← Акыда

Акыда · id 37683

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (205 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معنى العيافة وأشكالها والعيافة هي: زجر الطير، وهذا من ضروب الكهانة، بل من ضروب السحر الذي قال فيه العلماء: إنه من الشرك. فالعيافة: زجر الطير والاعتقاد في أصواتها وفي أسمائها بل وفي أمكنتها فهم كانوا ينظرون إلى الطيور كالغراب والبوم ويتشاءمون بأصواتها وبأسمائها فمنهم من يعتقد أن البوم إذا وقفت على داره دنا أجله أو منهم من يستمع إلى صوت الغراب فيرى أن شؤماً أو سوءاً سيدركه لا محالة، فهذه الاعتقادات من العيافة. وهذا يخالف التطير؛ لأن فيه حصر لمسألة الاعتقاد في الطير فقط، أما التطير فكان على العموم بالشجر والحجر والأسماء والبشر -كما بينا- فيكون هذا خصوصاً من عموم. والعيافة مما أنكره النبي ﷺ وبين أنه من الشرك كما سنفصل القول في ذلك.

стр. 72

الطرق أيضاً من الاعتقادات التي أنكرها النبي ﷺ ووجدانها في عصرنا هذا: الطرق.

стр. 73

تعريف الطرق الطرق لغة: الخط، فيخط الساحر أو العراف أو الكاهن خطاً أو خطوطاً في الأرض ويزعم أنه بهذه الخطوط يتوصل إلى علوم الغيوب أو المغيبات، فكان بعضهم من أهل الجاهلية يخطون خطاً واحداً أو يخطون خطين ويقول أحدهم بعدما يخط الخطين: ابني عيان أسرع لنا بالبيان، يعني: الخط الأول الابن الأول والخط الثاني الابن الثاني، فيزعمون بأنه سيأتي لهم الخطان بعلوم الغيوب، فينبئون الناس بذلك. وبعض العلماء قال: إن الطرق هو الرمي بالحصى، والرمي بالحصى ضرب من ضروب التكهن فيأخذون الحصى فيلقونها على الأرض فتعطي أشكالاً ورسوماً معينة يستدلون بها على علوم الغيب. مثال ذلك: أن يأتي رجل غر -لا يعرف عن دين الله شيئاً- إلى رجل يحسبه من أولياء الله الصالحين فيقول له: سأتزوج فلانة فهل حياتي معها ستكون حياة سعيدة أم لا؟ فيأتي هذا الكاهن ويخط الخط الأول ويسأله: ما اسمك؟ فيقول: زيد، فيقول: ما اسم المرأة؟ فيقول: هند، فخط خط زيد ثم خط خط هند ثم نظر في الخطين فقال له: هذه الحياة ستكون حياة سعيدة وسيكون لك منها من الولد كذا ومن البنات كذا وتموت يوم كذا وهي تموت بعدك في يوم كذا. فهذا هو الطرق، أي أنهم يخبرون عن الغيب بالخطوط أو برمي الحصى فينظرون في تحركات الحصى فيخبرون عن الغيبيات. ومثل هذا كان يحصل في الجاهلية التي كانت قبل بعثة النبي ﷺ والتي قد يعذر أصحابها لاندراس العلم في زمنهم واندثار الشريعة وفترة الرسل حيث لم يرسل رسول في تلك الأزمنة، أما أهل هذه العصور التي انتشرت فيها العلوم والله جل في علاه نصب أهل الدين الذين يناصرون الدين فإن المرء يندهش مما يرى فيها من انتشار لمثل هذه الجاهليات التي نراها في عصورنا المتقدمة والمتحضرة في القرن الواحد والعشرين، فترى في هذه العصور ما يضاهي الجاهلية، ومن هذه الجاهليات -التي نعيش فيها والتي جاء النبي ﷺ فحطمها وبين أنها من الكفر بمكان- ضرب الودع، وفي مصر يسمونه: وشوشة الودع، وهو حقاً تشويش على القلب، فيأتي أحدهم ويأخذ الودع ويوشوشه، ثم يخبر بما سيحدث مقدماً، ولا تحسبن أن هذا الأمر خفي، والله الذي لا إلا هو إن هذا الأمر لمن الجلاء بمكان، بل إن في وسط الإخوة الملتزمين من يعتقد هذا الاعتقاد الخفي، فمنهم من يتلمس أحداً يخبره عما سيتاجر فيه وهل سيربح في تجارته أم لا.

стр. 74

بعض الاعتقادات الجاهلية المعاصرة المشابهة للطرق وكثير من الناس فيهم هذه الاعتقادات الجاهلية التي تضاهي جاهلية ما قبل البعثة ومنها الضرب بالودع، كذلك الخطوط التي كانت تضرب في الأرض في القديم هي بعينها في عصرنا هذا، فبعض الناس يذهب إلى رجل ممن يدعي الولاية، وأنه ممن يخط الخطوط وأنه من أولياء الله الصالحين الذين كشفت لهم الحجب، وأرسل الله إليهم وحياً بعدما انقطع الوحي بموت رسول الله ﷺ فينبئ بهذه الغيوب. ومن الاعتقادات الباطلة أيضاً قراءة الكف وهذه من أعجب الأعاجيب، فبعد أن تركوا الخطوط على الرمال جعلوها على الأكف والأيدي، فينظر أحدهم في كف المرء فيرى هذه الخطوط المتشابكة فيقول: هذا الخط خط العمر، وهذا الخط خط الزواج، وهذا الخط خط الأولاد، ثم ينبئ بما يشتهي، وهذا العبد الذي يذهب لهذا الخطاط ليخبره بأمور من الغيوب لعل الله يبتليه بصدق هذا الرجل حتى يفتنه في دينه والعياذ بالله. وأنا هنا أذكر هذه الصور لبيان أن حاجة الأمة بل والبشرية إلى نور النبوة أشد من حاجتها للماء والهواء، وأنه بموت الرسول وموت العالم تندرس الشريعة ويتفشى الجهل وهذا الذي حدث في هذه العصور، فبعد أن مات النبي ﷺ ومات العلماء من أمثال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني تلك الشموس المشرقة في سماء إسلامنا، فبعد موت هؤلاء الجهابذة صارت الدنيا كلها تضطرب، وصار الناس يضرب بعضهم بعضاً في الأفكار وفي الأديان، فصار التقرب لله جل في علاه بشتى أنواعه أشواباً أو أخلاطاً؛ لأن العالم الذي تستضيء به وتستنير بعلمه لا تراه، فلما غابت شمس النبوة وقع الناس في الشرك، ثم بعث الله الرسول ﷺ فأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبعدما مات الرسول ومات من بعده من أهل ورثه وهم العلماء تفشى الجهل وظهر في الناس ما ظهر من معتقدات فاسدة. ومن الصور التي ضاهت الجاهلية قراءة فنجان القهوة فبعدما يشرب المرء وتبقى آثاره في الفنجان تنظر المرأة المدعية المتكهنة في الفنجان وترى الخطوط متشابكة في الفنجان وتستشعر بها أو تستلهم بهذه الخطوط ما يحدث مغيباً، فجاهلية قبل البعثة وجاهلية بعد البعثة يتقاربان وإن لم أقل يتساويان، بل لي أن أتنطع وأقول: إن جاهلية القرن الواحد والعشرين تفوقت على جاهلية ما قبل البعثة، فما حكم هذه الجاهليات التي جاء النبي ﷺ بنبذها وجاء النبي ﷺ بقطع دابرها.

стр. 75

حكم الطرق والعيافة وما يشابهها من اعتقادات جاهلية معاصرة إن النبي ﷺ عندما رأى هذه الجاهليات حكم عليها بالكفر، وقال بعدم جوازها، وأن هذا من الشرك بمكان، فلا بد للإنسان أن يترفع عن مثل هذه الأشياء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣] والفسق قد يقصد به الكفر وقد يقصد به ما دون الكفر، لكن المقصود به هنا الكفر، وقد فسرها بعض العلماء تفسيرات كثيرة وأهم هذه التفسيرات: أن تستشرفوا ما قسم لكم مغيباً بهذه الأساليب، ومن هذه المغيبات: ما كُتب لك في اللوح المحفوظ، بل وما كتب لك وأنت في بطن أمك من رزق وعمر وشقاوة أو سعادة. فالحكم الأول: أن الله سماه فسقاً، وهذه وضح النبي ﷺ أنها من الشرك ومن الكفر، فالنبي ﷺ جاء ليبطل هذه الجاهليات، وجاء في حديث متكلم في إسناده -والصحيح إسناده حسن لذاته- أن النبي ﷺ قال: (الطيرة والطرق والعيافة من الجبت)، والجبت اختلف العلماء فيه على قولين: فـ عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وغيرهم من الصحابة والتابعين قالوا: الجبت هو: السحر، وفي تأويل آخر قالوا الجبت: هو الشرك ولا منافة فإن السحر من الشرك كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وفي هذا نجد أن النبي ﷺ ذكر الحديث على سبيل الزجر والردع لهؤلاء هدماً للجاهليات وكأنه يقول: عليكم أن تنفروا من هذه الاعتقادات وتبطلوها.

стр. 76

الفرق بين الطرق والكهانة والطرق ضرب من ضروب الكهانة، وهو إخبار بمغيب عن طريق الخط أو الحصى، والعالم الأرضي هو الذي يتأثر به أما العالم العلوي فلا يدخل في المسألة، أما الكهانة: فهي الإخبار بمغيبات عن طريق السماء وعن طريق الشياطين كما بين النبي ﷺ أن الشياطين يركب بعضهم فوق بعض ويستمع مسترق السمع الكلمة ويقرقرها في أذن صاحبه حتى تنزل إلى الكاهن فيكذب معها مائة كذبة. إذاً: الطرق والكهانة يتفقان ويفترقان، فيتفقان في الإخبار بمغيب، ويفترقان في السبيل الذي يخبر بالمغيب وهذا السبيل هو الذي يجعلنا نفرق بين الحكم الأول والحكم الثاني، والطرق إخبار بمغيب، والغيب غيبان: غيب مطلق وغيب نسبي، ولكل حكم. أما الغيب النسبي فهو: الغيب الذي يغيب عني وعنك ولا يغيب عن الثالث والرابع ومثال ذلك: عندي مال سُرِقَ مني وأنا لا أعرف السارق، ورجل وقف ينظر إلى الواقعة التي وقعت فعلم السارق وعلم مكان السرقة فأصبح هذا بالنسبة لي غيباً أما بالنسبة للذي رأى السارق شهادة وليس بغيب. ومثال آخر: هناك مسجد في الشارقة يقام فيه درس آخر لا نعرف عنه شيئاً فما يحدث هناك هو بالنسبة لنا غيب، أما بالنسبة لأهل ذلك المسجد فهو شهادة. أما الغيب المطلق فهو: الغيب الذي أستأثر الله بعلمه، والذي غاب عن كل الخلق والذي لا يمكن أن يظهر لأحد، سواءً كان ملكاً أو بشراً أو حجراً أو جناً أو إنساً، فإذا خط الرجل الخط ليعرف من سرق المال بهذا الخط فيخبر المسروق بمكان السرقة أو بمكان المال فقد أخبره بأمر غائب عنه، وهو غيب نسبي، فحتى لو لم يعلمه أحد من البشر إلا أن السارق نفسه يعلمه، وكذلك الجني قرين السارق، فالذي يخط يستعين بالجن كالكاهن، فيخبره الجني الذي معه بعد أن يسأل قرين السارق فيخبره قرين السارق فيخبر الخطاط صاحب المال بهذا، فإذاً: أخبره بالغيب النسبي وحكم هذه الإخبارية أن صاحبها قد أشرك شركاً، وبعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية يرى جواز الاستعانة بالجن في المصالح.

