← Акыда

Акыда · id 37683

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (205 стр.). Показаны 176–205 · переход к 181.

стр. 176

ثالثاً: الأدلة من الآثار السلفية أما الآثار الدالة على اتباع السنة فكثيرة جداً، فعن عمر بن عبد العزيز أنه بعث إليه رجل فقال: اعلم أخي المسلم أن النجاة في السنة، والتزم السنة تعصم. أي: أن العصمة بالتزام السنة. وكان سفيان الثوري يبعث ويقول: أعزوا أهل السنة فإنهم غرباء. ويقول البخاري: رحمة بأهل السنة فإنهم إلى قل، أي: هم قليل. وأبو بكر بن عياش ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه كان يقول: غربة أهل السنة في أهل الإسلام كغربة أهل الإسلام بين الأديان. وقال ابن القيم: ليست الغربة التي يجدها المرء المسلم بين أهل الأديان، لكن الغربة كل الغربة التي يجدها الذي يتمسك بسنة النبي ﷺ بين أهل الإسلام. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمسكون بسنة النبي ﷺ ، ويعضون عليها بالنواجذ، وما أتتهم الرفعة والعزة إلا بتطبيقهم لهذه الآية العظيمة، والبرهنة الواضحة الجلية على حب الله جل في علاه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. قال الحسن البصري زعم أناس محبة الله فامتحنهم الله باتباع سنة النبي ﷺ . لقد كان أبو بكر ﵁ الله أعظم الناس قدراً، وأرفع الناس شرفاً، وأحسنهم مكانة عند رسول الله ﷺ ، وما اعتلى عرش هذه المكانة إلا بشدة تحريه لسنة النبي ﷺ ، فعندما مات رسول الله ﷺ -كما قال أبو هريرة -؛ وارتد من العرب من ارتد، جهز أبو بكر جيشاً وأمر عليه أسامة، وكان هذا الجيش قد أعده النبي ﷺ ، وكان يوصي به قبل أن يموت، فكانت وصية النبي ﷺ بين عيني أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقد ظهرت الردة في كل مكان ولا يمكن أن ينفذ هذا الجيش؛ لأن هؤلاء المرتدين قد يدخلون المدينة فيقتلون الخيار من صحابة رسول الله ﷺ ، فقام مجلس الشورى يعارضون أبا بكر وأولهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ويقول: كيف تنقذ هذا الجيش وأنت تعلم أن العرب قد ارتدت ورمت الإسلام عن قوس واحدة؟ فقال أبو بكر مبيناً أن التمسك بأمور النبي ﷺ وبوصاياه فيها العزة، فقال: والله لأنفذن جيش أسامة، ولأفعلن ما أمر به رسول الله ﷺ . فلما وجد عمر ذلك التصميم من أبي بكر عرف أن الحق مع أبي بكر، ثم عارضه مرة أخرى فقال: كيف تؤمر أسامة على جيش وفيه الأشياخ من المهاجرين والأنصار؟ وكان وأسامة لم يبلغ العشرين من العمر، فقال عمر: أمر غيره. فقال: لا والله لا أنزع أميراً أمره رسول الله ﷺ . فالشاهد من هذا: معرفة شدة تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه وتتبعه لخطى النبي ﷺ ، فذلك هو الذي كتب له الفوز من هذه المخاطرات، ومن هذه الضوائق والبليات التي نزلت عليهم، فلما نفذ وصية رسول الله ﷺ أُرعبت الأمم التي ارتدت ورجعت إلى جحورها ولم تهاجم المدينة، وقال ﵁ كلمته المشهورة: والذي نفسي بيده! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة. أي: لن أرد وصية الرسول الله ﷺ التي أوصى بها. وقد ظهر تمسك أبي بكر بسنة النبي ﷺ على الصحابة بأسرهم، ففي صلح الحديبية عندما لم يطق عمر بن الخطاب بنداً من بنود هذا الصلح، وهو: لا بد من رد أهل الإسلام إلى الكفار، وإذا كفر منهم أحد لا يردوه إليهم، والنبي ﷺ يذعن لهذه الشروط، لكن أبا بكر كان موفقاً مسدداً من قبل الله جل في علاه، فقد كان يقتفي أثر النبي ﷺ ويتحرى سنته، فجاء عمر بن الخطاب يستنفر أبا بكر لعله يقنع رسول الله، فيقول: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال: بلى، قال: ولم نعط الدنية في ديننا؟ أي: اذهب واستنفر رسول الله ﷺ ، فقال له أبو بكر كلمات تحفر على الصدور بماء الذهب، ويظهر منها شدة تحري وتمسك أبو بكر ﵁ وأرضاه بسنة النبي ﷺ ، قال: هو رسول الله فالزم غرزه، يعني: تمسك بسنة رسول الله ﷺ ، فإن جاءك الأمر ولم تستطع فهمه فلا بد أن تقبله، وإن لم تستطع تطبيقه فقل قبلته، ولعل الله جل وعلا يقويني على تطبيقه، لكن لا ترد أمر رسول الله ﷺ ، فإنا نخشى عليك الفتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. والفتنة تستلزم الشرك أو الكفر أو النفاق أو البدعة أو العذاب أليم. فقال: هو رسول الله، يعني: أنصحك نصيحة يا عمر! عليك بسنة النبي ﷺ فعض عليها بالنواجذ، قال: هو رسول الله ﷺ ولن يضيعه الله، فكانت الغلبة والقوة والعظمة مع تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه في تمسكه بسنة النبي ﷺ . كما ظهر تمسكه ذلك في المسائل الخلافية الفروعية والأصولية، كما يقول أهل التفريق بين الأصول والفروع، مع أن الدين كله متكامل لا فرق بين أصل وفرع، فقد جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأل ميراثها بعدما مات عنها حفيدها، تقول: مات عني ابني فمالي من الميراث؟ قال: لا أعلم في كتاب الله لك من ميراث، ثم عقد جلسة لأصحاب رسول الله ﷺ فسألهم: هل جعل رسول الله ﷺ لها قسطاً أم لا؟ فقال محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة: (جعل النبي ﷺ لها السدس)، فأمضى لها السدس تمسكاً بسنة النبي ﷺ . يا للروعة! ويا لعظم هؤلاء الأخيار الأماجد! فحق لنا أن نفتخر بهؤلاء؛ لأنهم ما ارتفعوا وما ارتقوا إلا بتمسكهم بسنة النبي ﷺ ؛ برهنة على حب الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو الوزير الثاني لرسول الله ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة في تمسكه بالسنة، وأنه لا يقدم قول أحد على قول رسول الله ﷺ . فقد كان الأشياخ من المهاجرين والأنصار يجلسون في مجلس التحديث والمذاكرة، فذكروا مسألة وهي: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل فماذا عليه؟ فاختلف الصحابة على قولين، القول الأول: إذا لم ينزل فلا غسل عليه؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الغسل من إنزال المني. والقول الثاني: عليه الغسل، والدليل على ذلك قوله ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، أي: إذا داعب الرجل امرأته فلامس ذكره فرجها ومس ختانه ختانها فقد وجب عليهما غسل الجنابة، وهذا ما ذهب إليه عثمان ﵁ وجمهور الصحابة. فلما نظر عمر قال: لا بد من رد المسألة إلى رسول الله عملاً بقول الله تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:٥٩]، فبعث إلى عائشة ﵂ وأرضاها وأخبرها بهذه المسألة، فقالت: (كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك ويغتسل)، ثم ذكرت حديث النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل). وحديث: (إنما الماء من الماء) كما قال ابن عباس: ليس منسوخاً، ولكنه في الاحتلام، أي: أن الرجل إذا رأى في منامه أنه يجامع امرأة وأحس بشهوة ثم قام فلم يجد بللاً فليس عليه غسل، وقد صرح بذلك النبي ﷺ كما في سنن أبي داود: (أن الرجل إذا استيقظ فوجد في ثيابه بللاً كان من احتلام فعليه الغسل، وإن لم يجد البلل فليس عليه غسل). والمقصود أن عمر بن الخطاب رد التنازع إلى رسول الله ﷺ ؛ ليبين لنا أن أي مسألة مهما يكن فيها من خلاف لا بد من ردها إلى الله ورسوله، لا إلى أبي بكر أو عمر أو إلى الشافعي أو أبي حنيفة: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. وهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه يبين لنا شدة تحريه لسنة النبي ﷺ حتى في طريقة الوضوء، فقد روي أنه أوتي بوضوء، ثم غسل يديه ثلاثاً، ثم توضأ كما توضأ رسول الله ﷺ حذو القذة بالقذة. وهذا ليس تنطعاً ولا تطرفاً، بل هو التماس لسنة النبي ﷺ ، فتوضأ كما توضأ النبي وقال: لقد توضأ رسول الله ﷺ نحو وضوئي هذا وقال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه). فهذا الثواب العظيم لمن يتحرى سنة النبي ﷺ . وكان عثمان بن عفان ﵁ ينهى عن المتعة في الحج ويقول بحج الإفراد والقر

