← Акыда

Акыда · id 37683

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (205 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الصورة الثانية: أصحاب الشركيات والعقائد الفاسدة إن هذه الصفة في عصورنا هذه أشد ظهوراً مما كانت قبل، إذ قبل لم يستنيروا بكتاب الله، وأما الآن فإن كتاب الله بين أظهرنا ومع ذلك فإن طمس الحقائق موجود في أهل هذا الزمان. فهناك من يرى أن سؤال أولياء الله الصالحين الأموات؛ لتفريج الكربات، وقضاء الحاجات هو التوحيد، وإذا قيل لهم: إن هذا شرك، فلا يسأل إلا الله، ولا يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، لقالوا: هذا هو الشرك بعينه. وأكثر هؤلاء يعتقدون بالحلول والاتحاد، فما هو الدكتور زغلول النجار -عالم من علماء الجيولوجيا، وأشهر من نار على علم- سئل مرة في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: هذا تمثيل، الله في كل مكان، فهذا نص صريح من الرجل، وهو رجل بفضل الله نحسبه على خير وفضل ومع ذلك يجهل أمور العقيدة، فلابد أن يتعلمها. فأهل الحلول والاتحاد يقولون: بأن الذي يقول: إن الله فوق العرش أنه قد كفر؛ لأنه يحد من مكان الله جل في علاه، ويقولون: من أشار بإصبعه إلى السماء فلابد أن تقطع يده، هكذا قلبوا الحقائق، والنبي ﷺ يقول للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فشهد لها بالإيمان لما شهدت بأن ربها فوق العرش، والإنسان جبل بالفطر السليمة أنه إذا أراد أن يسأل ربه أن يرفع بصره ويديه إلى السماء، ولو كان الله في كل مكان ما فعل ذلك، وهذه الفطرة موجودة حتى في العجائز، فالمرأة العجوز التي تموت على سريرها ولا تعرف القراءة والكتابة عندما يقال لهما: أين ربك؟ تقول: في السماء فوق العرش وهؤلاء يقولون: إن الله في كل مكان، احتوشته الكلاب والخنازير، ولذلك قال قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه أي: كل كلام نتكلم به حتى وإن كان فاحشاً أو بذيئاً فهو كلام الله، وقال قائلهم: ما في الجبة إلا الله، يتكلم عن نفسه، ولا يفرق بينه وبين ربه جل في علاه، فعندهم أن محض التوحيد أن تذهب إلى قبر الولي الفلاني وتقول له: إن زوجتي مريضة اشفها، أو تسأله إعطاء الحاجات، أو تفريج الكربات. فهؤلاء قلبوا الحقائق، وأرادوا طمس معالم التوحيد، وإظهار الشرك على أنه توحيد؛ ولذلك قال قائلهم: إن الله أعطى للولي قوة أن يخلق الجنين في بطن أمه، ثم يقول: لا شرك في هذه الأمة بعد اليوم!! والنبي ﷺ يقول: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة)؟! وذو الخصلة صنم كان يعبد من دون الله جل في علاه، فالصورة الجاهلية تظهر الآن جلياً، لكنها ظهرت بزي وبرونق آخر.

стр. 37

الصورة الثالثة: المعطلة أيضاً من هذه الصور: أهل التعطيل الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، ويرون أن الذين يعتقدون الاعتقاد الصحيح في ربهم جل في علاه أنهم مجسمة ومشبهة وكفرة. فمن قال بأن لله يداً تصديقاً بقول الله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، أو قال: لله ساق كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، أو قال: لله عين كما قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، أو أثبت لله نزولاً يليق بجلاله وكماله، أو أثبت بأن الله جل في علاه استوى على العرش، وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته رسوله، فإنهم يقولون عنه: مشبه، وأنه شبه الخالق بالمخلوق، وأن هذا هو محض الكفر. فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً، والتوحيد شركاً والشرك توحيداً، وهذه من سمات أهل الجاهلية. والمعطلة فرقتان: الفرقة الأولى: الجهمية، وهم يرون أن أهل السنة والجماعة حشوية مشبهة، وأنهم على كفر مبين، وذلك لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، وقالوا: إن لله يداً وللعبد يداً إذاً فيلزم من ذلك أن يد الله شبيهة بيد العبد، فشبهتم الخالق بالمخلوق. والجواب عليهم هو أن يقال لهم: أأنتم أعلم من رسول الله ﷺ الذي وصف ربه بأن له يداً وأعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي الذين وصفوا لله بأنه مستو على العرش، وأن له عيناً ورجلاً وساقاً ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، وأهل التعطيل من الجهمية هم الذين عطلوا الاسم والصفة، فيقولون: لا كريم ولا كرم، ولا سميع ولا سمع، ولا قدير ولا قدرة. الفرقة الثانية: المعتزلة، وهم أرقى منهم منزلة، وهم الذين قالوا: إن الله سميع لكن بلا سمع، وبصير بلا بصر، وقدير بلا قدرة، وعزيز بلا عزة. وعلى هذا فهم يعبدون عدماً ليس له ذات ولا صفات، وهؤلاء أيضاً قلبوا الحقائق وقالوا: بأن أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ مشبهة مجسمة كفرة؛ لأنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق. وأما القدرية فهم الذين يقولون: إن الأمر أنف، ومعنى ذلك: أن الله جل وعلا لم يعلم بالأمر حتى وقع، وأنه لا علاقة بين إرادته وإرادة العبد، فالعبد له إرادة مستقلة يفعل الفعل دون أن يتحكم الله في إرادته. وأما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا للعبد مشيئة وإرادة، ولكنهم جعلوا هذه المشيئة والإرادة تحت إرادة الله ومشيئته، الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، فأثبتوا للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله، وأثبتوا العلم الشامل الكامل، فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. فالقدرية لما سمعوا ذلك من أهل السنة والجماعة وهم الذين عضوا بالنواجذ على سنة النبي ﷺ ، وعلى كتاب ربهم جل في علاه، وعلى اعتقاد وفهم السلف الصالح قالوا: هؤلاء جبرية يحرفون الكلم عن مواضعه؛ قلباً للحقائق. وصوت هؤلاء الآن مسموع وعال، وأما أهل السنة والجماعة فهم في قلة وإلى قل، كما قال سفيان الثوري وهو يترحم على أهل السنة والجماعة: هم إلى قل -يعني: سيقلون- فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس. وأيضاً الروافض الذين يتشيعون لـ علي وآل البيت يقولون عن أهل السنة والجماعة الذين يتقربون إلى الله بحب أبي بكر وحب عمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين، يقولون: هؤلاء نواصب، أي أنهم نصبوا العداء لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. بل ارتقوا فوق ذلك وقالوا: إن أهل السنة أدخلوا في الإسلام من خرج منه؛ لأنهم يعتقدون أن أبا بكر وعمر ارتدا بعد موت النبي ﷺ ، حتى إنهم يقولون في يوم عاشوراء دائماً: اللهم العن صنما قريش، يقصدون بذلك أبا بكر وعمر.

стр. 38

الصورة الرابعة: استحلال ما حرم الله إن أهل البدعة والضلالة ينظرون إلى من تمسك بسنة النبي ﷺ ، واعتقد أن فيها النجاة، وألا عصمة إلا بها، ينظرون إلى أن هؤلاء متشددون متنطعون، فإن تكلمت عن السواك قالوا: أنت متشدد متنطع، وستفرق الأمة بكلامك، فاتق الله ولا تتكلم في هذه المسائل، فمن نادى بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله وأن الرجال لا يعرفون إلا بالعلم، يرمى بأنه ممن يفرق شمل الأمة. إن كثيراً ممن يتحايلون على شرع الله ويستحلون ما حرم الله إذا قيل لهم: إن ما وقعتم فيه مخالفة لشرع الله، قالوا: هذا جهل بفقه الواقع، بل إن بعضهم يقول: إن الأمة ما انحدرت وما تراجعت إلا لأنها رزقت بمثل هؤلاء، يقصدون ابن باز وابن عثيمين والألباني الذين هم عظام الأمة وأماجدها وأكارمها، وتجرأ بعضهم فقال: ابن باز عقله مظلم، وابن عثيمين كذلك، بل قالوا عنهم: صب الجاز على ابن باز وابن عثيمين وكذلك قالوا عن الألباني، بل هو أشد وأنكى، وهكذا فإن أهل البدعة والضلالة لا يرضون بأهل السنة والجماعة، بل يرمونهم بالتشدد والتنطع وتفريق شمل الأمة. وأيضاً استحلوا محارم الله بقلب الأسماء عن مسمياتها، كما بين النبي ﷺ بأنهم سوف يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها؛ حتى لا يظهر للناس فحش حرمتها، فلا يقولون: هي خمر، بل يقولون: هي بيرة، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله أن البيرة حرام، لذا فقد بينت لنا السنة أن الأسماء ستغير قبل يوم القيامة، والمقصد من ذلك استحلال ما حرم الله بأدنى الحيل كما قال النبي ﷺ . وقد قال النبي ﷺ كما في الطبراني بسند صحيح: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها)، فيسمونها كونياك، بيرة، مشروبات روحية، أو غير ذلك. يقول النبي ﷺ : (بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يمسي العبد فيها مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). قال الحسن:- والله لقد رأيناهم أشباحاً بلا أرواح، وجسوماً بلا عقول، يغدو المرء بدرهمين ويروح بدرهمين، يبيع دينه بثمن بخس دراهم معدودة. وقد ورد مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (يأتي زمان على الأمة يستحلون خمساً بخمس يستحلون الربا باسم البيع)، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقد ورد عن النبي ﷺ حديث مستقل بإسناد فيه كلام أنه قال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الزنا باسم النكاح، ويستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها، ويستحلون الرشوة بالهدية، ويستحلون القتل بالرهبة). فكثير من الناس اليوم يتعاملون بالتورق، ومسألة التورق فيها خلاف معتبر ولا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر ولا ذم، لكن هذه المسألة مثال على هذا الحديث عند من يقول: إن التورق ربا. فالجمهور يرون جواز التورق، وفي رواية عن أحمد وهي ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن التورق محرم؛ لأنه تحايل على الربا. والتورق: أن يشتري سلعة كسيارة تقسيطاً بمائة ألف ويبيعها نقداً بثمانين، إذاً فقد أخذ السيارة تقسيطاً بمبلغ عالٍ ثم باعها نقداً بمبلغ أقل؛ لأنه لا يريد التجارة وإنما يريد سيولة المال. والشاهد في المسألة أنها مثال على قول النبي ﷺ : (يستحلون الربا باسم البيع)، عند ابن تيمية وابن القيم الذين يريان أن هذا البيع محرم، لأن المقصود فيه المال، وكأنه أخذ الثمانين وسيردها مائة. فهي صورة لقرض جر نفعاً، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لما صورت له هذه الصورة: ما أراه إلا الربا، وقعد لنا ابن عباس قاعدة قصمت ظهور من خالفه فقال: دراهم بدراهم بينهما حريرة. يعني: أن الرجل لا يقصد إلا الدراهم بالدراهم، والنبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، ويداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، ويداً بيد وإلا كانت ربا)، ثم قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم)، فإذا اختلفت الأصناف أي: إذا بيع الذهب بالفضة فبيعوا كيف شئتم بالتفاضل لكن بدون نسيئة بل يداً بيد، فهذا الشرط هو شرط التقابض في المجلس. فإذا أخذ ثمانين وأعطى مائة من أجل الأجل كان ذلك قرضاً جر نفعاً فهو ربا. فالذين يقولون بأن هذه الصورة محرمة يدخلونها تحت الحديث: (يستحلون الربا باسم البيع)، وكما قال أهل الجاهلية: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. قال في الثانية: (ويستحلون الزنا باسم النكاح) , وذلك نكاح المتعة فإن اسمه نكاح لكنه زنا؛ لأن النبي ﷺ لما حرمه قالوا: (يا رسول الله حرام؟ قال: إلى أبد الأبد)، أو قال: (إلى أبد الآبدين هو محرم)، فالنبي ﷺ حرم نكاح المتعة إلى الأبد. إذاً: فمن قال بحلية نكاح المتعة فقد وقع في الزنا، ودخل تحت قول ابن عباس: (يستحلون الزنا باسم النكاح). وأما الزواج العرفي فهو صحيح؛ لتوفر شروط النكاح فيه. قال: (ويستحلون الرشوة بالهدية)، وذلك أن الهدية أصل مشروع من أصول الدِّين، وقد ورد في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف-: (تهادوا تحابوا)، (وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها)، لكنهم الآن يعملون ما ظاهره الصحة وباطنه الحرمة، فيستحلون الرشوة باسم الهدية، فإذا أنجز لك أحدهم معاملة قال: أين هديتي أو قهوتي أو كراميتي؟ فسموا الرشوة بغير اسمها، ولكن الله جل وعلا ينظر إلى المعاني، كما قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وقال: (إنما الأعمال بالنيات). وقال: (ويستحلون القتل بالرهبة)، إذاً فالواقع الذي نعيشه هو الذي حذر منه النبي ﷺ ، فيستحلون خمساً بخمس، أي: يقلبون الأسماء دون مسمياتها. ولذلك فإن النبي ﷺ نصح هذه الأمة نصيحة عظيمة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وقال النبي ﷺ : (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وسنتي)، وقال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء). ووردت رواية أخرى بزيادة في إسنادها ضعف لكن الشواهد تقويها: (فقالوا: من الغرباء يا رسول الله؟! قال: أناس صالحون قليل هم -أو قليل ما هم- يصلحون ما أفسد الناس). فلا تكن إمعة، ولا تسمع للأصوات العالية، ولا تغتر بالكثرة؛ فإن الله جل في علاه قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. ولا تعرف الحق بالرجال وإن كانوا أسماء لامعة؛ لأن الله جل في علاه لم يربط الحق بالرجال بل ربط الحق بمعرفة الكتاب والسنة، كما قال علي بن أبي طالب: اعرف الحق تعرف أهله. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فهذه هي نبوءات النبي ﷺ : (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبض)، وقال: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها) وقال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع). فعلى الإنسان أن يتقي الله ربه، ويعلم أن طمس الحقائق بقلب أسمائها من سمات وصفات الجاهلية. كما عليه أن يتمسك بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، وأن يستنير بضوء العلماء، ولا يكن كالرعاع الهمج الذين لا يستضيئون بنور العلم، وهم أتباع لكل ناعق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 39

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - حكم صرف الدعاء لغير الله دعاء الله هو العبادة، وهو الدين كله، وقد أمر الله عباده أن يدعوه وأن يفردوه بالدعاء وحده دون من سواه؛ إذ إنه عليه مدار التوحيد، فلا يمكن أن يكون الإنسان موحداً إلا إذا أفرد الله تعالى بالدعاء، وأما دعاء غيره سبحانه فهو شرك؛ لذلك كان جديراً بالمسلم أن يوحد الله تعالى بالدعاء خوفاً على نفسه من الوقوع في الشرك.

