أنها عبادة، فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فالنذر للسيدة زينب مثلاً عند نجاح الابن شرك؛ لأنه صرف عبادة لغير الله، لكن من نذر لله جل وعلا أن يصوم إذا نجح ابنه، فهذا النذر توحيد؛ لأنه صرفه لله جل في علاه. القاعدة الثانية: من اتخذ سبباً لم يشرعه الله سبباً مع تمام اعتقاده في الله، فقد أشرك شركاً أصغر، ومن اعتقد في السبب فقد أشرك شركاً أكبر. ونذكر مثالاً على هذه القاعدة لتتضح، قال النبي ﷺ : (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)، والحديث صحيح. فهنا شرع الله لنا التداوي، وجعل له سببين: سبباً شرعياً، وسبباً طبياً وهو السبب المجرب، والسبب الشرعي هو الرقية الشرعية، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] فمن اعتقد أن الله جل في علاه هو الذي يشفي، وليس القرآن ذاته، فقد وحد الله؛ لأنه أخذ بشرع الله، واعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله جل وعلا هو النافع الضار ، فهذه الأسباب التي شرعها الله. وأما الأسباب التي لم يشرعها الله جل في علاه، فذلك مثل: الرجل الذي يجعل صوفة في يده وهذه الصوفة لا تشفي طبياً، فيعتقد أن هذه الصوفة سبب من الأسباب التي يستشفي بها عند المرض، فهذه الصوفة لم يشرعها الله جل في علاه، ولم يجعلها سبباً للشفاء، فمن اتخذها سبباً فقد خالف الشرع، ووقع في الشرك الأصغر لا الأكبر. وأما سبب كونها شركاً؛ فلقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فيكون قد وقع في الشرك الأصغر، أو في بدعة وهي ذريعة للشرك، وليست شركاً أكبر؛ لأنه يعتقد أن النافع والضار هو الله، لكن لو اعتقد أن الصوفة تشفيه فقد اعتقد في غير الله ما لا يصح أن يكون إلا لله، فيكون واقعاً في الشرك الأكبر. ومثل ذلك من يضع شيئاً على الحصان، ويقول: إنها تدفع العين، فإذا اعتقد أنه يدفع العين فهذا انتقل من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، لكن لو قال هو سبب لرد العين، والله هو الذي يتحكم في ذلك، فقد أشرك شركاً أصغر؛ لأنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه. مثال آخر: لو أن رجلاً ذبح على السيارة الجديدة ذبيحة دفعاً للعين، وقال: أنا أفرقها لله جل في علاه، فلو قال: ذبحنا لله ولدفع العين، فقد اعتقد أن النافع والضار هو الله جل في علاه، ولكنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله لدفع العين، فالله شرع لدفع العين الرقية بالمعوذات، أو التبرك، بأن يقول إذا رأى ما يعجبه: بارك الله لك فيما رزقك، كما ورد في حديث صحيح: (أن النبي ﷺ أمر الذي يخشى أن يعين غيره أن يدعو بالبركة). فلم يشرع الذبح لدفع العين، فمن فعله وهو يعتقد أن هذا سبب من الأسباب التي يدفع الله بها الحسد، فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لأنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه.

стр. 10

مفهوم الجاهلية وأقسام الجهل إن الجاهلية مشتقة من الجهل، والجهل هو ضد العلم، وكفى بالجاهلية والجهل ذماً أن صاحبهما لا يقبل أن تسمه بالجهل حتى وإن كان جاهلاً؛ لأنه مذمة، أما العلم فهو ممدحة، وكفى بالعلم فخراً أن تشرئب أعناق الجهال إليه ليوصفوا بالعلم. والجهل ثلاثة أقسام: جهل بسيط، وجهل مركب، وجهالة. القسم الأول: الجهل البسيط: وهو عدم العلم بالشيء، فلو أن رجلاً من أدغال إفريقيا نشأ ببادية بعيدة ثم أسلم فقلت له: أتعرف أن الله قد فرض خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: نعم، ولو قلت له: أتعرف أن هناك صلاة تسمى صلاة الظهر؟ لقال: نعم، فتسأله: كم ركعة في صلاة الظهر؟ فقال لك: لا أعلم، فهذا جهل بسيط؛ لأنه لا يعلم شيئاً فقال: لا أعلم، فهذا يمكن أن تعلمه وتقول له: الظهر أربع ركعات. القسم الثاني: الجهل المركب، وهو التصور الخاطئ للأشياء مع اعتقاد أن تصوره صحيح، فعنده علم مخالف للعلم الصحيح. فلو جئت إلى رجل أعرابي جلف فسألته: هل أنت عالم؟ يقول: أنا أعلم أهل الأرض، فتقول له: صلاة الظهر كم ركعة؟ فيقول لك: هذا السؤال الذي أتعبت نفسك لتسألني إياه؟! الظهر سبع ركعات. وهذا يذكرنا بحمار الحكيم توما، وكان هذا الرجل دائماً يزعم أنه حكيم، ويفتي بالخطأ دائماً، فالحمار لم يحتمل هذه الفتوى المزعومة، فقالوا على لسانه: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الناس كنت أركبْ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركَّبْ القسم الثالث: الجهالة، هي العلم بالشيء والتطبيق الخطأ له، وذلك كأن تعلم أن المعصية حرام، التطبيق الصحيح لهذا العلم أن تجتنب هذه المعصية، فإن ارتكبت المعصية فهذه جهالة، فلو كنت تعلم أن النظر إلى المرأة الأجنبية العارية حرام فنظرت، فهذا النظر يعتبر منك جهالة؛ لأنك تعلم أنه حرام وارتكبته، وأدل ما يكون على ذلك من كتاب الله قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] إلى أن قال: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]، يعني: أنه علم أنه سوء ثم فعله، فيسمى عاملاً للسوء بجهالة. وأما معنى الجاهلية في الاصطلاح: فهي ما كان عليه الناس من محادة لدين الله جل في علاه قبل بعثة النبي ﷺ ، أو هي الحالة التي تكون عليها أمة من الأمم قبل الهدي الإلهي، والبشارة والرحمة النبوية لها. وهذه الحالة كانت في الأمة التي جاءها النبي ﷺ ، فخالفت أمر النبي وشرعه ﷺ من كل وجه. والجهالة جهالتان: جهالة عامة، وجهالة خاصة، أو جهالة مطلقة وجهالة مقيدة، فالجهالة المطلقة هي: مخالفة الشرع من كل وجه، ومحادة دين الله جل في علاه من كل وجه، وهذه الجهالة المطلقة هي جهالة أهل الكفر الذين كانوا قبل النبي ﷺ ، أو أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ . وأما الجهالة المقيدة: فهي مشابهة أهل الإسلام لأهل الشرك بعد بعثة النبي ﷺ في بعض الأفعال، مثال ذلك: النياحة على الميت، فهذه فيها مشابهة لأخلاقيات الجاهلية الجهلاء التي كانت قبل بعثة النبي ﷺ ، وما زالت عند النساء في هذه الأوقات، في لطم الخدود، وشق الجيوب، والنياحة على الميت، وكذلك الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب. وأدل ما يكون على الجهالة المقيدة: حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه، وذلك عندما قال لـ بلال: (يا ابن السوداء! فقال له النبي ﷺ : أعيرته بأمه؟ إنك امرئ فيك جاهلية). فوسمه بهذه الجاهلية؛ لأنها مثل جاهلية أهل الشرك قبل الإسلام، وهذه الجاهلية معصية وليست بشرك.