стр. 77

حكم الاستعانة بالجن في معرفة كل من الغيب النسبي والغيب المطلق والجني لا يمكن أن يمتع الإنسي بأمر حتى يستفيد منه قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فالاستمتاع هنا متبادل، فلابد للإنسي أن يتقرب إلى الجني بما لا يجب أن يتقرب به إلا إلى الله تعالى وهذه متعة للجني، وبالمقابل تكون متعة الإنسي بإخباره بهذه المغيبات أو بأن يفعل له شيئاً من خوارق العادات والكرامات والمعجزات. وهذا هو محل النزاع وهو أنه لا يمكن للجني أن يخدم الإنسي حتى يتمتع به، فإن قلنا: إنه لا يمكن أن يمتع الجني الإنسي بشيء حتى يتمتع منه هو بصرف القربة له فهذا شرك أكبر، وأما إذا قلنا بأن هناك من الجن -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - من هو مؤمن يحب المسلم الإنسي في الله فيتعاون معه على البر والتقوى ويقاتل أهل الكفر والإلحاد من أجله ويفعل ذلك فهذا جائز، بل إن ابن عثيمين يرجح استحبابه. وأنا أقول: إن أقل ما يوصف به هذا الحال أنه من الشرك الأصغر؛ لأنه أتخذ سبباً لم يشرعه الله وإلا فأين الدليل على أن الله جل في علاه شرع لنا الاستعانة بالجن؟ فالاستعانة عبادة، والعبادة لا تصح إلا لله جل في علاه، فأقل أحوال هذا النوع أنه من الشرك الأصغر، لكن إذا كان الحال وفق القاعدة التي قعدها العلماء من أنه لا يمكن للجني أن يمتع الإنسي إلا أن يتمتع الجني من الإنسي فهذا من الشرك الأكبر، وهذا واضح وجلي في عصورنا فترى كثيراً من الناس يربط المصحف في رجله، ومنهم من يبول على المصحف، وهذا يكون بأمر هؤلاء الجن حتى يمتعوه، بل أكثر من ذلك ترى المشعوذ الذي يقرأ على المصروع تراه يأمره بأن يذبح ديكاً لونه أحمر مختلطاً بالأصفر، أو يذبح ديكاً له رجل واحدة، أو قرداً له ثلاث أرجل، وهذه الأوامر كلها أوامر من الجني أصلاً. أما القسم الثاني فالخلاف فيه هين وهو الإخبار بالغيب المطلق، فإذا أخبر به الكاهن فقد كفر كفراً أكبر من وجهين: الوجه الأول: شرك في الربوبية. والوجه الثاني: يمكن أن نقول شرك في الإلهية لكنه أيضاً في الربوبية. ففي الوجه الأول: يكون قد أشرك في الربوبية لأنه نازع الله في صفة من صفاته ألا وهي العلم بالغيب المطلق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، وهذا أسلوب حصر وهو أقوى الأساليب في الإثبات، وقول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، إلى آخر الآيات، فالغيب كله لا يعلمه إلا الله جل في علاه فمن خط الخط وأخبر بالغيبيات فقد نازع الله في صفة من صفاته. أما في الوجه الثاني فيكون قد كفر لأنه كذّب الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وهذا يقول: أنا أعلم مع الله، فيكون قد كذّب الله وكذب رسول الله ﷺ بفعله هذا، وتكذيب الله وتكذيب الرسول من الكفر بمكان. لكن يرد عندنا إشكال هنا وهو أن النبي ﷺ قال: (كان نبي من الأنبياء يخط خطاً فيخبر بغيب فمن وافق خطه خط هذا النبي فذاك)، فكان نبي من الأنبياء يخط خطاً، إذاً: هذا طرق، والنبي ﷺ يقول: من وافق خطه خط النبي فذاك. والجواب على هذا الإشكال: أن هذه مسألة تعجيزية، وكأن النبي ﷺ يعلق على مستحيل، فبعد أن بين لهم أن الطرق من الشرك أخبرهم أن هناك نبياً كان يخبر بغيب عاملاً بقول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾ [الجن:٢٧] و (إلا) هنا للاستثناء، فهذا النبي الذي خط الخط قد ارتضى الله أن يعلمه شيئاً من الغيب ووسيلة معرفة هذا الغيب عن طريق الخط، فكأن النبي ﷺ يقول: إن فعل هذا النبي كان بوحي وأما أنتم فما عندكم وحي، فمن وافق خطه خط النبي ولن يوافق بحال من الأحوال -وهذا هو المحذوف المقدر هنا- لأن غير النبي يضرب الخط بشكل عشوائي بينما النبي يضربه بوحي من الله، وهذه نظيرها في الشرع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠]، فعلقها الله على مستحيل، فلو دخل الجمل في خرم الإبرة فعندئذ للكافر أن يدخل الجنة، فمفهوم هذا القول أن الكافرين لن يدخلوا الجنة أبداً. مثال آخر من الشرع وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، هنا يأمر الله نبينا أن يقول: لو كان عيسى ابن الله لكان أول من يعبده محمد ﷺ . وهذا تعليق بالمستحيل، ومعناها: أنه لا يوجد لله ولد، فهو سبحانه لم يلد ولم يولد، ولكن لو حدث ذلك فأنا أكون أول عابد له، وهذا أيضاً لا يمكن أن يحدث أبداً؛ لأن أشد الخلق توحيداً لله سبحانه هو رسول الله ﷺ ، ولذلك أمره الله جل وعلا أن يعلق على المستحيل. إذاً: معنى الحديث: كان نبي يخط خطاً بوحي من الله وأنى لكم ذلك فعلق الأمر على مستحيل، يعني: أنه محال أن يحدث لكم ذلك.

стр. 78

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التطير والتشاؤم من العادات الجاهلية التي كانت منتشرة بين الناس: التطير والتشاؤم، فقد كان الناس يتطيرون ببعض الطيور كالغراب والبوم، ويتشاءمون بالأسماء والأيام والحيوان والأشخاص، وهذا كله يقدح في عقيدة المرء لمخالفته لصدق التوكل على الله واعتقاد أن النفع والضر لا يأتي إلا من قبله ، والفأل نقيض للتشاؤم، وهو مندوب ومحمود لما فيه من إدخال السرور على النفس مع حسن الظن بالله .

стр. 79

حقيقة التطير والتشاؤم عند أهل الجاهلية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن أشرف ما في الوجود أن يتعبد المرء لربه جل في علاه، عاملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وأرفع المقامات هو مقام العبودية، وقد بينا فيما مضى بأن أهل الجاهلية كان لهم اعتقادات باطلة؛ ولذلك أرسل الله رسله، وضرب الصراط بين الجنة والنار، وشرع الجهاد من أجل توحيد الإلهية، ومن أجل أن يبطل الاعتقادات الباطلة التي كان يعتقدها أهل الجاهلية، وبينا أن أهل الجاهلية كانوا يتعبدون لله جل في علاه بالشرك، فهم جمعوا بين النقيضين، عبادة الله وعبادة الأصنام. من الاعتقادات الباطلة التي جاء النبي ﷺ لإبطالها الطيرة، وهي من الاعتقادات الجاهلية التي جاء النبي ﷺ فوجد أهل الجاهلية ومشركي العرب يتعبدون لله بها. والطيرة: مصدر من تطير وهو التشاؤم، وهذه الطيرة مأخوذة أصلاً من الطير، حيث كان أهل الجاهلية يعتقدون في الطير، فكان الواحد منهم إذا أراد الزواج أو أراد التجارة أو أراد الرحلة في السفر لأمر ما كان ينظر في الطير وهو يطير، فإن ذهب الطير يميناً تيمن، وقال: هذا من البركة فرحل أو مضى على ما أراد، وإن ذهب الطير شمالاً تشاءم، وقال: هذا من الشؤم بمكان فأوقفه. إذاًًً: فالطيرة هنا هي ما رده وأمضاه، فإن وجد اليمين قال: يمن وبركة فأمضى ما يريد، وإن وجد الشمال تشاءم، وقال: نقف؛ لأن السوء سيأتي من هذا، هذا أصل الطيرة عند أهل الجاهلية، ثم عمموا المسألة وما وقفوا عند مسألة الطير فقط، بل تشاءموا بالأشخاص والأفراد والأشجار والأحجار بل والأيام والشهور والسنين والجمادات، فكانوا يتطيرون بالغراب وبالبوم وبعض الطيور الأخرى ويتطيرون أيضاً بالثعالب، فإذا رأى أحدهم ثعلباً لم يذهب إلى ما أراده من تجارة أو من زواج، وأعجب من ذلك أنهم تطيروا بالصالحين وتشاءموا بهم!! وهذا عكس ما جاء به النبي ﷺ وعكس ما شرعه الله جل في علاه، إذ البركة مع أهل الطاعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] فسبب البركات هو الإيمان، ولذلك ترى الفاجر الفاسق عنده آلاف من الدراهم ومع ذلك لا يدري فيما أنفقت، بينما الرجل الصالح ترى عنده مائة درهم ومع إنفاقه منها لم تنته؛ لأن فيها البركة، وهذا مصداقٌ لقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] فالرزق مع الصالحين؛ ولذلك قال العلماء: إن المرأة الصالحة بركة في البيت، والمرأة الطالحة شؤم في البيت. فإذاً: المقصود أن هؤلاء الجاهلين كانوا يتطيرون بأهل الصلاح، وهذا ترسم منهم لسنن الأمم السابقة حذو القذة بالقذة، فإن اليهود والنصارى كانوا يتشاءمون ويتطيرون بأنبيائهم ورسلهم، فقوم صالح قالوا: إنا تطيرنا بكم، وأيضًا قوم موسى تطيروا بموسى ومن معه، وأيضًا تطيروا بنبينا محمد ﷺ ، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] كأنهم يقولون: يا محمد بسبب شؤمك وشؤم ما أتيت به -حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ من ذلك- حدث لنا من القحط والجدب وعدم الرزق ما حدث، ويرد الله عليهم بقوله: إنما ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: شؤمكم بفعلكم، وبقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] يعني: من فعلك ومن ذنوبك وبسبب تفريطك، فإن الله جل في علاه يصيب الأمم بسبب الذنوب والمعاصي، ويعفو عن كثير سبحانه جل في علاه، قال : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] يعني: أن الفتنة قد تعم، فهؤلاء الجاهليون كانوا يتطيرون بأهل الصلاح، وكانت هذه الجاهلية الجهلاء العمياء قبل مبعث النبي ﷺ ، فبعث الله النبي ﷺ ليبطل هذه الاعتقادات الباطلة، فما بالنا نرى اعتقادات أهل الجاهلية قد عادت في زماننا وفي عصرنا، فهناك أناس يتطيرون بالصالحين كما كان أهل الجاهلية يتطيرون بالصالحين، وأيضًا يتشاءمون بالطيور وبغيرها كما كان يفعل أهل الجاهلية، أما رأيت أخي الكريم أن بعض أهل الكتاب يتشاءمون بالألقاب وبالطيور، بل وبالأشكال وبالبشر، وكذلك بالأرقام فبعض أهل الكتاب يتطيرون بالرقم ثلاثة عشر، وبعضهم يتطيرون بالرقم عشرة، وأهل البادية يتطيرون بالرقم سبعة، ومنهم من يتطير بالبشر ذوي العاهات، فإذا رأى رجلاً أعور قال: هذا عوار في حرفتي ومهنتي، لا أذهب إليها اليوم، وإذا رأى امرأة عجوزاً يقول: هذه عجوز نحس لا يمكن أن أذهب إلى العمل هذا اليوم، بل تفوقت جاهلية هذا العصر على جاهلية مشركي العرب بأنهم إذا ضحكوا كثيراً قالوا: اللهم اجعله خيراً، مع أن الضحك الكثير يعمق في قلبك التوحيد والإيمان؛ لأن الذي أودع في قلبك هذا الضحك وأدخل عليك السرور هو الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] كذلك إذا علمت بأن الله هو الذي سبب لك هذه الأسباب لإدخال السرور عليك علمت أن المنة من الله، فتعبدت لله بشكر هذه المنة وهذه النعمة، لكن هؤلاء إذا ضحكوا كثيراً قالوا: اللهم اجعله خيراً، هذا الضحك الكثير لن يأتي بالخير، ويتشاءمون أيضًا بحركة العين، فيقول أحدهم: عيني تتحرك، فهناك مصيبة ستقع، وهذه من اعتقادات الجاهلية الظاهرة الآن بين أيدينا، كذلك هناك من يتشاءم بيوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء، بل ويتشاءمون ببعض أفعال الأولاد الصغار، فإذا وجدوا ولداً أخذ مقصاً ففتحه وأغلقه فإن هذه الفتحة وهذه الإغلاقة عندهم مؤذنة بحدوث مصيبة في البيت، كأنْ يشب حريق في هذا البيت، فهذه كلها من الاعتقادات الباطلة التي شابه بها أهل الإسلام أهل الجاهلية.