стр. 177

ما جاء عن الأئمة الأربعة في شدة تمسكهم بالسنة إن الكثير من الناس اليوم قلدوا المذاهب على جهل، وارتبطوا بقول الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك وليس هذا انتقاص منهم، فلابد أن نجل هذه المذاهب وأصحابها؛ لأن الله جل في علاه يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، ولكن كل عالم من هؤلاء الأعلام قال: فخذوا بقول رسول الله ﷺ واضربوا بقولي عرض الحائط. وقد قال الشافعي ﵀: أجمعت الأمة على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان. وكان مالك ﵁ وأرضاه من شدة تعظيمه للنبي ﷺ يمشي في المدينة حافياً احتراماً وتقديراً لصاحب القبر، ثم يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر. فـ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد أصلوا لمذاهبهم، فجاء الأصحاب يأخذون بتأصيلهم، ولكن المقلدة الذين لا يعقلون عن الله ولا عن رسوله ﷺ ، بل ولا عن أئمتهم شيئاً قدموا أقوال الأئمة على أقوال رسول الله ﷺ ، فـ مالك ﵀ لشدة تحريه وتمسكه بسنة النبي ﷺ ما كان يفتي إلا بقال الله قال رسول الله، وإذا غابت عنه سنة قال: لا أعلم، ولذلك جاءه رجل ضرب أكباد الإبل من المغرب إلى المدينة ليسأل عن مسألة فقال: ليس لي فيها سنة ائتني بعد أيام، فأتاه بعد أيام ثم فقال ما تبين لي فيها شيء، فقال الرجل: ضربت أكباد الإبل لأسأل مالكاً أعلم أهل المدينة، ويقول لي: لا أعلم فيها شيئاً، فقال: ارجع إلى من بعثك فقل له ذلك، فرجع إلى المغرب وقال لهم ما قاله الإمام مالك، فانتحل أهل المغرب مذهب مالك؛ لتعظيمه سنة النبي ﷺ . وجاءه رجل وقال: سأحرم من قبل ذي الحليفة -أي: قبل الميقات- فقال له: لا تفعل، قال: ولم؟ قال: يا بني! كيف تفعل أمراً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ يا بني! إني أخشى عليك أن ترى أنك فعلت أمراً قد قصر عنه رسول الله ﷺ فتكون عليك فتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. وكان الإمام الشافعي جالساً مع بعض أصحابه فدخل رجل فسأله فقال أحد تلامذة الإمام الشافعي: هذه المسألة سئل فيها رسول الله وقال فيها كذا، فقال الرجل وكان من الجهلة: يا شافعي! أتقول بقول هذا الرجل؟ وهذا من الجهل، فإن كثيراً من الناس لا يسمع إلا للمشهورين مع أنهم قد يخالفون حديث النبي ﷺ ، وقد جاء في السنن بسند صحيح قال النبي ﷺ : (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن أشير إليه بالبنان فلا تعدوه)، وفي هذه العصور نرى تطبيقاً لما قاله النبي ﷺ . قال له الشافعي ﵀: وما لي لا أقول بقول رسول الله ﷺ ، أرأيتني خرجت من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زناراً؟! وفي هذا تأسيس وتأصيل للطلبة وللمستفتي أن المسألة قال الله قال رسوله، لا يمكن أن تتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . وأيضاً فإن أبا حنيفة الذي يقال عنه: إنه صاحب الرأي والقياس، وإنه يلقي بالأحاديث خلفه، كان من أشد الناس تحرياً للسنة، لكنه كان يعيش في زمان كثر فيه الوضاعون والكذابون فما كان يأخذ منهم الأحاديث، ولا يثق بهم، فلهذا كان يقيس، لكن إذا استبانت السنة عض عليها بالنواجذ، ولذلك كان يقول: بأن الرجل إذا نكح في الحج صح نكاحه، ويستند إلى ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم)، ولكن ذلك كان وهماً من ابن عباس ﵁، كما قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، ما تزوج النبي ﷺ ميمونة إلا وهو حلال، لكن هذا دليل على أن أبا حنيفة كان يتمسك بسنة النبي ﷺ ، ويقدمها على أقوال الآخرين. وأحمد بن حنبل ﵀ كان يقول: لا تأخذوا عني ولا عن الثوري، وخذوا من حيث أخذنا، يعني: من رسول الله ﷺ . وقد نقل عنه بالتواتر أنه قال: الحديث الضعيف أولى عندي من القياس. تأويل ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: كان في عرف المتقدمين أن الحديث ينقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، والضعيف يأتي فيه ما هو محتج به وما ليس بمحتج به، والمحتج به هو الذي ارتقى إلى درجة الحسن وهو ما بين الصحيح والضعيف، والغير محتج به هو الضعيف إذاً: معنى قول الإمام أحمد بن حنبل أن الحديث الحسن الذي فيه راوٍ خفيف الضبط هو الذي يقدمه على القياس، فكان يأخذ بقول النبي ﷺ ، ثم بقول الصحابة، ثم بقول الشافعي إن لم يجد، أو يأخذ بالقياس في أضيق الأحوال. إن أصحاب المذاهب رفعوا الأئمة إلى أعظم المكانات لكنهم لم يقلدوهم كما قلدهم الكثير من الناس، فالإمام مالك ﵀ كان يرى المسح في السفر دون الحضر، لكن أصبغ وهو من أتباع الإمام مالك قال: وقد ثبتت سنة النبي ﷺ بالمسح في الحضر والسفر، وهي أحب إلينا من قول مالك. فأصحاب مالك وهم الذين يدونون مذهب مالك وينصرونه، عندما يسمعون قول النبي ﷺ لا يقدمون عليه قول أحد، وهذه هي وصية مالك حيث قال: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، يعني: قبر النبي ﷺ . وذكر ابن العربي المالكي أن مالكاً قال: لا صلاة على الغائب، وأنها خاصة بالنبي ﷺ ، فقال ابن العربي المالكي ﵀: وقال مالك ذلك والسنة أحب إلينا؛ إذ الأصل عدم الخصوصية، فقد عمل بها النبي ﷺ فلتعمل بها الأمة، والدليل على ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالخطاب للنبي هو خطاب للأمة بأسرها، وعمل النبي ﷺ عمل للأمة بأسرها. وأيضاً فقد كان مالك ﵀ لا يرى التتريب في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقال القرافي: لا يرى مالك التتريب، والسنة أحب إلينا من قول مالك. ويقول الإمام الشافعي ﵀: إذا قلت قولاً خالف قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط، ثم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ولذلك جمع البيهقي كتاباً كاملاً سماه معرفة السنن والآثار، يقول فيه: وهذا مذهب الشافعي، مع أن ذلك لم يقله الشافعي لا في كتابه الأم ولا في غيره، وليس ذلك لا في الجديد ولا في القديم، ومع ذلك ينسبه البيهقي إلى الشافعي ويقول: علق الشافعي الحكم على صحة الحديث وقد صح الحديث، وهو (أن النبي ﷺ قبل إحدى نسائه وذهب للصلاة من غير وضوء) ومذهب الشافعي أن لمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة ينقض الوضوء. ثم قيل له: حديث عروة (أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه وذهب وصلى ولم يتوضأ)، فقال الشافعي: إن صح الحديث أقول به، فقال البيهقي: وقد صح الحديث فهو مذهب للشافعي. وأيضاً كان الشافعي يرى في قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أن الصلاة الوسطى هي: الفجر، وأتى بأدلة على ذلك، قال الماوردي: إن الشافعي قال إذا ثبت الحديث فهو مذهبي، وقد ثبت الحديث في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (حبسونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، فالصلاة الوسطى في مذهب الشافعي هي صلاة العصر تمسكاً بسنة النبي ﷺ . وقد عرف عن النووي أنه لا يمكن أن يخرج عن مذهب الشافعية قيد أنملة إلا إذا جره الدليل القوي، وفي شرح مسلم قال: واختلف العلماء في الوضوء من لحم الإبل على أقوال: فقال الشافعي والجمهور: إنه لا وضوء مما مست النار سواء كان لحم إبل أو غنم، قال: والحجة في الدليل، والدليل مع من يقول بالوضوء من أكل لحوم الإبل. فخرج عن الشافعية وذهب إلى ما ذهب إليه الحنابلة؛ لأن الحديث هو مذهب كل مسلم. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول الفقيه إن هذه الصفة والسمة التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وهي زعمهم محبة الله جل في علاه ولا يبرهنون على هذا الزعم قد فشت فينا، فزعمنا حب الله وتركنا سنة النبي ﷺ ، فبرهان هذا الزعم أن نعض على سنة النبي ﷺ بالنواجذ، وكذلك سنة أصحابه الكرام الأماجد.

стр. 178

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - حكم أهل الرأي والأهواء والقياس الباطل لقد بعث الله إلينا رسلاً يعلموننا دين الله، فمتى تركنا تعاليم الأنبياء وسننهم جاءت الأهواء والآراء المتكاثرة لتصرفنا عن كلام الله ورسوله. وإن مما يبتلى به من يبتعد عن هدي الأنبياء أن يكون عبداً لقياسات فاسدة تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، فكثير من الشركيات الموجودة الآن سببها استعمال القياسات الباطلة، فقد عصى المشركون الله تعالى، وأنكروا صفات الله بسبب هذا القياس الباطل، ولذا فيجب على المرء أن يجتهد في طلب الخير ما استطاع.

стр. 179

الأحكام تؤخذ من الوحي لا من الهوى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا * سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. أما بعد: إخواني الكرام! إن دين الله جل في علاه لا يؤخذ بالأهواء، ولا بالعاطفة, ولا بالرؤى والمنامات, ولا يؤخذ بالآراء وبالقياسات الفاسدة, بل إن دين الله جل في علاه لا يؤخذ إلا مما شرعه الله. فإن الله خلق الخلق ليعبدوه, وشرع لهم الشرائع ليمتثلوها, وليعبدوا الله بها, ولا يتبعوا الهوى, فإن الهوى يضل عن سبيل الله جل في علاه, قال الله جل في علاه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس:٦٦]، وقال جل في علاه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] وقال الله تعالى ناهياً لرسول كريم من رسله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص:٢٦]، فبين الله له أن إتباع الهوى يضل الإنسان, فالآراء الفاسدة, والقياسات العاطلة, هي التي تضل الإنسان عن الطريق القويم, وعن الطريق المستقيم.

стр. 180

تحذير السلف من اتباع الآراء والأهواء إن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يا أيها الناس! اتهموا الرأي في الدين, فلقد رأيتني يوم الحديبية أنازع رسول الله ﷺ : ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فهذا ما رآه, وإن كان فيه شيء من الصحة وشيء من الحكمة, لكن الله أعلم بالغيوب, والله جل في علاه يعلم ونحن لا نعلم, ويعلم ما ينفع مما يضر، ثم قال: ثم عملت لذلك أعمالاً؛ لأن الله بين أن الحق مع الرسول ﷺ , وسماه فتحاً. وعلي بن أبي طالب يقول: أيها الناس! لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من الأعلى؛ لأنه المباشر للنجاسات والمباشر للقاذورات. فالدين بالشرع ومنه يؤخذ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، والإمام مالك يقول: أسوأ أهل الأرض هم أهل الأهواء. وقال الإمام الشافعي: حكمي في أهل الأهواء: أن يضربوا بالجريد والنعال, ثم يطاف بهم في القبائل والعشائر, ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة, واتبع الهوى والآراء وعلم الكلام. فعلم الكلام علم فاسد يفسد صاحبه, ويفسد على المرء قلبه, ويبعده أشد البعد عن الله جل في علاه, لأن الذي يتبع الهوى يبتدع في دين الله لا محالة، وما ازداد عبد ببدعة إلا بعداً من الله جل في علاه, وما ازداد إلا بعداً من رسول الله ﷺ , بل يوم القيامة يمنع من حوض رسول الله ﷺ , ويحرم من أن يشرب من هذا الحوض الذي هو أحلى من العسل, وأبيض من اللبن؛ لأنه ابتدع في دين الله, ولذلك يقول الرسول ﷺ : (سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي, بعداً بعداً لمن بدل بعد).

стр. 181

خطورة القياس الفاسد إن أهل الجاهلية أشركوا بأهوائهم وقياساتهم الباطلة, وقدوتهم وإمامهم في ذلك: هو إبليس, فهو الذي رد شرع الله جل في علاه بهواه ورأيه العقيم, وبقياسه الفاسد.