стр. 11

نصوص نبوية تحض على مخالفة أهل الجاهلية لقد أمرنا الله بالفرار من هذه الجاهلية، سواء الجاهلية المطلقة أو الجاهلية المقيدة؛ حتى نتقن التوحيد ونتمه، وذلك في قوله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، وفي رواية أخرى: (نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس)، والعلة كما قال النبي ﷺ في نهاية الحديث: (فيسجد آنذاك أهل الكفر للشمس في هذا الوق). ويقيناً أن المؤمن الذي يصلي بعد العصر أنه يسجد لله لا للشمس، ومع ذلك نهاه النبي ﷺ ؛ حتى لا يشابه أفعال أهل الجاهلية. وأيضاً قال النبي ﷺ عن صبغ الشعر: (حمروا أو صفروا، وخالفوا أهل الكتاب)، يعني: في اللحية البيضاء، فأمر النبي ﷺ بالتحمير والتصفير؛ لأن أهل الكتاب لا يصبغون، فقال: اصبغوا مخالفة لأهل الكتاب. وأيضاً في حديث أبي أمامة بسند حسن (أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله إن اليهود يتسرولون ولا يتزرون، فقال لهم النبي ﷺ : تسرولوا واتزروا)، مخالفة لأهل الكتاب. وأيضاً قال النبي ﷺ : (صلوا في نعالكم؛ فإن أهل الكتاب لا يصلون في نعالهم). وأيضاً قال النبي ﷺ منكراً على من يتبع أهل الشرك من اليهود والنصارى وغيرهم في أفعالهم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة)، وفي رواية أخرى قال: (شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). وقال الله تعالى محذراً نبيه، وبالتالي محذراً الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٤٥]، فبمخالفة أهل الجاهلية يتم لنا التوحيد ويكمل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 12

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - صفة الحكمة لله من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات صفة الحكمة لله من غير تكييف ولا تعطيل، فما من شيء يقدره الله إلا وله فيه الحكمة البالغة، فحكمته ظاهرة في كل شيء حتى في الابتلاءات التي تحصل لأنبيائه ورسله وأوليائه، ولم يقدح في حكمة الله جل وعلا إلا المنافقون قديماً وحديثاً، وشرذمة من أهل البدع والضلال.

стр. 13

إثبات صفة الحكمة لله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (دخل رسول الله ﷺ على رجل يسمى بـ أبي الحكم فسأله لِمَ تكنى بهذه الكنية؟ فقال: كانوا إذا اختصموا تحاكموا إلي فحكمت بينهم، فأيما كان حكمي أخذوا به، فقال له النبي ﷺ : إن الله هو الحكم) أي: أن الله جل وعلا هو الذي له الحكم المطلق وله الحكمة البالغة. ثم قال له: (ما اسم ابنك الكبير؟ قال: شريح؛ قال: أنت أبو شريح) وغير كنيته. فنستدل بهذا الحديث على أن الاسم الذي يسمى به العبد إذا وافق اسم الله جل في علاه ولم يفرغ من المعنى فلا بد من تغيير هذا الاسم. إن من صفات كمال الله جل في علاه أنه حكيم، وما من آية إلا وقرنت بين العلم والحكمة، وبين الحكمة والخبرة، فهو حكيم خبير عليم حكيم سبحانه جل في علاه.

стр. 14

معنى كونه جل وعلا حكيماً وله الحكمة البالغة إن معنى أن الله جل في علاه هو الحكيم وله الحكمة البالغة، أي: أنه يضع الشيء في موضعه، فإن الله جل وعلا من تمام حكمته أنه يضع الصالح في مكان الصلاح، ويضع الطالح في مكان الفساد، فإن الله جل في علاه يفرق بين المختلفين ويسوي بين المتماثلين، وهذا من تمام وكمال حكمة الله جل في علاه. والله جل في علاه له الحكمة التامة البالغة فيما يقدره سبحانه جل في علاه، فهو لم يقدر على المرء من بلايا ونوازل، ومن فرح وسرور، ومن تضييق وحزن إلا وله الحكمة البالغة سبحانه جل في علاه، فهو لا يخرج منه إلا الخير، ولا يقدر إلا الخير سبحانه جل في علاه، وما أمر أمراً إلا وفيه المصلحة الراجحة، وما نهى عن شيء إلا وفيه المفسدة الراجحة. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] أي: ما من شيء نهانا الله عن أن نقترب منه إلا وفيه المفسدة الراجحة، وما من أمر أمرنا به إلا وفيه المصلحة الراجحة. وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: من النفع أن الرجل يتمتع ويقضي شهوته مع امرأته حتى لا ينظر إلى المحرم، لكن الأذى أعظم والفساد أعظم، فلحكمة الله جل في علاه نهى أن يأتي الرجل زوجته في حيضها، وأيضاً في الدبر كما في الحديث: (اتق الحيضة والدبر). وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: ما من أمر يأمر الله به إلا وفيه الخير كل الخير، وما من نهي ينهى عنه الله جل في علاه إلا وفيه الشر كل الشر، والمسألة تدور على الغالب.

стр. 15

الحكمة من خلق الجن والإنس

стр. 16

الحكمة من خلق الجن والإنس نحن اليوم مع صفة من صفات الكمال والجلال لله جل في علاه، وقد قدح فيها أهل الجاهلية، ولا يزال الجاهليون الذين يعيشون في عصرنا يقدحون في هذه الصفة وهي: صفة الحكمة لله جل في علاه، وكما قلت: ما قدر الله قدراً إلا وفيه حكمة، وما أمر أمراً إلا وفيه حكمة، وما نهى عن شيء إلا وفيه حكمة، فالله جل في علاه ما خلق الخلق بأسرهم إلا لحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فهذه حكمة بليغة جسيمة، وهي عبادة الله جل وعلا والتذلل والمسكنة والتضرع له جل في علاه. وقال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب على ما يفعل، لا والله لابد أن يعلم أن المآل والمرجع إلى الله جل في علاه؛ ليجازي الله جل في علاه من عمل صالحاً بإحسانه ومن أساء بما فعل، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٤]. فالله جل في علاه من حكمته البالغة: أن خلق الخلق ليعبدوه، ثم الثواب والعقاب على ذلك.

стр. 17

الحكمة من خلق السماوات والأرض قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] فحاشا لله، بل خلقها لحكمة بليغة. ثم قال سبحانه: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٩]. وأيضاً قال في الآية الأخرى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]. وأيضاً يقول الله جل وعلا: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف:٣]، فإن الله جل وعلا ما خلق الخلق إلا لعلة ولحكمة جسيمة.