стр. 40

حال أهل الجاهلية قبل الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! إن المشركين كانوا في جاهلية جهلاء عمياء، فقد كانوا يقلبون الحقائق فيجعلون التوحيد شركاً، والشرك توحيداً، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً، فصرفوا صنوف وألوان العبادات لغير الله جل في علاه، مع الله جل في علاه قد أمرهم بعبادته، وبعث إليهم الرسل من أجل أن يصرفوا هذه العبادات له وحده لا شريك له سبحانه جل في علاه. فقد كانوا يعبدون الله، ويقرون بربوبيته وأنه الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، ومع ذلك كانوا يتعبدون لله بالشرك، وهذا من أقبح ما تقدموا به بين يدي عبادتهم، فكانوا يصرفون العبادات من الدعاء والنذر والذبح لغير الله جل في علاه، وإذا سئلوا عن ذلك قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] زعموا ذلك، وقد أبطل الله هذا الزعم؛ ولذلك أرسل الله رسوله على فترة من الرسل ليبدد هذه الأباطيل، وليبين الحجة الدامغة على هؤلاء، وأمره إن لم يطيعوه ويسمعوا له أن يقاتلهم فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣].

стр. 41

غلو أهل الجاهلية في الصالحين لقد كان أهل الجاهلية يصرفون العبادة أكثر ما يصرفونها للصالحين، ويعتقدون بأن الصالحين لهم مكانة ووجاهة عند الله، ولهم كلمة على الله حاشا لله، أو لهم حق على الله أنه ولا بد أن يعطيهم هذا الحق، ولذلك فإن الله جل في علاه بين لنا بياناً واضحاً كيف أنهم كانوا يصرفون العبادات لغير الله جل في علاه، فأخبر تعالى عنهم أنهم كانوا يعبدون المسيح ﵇، ويصرفون العبادة له ولـ عزير، وللملائكة، ويصفون الملائكة بأنهم إناث الرحمن جل في علاه حاشا لله ذلك! قال الله تعالى مبيناً لنا ما كان عليه أهل الجاهلية من صرف العبادات لغير الله جل في علاه، ويزعمون حماقة وسخفاً أنهم يتعبدون لله بذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] فهنا يبين لهم الله جل في علاه أن الذين يدعونهم يبتغون إلى الله الوسيلة. قال ابن مسعود ﵁: كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم نفر الجن وما زال الإنس يعبدونهم من دون الله جل في علاه. فالله جل في علاه بين الحقائق للجن، فاتبعوا رسوله واتبعوا هداه ووحدوه، وأهل الكفر من البشر ما زالوا على الكفر، وما زالوا على الإلحاد: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)) أي: أولئك النفر من الجن الذين يدعونهم من دون الله جل في علاه هم الآن يوحدون الله حق توحيده، ويبتغون إليه الوسيلة، وهؤلاء الإنس ما زالوا على جهلهم وكفرهم وإلحادهم: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)). قال ابن عباس ﵁: كانوا يدعون عيسى من دون الله جل في علاه، وكانوا يدعون عزيراً من دون الله جل في علاه، فقال الله تعالى: ((أُوْلَئِكَ)) يعني: عيسى وعزيراً والجن الصالحين، ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)). وأيضاً كانوا يدعون الملائكة ويصفونهم بأنهم إناث الرحمن، ويقولون عنهم: إنهم سيشفعون لنا عند ربنا، وذلك جرياً منهم على القاعدة التي قعدوها وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] لأنهم كانوا يعتقدون اعتقاداً صحيحاً في الله، وهو أنه هو الرب الخالق الرازق، ولا يعتقدون أن الملائكة تخلق وترزق، ولا يعتقدون في الأولياء الصالحين مثل عيسى وموسى أو غيرهم من الأنبياء والصالحين أنهم يمتلكون شيئاً في الكون، فلا يعتقدون هذا الاعتقاد، بل كانوا يعتقدون أن الله هو المدبر، ومع ذلك يصرفون العبادة لغير الله، فقعدوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهم يدعون الملائكة ليشفعوا لهم عند الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]، فهم يدعون الملائكة الإناث، ويقولون: هؤلاء الملائكة سيشفعون لنا عند الله بتقربنا بهم إلى الله جل في علاه. وأيضاً كانوا يعبدون اللات والعزى، ويعتقدون بأن اللات والعزى ستشفع لهم عند الله جل في علاه. فهذا النضر بن الحارث كان من أشد الكفار عداوة لرسول الله ﷺ ، وكان إذا سئل لم تعبد اللات والعزى؟ فيقول: إن اللات ستشفع لي عند الله، والعزى سيشفع لي عند الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]. بل لو نظرنا نظراً بعيداً إلى قوم نوح فإننا نجد أن الصلحاء في قوم نوح صور لهم الجهال التصاوير بعد موتهم، ومثلوا لهم التماثيل، وبنوا على قبورهم زاعمين أنهم إذا نظروا إلى هذه القبور وهذه التصاوير اجتهدوا اجتهاداً كبيراً في عبادة الله جل في علاه، فلما اندثر العلم جاء الشيطان فأغوى الأغرار والأغمار الذين لا يعلمون عن دين الله شيئاً، فقالوا: والله إن أسلافنا كانوا يعبدون هؤلاء، ويتقربون بهم إلى الله جل في علاه، فعبدوهم من دون الله جل في علاه. فهذه هي أفعال أهل الجاهلية الشركية، وما نبع ذلك إلا من الجهل العميق.

стр. 42

الأمر بالتوحيد والرد على شبه المشركين لقد بعث الله نبيه ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينور لهم بصائرهم بالحق، والتوحيد الخالص. فلما جاء النبي ﷺ فإن أول ما قدم بين يدي دعوته أن أبطل الحجة التي أقاموها، كما أبطلها الله جل في علاه، فقال لهم: أنتم اتخذتم هؤلاء وسائط بينكم وبين الله، فإذا كنتم تعتقدون بأن هؤلاء سيشفعون لكم عند الله جل في علاه فإن هذه الحجة منفية، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فلا أحد يشفع عند الله، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. ثم أبطل حجتهم الثانية وهي: اعتقادهم الباطل بأن هؤلاء الأولياء أو الصالحين لهم تحكم في هذا الكون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨]، وفي سورة سبأ قطع الله سبل التعلق بغيره من حجر أو شجر أو أو نبي، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، أي: لا معين ولا نصير لله جل في علاه؛ فقطع أولاً أن يكون لأحد شركاً مع الله جل في علاه في هذا الكون المدبر من الله جل في علاه. ثم قطع ثانياً أن يكون لهم وجاهة أو شفاعة عند الله جل في علاه، وأخبر أنهم ليس لهم كلمة، وليس لهم ملك، وليس لهم شفاعة عند الله جل في علاه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. ثم بعدما قعد هذه القاعدة أبطل حجة المشركين، وأمر نبيه أن يبطل هذه الحجج الباطلة، وإن زعموا أنهم إنما يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فأبطل ذلك وأخبرهم أنهم لا يقربونهم بل يبعدونهم عن الله جل في علاه، فأمرهم بالتخلية ثم تالتحلية، ولا بد من انتهاج هذا المبدأ: التخلية ثم التحلية، فأبطل كل الحجج، ثم بعد ذلك جاء بالتوحيد الناصع الخالص، فجاء أمره بالتوحيد بألا تعبدوا إلا الله ولا تشربوا هذه العبادة بشرك، قال الله تعالى: ﴿َاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] بل إن من السنة التي ماتت ولا بد للإنسان أن يحييها أنه عندما يريد أن ينام أن يقرأ سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، فإذا أخذ مضجعه فليقرأ هذه السورة، وهي تعدل ربع القرآن، كما بين النبي ﷺ ذلك فقال: (فإذا أخذ أحدكم مضجعه فليقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]) وذلك لأن فيها التوحيد المحض والبراءة من كل شرك، فهذا أيضاً مما أمر الله فيه عباده بالتوحيد الخالص والابتعاد عن الشرك. ولو أن رجلاً جاء الآن فعبد عيسى، أو عبد موسى، أو عبد محمداً ﷺ ، وذهب إلى قبورهم يدعوهم لتفريج الكربات أو لرفع الزلات أو لإعطاء الحسنات، فلو فعل ذلك لقلنا له: أنت وأبو جهل سواء؛ لأنه صرف عبادة لا يستحقها إلا الله لغير الله، فأفعال الجاهلية التي جاء الشرع بنبذها هي: صرف ألوان الدعاء لغير الله؛ لأنه قد ثبت بالشرع أن الدعاء عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك. وقد كانوا -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يذهبون إلى القبور يستسقون بها، ويستغيثون بأصحابها، ويتبركون بترابها، ويسألون كشف الكربات ويرفعون الحاجات إليهم؛ حتى تسد هذه الحاجات، كما يذهبون إلى قبر الجيلاني وقبر البدوي وقبر أبي العباس وأبي الدرداء والحسن والحسين، فيسألونهم من دون الله جل في علاه، فشابهوا وضاهوا أهل الكفر في أفعالهم.

стр. 43

الأدلة على أن الدعاء عبادة لقد جاء النبي ﷺ يقرر بأن الدعاء عبادة، فلا يجوز لأحد أن يدعو غير الله، أو يصرف هذه العبادة لغير الله، فذلك من أفعال الجاهلية، وقد جاء النبي ﷺ ليخرج أهل الجاهلية من الجهالة العمياء ومن الظلمات إلى النور، فمن وقع فيها الآن فلا بد من أن نخرجه من هذه الظلمات إلى النور، وذلك كالآتي: أولاً: نثبت له بأن الدعاء عبادة، والأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أن الدعاء عبادة هي: أولاً من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩]، فهذه الآية يستدل بها العلماء على أن الدعاء عبادة، ووجه الدلالة من الآية على أن الدعاء عبادة من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه الله يقع تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، فإذاً لا يأمر الله إلا بما يحب، فإذا أمر الله بما يحب فأقل ما يقال فيه: إنه على وجه الاستحباب، فهو عبادة. ثانياً: أنه أمر بالإخلاص فيه، والإخلاص لا بد من أن يكون في العبادات؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فالدعاء إذا أخلص فيه العبد فهو عبادة؛ لأن الأمر بالإخلاص يكون على العبادات. ثالثاً: أن الله سماه الدين، فكأن الدين كله دعاء، وهذا صحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة). الآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فجعل الدعاء مكان العبادة، وسمى الدعاء عبادة. وقال النبي ﷺ كما صح عنه في السنن: (الدعاء هو العبادة)، وهذا أسلوب حصر، فكأن العبادة كلها اجتمعت في الدعاء، وهذا صحيح، إذ الدعاء قسمان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة وهو الثناء، فدعاء المسألة بجلب نفع أو دفع ضر، ودعاء الثناء: هو العبادات كلها من صيام وصلاة وجهاد وزكاة، فكل هذا يدخل في مسمى دعاء العبادة، وهو الثناء على الله جل في علاه بما هو أهل له، سواء بالذكر بالقلب أو باللسان أو بالجوارح. فأهل الجاهلية ما حاربهم النبي ﷺ وجاء يقطع دابرهم، وأشعل نار الحرب بينه وبينهم إلا بسبب هذا الدعاء، فذهب إلى أهل الجاهلية فقال لهم: أنتم تدعون اللات والعزى، وتدعون عيسى، وتدعون عزيراً، وتدعون أناساً خلقهم الله جل في علاه، وتدعون الملائكة والشمس والقمر، وتدعون مخلوقات، وهذا الدعاء عبادة، إذا صرفتموه لغير الله فقد أشركتم، فجاءهم يحاربهم على ذلك، ويقول: لا تدعوا غير الله، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، ثم قالوا له: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهم يذهبون إلى اللات يطلبون منها تفريج الكربات، ويسألونها الحاجات ورفع الزلات، مع إعطاء الحسنات لللات والعزى، ولذلك قال النضر بن الحارث لما استدلوا عليه بأن النبي ﷺ يقول: إن هذا كفر، وإن الله أوحى إلى نبيه ألا يدعو أحداً إلا هو، قال: إن هؤلاء شفعاء لنا عند الله أي: إن اللات ستشفع لي عند الله جل في علاه، فصرفوها لغير الله فوقعوا في الشرك. أما أهل التوحيد -اللهم اجعلنا جميعاً من أهل التوحيد- فقد علموا أن الدعاء عبادة، وأن العبد يتقرب إلى الله بهذه العبادة، فأذلوا أنفسهم لله، وصرفوا هذه العبادة لله، فأصبحوا موحدين؛ ولذلك فإن الله جل في علاه يحب من أهل التوحيد بل ويحب من خاصة أهل التوحيد أن يتذللوا ويتضرعوا بالدعاء له جل في علاه، ليتبين مكمن الإخلاص والتذلل والتضرع في الدعاء لله جل في علاه، كما جاء في الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه) أي: أنه يستوجب غضب الله، لعدم التعبد له وتوحيده بهذه العبادة، وهي الدعاء. وهذا فيه دلالة واضحة جداً على أن العبد إذا صرف هذا الدعاء لله فإنه يكون توحيداً خالصاً متقرباً به إلى الله جل في علاه.