стр. 80

الأحاديث النبوية الدالة على تحريم الطيرة والتشاؤم إن الله جل في علاه لم يرسل رسوله إلا ليبطل الاعتقادات الباطلة، فحري بأمثالنا أن نعلم كيف أبطل رسول الله ﷺ هذه الاعتقادات، فنبطلها في عصورنا كما أبطلها، ومعلوم أن الشرع جاء بإبطال هذه الاعتقادات وأنكرها أيما إنكار، فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (الطيرة شرك) وفي رواية في المسند: (الطيرة شرك الطيرة شرك) وعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه في سنن أبي داود أو في غيره: (الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) ويقول النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة) وهذا نفي بمعنى النهي، فقول النبي ﷺ (لا عدوى ولا طيرة) يعني: أن تتطيروا وأن تتشاءموا فهذا التشاؤم وهذا التطير حرام عليكم، والأصل في النهي التحريم، وهذا من إبطال النبي ﷺ لهذه الاعتقادات الباطلة، وقول النبي ﷺ : (من ردته الطيرة فقد أشرك) وهذا حديث متكلم فيه لكن يستأنس به، فقوله: (من ردته الطيرة فقد أشرك) يعني: من ردته الطيرة عن إمضاء عمله أو زواجه أو سفره فقد وقع في لون من ألوان الشرك. إذاً: جاء الشرع بإبطال هذه العقيدة الباطلة والفاسدة التي كانت في الجاهلية، وشابه فيها أهل الإسلام أهل الجاهلية، وبهذا يكون التشاؤم حرام لا يجوز بحال من الأحوال.

стр. 81

أنواع التطير وحكم كل نوع والتطير له حكمان، الحكم الأول: شرك أصغر، والحكم الثاني: شرك أكبر، فالتشاؤم شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر، أما الشرك الأصغر بالنسبة للتشاؤم فهو منبثق من قول النبي ﷺ : (الطيرة شرك) ثم أكد ذلك فقال: (الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك) وقال النبي ﷺ : (من ردته الطيرة فقد أشرك) فهذا تصريح بالشرك. والأصل في التشاؤم أنه من الشرك الأصغر حتى تأتي القرائن التي تثبت أنه من الشرك الأكبر؛ لأن الأحاديث التي صرحت بأن التشاؤم من الشرك كلها ذكرت الشرك نكرة، ولم تذكره معرفاً وقد قعدت في هذا المجلس في أكثر من موضع وبيَّنت أن الشرك أو الكفر إذا ذكر في الحديث أو ذكر في الآية نكرة دل على الشرك الأصغر، وإذا ذكر معرفاً دل على الشرك الأكبر، فمن أمثلة الشرك الأكبر والشرك الأصغر: قول النبي ﷺ : (ثنتان في أمتي هما بهم كفر ومنها: النياحة على الميت) فقوله هنا: (كفر) نكرة والنكرة تدل على أنه من الشرك والكفر الأصغر، وهو الكفر العملي لا الكفر الاعتقادي، يعني: لا يخرج صاحبه من الملة، والدليل على أن النياحة على الميت أو لطم الخدود أو شق الجيوب لا يخرج من الملة الاستقراء والإجماع، أما بالنسبة للتعريف فهناك فرق، كقول النبي ﷺ : (بين المرء وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة) وهنا يظهر أن ترك الصلاة كفر أكبر؛ لأن النبي ﷺ ذكره في الحديث معرفاً، ففرق بين المعرف وبين النكرة. إذاً: فقول النبي ﷺ : (الطيرة شرك) هناك دلالات تدل على أنها شرك أصغر: الأولى: أن النبي ﷺ ذكره نكرة ولم يذكره معرفاً. الحالة الثانية: أن النبي ﷺ جعل له كفارة؛ لأن النبي ﷺ لمَّا سئل عن الطيرة، قال: (الطيرة شرك، ثم قال: وأحسنها الفأل، قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟) فجعل لها كفارة ﵊، والقاعدة عند العلماء في التفريق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر الكفارة، فإن كان له كفارة فهو من الكفر الأصغر والشرك الأصغر، وإن لم يكن له كفارة إلا التوبة فهو من الكفر الأكبر والشرك الأكبر، دلالة ذلك الحلف بغير الله، قال النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) وهذا شرك أصغر؛ لأن النبي ﷺ جعل له كفارة، قال: (من أقسم باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) فجعل له كفارة، فالذي له كفارة يدل على أنه كفر أصغر، (فقالوا: يا رسول الله! فما كفارة ذلك؟ فقال النبي ﷺ : قولوا: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) فجعل للمتطير كفارة وهذا يدل على أنه شرك أصغر. فمن تطير أو تشاءم أو رأى رجلاً وقال: إن هذا الرجل شؤم، فلن أذهب إلى العمل اليوم، فإن كفارته وعلاجه أن يقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) فقد جعله النبي ﷺ كفارة، ودل ذلك على أنه من الشرك الأصغر. الحالة الثالثة: أنه وسيلة للشرك الأكبر وليس شركاً أكبر؛ لأنه يعتقد اعتقاداً تاماً في الله جل في علاه، فأنت لما تسأل الرجل الذي ينظر إلى عجوز ويقول: هذه المرأة العجوز ما رأيتها مرة إلا وضاع مالي، وما رأيتها مرة إلا وفشل زواجي، وما رأيتها مرة إلا وحدث كذا وكذا في العمل، فهو كلما نظر إلى هذه المرأة تشاءم منها، فهذا الرجل الذي يتشاءم من هذه المرأة لو أننا سألناه: هل المرأة تنفعك أو تضرك؟ لقال: لا والله، النافع والضار هو الله، فهذا الرجل اعتقد اعتقاداً صحيحاً في ربه، وقال: إن النافع والضار هو الله، ولا أحد يتحكم في الكون إلا الله جل في علاه لكن هذه المرأة سبب في الشؤم الذي يأتيني، فإنني كلما أراها تحدث لي المصائب.

стр. 82

بعض القواعد المهمة في مسائل العقيدة هناك قواعد مهمة في مسائل العقيدة: القاعدة الأولى: أن صرف العبادة لله توحيد وصرفها لغير الله شرك. القاعدة الثانية: وهي الأهم: من اتخذ سبباً لم يشرعه الله سبباً لا شرعاً ولا كوناً فهو شرك أصغر، ومن اعتقد به فهو شرك أكبر. ومعنى قوله: (لا شرعاً ولا كوناًً) تدل على أنه قد أشرك شركاً أصغر، فكأنه يقول: هذه المرأة بلاءٌ، وأنا لو قلت: إن سبب البلاء الذنوب لَماَ أخطأت؛ لأن الله جل وعلا ربط البلاء بالذنب، قال بعض السلف: (ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة). إذاً: في الشرع أن سبب البلاء هو الذنب، لكن كونه يقول: إن سبب البلاء هي المرأة السوداء أو العجوز، فهذا ليس من شرع الله، فمن ادعى على الله وقال: إن سبب المصيبة التي حدثت لي هي المرأة السوداء أو العجوز فقد ادعى على الله زوراً وبهتاناً، وقد اتخذ سبباً لم يشرعه الله سبباً، فوقع في الشرك الأصغر؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فنقول: من اتخذ سبباً لم يشرعه الله سبباً شرعاً ولا كوناً فقد أشرك.