стр. 18

القدح في حكمة الله من صفات أهل الجاهلية وغيرهم من المشركين واليهود قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] لا والله، فهذا من اعتقادات الجاهلية، فهم يقدحون في حكمة الله جل في علاه، فكانوا ينظرون إلى أفعال الله فينتقصونها ويقدحون في حكمة الله جل في علاه، وتشابهت قلوبهم، وهذا هو دأب الأمم السالفة، فهذا فرعون لما نظر إلى موسى قدح في حكمة الله، كيف يبعث رجلاً مثل هذا يكون نبياً ويأخذ هذا الشرف. وهو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال عن موسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، فهو يرى أن له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، فكيف يأتي موسى ويقول: إنه مرسل من قبل الله رب العالمين. وأيضاً اليهود أنفسهم لما طلبوا من نبي لهم أن يبعث لهم ملكاً، قال نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧] يقدحون في حكمة الله جل في علاه: كيف يختار الله هذا ليكون ملكاً علينا؟! فقالوا: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] وكأنهم يقولون لله بلسان حالهم: كيف تختار هذا وهو لا يصلح أن يكون ملكاً ولا يصلح أن يكون نبياً؟! وأيضاً اليهود أنفسهم عندما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اعترضوا فقال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٤٢] فسماهم بالسفهاء؛ لأنهم يقدحون في حكمة الله جل في علاه، ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢]. وأول حكمة من ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. الحكمة الثانية: قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣]، فهذه حكمة بليغة، وسنبين كيف أن الله جل وعلا يخلق الشر لا للشر ولكن ليميز بين الصفين. وأيضاً اليهود في تعاملهم مع النبي ﷺ ، فقد ادعوا بأن رسول الله ﷺ من الكاذبين ومن السحرة ومن الكهنة، وما زالوا على ذلك ورسول الله ﷺ يتقدم خطوة بعد خطوة، ويمكن الله له في الأرض، وتتسع البقعة الإسلامية، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، ومع ذلك فاليهود لم يؤمنوا، بل ما زال ادعاؤهم على رسول الله بالكذب، وهم أهل كتاب، ويقرءون التوراة والإنجيل ومع ذلك لا يزالون على دعواهم بكذب رسول الله ﷺ . فهذا قدح في حكمة الله جل في علاه؛ لأن من حكمة الله جل في علاه أنه لا يمكن لكافر ولا لساحر ولا لكاهن، فكونهم يقفون أمام النبي ﷺ ويقولون: هو كذاب، وما زال الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فهذا يدل على أنهم كذبة؛ لأن من حكمة الله جل في علاه أن يبتلي الرسل أولاً ثم يمكن لهم. فهؤلاء الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ نظروا إلى رسول الله ﷺ فأول ما قدحوا فيه أنهم قدحوا في المرسل سبحانه جل في علاه، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: أن هذا الرسول ليس أهلاً لأن يكون رسولاً، بل لابد أن يكون رجلاً من هاتين القريتين عظيم، فيكون صاحب جاه ومال وأولاد، ويكون صاحب مكانة، فهذا هو الذي يستحق هذه الرسالة على حسب زعمهم، فقدحوا في حكمة الله وكأنهم يقولون: كيف ترسل هذا الضعيف الفقير رسولاً علينا. وأيضاً قدحوا في هؤلاء الذين من الله عليهم بالإيمان، فقدحوا في حكمة الله جل في علاه عندما قالوا: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]. وأيضاً قدحوا في حكمة الله جل في علاه عندما ردوا دين النبي ﷺ ، فجاء رسول الله ليفصل هذا الخط ويقول: هذا من الشرك ومن الكفر، فأنتم إذا كنتم تعبدون ربكم فعظموا ربكم، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، ولابد أن تنظروا إلى أفعال الله جل في علاه، واعلموا أن أفعال الله كلها حكم، وقد رد النبي ﷺ على هؤلاء بآيات الله جل في علاه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون:١١٥]، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف:٣]. وقول الله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥]، فالله جل في علاه ما خلق الخلق إلا لحكمة جسيمة، فلما طعنوا في حكمة الله خرجوا من دين الله؛ لأنهم نسبوا النقائص لله جل في علاه. وأما حال ومآل من دخل في هذا الدين ثم رد على الله الحكمة وركب هواه وحكم شهواته، فهذا يخرج من دائرة الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.

стр. 19

القدح في قدر الله وتكوينه قدح في حكمة الله في هذه العصور ظهرت لنا طائفة تحذو حذو القذة بالقذة مع أهل الجاهلية، ويطعنون في حكمة الله جل في علاه، وفي خلقه، وفي قدره، وفي أمره، وفي نهيه، وفي شرعه. فكثير من العامة يقدحون في قدر الله أو في تكوين الله جل في علاه، فتراهم إذا ابتلي الرجل الصالح بالأمراض والبلاء يقولون: هذا الرجل من الصلاح بمكان ولا يستحق هذا البلاء، ولو نزل البلاء على غيره من الفسقة لكان أولى، وهذا قدح في حكمة الله جل في علاه. وأشهر من ذلك ما اشتهر على ألسنة العامة أنهم يقولون: لماذا هذه الأرزاق تنزل على بعض الناس، وهم في نظرهم أنهم لا يستحقون، فهذا أيضاً قدح في حكمة الله جل في علاه. وهناك طائفة أخرى من الحسدة والحقدة كما فعل إبليس، فالحسد أصله قدح في حكمة الله؛ لأن الحاسد عندما ينظر إلى المحسود يقول: هذا لا يستحق أن يتعلم، وهذا لا يستحق أن يكون أميراً، وهذا لا يستحق أن يكون وزيراً، وكأنه بلسان حاله يقول لله جل في علاه: كيف تمكن لمثل هذا وهو لا يستحق أن تمكن له؟! والله جل في علاه يرد عليهم ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣].

стр. 20

رد حكم الله وشرعه قدح في حكمة الله

стр. 21

الحكمة من قطع يد السارق أيضاً هناك طوائف يردون شرع الله، فهذا أبو العلاء المعري يعترض على الشرع في الحكم بقطع يد السارق، فيقول: أليس إذا قطعت اليدان ففيهما الدية كاملة، وإذا قطعت اليد اليمنى أو اليسرى فقط ففيها نصف الدية، بينما هذه اليد التي قيمتها نصف الدية (خمسون من الإبل) لو سرقت ربع دينار، وربع الدينار لا يساوي شيئاً مقابل الخمسين من الإبل تقطع في ربع دينار؟! أقول: هذا الأعمى الذي أعمى الله بصره وبصيرته يقدح في حكمة الله، وكأنه يقول: هذه الأحكام متناقضة، فكيف يجعلها مرة بخمسين من الإبل وتقطعها في ربع دينار فهذا تناقض؟! نقول: هذا كفر مبين، ولذلك رد عليه بعض العلماء وقال له: إنها لما عفت شرفت فكان قيمتها خمسين من الإبل، لكن لما سرقت احتقرت وذلت، فقطعت في ربع دينار. فهذا رد على هذا الذي يتغابى ويقدح في حكمة الله جل وعلا.

