Полный текст (205 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
معنى التبرك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
بينا في الدرس الماضي معنى التبرك وأصل التبرك، وأن التبرك عبادة, وجماع التبرك هو طلب البركة، وإذا قلنا بأن جماع التبرك هو طلب البركة أو زيادة الخير, فالطلب إذاً لا يكون إلا ممن يملك هذه البركة، ولا أحد يملك هذه البركة إلا الله جل في علاه.
وطلب البركة يتعلق بها أمران: الأول: ألا يكون الطلب إلا من الله, فمن طلب من غير الله جل في علاه فقد وقع في الشرك؛ لأن الطلب دعاء والدعاء عبادة, ومن صرف العبادة لغير لله فقد وقع في الشرك, فمن صلى لغير الله فقد أشرك, وأيضاً من دعا غير الله لجلب منفعة أو دفع مضرة فقد أشرك.
الأمر الثاني: من اعتقد بأن البركة بيد أحد غير الله فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، ومن اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد وقع في الشرك.
فهناك قاعدة تقول: من عبد الله واعتقد في الله حق الاعتقاد ثم اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
في هذا الدرس سنبين التبرك الممنوع، وقد ابتدأنا به من باب قول الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فنحن نبين للناس الشركيات التي لا بد أن يتجنبوها وحتى يسلم توحيد المرء.
стр. 142
حكم التبرك بالأمكنة والأشجار
من التبرك الممنوع: التبرك بالكعبة, والتبرك بمقام إبراهيم, والتبرك بجدران بيت المقدس، أو بجدران المسجد النبوي, فكل ذلك لا يجوز, وأيضاً التبرك بالأشجار كما بينا في حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر إنها السنن، فقد قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، ورجحنا أن هذه المسألة من الشرك الأصغر وليست شركاً أكبر، وهو من باب التغليظ والزجر الشديد؛ حتى يسلم أهل التوحيد من الشرك الأصغر فضلاً عن الشرك الأكبر.
стр. 143
حكم التبرك بالأزمنة
أيضاً من التبرك الممنوع: التبرك بالأزمنة, وقد قلنا: إذا اعتقدنا اعتقاداً جازماً صحيحاً بأن البركة من الله جل في علاه, فإن هذه البركة لها أسباب، وهذه الأسباب من اتخذها جعل الله له البركة، فقد شرعها سبحانه لحصول البركة, ومن اخترع أو ابتدع أو شرع أسباباً لم يشرعها الله جل في علاه فقد أشرك.
فإذا قال امرؤ: أن البركة نزلت في أزمنة معينة، فإن لم يأت عليها بدليل من كتاب الله ولا من سنة النبي ﷺ فقد افترى على الله وعلى رسوله ﷺ ؛ لأن الله جل في علاه علام الغيوب, وهو الذي يملك البركة وهو الذي أنزل البركة, فهو يعلم أين تكون البركة, وما السبب الذي إذا أخذ به المرء حصلت له البركة، فإن قال الله لنا: إن زمان كذا ومكان كذا فيها البركة في أعمالكم وفي أرزاقكم، أخذنا بهذه الأسباب، وإن لم يذكر الله جل في علاه فليس لأحد أن يتقدم بين يدي الله ورسوله ويقول: هذا زمان تتنزل فيه البركات, وتكثر فيه الرحمات, وترفع فيه الدرجات, وتغفر فيه السيئات.
стр. 144
نماذج من التبرك الممنوع ببعض الأزمنة
من قال: بأن الاحتفال بالمولد النبوي مثلاً فيه بركات, وهذا زمن مبارك لا بد أن نتبرك بالاجتماع فيه، وإظهار السرور، وتوزيع الطعام، والاحتفال فيه؛ لأنه زمن مبارك على الله وعلى رسوله.
أو يقول مثلاً: ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، فنفعل فيها كذا وكذا, أو الأعياد المخترعة: كعيد الحب، وعيد الشجرة, فكل هذا لا يصح؛ لأن الله جل في علاه لم يذكر في كتابه أن هذه الأيام أيام مباركات, فيتبرك بها المرء.
إن رسول الله ﷺ ما ترك طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا وأخبرنا خبره، ولم يقصر في البلاغ؛ والله جل في علاه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فلو كانت هذه الأزمنة من المولد النبوي أو ليلة الإسراء والمعراج أو ليلة بدر أو غيرها أزمنة مباركة تتنزل فيها البركات لبينها النبي ﷺ ، فلما لم يبين النبي ﷺ أن هذه الأزمنة من الأزمنة المباركات, لزم من يقول ببركتها الآتي: أولاً: أن رسول الله ﷺ قصر في البيان, وحاشاه ﷺ ، فقد شهد الله أنه بلغ وأتم البلاغ.
ثانياً: أنكم مفترون ومتقدمون بين يدي الله ورسوله، فلا نقبل قولكم.
إذاً: فهؤلاء قد افتروا على الله وعلى رسوله بأن ابتدعوا أزمنةً وقالوا: إن هذه الأزمنة تتنزل فيها البركات، وهذا من باب الشرك الأصغر لا الشرك الأكبر؛ لأنهم لم يعتقدوا في غير الله ولم يطلبوا البركة من غير الله جل في علاه, لكنهم اتخذوا سبباً لم يشرعه الله جل في علاه للبركة, وقد بينا أن البركة عبادة, والأصل في العبادات التوقيف.
وختاماً نقول: ليس معنى كلامنا أننا نغلق على الناس هذا الباب ونقول لهم: لا بركة في أي شيء، لا، فإن ديننا السمح وشريعتنا الغراء إذا أغلقت باباً فتحت أبواباً للناس، ففتحت أبواب الرجاء والخير للناس, فهناك التبرك المشروع, فإنا نرجو من الله جل في علاه أن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن البركة أفضل بكثير من الكثرة.
стр. 145
شروط البركة المشروعة وأنواعها
هذه البركة لها شروط: الأول: الاعتقاد الصحيح بأن البركة بيد الله جل في علاه.
الثاني: لا تطلب البركة من غير الله.
الثالث: اتخاذ الأسباب الصحيحة التي بها نحصل على البركة.
وهذه البركة أنواع: فهي أقوال وأفعال وهيئات وأمكنة وأزمنة.
стр. 146
البركة في الأقوال
هناك أقوال فيها بركة, ومن هذه الأقوال: تلاوة القرآن, فإن الله جل في علاه قد وصف كتابه بأنه كتاب مبارك, والبركة في القرآن هي بتلاوته وتدبره وبتطبيق حدوده وأحكامه, فقال الله تعالى مبيناً لنا كيف تكون البركة في هذا الكتاب كما في سورة المزمل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ولذلك ترجم النبي ﷺ هذه البركة فقال: (اقرءوا القرآن فإن لكم بكل حرف حسنة, والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن (ألف) حرف و (لام) حرف و (ميم) حرف) فبهذه الآيات المباركات تتحصل البركات بمضاعفة الحسنات، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة, فهذه من بركة هذا الكتاب.
وقد رد في الأثر: (أنه لا يعبد الله بخير مما خرج منه) وهو القرآن، ويقول عثمان بن عفان كما في (الشُّعَب) بسند صحيح: لو طهرت قلوبنا لما شبعنا من كتاب الله.
فالبركة الحسية: هي مضاعفة الحسنات، وأما البركة المعنوية: فهي حلاوة الإيمان, والتلذذ بكلام الله جل في علاه, فترى الشخص يهجر كل كلام، ولا يريد أن يتكلم بشيء إلا بكتاب الله, فهو مع كتاب الله نائماً ومستيقظاً, جالساً وقاعداً, قائماً وماشياً, ويدور في خلده وعلى لسانه كلام الله جل في علاه, فهذه هي البركة التي تشع نوراً في قلب العبد, فيحلو بها الإيمان، ويتلذذ المرء بتلاوة كلام الله جل في علاه, ولقد قال النبي ﷺ ناصحاً للرجل الكبير الشيخ الهرم: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله جل في علاه) وأدنى من ذلك منزلة ذكر الله, فالذكر أيضاً يأتي للمرء بالبركات، فإن المرء إذا قال: لا إله إلا الله مائة مرة صباحاً ومائة مرة مساءً فإن البركة تأتيه من كل حدب وصوب, وهذه بركة معنوية.
وأما الحسية: فإن الله جل في علاه يحفظه من الشيطان, والله جل في علاه يكتب له أجر عتق عشر رقاب, وأيضاً يكتب الله له حرزاً وحفظاً وحصناً من الشيطان الرجيم, فلا يستطيع إليه سبيلاً.
وأيضاً الصلاة على النبي ﷺ تأتي بالبركة حسياً ومعنوياً، فكثرة الصلاة على النبي ﷺ تزيد البركة, بل من بركة الصلاة على النبي ﷺ أن الله يكفيك همك، ويغفر ذنب, فمن بركة الصلاة على النبي ﷺ أن الله يكفيك الهم والحزن, ويبارك لك في رزقك.
وأيضاً كثرة الاستغفار تأتي بالبركة في الدنيا والآخرة معنوياً وحسياً، يقول النبي ﷺ : (من أراد أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر من الاستغفار) يعني: يرى في صحيفته يوم القيامة كثرة الاستغفار, فبالاستغفار تتنزل الرحمات, وينزل الغيث من السماء, ويكون الولد, وتكثر الأموال.
فإذا استيقن المرء وعلم أن البركة بيد الله، وطلبها من الله مع الأخذ بالسبب الصحيح الشرعي من تلاوة قرآن وكثرة ذكر الله جل في علاه, فإن البركة ستحل به من كل جانب.
стр. 147
البركة في الأفعال
كذلك من أعلى وأرقى الأفعال الجالبة للبركة طلب العلم, فطلب العلم كله بركة, ويا خسارة من ترك طلب العلم وقد من الله عليه بهذا الطلب ويسره عليه، فمثل هذا ضاعت منه البركة؛ لأن البركة كل البركة مع طالب العلم, وبركة طالب العلم في الحل والترحال حسياً ومعنوياً, قال الرسول ﷺ : (مامن شيء إلا ويستغفر لطالب العلم) فهذه بركة معنوية, فحتى الحيتان في البحر تستغفر لطالب العلم, وحتى النمل في الجحر تستغفر لطالب العلم.