стр. 182

إبليس أول من قاس قياساً فاسداً إن إبليس عندما أمره الله جل في علاه أن اسجد لآدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، ومن ضمن العلل التي تعلل بها إبليس في عدم سجوده لآدم: أنه قاس قياساً فاسداً هو عنده قياس صحيح، والحقيقة أنه فاسد الاعتبار؛ لأنه صادم أمراً من أوامر الله جل في علاه, وأنت مخلوق لله فعليك أن تقول: سمعت وأطعت, وعليك أن تستسلم لأوامر الله جل في علاه, وإلا اتهمت بالكبر في قلبك, فإذا قال لك الله: اسجد, فلا بد أن تقول: سمعت وأطعت, لكنه قال: لا أسجد، ورد على الله أمره, ثم علل ذلك متعذراً بقياس فاسد, ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وكأنه يقول النار خير من الطين، إذ قال: أنا خير منه؛ لأنك خلقتني من مادة النار وخلقته من مادة الطين, وهذا قياس فاسد؛ لأنه رد به أمر الله جل في علاه, ولذلك ما من مبتدع تدعوه إلى الله ورسوله إلا رد كلام النبي ﷺ بأهوائه وبعقله، كما أن أحدهم قيل له: إن حديث النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري ومسلم، فقال: لو رأى البخاري ما تفعله تاتشر ما قال هذا الكلام؛ رداً على حديث النبي ﷺ . وغيره يقال له: إن النبي ﷺ تزوج عائشة وعمرها ست سنوات, فيقول: لا يمكن أن أقبل ذلك؛ إن لي عقلاً أفكر به، فيضرب حديث النبي ﷺ , ويضرب شرع الله جل في علاه بالأهواء العاطلة, والقياسات الباطلة, وإمامه في ذلك إبليس, وإن كانت نيته حسنه, فقد قالوا لـ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن: والله ما أردنا إلا الخير, فقال: وكم من مريد للخير لم يبلغه. فاجتهد كيفما شئت ليلاً نهاراً, وصم النهار وقم الليل, فإن لم يكن ذلك على شرع الله جل في علاه فأنت منبوذ مطرود من رحمة الله جل في علاه. إذاً: فإبليس قاس قياساً فاسداً، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقلنا: هذا فاسد, لأنه رد الشرع به, وأيضاً إذا حررت المقال ترى أن هذا القياس فيه من الأباطيل ما فيه: أولاً: أن النار فيها خفة، وهذه الخفة يتبعها الإفساد, وأما الطين ففيه الثبات والرصانة. ثانياً: النار فيها الإحراق والإفساد, وأما الطين فإذا بذرت فيه البذر فإن الأرض تنبت وتثمر ففيها الخير, فالنار فيها الخفة والفساد, وأما الطين ففيه الرصانة وأيضاً فيه الخير. وإبليس في نظره أن النار أفضل من الطين ويظهر بالحكمة والعقل الصحيح أن قياسه فاسد, وكفار العرب إمامهم وقدوتهم هو إبليس, ولذلك كفر من كفر من العرب, وكفر من كفر من الأمم السابقة بسبب هذه الأقيسة الفاسدة الباطلة.

стр. 183

القياس الفاسد شبهة الكفار لإنكار الرسل إن أهل الكفر قاطبة ردوا الرسل بالقياس الباطل, قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون:٢٤]، وقالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٧]، وأيضاً قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [إبراهيم:١٠]، وقالوا: ﴿أَُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥]، فوقعوا في القياس الباطل كما فعل إمامهم وقدوتهم إبليس، فقالوا: كيف يبعث الله بشراً يأتيه الوحي وهو مثلنا! إذاً: فنحن لابد أن يأتينا الوحي كما يأتيه الوحي, فهذا القياس الباطل الذي قاسوه أدى بهم إلى أن قاسوا الرسل على أنفسهم, ونحن نقول: إن هذا باطل من وجوه: أولاً: أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنهم بهذا القياس ردوا أمر الله جل في علاه وشرعه، والله يقول: ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] , ويقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. ثانياً: لو دققنا النظر فإننا نجد أن العقل الصحيح يرضى بذلك, ويقرر أن الرسل ليسوا كالبشر وهم كالبشر, كيف ذلك؟ نعم هم كالبشر يأكلون ويعتريهم ما يعتري البشر من نسيان وتعب وإعياء وإرهاق، فهم كالبشر في هذا, لكنهم ليسوا كالبشر في السمو البشري وفي الخُلُق, فإن الله جل في علاه لما ابتعث واصطفى من البشر رسلاً جعلهم أشرف الناس نسباً, وأحسن الناس خُلُقاً, وأتم الناس وأكملهم خَلْقاً, وجعل فيهم الصبر والحلم والعزة والغنى, وجعل فيهم القوة, والقدرة, وجعل فيهم الإخلاص لله جل في علاه, فهم أخلص البشر على الإطلاق لنشر دين الله جل في علاه, ولذلك كان الفرق بينهم وبين عامة البشر كما بين السماء والأرض, فلا قياس هنا؛ لأن النبي ﷺ إذا رأيته وقسته بجميع البشر فلن تجد أحداً يدانيه, فهو رسول الله، وهو أكمل البشر خُلُقاً وخَلْقاً ونسباً، وهو أعبد الناس لله جل في علاه, وأذلهم الله جل في علاه, وأخلصهم الله جل في علاه, وأصبر الناس على ما يحصل له بسبب نشر دعوة الله جل في علاه. فهذا القياس الباطل الفاسد هو الذي ردهم عن دين الله جل في علاه, ولم يرضوا بالرسل؛ لأنهم من البشر, وهذا القياس الفاسد أوقعهم في الشرك.

стр. 184

بالقياس الفاسد أنكر الكفار علم الله ومن أفعال الجاهلية وقياسهم الباطل: قياس الخالق على المخلوق, وهذا من الأقيسة الفاسدة التي اقتدوا فيها بإبليس, فقاسوا الخالق على المخلوق في كثير من الصفات كالسمع والعلم, كما قال ابن مسعود: أن نفراً كانوا يجلسون في الحجْر يخفض بعضهم لبعض الكلام ويسره، ثم يقول: إن الله لا يعلم ما نقول: لأنه ليس معنا. فقاسوا الخالق على المخلوق, حيث إن المخلوق إذا وجد في محل الكلام سمعه وعلمه, فإذا غاب عنه لم يعمله, فقالوا: إن الخالق إذا غاب عنهم فإنه لا يسمع ولا يعلم ما يقولونه, فهذا قياس الخالق على المخلوق وهذا قياس باطل فاسد، فإن الله ليس كمثله شيء.

стр. 185

أنواع القياس القياس ثلاثة أقسام: قياس العلة, وقياس الشبه, وقياس الأولى. وأيضاً هناك أقسام أخرى. فقياس العلة: هو القياس الجامع بين الأصل والفرع لعله مشتركة بينهما. وقياس الشبه: هو أن يكون هناك شيء أكثر شبهاً بشيء من شيء آخر، كالعبد هل يقال فيه: هو أشبه بالبهيمة أو هو أشبه بالحر كما فصلت سابقاً. والقياس الثالث: قياس الأولى: وهذا يكون في حق الله فقط, وهذا الذي يصح أن تقره في حق الله، كأن تقول: كل كمال لا يشوبه نقص يتصف به المخلوق فالله أولى أن يتصف به, لكن الكفار قاسوا قياس العلة وقياس الشبه بين الخالق وبين المخلوق, قالوا: إذا كان المخلوق معنا فإنه يسمع ويعلم ما نقول، لكنه إن غاب عنا فلا يعلم، وهم الآن لا يرون الله جل في علاه، فقالوا: إذاً فهو لا يعلم.

стр. 186

الرد على الكفار في إنكارهم علم الله تعالى إن الله جل في علاه ألجمهم في ذلك، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١] , وقال النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً). وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها, قالت: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها! فإن المرأة تشتكي زوجها للنبي ﷺ ويخفى عني بعض حديثها, فأنزل الله من فوق سبع سماوات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]). وكذلك ابن مسعود عند ما وصف أن ما بين كل سماء وسماء خمسون ألف سنة, في الرواية المشهورة عنه، ثم قال: (والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه) , فالله جل في علاه أحاط بكل شيء سمعاً وبصراً وعلماً وقدرة. وكذلك حينما قال موسى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] فقال الله جل وعلا رداً عليه: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. وأيضاً عندما ارتجف أبو بكر ﵁ وأرضاه في الهجرة خوفاً على رسول الله، فقال له النبي ﷺ مثبتاً إياه: (يا أبا بكر ما بالك باثنين ثالثهما الله, إن الله معنا لا تحزن) , وأنزل الله قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] , أي: معنا بسمعه وعلمه وقدرته ونصره وتسديده وتوفيقه سبحانه جل في علاه. فهذا القياس الباطل الذي وقع فيه أهل الجاهلية هو من هذه القياسات التي أوقعتهم في الضلال وفي الشرك.

стр. 187

قياس الكفار الفاسد في الشفاعة كذلك قاسوا الخالق بالمخلوق في الشفاعة، فهذا موجود في واقعنا عند المخلوق ولا يستلزم أن يكون موجوداً عند الخالق. وذلك أن الشافع -عند المخلوق- إذا دخل بغير إذن المشفوع عنده فإنه لا يقبل شفاعته، وكذلك الشافع لا بد أن يكون له منزلة ومكانة عند المشفوع عنده، وله كلمة عنده، ويستحي المشفوع عنده أن يرد هذا الشافع, وهذا في البشر, ولذلك هم يقولون: بأننا نتخذ هؤلاء الأنداد بيننا وبين الله وسائط؛ ليشفعوا لنا عند الله. وهنا قاسوا قياساً فاسداً فقالوا: إن الله كالبشر لا يدخل عليه إلا من هو ذو مكانة, ولا يسمع إلا لمن له الكلمة عليه, وحاشا لله جل في علاه, وهل هناك أحد يجبر الله على شيء؟ حاشا لله جل في علاه, ولذلك فالمشركون عندما صرفوا العبادة للوسائط والشفعاء قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فرد الله عليهم قال: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] أي: أتعلمون الله بأن هؤلاء لهم الكلمة عليه؟ أو بأن الله له حُجَّاب لا أحد يدخل عليه إلا بها؛ فإن هذا قياس باطل، وهو الذي جعلهم يقولون: إن هناك من كلمة عند الله، كما توسل قوم بجاه الرسول ﷺ , وسنبين بعض ما وقع فيه من أقيسة باطلة في العقائد.

стр. 188

القياس الفاسد في الأحكام أيضاً من الأقيسة الباطلة التي وقعوا فيها في الأحكام أنهم قاسوا الميتة على المذبوحة المذكاة, فقالوا: إن قياس الأولى يقتضي أن تقول: أتمنعوننا -يردون على رسول الله حكمه- مما قتل الله وتطعموننا ما قتلتم أنتم؟! فما هو الأولى أن نأكله ونطعمه الذي قتله الله من الميتة، أو الموقوذة، أو المنخنقة، أو المتردية, أو الذي قتلتم أنتم؟ إن قياس المذكاة على الميتة قياس باطل من وجوه كثيرة, وسنرد على هذه الشبهة وعلى أقيسة أهل الضلال؛ لأن أهل الضلال موجودون في كل عصر كأهل البدع والضلالات، فهم يعتمدون على شبه وتلبيسات إبليس كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، بشبههم يخلطون بين الحق والباطل؛ ليزينوا الباطل للناس, ويلبسون بقولهم: أنتم تقولون/ إن ذبحكم أولى من ذبح الله جل في علاه, وإن قتلكم أولى من قتل الله جل في علاه, فقاسوا المنخنقة والمتريدة على المذبوحة المذكاة, وهذا قياس فاسد الاعتبار من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه قياس صادم النص, والله جل وعلا يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [الأعراف:٥٤]، فالدين: هو ما شرعه الله جل في علاه ويقول الله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. الوجه الثاني: أن الميتة التي قدر الله موتها ينجس دمها في عروقها، وإذا حبس الدم أصبحت نجسة منتنة, وكذلك لحمها ينتن ويحدث فيه الأضرار التي لا يعلمها إلا الله جل في علاه, ولكن المذكاة بإراقة الدماء لا تحبس الدماء فيها فلا تحدث فيها هذه الأضرار. الوجه الثالث: أن هذه الميتة وإن قتلها الله جل في علاه فقد منعها، وأما المذكاة فقد أباحها الله تعالى.