стр. 22

الحكمة في قتل القاتل بعض الطوائف ظهرت لنا في هذه العصور وهي تقولون: القصاص: إن القتل، أو قطع اليد، أو الرجم حتى الموت، هذه وحشية، وهذا ليس بدين، بل هذا دين قبائل البربر. فنقول: هؤلاء يردون حكم الله وشرعه، وهذا قدح في حكمة الله جل في علاه، ويقولون: ما الفائدة عندما تقطع يد من سرق ربع دينار، وتعطل الرَّجُل من يده فلا يكتسب، لكن لو أخذته وهددته ونصحته ثم جعلته يعمل بهذه اليد لأفدت المجتمع، واستفاد الرجل بعد ذلك بالمال وعف نفسه ولا يسرق؟ ويقولون: إن شرع الله جل في علاه لا يصح لهذه القرون التي نعيش فيها، نقول: هذا قدح في حكمة الله جل في علاه، ونحن نرد عليهم بأمر جلي، قال الله تعالى بالنسبة للقتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فهناك حكمتان في القصاص: الحكمة الأولى: أن الإنسان إذا علم أنه إن قتل فسيقتل فإنه سيقول: وأنا لِمَ أضيع حياتي بحياة غيري؟ فليكن له ما له ولي حياتي، فلا يقدمن على القتل. الحكمة الثانية: أنه إن أقيم عليه الحد واقتص منه في الدنيا فلا يسأل عن ذلك يوم القيامة؛ يقول النبي ﷺ : (فمن ارتكب من هذه الدناءات وهذه المحرمات شيئاً فعوقب به -يعني: أقيم عليه الحد- في الدنيا فهو كفارة له) أي: لا يسأل عنها يوم القيامة. إذاً: فقتل النفس التي قال فيها النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (إن الله جل في علاه يقسم بعزته: لو تمالأ أهل السماوات وأهل الأرضين على قتل دم مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) هذا يدل على عظمة دم المرء المسلم عند الله جل في علاه، ومع ذلك فإن الله لا يحاسبه إذا قتل به قصاصاً، فجعل الله له المخرج يوم القيامة. وأيضاً نفس الأمر في قطع اليد، فالشخص إذا سرق فقطعت يده ورأى الناس ذلك، فإنهم لا يقدمون على السرقة، وتجد الواحد يقول: تقطع يدي بربع دينار لا والله! بل أحفظها حتى لا تهون ولا أهون ولا أحتقر بين الناس، فيلتزم بشرع الله جل في علاه، وهذه حكمة بالغة.

стр. 23

الحكمة من إعطاء الرجل مثل حظ الأنثيين في الإرث أيضاً من هذه الطوائف التي تأخذ بقول الجاهلية: الذين يتنطعون على دين الله جل في علاه ويقدحون في حكمة الله ويقولون: كيف نجعل للذكر مثل حظ الأنثيين في الإرث، وهناك من النساء من هن أفضل من الرجال؟ فليست من الحكمة أن تجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. فنقول: هذا قدح في حكمة الله جل في علاه، ونقول لهؤلاء البله السفهاء: لو نظرتم نظرة ممحصة في أحكام الله جل في علاه وعلمتم أنكم عبيد لله لما قلتم إلا سمعنا وأطعنا؛ لأن الكمال المطلق لله جل في علاه، وأفعال الله كلها كمال، فالرجل يتحمل أعباء كثيرة، يتحمل أعباء المهر والصداق للزوجة، ويتحمل بعد ذلك النفقات على الزوجة والأولاد، ويتحمل بعد ذلك النفقات على الوالد والوالدة، ويتحمل الدية، وأما المرأة فلا تشارك العاقلة في دفع الدية، وإنما المرأة تجلس في بيتها ملكة. بهذا يتبين أن من الحكمة أن يأخذ الرجل ضعف المرأة.

стр. 24

الحكمة من مشروعية تزوج الرجل بأكثر من امرأة بخلاف المرأة أيضاً هناك من يقدحون في حكمة الله في مسألة تزوج الرجل بأربع نسوة، بينما المرأة ليس لها إلا رجل واحد، فيقولون: جعلتم للرجل أربع من النساء، ولم تجعلوا للمرأة أربعة من الرجال، والنساء أكثر من يطالبن بهذا. فنقول: إن لله حكماً عظيمة من هذا التشريع علمها من علمها وجهلها من جهلها، الحكمة الأولى: حفظ الأنساب، ودليل الأمر بحفظ الأنساب قوله ﷺ : (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره)، فلو جامع الرجل امرأة وخصب البويضة وجاء رجل يجامعها بعده فإن السمع والبصر والقلب والعظام واللحم تتأثر بماء الغير، ولذلك فـ علي بن أبي طالب ﵁ لما حدثت قصة الرجل الذي تزوج امرأة وغاب عنها وجاء الرجل الثاني فجامعها، فولدت الولد فأقرع بينهما؛ لأن هناك مشاركة في الولد. الحكمة الثانية: أن الله جل وعلا قدر أن النساء تكون أكثر من الرجال، ففي الحديث: (في آخر الزمان يكون للخمسين من النساء القيم الواحد). الحكمة الثالثة: غيرة الرجل، فإن من حكمة الله جل في علاه أن جعل الغيرة من الدين، فالرجل له أن ينظر إلى أكثر من امرأة، لكن لا يستطيع أن يتحمل أن امرأته تكون فراشاً لغيره، ولذلك قال سعد بن عبادة قال: (يا رسول الله أنتظر حتى آتي بأربعة شهداء؟! والله لأعلونهم بسيفي، فقال ﷺ : أتعجبون من غيرة سعد، والله إني لأغير منه، وإن الله أغير مني) وهذه من حكمة الله جل في علاه أنه ركب الغيرة في الرجال أشد منها في النساء. الحكمة الرابعة: أن الله من حكمته البالغة أن جعل عاطفة المرأة لا تتجزأ.

стр. 25

عقيدة الأشاعرة والمعتزلة والمرجئة في حكمة الله تعالى والرد عليهم تقول الأشاعرة: إن الله لا يخلق لحكمة ولا يفعل لحكمة، وإنما يفعل ذلك بمحض المشيئة؛ لأن الله جل في علاه لو فعل لحكمة لكانت الحكمة أو الغرض أو العلة هي المحركة لله جل في علاه، ويكون الله عرضة للأغراض، والله ليس بعرضة للأغراض. قلنا: خسئتم بما قلتم فردوا على أنفسكم هذا القول، فإن الله له الحكمة البالغة، بل من صفات كمال الله جل في علاه أنه لا يفعل شيئاً ولا يخلق خلقاً ولا يأمر أمراً إلا بحكمة بالغة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١]. أي: أن الله جل في علاه يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنات، وأما الذين ظلموا فأعد لهم عذاباً أليماً، وهذا بحكمته وعلمه جل في علاه. وقد اتفق المعتزلة والأشاعرة على أن الله جل وعلا يفعل لا لحكمة، ولكن يفعل لمجرد ومحض المشيئة. وأما المرجئة فقالوا: إن الله لا يفعل لحكمة؛ لأن الله لا يفرق بين مختلفين ولا يساوي بين متماثلين، بل الكل عنده سواء وهذا قدح في الحكمة؛ لأنهم قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة. فنقول: إن هؤلاء قدحوا في حكمة الله؛ لأنهم جعلوا كل الناس سواسية، فجبريل كـ أبي بكر، وأبو بكر كآحاد الناس، والمذنب الفاسق الفاجر الذي يشرب الخمر كالذي يقوم الليل ويصوم النهار، فالكل عندهم سواء ماداموا يقولون: لا إله إلا الله؛ لأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، فهنا قدحوا في حكمة الله، والله جل في علاه يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، إن الله جل وعلا لا يمكن أن يسوي بين المختلفين، وقال الله تعالى في سورة (ن) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، ولذلك قلنا: إن من رفعة هذه الأمة أنهم ينزلون الناس منازلهم، فقد أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ولا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل، وأهل السنة والجماعة صفت لهم عقيدتهم؛ لأنهم اعتقدوا بأن الله جل في علاه لم يخلق خلقاً إلا لحكمة بليغة، ولم يأمر أمراً إلا وفيه المصلحة الراجحة، ولم ينه عن شيء إلا وفيه المفسدة الراجحة.