ومجلس طلب العلم تحفه الملائكة، وتنزل فيه الرحمة، وتغشاه السكينة، فمن بركة مجالس العلم أن الجاهل الذي يأتي لمصلحة دنيوية حين يجلس في مجلس العلم، وتأتي الملائكة لتكتب الأسماء، فتقول: يا رب إن معهم فلاناً ما جاء إلا لحاجة دنيوية، فيقول الله جل في علاه: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وأيضاً من بركة طلب العلم أن الملائكة دائماً تحف طالب العلم, وتضع أجنحتها رضاً بما يفعل طالب العلم, فهنيئاً لطالب العلم البركة الحسية والمعنوية، وقد ورد في الحديث: (أن رجلاً فقيراً جلس يسمع حديث النبي ﷺ ويكتب الحديث، فجاء أخوه الذي يرعاء ويسعى عليه ويكد ويتعب له, فقال: يا رسول الله إني أكد من أجل فلان ويتركني ويأتيك، فقال له النبي ﷺ : دعه لعلك ترزق به) يعني: أن الرزق الذي يأتيك لو كان درهماً واحداً فببركة طلب علم أخيك ستأتيك آلاف الدراهم.
فهذه البركة فاتت على كثير من الناس, وضاعت عن أذهان كثير من الناس, وما فاز بها إلا من حباه الله أن يسلك طريق طلب العلم.
وأيضاً من البركات في الأفعال: الاجتماع, يقول النبي ﷺ (يد الله مع الجماعة) فالاجتماع دائماً يأتي بالبركة الحسية والمعنوية، فإذا كان الله معك وهو ناصرك فمن يستطيع أن يغلبك؟! وإذا كان الله معك رازقك فمن يمنع عنك الرزق؟! وإذا كان الله معك غافراً لذنبك فمن يأخذك بهذا الذنب؟! وإذا كان الله معك رافعاً إياك دراجات فمن يذمك؟! فالممدوح بحق من مدحه الله, ولما دخل الأعرابي على النبي ﷺ وقال: (أعطني؛ فإن مدحي زين وذمي شين، قال ﷺ ذاك الله) يعني: أن المدح بحق من الله والذم بحق من الله.
وأما حسياً فمثل: الاجتماع على الطعام، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة, والنبي ﷺ ينصحنا ويحث الأمة على هذه البركة والتمسك بها فيقول: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا الله عليه؛ يبارك لهم فيه)، فالبركة في الطعام تأتي بالاجتماع، وتأتي بتسمية الله جل في علاه عليه.
وأيضاً من أجل الأسباب مع طلب العلم للحصول على البركة: التقوى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾ [الأعراف:٩٦] وما قال: كثرنا، قال: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
وأيضاً من الأطعمة والأشربة التي هي مباركة: ماء زمزم, فماء زمزم كله بركة, كما صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) وفي رواية صحيحة قال: (إنه طعام طعم، وشفاء سقم).
وبقي أبو ذر ﵁ وأرضاه أربعين يوماً وليلة لا يأكل شيئاً غير ماء زمزم.
وأيضاً: الزيتون مبارك، قال الله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]،والنبي ﷺ قال: (كلوا من هذا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة).
وأيضاً: الحبة السوداء, فالحبة السوداء فيها بركة، وكثير من الناس يغفل عنها مع أن النبي ﷺ يقول: (الحبة السوداء دواء من كل داء إلا الموت).
وأيضاً: عسل النحل فيه بركة، فعجباً لهؤلاء القوم الذين يذهبون يتمسحون بالأولياء وتراب الأولياء ويتركون هذه البركات الحسية والمعنوية التي نراها في عسل النحل، قال الله عنه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩].
وفي الحديث عن النبي ﷺ : (أنه جاءه رجل يشتكي بطن أخيه, فقال: أسقه عسلاً، فازداد الأمر عليه، قال: اسقه عسلاً، فازداد الأمر عليه، قال: اسقه عسلاً, فازداد الأمر عليه، فقال النبي ﷺ : صدق الله وكذبت بطن أخيك، اسقه عسلاً, فشفي الرجل بعدما شرب العسل)، فالعسل فيه بركة.
стр. 148
الأماكن التي تحل فيها البركة وحقيقة هذه البركة
هناك أماكن مباركة تحل فيها البركة, لكن هذه الأماكن ليست مباركة بجدرانها ولا بترابها، فلا تذهب تتمسح بالجدار ولا بالترب، وإنما البركة تحل فيها بالأعمال الصالحة.
وأول هذه الأماكن: مكة، فمكة حرم الله المبارك, وقد حرمها إبراهيم ﵇, وفيها البيت مبارك, كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦].
والمدينة أيضاً مباركة, وقد حرمها رسول الله ﷺ , وفيها المسجد النبوي.
وأيضاً: بيت المقدس مبارك, كما قال النبي ﷺ مبيناً بركة هذه البقاع الثلاث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الأقصى، والمسجد الحرام) ثم فسر النبي ﷺ بركة هذه البقاع بقوله: (إن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة, والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، وقد جاء في الأثر وإن كان يضعفه بعضهم: (أن الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)، لكن يستأنس به، وله شواهد تدل على مضاعفة الأجر بالصلاة في بيت المقدس.
إذاً: فالتبرك بهذه الأماكن ليس بترابها ولا بجدرانها، بل بالأعمال فيها.
وأيضاً: أرض الشام كلها مباركة، ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن سبب تفضيل هذه الأرض عن غيرها، قال النبي ﷺ : (إن الملائكة باسطةً أجنحتها على أرض الشام) فهذه من بركة أرض الشام، وكذلك جاء في الحديث: (اللهم بارك لنا في شامنا).
إذاً: فأرض الشام بين النبي ﷺ أنها أرض مباركة.
وكذلك المدينة فضلها النبي ﷺ فقال: (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليمت، فإني شفيع لمن مات في المدينة).
فعلى المرء أن يلتمس البركة في هذه الأراضي ليس في جدرانها ولا بترابها, وعندما نقول: هذه الأراضي مباركة لا نعني أن الناس الذين فيها مباركون؛ لأنك قد تجد في هذه الأراضي المباركة أفسق وأفجر أهل الأرض, فالناس لا يقاسون بالأراضي, ولو قيس الناس بالأراضي لكان أرفع الناس أبا جهل , مع أنه أكفر الناس.
إذاً: فالناس لا يقاسون بالأراضي, وإنما الأمر كما قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] يعني: أن ميزان الأشخاص ومقياسهم عند ربهم هي القلوب التي عمرت بالإيمان.
стр. 149
أقسام التبرك بالنبي ﷺ وحكمها
نختم بالكلام على مسألة نظرية في عصرنا ألا وهي: التبرك بالنبي ﷺ .
وقلت: مسألة نظرية؛ لأنه لا يوجد أي أثر من آثار النبي ﷺ الآن, فنحن نتعلمه علماً نظرياً حتى نستدل به على من يدعي غير ذلك.
فنقول: التبرك بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: الأول: تبرك بذات النبي ﷺ .
والثاني: تبرك بآثار النبي ﷺ .
стр. 150
التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره
إن الله جل في علاه خلق الخلق أجمعين وفرق بينهم, وأكرم الخلق على الله جل في علاه هو رسول الله ﷺ , وكفى ببركة النبي ﷺ عند ولادته أن أشرقت الدنيا بأسرها بشمس الإسلام, وأخرج الناس من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد, وكفى بها بركة.
وهذا الذي فقهه أبو بكر ﵁ وأرضاه وذلك عندما هاجر معه، فقد كان ﵁ يتقدم أمامه ويتأخر خلفه, ويأتي عن يمينه ويأتي عن يساره, فسأله النبي ﷺ عن سبب فعله، فقال: أتذكر الطلب فأكون في الخلف, وأتذكر العدو من الأمام فأكون في الأمام وعن يمينك وعن يسارك, ثم قال: إن أنا مت فلا أعدو نفسي, وأما إذا قتل رسول الله ﷺ فإن الرسالة لن تبلغ للناس.
إذاً: فالبركة كل البركة مع رسول الله ﷺ في رسالته, وفي كلامه, وفي أفعاله, بل وفي نومه وفي استيقاظه ﷺ بأبي هو وأمي, فالصحابة رضوان الله عليهم, تبركوا بكل شيء يمس النبي ﷺ : بذاته, وأفعاله, وأقواله, كما ورد في الصحيح في صلح الحديبية: (ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها وجهه وجسده؛ تبركاً بأثر النبي ﷺ , وما توضأ النبي ﷺ وضوءاً إلا تزاحموا عليه؛ تبركاً بفضل وضوء النبي ﷺ .
وفي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ دخل على أم سليم فنام عندها فعرق, فأخذت الوسادة التي نام عليها النبي ﷺ فعصرتها, ففزع النبي ﷺ وقال: ما تفعلين؟ قالت: أتبرك بعرقك يا رسول) فأقرها على ذلك.
والقول الراجح في تفسير هذا الحديث ما ذكره النووي من أن أم سليم كانت من المحارم للنبي ﷺ من الرضاع، ولذلك كان النبي ﷺ يدخل عليها، فلما نام وعرق أخذت عرق النبي ﷺ تتبرك به, فالنبي ﷺ مدحها لذلك, وأخذ أنس ابنها منها من هذا العرق وكان يتبرك به, وجعل منه حنوطاً له عند موته, وأعطى أنس ثابت البناني من هذا العرق، فأخذ هذا العرق وجعله حنوطاً له, وأخذ أيوب من ثابت من هذا العرق؛ ليتبرك به.
وأيضاً من الأدلة على التبرك بآثار النبي ﷺ : أن النساء كن يأتين بالأطفال إلى الرسول ﷺ , فيأخذ التمرة ويمضغها ويضعها في فم الطفل ويحنكه، ويدعو له بالبركة, وكل ذلك تبركاً بآثار النبي ﷺ .