стр. 83

الأسباب الشرعية والأسباب الكونية وحكم العمل بها هذه أمثلة تبين الأسباب الشرعية والأسباب الكونية، فمن الأسباب الشرعية: استعمال العسل في التداوي به والاستشفاء، والله جل وعلا قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] فهذا سبب شرعي صحيح، وكذلك ماء زمزم من الأسباب الشرعية، فرجل عنده ثقب في المعدة وشرب ماء زمزم فشفي، وامرأة كانت مريضة جداً فقيل لها: اشربي ماء زمزم، ولكن اعتقدي في ربك بأنه هو المسبب وأن ماء زمزم سبب في شفائك، فاعتقدت في حديث النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وأروع ما يضرب في ذلك مثلاً الذهبي فقد كان له زمزمية كان يشرب فيها ماء زمزم، وكان الحافظ ابن حجر يرى أن قوة حفظ الذهبي من ذلك، فقال: تذكرت حفظ الذهبي وشربه لماء زمزم، فقلت: أشرب ماء زمزم حتى أصل إلى ما وصل إليه الذهبي في الحفظ، قال: فما زلت أشرب ماء زمزم وأدعو الله أن أصل إلى حفظ الذهبي حتى تعديت حفظ الذهبي، فقد كان الحافظ ابن حجر آية في الحفظ، كان يجلس ويملي من حفظه وحين ينتهي تقوم زوجته وتملي من حفظها، فشربه لماء زمزم سبب شرعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (ماء زمزم لما شرب له). فالله ربط النتائج بهذه الأسباب. أما الأسباب الكونية فهذا ظاهر في الأدوية التجريبية التي لا نعاتب عليه شرعاً، ومنها: (البندول) (فالبندول) سبب كوني، فقد جربه العلماء والأطباء فوجدوا أنه علاج للصداع، فهذا يُعَدُّ سبباً كونياً بالتجريب، فإن الله جل في علاه جعل الشفاء مع استخدام هذا (البندول)، لكن لو جاء رجل إلى رجل آخر مريض بالصداع فقال له: عندي لك دواء من أفضل الأدوية، فقال: ما هو؟ قال: أن تربط الصوفة على رأسك ليلاً فإن هذا الصداع سيذهب، فقال له المريض: متأكد؟ قال: نعم، فأخذ المريض الرباط وربطه على رأسه، فجاء الفقيه -المعتقد في ربه اعتقاداً صحيحاً، الذي تعلم علم التوحيد وعمل به ثم علمه للناس- إلى المريض فقال: لماذا تربط هذه الصوفة قال: عندي صداع، قال: هل تعتقد أن هذه الصوفة تشفي؟ قال: لا والله، فقال الفقيه: الحمد لله قد خرجت من الشرك الأكبر؛ لأنك اعتقدت أن الشافي هو الله، واعتقدت أن هذه الصوفة سبب في الشفاء، لكن لو ذهبنا إلى الطبيب وقلنا له: يا طبيب هل هذه الصوفة قد جربتها في المرضى وشفوا بها؟ قال: لا، والله ما رأينا ذلك في الطب، ثم ذهبنا إلى العجائز وسألناهن: هل جربتن هذه الصوفة فوجدتن فيها شفاء؟ قُلْنَ: لا ما وجدنا فيها شفاء، فقال الفقيه: إذاًً: أنت وقعت في الشرك الأصغر؛ لأنك اتخذت سبباً لم يشرعه الله سبباً لا شرعاً ولا كوناً، فقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. إذاً: من اعتقد اعتقاداً جازماً صحيحاً في ربه أنه النافع والضار واتخذ سبباً لم يشأ الله أن يجعله سبباً، فقد وقع في الشرك الأصغر.

стр. 84

كيفية الارتقاء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر في التشاؤم الأصل أن التشاؤم شرك أصغر، وهو نادر الارتقاء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، لكن كيف يرتقي المرء من الشرك الأصغر بالاعتقاد الفاسد إلى الشرك الأكبر؟! أقول: الشرك الأكبر خطر عظيم؛ لأن المرء بهذا الاعتقاد الفاسد سيخلد في نار جهنم، إلا أن تتداركه رحمة الله جل في علاه فيخرج من هذا الشرك إلى التوحيد. نقول: يرتقي المرء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر إذا اتخذ سبباً لم يشرعه الله سبباً، واعتقد في هذا السبب أنه ينفع ويضر، فهذا قد خرج من الملة وأشرك شركاً أكبر؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذه القاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية، فلو سمع رجل بامرأة هي من الجمال بمكان ومن الدين بمكان، وأراد الزواج منها، فقال: سأجعل الطير يطير، فإن ذهب يميناً ذهبت وتزوجتها، وإن ذهب يساراً فلن أذهب ولن أتزوجها، فسئل عن ذلك، فقال: هذا الطير هو الذي يمتلك إساءتي في هذه المرأة أو سعادتي فيها، فهذا يرتقي إلى الشرك الأكبر. أو رجل ربط صوفة بسبب التعب أو المرض الذي أصابه في يده، فقلنا له: لم ربطت هذه الصوفة؟ قال: هي تنفعني في مرضي وتشفيني ولم يقل: بإذن الله، فاعتقد فيها اعتقاداً باطلاً، فمن اعتقد في غير الله من شجر أو حجر أو بشر ما لا يعتقد إلا في الله فقد أشرك شركاً أكبر؛ لأن النافع والضار والمحيي والمميت والمبدئ والمعيد هو الله، فمن اعتقد في أن هناك من البشر من يحيي ويميت، ومن يبدئ ويعيد، ومن يرزق ويمنع الرزق، ومن يرفع ويخفض، فقد خرج من الملة؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق، فجعل لله نداً في الربوبية وفي التصرف في هذا الكون؛ ولذلك لما سئل النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك). إذاًَ: الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر، الشرك الأكبر أن يعتقد في هذا السبب، فإن لم يعتقد في هذا السبب فنقول: هذا من الشرك الأصغر وله حكم الطيرة.

стр. 85

حكم الفأل هناك مسألة أخرى تتعلق بالطيرة ألا وهي: الفأل، فهناك فأل حسن، وللمرء أن يتفاءل، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يعجبني الفأل)، وقال: (الطيرة شرك وأحسنها الفأل)، وكان النبي ﷺ يسأل عن أمير الجيش أو أمير السرية فإن وجد اسمه رابح أو ناجح أو فائز استبشر وتفاءل، وأيضًا عندما رأى النبي ﷺ في صلح الحديبية سهيل بن عمرو قال: (سهل الله عليكم أمركم)، وقد كان ذلك حقاً بعقد الصلح مع سهيل بن عمرو. إذاً: المقصود أن الفأل من الشرع وهو عكس الطيرة، فالطيرة تشاؤم، والتفاؤل: هو أن يتحرك المرء لفعل شيء بكلام حسن قد سمعه، أو إشارة حسنة قد رآها، كأن يكون مثلاً تاجراً يريد السفر ليتاجر بتجارة، فيسمع رجلاً يقول: بضاعتك رابحة تجارتك فائزة أنت ناجح أنت رابح أنت فائز فيدخل عليه السرور فيستبشر خيراً ويمضي قدماً في تجارته، فهذا هو الفأل، فالفأل له أصل شرعي من قول النبي ﷺ ومن فعله.

стр. 86

العلاقة بين الفأل والطيرة والفرق بينهما هناك علاقة بين الفأل وبين الطيرة، فهما يتفقان ويفترقان، فيتفقان في الهمة بالتحريك والدفع، فالطيرة تدفع والفأل كذلك يدفع، لكن الفأل مأمور به محثوث عليه والطيرة لا، فهذا الاتفاق بينهما أنه يمضي المرء أو يرد المرء بالفأل وبالطيرة، والافتراق في أمور كثيرة، منها: الأمر الأول: أن الفأل الحسن مأمور به شرعاً، قال النبي ﷺ (يعجبني الفأل)، وأما الطيرة فقد نهى النبي ﷺ عنها، ونحن ندور مع الشرع حيث دار، فأنت مربوب لربك، وعابد لله جل في علاه، تقول: سمعت وأطعت واستسلمت لأوامر الله، والله مدح إبراهيم باستسلامه التام لأوامر الله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] كأن الله جل وعلا قال لإبراهيم: استسلم لأوامري، فقال استسلمت، فمدحه الله جل في علاه لذلك. إذاًً: فمحض العبودية أن تستسلم استسلاماً تاماً لله جل في علاه، فتعلم أن الشرع قد أباح الفأل، فتقول: آمنت بالفأل سبباً وأعتقد اعتقاداً جازماً في ربي. ونهى الشرع عن الطيرة فتقول: قد حرمت الطيرة على نفسي؛ لأن الشرع قد حرمها. الأمر الثاني: أن الفأل من باب حسن الظن بالله، وحسن الظن بالله أمر الله جل في علاه به، وأمر به رسوله ﷺ ، فقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن النبي ﷺ أن الله قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن خيراً فله) فحسن الظن بالله من أتم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه. أما الطيرة فهي سوء ظن بالله، وسوء الظن بالله إن لم يصل إلى الشرك الأكبر فهو من أكبر الكبائر، قال الله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] وقال النبي ﷺ قال الله : (فمن ظن بي خيراً فله ومن ظن بي شراً فله) يعني: عليه ذلك الظن. إذاً: حسن الظن بالله جل في علاه من باب الفأل، والطيرة من باب سوء الظن بالله جل في علاه. الأمر الثالث: أن الفأل وسيلة إلى التوحيد الكامل لله جل في علاه فهو وسيلة إلى كمال التوحيد؛ لأنه وسيلة إلى تمام التوكل على الله جل في علاه والاطمئنان إليه سبحانه، كما قال الحسن البصري: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يذهب لغيري، فاطمأن قلبي. يعني: علم أن ربه هو الذي يدبر شئونه وأموره، فاطمأن قلبه لله جل في علاه. إذاً: هو وسيلة إلى كمال التوحيد. أما الطيرة فهي وسيلة إلى الشرك؛ لأن بها ضعفَ التوكل على الله جل في علاه، وبها يتسخط المرء على أقدار الله جل في علاه، وبها يصل المرء إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله. الأمر الرابع: أن الفأل يدخل السرور على المرء وهذا أصل شرعي، والأصل منبثق من حديث النبي ﷺ (من أفضل العبادات سرور تدخله على مسلم) بأن تقضي له حاجته أو دينه، أو تنفس له كربته، فهذه من أفضل الطاعات التي تتقرب بها إلى الله جل في علاه. إذاً: الفأل فيه إدخال السرور على المسلم وهذا أمرٌ محسوس، أما الطيرة ففيها إدخال الهم والحزن على المرء، فيصل بالمرء إلى التسخط على أقدار الله جل في علاه، وهو منبوذ شرعاً؛ ولذلك فإن النبي ﷺ كان يستعيذ منه ويقول: (أعوذ بك من الهم والحزن).