стр. 26

ظهور حكمة الله تعالى في الابتلاءات النازلة على عباده

стр. 27

الحكمة من وقوع آدم في المعصية لو أن أهل السنة والجماعة نظروا إلى الوراء إلى الأمم السابقة وإلى الأنبياء، ولو نظروا أولاً إلى آدم لعلموا حكمة الله البالغة في أنه ترك المجال لآدم ﵇ ليعصيه، فإن الله هو الذي فتح له الباب؛ لأن الله هو الذي يتحكم في العباد، ولو أراد الله ألا يعصيه أحد لما عصاه أحد، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢]، لكن الله جل وعلا لم يحفظ آدم وإنما جعله يأكل من الشجرة، فهذه من الحكم البالغة التي إذا تدبرها المسلم علم أن ربه جل في علاه حتى لو تركه للمعصية ما تركه إلا ليرفعه، فإن الله جل في علاه ترك إبليس يوسوس ويزين لآدم حتى أكل من الشجرة، ثم أنزل سبحانه آدم ﵇ من الجنة دار النعيم إلى الدنيا دار الشقاء لحكمة بالغة، وهذه الحكمة البالغة هي أولاً: توبة آدم ﵇، فلما تاب وأناب ارتفع درجة فوق الدرجة التي كان عليها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]. ثانياً: أن الله جل في علاه لما أهبط آدم إلى الأرض علمه كيف يتعايش في الأرض، وكيف يخرج طعامه وشرابه، ثم جاء من نسله الأنبياء والمرسلون، بل أفضل الخلق أجمعين محمد ﷺ .

стр. 28

الحكمة من ابتلاء إبراهيم وولده إسماعيل ﵉ كذلك انظر إلى إبراهيم ﵇ كيف أن الله جل وعلا ابتلاه، وما ابتلاه إلا ليرفعه، وليبين للناس الإكرام لإبراهيم. إن الله ابتلى إبراهيم بلاءين من أعظم البلاءات: البلاء الأول: أنه بعدما بلغ معه الولد السعي أمره الله أن يذبح هذا الولد، وهذا البلاء من الله جل في علاه لنبيه لحكمة بالغة؛ حتى يخرج قمة الإيمان وقمة اليقين والاستسلام لله جل في علاه التام، حتى إنه لما رأى الرؤيا لم يتراجع: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]. ثم يظهر الله جل في علاه الاستسلام التام من إسماعيل ﵇، واليقين التام في الله جل في علاه، ويطأطئ رأسه ليذبح، والآخر يذبح ولده الذي انتظره بعد أمد بعيد، فالله جل في علاه بعد ذلك يفديه بذبح عظيم، ويقول: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥] فارتفع إبراهيم، فجعل الله جل في علاه إبراهيم أبا الأنبياء، وجعل من ولد إسماعيل أفضل الخلق أجمعين وهو رسول الله ﷺ ، ثم شرع لنا هذه الشعيرة العظيمة وهي الأضحية في العيد.

стр. 29

الحكمة من ابتلاء نوح ﵇ بتكذيب قومه له أيضاً نوح ﵇ صبر صبراً عظيماً بعدما كذبه قومه وأهانوه وسخروا منه وكادوا أن يقتلوه، فإن الله جل وعلا أقر عينه بعد هذا البلاء العظيم بهذه السفينة تجري على الماء، والماء يغرق الأرض بأكملها بمن فيها، ولم يبق إلا نوح ﵇، والذرية كلها من نوح ﵇.

стр. 30

الحكمة من ابتلاء صحابة رسول الله ﷺ إن الله جل في علاه ما ابتلى العباد إلا ليرفعهم، وإلا ليظهر كرامتهم أمام الناس، فإن الله جل في علاه ابتلى قوماً قالوا: آمنا بالله وبرسوله وصدقنا برسوله، فابتلاهم الله جل في علاه، فقد تكالبت عليهم الدنيا بأسرها، ورمتهم العرب عن قوس واحدة؛ ليميز بين الصفين، فقال المنافقون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وقال المؤمنون: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. فهؤلاء لما صدقوا الله جل في علاه وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل كشف الله عن حسن إيمانهم ويقينهم بالله جل في علاه، وما ابتلاهم إلا ليرفعهم.

стр. 31

الحكمة من ابتلاء الرسول ﷺ لقد ابتلى الله النبي ﷺ بأن جعل المشركين يضعون سلى الجزور على ظهره، وأن يهان وأن يسب في مكة، وما ذلك إلا ليمكن له في المدينة، ثم بعد ذلك تنتشر دعوته، ويقول النبي ﷺ : (الله أكبر أعطيت مفاتيح كنوز كسرى وقيصر)، ويقول: (لا يترك الإسلام بيت مدر ولا وبر إلا ويدخله).

стр. 32

الحكمة من نصر المشركين على المسلمين في بعض الغزوات لما قال المنافقون: لم يجعل الله جل في علاه النصرة لأهل الكفر دون أهل الإسلام، قالها بعض المنافقين في عصر النبي ﷺ ، وقالها بعض المعاصرين وهو محمد إقبال وغيره، أقول: هؤلاء رد الله عليهم بقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧] وقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧] يعني: ليظهر الله جل في علاه في الدنيا فضيحة أو كرامة، ثم بعد ذلك الثواب الجزيل أو العقاب الشديد في الآخرة، فهذه حكمة الله البالغة. فالعبد إذا نظر إلى ربه جل في علاه وتدبر أسماءه الحسنى وصفاته العلى علم أن الله جل في علاه لا يقدر عليه شيئاً إلا والخير كل الخير في هذا الشيء، ولقد فقه ذلك صحابة رسول الله ﷺ ، فكان عمر يقول: أنا لا يهمني أصبحت على نعمة أم على بلية، إن كنت على نعمة فلها عبادة وهي الشكر، وإن كنت على بلية فلها الصبر، وفي كل خير. وذلك لأنه يعلم أن الله ما ابتلاه إلا لحكمة بالغة فيها الخير له إن رضي واستسلم لربه جل في علاه. وهذا عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما أرى راحتي إلا في قدر الله. يعني: أن سعادته في قدر الله جل في علاه، سواءً كان مسروراً أو كان حزيناً، فهو يعلم أن ما اختاره الله له أفضل مما أختاره لنفسه. فسبحان الذي فوق السماء يدبر أمر عباده، وله في ذلك الحكم البالغة، وقد ظهرت لمن أظهرها الله له، وخفيت عمن أراد الله أن يخفيها عنه؛ ليرتفع الذي ظهرت له، وليخفض الله الذي لم تظهر له. نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من الذين يتعبدون له بالاستسلام التام واليقين التام، وأن نحسن الظن به ولا نموت إلا على ذلك، ففي مسند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيراً فله، وإن ظن بي غير ذلك فله)، فنعوذ بالله أن نسيء الظن بالله جل في علاه، فهذه من صفات الجاهلية التي عاصرناها اليوم، نسأل الله جل في علاه أن ينحينا عنها، وألا يجعلنا نظن به ظناً سيئاً، أو نقدح في حكمته جل في علاه، ونسأل الله أن يدخلنا جميعاً الجنة.