فإذا وجدنا أثراً من آثار النبي ﷺ فإن لنا أن نتبرك به، وتحل علينا البركة بوجوده، ولذلك كان أحمد بن حنبل يحتفظ بشعرة من شعرات النبي ﷺ بأبي هو وأمي، وكان يضعها عند عينه.
إذاً: فقد كان الصحابة يتبركون بذات النبي ﷺ ، وبأثر النبي ﷺ , وبدعاء النبي ﷺ , وبعرق النبي ﷺ , وكانوا يتبركون بثياب النبي ﷺ , فقد جاء في الحديث: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم، فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها وأرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً! فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال: فكانت كفنه) فهذا أراد أن يتبرك بتلك البردة.
وكذلك قصة ذلك الصحابي الذي طلب القصاص من النبي ﷺ ، فقال ﷺ : (القصاص, فرفع عن ثوبه, فاحتضن ذلك الصحابي النبي ﷺ وقبل بطنه، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله قد استوى الصفان وما أعلم متى سيكون موتي في هذه اللحظة أو في غيرها، فأردت أن يكون آخر عهد لي في هذه الدنيا أن أمس بطنك)، فما أفقه هذا الصحابي ﵁ وأرضاه! وأيضاً من الأدلة على التبرك بآثار النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ أعطى أبا هريرة تمرات في وعاء أو جراب، وقال: يا أبا هريرة كل من هذه التمرات، لكن لا تحصها -يعني: لا تعدها- وكان الجراب معه في وسطه, فيقول: أبو هريرة ما جعت مرة إلا وأخذت الجراب فوضعت يدي فأخذت التمر وأكلت) يعني: بقي معه مليئاً بالتمر من أيام النبي ﷺ إلى خلافة عثمان، وما انتهى في خلافة عثمان، لكن ضاع منه ذلك الجراب، ولو بقي معه إلى ما أحياه الله جل في علاه لم ينفد.
وهذه عائشة ﵂ تقول: كان عندي شعير وكنت آخذ منه للأكل مرة بعد مرة ولم ينفد، تقول: فقلت إن هذا الشعير لا ينتهي! لأكيلن هذا الشعير، فلما كالت الشعير وأحصت هذا الشعير أحصي عليها, ونفد.
فهذه الأدلة كلها تدل على التبرك بآثار النبي ﷺ , وبأفعال النبي ﷺ .
стр. 151
حكم التبرك بغير النبي ﷺ
مسألة: هل يتعدى الأمر إلى غيره من الصالحين أم لا؟ هذه المسألة بإنصاف خلاف بين أهل السنة والجماعة, وهذا يعني: أنه لا يجوز النكير على من قال بالتبرك بغير النبي ﷺ ، لكن لا بد أن نبين أن هذا ليس بصحيح, وهو مرجوح؛ لأن التبرك بغير النبي ﷺ ذريعة إلى الشرك, ولا بد أن نمنعه منعاً باتاً, لكن مازلت أقول: لا إنكار في هذه المسألة.
стр. 152
صور التبرك بالصالحين
стр. 153
التبرك بأفعالهم ودعائهم
إن التبرك بالصالحين على صورتين: الصورة الأولى: التبرك بأفعالهم ودعائهم, وهذا جائز باتفاق أهل السنة والجماعة، فيجوز للمرء أن يتبرك بأفعال الصالحين ودعائهم, فإذا رأيت ولياً صالحاًَ عابداً تقياً ورعاً زاهداً فإن لك أن تتبرك بأفعاله وبدعائه وبعلمه.
وتتبرك بأفعاله فتأتي به في بيتك وتجلس معه مجلساً فيه علم وتذكير بالله جل في علاه، وبرسول الله ﷺ ، فهذا مجلس فيه بركة, ومن بركة الصالح أنه دائماً يذكرك بالله, ويسمع أذنك بالآيات والأحاديث, ويحرك قلبك بالإيمان بالله جل في علاه, فهذا تبرك بأفعاله.
وأيضاً تتبرك بدعائه، والدليل على ذلك حديث عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه, أن النبي ﷺ قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فقال عكاشة بن محصن: يا رسول الله! ادعو الله أن أكون منهم, قال: أنت منهم) فهذا يدل على أن للمرء أن يتبرك بدعاء الصالحين، وهناك حديث ظاهر جلي على ذلك وهو أن النبي ﷺ ذكر أن أويس القرني أفضل التابعين، وأمر من يلقاه أن يطلب منه أن يستغفر له, فجاء عمر بن الخطاب وقال: أنت أويس القرني؟ قال: نعم.
قال: من مراد؟ قال: نعم، قال وكان بك برص ثم شفيت منه إلا موضع الدرهم؟ قال: نعم.
قال: استغفر لي، فعجب أويس كيف أستغفر لأمير المؤمنين؟! قال عمر: سمعت رسول لله ﷺ يقول كذا وكذا.
فهذه بركة بدعاء الصالحين.
стр. 154
التبرك بذوات الصالحين وآثارهم
أما التبرك بذات الصالح نفسه فهناك خلاف بين أهل السنة والجماعة في جوازه, فقال بجوازه النووي وابن حجر وهما من هما في حفظ ونصر السنة، وهذا القول منهما خطأ يغتفر في بحر حسناتهما, ويرجح ذلك الشوكاني وهو من المتأخرين, والقاضي عياض.
стр. 155
أدلة المجيزين التبرك بآثار الصالحين
إن الذين قالوا بالتبرك بآثار الصالحين استدلوا على ذلك بأدلة من الأثر ومن النظر: فأما من الأثر: فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، قالوا: أي أنهم يتبركون بآثار موسى وهارون.
وأما دليلهم من النظر فقالوا: إن النبي ﷺ كان يحمل الطفل إليه فيحنكه ويدعو له بالبركة, وهذه دلالة على أن الصالح الذي ارتقى مرتقى النبي ﷺ وتوظف بوظيفته من تبليغ العلم أنه ينزل منزلة النبي ﷺ .
واستدلوا أيضاً بحديث عتبان بن مالك: (أنه طلب من النبي ﷺ أن يصلي عنده في مكان يتخذه مسجداً) تبركاً بأثر فعل النبي ﷺ ، وأنه كان مع النبي ﷺ من خيار الصحابة الذين ثبتت الأدلة على فضلهم وورعهم, فهذا تبرك بأثر النبي وأثر الصالحين من صحابة رسول الله ﷺ , فيستدلون بذلك على أنه يمكن التبرك بآثار الصالحين.
стр. 156
أجوبة المانعين من التبرك بآثار الصالحين على أدلة لمجيزين
أما الذين قالوا: لا يجوز التبرك بأي صالح, فقالوا: إن كل الأدلة التي فيها التبرك كلها خاصة برسول الله ﷺ .
وأما استدلالكم بقوله تعالى: ((إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ)) فهذا في أثر موسى وهارون, ونحن نتفق معكم على أن التبرك بآثار الأنبياء صحيح.
وأيضاً نقول لهم: لو كان التبرك هذا خيراً لسبقونا إليه, فإن أبا بكر , وعمر، وعثمان وعلياً بالاتفاق هم أفضل الأمة على الإطلاق بعد موت النبي ﷺ , فلم يأت أحد من الأمة ليتبرك بوضوء أبي بكر، ولا وضوء عمر، ولا وضوء عثمان، ولا وضوء علي لا من الصحابة ولا من التابعين، ولو أن هذا انتشر بينهم على أنه سنة لفعلوا ذلك, فلما لما يفعلوا ذلك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع, دل ذلك على أنه لم يشرع! فهذا الضابط من أقوى الضوابط التي تمنعكم من البدع.
стр. 157
الراجح من الأقوال في مسألة التبرك بآثار الصالحين، وأدلة ذلك
القول الراجح والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثاني وهو: أنه لا يشرع التبرك بآثار الصالحين، لكن قد يعترض علينا بأن أبا بكر ورد في فضله وبركته أن أسيد بن حضير عندما نزلت آية التيمم قال: (ليس هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر) الراجح -كما ذكرت- هو القول الثاني: وهو أنه لا يجوز التبرك بآثار الصالحين؛ لأمور عدة أهمها وأقواها: سدّ الذريعة؛ لأننا لو أبحنا التبرك بآثار الصالحين فسيحدث الغلو في الصالحين, والغلو في الصالحين يرتقي بالمرء إلى أن يشرك بالله جل في علاه، والغلو في الصالحين مشاهد، فمنهم من يقدم الولي على النبي, ومنهم من يقول: إن الولي يتحكم في الكون, ومنهم من يقول: إن الله أعطى للولي قوة لم يعطها لأحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل, بل إن الولي يرتقي مرتقى صعباً، كيف ذلك؟ يقولون: إن الولي عندما يصفو قلبه ويصل لدرجة اليقين فليفعل ما شاء من شرب الخمر والدخان والزنا؛ لأن القلم قد رفع عنه, فإذا بلغ درجة اليقين سقطت عنه التكاليف, ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فالغلو ذريعة أيضاً للاعتقاد في الأموات وسؤالهم من دون الله جل في علاه, فهذا أقوى الأدلة على المنع من التبرك بغير النبي ﷺ .
والدليل الثاني: أن أصحاب رسول ﷺ لم يفعلوا ذلك, فلم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ابن عمر ولا ابن عباس ولا أفاضل الصحابة ﵃ وأرضاهم, ولما لم يفعلوه دل ذلك على أحد أمرين: الأمر الأول: أنهم علموه وتقاعسوا عن الخير, وحاشاهم فهم أسبق الناس للخير, وأحرص الناس على الخير.
الأمر الثاني: أنهم لم يعلموه، أو أنهم علموا أنه ممنوع, فإن قلنا: لم يعلموه فهذا بعيد؛ لأن النبي ﷺ علمهم كل شيء, إذاًَ فيبقى أنهم علموا أنه ممنوع، فيسعنا ما وسعهم, فنعمل ما عملوا ونكف عما كفوا, ولا خير في ابتداع من خلف، والخير كل الخير في اتباع من سلف.