стр. 87

علاج التطير ما من أحد إلا ويحدث له التطير، بل إنني قد أسمع كلمة من رجل فأجد في قلبي انقباضاً من هذه الكلمة، ثم أرجع وأقول: أعوذ بالله من الجاهلية التي نحن فيها، وأقول: اللهم لا خير إلا خيرك، فما من أحد إلا ويأتي له هذا الهاجس وهذه الوساوس التي من الشيطان، وقد حدث ذلك مع من هو خير منا، فقد حدث مع الصحابة، بل يقول ابن القطان حديثياً: بل حدث مع النبي ﷺ ، لكن هذا مختلف فيه في مسألة الإدراج كما سنبين، أقول: إذا تطير المرء أو جاء الشيطان وجثم على قلبه وصدره، فوسوس له بهذه العقيدة الفاسدة أو بهذا التشاؤم فلا بد أن يعالج هذا الأمر، ولا بد أن نفرق أولاً في المسألة بين العمل بالطيرة وبين تحديث النفس، فالمرء يؤاخذ بالعمل ويحاسب عليه، ولا يؤاخذ المرء بتحديث النفس، ودليل ذلك حديث النبي ﷺ حيث قال: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم) ولذلك نقول: الوسوسة والخاطرة التي تأتي في القلب بالتشاؤم هذا لا يحاسب عليه المرء حتى يترجم ذلك إلى عمل، والدليل على ذلك الحديث الذي فيه شيءٌ من الضعف، لكن يستأنس به وهو قول النبي ﷺ : (الطيرة ما أمضاك أو ردك). إذاً: الطيرة مقياسها أن تُحدث في نفسك التشاؤم أو التفاؤل، فتمضي قدماً أو تتراجع، فما حدث المرء به نفسه فعليه أن يزيله، فيعالجه بثلاثة أمور: أولاً: صدق التوكل على الله جل في علاه، وهو أن يعتقد المرء اعتقاداً جازماً بأن خزائن السماوات والأرض بيد الله جل في علاه، وبأن الله هو النافع والضار لا أحد غيره، فمن توكل على الله حق التوكل فقلبه معلق بمن فوق العرش الذي يدبر شئون الدنيا بأسرها، كذلك من وثق بالله تمام الثقة مع صدق الاعتماد على الله جل في علاه بجلب المنفعة ودفع المضرة فإنه لا يعتمد لا على طير ولا بشر ولا شجر ولا حجر وهذا أول علاج، ودليل ذلك حديث ابن مسعود في سنن أبي داود وفي غيرها من السنن بسند صحيح قال ابن مسعود: قال النبي ﷺ : (الطيرة شرك الطيرة شرك -أكد ثم قال-: وما منا من أحد إلا -يعني: تسقط في قلبه هذه الوساوس-ولكن يذهبه الله بالتوكل). فلم يذكر الداء إلا وذكر معه الدواء، وهذا باب واسع جداً في هذا الشرع الحنيف، قال النبي ﷺ : (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء) وهذا يبين أن هذا الدين متكامل في كل شيء؛ فهو ما ذكر ترهيباً إلا وذكر ترغيباً، وما ذكر ناراً إلا وذكر جنة، وما ذكر داءً إلا وذكر دواء، وما أغلق باب شر إلا وفتح باب خير، مثال ذلك: (لما جاء بلال بتمر جنيب -أي: تمر جيد- إلى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا يا رسول الله إنا نأخذ الصاع من هذا بصاعين من ذلك) فلما قال للنبي ﷺ هذا الكلام تأوه منه، وهذا يبين أن الصحابة قد يقعون في الخطأ، لعدم علمهم، فيعذرون بجهلهم، ثم يتعلمون فيتداركون الأمر، فقال له النبي ﷺ : (أوه، هذا عين الربا لا تفعل هذا) يعني: إن فتح باب الربا يفتح باباً من أبواب النار، فالنبي ﷺ أغلق عليه باب المبادلة، مع أنهم يحتاجون إلى أكل التمر الطيب، لكنه فتح لهم باباً آخر أباحه الشرع الحنيف فقال (يا بلال بع الجمع -الرديء- بالدراهم واشتر بالدراهم جنيباً) والآن تجد المرأة تذهب إلى سوق الذهب لتبديل الخاتم أو الإسورة المتكسرة، أو يأخذها زوجها ويقوم بتبديل المتكسر من الذهب بالسليم مع دفع الفارق، وبفعله هذا يقع في الربا وهو لا يدري، فنقول له: لا تبدل ذهباً بذهب مع الفرق؛ لأن هذا عين الربا، وإذا علمت المرأة بأنه ربا صرخت في زوجها وقالت: ماذا أفعل؟ فقال لها: أسأل أهل العلم، فسأل أهل العلم، فقالوا له: هذا عين الربا، لكن بع المكسر بالدراهم واشترِ بالدراهم الذهب الجديد. فالنبي ﷺ يعلمنا ويبين لنا أن الدين الحنيف إذا أغلق باباً من الشر فتح لنا باباً آخر من الخير. السبب الثاني في العلاج: أن تقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك) وهذا الدعاء لا بد أن يلتزمه المرء إذا طرأ على قلبه هذه الوسوسة.

стр. 88

الخلاف في نسبة قوله: (ما منا إلا) في حديث الطيرة إلى النبي ﷺ وقد اختلف العلماء في قوله: (ما منا إلا) هل هو من قول النبي ﷺ أم من قول ابن مسعود؟ يقول ابن القطان: الأصل في الحديث أنه موصول، وأن هذا الكلام أصله من كلام رسول الله ﷺ . يعني: إذا كان النبي ﷺ تكلم به أولاً فآخره من كلام النبي ﷺ ، إلا أن تأتي قرينة تثبت أنه ليس من كلام النبي ﷺ ، وجمهور المحدثين متفقون على أن قوله: (وما منا إلا) مدرج من قول ابن مسعود، ولكن ليس هناك قرينة تبين ذلك، فيكون النبي ﷺ هو الذي قال: (الطيرة شرك وما منا إلا) يعني: يقع في قلبه الوسوسة بالطيرة (وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل). لكن هناك قرينة قوية ذكرها بعض الإخوة وهي حظ الشيطان الذي أُخِذَ من قلب رسول الله ﷺ ، وكذلك إسلام قرينه، قال ﷺ : (فأعانني عليه أو فأعنت عليه فأسلم) ومن هنا نعلم أن النبي ﷺ هو أتم الناس توحيداً وأنظف الناس قلباً وأعمق الناس توكلاً على الله، وهذه قرينة كافية تبين لنا أن قول: (ما منا إلا) هو من قول ابن مسعود نفسه وليس من قول رسول الله ﷺ .

стр. 89

وسائل علاج الطيرة والتشاؤم إذاً: أول ما يعالج به المرء الطيرة التوكل، ثم الدعاء: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) كأنه يقول: أعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا تحول من الشر إلى الخير إلا بقوة الله، ولا تحول من الخير إلى الشر إلا بقوة الله وبقضاء الله وقدرة الله جل في علاه، وأيضًا هناك دعاء آخر: (اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك) يعني: أنت الذي تملك الطير كله، سواء التشاؤم أو الطير المحسوس الذي نراه أمامنا؛ لأن الطير لا يملك شيئاً ولا يملك رزقاً ولا يملك أن يمنع الرزق. وقوله: (اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك) كأني أقول: أتممت توحيد الإلهية واعتقدت اعتقاداً جازماً بأن النافع والضار هو الله، ولم أتخذ سبباً لم يشرعه الله؛ لأن اتخاذ السبب الذي لم يشرعه الله جل في علاه والعياذ بالله من الشرك. والعلاج الثالث: الإمضاء، يعني: أن يمضي المرء إذا أراد أن يسافر أو يتزوج أو يتاجر، فلا يكون ممن إذا وجد امرأة قال: إن هذه المرأة امرأة سوء، أو هذه تجارة كاسدة، فنقول لمثل هذا: اتق الله فإنك ستقع في الشرك بسبب ذلك، لكن اذهب وامض إلى تجارتك معتمداً متوكلاً موافقاً مصدقاً بأن الأمر كله بيد الله جل في علاه، وقل اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، فإذا أتممت توكلك على الله جل في علاه وأحسنت الظن بربك فسيأتيك حسن ظنك بربك وفق ما قاله رسول الله ﷺ عن الله : (أنا عند ظن عبدي بي فمن ظن بي خيراً فله) وهذا آخر الكلام على مسألة الطيرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 90

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التوكل على الله وأحكام التمائم التوكل على الله تعالى هو عصب الدين وركنه العظيم، وما حدث الشرك في الجاهلية إلا عند غياب التوكل على الله، فظهر بسبب انعدام التوكل التعلق بالأصنام والأحجار، والاستشفاء بالرقي والتمائم المؤدية إلى الشرك، فعلى المؤمن أن يكون حذراً مما يخدش عقيدته؛ سداً لذريعة الشرك، وحفاظاً على جناب التوحيد.

стр. 91

التوكل على الله تعالى

стр. 92

أهمية التوكل على الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إن التوكل على الله هو عصب الدين، بل إن امتلاء القلب بالإيمان لا يكون إلا بالتوكل على الله، كيف لا! وقد ربط الله الإيمان بالتوكل، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فجعل التوكل شرطاً لصحة الإيمان. وقد أمر الله رسوله ﷺ به وهو أعبد الناس لله جل في علاه فقال له: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]، وقال تعالى حاكياً عن أنبيائه ورسله وخيرته من خلقه أنهم عندما حاجوا قومهم قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، فالتوكل هو عصب الدين، ولب أعمال القلوب، فإن العبد إذا تفرق نظره ولم يتوكل على الله تاه في حياته، فالله يدبر كل يوم أمور خلقه كما قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، قال ابن مسعود: يرفع أقواماً، ويخفض أناساً، ويذل آخرين، يمنح أناساً، فهو يحيي ويميت، وهذا من شأن الله جل في علاه وتدبيره في كونه.

стр. 93

هدي رسول الله في التوكل لقد بين رسول الله ﷺ أهمية التوكل وذلك بقوله صباحاً ومساء: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت) وكان دائماً يقول: (يا حي يا قيوم! برحمتك استغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين). وكان النبي ﷺ أيضاً يأمر بالتوكل ويقول: (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، وجاء عند الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)، وجماع ذلك كله ما قاله النبي ﷺ لابن عباس عندما كان رديفاً له: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)،فالأمر كله بيد الله جل في علاه.

стр. 94

انعدام التوكل على الله عند الجاهليين إن أهل الجاهلية لم يرضوا بهذا التدبير، وتكبروا عن أن يتخذوا الله وكيلا، بل اتخذوا الأصنام والأحجار، وعلقوا التمائم والخرز، واعتقدوا فيها ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، فكانوا يعتقدون أن هذه التمائم والخرز تدفع البلاء، أو تجلب النفع، وكانوا يعلقون على الأولاد الحلق من الذهب والحديد والنحاس والفضة، وكانوا يربطون الخيوط الملونة، ويعتقدون أنها ترفع الحمى، وكانوا يعلقونها في الإبل لرفع العين والحسد، وكانوا يعتقدون في كعب الأرنب، وصدر النسر أو عظمه، وفي سن الضبع والذئب ومنقار الغراب عقائد باطلة. وقد كانت هذه في الجاهلية ورآها رسول الله ﷺ ، فجاء ليمحو هذا الشرك، ويخبروهم أن هذه التمائم لا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، ثم بين لهم أن هذا من الشرك فقال النبي ﷺ : (من تعلق تميمة فقد أشرك) وهذا حديث حسن لذاته. فبين هنا زيف ما يفعله أهل الجاهلية من هذه التمائم، وفي رواية أخرى اختلف في إسنادها والراجح أن سندها حسن، وهي قول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، وهذا الشرك إما أن يكون شركاً أكبر أو شركاً أصغر. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كما في بعض الآثار فقال: (لا تبقين قلادة من وتر ولا غيرها في إبل ولا بعير إلا قطعت)؛ لأنهم يتخذونها مادة لدفع الضر، ولجلب المنفعة. وهذه الأحاديث تبين ضلال اعتقاد أهل الجاهلية، ولم يسكت عليها رسول الله ﷺ بل بين أنها من الشرك.