стр. 33

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - قلب الحقائق والموازين أسلوب قلب الموازين وعكس المفاهيم أسلوب قديم استخدمه أهل الكفر والشرك مع أنبيائهم، فكانوا يرمونهم بالبهتان والكذب، ويرمونهم بما هو فيهم أنفسهم وهم أولى به، ثم استخدم هذا الأسلوب أهل الباطل والبدع مع أهل السنة، فتراهم يأتون بالباقعة والداهية الدهياء التي لا يسترها ليل ولا يغطيها ذيل ثم بعد ذلك يرمون بها أهل الحق بأسلوب سمج، وبرودة وسخافة، فلا هم بالذين استقاموا على الحق، ولا هم بالذين سكتوا عن الآخرين.

стр. 34

صور لحقائق وموازين أتى بها الأنبياء قلبت

стр. 35

الصورة الأولى: أهل الجاهلية وتكذيب الرسل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، إن أهل الجاهلية كانوا قبل مبعث النبي ﷺ لهم أساليب وصفات وسمات ذمها الله في كتابه، وذمها رسوله ﷺ في سنته. من هذه الأساليب والسمات والصفات: أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويقلبون الحقائق فيجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويجعلون السنة بدعة والبدعة سنة. قال الله تعالى مبيناً لنا ما فعله أهل الجاهلية لما جاءهم نوح ﵇ يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، ووصفوه بأنه في ضلال مبين ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف:٦٠]، ثم بعدما صنع السفينة سخروا منه واستهزءوا به، وهذا دأب الأمم المكذبة، فإنه ما جاءهم رسول ليبين لهم طريق الرشاد والحق إلا استهزءوا به، وسخروا منه ثم يقلبون الحقيقة فيتهمونه بالكذب والخيانة والضلال والسفاهة. وهذا هود ﵇ كما وصف الله جل في علاه دعا قومه إلى الطريق المستقيم، وإلى طريق النجاة، إلى الله جل في علاه، فقالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، فاتهموه بالكذب والسفاهة، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام. وهكذا فعلوا بصالح، فقد اتهموه بالكذب لما دعاهم إلى الله وأتاهم بالناقة آية من آيات الله جل في علاه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٧٥ - ٧٦]، فقلبوا الحقائق والموازين، وجعلوا الصادق كاذباً، والهادي مضلاً، والأمين خائناً. وهكذا فعلوا مع موسى ﵇ لما بلغ مبلغه مع فرعون أعتى أهل الأرض دعيّ الربوبية، فجاءه موسى بأدب الداعي يدعوه بكلام هين لين عله يسمع ويطيع، فقال فرعون لما جاءه الحق: ((إن هذا لسحر مبين))، فدُهش موسى مما قاله فرعون، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧]، فقال قوم فرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، فقلبوا الحقائق والموازين، فموسى النبي الكريم الذي يرشدهم إلى جنات الله أصبح من المفسدين في الأرض، وهكذا يصنع أهل الجاهلية مع أهل الصلاح والرشاد. وبنفس الطريقة قوبل رسول الله ﷺ ، وهو أصدق من في الكون وأعبدهم وأكرمهم على الله سبحانه، فاتهموه بالجنون وبالسحر وبالكذب: ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤] وقالوا: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤] وقالوا: يفرق بين المرء وزوجه، ورموه بالأباطيل مع أنه الصادق الأمين ﷺ . وهكذا قلبوا الحقائق، وجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً ليصدوا عن سبيل الله، وقد أخبر النبي ﷺ أن الموازين ستقلب بين يدي الساعة فقال: (إن بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة). وهذا الذي بينه النبي ﷺ قد ذمه الله وبين أن هذا الباطل إنما هو لطمس الحقائق، والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه، فإن الغيب عند الله شهادة كما أن الشهادة يعلمها الله جل في علاه. ولما جاء وفد نجران من النصارى إلى رسول الله ﷺ دعاهم إلى الله جل في علاه، وبين لهم أن عيسى ﵇ عبد من عباد الله، وخلق من خلق الله، ثم أمرهم باتباع سنته، وبين لهم أنه أوحي إليه أنه ما من نبي يلقى رسول الله إلا وأمراً واجباً عليه أن يتبعه. وهو قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:٨١]، فلما قال لهم ذلك ثارت ثائرتهم وقالوا: إن محمداً يدعونا لعبادته، وهذه صورة لقلب الحقائق، فقد أمرهم أن يتبعوه، وبين لهم وحياً من الله أن موسى لو كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعه فقال: (والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، فخرجوا يقولون بصوت عال تشويشاً على الحق إن محمداً يدعونا أن نعبده. وهكذا فعل المشركون من أهل مكة لما سمعوا النبي ﷺ يقول: اعبدوا الله واتبعوني، وذكر عيسى ﵇ وقصته، فقالوا: يومئ بأن نعبده كما عبدت النصارى عيسى بن مريم ﵇، وصدوا عن سبيل الله، فكشف الله زيفهم هذا في كتابه حيث قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران:٧١]. وقال الله وهو يتحدث عن بني إسرائيل: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]. وهذه الصفة التي ذمها الله في أهل الجاهلية الجهلاء توجد في عصورنا هذه، فهناك من يطمس الحقائق ويصد عن سبيل الله بقلب الموازين، فيجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، ويجعل الصدق كذباً والكذب صدقاً.

стр. 36

الصورة الثانية: أصحاب الشركيات والعقائد الفاسدة إن هذه الصفة في عصورنا هذه أشد ظهوراً مما كانت قبل، إذ قبل لم يستنيروا بكتاب الله، وأما الآن فإن كتاب الله بين أظهرنا ومع ذلك فإن طمس الحقائق موجود في أهل هذا الزمان. فهناك من يرى أن سؤال أولياء الله الصالحين الأموات؛ لتفريج الكربات، وقضاء الحاجات هو التوحيد، وإذا قيل لهم: إن هذا شرك، فلا يسأل إلا الله، ولا يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، لقالوا: هذا هو الشرك بعينه. وأكثر هؤلاء يعتقدون بالحلول والاتحاد، فما هو الدكتور زغلول النجار -عالم من علماء الجيولوجيا، وأشهر من نار على علم- سئل مرة في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: هذا تمثيل، الله في كل مكان، فهذا نص صريح من الرجل، وهو رجل بفضل الله نحسبه على خير وفضل ومع ذلك يجهل أمور العقيدة، فلابد أن يتعلمها. فأهل الحلول والاتحاد يقولون: بأن الذي يقول: إن الله فوق العرش أنه قد كفر؛ لأنه يحد من مكان الله جل في علاه، ويقولون: من أشار بإصبعه إلى السماء فلابد أن تقطع يده، هكذا قلبوا الحقائق، والنبي ﷺ يقول للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فشهد لها بالإيمان لما شهدت بأن ربها فوق العرش، والإنسان جبل بالفطر السليمة أنه إذا أراد أن يسأل ربه أن يرفع بصره ويديه إلى السماء، ولو كان الله في كل مكان ما فعل ذلك، وهذه الفطرة موجودة حتى في العجائز، فالمرأة العجوز التي تموت على سريرها ولا تعرف القراءة والكتابة عندما يقال لهما: أين ربك؟ تقول: في السماء فوق العرش وهؤلاء يقولون: إن الله في كل مكان، احتوشته الكلاب والخنازير، ولذلك قال قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه أي: كل كلام نتكلم به حتى وإن كان فاحشاً أو بذيئاً فهو كلام الله، وقال قائلهم: ما في الجبة إلا الله، يتكلم عن نفسه، ولا يفرق بينه وبين ربه جل في علاه، فعندهم أن محض التوحيد أن تذهب إلى قبر الولي الفلاني وتقول له: إن زوجتي مريضة اشفها، أو تسأله إعطاء الحاجات، أو تفريج الكربات. فهؤلاء قلبوا الحقائق، وأرادوا طمس معالم التوحيد، وإظهار الشرك على أنه توحيد؛ ولذلك قال قائلهم: إن الله أعطى للولي قوة أن يخلق الجنين في بطن أمه، ثم يقول: لا شرك في هذه الأمة بعد اليوم!! والنبي ﷺ يقول: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة)؟! وذو الخصلة صنم كان يعبد من دون الله جل في علاه، فالصورة الجاهلية تظهر الآن جلياً، لكنها ظهرت بزي وبرونق آخر.