стр. 44

أفعال أهل الجاهلية المعاصرة نقارن الآن أفعال أهل الجاهلية بأفعال أهل التوحيد، فقد ذكر مصطفى المنفلوطي رسالة عريضة جداً كانت أرسلت لـ عبد القادر الجيلاني يقول فيها صاحبها: إني عبد مظلوم، إني مكروب وأريد أن ترفع عني هذه الكربات! وأن تقضي لي الحاجات، فإنك أنت المعين الناصر. وذهبت امرأة لم تحمل إلى البدوي فقالت: إني امرأة عقيم فهلا فعلت لي شيئاً؟ إني أريد أن ألد وهي تعتقد فيه اعتقاداً لا يعتقد إلا في الله جل في علاه. وبعضهم يذهب بالأوراق التي تكتب لرسول الله ﷺ ، وفيها: يا رسول الله! أغثني، واجعل ابنتي تحمل، يا رسول الله! دين علي قد ركبني، وأريد أن تقضيه عني، وكل هذا طلب من المخلوق الميت فرسول الله ﷺ قد مات، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، والبدوي قد مات، وعبد القادر الجيلاني قد مات، والحسن قد مات فهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وهؤلاء القبوريون الذين يعتقدون في الأولياء اعتقاداً خاطئاً يصرفون هذه العبادة التي لا تكون إلا لله لغير الله، فيسألون البدوي، ويسألون عبد القادر الجيلاني، ومنهم من يسأل الأولياء خفية، ويعتقد بأن الولي أعطاه الله قوة أن يحيي الجنين في بطن الأم.

стр. 45

أدلة المجوزين لدعاء غير الله باسم التوسل فهؤلاء الذين ضارعوا أهل الكفر في أفعالهم ما قالوا تبجحاً كما قال أهل الجاهلية من قبل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، بل لبسوا الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١] فقالوا: نحن نتوسل بهم إلى الله، فغيروا الاسم والمعنى باقٍ لم يتغير وقد كشف رسول الله ﷺ زيفهم، فقال: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وقد يأخذون الرشوة فيسمونها إكرامية أو قهوة، فهو قالب واحد وقد أصل لنا النبي ﷺ تأصيلاً عاماً، وهو: إن تغيير الأسماء لا يغير حقائق المسميات، فإن قال المجوزون للتوسل: نحن نتوسل بهم ولا نعبدهم، قلنا: لا، أنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زلفى، فإن قالوا: لا إنما نتوسل بهم، وعندنا الأدلة على ذلك، قلنا: ما أدلتكم؟ قالوا: أولاً: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة:٣٥]، فوجه الدلالة من هذه الآية قوله: ((اتَّقُوا اللَّهَ)) [المائدة:٣٥] والتقوى معناها: فعل المأمور وترك المحظور وهذه بالفعال. الثانية: ((وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)) أي: بالذوات؛ لأن الأصل في اللغة العربية أن الكلام لا يكرر، فالأصل التأسيس لا التأكيد، فقالوا: أسس أولاً: التوسل بالفعال بالتقوى، بفعل المأمور وترك المحظور، ثم أسس أصلاً ثانياً وهو التوسل بالذوات، وصرح وقال: ((وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ))، ثم قال: ((وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ)). والآية الثانية قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]. فالله جل في علاه يأمر أمراً حاسماً على عباده، والأصل في الأمر الوجوب، ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ))، وما منا من أحد إلا ويظلم نفسه، فإن العبد خطاء، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أن (جاءوك) هنا على العموم فتكون جاءوك حياً أو ميتاً، فسواءٌ جاءوك حياً فاستغفرت لهم، أو جاءوك ميتاً وأنت تسمع كلامهم ودعاءهم، وتعلم ما هم فيه، فاستغفروا الله وطلبوا منك الاستغفار فإن الله سيغفر لهم. وأما الدليل من السنة. فحديث عثمان بن حنيف ﵁ وأرضاه: (أن رجلاً أعمى جاء إلى رسول صلى، فقال له: يا رسول الله! ادع الله أن يرد علي بصري. فقال له النبي ﷺ : إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك، فذهب الرجل، فنصحه النبي ﷺ قال: اذهب فتوضأ، ثم استقبل القبلة، فقل: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا نبي الرحمة إني أسأل الله بك، اللهم شفعه في، وشفعني فيه). فدعا الله جل في علاه بهذا الدعاء، فرد الله عليه بصره، قالوا: فهذا الرجل قد توسل بالنبي. ووجه الشاهد قوله: أسألك بنبيك. أي: بذات نبيك، فإن هذا هو الأصل، والقاعدة عندنا وعندكم: أن الأصل في اللفظ يبقى على ظاهره حتى تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول. إن أهل الجاهلية صرفوا الدعاء الذي هو عبادة لغير الله وقالوا: نحن نعبدهم، ولكن ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقلنا لهم: إن النبي ﷺ وضح بأن هذا من الكفر. أما أهل جاهلية العصر فقد فعلوا ما فعل أهل الجاهلية لكنهم اختبئوا وقالوا: نحن لا نعبد إلا الله، لكنا نتخذ وسائلاً، كما أمرنا الله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، نتقرب بها إلى الله جل في علاه، وعندنا أدلة على ذلك.

стр. 46

الرد على المجوزين لدعاء الأولياء باسم التوسل فيرد عليهم من وجوه: الأول: في هذه الآية نحن نوافقكم على التقعيد الذي قعدتموه في هذه الآية، ودائماً أهل البدع -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - لهم رونق في الكلام، فيؤثرون على الناس بحلو الكلام، وأيضاً لهم تقعيدات علمية. فقد قعدوا قاعدة نحن نتفق عليها معهم، وهي: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد، فنقول لهم: هذه القاعدة نحن نوافقكم عليها، لكن لا نوافقكم على التطبيق، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨] فالتقوى تأتي منفردة وتأتي مجتمعة، فإذا أتت منفردة فلها معنى، وإذا أتت مجتمعة مع الأمر بالطاعات فلها معنى آخر. فإذا جاءت منفردة فهي: ترك المحظور وفعل المأمور، أما إذا جاءت مجتمعة مع الأمر بالطاعات فيكون الأمر بالطاعات مستقلاً بذاته، والتقوى: ترك المحظور. فالتقوى في هذه الآية جاءت مجتمعة مع الأمر بالطاعات، والدليل قوله تعالى بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فيكون المعنى: انتهوا عن المحظور وافعلوا الطاعات، والذي يدل على ذلك هو التأكيد على فرد من أفراد العموم، وهو قوله تعالى: ((وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ))، فهذا فرد من أفراد العموم، فإن من أفعال الطاعات الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله وقيام الليل وغيرها. فنرى هنا أن هذه الآية ذكرت فيها التقوى مقترنة مع الطاعة، فيكون معناها: ترك المحظور فقط، ولا نوافقكم على ما قلتم من أن معناها: ترك المحظور وفعل المأمور. هذا الوجه الأول من الرد على استدلالهم بهذه الآية، فلا دليل فيها على مسألة التوسل بالذات. الوجه الثاني في الرد عليهم: أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ ، ثم قرئت على الصحابة، فلو كان الفهم الذي فهمتموه قد فهمه رسول الله ﷺ لبين لنا هذا التفسير، وإلا فقد قصر رسول الله ﷺ عن البيان، فإن الله جل في علاه أمره أمراً حازماً بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فلو كان الأمر على ما فهمتم لكان لزاماً وواجباً وحتماً على رسول الله أن يبين لنا هذا الأمر، فيقول: قول الله تعالى: ((وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)) أي: بالذات، لكن النبي ﷺ لم يقل ذلك. وأيضاً لو فهم الصحابة هذا الفهم كحبر الأمة ابن عباس أو علي بن أبي طالب الفقيه أو عمر بن الخطاب أو أبو بكر ﵃ لنقل عن واحد منهم ولو بسند ضعيف أنه قال هذا القول، أو فهم هذا الفهم، فنقعد هنا قاعدة وهي: أنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، فيكون إذاً هذا الفهم فهماً خلفياً لا يمكن أن نأخذ به دون الفهم السلفي، وأما الفهم السلفي فهو أن نتوسل لله بالدعاء كما بين النبي ﷺ ، أو أن نتوسل بالله، أي: بذاته أو أسمائه الحسنى أو صفاته العلى أو بفعاله. الوجه الثالث من الرد عليهم: إن الله جل في علاه قد أمر رسوله بالتوحيد، وأمرنا بحفظ جناب التوحيد، وقد حذر النبي ﷺ أمته أيما تحذير من أساليب الشرك وأسبابه، وحسم كل هذه المواد، حتى إنه سمع رجلاً يقول: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى)، فغضب النبي ﷺ من أجل جناب التوحيد، وقال: (بئس خطيب القوم أنت، أجعلتني لله نداً؟) يعني: في الذكر، وهو ما جعل النبي ﷺ نداً، وإنما جمعهما في ضمير واحد فقط لما قال: ومن يعصهما، فقال: (بئس خطيب الأمة أنت أجعلتني لله نداً؟!) حفظاً لجناب التوحيد. ولما جاء إلى القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال ﷺ : قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان)، وقال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) كل ذلك حفظاً لجناب التوحيد. فنقول: هذا فعل النبي ﷺ ، وهذا وحي الله جل في علاه بين أيدينا لنحفظ جناب التوحيد، فإذا قلنا بقولكم لم نحفظ جناب التوحيد؛ لأنه من اللوازم الباطلة لهذا التفسير: أننا سنتخذ وسائل ووسائط بيننا وبين الله جل في علاه، فنجعل هذا الميت وسيطاً بيننا وبين الله، فنذهب إليه ونقول: يا بدوي! استغفر لي، ويا بدوي! ادع الله أن يرزقني، يا بدوي! ادع الله أن يكشف عني الغمة والكربة، فهذا لازم تفسيركم، فلو أن الرجل ذهب إلى البدوي اليوم وغداً وبعد الغد فإنه سيعتقد في البدوي ما لا يُعتقد إلا في الله، فيعتقد أن البدوي هو الذي يكشف عنه الكربات لا سيما إذا أراد الله به فتنة، اللهم اعصمنا من كل الفتن، فإن كثيراً ممن يختبرهم الله من العباد ممن يذهب يدعو عند الميت يستجيب الله لهم الدعاء عند الميت؛ استدراجاً منه جل في علاه، فيستهويه الشيطان حتى يعتقد بأن البدوي هو الذي يكشف الكربة، وأن البدوي هو الذي يرزق، ثم بعد ذلك يسجد للبدوي دون الله جل في علاه، فأصبح لهذا التفسير لوازم باطلة، وهو ذريعة إلى الشرك بالله جل في علاه، فيبطل بذلك الاستدلال بهذه الآية على ذلك. الدليل الثاني الذي استدلوا به: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]. فنقول: هذه الآية لها سبب نزول، وهو: أن الله جل في علاه تكلم عن المنافقين فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠]. فالمنافقون هم الذين أنزل الله فيهم هذه الآية. فإذا قال المخالف: نعم لها سبب نزول ولكن القاعدة الأصولية تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قلنا: نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا قال: إذاً أنا آخذ بهذا العموم ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا)) فهي تعم المنافقين وغير المنافقين الذين يأتون إلى النبي فيقولون: يا رسول الله! استغفر لنا ربك، فيستغفر لهم فيغفر الله لهم. قلنا: الرد على هذا من خمسة وجوه، ونلخصها في ثلاثة: أولاً: إن (إذ) إذ ظرف زمان للماضي، فلا دليل لكم فيه؛ فحيث كانت ظرف زمان للماضي فلا يجوز لكم أن تذهبوا إلا في حياة النبي ﷺ ليستغفر لكم. الوجه الثاني: صحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن القاعدة الثانية وهي أهم تقول: إن السياق من المفسرات والمقيدات، فسياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فمقدمة الآية عن المنافقين، ومؤخرة الآية قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣] تتحدث عن المنافقين، فهذا السياق في المقدمة والمؤخرة يبين أن كل هذا الكلام عن المنافقين الذين نافقوا في عصر النبي ﷺ ، فالسياق يقيد هذا العموم ويخصصه؛ لأن السياق حاكم، بل إن بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية يقولون: إن السياق أقوى في الدلالة من اللفظ نفسه، فالسياق ابتدئ بالكلام عن المنافقين، وانتهى الكلام عن المنافقين، فدل ذلك على أن هذه الآية تختص بهؤلاء المنافقين، وأنهم لو جاءوا في حياة النبي ﷺ واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً. الوجه الثالث في الرد عليهم: فهم الصحابة، فلو كان ما فهمتوه خيراً لسبقونا إليه. الوجه الرابع: أننا لو فسرنا الآية بتفسيركم هذا للزم من ذلك لوازم باطلة، بل من أبطل الباطل، منها: أن الله يأمر بما نهى عنه النبي ﷺ ، فيقول: تعالوا إلى الرسول وهو ميت ليستغفر لكم، والنبي ﷺ قال: (لا تجعلوا قبري وثناً يعبد) وهذا محال؛ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ [النجم:٤]، فالقرآن والسنة صنوان، قال ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فلا يمكن أن يأمر بأمر ثم يأتي بالمضاد على لسان نبيه ﷺ . واللازم الثاني من اللوازم الباطلة: أنه يهدم جناب التوحيد؛ لأننا لو قلنا بقولكم فإن الإنسان إذا حج أو اعتمر يجوز له أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! ثم يرجع إلى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله! استغفر لي ربي، وافعل كذا وكذا؛ فأنت من النور مخلوق وأنت وأنت ثم يتذكر قول القائل: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فيكون لا حاجة لله؛ لأن كل شيء للنبي ﷺ ، فيتذكر ذلك فيقع في الغلو في رسول الله ﷺ ، ويقع في هدم جناب التوحيد، وفي النهي الذي نهاه النبي صلى بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم). وأما الرد على الحديث: فلو قالوا: إن قولهم هذا هو ما فهمه الصحابة، وهو أن: عثمان بن عفان في خلافته جاءه رجل أعمى