стр. 95

وجود الشرك في هذه العصور لقد تنطع بعضهم وقال: لا شرك في الأمة بعد رسول الله ﷺ ، بل ستكون على تمام التوحيد، ونحن سنقارن وننظر في الشرك الموجود في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ ، والموجود بعدما بعث النبي ﷺ ؛ لنرى تواجده في هذه العصور من عدمه، فسنجد أن النبي ﷺ قد أخبر بالوحي عن تواجد الشرك في عصرنا، وأن هذه الأمة ستقع في هذه العادات الجاهلية، كاتخاذ التمائم والتعاليق؛ لدفع الضر وجلب المنفعة، وإن كانوا لا يعتقدون أن النفع والضر من هذه التمائم، وأن النافع والضار هو الله، لكنهم يتخذونها سبباً للنفع. ومثال ذلك: الخرز الأزرق الموجود الآن الذي يعلق في رقاب الأطفال، وقد يعلقون الشيء من القرآن مخلوطاً بغيره، ويعلقون على الأبواب النجمة ويقولون: إن هذه النجمة تدفع العين، وأيضاً نعل الفرس يجعلونه على الأبواب، أو نعلاً صغيراً يجعلونه في مقدمة السيارة وخلفها، وكل هذه واقع مشاهد، فقد عاد الشرك من الجاهلية إلى عصرنا هذا كما كان في الجاهلية، وهذا نوع من الشرك؛ لأن فيه ميل القلب لغير الله جل في علاه، ومحوٌ لمسألة التوكل الذي هو قمة التوحيد، وحكم من علق تميمة من القرآن أو من غير القرآن سنأتي إلى الكلام عليه إن شاء الله.

стр. 96

حكم تعليق التمائم أما من يعلق التميمة من الخرز وغيره لدفع العين ودفع الحسد عن المولود، فلا يقال: إنه يكفر كفراً يخرجه من الملة، ولا يقال: إنه قد فعل فعلاً من أفعال الجاهلية، لكنه على الإسلام، وهو جاهل لذلك، بل إن المسألة فيها تفصيل، فيقال: إن كان يعتقد أنها تنفع بذاتها أو تضر بذاتها فهذا من الشرك الأكبر، أي: لو قال: إن الخرز أو الودعة التي توضع في عنق الطفل تدفع الحسد والعين بذاتها فهذا شرك أكبر؛ لأنه قد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فإن النافع والضار هو الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، وقال الله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]. وقد بين تعالى أن قمة التوكل أن يعلم الإنسان أن النافع والضار هو الله، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]، وقال ابن عباس: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣]، فإذا انقلب القلب من التوكل على الله جل في علاه، إلى التوكل على الخرز والودعة وغيرهما فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا شرك أكبر، ومنه الذبح على السيارة أو على مكائن المصنع؛ ليستجلب بها الرزق، ويبعد النحس، فهذا أيضاً شرك أكبر في الربوبية، ويمكن أن يقال: إنه شرك في الإلهية، فإن الله هو الذي يجلب الرزق، وهو الذي يمنعه ، وهو شرك في الإلهية من حيث إنها عبادة صرفت لغير الله، لكن قد يقال: تعليق الخرز أو النعل ليس فيه صرف للعبادة إلى غير الله، وذلك لا يلبس على نقاء هذه العقيدة الصافية، وهي عقيدة النبي ﷺ ، وعقيدة صحابة رسول الله ﷺ ، فإن الله قال عن هذه العقيدة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وهذه العقيدة حفظها الله جل في علاه، ويخلق لها أناساً يحفظونها، كـ أحمد بن حنبل الذي قام مقام الأمة بأسرها عند فتنة القول بخلق القرآن، ووجد علماء ألبوا على الإمام أحمد المعتصم والمأمون والواثق، فهؤلاء ثلاثة خلفاء عاصرهم الإمام أحمد بن حنبل وهو يقف صابراً محتسباً؛ لتصحيح هذه العقيدة، وهذه العقيدة تصاب الآن بشرك في الربوبية وشرك في الإلهية، فعلى كل طالب علم أن يعرف ذلك، حتى لا يلبس عليه الملبسون.

стр. 97

وجود الشرك في هذه الأمة لو قال متنطع: لا يوجد شرك في هذه الأمة، فإن النبي ﷺ قد قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب)، وإذا أيس من الشرك بقيت له المعاصي فقط. والرد على هذا الكلام أن يقال: هذا الحديث حديث مختلف في إسناده، فبعض رواته حديثهم حسن، وبعضهم ضعفاء، فالضعف فيه محتمل، والنبي ﷺ قد وجد عمران بن حصين وعليه حلق من حديد فقال له: (ما هذه؟ قال: هذه من الواهنة -يعني: هذه تدفع عني الوهن، هذا مع أنه تربى على مائدة رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ : انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، ثم قال له: فإن مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) فنفى عنه الفلاح، وأيضاً قال بعض الصحابة للرسول ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : (الله أكبر إنها السنن، قلتم ما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)، فكيف يقول أحد: أنه لا يوجد شرك في هذه الأمة؟! وقد قلنا: إن الاعتقاد في الخرز أنها تدفع الضر وتجلب المنفعة، أنه شرك في الربوبية كما بينا، وهو أيضاً شرك في الإلهية، فهو قد أشرك في الربوبية لأنه اعتقد في الجمادات ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا اعتقد في الخرز والنعل دفع الضر وجلب النفع، وذلك لا يكون إلا لله، فهذا الوجه الأول لكون هذا العمل شركاً، وشرك الربوبية يستلزم الشرك في الألوهية. والوجه الثاني: أن التوكل على غير الله جل في علاه يعتبر شركاً، والتوكل أمر خفي، إذ أن المرء إذا تعلق قلبه بغير الله فقد توكل على غير الله جل في علاه، حيث يخاف من غير الله جل في علاه، أو يرجو غير الله جل في علاه، وإذا علق التميمة وقلبه معلق بها ونزعت فسيكون خائفاً وجلاً؛ لأن المانع له من هذه الأخطار قد نزع، وهذا تعلق للقلب بغير الله جل في علاه. إذاً: الوجه الأول: استلزام الربوبية للإلهية، والوجه الثاني: تعلق القلب بغير الله جل في علاه. فإن اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فقد أشرك شركاً أكبر، وأما إذا كان يعتقد أن الله هو النافع والضار، وأن الذي يجلب الخيرو يدفع الضر هو الله، وإنما وضع هذه الخرزة أو نحوها لدفع العين ودفع المرض، فيكون شركاً أصغر؛ لأنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه لا شرعاً ولا قدراً، فكونه اتخذ سبباً لم يجعله الله سبباً، ولم يشرعه الله جل في علاه سبباً، فكأنه أشرك مع الله غيره، ولكن هذا شرك أصغر؛ لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، ولقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وكثير من الناس إن لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك، فيميلون ميلاً لهذه التمائم والرقى، وسنبين أن القلب أيضاً يميل لتمائم من القرآن، فالأمة تدور إما بين شرك أكبر أو شرك أصغر، وإن كان الشرك الأكبر منتفٍ؛ لأننا لا يمكن أن نظن في مسلم أنه يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، بل إن العامي الذي يعلق التميمة على الولد الصغير لو قلت له: هل هذه تنفع وتضر؟ لقال: إن النافع الضار هو الله، لكننا وجدنا من قبلنا يقولون: إن هذه سبب لدفع البلاء واستجلاب النفع، ولذلك فإنهم غارقون في الشرك الأصغر.