стр. 37

الصورة الثالثة: المعطلة أيضاً من هذه الصور: أهل التعطيل الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، ويرون أن الذين يعتقدون الاعتقاد الصحيح في ربهم جل في علاه أنهم مجسمة ومشبهة وكفرة. فمن قال بأن لله يداً تصديقاً بقول الله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، أو قال: لله ساق كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، أو قال: لله عين كما قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، أو أثبت لله نزولاً يليق بجلاله وكماله، أو أثبت بأن الله جل في علاه استوى على العرش، وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته رسوله، فإنهم يقولون عنه: مشبه، وأنه شبه الخالق بالمخلوق، وأن هذا هو محض الكفر. فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً، والتوحيد شركاً والشرك توحيداً، وهذه من سمات أهل الجاهلية. والمعطلة فرقتان: الفرقة الأولى: الجهمية، وهم يرون أن أهل السنة والجماعة حشوية مشبهة، وأنهم على كفر مبين، وذلك لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، وقالوا: إن لله يداً وللعبد يداً إذاً فيلزم من ذلك أن يد الله شبيهة بيد العبد، فشبهتم الخالق بالمخلوق. والجواب عليهم هو أن يقال لهم: أأنتم أعلم من رسول الله ﷺ الذي وصف ربه بأن له يداً وأعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي الذين وصفوا لله بأنه مستو على العرش، وأن له عيناً ورجلاً وساقاً ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، وأهل التعطيل من الجهمية هم الذين عطلوا الاسم والصفة، فيقولون: لا كريم ولا كرم، ولا سميع ولا سمع، ولا قدير ولا قدرة. الفرقة الثانية: المعتزلة، وهم أرقى منهم منزلة، وهم الذين قالوا: إن الله سميع لكن بلا سمع، وبصير بلا بصر، وقدير بلا قدرة، وعزيز بلا عزة. وعلى هذا فهم يعبدون عدماً ليس له ذات ولا صفات، وهؤلاء أيضاً قلبوا الحقائق وقالوا: بأن أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ مشبهة مجسمة كفرة؛ لأنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق. وأما القدرية فهم الذين يقولون: إن الأمر أنف، ومعنى ذلك: أن الله جل وعلا لم يعلم بالأمر حتى وقع، وأنه لا علاقة بين إرادته وإرادة العبد، فالعبد له إرادة مستقلة يفعل الفعل دون أن يتحكم الله في إرادته. وأما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا للعبد مشيئة وإرادة، ولكنهم جعلوا هذه المشيئة والإرادة تحت إرادة الله ومشيئته، الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، فأثبتوا للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله، وأثبتوا العلم الشامل الكامل، فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. فالقدرية لما سمعوا ذلك من أهل السنة والجماعة وهم الذين عضوا بالنواجذ على سنة النبي ﷺ ، وعلى كتاب ربهم جل في علاه، وعلى اعتقاد وفهم السلف الصالح قالوا: هؤلاء جبرية يحرفون الكلم عن مواضعه؛ قلباً للحقائق. وصوت هؤلاء الآن مسموع وعال، وأما أهل السنة والجماعة فهم في قلة وإلى قل، كما قال سفيان الثوري وهو يترحم على أهل السنة والجماعة: هم إلى قل -يعني: سيقلون- فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس. وأيضاً الروافض الذين يتشيعون لـ علي وآل البيت يقولون عن أهل السنة والجماعة الذين يتقربون إلى الله بحب أبي بكر وحب عمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين، يقولون: هؤلاء نواصب، أي أنهم نصبوا العداء لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. بل ارتقوا فوق ذلك وقالوا: إن أهل السنة أدخلوا في الإسلام من خرج منه؛ لأنهم يعتقدون أن أبا بكر وعمر ارتدا بعد موت النبي ﷺ ، حتى إنهم يقولون في يوم عاشوراء دائماً: اللهم العن صنما قريش، يقصدون بذلك أبا بكر وعمر.