إذاً: فالراجح الصحيح سداً للذريعة أن نقول: بأن التبرك بآثار الصالحين مرجوح ولا يصح أن يباح لأحد غير النبي ﷺ .
والتحنيك تبرك بالنبي ﷺ ، قال النووي: وهذا دليل على أنه يتبرك بالصالحين في تحنيك الطفل, يعني: يجوز أن يذهب الشخص بطفله إلى الصالحين والأولياء والأبرار ليحنكوه.
فنقول: لا يجوز التبرك بآثار الصالحين؛ لأنه إن كان سنة ولم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ابن عباس ولا ابن عمر ولا الزبير ولا عبد الله بن الزبير ولا الأفاضل الأخيار من الصحابة, فإما أن تتهم الصحابة بالتقاعس عن السنة, وإما أن تقول: هم لم يفعلوه إذاً فليس بسنة.
فإن قالوا: عدم النقل ليس نقلاً للعدم، فنقول: إن كان التحنيك تبركاً فهو خاص بالنبي ﷺ ؛ لأن التبرك لا يتعدى إلى غيره, وإن كان من أجل الطب فهو جائز، وهذا هو الذي رجحه ابن القيم، وهو أن الحلو إذا دخل في المعدة ففيه فوائد جمة للقلب وللمعدة ولغيرهما من الأجهزة, ويمكن لنا أن نخرج قولاً آخر وهو أن التحنيك نفسه سنة فعلية, لكن التبرك خاص بالنبي ﷺ .
إذاً: لا تبرك بآثار الصالحين, والتحنيك سنة, والتبرك خاص بالنبي ﷺ ، فمن فعل ذلك على أنه سنة وطب فله ذلك, ومن فعله معتقداً البركة في الأولياء والصالحين فلا يجوز له ذلك؛ لأن الراجح أن التبرك بآثار الصالحين لا يصح بحال من الأحوال.
стр. 158
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - الاستسقاء بالنجوم
من العقائد المنتشرة عند أهل الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ : اعتقادهم بالنجوم واستسقاؤهم بها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا.
فمن اعتقد أن النجم هو الذي ينزل المطر فقد كفر؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق.
وأما من اعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر وإنما طلب من هذا النجم إنزال المطر؛ فقد أشرك شركاً أكبر؛ لأنه سأل غير الله.
ومن اعتقد أن النجم سبب في نزول المطر، فقد أشرك شركاً أصغر؛ لأنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله.
ومن قال: مطرنا بنوء كذا، بمعنى: مطرنا في وقت طلوع النجم كذا، فهذا القول مكروه.
стр. 159
أهمية الحب في الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار, زادنا الله وإياكم حرصاً على الطلب وعلى مجالس الطلب.
أقول: إننا نحبكم في الله, ونستبشر بحديث النبي ﷺ : (المرء مع من أحب) وقوله: (يحشر المرء مع من أحب).
قال أنس ﵁ وأرضاه: والله ما فرحنا بحديث مثلما فرحنا بهذا الحديث, إني أحب أبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم.
والأمر بالعكس أيضاً، فإن المرء إن أحب أهل الكفر أو شابههم فهو معهم، قال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم).
وقد جعل الله صراطاً بينهم وبين أهل الإسلام في التعامل، فإذا رأيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه، ولا تبدءوهم بالسلام، ولا تهنئوهم بعبادة كفرية يتعبدون بها، لاسيما إذا كانت في الأوقات التي يزعمون فيها أن ابن الرب قد قام -حاشا لله ونعوذ بالله من غضب الله- فيقولون مثلا: هذا عيد القيام أو غيره، فهم يعتقدون أن عيسى صلب ودفن يوم الأحد، على الخلاف بينهم كما قال شيخ الإسلام: لو جلسوا تسعة لخرجوا بعشرة مذاهب, يعني: لو جلسوا تسعة يتكلمون ويتحاورون في المسألة حتى يجتمعون على كلمة فإنهم سيخرجون بعشرة مذاهب.
فهل يصح في الأذهان أن عبداً يعبد الله جل في علاه يرتضي بأحد يعبد غير الله جل في علاه, أو ينسب لله ولداً؟! فعليكم بالالتزام بالسنة.
стр. 160
عقيدة الاستسقاء بالنجوم
стр. 161
اعتقاد أهل الجاهلية في النجوم
لقد اعتقد أهل الجاهلية اعتقادات باطلة ذمها الله جل في علاه في كتابه, وذمها النبي ﵌ في سنته, وحذر أمته منها, وقد فشت في هذه العصور, فلزاما علينا أن ننبه عليها ألا وهي: الاستسقاء بالأنواء, أو الاستسقاء بالنجوم, أو الاعتقاد في النجوم.
وقد كان أهل الجاهلية أهل فلك، فيرون أن للقمر ثمان وعشرين منزلة، وأن النجم إذا سقط من المغرب وطلع من المشرق فلا بد حتماً أن تهب الريح وأن ينزل المطر, ثم ينسبون ذلك إما للساقط أو للطالع, فيقولون: مطرنا بنوء كذا، والنوء: هو منزلة من منازل القمر, ومعنى مطرنا بنوء كذا أي: أسقانا النجم هذا المطر, فهذا نكران وجحود لنعم الله جل في علاه, وجحود لربوبيته.
وما أشبه اليوم بالبارحة: فأهل الكفر من أهل الكتاب يجحدون توحيد الله جل في علاه، وينسبون له الولد، ويتعبدون لله ويتقربون له بهذا, وأهل الجاهلية كفروا بنعم الله جل في علاه وجحدوا بها، ونسبوها لغيره جل في علاه، وجعلوا معه شركاء، بل جعلوا معه من الجمادات من يتصرف في الكون أشد من تصرف الله جل في علاه, فاعتقدوا أن النجم ينزل عليهم المطر، والغالب فيهم أنهم ينسبون المطر إلى النجم على التسبب لا على الخلق والإيجاد، وإنما على الطلب، فجاء الشرع بإبطال هذه العقيدة الخربة , لاسيما وأنهم جحدوا نعم الله؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل:٧١]، وقال أيضاً: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل:٧٢].
وقد بين النبي ﷺ أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون في الأنواء، وذم ذلك فقال: (أربع في أمتي لا يتركن الفخر بالأحساب, والطعن في الأنساب, والنياحة على الميت, والاستسقاء بالأنواء)، وفي رواية عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تدعها الأمة إلى يوم القيام).
стр. 162
حكم من نسب نزول المطر إلى الظواهر الطبيعية
إن هذه الأمور التي كانت في أهل الجاهلية قد انتفشت ونضحت علينا في هذا العصر، فإن كثيراً من الجاهلين الذين ينتسبون إلى أهل الإسلام يعتقدون هذا الاعتقاد الخرب في أن الكون له محركات غير الله جل في علاه, أو يعتقدون سبباً لم يسببه الله جل في علاه فيقولون مثلاً: غداً ستهطل الأمطار بسبب المنخفضات الجوية، أو الظواهر الطبيعية، أو هبوب الرياح الشمالية, فينسبون المطر إلى غير الله جل في علاه، ولذلك فإنَّ النبي ﷺ ذمهم، وبين أن هذه الأفعال من اعتقادات الجاهلية، وعلى المرء أن ينأى بنفسه عن هذا الاعتقاد ولو بالقول، فقال النبي ﷺ : (ثلاث خلال في أمتي من الجاهلية: منها: الاستسقاء بالنجو) , وبعض الآثار صحت أنه قال: (أخاف على أمتي ثلاث: التكذيب بالقدر, وحيف الأئمة, والاستسقاء بالنجوم) , وقال: (أربعة من الجاهلية، وذكر منها: الاستسقاء بالنجوم).
стр. 163
حكم من قال مطرنا بنوء كذا
وإذا كان النبي ﷺ ذم هذا المعتقد وهذا الفعل الباطل، فإنَّ حكمه ينبثق من حديث النبي ﷺ في صلح الحديبية عندما صلى بهم على إثر مطر، ثم قال لأصحابه: (أتدرون ماذا قال الله البارحة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -تأدباً مع رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب)، والقاعدة عند العلماء: إذا ذكر الشرك أو الكفر نكرة، فيراد به الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر ما لم تدل قرينة على أنه الأكبر أو الأصغر.
стр. 164
أقسام الناس في قولهم مطرنا بنوء كذا
فالذين يعتقدون أو يتكلمون بالمنخفضات الجوية والشمالية والرياح الغربية والظواهر الطبيعية، ينقسمون في ذلك على أربعة أقسام: القسم الأول: يعتقدون بأن المطر ينزل من قبل النجم، سواء كان النجم هو الذي يغيثهم بهذا المطر، أو أنه يشارك الله في إنزال المطر.
القسم الثاني: لا يعتقدون هذا الاعتقاد لكنهم يقولون: يا نجمنا أغثنا، فيسألون النجم أن ينزل عليهم المطر مع اعتقادهم بأن الله هو الذي ينزل المطر.
القسم الثالث: يعتقدون أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن المطر بيد الله جل في علاه, وأن النجم لا يستطيع أن يفعل ذلك, لكن النجم سبب لنزول المطر، فإذا غرب هذا النجم من المغرب وطلع الثاني من المشرق نزل المطر، فاعتقدوا أن نزول المطر يكون بسقوط النجم أو طلوعه.
القسم الرابع: الذين يقولون: النجم ليس سبباً، ولا يستطيع أن ينزل المطر ولا نسأله ذلك، لكننا نقول: مطرنا بنوء كذا، أي: أنزل الله المطر في وقت طلوع هذا النجم، أو في وقت سقوطه.
стр. 165
حكم من اعتقد بأن النجم ينزل المطر أو يشارك الله في ذلك
إن الذين يعتقدون هذه الاعتقادات الأربعة حكمهم في الشرع كما يلي: أولاً: الذين اعتقدوا بأن النجم ينزل المطر، أو أن النجم يشارك الله جل في علاه في إنزال المطر، فهذا بالإجماع كفر يخرج من الملة، والقاعدة عند العلماء أنَّ من اعتقد في غير الله مالا يعتقد إلا في الله فقد كفر؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق.