стр. 189

بالقياس الفاسد استحل الربا أيضاً من الأقيسة الباطلة في الأحكام التي قاسها أهل الضلالة -وأهل الضلالة في هذه العصور يقيسون نفس هذه القياسات كما سنبين- أنهم قالوا: البيع مثل الربا, فلم تحرمون علينا الربا, مع أن البيع فيه مكسب وخسارة، وفي هذا البيع أيضاً المكسب وزيادة المال, قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فقاسوا البيع على الربا بجامع الاستفادة بالزيادة. وهذا قياس صريح, والآن أهل الباطل يفعلون هذا لكن بتورية كما سنبين, فيقولون: الربا ليس فيه شيء, قياساً على التجارة, وهذا من قياسات أهل الجاهلية، وهي من صفات أهل جاهلية عصرنا الذين يفعلون مثل ما يفعل أهل الجاهلية, فلا تحسبن أن الأمر قد مات وفات, قد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨]. وقال ﷺ : (لتركبن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

стр. 190

الفوارق بين البيع والربا إن قياس البيع على الربا قياس باطل فاسد؛ لأنه مصادم للنص, والله جل وعلا أعلم بما يشرع لعباده، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار, وإذا دققت النظر تجد أن هذا القياس فيه فوارق كثيرة: أولاً: أن الربا فيه ظلم. ثانياً: فيه عدم التراضي. ثالثاً: ينشىء الحقد والحسد والغل من المقترض على المقرض. رابعاً: أن النفع فيه لا يعود إلا على المقرض, فيزداد المقرض غنى على غناه, ويزداد الفقير فقراً على فقره, وأغلالاً على أغلاله. فأربع وجوه كافية لتحريم الربا، وأما البيع فهناك فوارق بينه وبين الربا: أولاً: فيه التراضي, ولذلك الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء:٢٩]، وقال النبي ﷺ : (إنما البيع عن تراضٍ). ثانياً: البيع فيه العدل والمساواة, وليس فيه ظلم؛ لأن التراضي يمنع الظلم، فهذا يكسب وهذا يكسب. ثالثاً: النفع في البيع يتعدى إلى الطرفين البائع والمشتري, حتى وإن كان البائع أكثر ربحاً, فهذا رزق الله يؤتيه من يشاء, لكن كل منهما سيفوز بالربح وبالرضا. رابعاً: أن البيع فيه تعاون على البر والتقوى, وعدم انتشارٍ للغل والحقد في المجتمع الإسلامي؛ لأنهم يترابطون ويتعاونون, وكل منهم يكسب الآخر ربحاً, ويربح هو, والتراضي حاصل, ويعم الخير عندهما معاً الغني والفقير, وتختفي الطبقية في المجتمع بفضل الله ، ويتعاونون على البر والتقوى في دين الله جل في علاه, وفي الدنيا ينتفعون من هذه الأموال. فهذه أربع فروقات بين الربا وبين البيع الصحيح, ولذلك لما قاس المشركون البيع على الربا, أبطل الله هذا القياس، وبين أن هذا القياس قياس فاسد, وقياسهم هذا مثل قياس إبليس, فلما قالوا: (إنما البيع مثل الربا) رد الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].

стр. 191

تحذير الرسول من أصحاب الأقيسة الباطلة لقد جاء النبي ﷺ بشرع الله جل في علاه ليبطل هذه الأقيسة، فجاء عند الطبراني بسند مقارب -أي: أن السند فيه رجلاً ضعيفاً يقارب الصحة، وياله من حديث -قال النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة, ثم قال: وأشدهم على هذه الأمة أقوام يقيسون بالأهواء والآراء) , أو كما قال النبي ﷺ بأبي هو وأمي. فهؤلاء الأقوام يقيسون بالأهواء والآراء, وليس عندهم شرع من دين الله جل في علاه، وقال: (يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله) , ومن أحل ما حرم الله فقد وقع في الإثم, قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]. إذاً: فالنبي ﷺ يحذر هذه الأمة من هذه الفرق التي هي كلها في النار والعياذ بالله, ويحذر أشد التحذير من فرقة تضرب الكتاب والسنة بالأهواء والآراء والعاطفة الجياشة, وهم أقوام يقيسون بالأهواء والآراء, فيحلون ما حرم الله, ويحرمون ما أحل الله, فأبطل النبي ﷺ هذه القياسات, ويا ليتنا ننتفع بهذه الأحاديث، ونعرف هذه القياسات الباطلة حتى نتوقاها, وذلك من باب: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه. فالأقيسة في زماننا هذا مثل الأقيسة في الأزمنة التي مضت, وهناك قوم غالوا في إثبات صفات الله جل في علاه, وهذا الغلو ما جاء إلا من القياس الباطل, فقاسوا الخالق على المخلوق, وقالوا: نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه، نثبت له اليد والسمع والبصر, ونثبت له الرجل والقدم, لكنهم قالوا: إن يد الله كيد المخلوق, ورجْل الله كرجل المخلوق, وعين الله كعين المخلوق, غالوا في الإثبات, فأنزلوا الخالق منزلة المخلوق, عملاً بقياس أهل الجاهلية الذين قاسوا الله بخلقه في مسألة الشفاعة.

стр. 192

فساد القياس في مسألة التوسل والشفاعة أيضاً من الأقيسة الباطلة في هذه العصور ما وقع في مسألة الشفاعة أو التوسل. ففي مسألة التوسل بالنبي ﷺ قاسى بعض الناس حياة النبي ﷺ البرزخية بحياته الدنيوية, وقالوا: إن النبي ﷺ كان في حياته يأتي إليه الناس ويقولون: يا رسول الله! ادع لنا, كما في حديث عثمان بن حنيف (عندما جاء الأعمى إلى رسول الله ﷺ فقال: ادع الله لي). فنقول إنه ما قال: أتوسل بالنبي أو بك ذاتاً أو جاهاً, بل قال: ادع الله لي, والسياق يبين أنه طلب منه الدعاء، وفي آخر الحديث قال: (اللهم شفعه في) , يعني: اللهم اقبل دعاءه لي، فالتوسل كله بدعاء النبي ﷺ . وقالوا: كما جاء الناس والنبي في حياته يدعو لهم ويستغفر لهم, أيضاً يجوز أن يأتوه بعد مماته عند قبره ويقولون: استغفر لنا يا رسول الله! ادع لنا يا رسول الله! وهذا من القياس الباطل، وهذا نجده الآن عياناً بياناً ويحدث أمامنا, بل قد عم وطم, وأصبح هو السنة الآن.

стр. 193

إبطال هذا القياس والآن نرد على هؤلاء الذي يقولون بالقياس, فهنا فيشبهون علينا, ويقولون: إن عمر جاء النبي ﷺ وقال له: ادع لي, أليس هذا من خياركم؟ وقال: أبو بكر: ادع لي؟ وفعل ذلك عثمان، وعلي. و الجواب ذلك على الرحب والسعة، ونحن نقبل ذلك, فهم جاءوا إلى رسول الله ليستغفر لهم, ويدعو لهم. قالوا: إذاً: فالنبي ﷺ في حياته فعل ذلك, وأيضاً هو في قبره يفعل ذلك. قلنا: لكنه قد مات, قالوا: لا، بل هو حي في قبره, قلنا: كيف؟ قالوا: إن النبي ﷺ بين أنه: (ما من أحد يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه، فيرد ﵇ فما من أحد في مشارق الأرض ومغاربها إلا ويسلم على النبي ﷺ ، إذاً: فلا يمكن أن تخلو ساعة من الساعات في السلام على النبي ﷺ ، فمفهوم هذا الكلام أنه حي في قبره كما كان حياً في حياته فيستغفر لهم, فيجوز للإنسان أن يذهب إلى قبر النبي ويقول: يا رسول الله! استغفر لي, يا رسول الله! ادع الله لي أن يرزقني الولد. وهناك فرق بين أن يقول: يا رسول الله! ارزقني الولد, وبين أن يقول: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني الولد، وهو أن اللفظة الأولى شرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في النبي مالا يُعْتَقَدُ إلا في الله، فاعتقد أن رسول الله يستطيع أن يرزقه الولد, وهذا الأمر إنما هو بيد الله جل في علاه, فهذا شرك في الربوبية. وهو أيضاً شرك في الألهية؛ لأن الدعاء عبادة لله، وهنا صرفها لغير الله، وكل عبادة ثبت في الشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فلو قال: يا رسول الله! ارزقني واغنني واشفني فقد كفر في الإلهية، فالدعاء لا يكون إلا لله قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]. وأما اللفظة الثانية فهو يقول: نعوذ بالله من الشرك والكفران, وأنا أقول إن الله هو الخالق الرازق المدبر, ولا أدعو غير الله جل في علاه, ولكن أقول: يا رسول الله! ادع الله لي أن يغفر لي؛ لأن النبي ﷺ حي في قبره كما هو حي في حياته, فقد جاءه كثير من الناس في حياته وقالوا له: استغفر لي, ادع لي، كما في الحديث: (أنه جاءته المرأة التي كانت تتكشف فقالت: يا رسول الله! ادع الله لي، فإني أصرع وأتكشف, فقال: لو شئت دعوت لك)، وهذا إقرار منه. وأيضاً عكاشة بن محصن قال: (يا رسول الله! ادع الله لي أن أكون منهم)، ففعل رسول الله ذلك؛ لأنه كان حياً بين أظهرهم، والنبي ﷺ الآن حي في قبره هم يقولون هذا. فهذا الرجل اتخذ وسيلة لم يشرعها الله جل في علاه, ومع ذلك يقول: إن الله شرعها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، ويقول: هذه الوسيلة مشروعة الآن, ونحن نتكلم الآن على هذه المسألة أن فيها قياس الحياة البرزخية على الحياة الدنيوية, فإما أن نقر هذا القياس وإما أن نبطل هذا القياس. فنقول: إن النبي ﷺ كان حياً بين الصحابة وقد مات، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فقالوا: إننا نبين لكم أنه حي في قبره, قلنا: هاتوا, قالوا: قال رسول الله ﷺ : (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله عليَّ روحي)، وهناك حديث ضعيف يستدلون به أيضاً، وهو: (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)، وهذا حديث باطل, ولكن الحديث الصحيح الذي نقر به هو: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه).