стр. 47

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - السحر [١] السحر من الأمور الثابتة بالشرع والعرف، وهو إما سحر حقيقي يكون باستخدام الشيطان، وهذا له حقيقة وتأثير على الصحيح الراجح، وهذا النوع كفر، وإما أن يكون شعبذة ودجلاً وخدعاً للناس بخفة اليد، وهذا النوع لا يكون كفراً على الراجح من أقوال العلماء إلا إذا استحله فاعله، ولم ينكر السحر إلا شرذمة ممن لم يسلِّم لا للعقل ولا للنقل.

стр. 48

فضل صيام الست من شوال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وثبتنا وإياكم على الصالحات من الأعمال، وغفر لنا الكثير من الزلات، ومنحنا الكثير من الحسنات. يقول النبي ﷺ : (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر). فعلينا أن نحرص على صيام الست من شوال بعد رمضان، فهذه بشارات خير لقبول الأعمال، قال العلماء: التتابع في الطاعات يدل على قبول الأعمال، فإن الطاعة تنادي على أختها. ولا يشترط في صيام الست التتابع وإن كان ذلك مستحباً، فيمكن للإنسان أن يفرقها على الإثنين والخميس؛ لأن الست من شوال مطلقة. وهل قاعدة الاندراج تدخل في هذه المسألة أم لا؟ وقاعدة الاندراج هي: أن ندرج الأدنى تحت الأعلى، أي: أن تتعبد لله بعمل واحد بنيتين، فتجمع نيتين في عمل واحد، ومن شروطها وقيودها اندراج عبادة مطلقة مع أخرى مطلقة، لا مطلقة مع مقيدة، فإن المقيد لا يندرج تحت المطلق، ولذلك فالفريضة لا يصح أن تدرج تحتها سنة أو نافلة؛ لأنها مقصودة بذاتها، وكذلك النوافل الرواتب، فالشيء المقصود لذاته لا يندرج تحت شيء آخر. وبالنسبة للإثنين والخميس هل صومهما مقصود لذاته؟ لا، وصيام الست هل هو مقصود لذاته؟ لا، إذاً يصح أن تصوم يوم الإثنين والخميس بنيتين، فتصوم الإثنين على أنه يوم من الست من شوال، وعلى أنه اليوم الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فهذا معنى الاندراج. فإن قيل هل يصح الوصال في الصيام؟ ف الجواب الوصال في الصيام على قول الجمهور لا يصح.

стр. 49

السحر إن المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية من الأفعال والأقوال الباطنة كثيرة، وقد تكلمنا عن الطيرة والعيافة وغيرها، واليوم سنتكلم عن مسألة خطيرة جداً وهي مسألة السحر، وهذه المسألة من المعتقدات التي اعتقدها أهل الجاهلية وجاء رسول الله ﷺ بنبذها وبترها وقطعها، فقد كان أهل الجاهلية يعظمون السحرة ويعتقدون فيهم الولاية، وكانوا يقولون عن الأفعال وخوارق العادات التي تحدث على أيديهم أنها من كرامات الله جل في علاه، وتعظيمه لهؤلاء، ولذلك كانوا يقفون على أبوابهم، ويعطونهم الجوائز والعطايا، بل ويسألونهم الحاجات التي لا تسأل إلا من الله، فجاء النبي ﷺ لنبذ هذه الاعتقادات والمعتقدات الباطلة كما سنبين في الشرح. وإذا نظرنا بدقة إلى هذا العصر فسنجد أن جاهلية هذا العصر في مسألة الاعتقاد في السحرة أشد من اعتقاد أهل الجاهلية قبل نبوة محمد ﷺ ، فنجد أن السحرة والكهنة يتوافد الناس إليهم ويجعلون لهم العطايا والأموال، ويسألونهم الحاجات، وتفريج الكربات، بل إن كل مسحور يرى أن نجاته وفلاحه وعلاجه لا يوجد إلا عند هذا الساحر الكاهن. وهذه العادات منتشرة جداً وشائعة في البلاد الإسلامية التي ينتشر فيها العلم، وخصوصاً ما يحدث للمتزوج الذي هو في أول زواجه فيربط عن أهله إما بحسد قريب، وإما بسحر، والسحر له حقيقة، فالذي يربط عن زوجه يرى أن هذا سحر، ولا يحل السحر إلا بسحر، فيذهب إلى الساحر أو إلى الكاهن ويعتقد فيه ما لا يعتقد إلا في الله، فهذه المعتقدات الباطلة جاء الشرع ببترها وذمها.

стр. 50

الأدلة على ذم السحر وأنه من عمل الجاهلية والأدلة على ذم الاعتقادات الجاهلية التي نعيشها اليوم كثيرة منها قول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) [البقرة:١٠٢] ما العلة؟ ((يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فالمعلم يكفر لأنه يعلم السحر فما بالك بالمتعلم! وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] وهذا ذم لهذه الأفعال والمعتقدات. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، ثم ذكر منها بعد الإشراك بالله: السحر) فجعله من المهلكات والموبقات والكبائر، فهذه أدلة تدل على ذم هذا المعتقد، وتدل على ذم هذا الكاهن. فمن يتعاطى هذا الفعل فقد رجع إلى الجاهلية الأولى، وعليه أن يستنير بضوء شرع الله تعالى. والكلام على السحر في أربع نقاط: أولاً: عن معرفة السحر، والفرق بين تعاطي السحر والكرامة والمعجزة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن السحرة هم من الأولياء، وأن ما يتعاطونه كرامات لهم. ثانياً: حكم السحر وحكم الساحر. ثالثاً: حد السحر. رابعاً: علاج المسحور، وهل يعالج بالسحر، يعني: هل يجوز حل السحر بالسحر وهي تسمى في اصطلاح الشرع: بالنشرة وهل النشرة صحيحة أم لا؟ والنقطة الرابعة مهمة جداً: وقد وقع السحر على النبي ﷺ فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ لا سيما وأن بعض أهل السنة والجماعة قد ضعفوا الحديث وهو في مسلم. والأمر الثاني: هل سحر النبي ﷺ يقدح في نبوة النبي ﷺ أم لا؟

стр. 51

نقاط الاتفاق بين المعجزة والكرامة والسحر ونقاط الافتراق إن السحر والمعجزة والكرامة تتفق في أنها في خوارق العادات، فالسحر خارق للعادة، والمعجزة خارقة للعادة، والكرامة خارقة للعادة. فالساحر يفعل أفعالاً تكون خارقة أمام الناس للعادات، كأن يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يدخل النار ولا يحترق، وهذا واقع نعيشه، فإن غلاة الصوفية يفعلون ذلك، بل إنهم يشربون السم ولا يموتون، وترى أحدهم يمر بالسيف على فمه من الشق الأيمن حتى يخرج من الشق الأيسر ولا يموت، فهذه أفعال خارقة للعادة. والمعجزة أيضاً خارقة للعادة، فموسى ﵊ أخذ العصا أمام فرعون وألقاها فانقلبت إلى حية، فهذه معجزة من المعجزات، وأخرج يده من جيبه بيضاء للناظرين، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، فكل هذه معجزات لعيسى ﵊. والكرامة أيضاً خارقة للعادة: فـ أبو مسلم الخولاني ﵁ وأرضاه دخل النار وخرج عندما قال له الأسود العنسي الكذاب: تؤمن بأن محمداً نبياً ﷺ ؟ قال: أؤمن به نبياً، قال: تؤمن أني نبي؟ قال: لا أسمع، فأخذه فقطع أذنه وهو يقول لا أسمع، ثم ألقاه في النار فلم يحترق، فلما علم عمر ﵁ وأرضاه به قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من حدث له مثل ما حدث لإبراهيم الخليل ﵊. والنعمان بن مقرن كان مستجاب الدعوة، فإنه قال: اللهم وِّلنا ظهورهم، وانصرنا عليهم، واجعلني أول شهيد، فكتب الله لهم النصر وجعله أول شهيد، وهذه من الكرامات. وأيضاً سعد بن أبي وقاص فإنه لما قام الرجل رياءً وسمعة يقول: هذا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية إلى أن قال: ولا يحسن أن يصلي، نظر إليه سعد بن أبي وقاص وقال: اللهم إن كان هذا قام رياء وسمعة اللهم أطل عمره، وأعم بصره، وعرضه للفتن، فكان حاجبه قد سقط على عينيه تسع سنوات أو ثمان سنوات وهو يغمز للجواري في السكك، ويقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد بن أبي وقاص ﵁. فهذه من الكرامات. إذاً: فالسحر والكرامة والمعجزة تتفق في خوارق العادات. وتفترق بأن صاحب السحر كذاب أفاك أثيم شيطان رجيم، يتحدى بما فعل ويدعي النبوة، ثم يرتقي فيدعي الربوبية، وأشهر الدجاجلة هو المسيح الدجال، فهو سيأتي للخربة ويقول: أخرجي كنوزك فتخرج، وينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، ثم بعد ذلك يدعي النبوة، ثم يرتقي فيدعي الربوبية، وسيشق الرجل نصفين ثم يقول له: قم فيقوم الرجل متهللاً فرحاً يقول: والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فأنت الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيقول الدجال: تؤمن أني ربك؟ فيقول: لا أؤمن، ثم يريد أن يقتله مرة ثانية فلا يسلط عليه. وأما النبي فهو يتحدى بهذه المعجزة ولا يتحدى من عند نفسه، لكن يتحدى بوحي وأمر من الله جل في علاه؛ لتبيين صدق نبوته، فهو يقول: هذه من عند الله ويتحداهم أن يأتوا بمثلها، وأشهر معجزة لرسول الله ﷺ هذا القرآن، فهو معجزة خالدة إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨])) [البقرة:٢٣]، فهذا تحدٍ. إذاً: فالسحر فيه تحدٍّ والمعجزة فيها تحدٍّ، ويفترقان في أن هذا تحد بالباطل وهذا تحد بالحق لإظهار النبوة. وأما الكرامة فلا تحدي فيها، فهذا هو الفارق، فالكرامة التي تحدث للأولياء الصالحين الصادقين لا يتحدى صاحبها أحداً، ولا يدعي أنها من النبوة ولا من الرسالة أبداً.

стр. 52

تعريف السحر لغة وشرعاً السحر في اللغة: كل ما خفي ودق ولطف، ولذلك سمي السحر سحراً؛ لأنه خفيٌّ في آخر الليل. وشرعاً: هو رُقى وعقد تحدث من المرء بالاستعانة بالشياطين، وجملة (بالاستعانة بالشياطين) مهمة جداً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] فإن الساحر يأخذ العقدة وينفث فيها فتلتقي روحه الخبيثة مع روح الشيطان، فيؤثران في المسحور بإذن الله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢]. ففيها استعانة بالشيطان.