وكثير من الناس يعتقدون أن الرزق في يد فلان ويد علان, وقلوبهم لا تميل إلى الله لحظة, بل تميل إلى المدير أو الوزير أو الغفير أو الملك الذي يعطيهم ويمنعهم، فهذا واقع نعيشه.
стр. 166
الأدلة على أنَّ الأمطار والأرزاق بيد الله تعالى
إن الأدلة على أن الأمطار والأرزاق بيد الله تعالى كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
و (هو) ضمير الشأن، وفائدته أنه يفصل بين المبتدأ والخبر، لأنك لو قلت: إن الله الرزاق, فالرزاق صفة لله جل في علاه.
وتعريف المبتدأ والخبر من أساليب الحصر، ووجه الدلالة: أن الرزق كله بيد الله جل في علاه لا بيد نجم، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢].
فكل هذه أدلة تدل على أن الله جل وعلا هو الذي يرزق، فمن قال بأن غير الله هو الذي ينزل المطر فقد أشرك مع الله غيره في الربوبية، وهذا الشرك من أقبح المواطن التي يشرك فيها العبد, فإن إنزال المطر من لوازم الربوبية، فإنَّ الرب هوالمتصرف.
стр. 167
حكم من طلب من النجم إنزال المطر
القسم الثاني: من طلب من النجم إنزال المطر لكنه لم يعتقد أن النجم هو الذي أنزل المطر, وإنما يعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر، والله جل وعلا بين أن هذا اعتقاد الجاهلية، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣].
فمن اعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر، ولكنه سأل النجم فقد أشرك شركاً أكبر، لأنه سأل غير الله.
والقاعدة عند العلماء: أنه إذا أثبت الشرع عبادة فصرفها لله توحيد ولغير الله شرك, فمن سأل غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك.
فالسؤال عبادة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فالدعاء عبادة.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩] فدعاؤهم لغير الله جل في علاه هو العبادة، وكل عبادة ثبتت في الشرع فصرفها لله توحيد؛ لأنه المستحق لها, وصرفها لغير الله شرك.
والسؤال لابد أن نصرفه لله جل في علاه, ويستثنى من ذلك أن تسأل من يقدر على أن يجيبك على السؤال.
وأما إذا سألت البدوي مثلًا أن يشفع لك عند ربك، فهو لا يستطيع على ذلك، وكذلك عبد القادر الجيلاني.
وكذلك أن تسأل النبي ﷺ فتذهب إلى قبره وتقول: يا رسول الله! اشفع لي عند ربك جل في علاه, فإن الله قد أعطى النبي ﷺ الشفاعة العظمى يوم القيامة، فيسأل النبي ﷺ فيما يقدر عليه؛ لأن النبي ﷺ سيذهب إلى ربه بعدما تأتيه الخلائق أجمعون, فيقولون: اشفع لنا عند ربك, فهو يقدر على ذلك، والقاعدة تنص على جواز أن تسأل غير الله فيما يقدر عليه، فكونك تسأل النبي ﷺ الشفاعة وهو في قبره فهذا السؤال خطأ؛ لأن القاعدة في مسألة الاستعانة أو الاستغاثة: أنَّ كل أمر أباح الله لنا فعله، وكان جنسه عبادة فلا بد أن يضبط بثلاثة ضوابط: [حاء - حاء - قاف] أي: [حي, حاضر, قادر]، والنبي ﷺ ليس بحي ولا بحاضر.
وإن كان يشكل علينا القول بأنه حي في قبره, وما من أحد يقول: السلام عليك يا رسول الله! إلا رد الله عليه روحه ليرد السلام، إذاً: فالنبي ﷺ حي على الديمومة في قبره.
إذاً فالمقصود: أنه يصح ويحل سؤال غير الله في ما يقدر عليه البشر, كقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أي: اسألوا العالم عن العلم أو الفتوى، وكذلك سؤال الغني أن يعطيك مالاً إن كنت فقيراً, فقد أباح لك النبي ﷺ ذلك, كما قال: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لقوي مكتسب) وغيرهما يحل له أن يسأل.
فالسؤال فيما يقدر عليه ابن آدم الحي الحاضر القادر يصح وإن كان جنسه عبادة؛ لأن الله جل في علاه أباح ذلك واستثناه من هذه العبادة.
إذاً: من اعتقد في غير الله ما لا يكون إلا لله فهذا كفر.
стр. 168
حكم من اعتقد أن النجم سبب في نزول المطر
القسم الثالث: الذين قالوا: نعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر ولا نسأل النجم أن ينزل المطر, لكن النجم سبب في نزول المطر، فإذا غرب هذا النجم أو طلع هبت الريح، ولا بد أن ينزل المطر.
وهذا أيضاً من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر, لأنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله، وقد قال الله تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقال الله تعالى (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهذا افتئات على الشرع, وتَقْدِمة بين يدي الله ورسوله ﷺ ، فهذا الاعتقاد لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة، إذاً: فلا يصح كوناً ولا شرعاً.
فالسبب إما شرعي وإما كوني، ولم يأت دليل في الكتاب أو السنة على أن النجم سبب في نزول المطر، فبطل تعلقهم بالسبب الشرعي, وأما السبب الكوني فمثل كون البندول علاجاً للصداع، ولم يرد في الكتاب أو السنة على وجه الخصوص أن البندول علاج للصداع، وإنما ورد على وجه العموم؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فقد جعل الله البندول سبباً في علاج الصداع، وعرفنا ذلك بالتجربة.
إذاً فالسبب الكوني هو السبب المجرب, فالأطباء جربوا تركيبة معينة من الدواء، وأعطوها للمريض، فوجدوا أن هذه التركيبة من أنجح ما تكون في الشفاء من هذا المرض.
والسبب الشرعي كالرقية الشرعية، فتقرأ على نفسك المعوذات وتنفث, وتقرأ الفاتحة وتأخذ ريقك وتضعه على المكان الذي يؤلمك إن كان المرض معنوياً.
وأما الحسي فقد قال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) , وكذلك العسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] , وأيضاً حبةُ البركة: ﴿دواء من كل داء) , فكل هذه الأسباب جاء الشرع بإثبات أنها علاج للأدواء.
إذاً: فالسبب الكوني كالأدوية التي جربت, فهل جرب الناس أو علماء الفلك وعلموا أنه كلما سقط نجم وطلع آخر أن المطر سينزل؟
الجواب
لا, ولا يوجد أحد قال بذلك, فإذا بطل التعلق بالسبب الشرعي وبالسبب الكوني، فقد وقعوا في الشرك الأصغر؛ لأنهم اخترعوا سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، والكون كله لله والشرع كله لله والخلق كله بيد الله، فما شرعه الله من الشرع، وما خلقه من الخلق هو الذي ينسب لله جل في علاه.
إذاً: القسم الثالث شرك أصغر ووسيلة إلى الشرك الأكبر؛ لأن الإنسان إذا اتخذ وسيلة لم يشرعها الله جل في علاه فحتما ولا بد أنه سيحوم حول الحمى وسيقع في الشرك الأكبر, وجاء عن النبي ﷺ الأمر بسد الذرائع ,وحسم المادة التي توصل إلى الشرك الأكبر.
стр. 169
حكم من قال: إن نزول المطر صادف طلوع النجم أو سقوطه
القسم الرابع: الذين يقولون: لا نعتقد أن النجم هو الذي ينزل المطر, ولا نسأل النجم لينزل المطر, وليس النجم سبباً في نزول المطر, لكننا نقول: مطرنا بنوء كذا, يعني: مطرنا في وقت كذا.
وقد اختلف العلماء في هذا القول: هل يحرم أو لا؟ والصحيح الراجح: أنه ليس فيه حرمة، لكنه على الكراهة, فطالما أن الرجل لم يعتقد في النجم, ولم يسأله، ولم يعتقد أنه سبب من الأسباب, وإنما صادف نزول المطر بسقوط هذا النجم, أو طلوع هذا النجم.
فهذا القول على الكراهة؛ لأنه قد شابه أهل الكفر في القول, وإن خالفهم في الاعتقاد والتصديق, فإن الشرع جاء ليفصل بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر: في الهيئة, وفي القول, وفي الفعل, بل في النوم والاستيقاظ والجلسة, فقد منع الشرع أن تجلس وترتكز على يدك وهي في الخلف؛ لأنها جلسة أهل النار من أهل الكتاب, ومنعك من أن تضطجع ضجعة أهل النار، وهي النوم على بطنك, ومنعك أن تشابه إبليس في الأكل باليسار, والأخذ باليسار, والإعطاء باليسار, وأن ترتدي نعلاً واحداً دون الثاني, فكل ذلك للتفريق بين مشابهة أهل الإسلام مع أهل الكفر والعياذ بالله.
إذاً: فقول أهل الكفر، وقول أهل الجاهلية لا بد أن ننأى بأنفسنا عنه ولا نقول: مطرنا بنوء كذا, ولكن نقول: مطرنا في وقت كذا، يعني: في وقت نزول هذا النجم أو طلوع هذا النجم.
فحكم القسم الرابع أنه على الكراهة، أو أنه على الجواز عند بعض العلماء، لكن الصحيح الراجح: أن هذا القول على الكراهة، كما مر سابقاً.
فالاعتقادات التي اعتقدها أهل الجاهلية, والتي هي موجودة بيننا, وجاء الشرع بنبذها وإبطالها لا بد للإنسان أن يصحح عقيدته فيها؛ حتى يقف أمام ربه جل في علاه نظيفاً موحداً مخلصاً خالصاً, فينجو من عذاب الله جل في علاه, فإن المرء لا ينجو عند ربه إلا إذا أتى بقلب سليم, وقلبه لن يسلم إلا أن يترك كل شائبة من شوائب الكفر ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فلا بد من التوحيد التام الذي لا يشوبه أدنى شائبة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 170
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - أهمية اتباع السنة
سنة النبي ﷺ هي الموضحة والشارحة والمبينة لكتاب الله، فقد بعث الله سبحانه نبيه ليبين للناس ما نزل إليهم، ولا يتحقق إيمان العبد إلا بحب الله سبحانه، ولا برهان على حب الله إلا باتباع سنة نبيه ﷺ .