стр. 194

بطلان قياس الحياة الدنيوية بالحياة البرزخية نبدأ بقولهم: نحن نقيس حياة النبي ﷺ البرزخية على الحياة الدنيوية, فنقول: أولاً: هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه صادم نصاً, وهو أن الله سماه ميتاً، فلا نصادم هذا ولا نقول: هو حي، بل هو ميت, وإذا قال: بل هو حي في قبره, فنقول له: خصصها وقيدها ولا تطلقها، فقل: حي حياة برزخية, حتى نفرق بينها وبين الحياة الدنيوية. ثانياً: عند تدقيق النظر نجد أن الحياة البرزخية تفارق الحياة الدنيوية, ومن هذه الفوارق أن الحياة الدنيوية أعطى الله للعبد فيه القدرة على أن يشفع ويدعو ويستغفر, وأما الحياة البرزخية فلم يعطه الله ذلك, فقد بين الله أنه أعطاه في الحياة هذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ﴾ [النساء:٦٤]، و (إذ) ظرف للزمان الماضي، أي: ولو أنهم جاءوك وأنت في حياتك, ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤]، فالله أعطاك هذه القدرة والقوة على أن تستغفر لهم ويستفيدوا من دعائك، كما قال عكاشة بن محصن: (ادع الله لي)، فأعطونا دليلاً من الشرع يبين أن الله أعطى النبي ﷺ القدرة في أن يستغفر للمؤمنين, أو يدعو للمؤمنين بعد مماته، لا يوجد إلا قوله ﷺ : (ومماتي خير لكم). وحتى في هذه الخيرية التي تذكرون ليس فيها أي تصريح أنه يستغفر ويدعو ويتوسل لهؤلاء عند ربهم جل في علاه, مع أن هذا الحديث باطل مردود ابتداءً, فهذا هو الفارق الأول. الفارق الثاني: أننا لم نجد في الواقع أن النبي ﷺ استغفر لأحد وهو في قبره, وما رأينا أن أبا بكر ذهب إلى قبر النبي ﷺ ليدعو له، فجاءه في المنام فقال له: لقد جئتني لأستغفر لك فاستغفرت لك، فقبل الله مني هذا الاستغفار. أو عندما أجدبوا ما ذهب عمر فقال: يا رسول الله! إننا نتوسل بك عند ربنا لتمطر السماء, أو ادعو الله لنا لتمطر السماء, وما جاءه النبي ﷺ فقال له: قد استغفرت لك وتوسلتُ لتمطر السماء، فأمطرت السماء, لم يحدث ذلك لا شرعاً ولا كوناً ولا واقعاً, وهذا من الفوارق بين الحياة البرزخية وبين الحياة الدنيوية. الفارق الثالث: إن الحياة البرزخية هي حياة بين الحياة الدنيوية والحياة الأخروية, وقد كتب الله جل في علاه أن العمل في الحياة الدنيوية والحساب في الحياة الأخروية, إلا ما دل الدليل على التخصيص في أن هناك ثمة عمل لبعض الأنبياء في قبورهم, كما رأى النبي ﷺ موسى يصلي في قبره, وهذه حالة خاصة, وما خرج عن القياس فغيره لا يقاس عليه، والخصوصيات والفضائل لا تعمم, وهذه قاعدة عند المحدثين. فنقول: إن قياس حياة النبي ﷺ البرزخية على حياته الدنيوية باطل من وجوه: فهو مصادم لشرع الله جل في علاه, وأيضاً مصادم للعقل الصحيح, فلا يجوز لأحد أن يقول ذلك, فيسعنا ما وسع الصحابة، فما ذهب أبو بكر يفعل ذلك, ولا عمر , ولا غيرهما من الأفاضل، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فعدم فعلهم يدل على شيء من اثنين: إما أنهم جهلوا, ولا يمكن أن نقول: إننا علمنا ما جهلوه, وإما أنهم علموا أنه باطل فكفوا عنه، فلا بد أن يسعنا ما وسعهم، وأن نفعل مثل ما فعلوا، ولن نفلح ولن نصلح إلا يفعل ما فعله الأولون (السلف الصالح). إذاً: فمن القياسات الباطلة: قياس حياة النبي ﷺ البرزخية على حياته الدنيوية. فإذا قال للنبي صلى وهو ميت: يا رسول الله! ادع الله أن يستغفر لي, فهذا شرك أصغر؛ لأن عندهم تأويلات.

стр. 195

أثر القياس الفاسد في بدعة التمسح بالقبور وتقبيلها ومن القياسات الباطلة: قياس التمسح بقبر الولي على التمسح بالحجر الأسود؛ بجامع التبرك, فقالوا: هذا حجر شريف وهذا حجر شريف, فيتمسحون بالقبر ويقولون: أنتم لو أنكرتم علينا وقلتم: كيف تتمسحون بحجر من الأحجار؟ لقلنا: وأنتم تتمسحون بحجر من الأحجار في الكعبة, ألا تتمسحون بالحجر الأسود, والركن اليماني؟ والجامع بين الحجر الأسود وقبر الولي عندهم الشرف والبركة، فالأولياء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, وهذا من القياسات الباطلة التي نعيشها الآن. ونرد عليهم شرعاً بأن النبي ﷺ قبل بالحجر الأسود ولم يتمسح بقبر حمزة ﵁ وأرضاه, ولا بقبر الأفاضل والأخيار الذين قتلوا, وكذلك عمر ما تمسح بقبر النبي ﷺ , ولكنه ذهب يتمسح بالحجر, وقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، وهذا محض الإتباع, والعبادة توقيفية, فلا يمكن أن تتعدى إلى غيرها إلا بدليل. وهناك فوارق أخرى أيضاً منها: أن الحجر الأسود من الجنة وهذا القبر ليس من الجنة, فلا يجوز لأحد أن يفعل ذلك ويقارن بين الحجر الأسود وبين هذه القبور. ومن القياسات الباطلة أيضاً: أنهم قالوا: تقبيل قبر المعظم الولي كتقبيل رأس العالم. وهذا من القياسات التي نعيشها الآن, وقد سمعتها بأذني من شيخ جليل غفر الله لنا وله, وهذه المقولة تغمر إن شاء الله في بحر حسناته؛ لأنه عاش دهراً يدعوا إلى الله جل في علاه, ولا أحد منا معصوم، لكن نحن نبين الخطأ حتى نتجنبه. وكان يقول: إن تقبيل قبر الولي كتقبيل رأس العالم, فالعالم معظم والولي قال الله عنه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه قد ورد في السنة تقبيل رأس المعظم ويده، فعن ابن عباس , وعن ابن عمر قال: (كانوا يقبلون يد النبي ﷺ ورجله)، وقد قبل ابن عباس يد زيد بن ثابت) إذاً: فالسنة وردت بتقبيل يد العالم ورأسه فهذا موافق للشرع, وأما تقبيل قبر الولي فلم يأت الشرع به، فهو مصادم للشرع. والفارق الثاني: أن هذا العالم حي وهذا الولي ميت، والفارق بين الحياة والموت كما بين السماء والأرض, فهذا قياس مع الفارق. والفارق الثالث: أن هذا ما فعله الصحابة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. والفارق الرابع: أن تقبيل الحجر غير تقبيل البشر، فليس هناك أحد يذهب إلى الكرسي الذي يجلس عليه العالم ويقبله, ولكن هناك الآن من يقبله هو. وهذه القياسات الباطلة يحاكون بها أهل الجاهلية, ونحن نقول: يا إخواننا الأفاضل ويا علمائنا! ارجعوا إلى دين الله جل في علاه, إلى سنة النبي ﷺ , وقد قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وسنتي)، فأهل الجاهلية بعدما قاسوا هذا القياس الفاسد, تصادموا مع شرع الله، وردوا القياس الصحيح, وإن الله جل في علاه في شرعه لا يفرق بين المتماثلين, ولا يسوي بين المختلفين, ولكنهم قالوا: لا بد أن نعارض, فسووا بين المختلفين, وفرقوا بين المتماثلين, وجاءوا للقياسات التي قاسها الله جل في علاه وهي قياسات صحيحة فردوها. إذاً: لهم وجهان من الضلال: الوجه الأول: جاءوا للقياس الصحيح فردوه. الوجه الثاني: أنهم جاءوا للقياس الباطل فأقروه إن من القياسات التي قاسها الله فردها الكفار كثيرة منها.

стр. 196

رد الكفار للقياسات الصحيحة التي ذكرها الله لقد ذكر الله القياس في قوله تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩]، فقاس عيسى بآدم، فكأن الله يقول لهم: لماذا عبدتم عيسى؟ وسيجيبون بإجابة واحدة وهي: لأنه لا أب له، وإن الله حل في مريم وأتت بعيسى، حاشا لله جل في علاه, فيقول الله رداً عليهم: عبدتموه لأنه ليس له أب فقط, فالأولى أن تعبدوا آدم فآدم ليس له أب وليس له أم. فالله جل وعلا قاس لهم عيسى على آدم, وهذا قياس صحيح جلي، وهو قياس الأولى, فردوا القياس الصحيح, وقالوا: لا، إن عيسى غير آدم, من غير حجة، فردوا القياس الصحيح بأهوائهم؛ لأنهم أرادوا الكفر والضلال, فهذا من دأب أهل الجاهلية -والعياذ بالله- أن يردوا القياس الصحيح، ويقروا بالقياس الباطل. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فلم الاعتراض، ولم الكفر بهذا القياس الواضح؟! ومن القياسات الصحيحة التي ردها المشركون على الله جل في علاه: قياس إعادة الخلق على البداية, فالله في كتابه العزيز قاس المرجع والبعث بأول الخلق، قال الله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥]، فالخلق الأول أهون عليه من الخلق الآخر وهو البعث، قال الله تعالى من أجل أن يبين القياس: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فقاس الإعادة على البداية, فهذا قياس من الله جل في علاه, وهو قياس بديع ظاهر جلي، إذ يقول لهم: إن الله الذي خلق الخلق الأول سيخلق الآخر, فالبعث كالمبتدأ, فقالوا: لا. لابد أن نرد فقالوا: قل من يعيدنا, واعترضوا على النبي صلى كما قال الله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٥١]. ولما رأوا هذا القياس البديع, وأن الله بين لهم ذلك ردوه بمثل ضربوه: فأخذ أحدهم العظام وهي رميم ففركها, فأصبحت تراباً, فقال: من يحي هذه العظام وهي رميم، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، فرد الله عليه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، فنظروا إلى هذا القياس الصحيح فردوه ولم يقبلوه, فانظروا إلى أهل الضلال والأهواء كيف يردون القياسات الصحيحة طمساً للحقائق وتلبيساً على الناس، وأما القياسات الباطلة فيقرونها ويظهرونها على أنها هي الحق. وردوا أيضاً القياس الصحيح للمعاد وإحياء البشر على إحياء الأرض, بجامع إحياء الموات, فقد كانت الأرض ميتة فأحياها الله, فالله جل وعلا أراد منهم أن يعتبروا، فهذه الأرض ميتة أمامكم، وبعد أن ينزل الله المطر تنبت وتحيا، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] وفي الآية الأخرى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧] فهذا قياس ظاهر جداً. وقد ذكر النبي ﷺ : (أن البشر يفنون وتصير العظام رميماً، فيمطر الله مطراً كالمني)، وفي رواية: (كالطل، فينزل على الأرض فينبت البشر كالزرع) , ينبت ويحيا مرة أخرى, وهذا مثل إحياء هذه الأرض البور, فعندما نزل عليها الماء أحياها الله وأنبتت وربت. وهذا القياس الصحيح لم يرضوا به بل وردوه وقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فهذه هي عادات أهل الجاهلية, يقرون بالباطل ويدفعون الحق, فالأقيسة الصحيحة لا يرضون بها, والأقيسة الباطلة يرضون بها, والعياذ بالله من الخذلان, ونعوذ بالله من أن نفعل مثل ما فعل أهل الجاهلية. فأنا أهيب بإخواني أن يهتموا بالعقيدة؛ لأن هذا هو محل التمييز بين طلبة العلم, وهو محل التمييز والرفعة عند الله من عدمها، فالزنا وشرب الخمر لا يساوي شيئاً بجانب الشرك الأصغر, فالشرك الأصغر أكبر من هذه الكبائر، فلم نوقع أنفسنا في هذا بالجهل منا, فلابد أن نتقي الله, وأن تكون عقيدتنا عقيدة نقية كما كانت عند صحابة رسول الله ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم, وجزاكم الله عنا خيراً.

стр. 197

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - طاعة أولي الأمر وأهمية اتخاذ الأمراء لقد حث الشرع على طاعة ولي الأمر؛ لما في ذلك من اجتماع الشمل، والقوة والهيبة، وما يلحقه من الأمن والأمان والاستقرار. وأما الخروج على الحكام لظلمهم وفسقهم فإنه يؤدي إلى الفوضى وضياع الأمن والاستقرار، وليس معنى طاعة ولي الأمر أن يطاع في المعصية؛ بل يطاع في طاعة الله، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.