стр. 38

الصورة الرابعة: استحلال ما حرم الله إن أهل البدعة والضلالة ينظرون إلى من تمسك بسنة النبي ﷺ ، واعتقد أن فيها النجاة، وألا عصمة إلا بها، ينظرون إلى أن هؤلاء متشددون متنطعون، فإن تكلمت عن السواك قالوا: أنت متشدد متنطع، وستفرق الأمة بكلامك، فاتق الله ولا تتكلم في هذه المسائل، فمن نادى بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله وأن الرجال لا يعرفون إلا بالعلم، يرمى بأنه ممن يفرق شمل الأمة. إن كثيراً ممن يتحايلون على شرع الله ويستحلون ما حرم الله إذا قيل لهم: إن ما وقعتم فيه مخالفة لشرع الله، قالوا: هذا جهل بفقه الواقع، بل إن بعضهم يقول: إن الأمة ما انحدرت وما تراجعت إلا لأنها رزقت بمثل هؤلاء، يقصدون ابن باز وابن عثيمين والألباني الذين هم عظام الأمة وأماجدها وأكارمها، وتجرأ بعضهم فقال: ابن باز عقله مظلم، وابن عثيمين كذلك، بل قالوا عنهم: صب الجاز على ابن باز وابن عثيمين وكذلك قالوا عن الألباني، بل هو أشد وأنكى، وهكذا فإن أهل البدعة والضلالة لا يرضون بأهل السنة والجماعة، بل يرمونهم بالتشدد والتنطع وتفريق شمل الأمة. وأيضاً استحلوا محارم الله بقلب الأسماء عن مسمياتها، كما بين النبي ﷺ بأنهم سوف يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها؛ حتى لا يظهر للناس فحش حرمتها، فلا يقولون: هي خمر، بل يقولون: هي بيرة، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله أن البيرة حرام، لذا فقد بينت لنا السنة أن الأسماء ستغير قبل يوم القيامة، والمقصد من ذلك استحلال ما حرم الله بأدنى الحيل كما قال النبي ﷺ . وقد قال النبي ﷺ كما في الطبراني بسند صحيح: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها)، فيسمونها كونياك، بيرة، مشروبات روحية، أو غير ذلك. يقول النبي ﷺ : (بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يمسي العبد فيها مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). قال الحسن:- والله لقد رأيناهم أشباحاً بلا أرواح، وجسوماً بلا عقول، يغدو المرء بدرهمين ويروح بدرهمين، يبيع دينه بثمن بخس دراهم معدودة. وقد ورد مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (يأتي زمان على الأمة يستحلون خمساً بخمس يستحلون الربا باسم البيع)، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقد ورد عن النبي ﷺ حديث مستقل بإسناد فيه كلام أنه قال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الزنا باسم النكاح، ويستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها، ويستحلون الرشوة بالهدية، ويستحلون القتل بالرهبة). فكثير من الناس اليوم يتعاملون بالتورق، ومسألة التورق فيها خلاف معتبر ولا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر ولا ذم، لكن هذه المسألة مثال على هذا الحديث عند من يقول: إن التورق ربا. فالجمهور يرون جواز التورق، وفي رواية عن أحمد وهي ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن التورق محرم؛ لأنه تحايل على الربا. والتورق: أن يشتري سلعة كسيارة تقسيطاً بمائة ألف ويبيعها نقداً بثمانين، إذاً فقد أخذ السيارة تقسيطاً بمبلغ عالٍ ثم باعها نقداً بمبلغ أقل؛ لأنه لا يريد التجارة وإنما يريد سيولة المال. والشاهد في المسألة أنها مثال على قول النبي ﷺ : (يستحلون الربا باسم البيع)، عند ابن تيمية وابن القيم الذين يريان أن هذا البيع محرم، لأن المقصود فيه المال، وكأنه أخذ الثمانين وسيردها مائة. فهي صورة لقرض جر نفعاً، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لما صورت له هذه الصورة: ما أراه إلا الربا، وقعد لنا ابن عباس قاعدة قصمت ظهور من خالفه فقال: دراهم بدراهم بينهما حريرة. يعني: أن الرجل لا يقصد إلا الدراهم بالدراهم، والنبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، ويداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، ويداً بيد وإلا كانت ربا)، ثم قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم)، فإذا اختلفت الأصناف أي: إذا بيع الذهب بالفضة فبيعوا كيف شئتم بالتفاضل لكن بدون نسيئة بل يداً بيد، فهذا الشرط هو شرط التقابض في المجلس. فإذا أخذ ثمانين وأعطى مائة من أجل الأجل كان ذلك قرضاً جر نفعاً فهو ربا. فالذين يقولون بأن هذه الصورة محرمة يدخلونها تحت الحديث: (يستحلون الربا باسم البيع)، وكما قال أهل الجاهلية: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. قال في الثانية: (ويستحلون الزنا باسم النكاح) , وذلك نكاح المتعة فإن اسمه نكاح لكنه زنا؛ لأن النبي ﷺ لما حرمه قالوا: (يا رسول الله حرام؟ قال: إلى أبد الأبد)، أو قال: (إلى أبد الآبدين هو محرم)، فالنبي ﷺ حرم نكاح المتعة إلى الأبد. إذاً: فمن قال بحلية نكاح المتعة فقد وقع في الزنا، ودخل تحت قول ابن عباس: (يستحلون الزنا باسم النكاح). وأما الزواج العرفي فهو صحيح؛ لتوفر شروط النكاح فيه. قال: (ويستحلون الرشوة بالهدية)، وذلك أن الهدية أصل مشروع من أصول الدِّين، وقد ورد في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف-: (تهادوا تحابوا)، (وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها)، لكنهم الآن يعملون ما ظاهره الصحة وباطنه الحرمة، فيستحلون الرشوة باسم الهدية، فإذا أنجز لك أحدهم معاملة قال: أين هديتي أو قهوتي أو كراميتي؟ فسموا الرشوة بغير اسمها، ولكن الله جل وعلا ينظر إلى المعاني، كما قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وقال: (إنما الأعمال بالنيات). وقال: (ويستحلون القتل بالرهبة)، إذاً فالواقع الذي نعيشه هو الذي حذر منه النبي ﷺ ، فيستحلون خمساً بخمس، أي: يقلبون الأسماء دون مسمياتها. ولذلك فإن النبي ﷺ نصح هذه الأمة نصيحة عظيمة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وقال النبي ﷺ : (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وسنتي)، وقال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء). ووردت رواية أخرى بزيادة في إسنادها ضعف لكن الشواهد تقويها: (فقالوا: من الغرباء يا رسول الله؟! قال: أناس صالحون قليل هم -أو قليل ما هم- يصلحون ما أفسد الناس). فلا تكن إمعة، ولا تسمع للأصوات العالية، ولا تغتر بالكثرة؛ فإن الله جل في علاه قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. ولا تعرف الحق بالرجال وإن كانوا أسماء لامعة؛ لأن الله جل في علاه لم يربط الحق بالرجال بل ربط الحق بمعرفة الكتاب والسنة، كما قال علي بن أبي طالب: اعرف الحق تعرف أهله. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فهذه هي نبوءات النبي ﷺ : (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبض)، وقال: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها) وقال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع). فعلى الإنسان أن يتقي الله ربه، ويعلم أن طمس الحقائق بقلب أسمائها من سمات وصفات الجاهلية. كما عليه أن يتمسك بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، وأن يستنير بضوء العلماء، ولا يكن كالرعاع الهمج الذين لا يستضيئون بنور العلم، وهم أتباع لكل ناعق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 39

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - حكم صرف الدعاء لغير الله دعاء الله هو العبادة، وهو الدين كله، وقد أمر الله عباده أن يدعوه وأن يفردوه بالدعاء وحده دون من سواه؛ إذ إنه عليه مدار التوحيد، فلا يمكن أن يكون الإنسان موحداً إلا إذا أفرد الله تعالى بالدعاء، وأما دعاء غيره سبحانه فهو شرك؛ لذلك كان جديراً بالمسلم أن يوحد الله تعالى بالدعاء خوفاً على نفسه من الوقوع في الشرك.

стр. 40

حال أهل الجاهلية قبل الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! إن المشركين كانوا في جاهلية جهلاء عمياء، فقد كانوا يقلبون الحقائق فيجعلون التوحيد شركاً، والشرك توحيداً، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً، فصرفوا صنوف وألوان العبادات لغير الله جل في علاه، مع الله جل في علاه قد أمرهم بعبادته، وبعث إليهم الرسل من أجل أن يصرفوا هذه العبادات له وحده لا شريك له سبحانه جل في علاه. فقد كانوا يعبدون الله، ويقرون بربوبيته وأنه الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، ومع ذلك كانوا يتعبدون لله بالشرك، وهذا من أقبح ما تقدموا به بين يدي عبادتهم، فكانوا يصرفون العبادات من الدعاء والنذر والذبح لغير الله جل في علاه، وإذا سئلوا عن ذلك قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] زعموا ذلك، وقد أبطل الله هذا الزعم؛ ولذلك أرسل الله رسوله على فترة من الرسل ليبدد هذه الأباطيل، وليبين الحجة الدامغة على هؤلاء، وأمره إن لم يطيعوه ويسمعوا له أن يقاتلهم فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣].
следующие страницы →