فكتاب الله وسنة رسوله هما المرجع عند الاختلاف والتنازع، وقد كان الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم وأصحاب المذاهب المشهورة لا يقدمون على قول رسول الله ﷺ قول أحد.
стр. 171
اتباع النبي دليل محبة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن من الصفات التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وجاء الإسلام بإقرار القليل منها وإنكار الكثير منها: أنهم كانوا يزعمون -على ما هم فيه من فساد وشرك وفسق وفجور- أنهم أحب إلى الله من غيرهم، وأن لهم الكرامة عند الله جل في علاه في الدنيا والآخرة، وقد بين الله جل وعلا ذلك جلياً في كتابه، وأنهم ترسموا خطى أهل الكتاب من قبلهم، حيث صرح أهل الكتاب بذلك بقولهم كما ذكر الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فكذبهم الله في هذا الزعم، وقال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
فكثير من أهل الجاهلية كان يزعم أنه قريب من الله جل في علاه، وأن له الكرامة عند الله، كذلك الرجل الذي قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وصور الله سبحانه هذه الجرأة العجيبة فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧].
ولما زعم أهل الجاهلية أن لهم الكرامة عند الله جل في علاه، وأنهم أقرب إلى الله من غيرهم، أراد الله أن يمتحنهم بعدما أبطل الله هذا الزعم، وبين كذبهم في هذا الزعم، فذكر لهم أن حبه جل في علاه له برهان، وما من أحد يزعم زعماً إلا ولا بد أن يبرهن على هذا الزعم، فامتحنهم الله جل وعلا ومحصهم تمحيصاً شديداً وقال لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
هذه الصفة الجاهلية موجودة في عصورنا هذه، فكثير منا يزعم زعماً كاذباً والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه، فليس حب النبي ﷺ أو حب الله بإنشاء السرادقات، ولا توزيع المطعومات والمشروبات وغير ذلك من الأفعال التي يفعلها من يزعم أنه يحب الله ويحب رسوله ﷺ .
إذاً: من وجد في نفسه أنه يتصف بهذه الصفة فلا بد أن يسارع إلى الله جل في علاه، ويبتهل إليه حتى يزيل الله عنه هذه الصفة، ومن وجد أن الله حفظه من هذه الصفة السيئة فليحمد الله على ذلك؛ فإن الله امتحن القوم الذين زعموا محبته فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران:٣١] فبرهان ذلك ((فَاتَّبِعُونِي)) فاتباع النبي ﷺ علامة على صدق من زعم أنه يحب الله جل في علاه.
وليعلم الناس أنه لا أحد يتقدم بين يدي الله وبين يدي رسوله ﷺ ، فالآيات متوافرة ومتضافرة وكلها تبين أن مناط القبول عند الله لا يكون إلا باتباع رسوله ﷺ ، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فجعل طاعة الرسول ﷺ هي طاعة الله، وقد أناط الله فيها الإيمان بمتابعة النبي ﷺ فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 172
الأمور التي يناط بها الإيمان
لقد أناط الله جل في علاه صدق الإيمان بأمور ثلاثة: الأمر الأول: بتحكيم رسول الله وسنته عند الخلاف، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]، فكل تنازع وشجار وخلاف لا يمكن أن تصل به إلى رضا الله حتى ترده إلى رسول الله ﷺ ، فكل تنازع لا بد فيه من حكمه ﷺ .
الأمر الثاني: عدم الخروج من حكم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] أي: أنك لا تجد في نفسك حرجاً من حكم رسول الله ﷺ ، ولا تجد فيه أي غضاضة؛ فإن الكثير من الناس إذا قلت لهم: هذا قول رسول الله ﷺ تشمئز قلوبهم، ولو قلت: قال مالك، أو قال الشافعي، أو قال أبو حنيفة فإنه يسر لذلك، ولا يسمع منك قال رسول الله ﷺ ، مع أن هؤلاء الأئمة العظام الأماجد الأكارم قد قدموا رسول الله على أنفسهم، بل وقدموه على الدنيا بأسرها.
الأمر الثالث: التسليم لحكم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ولو انتفت الثالثة انتفت الباقيات، فهي محض الإسلام والاستسلام لله جل في علاه، ومحض الانقياد والإذعان لأمره .
стр. 173
الأدلة على اتباع النبي والتمسك بسنته
стр. 174
أولاً: الأدلة من الكتاب
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وقال الله مادحاً إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، ما من صاحب علم وحكمه تأتيه المسألة أو يعن له الخلاف ثم يقال له: قال فيها رسول الله كذا.
إلا قال: سمعت وأطعت وسلمت لرسول الله ﷺ ، وهذا مناط تمحيص الإيمان في قلب العبد ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ولا يجد في نفسه جرجاً، ولا يجد من نفسه إلا الانقياد والاستسلام، هذا هو الذي آمن إيماناً كاملاً بالله وبرسوله ﷺ .
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فلا اختيار مع أمر الله ورسوله ﷺ ، فإن جاءك الأمر من أمر رسول الله ﷺ فما لك إلا أن تقول: سمعت وأطعت، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله، فإن وجدناه فيه أخذنا به، وإلا لم نأخذ به، ألا وإن ما أحل رسول الله كما أحل الله، وما حرم رسول الله كما حرم الله).
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، فجعل الحسْن كل الحسْن أن ترد المتنازع فيه لله ولرسوله ﷺ ، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، فهذه الآيات المتضافرة تبين أن مناط محبة الله جل في علاه هو اتباع رسول الله ﷺ ، وبالتالي فإن كمال الإيمان بل وأصله هو اتباع المرء لرسول الله ﷺ ، وأما المتهمين للمتمسكين بالسنن ويسمونهم بالتشدد والتطرف؛ بسبب التزامهم بتقصير الثوب، أو بالمحافظة على السواك، فيقال لهم: هذه هي سنة النبي ﷺ ، ولا غرو ولا عجب أن يتمسك المسلم بها، وقد أناط الله الإيمان بالتمسك بهذه السنن.
стр. 175
ثانياً: الأدلة من السنة
أما الأحاديث فكثيرة جداً، ويظهر منها جلياً تطبيق الصحابة والتابعين والفقهاء الأربعة وأصحابهم لهذه القضية العظيمة الجليلة، وهي: أن محض الإيمان هو محض الاتباع للنبي ﷺ ، ففي مسند أحمد عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ : عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي -ثم قال ﷺ : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، فكأن سائلاً يسأل: وماذا نفعل يا رسول الله! إذا وجدنا هذا الاختلاف الكثير، فقال ﷺ : (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)، إلى آخر الحديث.
والشاهد قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
وعن النبي ﷺ كما عند ابن أبي عاصم والمستدرك للحاكم بسند صحيح: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي)، والسنة هي من كتاب الله جل في علاه، وكثير من السلف كانوا يقولون: السنة قاضية على كتاب الله.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال الشافعي: آيات الله الكتاب، وأما الحكمة فهي سنة النبي ﷺ ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، قوله: (وما آتاكم الرسول) أي: من كتاب أو سنة، فهما وحيان من الله، فالكتاب لفظه من الله جل في علاه، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله ﷺ .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فكيف يصبو امرؤ إلى سب وانتقاص من يتمسك بسنة النبي ﷺ ، ويهون من شأنها، ويقول: الدين قشر ولباب؟ إن ذلك تجاسُر وجرءة على سنة النبي ﷺ ، ولن ينجو العبد عند ربه إلا باتباع النبي ﷺ ، فقد أغلق الله كل باب إلا باب رسول الله ﷺ ، ولذلك قال النبي ﷺ : (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وهذا الحديث أشد ما يكون زجراً لهؤلاء، ففي يوم القيامة يرد الناس على حوض النبي ﷺ ، فمنهم من يذاد عن حوضه؛ لأنهم ليسوا من أمته، ثم يرد عليه أناس يعرفهم الرسول الله ﷺ ليشربوا من حوضه، لكنهم يذادون أيضاً من بين يدي رسول الله ﷺ : فيقول: (أصحابي أصحابي، فيقال له: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، أي: لم يأخذوا بسنتك، ولم يقتفوا أثرك، فيقول النبي ﷺ زيادة في النكاية بهم: (سحقاً سحقاً بعداً بعداً لمن بدل بعدي)، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.
ففي يوم القيامة يكون الكرب شديداً، فالشمس تقترب فيه مقدار ميل من الرءوس، ويحتاج المرء فيه إلى شربة ماء تروي ظمأه، وعندما يأخذ الإناء ليشرب يقال له: (سحقاً سحقاً بعداً بعداً لمن بدل بعدي).
стр. 176
ثالثاً: الأدلة من الآثار السلفية
أما الآثار الدالة على اتباع السنة فكثيرة جداً، فعن عمر بن عبد العزيز أنه بعث إليه رجل فقال: اعلم أخي المسلم أن النجاة في السنة، والتزم السنة تعصم.
أي: أن العصمة بالتزام السنة.
وكان سفيان الثوري يبعث ويقول: أعزوا أهل السنة فإنهم غرباء.
ويقول البخاري: رحمة بأهل السنة فإنهم إلى قل، أي: هم قليل.
وأبو بكر بن عياش ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه كان يقول: غربة أهل السنة في أهل الإسلام كغربة أهل الإسلام بين الأديان.
وقال ابن القيم: ليست الغربة التي يجدها المرء المسلم بين أهل الأديان، لكن الغربة كل الغربة التي يجدها الذي يتمسك بسنة النبي ﷺ بين أهل الإسلام.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمسكون بسنة النبي ﷺ ، ويعضون عليها بالنواجذ، وما أتتهم الرفعة والعزة إلا بتطبيقهم لهذه الآية العظيمة، والبرهنة الواضحة الجلية على حب الله جل في علاه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
قال الحسن البصري زعم أناس محبة الله فامتحنهم الله باتباع سنة النبي ﷺ .