стр. 198

الأصل في المشركين وأهل الكتاب: أنهم لا يطيعون أمراءهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فإننا اليوم بإذن الله سوف نختم كتاب (مسائل خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية)، ثم بإذن الله سنشرع في شرح كتاب (مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول)، وأصل الكتاب هو: الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا المختصر هو من أجود الاختصارات، وقد أشرف على تحقيقه الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، وهناك مختصر آخر للدكتور صلاح الصاوي. فأقول: إن هذا الدين لا يؤخذ بالهوى ولا بالعاطفة، ولا بالأذهان الباردة ولا بالآراء الفاسدة، إن دين الله جل في علاه وحي يوحى، وهو يؤخذ من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، وهو شرع تحيا به البلاد والعباد، وشرع يصل به العبد إلى ربه جل في علاه.

стр. 199

صور من حياة الجاهلية تبين عدم طاعة الجاهليين لأمرائهم إن أهل الجاهلية كانوا يأخذون دينهم من آرائهم وأهوائهم، فقد كانوا متشرذمين لا يدينون ولا ينظمون تحت راية أحد، ولا يأتمرون بأمر أحد، بل هم كسنن الذين من قبلهم يقاتلون من أجل الإمارة ويقتلون أميرهم، وما حرب البسوس منا ببعيد، هذه الحرب التي حدثت فيها المقتلة العظيمة بين أبناء العمومة، فقد كان وائل بن ربيعة وهو كليب أميراً عليهم بعد أن قتل ملك اليمن، ثم جاءت البسوس هذه بكيد منها حتى أوقعت الشحناء بين أبناء العمومة، فقتل جساس بن مرة كليباً، ثم حدثت الحرب العظيمة بين أبناء العمومة حتى أوشكوا على الفناء في تلك المعركة، فمع أنهم ملكوه إلا أنهم لم يسمعوا له ولم يطيعوا ولم يأتمروا بأمره، وهذا دأب أهل الجاهلية، وسنن الذين من قلبهم، فاليهود والنصارى جعل لهم الله جل في علاه الأنبياء والرسل حتى يسوسوهم فلم يوافقوا ولم يسمعوا ولم يطيعوا لأنبيائهم، والله جل في علاه صور لنا هذه الأخلاقيات الفاسدة عند بني إسرائيل في كتابه في أبدع صورة حينما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، ثم بعدما بين لهم الأسباب وأن الله زاده بسطة في العلم والجسم نهاهم عن الشرب من النهر، فأبوا إلا أن يشقوا عصا الطاعة، وشرب أغلبهم من النهر أو كلهم إلا من رحم الله جل في علاه! وكان أهل الجاهلية كذلك، فقد تشرذموا وتقطعوا ولم يأتمروا بأمير، حتى جاء النبي ﷺ ليؤسس صرحاً عظيماً، ويقعد قاعدة وركناً ركيناً، ويبين أن من تمسك بذلك فقد ارتقى ووقي وكفي وهدي وسما وعلا، وأن من لم يتمسك بذلك فكأنما تخطفته الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق. وهذا التأسيس والتأصيل هو الذي أصله رسول الله ﷺ حينما خرجت قريش عليهم، وقد كان يعلم أنهم لا ينضوون تحت راية أحد، ولا يسمعون لأحد، وأروع ما يضرب في ذلك هو عتبة بن ربيعة في غزوة بدر، وذلك يوم أن هرب أبو سفيان بالعير، فسمع به عتبة بن ربيعة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (لو أطاعوه لفازوا)، فلأنهم لما لم يأتمروا بأمير ولم ينضووا تحت راية أمير تشرذموا وفشلوا وذهبت ريحهم، قال النبي ﷺ : (لو أخذوا بقول صاحب الجمل الأحمر لنجوا)، وصاحب الجمل الأحمر هو عتبة، وقد قال لهم عتبة: أيها الناس! إنكم ما خرجتم إلا للعير، وقد أنقذت العير، فاعصبوها برأسي، وقولوا: جبن عتبة، يعني: أن الأمر والمسبة كلها ليست إليكم، بل اجعلوها علي بدلاً من أن يقتل الأخ أخاه والأب ابنه والابن أباه، وكان رجلاً ذا فصاحة وذكاء، فلما قال لهم ذلك جاء العربيد الفاجر أبو جهل وقال: لا والله! بل نشرب الخمر، وندق الطبول حتى تسمع بنا العرب أنا قد خرجنا لقتال محمد، فحدثت هذه المقتلة. والغرض المقصود: أنهم لم ينضووا تحت راية أمير، ولم يأتمروا بقول أمير أو بقول رسول الله ﷺ ، فلما علم ذلك منهم بين أن التأسيس الذي سيأتي لا بد من التمسك به وأن يعض المرء عليه بالنواجذ، فكان النبي ﷺ يخالف أهل الجاهلية ويخالف قريشاً لما رأى منهم ذلك، وكأنه يقول: ماذا ترون طاعتي فيكم؟ فقالوا: طاعتك من طاعة الله، بمعنى: أن من أطاع رسول الله فقد أطاع الله، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، جل في علاه! فكان النبي ﷺ يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)، ولذلك أسس النبي ﷺ من هنا هذا الأساس وهذا الأصل وهذا الركن الركين الذي لا بد أن نتمسك به ونعقله ونعرف فقهه حتى نعمل به فنرتقي كما ارتقوا. فرسول الله ﷺ ما بعث سرية ولا جيشاً قط إلا وأمر أميراً عليهم، وأمره بتقوى الله في ذات نفسه ومن معه، وأمر جنده بالسمع والطاعة، حتى إنه قال: (إن كنتم ثلاثة في سفر فلتأمروا أحدكم).

стр. 200

صور مشرقة من طاعة الصحابة لأمرائهم وواقع السيرة يثبت ذلك، فإن النبي ﷺ عندما بعث عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه غازياً في غزوة ذات السلاسل استعصى عليه النصر، فبعث عمرو بن العاص -وكان يحتاط لنفسه- إلى رسول الله ﷺ يطلب المدد، فجيش النبي ﷺ جيشاً وأتاه بالمدد وكان فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄ وأرضاهما، وأمر عليهم أيضاً أبا عبيدة بن الجراح؛ تبييناً أنه ما من عصابة أو جماعة إلا ولا بد أن يكون لهم أمير يلتفون حوله، فيسير بهم إلى رضا الله جل في علاه، فانظروا إلى هذا التأسيس وهذا التأصيل وكيف يكون حال الذين يعضون على فقه رسول الله ﷺ وأوامره بالنواجذ! فذهبوا إلى عمرو بن العاص، فنظر عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة فقال له: أنا الأمير، فقال أبو عبيدة: أنا الأمير، وكان أبو عبيدة بن الجراح أفضل من عمرو بن العاص باتفاق الأمة، فتذكر قول النبي ﷺ وهو يقول له: (تطاوعا ولا تختلفا)، وانظروا إلى التطبيق الجلي من صحابة رسول الله لكلامه ﷺ ، فهم يعلمون أن السير على هذا النهج السديد هو الذي يصل إلى رب العباد جل في علاه. فقال له: نعم، أنت الأمير، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تطاوعا ولا تختلفا)، فنزل تحت راية عمرو بن العاص، ولذلك اندهش عمرو بن العاص لما رأى ذلك، وقال: أنا خير الناس، أنا أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، ثم بعد أن فتح الله عليه ذهب قاصداً رسول الله ﷺ وقال له: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ وهو يعتقد أنه سيقول له: أنت؛ لأنه أمره في هذه الغزوة على جيش المسلمين، فقال له: (من أحب الناس إليك؟ فقال: عائشة، فقال: لست أسأل عن النساء بل أسأل عن الرجال؟ فقال: أبوها، فقال: ثم من يا رسول الله؟ قال: عمر. قال: ثم من؟ قال: عثمان) قال: فسكت، لأنه يعلم أنه سيكون في آخر الذيل، إذاً: فالإمارة ليست دليلاً على الأفضلية، والمقصود: هو بيان تمسكهم بكلام النبي ﷺ وائتمارهم بأمر عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه. وبعث النبي ﷺ في السنة التاسعة أبا بكر أميراً على الحج، ثم أردف بـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه؛ ليقرأ على الناس آيات البراءة في سورة التوبة؛ وليقول للناس: (ألا يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد اليوم مشرك)، فالشاهد أنه لما جاء علي بن أبي طالب أبا بكر وهو مرسل من الرسول ﷺ قام أبو بكر وهو يعلم أن المسألة مسألة إمارة فقال له: أمير أم مأمور؟ فقال له علي بن أبي طالب: بل جئتك مأموراً. لذلك فسبب الانفلات والفساد والتشرذم والتفكك هو عدم تنصيب الأمير الذي يسوق الأمة إلى رضا الله جل في علاه.

стр. 201

واجب المحكومين هو السمع والطاعة للحكام وعدم شق عصا طاعتهم لما أسس النبي ﷺ هذا الأساس بين حق الراعي وحق الرعية، وحق الأمير وحق المأمور، وحق الحاكم وحق المحكوم، فالدين ليس بالهوى أو العاطفة، وليس بالموتورين أو المتحمسين، وإنما هو شرع الله جل في علاه، فإذا قال الله، قلنا: سمعنا وأطعنا، وإذا لم يقل الله قلنا: لا قول لأحد علينا إلا بقال الله وقال رسول الله ﷺ . فنصب النبي ﷺ هذا التقعيد وهذا التقسيم ليكون إلى آخر الدنيا، ففيه الانتصار والوفاء، وفيه أن نجتمع جميعاً وننضوي تحت راية أمير وحاكم. ثم جعل له حقوقاً وجعل للمحكوم حقوقاً، وبين الرسول ﷺ أنه يحب على المحكوم حتى ولو أخذت حقوقه أن يؤدي الذي عليه ويسأل الله ما له، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وهذه آية صريحة في تنصيب الولاة والسمع والطاعة لهم، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، ويسرنا وعسرنا، وعلى أثرة علينا)، يعني: ولو حدث من الحكام أو الأمراء ما يضر بالمحكومين فليس لهم إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ويسألوا الله ما لهم، ولا يلجئوا إلى أن يشقوا عصا الطاعة، فهذا هو ديننا وهذا هو شرع الله جل في علاه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ ، حيث قال الراوي: (السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، ويسرنا وعسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله)، ثم قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، وسيأتي تفصيل هذا. والحديث الثاني أيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة). فقوله: (كأن رأسه زبيبة): فيه دلالة على أنه يسمع ويطاع للحاكم حتى وإن كان وضيعاً غير نسيب أو حسيب، فما عليك إلا أن تقول: سمعت وأطعت، فمن أطاع الأمير فقد أطاع رسول الله، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله جل في علاه، ومكمن هذه الطاعة: أن تعلم أنك لا تسمع أو تطيع من أجل الشخص نفسه أو من أجل الحاكم نفسه لا والله! فأنت لا تسمع أو تطيع إلا من أجل رضا الله جل في علاه، فإن الملائكة سجدوا لآدم مع أن السجود هو غاية الذل والخضوع ائتماراً بأمر الله تعالى لا سواه، فكذلك أنت لا تسمع أو تطيع لأجل فلان من البشر بل من أجل الله جل في علاه، فهو الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وفي الرواية الأخرى عن النبي ﷺ في المسند: (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، كما أسلفنا الذكر. وفي حديث آخر عن وائل بن حجر في مسلم قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت أمراءنا يأخذون ويطلبون ما لهم -يعني: يأخذون حقوقهم، ويطلبون ما لهم- ولا يعطوننا ما لنا، ماذا نفعل معهم؟ فسكت النبي ﷺ وأعرض عنه، فجاءه في الثانية، فقال: يا رسول الله! أرأيت أمراءنا يأخذون ما لهم ولا يعطونا ما لنا، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم قال له في الثالثة: (عليك بالسمع والطاعة)، أو قال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، فسيسألهم ربهم على كل فلس ودرهم، وسيسألهم ربهم عن كل صغيرة وكبيرة، وعن كل دقيقة وجليلة. وهذا الذي أقلق مضجع عمر بن الخطاب حتى إنه عند موته يوم أن سقوه اللبن وخرج من معدته دخل عليه شاب مسبل الإزار، فنظر إلى عمر فأخذ يبكي ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين! والله لقد كنت خير صاحب لرسول الله ﷺ ، ثم مات رسول الله ﷺ فكنت خير صاحب لخليفته أبي بكر ﵁ وأرضاه، وكنت في إمارتك كذا وكذا وكذا، وفتح الله على يدك مشارق الأرض ومغاربها، قال: تقول ذلك عند ربك إذا سألك؟ قال: نعم، أقول ذلك، قال: وتشهد بهذا؟ قال: أشهد بهذا، ثم بكى عمر بن الخطاب وقال: يا ليتها كانت كفافاً لا لي ولا علي؛ لأنه علم أن المسألة ليست بالهينة، فسيسأل عن كل فرد، وعن كل جنين، وعن كل امرأة، وعن كل رجل، ولذلك كان ابن عباس أحب الناس إلى عمر مع صغر سنه؛ لقوة علمه وعارضته، وكان ابن عباس يحب عمر جداً، فلما مات عمر قال: دعوت الله عاماً كاملاً أن أرى عمر في رؤيا، فرآه في المنام يتصبب عرقاً بعد عام، فقال له: يا أمير المؤمنين! أو قال له: يا عمر! ما فعل الله بك؟ قال: الآن انتهيت من السؤال والحساب. ولذلك نصح النبي ﷺ أمته فقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وفي رواية أخرى: (سل الله ما لك، وأعط ما عليك) أي: ما عليك من السمع والطاعة. وقال بعضهم: إن الله طلب منكم الاستقامة والنفس تطلب الكرامة، فانشغلوا بالاستقامة تأتكم الكرامة، وهو قول مستقى من حديث النبي ﷺ ، ووجه المطابقة والمقارنة بين هذا الكلام وبين حديث النبي ﷺ : أنكم خلقتم لأمر، وأمركم الله بأمر، فانشغلوا بما أمركم الله جل في علاه ولا تنشغلوا بطلب أنفسكم؛ لأنكم لا تريدون منهم إلا حقكم أنتم. ولذلك قال الذي استقى من مشكاة النبوة: إن الله أمر بالاستقامة والنفس تطلب الكرامة، فمن انشغل بالاستقامة أتته الكرامة لزاماً، فكأن النبي ﷺ يقول: التزموا السمع والطاعة فعليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، فأنتم تسألون عن الأمر الذي عليكم وهو السمع والطاعة، وهم سيسألون على ما يؤدونه لكم، وسيأتيكم ما تريدونه.