стр. 53

أنواع السحر السحر نوعان: سحر يكون بالاستعانة بالشياطين، وهذا فيه خوارق عادات مذهلة لا يستطيع أحد أن يتصورها، وفيها قلب للحقائق، وأبو حنيفة يرى أن السحر غير حقيقي وأنه تخييل فقط، والأئمة الثلاثة -وهذا الراجح الصحيح- يرون أن فيه قلباً للحقائق، وفيه تأثيراً حقيقياً؛ لأن الله أثبت له التأثير، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فمعنى ذلك أنهم يضرون لكن بإذن الله جل في علاه. وهذه التقسيمات مهمة جداً؛ لأننا بهذا التأصيل سنبين حكم السحر وحكم الساحر. النوع الثاني من السحر هو استخدام العقاقير الطبية والأدوية، وسحر الأعين وخفة اليد. والأغلظ هو النوع الأول؛ لأن فيه استخداماً للشيطان، ولا يمكن استخدام الشيطان والتمتع به إلا بعد أن تقدم له القرابين. وأما النوع الثاني فلا يتعلق بالشياطين، وإنما يتعلق بخفة اليد وسحر الأعين، كما قال الله تعالى حكاية عن موسى أنه قال لهم: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦] يعني: سحراً عظيماً من التخييل الذي أصبح حقيقة في أعين الناس. والنوع الثاني مشهور جداً في عصرنا هذا، وهو ما يسمى بعالم السرك، والرعاع والهمج يضيعون أوقاتهم أمام هؤلاء السفهاء ويقفون في ساحة السرك في سهرة نادٍ خاص بهؤلاء السحرة، فيأتون فيه بخفة اليد وخفة الأفعال، ويضحكون على عقول الناس، ويستخفون بأعينهم.

стр. 54

حكم تعلم السحر بنوعيه إذا عرفنا السحر وبينا أنه شيء خفي فإن حكم السحر على العموم هو الكفر، والأدلة على ذلك مجملة في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ . أولاً: الأدلة من كتاب الله التي تثبت أن السحر كفر. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧]. وقال جل في علاه: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. ثانياً: الأدلة من سنة النبي ﷺ . قال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها السحر). ووجه الدلالة من قوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩] هو أن الفلاح مرتبط بالمؤمنين، فإذا نفى الله الفلاح عن أحد دل على أنه ليس من المؤمنين، والدليل على أن الفلاح مرتبط بالمؤمنين والثبور والهلاك مرتبط بالكافرين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]، وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] فقد ربط الفلاح بالإيمان. وقوله عن الكافرين: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤]، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]. ولما نفى الله الفلاح عن الساحر بقوله: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩] دل ذلك على أن له الهلاك، فهو من الكافرين. ووجه الدلالة من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢] على أن السحر كفر هو أن الله كفر الشياطين، والعلة: أنهم يعلمون الناس السحر. وأيضاً ذكر الله عنهم أنهم يقولون لمن أراد أن يتعلم السحر: ((فَلا تَكْفُرْ)) أي: إذا تعلمت السحر فإنك ستكفر، وفي هذا تصريح بأن السحر كفر. وأيضاً قال الله عن الذي يتعاطى السحر: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: ليس له نصيب في الآخرة، والذي ليس له نصيب من الخير في الآخرة هو الكافر، فهذه دلالة على أن السحر كفر. وقال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر)، وهذه دلالة اقتران، ودلالة الاقتران ضعيفة لكن القرائن المحتفة أثبتت صحتها؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة أثبتت كفره. إذاً: فالسحر حكمه الكفر. لكن هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟ نرجع إلى التأصيل الذي أصلناه في أن السحر نوعان: سحر يُستخدم فيه الشياطين، وسحر يستخدم فيه خفة اليد، فالسحر الذي يستخدم فيه الشياطين كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأن الشيطان لا يمكن أن يمتع ابن آدم في أن يخرق له العادات إلا إذا قدم له القرابين، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] فاستمتاع الإنسي بالجني أن يجعل له خوارق العادات، واستمتاع الجني بالإنسي أن يقرب له قرابين كأن يذبح له من دون الله جل في علاه، أو ينذر له، أو يسجد له، أو يهين المصحف، وهذا موجود ومشاهد بين السحرة، فهم يكفرون بالله بهذه الأفعال الخبيثة. إذاً: فهذا النوع كفر أكبر مخرج من الملة بإجماع الأئمة الأربعة: أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأما النوع الثاني: وهو نوع التخييل وسحر الأعين؛ فهذا كفر دون كفر وليس بكفر أكبر على قول الشافعي. وأما الأئمة الثلاثة أحمد ومالك وأبي حنيفة فقد قالوا: بأنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأن الآيات أثبتت عموم كفر الساحر، فإن الله كفر من يخيل ويسحر العين. قال الله عن سحرة فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، ومع ذلك كفرهم الله . وقال الله جل وعلا لموسى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، وهذه واقعة عين، فهو يتكلم عنهم ثم عن كفرهم بالله ، ثم إيمانهم بعد ذلك، فقالوا: وهذا على العموم. وأما الشافعية فيقولون: إذا كان السحر الذي يستخدمه الساحر سحر تخييل وسحر أعين وليس فيه استخدام للشيطان فإنه ليس بكفر، ولا يكفر صاحبه؛ لأنه لم يأت بكفر إلا أن يكون قد استحل، فإن استحل فهو كافر، وهذا أمر متفق عليه. وأجابوا عن هذه الآية التي كفر الله فيها سحرة فرعون مع أنهم سحروا أعين الناس، بأن هؤلاء السحرة أصالة كانوا يكفرون بالله، ويؤمنون بربوبية فرعون: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] فكفرهم أصلي، لكن المسلم إذا استخدم سحر الأعين لا يكفر بذلك كفراً يخرجه من الملة، والصحيح الراجح التفريق الذي فرقه الشافعي خلافاً للأئمة الثلاثة وهو أن السحر نوعان: سحر يستخدم صاحبه الشياطين، فهذا كفر يخرج من الملة. وأما الآخر الذي يستخدم فيه خفة اليد أو سحر الأعين فهذا لا يكفر، ويكون على شفير هلكة، وهو كفر دون كفر؛ لأنه ذريعة إلى الكفر الأكبر.

стр. 55

حكم الساحر حكم الساحر يتفرع عن النوعين السابقين، فإن كان يستخدم الشياطين فهو كافر كفراً أكبر مخرج من الملة، وإن مات على ذلك كان خالداً مخلداً في نار جهنم. وأما إذا كان يستخدم السحر الذي هو التخييل وسحر الأعين فلا يكفر بذلك، لكنه على شفير هلكة وفاعل لكبيرة، فيقتل عليها حداً كما سنبين.

стр. 56

حد الساحر قال العلماء: حد الساحر القتل، والأدلة على ذلك من السنة: عن جندب ﵁ وأرضاه مرفوعاً عن النبي ﷺ قال: (حد الساحر ضربة بسيف). وفي هذا تصريح على أن حد الساحر أن يضرب بالسيف، أي: تقطع رقبته، وهذا الحديث ضعيف لا يصح مرفوعاً، لكنه يصح موقوفاً على جندب ﵁ وأرضاه. وورد بسند صحيح وأصله في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه بعث في الأمصار وقال: اقتلوا كل ساحر، فقتلوا ثلاث سواحر على عهد عمر ﵁. وأيضاً: ورد بسند صحيح عن حفصة: أن جارية لها سحرتها فقتلتها حفصة بمرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر أحد. فدلت هذه الآثار على أن حد الساحر القتل، وهذا يعتبر إجماعاً سكوتياً؛ لأن عمر لما بعث إلى الأمصار بقتل السحر لم يعارضه أو ينكر عليه أحد، فهو إجماع سكوتي. وهناك قصة شهيرة جداً تثبت حد الساحر: وهي أن جندباً الأزدي دخل على الوليد بن عقبة وكان أميراً عليهم، فرآه مع الحاشية وأمامه ساحر يلعب برأس رجل، وهذا الساحر يبدو أنه كان يستعمل الجن، فأخذ الساحر يقطع رأس الرجل فيتدحرج أمام الناس، ثم يأخذه فيرده مكانه فيحيا الرجل، فلما رآه جندب قرأ قول الله جل في علاه: ((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ)) [البقرة:١٠٢] ثم استل سيفه فقطع رقبة الساحر، ثم قال له: أحي نفسك الآن، وأنى له ذلك، فعاقبه الوليد وسجنه. فلما أخبر سلمان بذلك قال: أصاب جندب وأخطأ، فأخطأ في أنه تعدى على ولي الأمر؛ لأن ولي الأمر هو الذي بيده التعزير وإقامة الحدود، وأصاب في أن حد الساحر ضربة بالسيف. إذاً: فحد الساحر القتل، وهو على نوعين: قتل ردة وقتل حد. وقد ذكرنا أن السحر نوعان: كفر يخرج من الملة، وكفر دون كفر. والساحر نوعان: ساحر كافر يخرج من الملة، وساحر لا يخرج من الملة. وقتل الردة يعني: أنه يقتل كفراً، فهذا مآله إلى نار جهنم خالداً مخلداً فيها لا يخرج منها أبداً، لأنه مات كافراً مرتداً. وأما قتل الحد فإنه يعني: أن هذا حد يكفر الله به عنه هذه السيئة أو هذه الجريمة كحد الزنا، فإن المحصن الزاني إذا رجم حتى الموت لا يسأل أبداً يوم القيامة عن هذا الذنب؛ لأنه قد طهر بالرجم، كما قالت المرأة: طهرني يا رسول الله! فقال: (لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم) فالقتل حداً يكفر عنه هذه المعصية. فالذي يستخدم الشياطين يقتل ردة، والذي لا يستخدم الشياطين يقتل حداً.

стр. 57

استتابة الساحر وحكم توبته لو أن رجلاً كان يتعلم السحر من الشياطين، ويتعاطى السحر باستخدام الشياطين، فتاب إلى ربه هل تقبل توبته أو لا تقبل؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: لا تقبل توبته، وهذا ظاهر فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن عمر بن الخطاب أمر بقتل السواحر فقتل ثلاث سواحر. وأيضاً: قتلت حفصة الجارية التي سحرتها دون أن تستتيبها، وهذا هو الذي عليه الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبي حنيفة، فقالوا: إن قتل الساحر من منع الفساد المستشري في الأرض؛ لأن فساد السحر فساد عام على هذه الأمة فلا بد من قطع وبتر هذا الفساد دون استتابة، وهذا فعل الصحابة. القول الثاني: قول الشافعية وهو رواية عن أحمد أنه يستتاب، وهذا هو مقصود الشرع. القول الثالث: هو قول لـ مالك: فرَّقَ فيه بين أن يتوب بعد أن يقدر عليه وقبل أن يقدر عليه، فإن تاب بعد أن نقدر عليه فإنه لا يستتاب بل يقتل، وأما إذا تاب قبل أن نقدر عليه قبلت توبته ولا يقام عليه الحد. وثمر الخلاف هي: أنه إذا تاب قبلت منه التوبة وأسقط عنه القتل وهذا قول الشافعي، وإن لم يتب فإنه يقتل على قول الأئمة الثلاثة. والصحيح الراجح في ذلك، والذي يدل عليه التأصيل العلمي: هو أنه يستتاب؛ لأن الشرع يتشوف لإسلام الكافر، فإن الله ما أنزل الكتب إلا لدعوة الكافرين للدخول في الإسلام. وأما النظر فيقضي بأن يرجع الأمر لولي الأمر، وولي الأمر ينظر المصلحة في ذلك، فإن كان الساحر يعرف عنه الزندقة وأنه سيفسد في الأرض أكثر مما يصلح فإنه يقتله بلا استتابة. وأما إذا علم صدق نية الساحر، وعلم أنه لن يفسد في الأرض بعد ذلك ففتح باب التوبة أولى له، وهذا هو الراجح الصحيح. والدليل على أن من استخدم الشياطين فإنه يقتل ردة قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من بدل دينه فافتلوه). وأما دليل على أن من لم يستخدم الشياطين فإنه يقتل حداً قول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣]. فهو بهذا الدليل يقتل حداً؛ تعظيماً لفعل الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 58

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية]- السحر [٢] لقد سُحر النبي ﷺ ، ولكن لم يؤثر ذلك في تبليغه للشرع، وإنما أثر في جوارحه فقط، وقد أنكر بعض الطوائف ذلك بحجة أنه ينافي تبليغ الشرع، ولا حجة لهم في ذلك، ولأجل ذلك فقد شرع علاج السحر بالطرق الشرعية، وأما النشرة ففيها خلاف.

стр. 59

أقوال أهل العلم في مسألة وقوع السحر على النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: تكلمنا في السابق عن الاعتقادات الجاهلية التي خالفها النبي ﷺ ، وجاء الشرع ببترها وبيان ضلالها وبطلانها، ومن ذلك وهي الاعتقاد في أفعال السحرة والكهان والعرافين على أنها من كرامات من الله جل في علاه، وأن لهم المكانة عند الله جل في علاه. وبقي لنا في هذه المسألة الشائكة التي انتشرت انتشاراً عظيماً في هذه الأوقات الكلام على سحر النبي ﷺ ، وهل سحر النبي أم لم يسحر؟ لا سيما وأن بعض أهل السنة والجماعة بل من المحدثين الذين أتقنوا علم الحديث قد ردوا هذا الحديث، وسأبين من الذي مال إلى رد هذا الحديث من المحدثين. ثم النقطة الثانية وهي: علاج السحر، يعالج السحر بالسحر وهي النشرة، سنفصله الآن بإذن الله. وسنتكلم أولاً على المسألة المهمة وهي: مسألة هل سحر النبي ﷺ أم لم يسحر؟ ولو دققنا النظر سنراها متفرعة عن أصل أصلناه سابقاً، وهو: هل للسحر تأثير حقيقي أم لا؟ وقد بينا بأن العلماء اختلفوا في هذا على قولين: الأحناف يرون عدم التأثير، ويرون أن السحر لا حقيقة له، وهذا مخالف للواقع ولظاهر الآيات والأحاديث، وجمهور أهل العلم على أن للسحر حقيقة مؤثرة قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فهم يضرون لكن بإذن الله جل في علاه. فالسحر له حقيقة مؤثرة، فهل تأثر النبي ﷺ بالسحر؟ سأتكلم عن عدة نقاط في سحر النبي ﷺ : أولاً: إثبات أن النبي ﷺ قد سحر أثراً ونظراً. ثانياً: سأبين الشبه التي يعترض بها المعترضون على سحر النبي ﷺ . ثالثاً: كيفية الرد على أهل البدع وشبههم التي ألقوها علينا لرد الحديث الذي في الصحاح.