لقد كان أبو بكر ﵁ الله أعظم الناس قدراً، وأرفع الناس شرفاً، وأحسنهم مكانة عند رسول الله ﷺ ، وما اعتلى عرش هذه المكانة إلا بشدة تحريه لسنة النبي ﷺ ، فعندما مات رسول الله ﷺ -كما قال أبو هريرة -؛ وارتد من العرب من ارتد، جهز أبو بكر جيشاً وأمر عليه أسامة، وكان هذا الجيش قد أعده النبي ﷺ ، وكان يوصي به قبل أن يموت، فكانت وصية النبي ﷺ بين عيني أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقد ظهرت الردة في كل مكان ولا يمكن أن ينفذ هذا الجيش؛ لأن هؤلاء المرتدين قد يدخلون المدينة فيقتلون الخيار من صحابة رسول الله ﷺ ، فقام مجلس الشورى يعارضون أبا بكر وأولهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ويقول: كيف تنقذ هذا الجيش وأنت تعلم أن العرب قد ارتدت ورمت الإسلام عن قوس واحدة؟ فقال أبو بكر مبيناً أن التمسك بأمور النبي ﷺ وبوصاياه فيها العزة، فقال: والله لأنفذن جيش أسامة، ولأفعلن ما أمر به رسول الله ﷺ .
فلما وجد عمر ذلك التصميم من أبي بكر عرف أن الحق مع أبي بكر، ثم عارضه مرة أخرى فقال: كيف تؤمر أسامة على جيش وفيه الأشياخ من المهاجرين والأنصار؟ وكان وأسامة لم يبلغ العشرين من العمر، فقال عمر: أمر غيره.
فقال: لا والله لا أنزع أميراً أمره رسول الله ﷺ .
فالشاهد من هذا: معرفة شدة تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه وتتبعه لخطى النبي ﷺ ، فذلك هو الذي كتب له الفوز من هذه المخاطرات، ومن هذه الضوائق والبليات التي نزلت عليهم، فلما نفذ وصية رسول الله ﷺ أُرعبت الأمم التي ارتدت ورجعت إلى جحورها ولم تهاجم المدينة، وقال ﵁ كلمته المشهورة: والذي نفسي بيده! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة.
أي: لن أرد وصية الرسول الله ﷺ التي أوصى بها.
وقد ظهر تمسك أبي بكر بسنة النبي ﷺ على الصحابة بأسرهم، ففي صلح الحديبية عندما لم يطق عمر بن الخطاب بنداً من بنود هذا الصلح، وهو: لا بد من رد أهل الإسلام إلى الكفار، وإذا كفر منهم أحد لا يردوه إليهم، والنبي ﷺ يذعن لهذه الشروط، لكن أبا بكر كان موفقاً مسدداً من قبل الله جل في علاه، فقد كان يقتفي أثر النبي ﷺ ويتحرى سنته، فجاء عمر بن الخطاب يستنفر أبا بكر لعله يقنع رسول الله، فيقول: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال: بلى، قال: ولم نعط الدنية في ديننا؟ أي: اذهب واستنفر رسول الله ﷺ ، فقال له أبو بكر كلمات تحفر على الصدور بماء الذهب، ويظهر منها شدة تحري وتمسك أبو بكر ﵁ وأرضاه بسنة النبي ﷺ ، قال: هو رسول الله فالزم غرزه، يعني: تمسك بسنة رسول الله ﷺ ، فإن جاءك الأمر ولم تستطع فهمه فلا بد أن تقبله، وإن لم تستطع تطبيقه فقل قبلته، ولعل الله جل وعلا يقويني على تطبيقه، لكن لا ترد أمر رسول الله ﷺ ، فإنا نخشى عليك الفتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
والفتنة تستلزم الشرك أو الكفر أو النفاق أو البدعة أو العذاب أليم.
فقال: هو رسول الله، يعني: أنصحك نصيحة يا عمر! عليك بسنة النبي ﷺ فعض عليها بالنواجذ، قال: هو رسول الله ﷺ ولن يضيعه الله، فكانت الغلبة والقوة والعظمة مع تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه في تمسكه بسنة النبي ﷺ .
كما ظهر تمسكه ذلك في المسائل الخلافية الفروعية والأصولية، كما يقول أهل التفريق بين الأصول والفروع، مع أن الدين كله متكامل لا فرق بين أصل وفرع، فقد جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأل ميراثها بعدما مات عنها حفيدها، تقول: مات عني ابني فمالي من الميراث؟ قال: لا أعلم في كتاب الله لك من ميراث، ثم عقد جلسة لأصحاب رسول الله ﷺ فسألهم: هل جعل رسول الله ﷺ لها قسطاً أم لا؟ فقال محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة: (جعل النبي ﷺ لها السدس)، فأمضى لها السدس تمسكاً بسنة النبي ﷺ .
يا للروعة! ويا لعظم هؤلاء الأخيار الأماجد! فحق لنا أن نفتخر بهؤلاء؛ لأنهم ما ارتفعوا وما ارتقوا إلا بتمسكهم بسنة النبي ﷺ ؛ برهنة على حب الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو الوزير الثاني لرسول الله ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة في تمسكه بالسنة، وأنه لا يقدم قول أحد على قول رسول الله ﷺ .
فقد كان الأشياخ من المهاجرين والأنصار يجلسون في مجلس التحديث والمذاكرة، فذكروا مسألة وهي: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل فماذا عليه؟ فاختلف الصحابة على قولين، القول الأول: إذا لم ينزل فلا غسل عليه؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الغسل من إنزال المني.
والقول الثاني: عليه الغسل، والدليل على ذلك قوله ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، أي: إذا داعب الرجل امرأته فلامس ذكره فرجها ومس ختانه ختانها فقد وجب عليهما غسل الجنابة، وهذا ما ذهب إليه عثمان ﵁ وجمهور الصحابة.
فلما نظر عمر قال: لا بد من رد المسألة إلى رسول الله عملاً بقول الله تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:٥٩]، فبعث إلى عائشة ﵂ وأرضاها وأخبرها بهذه المسألة، فقالت: (كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك ويغتسل)، ثم ذكرت حديث النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).
وحديث: (إنما الماء من الماء) كما قال ابن عباس: ليس منسوخاً، ولكنه في الاحتلام، أي: أن الرجل إذا رأى في منامه أنه يجامع امرأة وأحس بشهوة ثم قام فلم يجد بللاً فليس عليه غسل، وقد صرح بذلك النبي ﷺ كما في سنن أبي داود: (أن الرجل إذا استيقظ فوجد في ثيابه بللاً كان من احتلام فعليه الغسل، وإن لم يجد البلل فليس عليه غسل).
والمقصود أن عمر بن الخطاب رد التنازع إلى رسول الله ﷺ ؛ ليبين لنا أن أي مسألة مهما يكن فيها من خلاف لا بد من ردها إلى الله ورسوله، لا إلى أبي بكر أو عمر أو إلى الشافعي أو أبي حنيفة: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه يبين لنا شدة تحريه لسنة النبي ﷺ حتى في طريقة الوضوء، فقد روي أنه أوتي بوضوء، ثم غسل يديه ثلاثاً، ثم توضأ كما توضأ رسول الله ﷺ حذو القذة بالقذة.
وهذا ليس تنطعاً ولا تطرفاً، بل هو التماس لسنة النبي ﷺ ، فتوضأ كما توضأ النبي وقال: لقد توضأ رسول الله ﷺ نحو وضوئي هذا وقال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه).
فهذا الثواب العظيم لمن يتحرى سنة النبي ﷺ .
وكان عثمان بن عفان ﵁ ينهى عن المتعة في الحج ويقول بحج الإفراد والقر
стр. 177
ما جاء عن الأئمة الأربعة في شدة تمسكهم بالسنة
إن الكثير من الناس اليوم قلدوا المذاهب على جهل، وارتبطوا بقول الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك وليس هذا انتقاص منهم، فلابد أن نجل هذه المذاهب وأصحابها؛ لأن الله جل في علاه يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، ولكن كل عالم من هؤلاء الأعلام قال: فخذوا بقول رسول الله ﷺ واضربوا بقولي عرض الحائط.
وقد قال الشافعي ﵀: أجمعت الأمة على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.
وكان مالك ﵁ وأرضاه من شدة تعظيمه للنبي ﷺ يمشي في المدينة حافياً احتراماً وتقديراً لصاحب القبر، ثم يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.
فـ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد أصلوا لمذاهبهم، فجاء الأصحاب يأخذون بتأصيلهم، ولكن المقلدة الذين لا يعقلون عن الله ولا عن رسوله ﷺ ، بل ولا عن أئمتهم شيئاً قدموا أقوال الأئمة على أقوال رسول الله ﷺ ، فـ مالك ﵀ لشدة تحريه وتمسكه بسنة النبي ﷺ ما كان يفتي إلا بقال الله قال رسول الله، وإذا غابت عنه سنة قال: لا أعلم، ولذلك جاءه رجل ضرب أكباد الإبل من المغرب إلى المدينة ليسأل عن مسألة فقال: ليس لي فيها سنة ائتني بعد أيام، فأتاه بعد أيام ثم فقال ما تبين لي فيها شيء، فقال الرجل: ضربت أكباد الإبل لأسأل مالكاً أعلم أهل المدينة، ويقول لي: لا أعلم فيها شيئاً، فقال: ارجع إلى من بعثك فقل له ذلك، فرجع إلى المغرب وقال لهم ما قاله الإمام مالك، فانتحل أهل المغرب مذهب مالك؛ لتعظيمه سنة النبي ﷺ .