стр. 98

تعليق التمائم من القرآن والخلاف فيها إن القرآن شفاء للناس بنص كلام الله جل في علاه إذ قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، فإذا جاء رجل وقال: إن ابني يصرع دائماً، ولا يلتقم ثدي أمه، والقرآن شفاء كما قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، فقام هذا الرجل وكتب آية الكرسي؛ لأنها شديدة على الشيطان، ثم علقها ويجعلها في عنق ابنه، أو يد ابنه، فهل هذه التميمة تدخل في التمائم المحرمة، أم هي تميمة من التمائم الجائزة؛ لأن القرآن كله شفاء؟ هذه المسألة لا نحجر واسعاً فيها، فقد حصل الخلاف فيها بين السلف الصالح، فبعضهم يقول: يجوز، وبعضهم يقول: لا يجوز، وقال بالجواز جم غفير منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص وهو قول عائشة ﵂ وأرضاها، وكثير من الصحابة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر العسقلاني، فكل هؤلاء يقولون بجواز كتابة التميمة من القرآن وجعلها على عنق الولد للشفاء أو لدفع الضر أو العين، ويستدلون على ذلك بعدة أدلة منها: عموم قول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، ويستدلون أيضاً بمفهوم المخالفة في قول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، ويقولون: إن كانت كل تميمة شركاً فهي محرمة، وإن لم تكن شركاً فهي مباحة، والقرآن ليس بشرك بل هو كلام الله جل في علاه. ويستدلون أيضاً بقول عائشة ﵂ وأرضاها: أن التمائم حرمت قبل نزول القرآن تعني: أنه بعدما نزل القرآن الذي هو شفاء للناس أبيحت التمائم. واستدلوا أيضاً بما أُسند إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يكتب دعاء الفزع الذي علمه النبي ﷺ له، والذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه علمه هذا الدعاء: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر غضبه وعباده)، فكان عبد الله يعلمه للكبير من أولاده، وإن كان الولد صغيراً لا يقدر أن يعلمه كتبه في ورقة، ويجعل تلك الورقة معلقة على رقبة ذلك الطفل. قالوا: وهذه الأدلة الكثيرة وقعت على مرأى ومسمع من الصحابة، فيدل ذلك على أن النبي ﷺ علم ذلك ولم ينكره، ولو جيء بالمصحف الصغير وعلقه على السيارة صح على قولهم، ولو أتى بآية الكرسي وعلقها على الحائط دفعاً للعين فهذه أيضاً جائزة على قولهم، ولو وضع على باب البيت ورقة مكتوبة فيها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] جاز ذلك؛ لأنه يعتقد أنها سبب لدفع العين ودفع الحسد على قول هؤلاء. القول الثاني: وقد تزعم هذا القول ابن مسعود ﵁ وأرضاه، وجمع غفير من الصحابة كـ ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، ورجحه ابن العربي وغيره من المحققين من السلف، فكل هؤلاء يقولون: إن هذه التمائم حرام، وعندهم أدلة كثيرة على ذلك، منها: عموم الأحاديث كقول النبي ﷺ : (من تعلق تميمة فقد أشرك) و (من) هنا نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، وفي سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وهناك فرق بين العام والمطلق، فالعام: هو الذي يعم جميع أفراده، وأما المطلق فهو الذي يقصد بالحكم فرداً من أفراده لا معيناً، كأن أقول: أكرم طالباً، وعندي من الطلبة محمد وأحمد وسمير وعزيز وكريم ومجيد مثلاً، فلو قلنا: أكرم طالباً، فهو مطلق، لأننا لو أكرمنا أي واحد منهم فقد وقع الحكم. وأما العام كأن يقال: أكرم الطلبة، فلو أكرمت محمداً وعزيزاً وسميراً ولم أكرم مجيداً لم أكن قد حققت الحكم، بل لا بد من إكرام الكل، فهذا هو الفرق بين العام والمطلق، فالنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ولا تفيد العموم. فهذا الحديث استدل به هؤلاء على العموم؛ إذ أن النكرة في سياق الشرط عند علماء الأصول تفيد العموم، فـ (من) من الأسماء الشرطية، أي: فلو علق أحد أي تميمة سواء من القرآن أو من غير القرآن فقد وقع في الشرك، وهذا عام لا مخصص له، فلا يوجد دليل من أحاديث النبي ﷺ يخصص هذا، فلم يأت أن النبي ﷺ جاء إلى مريض من المرضى فقال: اكتبوا له القرآن فإنه شفاء، وعلقوه على صدره. ويستدلون أيضاً بعموم قول النبي ﷺ (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، والتمائم اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد العموم، سواء التمائم من القرآن أو من غيره. واستدلوا أيضاً بسد الذرائع، فإن من مقاصد الشريعة سد الذريعة التي تصل بالإنسان إلى المحرم، فالله جل وعلا حرم على الإنسان أن ينظر للمرأة؛ لأن النظر إلى المرأة وسيلة إلى الزنا، فسد الله هذه الذريعة وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقد سد النبي ذريعة الشرك، وحافظ على جناب التوحيد بقوله ﷺ للرجل الذي قال: (من يطع الله ورسوله فقد وشد، ومن يعصهما فقد غوى)، مع أن الكلام صحيح، لكن النبي ﷺ سدا لذريعة الشرك، وحتى لا يساوى النبي بالله جل في علاه، قال له: (بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله نداً)، ولما قالوا له: أنت سيدنا، قال: (إنما السيد الله)، مع أن النبي ﷺ حقاً هو السيد، لكن سداً للذريعة وحسماً للمادة منع ذلك. وهؤلاء قالوا: إذا قلنا بجواز التميمة التي فيها شيء من القرآن فإننا نكون قد فتحنا الباب ليختلط القرآن بغيره، فسيأتي المشعوذون والدجالون وما أكثرهم، ويكتبون آيات من القرآن، ويدخلون في ذلك طلاسم لا تعرف، فيختلط الحق بالباطل، وكثير من الناس لا يعرف الحق من الباطل. واستدلوا كذلك بأن قالوا: لو كان خيراً لسبقنا إليه السلف. ثم ردوا على ما استدل به الأولون وقالوا: الحديث الذي أسند إلى عبد الله بن عمرو بن العاص حديث ضعيف، ولا حجة لكم فيه، إذ الأحكام مناطة بالصحيح. وأما قول عائشة فهو تفسير منها، وهذا التفسير إذا خالف فعل النبي ﷺ وفعل الصحابة فلا يؤخذ به؛ لأن الحجة بالرواية لا بالاجتهاد والرأي، والقياس هنا ممنوع؛ لأنه قياس فاسد الاعتبار ومصادم لعموم قول النبي ﷺ (من تعلق تميمة فقد أشرك). فهذا قولان، ولهما أدلة، والمسألة العلمية هذه لا نأتي فيها بقول واحد ونحجر غيره، فبالإنصاف نصل إلى الأقرب والصواب، ولكن الراجح في ذلك والله تعالى أعلم القول الثاني أن هذا حرام خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية، وخلافاً لـ ابن القيم، وخلافاً للشيخ ابن عثيمين، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يعلق المرء التمائم ولو كانت قرآنا، لا على الإنسان، ولا على حائط الباب أو الجدران أو غيرها، وحتى المرأة لا يجوز أن ترتدي السلسلة أو الخاتم أو الأسورة المكتوب فيها آية من آيات القرآن، وكثير من النساء يفعلن ذلك، وهو محرم؛ لأنه من التمائم، والدليل على التحريم ما قلناه من عموم نهي النبي ﷺ عن التميمة، وأنه قال (من تعلق تميمة فقد أشرك)، وكثير من الناس تراه لو كان معلقاً آية الكرسي، ثم قطعت منه تلك السلسلة؛ فترى عليه الهم والغم؛ لأن المانع عنده من الهم والغم قد قطع، وكأن قلبه يميل إليه، فالصحيح الراجح سداً للذريعة وحسماً لمادة الشرك: أن نقول بحرمة ذلك؛ لأنه سيجر إلى وسائل الشرك، ونحن مأمورون بسد ذرائع الشرك، وينسحب هذا الحكم على السلاسل وإن كانت للزينة، وبعضهم يعلق آية الكرسي على الباب ويقول: أنا أعلقها لكي يراها كل من دخل، فيذكر الله، وهذا من تلبيس إبليس، فإن ذلك قد يجرء إلى امتهان القرآن، وإذا علقته على صدر الطفل فإنه لابد أن يدخل به الخلاء، ويعرضه للأقذار، فلا بد أن نترفع عن ذلك ونقول بالحرمة.

стр. 99

خطر الشرك الأصغر والأكبر إن التعاليق والتمائم كانت من عادات الجاهلية، إذ يعتقدون في الخرز والحجر والصنم والشجر أنها تدافع الضر وتجلب المنفعة، ولا يعتقدون في الله جل في علاه ذلك، ثم جاء على ركابهم أهل الإسلام بعدما اندثر العلم، وطمس البيان من قول النبي ﷺ ، ومن فعله وفعل الصحابة رضوان الله عليهم، فانتشر ذلك في الأمة مرة ثانية، وأصبح الناس يعتقدون في غير الله مالا يعتقد إلا في الله، أو يتخذون أسباباً لم يشرعها الله جل في علاه، ولذلك فنحن بصدد تبيين هذه المسائل؛ لأن هذه المسائل من الأهمية بمكان، والإنسان إذا لم يوحد الله جل في علاه توحيداً خالصاً غير مشوب بشرك فلن ينجو عند ربه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، وقال النبي ﷺ لمن فعل ذلك: (لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، فهذا يستدل به على أن الشرك الأصغر لا يغتفر، فالرجل الزاني أو شارب الخمر أو السارق لا يداني من أقسم بغير الله، بل الذي يقسم برحمة أمه، أو يقسم بالتراب الغالي، ويقسم بقبر فلان ونحوه هو عند الله أعظم جرماً من الزاني وشارب الخمر. ونحن اليوم كثيراً ما نسمع من يحلف بأمه، أو يحلف بأبيه، ويقول: الأمر هين، فعليه أن يصحح عقيدته، فهذا الذي يقسم بغير الله جل في علاه هو عند الله أعظم جرماً من الزاني والسارق وشارب الخمر، والدليل على ما قلت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فقد بين أنه لا يغفر إشراكاً به، وإشراك نكرة في سياق النفي فيفيد العموم، فيدخل فيه الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فالشرك الأصغر لا يغفر، بل يعذب صاحبه إذا لم يأت إلى ربه في عرصات يوم القيامة تائباً، والدليل على ذلك هذا الحديث المختلف في صحته أن النبي ﷺ قال لبعض الصحابة: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا)، ثم قال له: (إن مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، وعمران بن حصين هنا عندما لبس تلك الحلقة لم يكن يعتقد عند لبس الحلقة أنها تدفع عنه الضر أو تجلب له النفع، بل كان يعتقد أن الله هو الذي ينفع ويضر، ولكن اعتقد أن هذه الحلقة سبب للشفاء، وهذا نوع من أنواع الشرك الأصغر، فالنبي ﷺ مع علمه أن هذا من الشرك الأصغر قال له: (ما أفلحت أبداً)؛ لأن الشرك الأصغر لا يغتفر، بل لا بد أن يعذب صاحبه، فانظروا إلى هذه الخطورة في الشرك الأصغر، فعلى الإنسان أن يصحح عقيدته، ويتعلم التوحيد الخالص وما ينافيه من الشرك؛ حتى يمثل أمام ربه جل في علاه بقلب سليم وبتوحيد خالص سالم من الشرك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ونسأل الله جل وعلا أن ييسر لنا الخير. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 100

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - الذبح وحكم الذبح لغير الله لقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الذبح عبادة، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، وللذبح حالات منها ما يكون عبادة، ومنها ما يكون شركاً أصغر، ومنها ما يكون شركاً أكبر.

стр. 101

عبادة الذبح لله إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. ثم أما بعد: فما زلنا مع شمس الإسلام التي أشرقت على ظلمة الجهل والجاهلية، فقد جاء رسول الله ﷺ ليبطل الجهل والجاهليات التي وقع فيها أهل الشرك قبل بعثته ﷺ . وقد تكلمنا في الأسبوع الماضي على اعتقادات باطلة كان يعتقدها أهل الجاهلية في السحرة والكهنة، وأنهم ارتقوا بهم إلى درجات الأولياء، واليوم سنتكلم عن أفعال لأهل الجاهلية جاء النبي ﷺ ينكر هذه الأفعال ويبطلها، وإذا أبطلها رسول الله ﷺ على أهل الجاهلية فمن باب أولى أن يبطلها على أهل الإسلام، وهذه الأفعال هي الأنساك التي جعلها الله جلا وعلا على عباده، وهي عبادة الذبح. فالذبح شعيرة من شعائر الإسلام، عبادة من العبادات التي فرضها الله على عباده، وهي من أجل العبادات وأفضل العبادات المالية التي يتقرب بها المرء إلى ربه جلا في علاه. وقد كان أهل الجاهلية يتقربون بهذه العبادة لغير الله جلا في علاه، ورأى النبي ﷺ أهل الجاهلية يتقربون إلى آلهتهم بالذبح، فيأتون إلى القبور فيذبحون عند قبور من يرون فيهم الصلاح، وتسمى عقيرة أو تسمى عتيرة أو تسمى الفرع، فجاء النبي ﷺ يرد هذه الأنساك التي يتقرب بها لغير الله جلا في علاه، فأبطلها وبين أنها من أكبر الشرك، وأنكرها الله جلا وعلا على العباد.

стр. 102

أدلة الذبح لله لقد أوحى الله إلى رسوله ﷺ أن يبطل هذه الاعتقادات وهذه الأفعال الباطلة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: قل: إن صلاتي لله، وقل إن نسكي لله، والنسك: هو الذبيحة التي يتقرب بها العبد، وهو في اللغة العبادة، فهو إذاً في الشرع أخص من ذلك، والذبح هو إنهار الدم. وقال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]. وقال النبي صلى الله عليه وسل (لا عتيرة ولا فرع في الإسلام)، فنهى عن هذا، وقد كانوا يذهبون إلى قبر الميت الكريم فينحرون عنده الإبل، ويقولون: أطعمَ وهو حي وأطعم وهو ميت.