стр. 60

إثبات أن النبي سُحر من قبل لبيد اليهودي لقد ثبت سحر النبي ﷺ أثراً ونظراً، فأما من جهة الآثار: فالأحاديث التي أسانيدها كالشمس تؤكد ذلك، ففي الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم (أن لبيد بن الأعصم اليهودي -عليه من الله ما يستحق- سحر النبي ﷺ ، وألقى السحر في بئر ثروان)، وهذا الحديث صحيح بل هو في أعلى درجات الصحة. وفي بعض الروايات: (أن ملكين جاءا إلى رسول الله ﷺ ، فقام الأول عند رأسه والآخر عند رجله، فقال أحدهم: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب -يعني مسحور-، قال: من سحره أو طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم)، ثم ذكروا كيف شفاء النبي ﷺ . فهذه الآثار تدل على أن النبي ﷺ قد سحر، ولذلك قالت عائشة: (كان يخيل للنبي ﷺ أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، وأنه فعل الشيء ولم يكن فعله)، وهذه الشبهة هي التي تعلق بها المفترون كما سنبين، والغرض المقصود هو أنه قد صحت الأخبار على أن الرسول ﷺ قد سحر وابتلي بالسحر بإذن الله جل في علاه. إن العقل السديد لا بد أن يوافق هذا ولا يمكن أن يرده، ولا غرو ولا عجب أن النبي ﷺ يسحر ويبتلى بهذا البلاء العظيم، والعقل يقبله؛ لأن رسول الله خلق من ماء مهين، ولذلك قال: (ولدت من نكاح وليس من سفاح) بأبي هو وأمي، فرسول الله ﷺ بشر، وإذا قلت بأنه بشر فهي مقدمة لها نتيجة لا أحد يعترض عليها. وقد وجد أناس يزعمون أن النبي ﷺ خلق من نور، وهذا أول حديث لهم، وأسانيده مهلهلة فهو حديث موضوع، وهذا الحديث فيه مسحة صوفية، وهو مثل حديث: (أن الله أحيا أم النبي ﷺ فدعاها النبي ﷺ إلى الإسلام)، وكلامهم هذا باطل، فليس عندهم دليل ثابت، وأما نحن فعندنا الأدلة الواضحة الجلية التي تثبت لنا أنه خلق من ماء مهين، وعندنا قاعدة وهي: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

стр. 61

الأدلة على بشرية النبي ﷺ أما أدلة الأثر على بشرية رسول الله فهي كالتالي: لقد أمر الله رسوله أن يقول بصريح العبارة أنه بشر فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠]، فهل أمره أن يقول قل: إنما أنا ملك؟ حاش لله، وأيضاً قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، (من قبلك) يعني: من مثلك، وأيضاً قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ثم قال ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨]، أي: هم بشر يأكلون كما يأكل البشر، فليس لهم الخلد، وقول الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فكل هذه الأدلة تثبت بشرية النبي ﷺ وأصرح هذه الأدلة أن الله أمره أن يقول ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠]، وأيضاً لما قالوا ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]، يعني: لا يمكن أن يكون هناك ملك بين البشر يدعوهم إلى الله، فمن حكمة الله أن يرسل إليهم بشراً مثلهم، فرسول الله ﷺ بشر؛ لقول الله جل في علاه السابق، وقول النبي ﷺ (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وقوله ﷺ : (ولدت من نكاح وليس من سفاح). إذاً: فإذا كان رسول الله ﷺ بشر فإنه يعتريه ما يعتري البشر ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، فإن رسول الله ينسى كما ينسى البشر، ويحتاج إلى الطعام لأنه بشر، ويحتاج إلى النوم لأنه بشر، ويحتاج إلى الجماع لأنه بشر، وتصيبه البلايا والرزايا بل قد يتعرض للقتل لأنه بشر، والبشر يقع عليهم السحر، ورسول الله ﷺ بشر فيقع عليه السحر، ومن خالف هذه الحقيقة فليأتنا بالدليل؟ لأننا لا يمكن أن ننحيه من البشرية فهو يعتريه ما يعتري البشر، فهذه أدلة الأثر والنظر، والعقل لا يرد أن يسحر النبي؛ لأنه من البشر، وهذا من البلايا والرزايا، فهو -أي السحر- من الأمراض كالأوجاع والصداع والحمى والألم والسم الذي أكله النبي ﷺ ، فطالما أن هذه تعتري البشر، فهي تعتري أيضاً رسول الله ﷺ . إذاً: فقد سحر النبي ﷺ سحر، وقد دل على ذلك الأثر والنظر، فنحن نعتقد أن رسول الله سحر من لبيد بن الأعصم عليه من الله ما يستحق، وبعد أن سحره لبيد كان رسول الله ﷺ يرى أنه أتى أهله -أي: وطئ أهله- ولم يأت أهله، ويرى أنه قد فعل الشيء ولم يفعل هذا الشيء، لكن العقول الخربة لم تستطع أن تقبل ذلك، وقالوا: إن هذا يقدح في رسالته، وهذا الاعتراض اعترض به أهل البدع والضلالة كالمعتزلة، ثم قالوا: حديث سحر النبي ﷺ باطل لأمرين اثنين: الأمر الأول: هو أننا لو قلنا بأن رسول الله ﷺ قد سحر فقد قدحنا في رسالته ونبوته؛ لأن الله جل وعلا كتب في كتابه أنه عصم رسوله، وإذا كان لبيد بن الأعصم الكافر يسلط على رسول الله إذا فهو غير معصوم، ولو قلنا بأن رسول الله ﷺ غير معصوم كذبنا القرآن؛ لقول الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. الأمر الثاني: قالوا: إذا فتحنا هذا الباب وقلنا بأن رسول الله ﷺ سحر إذاً فكل حديث يأتينا فسنقول عنه ليس من النبي وإنما من تسليط الجن عليه، فلعل الجني غلب على عقل النبي ﷺ فأوحى إليه هذا الكلام، ففتحنا الباب لكل أحد ليطعن ويرد حديث النبي. هذا قول أهل البدعة والضلالة من المعتزلة وبعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وأما المتصدي لهؤلاء الأشرار المبتدعة الذين يردون أحاديث النبي ﷺ بلا مبرر ولا داعي، -والذي أعلمه- أن الفضائيات قاطبة تكلمت على هذه المسألة وردوا الحديث بدون علم وقالوا: لا يصح أن نقول سحر النبي ﷺ ، وذكروا هذه الشبه. فأقول: نحن أثبتنا بالأثر والنظر أن رسول الله ﷺ قد سحر؛ لأنه من البشر، ويعتريه ما يعتري البشر، فالشبهة الأولى التي قالوها: بأن الله عصم نبيه ولو قلتم بأنه سحر فليس بمعصوم، وهذا قدح تام وصريح وظاهر في نبوة رسول الله ﷺ . قلنا لهم: لا، بل هذا فيه دلالة على جهلكم وضعف نظركم وعدم التمييز بين المتشابه، وأنتم قد أُدخل عليكم من باب العصمة؛ لأنكم لم تفهموا العصمة فهماً دقيقاً لفهم العلماء الأسلاف الأكارم الأماجد.

стр. 62

أقسام العصمة العصمة تنقسم إلى قسمين: عصمة في الوحي وعصمة في الظاهر، فعصمة الوحي، أي: في الباطن في العقل والقلب، وعصمة الظاهر، أي: في الجوارح، والدليل على هذا التقسيم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة:٦٧]، في سياق التبليغ، أذاً: فالسياق والسياق من المفسرات والمقيدات ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧]، فالله جل وعلا هنا أثبت العصمة في سياق التبليغ، وأما عصمة الجوارح، فإن الله جل وعلا لم يثبت هذه العصمة تصريحاً للرسول، قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فذكر أن الرسول قد يقتل كما قتل يحيى وزكريا، وفي هذا بيان من الله جل وعلا أنه لا يعصم رسوله من إيذاء البشر له، والنبي ﷺ في غزوة أحد كسرت رباعيته، وكاد يقتل ﷺ ، وأصابه من الآلام والشدة ما لا يعلمه إلا الله جل في علاه، ولذلك لما ضُرب وألقيت عليه الحجارة وسال الدم من وجهه الشريف قال: (رحمة الله على أخي موسى قد صبر أكثر مما صبرت) فهو يبين أنه صبر على الشدة التي أصابته من أعداء الله جل في علاه. إذاً: فالعصمة عصمتان: عصمة في التبليغ بالوحي، وهي عصمة باطنة في القلب والعقل، وهذه أثبتها الله ولا يمكن أن نردها؛ لأن الله قال ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] في سياق التبليغ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]. وأما بالنسبة للعصمة للظاهر والجوارح فإن الله يسلط أعداءه على أوليائه، لحكمة عظيمة وهي زيادة ورفعة درجات هؤلاء الأخيار الأفذاذ، وعند هذا التقسيم تنجلي الشبهة وينتهي الأمر، فهم قالوا: هذا قدح في العصمة وكيف يسلط اليهودي على النبي ﷺ ؟ فقلنا: هل سلط على الوحي والقلب والتبليغ أم سلط على الجوارح؟ وهل كان النبي يقول القول الباطل أو يقول القول الذي لا يفقهه؟ الجواب لا، فإن لبيد بن الأعصم سلط على رسول الله حتى كان النبي ﷺ يتخيل أنه أتى الشيء ولم يأتيه، وهذه في البدن وليست في القلب ولا في الوحي.

стр. 63

الدليل على أن لبيداً سلط على الجوارح لا على الوحي هناك أدلة تثبت أن لبيد لم يسلط على الوحي وإنما سلط على الجوارح، منها: قول الله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] أي: سنقرئك الوحي القرآن والسنة، فلا تنسى، ولو سلطنا عليك ألف لبيد فإنه لا يؤثر في الوحي الذي يأتيك؛ لأن الله حافظ دينه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وأيضاً قال الله تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، أي: اصبر فلن تنسى، وستبلغ ما أوحي إليك ولن يسلط عليك أحد. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص يوضح هذا توضيحاً جلياً، فقد كان دائما يجلس بجوار النبي ﷺ ويحرص على مجلس النبي، فكان أبو هريرة يحفظ في صدره ولا يكتب بيضاء في سوداء، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ما من كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ إلا ويكتبها، فجاء الناس إليه فقالوا: تكتب عن رسول الله ﷺ كل شيء! فإن رسول الله بشر ينسى كما ينسى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، فربما تكلم بكلام لم يوح إليه به، فذهب عبد الله بن عمرو إلى رسول الله ﷺ بالصحيفة فقال: يا رسول الله! إني أكتب خلفك كل كلمة تتكلم بها فقال لي الناس: كذا، فقال له النبي ﷺ : (اكتب والله ما يخرج إلا الحق)، يعني: الوحي من الكتاب أو السنة، فما يخرج إلا الحق الذي حفظ من كل سوء. فهذه الأدلة الثابتة الراسخة كالجبال الرواسي تثبت أن لبيداً لم يؤثر في الوحي ولم يسلط على الوحي، لكنه سلط على البدن. وكيف نفقه بأن رسول الله ﷺ يرى أنه فعل الشيء ولم يفعله؟ أقول: هذا معقول في النظر، فلو أن زيداً من الناس أراد أن يعمل في الخارج فسافر عن امرأته شهرين، وفي الشهر الثاني اشتاق إلى امرأته فاتصل بها بالتلفون وتكلم معها وتكلمت معه، فلما جاء الليل نام فرأى في منامه أنه يجامع أهله كما كان يجامع أهله في الحلال، فلما استيقظ فجراً رأى أنه يحتاج إلى الغسل فاغتسل، فهذا الرجل جامع أهله لكن ليس حقيقة، فيمكن للإنسان أن يرى أنه فعل الشيء مع أنه لم يفعله. فإن قال قائل: إن رسول الله كان يرى ذلك في اليقظة وليس في المنام. ف الجواب العلم التربوي يقول: إن هناك أحلام في اليقظة، كأن يجلس الرجل مع زميله وهو يفكر فيما يريد أن يفعله، فجسمه عند زميله وعقله الباطن في مكان آخر. وقد ذكر أن رجلاً من السلف كان فقيراً وكان يشتاق شوقاً شديداً للغنى، فقال: الغنى له أسباب، ومن الأسباب التجارة، والتجارة فيها تسعة أعشار الرزق، وأنا عندي شيء فيه سمن كثير، وهذا السمن إذا تاجرت به بعته بثلاثة دراهم، واشتريت آخر بدرهم، ثم بعته بثلاثة دراهم أخرى، حتى أكون غنياً فأتزوج، وبعد أن أتزوج أنجب ولداً، ثم بعده ولداً، ثم بعده ولداً، ثم بعد ذلك إذا كبر الولد ورأيت منه خلقاً لا يعجبني -ومعه العصا وسقاء السمن فوق رأسه- زجرته، فإن لم ينزجر ضربته بالعصا، فضرب السقاء بالعصا فوقع السمن على وجهه، فلا هو نال الغنى ولا هو أبقى سمنه. فالمقصود أن هذه أحلام يقظة، فرسول الله ﷺ كان يخيل إليه أنه يأتي امرأته وهو لم يأتها، فهذه ليس فيها أي شيء، بل هي واقع نعيشه، ولا يؤثر في وحي النبي ﷺ . وأما الشبهة الأخرى التي دندنوا حولها وهي: أننا لو قلنا إن رسول الله سحر لفتحنا الباب لكل أحد ليشكك في حديث رسول الله ثم يرده. فالرد عليها هو في قول رسول الله لـ عبد الله بن عمرو: (اكتب والله ما يخرج فيه إلا الحق)، وأيضاً فإن الله قد جزم لنا جزماً لا نحيد عنه أبداً، فقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والذكر هو الوحيان القرآن والسنة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألا إني إنما أوتيت القرآن ومثله معه) ومثله هو السنة، والدليل على أن السنة قرينة القرآن قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤] فآيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: السنة. فإذا بطلت هذه الشبه ثبت لنا أن رسول الله ﷺ سحر، وأنه لما سحر زاده الله بذلك رفعة ودرجة عنده؛ لأن أشد الناس بلاء في هذه الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ولا غرو ولا عجب فإن رسول الله ﷺ قد أكل الشاة المسمومة قبل أن تكلمه وقد مات بأثر هذه الشاة المسمومة.