وجاءه رجل وقال: سأحرم من قبل ذي الحليفة -أي: قبل الميقات- فقال له: لا تفعل، قال: ولم؟ قال: يا بني! كيف تفعل أمراً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ يا بني! إني أخشى عليك أن ترى أنك فعلت أمراً قد قصر عنه رسول الله ﷺ فتكون عليك فتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وكان الإمام الشافعي جالساً مع بعض أصحابه فدخل رجل فسأله فقال أحد تلامذة الإمام الشافعي: هذه المسألة سئل فيها رسول الله وقال فيها كذا، فقال الرجل وكان من الجهلة: يا شافعي! أتقول بقول هذا الرجل؟ وهذا من الجهل، فإن كثيراً من الناس لا يسمع إلا للمشهورين مع أنهم قد يخالفون حديث النبي ﷺ ، وقد جاء في السنن بسند صحيح قال النبي ﷺ : (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن أشير إليه بالبنان فلا تعدوه)، وفي هذه العصور نرى تطبيقاً لما قاله النبي ﷺ .
قال له الشافعي ﵀: وما لي لا أقول بقول رسول الله ﷺ ، أرأيتني خرجت من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زناراً؟! وفي هذا تأسيس وتأصيل للطلبة وللمستفتي أن المسألة قال الله قال رسوله، لا يمكن أن تتقدم بين يدي رسول الله ﷺ .
وأيضاً فإن أبا حنيفة الذي يقال عنه: إنه صاحب الرأي والقياس، وإنه يلقي بالأحاديث خلفه، كان من أشد الناس تحرياً للسنة، لكنه كان يعيش في زمان كثر فيه الوضاعون والكذابون فما كان يأخذ منهم الأحاديث، ولا يثق بهم، فلهذا كان يقيس، لكن إذا استبانت السنة عض عليها بالنواجذ، ولذلك كان يقول: بأن الرجل إذا نكح في الحج صح نكاحه، ويستند إلى ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم)، ولكن ذلك كان وهماً من ابن عباس ﵁، كما قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، ما تزوج النبي ﷺ ميمونة إلا وهو حلال، لكن هذا دليل على أن أبا حنيفة كان يتمسك بسنة النبي ﷺ ، ويقدمها على أقوال الآخرين.
وأحمد بن حنبل ﵀ كان يقول: لا تأخذوا عني ولا عن الثوري، وخذوا من حيث أخذنا، يعني: من رسول الله ﷺ .
وقد نقل عنه بالتواتر أنه قال: الحديث الضعيف أولى عندي من القياس.
تأويل ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: كان في عرف المتقدمين أن الحديث ينقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، والضعيف يأتي فيه ما هو محتج به وما ليس بمحتج به، والمحتج به هو الذي ارتقى إلى درجة الحسن وهو ما بين الصحيح والضعيف، والغير محتج به هو الضعيف إذاً: معنى قول الإمام أحمد بن حنبل أن الحديث الحسن الذي فيه راوٍ خفيف الضبط هو الذي يقدمه على القياس، فكان يأخذ بقول النبي ﷺ ، ثم بقول الصحابة، ثم بقول الشافعي إن لم يجد، أو يأخذ بالقياس في أضيق الأحوال.
إن أصحاب المذاهب رفعوا الأئمة إلى أعظم المكانات لكنهم لم يقلدوهم كما قلدهم الكثير من الناس، فالإمام مالك ﵀ كان يرى المسح في السفر دون الحضر، لكن أصبغ وهو من أتباع الإمام مالك قال: وقد ثبتت سنة النبي ﷺ بالمسح في الحضر والسفر، وهي أحب إلينا من قول مالك.
فأصحاب مالك وهم الذين يدونون مذهب مالك وينصرونه، عندما يسمعون قول النبي ﷺ لا يقدمون عليه قول أحد، وهذه هي وصية مالك حيث قال: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، يعني: قبر النبي ﷺ .
وذكر ابن العربي المالكي أن مالكاً قال: لا صلاة على الغائب، وأنها خاصة بالنبي ﷺ ، فقال ابن العربي المالكي ﵀: وقال مالك ذلك والسنة أحب إلينا؛ إذ الأصل عدم الخصوصية، فقد عمل بها النبي ﷺ فلتعمل بها الأمة، والدليل على ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالخطاب للنبي هو خطاب للأمة بأسرها، وعمل النبي ﷺ عمل للأمة بأسرها.
وأيضاً فقد كان مالك ﵀ لا يرى التتريب في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقال القرافي: لا يرى مالك التتريب، والسنة أحب إلينا من قول مالك.
ويقول الإمام الشافعي ﵀: إذا قلت قولاً خالف قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط، ثم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ولذلك جمع البيهقي كتاباً كاملاً سماه معرفة السنن والآثار، يقول فيه: وهذا مذهب الشافعي، مع أن ذلك لم يقله الشافعي لا في كتابه الأم ولا في غيره، وليس ذلك لا في الجديد ولا في القديم، ومع ذلك ينسبه البيهقي إلى الشافعي ويقول: علق الشافعي الحكم على صحة الحديث وقد صح الحديث، وهو (أن النبي ﷺ قبل إحدى نسائه وذهب للصلاة من غير وضوء) ومذهب الشافعي أن لمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة ينقض الوضوء.
ثم قيل له: حديث عروة (أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه وذهب وصلى ولم يتوضأ)، فقال الشافعي: إن صح الحديث أقول به، فقال البيهقي: وقد صح الحديث فهو مذهب للشافعي.
وأيضاً كان الشافعي يرى في قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أن الصلاة الوسطى هي: الفجر، وأتى بأدلة على ذلك، قال الماوردي: إن الشافعي قال إذا ثبت الحديث فهو مذهبي، وقد ثبت الحديث في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (حبسونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، فالصلاة الوسطى في مذهب الشافعي هي صلاة العصر تمسكاً بسنة النبي ﷺ .
وقد عرف عن النووي أنه لا يمكن أن يخرج عن مذهب الشافعية قيد أنملة إلا إذا جره الدليل القوي، وفي شرح مسلم قال: واختلف العلماء في الوضوء من لحم الإبل على أقوال: فقال الشافعي والجمهور: إنه لا وضوء مما مست النار سواء كان لحم إبل أو غنم، قال: والحجة في الدليل، والدليل مع من يقول بالوضوء من أكل لحوم الإبل.
فخرج عن الشافعية وذهب إلى ما ذهب إليه الحنابلة؛ لأن الحديث هو مذهب كل مسلم.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول الفقيه إن هذه الصفة والسمة التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وهي زعمهم محبة الله جل في علاه ولا يبرهنون على هذا الزعم قد فشت فينا، فزعمنا حب الله وتركنا سنة النبي ﷺ ، فبرهان هذا الزعم أن نعض على سنة النبي ﷺ بالنواجذ، وكذلك سنة أصحابه الكرام الأماجد.
стр. 178
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - حكم أهل الرأي والأهواء والقياس الباطل
لقد بعث الله إلينا رسلاً يعلموننا دين الله، فمتى تركنا تعاليم الأنبياء وسننهم جاءت الأهواء والآراء المتكاثرة لتصرفنا عن كلام الله ورسوله.
وإن مما يبتلى به من يبتعد عن هدي الأنبياء أن يكون عبداً لقياسات فاسدة تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، فكثير من الشركيات الموجودة الآن سببها استعمال القياسات الباطلة، فقد عصى المشركون الله تعالى، وأنكروا صفات الله بسبب هذا القياس الباطل، ولذا فيجب على المرء أن يجتهد في طلب الخير ما استطاع.
стр. 179
الأحكام تؤخذ من الوحي لا من الهوى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا * سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
أما بعد: إخواني الكرام! إن دين الله جل في علاه لا يؤخذ بالأهواء، ولا بالعاطفة, ولا بالرؤى والمنامات, ولا يؤخذ بالآراء وبالقياسات الفاسدة, بل إن دين الله جل في علاه لا يؤخذ إلا مما شرعه الله.
فإن الله خلق الخلق ليعبدوه, وشرع لهم الشرائع ليمتثلوها, وليعبدوا الله بها, ولا يتبعوا الهوى, فإن الهوى يضل عن سبيل الله جل في علاه, قال الله جل في علاه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس:٦٦]، وقال جل في علاه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] وقال الله تعالى ناهياً لرسول كريم من رسله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص:٢٦]، فبين الله له أن إتباع الهوى يضل الإنسان, فالآراء الفاسدة, والقياسات العاطلة, هي التي تضل الإنسان عن الطريق القويم, وعن الطريق المستقيم.
стр. 180
تحذير السلف من اتباع الآراء والأهواء
إن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يا أيها الناس! اتهموا الرأي في الدين, فلقد رأيتني يوم الحديبية أنازع رسول الله ﷺ : ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فهذا ما رآه, وإن كان فيه شيء من الصحة وشيء من الحكمة, لكن الله أعلم بالغيوب, والله جل في علاه يعلم ونحن لا نعلم, ويعلم ما ينفع مما يضر، ثم قال: ثم عملت لذلك أعمالاً؛ لأن الله بين أن الحق مع الرسول ﷺ , وسماه فتحاً.
وعلي بن أبي طالب يقول: أيها الناس! لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من الأعلى؛ لأنه المباشر للنجاسات والمباشر للقاذورات.
فالدين بالشرع ومنه يؤخذ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، والإمام مالك يقول: أسوأ أهل الأرض هم أهل الأهواء.
وقال الإمام الشافعي: حكمي في أهل الأهواء: أن يضربوا بالجريد والنعال, ثم يطاف بهم في القبائل والعشائر, ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة, واتبع الهوى والآراء وعلم الكلام.
فعلم الكلام علم فاسد يفسد صاحبه, ويفسد على المرء قلبه, ويبعده أشد البعد عن الله جل في علاه, لأن الذي يتبع الهوى يبتدع في دين الله لا محالة، وما ازداد عبد ببدعة إلا بعداً من الله جل في علاه, وما ازداد إلا بعداً من رسول الله ﷺ , بل يوم القيامة يمنع من حوض رسول الله ﷺ , ويحرم من أن يشرب من هذا الحوض الذي هو أحلى من العسل, وأبيض من اللبن؛ لأنه ابتدع في دين الله, ولذلك يقول الرسول ﷺ : (سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي, بعداً بعداً لمن بدل بعد).
следующие страницы →