стр. 103

انتشار الذبح لغير الله في أمة الإسلام لقد رجع الناس على أعقابهم ورجعوا إلى هذه الجاهليات وهذه الأفعال الخاطئة التي تخالف الشرع وتخالف عقيدة الإسلام، فظهر فيهم الذبح لغير الله جلا في علاه، والتقرب لغير الله بهذا النسك؛ فكثير من الناس إذا صرع لهم المصروع بسبب السحر والجن فإنهم يذهبون به إلى المشعوذ، فهذا المعالج يقول لهم: لا بد أن يذبح ديك لونه كذا، وصفته كذا، وفي وقت كذا، فيذبح هذا الديك تقرباً للجني الذي صرعه! فالذبح لغير الله من الشركيات التي فشت في الأمة، وقد زين لها ذلك بعضهم بالتأويل لإبطال الحق، فالتغرير بالعامة وقع كثيراً من بعض الناس، فصاروا يذبحون عند قبور الأولياء سواء كانوا أولياء حقاً أو غير أولياء. وهذا الفعل شرك بالله جلا في علاه، لا يقبل صاحبه عند الله جلا في علاه، بل ولن يجد له خلاقاً عند الله في الآخرة. قال الله تعالى مبيناً لرسوله أن هذه الأفعال خاطئة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣] فقال: لا شريك له، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله جل في علاه، وأيضاً قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] يعني: وانحر لربك لا لغيره من قبر أو شجرة أو حجر أو ملك مقرب أو نبي مرسل أو ولي من أولياء الله الصالحين. وفي صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ (لعن الله من ذبح لغير الله)، فاستحق اللعن من صرف هذه العبادة العظيمة لغير الله جلا في علاه، فيكون مطروداً من رحمة الله، ولن يجد رحمة الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. وجاء في حديث ضعيف يستأنس به أن النبي ﷺ قال: (دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، مرا بقوم لهم صنم يعبدونه، فقالوا للأول: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً غير الله، فضربوا عنقه، فدخل الجنة، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما عندي شيء أقربه، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله، فدخل النار).

стр. 104

صور الذبح الذبح عند حدوث نعمة متفش في الناس، فإذا منّ الله جل وعلا على العبد بمال، أو فتح مشروعاً من المشروعات، أو رزقه الله جل وعلا سيارة جديدة أو ببيتاً جديداً فترى الناس يذبحون الأبقار والإبل من أجل هذه النعمة، وهذا الذبح له أحوال: الحالة الأولى: أن يذبح شكراً لله، ويكرم الناس باللحم. الحالة الثانية: أن يذبح دفعاً للعين ودفعاً للحسد، ويحتج بقول رسول الله ﷺ (إن العين حق). الحالة الثالثة: أن يذبح خوفاً من انقلاب الأحوال عليه، وتضييق الأمور، ويذبح حتى ييسر الله جل وعلا هذا المشروع، وكثير من الناس تكون لهم مصانع واقفة لا تعمل، فيأتي رجل ويقول: اذبح وسييسر الله لك هذا العمل، فيذبح من أجل تيسير هذا العمل. الحالة الرابعة: أن يذبح خوفاً من الجن مع أنه يعلم أن الله هو النافع الضار. فالحال الأولى أن يذبح شكراً لله ليكرم الناس، ويقول: قد من الله علي بهذا العمل أو بهذا المال فأنا أشكر ربي على هذه النعمة، وأعمل بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:٧]، فيذبح ويجمع الناس ليأكلوا، فهذا جائز، لكن لو جعل هذا سبيلاً لدفع الحسد والعين فقد جعل الوليمة سبباً لم يشرعه الله لدفع العين فوقع في الشرك الأصغر؛ لأن الحسد يدفع بالمعوذتين. الحالة الثانية: يذبح دفعاً للعين، وهو يرى أن الله جل وعلا هو الذي يدفع العين، فيقول: إن الله هو الذي يدفع العين، وهذا الذبح لله، لكن جعلت الذبح سبباً لدفع العين، فنقول له: إن الله لم يشرع في كتابه، ولا سنة نبيه ﷺ أن الحسد يدفع بالذبح، وإذا كان دفع الحسد عبادة فهو مشروع، ولا بد أن يكون دفعه من الكتاب أو من السنة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فمن ربوبية الله جل في علاه أنه يبين لنا المسبب ويبين لنا السبب، ويبين لنا المقدمة ويبين لنا النتيجة، وقد أوحى قال الله جل في علاه لنبيه صلى الله عليه وسل (أن العين حق). والله جل وعلا ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء، وفي الحديث: (تداووا عباد الله ولا تتداوى بحرام) فخط لنا خطاً، ورسم لنا طريقاً نسير عليه لدفع هذا الحسد، وذلك بالمعوذتين أو بالرقى الشرعية، وأما من ذبح فقد خالف شرع الله في ذلك، ويكون هذا من الشرك الأصغر؛ لأنه ذبح لله واعتقد في الله لكنه اتخذ الذبح سبباً ما شاءه الله جل في علاه. الحالة الثالثة: أن يذبح لتيسير العمل، فهذا حكمه بحسب النية، إن كان الرجل فقهياً يعلم أنه إذا تقرب إلى الله جل في علاه بالصدقة فإن هناك ملكين يقولان: (اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)، فهو يرى بفقهه أنه لو تصدق باللحم فإن الله يخلف عليه، فهذا جائز. وأما إذا قال: الذبح سبب مخصوص لجلب الرزق، فنقول له: ابتدعت في دين الله بدعه. وهذا شرك أصغر، وهو وسيلة للشرك الأكبر. الحالة الرابعة: إذا ذبح للجن فهذا شرك أكبر، حتى لو قال: أنا أذبح لله خوفاً من الجن، فتعارض الظاهر والباطن، والقرائن المحتفه أثبتت لنا أنك فعلت ذلك لدفع خوفك من الجن، والله جل في علاه بين لنا كفر الكافرين، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد في الجن ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه.

стр. 105

حكم الذبح على سبيل التعظيم الذبح له حالتان: الحالة الأولى: من باب الضيافة، فهذا الذبح مباح، وهو من سنن العادات لا من سنن العبادات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، وهذه العادة تكون عبادة بالنية، والقاعدة عند العلماء: أن سنن العادات تنقلب إلى عبادات بالنيات، فهذه تنقلب إلى عبادة وقربة من الله جل في علاه بالنية الصالحة. الحالة الثانية: أن يذبح لتعظيم هذا المعظم لا لضيافته، فإن كان يذبح لتعظيم هذا المعظم فقد صرف الذبح -الذي هو عبادة- لغير الله، فوقع في الشرك. وكيف يعرف هذا التعظيم؟ أن يأتيه المعظم فعندما ينزل من السيارة أو من الطائرة أو من الدابة يذبح أمامه الإبل، ثم إذا رحل لم يعتنِ بلحم الإبل، بل ألقى في الزبالات، فهذه فيها دلالة واضحة على أنه ما ذبح للحم والإكرام، بل ذبح ليثبت تعظيمه لهذا المعظم، فهذا شرك؛ لأنه صرف عبادة لغير الله.

стр. 106

الفرق بين كفر النوع وكفر العين القاعدة: أننا نفرق دائماً بين كفر النوع وكفر العين، فنقول: قال قولاً كفرياً، وفعل فعلاً كفرياً، ولكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام الحجة وتزال الشبهة، والذي يقيم الحجة ويزيل الشبهة هو العالم المجتهد، أو طالب علم مجد مميز. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 107

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - النذر وأحكامه النذر عبادة من العبادات التي لا تجوز إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله شرك. وقد أثنى الله ومدح الموفين بالنذر، فمن نذر نذر طاعة فيجب عليه الوفاء به، ومن نذر نذر معصية فلا وفاء فيه، وكفارته كفارة يمين.

стр. 108

النذر في اعتقاد أهل الجاهلية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نبذها الشرع، وجاء النبي ﷺ بإبطالها وبيان عوارها وخبثها. ومن هذه المعتقدات والتعبدات التي كان يتعبد بها أهل الجاهلية: النذر لغير الله جل في علاه، فقد كانوا ينذرون لآلهتهم وأصنامهم من الأشجار والأحجار إذا يسر عليهم من أمرهم: من سفر أو تجارة أو مال أو ربح أو عافية في البدن، ثم يوفون بهذا النذر، لكنهم كانوا إذا قصرت بهم النفقة ينزلون عن هذا النذر، فجاء الشرع بإبطال ما يفعلونه، وبين أن النذر عبادة لا بد أن يفرد بها الله جل في علاه، قال الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]؛ رفضاً وبياناً وإنكاراً لما كان يفعله أهل الجاهلية، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام:١٣٦]، فأنكر الله عليهم ذلك. وفي السنن قال النبي ﷺ عن النذر: (لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله). فأما عن أهل الجاهلية فلا عتب ولا ملامة عليهم؛ إذ لم يأتهم الرسل، وأما أهل الإسلام الذين أتاهم رسول الله ﷺ ، وأظهر الله على يديه الشرع الحنيف، ونقل لنا صحابته هذا الدين القويم، ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين إلى يومنا هذا، فالعلم ينتشر بين الناس، فالعتب كل العتب على من يتمثل بمعتقدات أهل الجاهلية ويتعبد كما تعبد أهل الجاهلية، فالعتب عليهم كيف ينحرفون عن دين الله جل في علاه؟! وكيف ينحرفون عن هذا الصراط المستقيم؟! فجاهلية اليوم أشد من جاهلية الأمس، فتراهم ينذرون الآن للحسين وللبدوي ولـ فاطمة الزهراء ولغيرها، ويقولون: إن شُفي مريضي، أو إن حملت أمي أو ابنتي، أو إن أتاني الله بهذا الربح فعلي لفلان كذا فينذرون لغير الله ويوفون بهذا النذر، ومنهم من يرتقي فينذر للجن لا لصنم ولا لحجر؛ خوفاً منهم، فينذرون بمثل الديك الأحمر والعصفور الأخضر -كما هو مشهور بين العامة-، وينذرون هذه النذور لغير الله جل في علاه، ويوفون بها.

стр. 109

أحكام النذر وسنذكر هنا النذر، وأحكامه، ومباحثه، وحكم الوفاء به.

стр. 110

تعريف النذر وصيغه النذر لغة: الالتزام بشيء ما مطلقاً. وأما شرعاً فهو: إلزام المرء نفسه بطاعة لم يوجبها عليه الشرع. وصيغة النذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم يومين إن شفى الله مريضي، أو يقول: علي نذر لله جل في علاه أن أصلي مائة ركعة، دون أن يجعلها مشروطة معلقة.
следующие страницы →