стр. 64

أنواع علاج السحر المسألة الثانية: علاج السحر، إن السحر منتشر بين الناس وخاصة العوام، وعلاجه على أنواع ثلاثة: أولاً: علاج السحر بالأدوية والعقاقير التي جربت فعلم من التجربة أنها تنفع، فهذه بالإجماع جائزة وليس فيها أي شيء، وإن لم تكن واجبة فهي مستحبة، لقول النبي: (تداووا عباد الله). ثانياً: علاج السحر بالرقية الشرعية.

стр. 65

شروط الرقية الرقية الشرعية يشترط فيها شروط ثلاثة حتى يتم الشفاء بها من السحر بإذن الله: الشرط الأول: أن تكون بلسان العرب، وأن تكون بالآيات القرآنية والأذكار النبوية. الشرط الثاني: عدم الاعتقاد في هذه الرقية بأنها هي التي تشفي، فإن بعض السفهاء إذا منَّ الله عليه بالشفاء من القراءة ظن أن القراءة هي التي شفته، ولذلك تراه يميل جداً للراقي، ويميل جداً للرقية، مع أن المسألة بيد الله جل في علاه، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وأيضاً لا يشفون أحداً إلا بإذن الله جل في علاه، والاعتقاد في غير الله شرك. الشرط الثالث: تقوى الراقي ويقين المرقي، وهذه مهمة جداً وتكاد أن تكون منعدمة، فنرى كثيراً من الإخوة يُقرأ عليه البقرة كلها بدون فائدة، ثم يختم عليه القرآن كله بدون فائدة لأمرين: إما أن الراقي ليس بتقي وليس بمتدبر لقول الله جل في علاه، وإما أن المرقي ليس مستيقناً بالله جل في علاه، فهو يفعل ذلك من أجل أن يختبر ربه جل في علاه، فحتى تأتي هذه الرقية بثمارها لا بد أن يستيقن المرقي بأن الشفاء بيد الله، وأن الرقية سبب من الأسباب الصحيحة للشفاء ولا بد أن يكون الراقي تقياً ورعاً، وهذا أمر تؤيده الآثار الصحيحة. فـ ابن تيمية ﵁ وأرضاه أخذ رجلاً مسحوراً وقرأ عليه وقال للجني: اخرج فإنك ظالم، قال: أخرج كرامة لك، قال: لا أيها الخبيث! بل أخرج لأنك ظالم؛ طاعة لله جل في علاه، فقد أراد الجني أن يدخله في العجب والعياذ بالله. وأحمد بن حنبل قيل له: إن شخصاً ما مسحور، فبعث إليه بنعليه وجاء الخادم بنعل أحمد، فلما علم الجني أن هذا نعل أحمد قال: أخرج، ولذلك يقال: لما مات أحمد رحمة الله عليه ورضي الله عنه رجع الجني إلى المسحور. والمقصود أن تقوى الراقي سبب ناجح في تمام العلاج.

стр. 66

تعريف النشرة لغة واصطلاحاً المسالة الثالثة: حل السحر بالسحر، وهذه تسمى النشرة. والنشرة في اللغة: التفريق، وفي الاصطلاح: هو حل السحر بالسحر عن المسحور. ومن صور النشرة: أن يأتي المسحور إلى الساحر أو الكاهن من ما يظن فيه خيراً لكنه يستخدم ما يستخدمه السحرة، فيقول له: إني لا أستطيع أن أجامع امرأتي، فيأخذه الكاهن ويقرأ عليه بعض آيات القرآن تلبيساً، ثم يتمتم بهذه الطلاسم ثم يقول له: أنت مسحور، وقد وضعوا لك شيئاً في المنطقة الفلانية، فخذه وأحرقه، أو يقول له: اجلس، فيجلسه ويستخدم معه التنويم فينام الرجل، فيتكلم بتلك الطلاسم ويستخدم الجن، ثم بعد ذلك يأمره بذبح أشياء لهذه الجن بمواصفات معينة؛ حتى يحل عنه السحر، هذه من الصور التي يحل بها السحر بالسحر. الصورة الثانية -وهي المنتشرة الآن-: أن يأتيه فلا يقرأ عليه إلا القرآن ولا يتكلم معه إلا بالأذكار، ثم بعد ذلك يكتب له ورقة، وهذه الورقة فيها الأحجبة، ويقول له: لا تفتحها، وبعد أن يثق فيه المسحور يكتب له الطلاسم في ورقة؛ حتى لا يظهر له ما هو عليه من السوء، ثم يقول له: ضعها تحت السرير، أو تحت الوسادة، أو في مكان معين، وبعد ثلاثة أيام إن لم تجدها فالسحر قد انحل، فيذهب الرجل فلا يجدها فيعلم أن السحر قد انحل، فيشكر هذا الرجل ويعطيه العطايا الجزيلة، فهل تصح هذه الطريقة -وهي النشرة- أم لا؟

стр. 67

حكم النشرة اختلف فيها أهل السنة والجماعة على قولين: القول الأول: أنها صحيحة، واستدلوا على ذلك بعمومات أدلة النفع للآخرين، كقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، قالوا: وعلاج المريض من باب البر فهو يدخل تحت الآية، واستدلوا أيضاً بما صح عن النبي ﷺ أنه قال (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وهذا فيه نفع؛ لأنه سيحل عنه السحر، وسيحل عنه الربط عن زوجه، فإنه ينفعه بذلك، وقالوا: هذه هي فتوى أعلم التابعين على الإطلاق سعيد بن المسيب، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وهم بحار العلم وأعلمهم هو سعيد بن المسيب، وأفضل التابعين هو أويس القرني وهو أعبدهم. ولذلك قال: أحمد بن حنبل أعلم التابعين على الإطلاق سعيد بن المسيب، وقد سئل سعيد بن المسيب عن رجل مسحور ربط عن زوجه أنحل عنه السحر بالسحر؟ فقال: نعم افعلوا ذلك؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يقول (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وهذا من باب النفع، وقالوا هذا هو فعل الصحابة الأخيار، فهذه أفضل النساء على الإطلاق وأفقه الصحابيات على الإطلاق عائشة ﵂ وأرضاها سحرتها جارية، فلما سحرتها أعيت عائشة بذلك، فجاء رجل من الهند أو السند فسمع به ابن أخيها، فذهب إليه فقال له: عائشة مريضة، فقال: هي مسحورة سحرتها جارية لها، قالوا فـ عائشة بعثت بابن أخيها إلى الساحر، فقال: هي مسحورة سحرتها جارية وفي حجرها صبي ووصف السحر الذي سحرت به عائشة ﵂ وأرضاها فلو كان حراماً ما فعلت ذلك ﵂ وأرضاها، هذا من ناحية الأثر. وأما من ناحية النظر والعقل: فإن الله جل في علاه حرم أكل الميتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣]، فأحلت الميتة من أجل الضرورة، وهذا المسحور في ضرورة فيحل له السحر بالسحر من باب الضرورة؛ قياساً على أكل الميتة. القول الثاني: أنه حرام، ولا يجوز بحال من الأحوال وإن كان فيه نفع للناس، والأدلة على ذلك قول النبي ﷺ عندما سألوه: (أفنأتي الكهان قال: لا، لا تأتوا الكهان)، و (لا) هنا للتحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم. وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ (من أتى عرافا أو كاهنا فسأله لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً)، فهذا حال من سأله فقط ولم يصدقه. وقال النبي ﷺ كما في مسند أحمد (من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله فصدقه فقد كفر)، وهذا الكفر مخرج من الملة، ووجه إخراجه من الملة أنه صدق بأن الكاهن له صفة من صفات الربوبية؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو حين صدق الكاهن بأمور غيبية كأنه نحله صفة من صفات الربوبية. وفي رواية الطبراني أو في غيره بسند ضعيف (من أتى عرافاً أو كاهناً أو ساحراً)، فصرح بالساحر، فهذه أدلة عامة تثبت حرمة إتيان الكهنة والسحرة. وأما الأدلة الخاصة فهي كالتالي: قال النبي ﷺ عندما سئل عن النشرة التي هي حل السحر بالسحر: (لا إنما هي من عمل الشيطان)، وهذا أشد في الزجر وأشد في الحرمة. أما من جهة النظر: أولاً: أننا إذا أبحنا للمرء أن يحل السحر بالسحر فقد أقررنا ضمنا بفعل الكهان والسحرة. ثانياً: أن حل السحر بالسحر ذريعة إلى الاعتقاد بالساحر والكاهن ما لا يعتقد إلا بالأخيار الأماجد، فإنهم سيعتقدون فيه غير ما هو عليه من السوء والمنكر. ثالثاً: أنك ستذهب إليه فلا تنكر عليه ما هو فيه من المنكر والباطل من السحر والكهانة. إذاً: فهذه أدلة صريحة صحيحة في حرمة إتيان الكهنة، وأيضاً حرمة حل السحر بالسحر، وهذا هو الذي اتفقت عليه كلمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 68