стр. 202

المراد بالصلاة في قول النبي: يصلون عليكم وتصلون عليهم أيضاً من الأحاديث التي أمر النبي ﷺ فيها بالسمع والطاعة قوله: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم). وقد يقال: كيف يصلون عليهم وهم قد ماتوا وصلي عليهم أصلاً؟ و الجواب أن الصلاة في هذا الحديث معناها: الدعاء، ومنه قوله ﷺ : (اللهم صل على آل أبي أوفى). وتمام الحديث: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، فقالوا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ أو قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال لا، ما صلوا)، وفي رواية قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). إذاً: فالله جل وعلا يأمر بالسمع والطاعة، والنبي ﷺ يأمر بالسمع والطاعة، ويبين أن هذا هو الشرع المتين الذي من أخذ به فاز وارتقى إلى رضوان الله جل في علاه. لكن هل هذه الطاعة مطلقة أم هي مقيدة؟ والصحيح الراجح: أنها ليست مطلقة، بل هي طاعة مقيدة، فقد أشار الله جل في علاه إلى ذلك، وصرح بذلك النبي ﷺ . فأما الإشارة في كلام الله فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، بل قال: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:٥٩]، فجعل طاعة أولياء الأمور من طاعة الرسول ﷺ أو من طاعة الله جل في علاه، وهذا التفسير هو تفسير أبي هريرة ﵁ وأرضاه. وأما التصريح فقد جاء في مسند أحمد بسند صحيح عنه ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فاسمع وأطع إلا في المعصية. وفي الصحيح أيضاً عن ابن عمر مرفوعاً قال: (إنما الطاعة في المعروف)، وأيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). إذاً: فهذه الطاعة طاعة مقيدة بطاعة الله وطاعة الرسول، فإن لم تكن هناك طاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ فلا سمع ولا طاعة، لكن بدون تشهير ولا تنقص من قدرهم في المحافل والمنابر وغيرها، فلا سمع ولا طاعة لكن دون الخروج عليهم، بل لا بد من التناصح، وهذا هو دأب الصالحين من أمراء الأمة. فلما تولى أبو بكر ﵁ وأرضاه الخلافة قام خطيباً في الناس فقال: لي عليكم السمع والطاعة، ثم قال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم. ومفهوم المخالفة: إن لم أطع الله فيكم فلا طاعة لي عليكم. وقال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: لي عليكم السمع والطاعة ما لم أعص الله ورسوله ﷺ . فالغرض المقصود: أن النبي ﷺ قد أصل هذه الطاعة لاجتماع الأمة على كلمة رجل واحد بر أو فاجر، فقد أمرنا بالصلاة وبالقتال خلف البر والفاجر.

стр. 203

حال الصحابة مع الحكام والظلمة والفسقة السؤال الثاني: فإن قلنا: إنها مقيدة، فكيف إذا ظهر منه الفسق والمعصية؟ و الجواب أنه يطاع وإن أعلن الفسق والمعاصي، فهذا هدي نبينا ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ بيّن أنكم ستعرفون وتنكرون، وأنهم سيأتون بالمعاصي، فقالوا: يا رسول الله! ماذا نفعل؟ قال: (من أنكر فقد سلم، ومن كره فقد برئ)، أو قال العكس ومعناهما واحد: وهو الإنكار بلطف ولين كما سنبين في كيفية الإنكار. فالمقصود: أن من فعل ذلك فقد برئ وسلم أمام الله جل في علاه، فلا يشق عصا الطاعة بحال من الأحوال؛ لأن الفساد سيستشري بشق هذه العصا كما سنبين بعد ذلك. ومن الصور التي تجسد هذا المعنى: أن خالد بن الوليد كان أميراً على جيش فلما انتصر عليهم أخذ السبي وقتلهم، وكان عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه تحت رايته مأموراً، فقال له: لم تقتل أسرى قالوا: لا إله إلا الله ودخلوا في الإسلام؟ وكان خالد يجتهد فيهم وأنهم ما قالوا ذلك إلا تعوذاً، فلم يسمع له عمرو بن العاص ولم يطع، وفي نفس الوقت لم يشق عصا الطاعة؛ لأنه رأى أن هذه معصية وإن كانت اجتهاداً، فلما رآها معصية لم يسمع له ولم يطع، ولكنه لم يشق عصا الطاعة، ومع ذلك لما بلغ رسول الله ﷺ ما فعل خالد قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)، ومع ذلك لم يعزله؛ لأنه رآه مجتهداً متأولاً. وقد كان كثير من الصحابة والتابعين تحت راية الفساق والظلمة، ومع ذلك لم يخرجوا عليهم بحال من الأحوال، وما شقوا لهم عصا الطاعة، فهذا عقبة بن أبي معيط كان قريباً لـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وكان والياً عليهم في الكوفة، وكان من معه أخير منه وأفضل كترجمان القرآن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، وكان هذا الأمير يشرب الخمر، فصلى بهم ذات مرة الفجر أربعاً، ثم استدار وقال لهم: أزيدكم؟ فقال: عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة، يعني: لعل الله يذهبك عنا! وقد جلده عثمان بن عفان الحد، وأمر علياً أن يجلده، ومع ذلك لم يشقوا عصا طاعته؛ لأنهم علموا أن التفرق والتشتت يكون بعدم السمع والطاعة، والجهل هو الذي يضع الناس في هذه الظلمات، وهو الذي يجرئ الناس الذين يحبون الإسلام على الخروج على شرع الله؛ لأنهم يهرفون بما لا يعرفون. إذاً: ولو كان فاسقاً فلا بد من السمع والطاعة، ثم له علينا النصيحة فحسب. وأقول في الختام: إن كل من يريد العمل للإسلام لن ينجح في المنشط والمكره، وفي المسرة والبلاء، إلا بالتمسك والعض بالنواجذ على هذه التأصيلات الدينية التي أصلها رسول الله ﷺ ، ومن ذلك: السمع والطاعة لولاة الأمور، وأن تؤدي ما عليك وتسأل الله ما لك؛ ولذلك نهى النبي ﷺ نهياً شديداً وزجر زجراً كبيراً في مسألة الخروج على الحكام، وبين هذه المسألة تفصيلياً بالحكم والعلل والآثار.