الرد على أدلة المجوزين للنشرة وأما الرد على من اعترض بقول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وقول سعيد، وقول عائشة، والقياس على الميتة، فالرد عليه كالتالي: أولا: قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، هذا عام مخصوص بما شرع، يعني: من استطاع منكم أن ينفع أخاه بما شرعه الله فليفعل، وأما من استطاع أن ينفع أخاه بغير ما شرع الله فلا يفعل، والدليل على تخصيص قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وأن المراد به من استطاع أن ينفع أخاه بما شرعه الله فليفعل هو قوله ﵊ (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)، والنبي ﷺ قال عن النشرة: (لا هي حرام إنها من عمل الشيطان)، فالنشرة حرام فلا تدخل تحت عموم قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وقال ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها). إذاً: فحديث (من استطاع منكم أن ينفع أخاه)، مخصوص بما شرع، فلا حجة لكم فيه. وقول سعيد بن المسيب عليه من وجهين: الوجه الأول: أن سعيد بن المسيب ﵁ وأرضاه قال ذلك اجتهاداً منه، ولا اجتهاد لأحد كائناً من كان مع قول النبي ﷺ . العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وسنرد عليكم بما قال ابن عباس ﵁: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله وتقولون: قال سعيد بن المسيب، فقول رسول الله يقدم على كل أحد كائنا من كان. الوجه الثاني: قول سعيد بن المسيب: نعم (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، يحتمل أن المقصود بقوله نعم المراد به حل السحر بالرقية الشرعية؛ لأن العلاج يكون بثلاثة أمور: بالرقى، أو العقاقير، أو السحر بالسحر، فنحمل كلام سعيد بن المسيب على أحسن المحامل ونقول: أباح حل السحر بالرقية الشرعية، فهذا هو الظن في هذا العلاّمة الفاضل الكريم، فنحمل كلامه على أحسن المحامل، وهذه القاعدة لا بد لطالب العلم أن يتقنها في صدره، فإذا أتته فتوى من عالم أو من طالب علم متقن يرى أنها غير صواب فلا يطعن في العالم أو يتجرأ عليه، بل يحمل كلامه على أحسن المحامل. وأما الرد على فعل عائشة فنقول: هذا في غير محل النزاع؛ لأن النزاع هو في أن يطلب المسحور من الساحر والكاهن أن يحل له السحر، وهذا غير موجود في القصة، فـ عائشة لم تطلب منه حل السحر، والرجل لم يرد في القصة أنه ساحر أو كاهن، فكأنه اشتهر بأنه طبيب، فجاء ابن أخيها إليه يصف مرض عائشة، فقال له الرجل: هي مسحورة، أي: هذا المرض ليس مرضا عضوياً وإنما هو سحر، فلا حجة لكم في هذا. وإذا تنزلنا معكم وقلنا: بأن عائشة ﵂ وأرضاها طلبت ذلك -وحاشاها أن تفعل ذلك- فإنه لا حجة لكم بفعل عائشة أمام قول النبي ﷺ (لا إنما هي من عمل الشيطان)، فإذا خالفت عائشة قول النبي فإننا نقدم قول النبي، أما بلغكم نبأ عمار ﵁ وأرضاه عندما خرجت عائشة مع الزبير وطلحة بن عبيد الله ﵃ أجمعين يوم الجمل ثم قام رجل من فئة وطائفة علي بن أبي طالب فقال: عائشة كذا فسبها، قطع الله لسانه، وأذاقه ما أذاقه في قبره على ما فعل، فلما فعل ذلك ارتعدت فرائص عمار بن ياسر، وقال: والله إنها زوجة نبيكم في الجنة، ولكن الله اختبركم بها أتطيعون له أم تطيعون لها. وإذا أردت أن تعرف محبة الله في قلبك فانظر إذا عارض قوله هواك، فلا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، فبطلت الأدلة الأثرية التي استدلوا بها. أما دليل القياس الذي استدلوا به فإننا نقول لهم: نوافقكم على القاعدة ولا نوافقكم على التطبيق في هذه المسألة، فإن القياس هنا قياس مع الفارق من وجهين. الوجه الأول هو: أن الأكل من الميتة عند عدم وجود الطعام واجب، وأما التداوي فهو على قول الجماهير من أهل العلم ليس بواجب بل هو مستحب، بل اختلفوا أيهما أفضل للمريض أن يتداوى أم لا؟ وأصلح الأدلة على ذلك أنه عندما اشتد المرض على أبي بكر جاءوه فقالوا: نأتيك بالطبيب، قال: لا إن الطبيب رآني، قالوا: ماذا قال لك، قال: إني فعال لما أريد ولم ينكر عليه أحد ولو كان واجباً لقالوا: له أثمت، فلابد أن تتداوى. فجماهير أهل العلم يرون أن التداوي ليس بواجب وإنما هو مستحب، فهذا قياس مع الفارق. الوجه الثاني وهو مهم جداً هو: أن هناك بدائل عن هذا المحرم ولذلك منعه الشرع (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام) فالبدائل هي الرقية الشرعية أو العقاقير أو الصبرْ، كما قال للمرأة: (اصبري ولك الجنة)، فهي لم تهلك بذلك. الوجه الثالث: أن الشرع جاء بإباحة الميتة ولم يأت الشرع بإباحة النشرة بل جاء الشرع بعكس ذلك وقال: (لا هي حرام، إنها من عمل الشيطان) أو كما قال ﷺ ، وهذا هو الرد على القياس. إذاً فحرام على أي مسحور أو مريض أن يذهب إلى كاهن فيحل له السحر بالسحر، ومن فعل ذلك فقد أثم بل وقع في شراك الشرك. نسأل الله جل في علاه أن يتم لنا التوحيد، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

стр. 69

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - العيافة والطرق أو الرمي بالحصى لقد جاء الإسلام بتحريم وإبطال كل ما من شأنه أن يجر الإنسان إلى ظلام الجاهلية، ويسقطه في مستنقعاتها الآسنة، فقد حرم الإسلام العيافة والطرق لما فيها من التشاؤم والاستبشار بأشياء لا تنفع ولا تضر، وكذلك ادعاء علم الغيب، وهذا من القبح بمكان، فقد يودي بصاحبه إلى هاوية الكفر والعياذ بالله، وهذا يشمل كل ما يماثل هذه العادات الجاهلية من عادات معاصرة كقراءة الفنجان والكف وضرب الودع وغيرها.

стр. 70

العيافة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فما زلنا مع أهل الجاهلية الذين كانوا يعتقدون في الله غير الاعتقاد الصحيح وكانوا يتعبدون لله بعبادات لا يرضاها الله جل في علاه وأنكرها عليهم على لسان نبيه ﷺ ، وقد تكلمنا عن معتقد من معتقدات أهل الجاهلية ألا وهو الطيرة، وتكملة لهذا الباب نتكلم اليوم عن العيافة التي كانت من اعتقادات أهل الجاهلية.

стр. 71

معنى العيافة وأشكالها والعيافة هي: زجر الطير، وهذا من ضروب الكهانة، بل من ضروب السحر الذي قال فيه العلماء: إنه من الشرك. فالعيافة: زجر الطير والاعتقاد في أصواتها وفي أسمائها بل وفي أمكنتها فهم كانوا ينظرون إلى الطيور كالغراب والبوم ويتشاءمون بأصواتها وبأسمائها فمنهم من يعتقد أن البوم إذا وقفت على داره دنا أجله أو منهم من يستمع إلى صوت الغراب فيرى أن شؤماً أو سوءاً سيدركه لا محالة، فهذه الاعتقادات من العيافة. وهذا يخالف التطير؛ لأن فيه حصر لمسألة الاعتقاد في الطير فقط، أما التطير فكان على العموم بالشجر والحجر والأسماء والبشر -كما بينا- فيكون هذا خصوصاً من عموم. والعيافة مما أنكره النبي ﷺ وبين أنه من الشرك كما سنفصل القول في ذلك.

стр. 72

الطرق أيضاً من الاعتقادات التي أنكرها النبي ﷺ ووجدانها في عصرنا هذا: الطرق.

стр. 73

تعريف الطرق الطرق لغة: الخط، فيخط الساحر أو العراف أو الكاهن خطاً أو خطوطاً في الأرض ويزعم أنه بهذه الخطوط يتوصل إلى علوم الغيوب أو المغيبات، فكان بعضهم من أهل الجاهلية يخطون خطاً واحداً أو يخطون خطين ويقول أحدهم بعدما يخط الخطين: ابني عيان أسرع لنا بالبيان، يعني: الخط الأول الابن الأول والخط الثاني الابن الثاني، فيزعمون بأنه سيأتي لهم الخطان بعلوم الغيوب، فينبئون الناس بذلك. وبعض العلماء قال: إن الطرق هو الرمي بالحصى، والرمي بالحصى ضرب من ضروب التكهن فيأخذون الحصى فيلقونها على الأرض فتعطي أشكالاً ورسوماً معينة يستدلون بها على علوم الغيب. مثال ذلك: أن يأتي رجل غر -لا يعرف عن دين الله شيئاً- إلى رجل يحسبه من أولياء الله الصالحين فيقول له: سأتزوج فلانة فهل حياتي معها ستكون حياة سعيدة أم لا؟ فيأتي هذا الكاهن ويخط الخط الأول ويسأله: ما اسمك؟ فيقول: زيد، فيقول: ما اسم المرأة؟ فيقول: هند، فخط خط زيد ثم خط خط هند ثم نظر في الخطين فقال له: هذه الحياة ستكون حياة سعيدة وسيكون لك منها من الولد كذا ومن البنات كذا وتموت يوم كذا وهي تموت بعدك في يوم كذا. فهذا هو الطرق، أي أنهم يخبرون عن الغيب بالخطوط أو برمي الحصى فينظرون في تحركات الحصى فيخبرون عن الغيبيات. ومثل هذا كان يحصل في الجاهلية التي كانت قبل بعثة النبي ﷺ والتي قد يعذر أصحابها لاندراس العلم في زمنهم واندثار الشريعة وفترة الرسل حيث لم يرسل رسول في تلك الأزمنة، أما أهل هذه العصور التي انتشرت فيها العلوم والله جل في علاه نصب أهل الدين الذين يناصرون الدين فإن المرء يندهش مما يرى فيها من انتشار لمثل هذه الجاهليات التي نراها في عصورنا المتقدمة والمتحضرة في القرن الواحد والعشرين، فترى في هذه العصور ما يضاهي الجاهلية، ومن هذه الجاهليات -التي نعيش فيها والتي جاء النبي ﷺ فحطمها وبين أنها من الكفر بمكان- ضرب الودع، وفي مصر يسمونه: وشوشة الودع، وهو حقاً تشويش على القلب، فيأتي أحدهم ويأخذ الودع ويوشوشه، ثم يخبر بما سيحدث مقدماً، ولا تحسبن أن هذا الأمر خفي، والله الذي لا إلا هو إن هذا الأمر لمن الجلاء بمكان، بل إن في وسط الإخوة الملتزمين من يعتقد هذا الاعتقاد الخفي، فمنهم من يتلمس أحداً يخبره عما سيتاجر فيه وهل سيربح في تجارته أم لا.

стр. 74

بعض الاعتقادات الجاهلية المعاصرة المشابهة للطرق وكثير من الناس فيهم هذه الاعتقادات الجاهلية التي تضاهي جاهلية ما قبل البعثة ومنها الضرب بالودع، كذلك الخطوط التي كانت تضرب في الأرض في القديم هي بعينها في عصرنا هذا، فبعض الناس يذهب إلى رجل ممن يدعي الولاية، وأنه ممن يخط الخطوط وأنه من أولياء الله الصالحين الذين كشفت لهم الحجب، وأرسل الله إليهم وحياً بعدما انقطع الوحي بموت رسول الله ﷺ فينبئ بهذه الغيوب. ومن الاعتقادات الباطلة أيضاً قراءة الكف وهذه من أعجب الأعاجيب، فبعد أن تركوا الخطوط على الرمال جعلوها على الأكف والأيدي، فينظر أحدهم في كف المرء فيرى هذه الخطوط المتشابكة فيقول: هذا الخط خط العمر، وهذا الخط خط الزواج، وهذا الخط خط الأولاد، ثم ينبئ بما يشتهي، وهذا العبد الذي يذهب لهذا الخطاط ليخبره بأمور من الغيوب لعل الله يبتليه بصدق هذا الرجل حتى يفتنه في دينه والعياذ بالله. وأنا هنا أذكر هذه الصور لبيان أن حاجة الأمة بل والبشرية إلى نور النبوة أشد من حاجتها للماء والهواء، وأنه بموت الرسول وموت العالم تندرس الشريعة ويتفشى الجهل وهذا الذي حدث في هذه العصور، فبعد أن مات النبي ﷺ ومات العلماء من أمثال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني تلك الشموس المشرقة في سماء إسلامنا، فبعد موت هؤلاء الجهابذة صارت الدنيا كلها تضطرب، وصار الناس يضرب بعضهم بعضاً في الأفكار وفي الأديان، فصار التقرب لله جل في علاه بشتى أنواعه أشواباً أو أخلاطاً؛ لأن العالم الذي تستضيء به وتستنير بعلمه لا تراه، فلما غابت شمس النبوة وقع الناس في الشرك، ثم بعث الله الرسول ﷺ فأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبعدما مات الرسول ومات من بعده من أهل ورثه وهم العلماء تفشى الجهل وظهر في الناس ما ظهر من معتقدات فاسدة. ومن الصور التي ضاهت الجاهلية قراءة فنجان القهوة فبعدما يشرب المرء وتبقى آثاره في الفنجان تنظر المرأة المدعية المتكهنة في الفنجان وترى الخطوط متشابكة في الفنجان وتستشعر بها أو تستلهم بهذه الخطوط ما يحدث مغيباً، فجاهلية قبل البعثة وجاهلية بعد البعثة يتقاربان وإن لم أقل يتساويان، بل لي أن أتنطع وأقول: إن جاهلية القرن الواحد والعشرين تفوقت على جاهلية ما قبل البعثة، فما حكم هذه الجاهليات التي جاء النبي ﷺ بنبذها وجاء النبي ﷺ بقطع دابرها.

стр. 75

حكم الطرق والعيافة وما يشابهها من اعتقادات جاهلية معاصرة إن النبي ﷺ عندما رأى هذه الجاهليات حكم عليها بالكفر، وقال بعدم جوازها، وأن هذا من الشرك بمكان، فلا بد للإنسان أن يترفع عن مثل هذه الأشياء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣] والفسق قد يقصد به الكفر وقد يقصد به ما دون الكفر، لكن المقصود به هنا الكفر، وقد فسرها بعض العلماء تفسيرات كثيرة وأهم هذه التفسيرات: أن تستشرفوا ما قسم لكم مغيباً بهذه الأساليب، ومن هذه المغيبات: ما كُتب لك في اللوح المحفوظ، بل وما كتب لك وأنت في بطن أمك من رزق وعمر وشقاوة أو سعادة. فالحكم الأول: أن الله سماه فسقاً، وهذه وضح النبي ﷺ أنها من الشرك ومن الكفر، فالنبي ﷺ جاء ليبطل هذه الجاهليات، وجاء في حديث متكلم في إسناده -والصحيح إسناده حسن لذاته- أن النبي ﷺ قال: (الطيرة والطرق والعيافة من الجبت)، والجبت اختلف العلماء فيه على قولين: فـ عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وغيرهم من الصحابة والتابعين قالوا: الجبت هو: السحر، وفي تأويل آخر قالوا الجبت: هو الشرك ولا منافة فإن السحر من الشرك كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وفي هذا نجد أن النبي ﷺ ذكر الحديث على سبيل الزجر والردع لهؤلاء هدماً للجاهليات وكأنه يقول: عليكم أن تنفروا من هذه الاعتقادات وتبطلوها.
следующие страницы →