стр. 204

الحكم المستفادة من أمر النبي للمحكومين بالسمع والطاعة أما الحكم المستفادة من أمر النبي ﷺ للمحكومين بالسمع والطاعة لولاة الأمور فهي كالتالي: أولاً: الالتفاف حول رجل يقيم الله به الدين، وقد علمنا واقعاً وأثراً أن الله ينصر هذا الدين بالرجل البر والفاجر، فلا بد من الالتفاف حوله. ثانياً: أن الله جل في علاه إذا سلط عليك من يظلمك فإنما يريد بك الخير، فلعل ذلك تكفير لسيئاتك، أو رفع لدرجاتك، ثم يختبر صبرك على هذا الابتلاء هل تصبر عند المكاره أم لا، وليميز الخبيث من الطيب، والذي يعمل من أجله ممن لا يعمل من أجله سبحانه. ثالثاً: عدم الخروج عليه بعد ذلك إلا إذا حصل منه كفر بواح، كما قال ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، ولا يجوز لأي أحد أن يكفِّر كما هو الحال في زماننا إلا من كان عالماً مجتهداً، فإنه يحق له أن يقول في هذا الشيء: إنه كفر، أو يقول طالب العلم الذي يعلم كتاب الله وسنة النبي ﷺ في آية أو حديث: إنها من الأشياء التي لا عذر بالتأويل فيها. وهنا السؤال لماذا نهى النبي ﷺ عن الخروج على الحكام؟ و الجواب لأنه يعلم أن ذلك سبب رئيس في حصول الشر والفساد والبلاء الذي لا يمكن رفعه؛ لأن الخروج على الحكام يجعل صاحبه يتبنى هذا المذهب الفاسد، ويرجو أن يحقق مصلحته، زاعماً أنه يريد تطبيق شريعة الله جل في علاه، وقد تعقب هذه المصلحة مفاسد عظمى، مما يؤدي ذلك في النهاية إلى استباحة بيضة الإسلام بسبب اعوجاج فكر هذا الرجل الذي يريد بزعمه إقامة دين الله جل في علاه. والصور التاريخية والوقائع تدل على ذلك: فقد كان عثمان بن عفان ﵁ من أعدل الناس وأفضلهم على الإطلاق، إلا أن شرذمة من المعوجين خرجوا عليه زاعمين أنه يحابي أهله! ويعطي المال لأهله وذويه وليس من الصلاح بمكان، حتى قتلوه في النهاية صابراً محتسباً ﵁، فقام الفقيه الذي قال لـ عمر بن الخطاب: ما لك ولها! إنه حذيفة ﵁ صاحب سر النبي ﷺ ، والذي قال له عمر ﵁ يوماً: حدثنا عن الفتن التي تموج كموج البحار، فقال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين! فإن بينك وبينها باباً، قال: وهل يفتح الباب أم يكسر؟ وهذا من كمال فقه عمر ﵁ قال: بل يكسر، قال: إذاً: لا يقام مرة ثانية. فإذا كسر الباب عمت الفتنة في هذه الأمة. والشاهد: أن حذيفة ﵁ قال: لو كان قتل عثمان خيراً لهذه الأمة لحلبت بعده لبناً، يشير بذلك إلى استقرار الأمر في عهده، وشيوع الدين والصلاح في وقته، قال: لو كان في قتل عثمان خير لهذه الأمة لحلبت بعده لبناً، وإن كان في قتل عثمان شر لهذه الأمة لحلبت بعده دماً. أقول: قد حلبت بعده دماء كثيرة، فما زالت هذه الأمراض تستشري في الذين التزموا بدين الله جل في علاه، والذين زعموا رفع راية الله جل في علاه بدون ضابط أو علم، ولكنه الجهل الذي أوقعهم في ذلك. وهناك صورة أخرى يحكيها التاريخ لنا: ففي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي أظلم الناس وأفسقهم، وقد سطر فيه الإمام الذهبي كلمات من ذهب فيقول فيها: نتقرب إلى الله تعالى ببعض هذا الرجل، فقد بلغ به الجور والظلم مبلغه، حتى إنه أذاق الصحابة في عصره الويلات، فقد قتل ابن عمر ﵄، وأهان أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، ومع ذلك فلم يشق ابن عمر أو أنس عصا الطاعة الواجبة عليهم تجاه ولي أمرهم الحجاج آنذاك، ولم يخرج عليه كذلك من كبار التابعين أحد إلا ابن الأشعث، فقد خرج على الحجاج الظالم ابتغاء صلاح حال الدين والناس، لكن لعدم مراعاة المصالح والمفاسد حدثت الكارثة العظمى، وذلك حين تغلب الحجاج عليهم، وقتل منهم خلقاً لا يحصون، ومنهم سيد التابعين آنذاك سعيد بن جبير؛ ولذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يتكلم عن مقتله بأسى ولوعة وحزن! ويقول: قتل ابن جبير والأمة أحوج ما تكون لعلم سعيد بن جبير، وما ذلك إلا بسبب هذه الفتنة الدهماء التي تنشر الفساد المستطير في هذا الأمة. والحقيقة: أن أصحاب هذه الأفكار الهدامة، والذين لا يفرقون بين المصالح والمفاسد، هم الذين يسرعون بعمل هذه الخروجات، ولم يعلموا أنهم بذلك يخالفون تأصيل النبي ﷺ الذي أصله من وجوب الطاعة لهم، فقد تجد الواحد من هؤلاء لا يحفظ الفاتحة جيداً، ولا يعرف الفقه، ومع ذلك يتجرأ على التكفير ومن ثم على الخروج على الحكام، فهؤلاء لم يتعلموا ولم يتفقهوا وأرادوا رفعة هذا الدين فأسقطوا كل أهل الدين بسبب فعلتهم.

стр. 205

صور معاصرة في الخروج على الحكام، وكيف كانت نهايتها أما أول هذه الأفكار التي تشابه أفكار أهل الجاهلية فهي فكر الإباضية: وهم الذين يكفرون بالمعصية، ويرون وجوب الخروج على الأئمة، ومن هؤلاء أيضاً فرقة التكفير والهجرة: وهؤلاء هم أتباع مصطفى شكري في مصر، وقد كان من الإخوان المسلمين ثم انشق عنهم، ثم بعد ذلك أتى بهذه الأفكار الهدامة، فأصبح يكفر بالمعصية، ويرى وجوب الخروج على أئمة المسلمين، وقد حدث بسببه وبسبب أعوانه أصحاب التكفير والهجرة وأصحاب التوقف والتبين قتل للأبرياء، والذين ليس لهم في أفكارهم ناقة ولا جمل، ثم بعد ذلك زعموا أنهم يريدون الإصلاح في الأرض، فحدث أن تهدمت الدعوة على رءوس كل الدعاة؛ وهذه المصائب كلها تحصل لعدم تقدير المصلحة والمفسدة، فلا يمكن لهذه الأفكار الهدامة أن تصل إلى الله جل في علاه. وانظروا إلى ما حصل بعد ذلك في الجزائر، وذلك بنفس السبب، فقد حدث أن الدعاة لم يصبروا على الظلم الذي وقع بهم حينئذ، فاجتمعوا وألبوا الناس على الحكام، وابتدأ من هنا الفكر الهدام، فابتدأت الثورة وابتدأ الحماس من على المنبر، ويجب أن نعلم بأن الدين ليس بالحماسات أو العاطفة، بل الدين قال الله وقال رسوله ﷺ ، ثم بعد ذلك خرجت فئات لا تعلم عن دين الله شيئاً تنادي بكفر الحاكم، وأنه لا بد من عزله، وأنه لا يجوز لكافر أن يحكم المسلمين، في تنطع وتجرؤ عجيب، ونسي هؤلاء أنهم يقتحمون النار على بصيرة، ونسوا قول النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما؛ فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)، وقد غضب النبي ﷺ واشتد زجره على أسامة عندما قال له: (أقتلته بعدما قالها)، أي: أنه قال: لا إله إلا الله وقتلته، ثم قال له: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة)، ثم بعد ذلك تحدث المفسدة العظيمة. وانظروا إلى الواقع الآن في الجزائر، فآلام وآهات يموت منها المرء كمداً وحزناً؛ لأن الشباب هم حصون هذه الأمة، فنسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وهذه نصيحة لي ولإخواني أن نرجع إلى العلماء الراسخين، وإلى الدليل، حتى إذا مات أحد من الشباب فيكون قد مات على بصيرة دون أن يقتحم النار على جهل، فإن الله سائله عن حياته التي ضاعت بالجهل، وسائله عمن قتله بجهله، وقد خرج بعضهم في بلاد الحرمين مؤخراً، لأسباب: أولها: فقد العلم، ثانيها: التسرع دون وجود ضوابط تضبط عملهم، ثالثها: عدم رجوعهم إلى العلماء الراسخين، بل ذموا العلماء وتجرؤا عليهم، وهذه نتائج الفساد المستطير، فقد أصبح الإسلام مجرد إرهاب وقتل وخروج على الحكام، وكأنهم يقولون: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فأصبحت المفسدة أعظم بأضعاف مضاعفة من المصلحة المرجوة، وأي مصلحة مرجوة في قتل الأبرياء المسلمين؟! وأي مصلحة مرجوة في قتل مستأمن؟ فإن كان قد أتى بما يحل أمانه فلا بد أن ترده إلى العلماء الراسخين، ثم هم يردونه بدورهم إلى ولاة الأمور بالمناصحة السرية، واتخاذ القرار الصحيح في شأنه؛ لأنك إذا قتلته من نفسك فقد أتيت بالشر العظيم، وهذا واقع مشاهد من أيام عثمان ﵁ وأرضاه إلى يومنا هذا. فعلى الإخوة أن يعلموا أن دين الله جل في علاه ليس بالحماسات أو العواطف، بل لا بد عليهم من السمع والطاعة قدر إمكانهم وقدر استطاعتهم، وهذا التقييد هو الذي قيده العلماء: أن السمع والطاعة تكون قدر الاستطاعة، وإن السمع والطاعة تكون في المعروف لا في المعصية، وأما إذا أُظهرت المعصية فلا سمع ولا طاعة ولا تأليب ولا تنقيص، بل لا بد من المناصحة لولاة الأمور، وفي هذه تكملة لهذه العبادة التي تتعبد بها الله جل في علاه. وقد أختتمت هذا الحديث بهذه المسألة لأن الشيخ ابتدأها، فقال: أهل الجاهلية كانوا لا ينضوون تحت راية أحد، ولا يأتمرون بأمر الأمير، ثم قال: إن الإسلام عطل هذا الأصل، فلا بد من ولي أمر، ولا بد من السمع والطاعة قدر الاستطاعة، فلا يجوز أن تشق عصا الطاعة أو تنزع منها يداً، فإن أمرت بالمعصية فلا سمع ولا طاعة، ولا تأليب ولا تشويش ولا ثورة عليهم؛ لأنك ستفسد أكثر مما تصلح. وأختم بأن هذه العبادة تكمل بالنصح لولاة الأمور؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاث خصال أو خلال: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن يلزموا جماعة المؤمني، والنصح لولاة الأمور)، وفي الصحيح أيضاً عن تميم عن النبي ﷺ أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة! قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). وقال النبي ﷺ : (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم: الإخلاص لله، ولزوم جماعة المسلمين، والنصح لولاة الأمور). فأما النصح لولاة الأمور: فإما أن تكون قادراً على ذلك: فإن رأيت منكراً فاذهب بأدب جم ولين جانب ورفق لتنصح في الله جل في علاه، يقول الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، ويقول النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، فإن لم تستطع أنت بذاتك فإن استطعت الاتصال فاتصل، فهذا أمر واجب عليك، ولن تبرأ ذمتك إلا بذلك، فإن لم تستطع فابحث عن رجل ثقة أمين تعلم أنه سيوصل هذه الرسالة إلى المسئول، فتكتب له في الرسالة من الكلام الطيب والمهذب ما يجعله يغير هذا المنكر الذي حصل وطرأ، وهذا هو دأب علمائنا في القديم والحديث، فإن لم تستطع إلى ذلك سبيلاً فإذا كرهت بقلبك فقد برئت وسلمت. وكما ذكرنا مسبقاً فإن هذه من أصول أسلافنا: أحمد بن حنبل والفضيل بن عياض ويحيى بن معين وابن المديني. وقد افتتن أحمد في مسألة القرآن من المأمون، فجلده وحبسه عاماً، فقام الناس يضجون بـ أحمد، وقد سئل يحيى بن معين عنه فقال: تسألوني عن أحمد؟! أحمد إمام أهل السنة والجماعة. وذهبوا إليه بثورة فقالوا له: نخرج عليه؛ لأنه ظلمك، وهو في هذه اللحظة يملك أن يصبح أمير المجاهدين في وقته، فله أن يحفزهم لتكسير السجن والخروج على الخليفة الظالم، ولكن انظروا إلى دين الله، وانظروا كيف أن الرجل يعلم اليقين بأن التمكين سيكون لدين الله في النهاية، فقالوا له: نخرج عليه، قال: لا والله، إنه أميركم، وله عليكم السمع والطاعة، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كانت لي دعوة مستجابة لخبأتها لولي الأمر؛ لأنه يعلم أن صلاح الأمة في صلاح ولي الأمر، وأن فسادها من فساده. ولذلك يجب عليك أن تنصح ولاة الأمور، وأن تدعو لهم على المنابر، والدعاء لولاة الأمر سنة متبعة عن السلف، والأخلص والأصوب والأفضل أن تدعو لهم سحراً بإخلاص ويقين بالإجابة: أن الله يصلحهم ويجعلهم نصراً لدينه، فتكون بذلك فائزاً عند ربك، ولعلك أن تكون من الصالحين المخلصين فيتقبل الله منك دعوة مستجابة، فيصلح الله جل وعلا هذه الأمة بدعوتك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.