Полный текст (225 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح متن أبي شجاع - المقدمة
علم الفقه من أشرف العلوم، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وقد قدر الله أن تحفظ الأمة فقه أربعة أئمة هم كالنجوم يهتدى بهم، وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكل مذهب منها يتميز بميزات ليست في غيره، وقد جمع الشافعي بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، وهو أول من أشاع علم أصول الفقه، فكان مذهبه من أقوى المذاهب وأوسعها.
стр. 2
أهمية علم الفقه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: علم الفقه هو من أشرف العلوم، قال ابن الجوزي: العمر قصير والعلم كثير، فالأولى أن يتجه المرء إلى ما ينفعه، وأنفع العلوم في هذه العصور هو علم الفقه، ويكفيك أن الله جل في علاه ذكر في كتابه الكريم: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥]، والنبي ﷺ أصل أصلاً أصيلاً في حفظ حديثه وفهمه فقال: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: الطريق الأول: إثبات السند.
الطريق الثاني: فهم المتن.
وفقه المتن هو رأس الأمر، لذلك على كل طالب علم أن ينشغل بعلم الفقه، وقد قال إمامنا في المذهب الذي سندرسه بإذن الله: من طلب الفقه رجح عقله، ومن طلب الحديث قويت حجته.
وقد قرر علماؤنا أن فقهاء المحدثين هم أعلم الناس على الإطلاق، وهم في أشرف المراتب على الإطلاق.
стр. 3
لمحة تاريخية عن نشأة الفقه
ظهر الفقه بعدما جلس أصحاب رسول الله ﷺ مع رسول الله يطلبون حديثه ويعقلون ما يقول، ويتفقهون في الأحكام التي تدور على هذه الأحاديث، وبرع كثير من الصحابة في الفقه، وعلى رأسهم أبو بكر ﵁ وأرضاه، وعمر الفقيه الملهم المحدث، وزيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، وابن عباس ﵁ وأرضاه، وعبد الله بن مسعود الفقيه المقرئ الحافظ ﵁ وأرضاه، وأبو موسى الأشعري وغيرهم.
وعمر بن الخطاب يبين لنا منزلة الفقه من الإسلام عندما بعث كتاباً إلى أبى موسى الأشعري يقول له فيه: الفهم الفهم فيما يأتيك، واحذ حذوا الكتاب والسنة.
والسنة مثل القرآن في الحجية، لكنها ليست مثله في المرتبة والرفعة، فالقرآن أعلى المراتب، ثم الحديث القدسي، ثم الحديث النبوي.
وكان الفقيه من الصحابة يكون قارئاً للقرآن وحافظاً للحديث.
وهؤلاء الصحابة العلماء ربوا على أيديهم فقهاء برعوا في علم الفقه، منهم فقهاء المدينة السبعة، وهم: الأول: سعيد بن المسيب الذي قال فيه أحمد: أعلم التابعين.
والثاني: عروة بن الزبير، والثالث: سليمان بن يسار، والرابع: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والخامس: خارجة بن زيد، والسادس: القاسم بن محمد، واختلف العلماء في السابع منهم: هل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو سالم بن عبد الله؟ فهؤلاء فقهاء المدينة السبعة كانوا إذا اتفقوا على مسألة انتهى بحثها، ولا أحد يبحث بعد ذلك عن هذه المسألة عند غير هؤلاء السبعة.
ثم بعد ذلك نبغ الفقهاء الذين كانوا في قرون الخيرية الأولى، مثل: الحسن البصري الذي كان واعظاً فقيهاً قاضياً مفتياً، قال بعض العلماء: كلام الحسن يشبه كلام الأنبياء، وقد اندثر مذهبه لأنه لم يحمله أصحابه، وما من مذهب اندثر إلا والعلة في أصحابه، وإلا فهم ملئوا الدنيا علماً وحكمة، ومنهم عامر بن شراحيل الشعبي، فهذا الرجل كان فقيهاً أثرياً حافظاً لأحاديث النبي ﷺ ، وقد اندثر مذهبه لأن أصحابه لم يحملوه، ومن طرائف ما حدث مع الشعبي: أن قصاصاً افترى حديثاً عن النبي ﷺ : أن الله سينفخ في صورين، فقام الشعبي وسط الحلقة فقال: اتق الله! كيف تكذب على رسول الله، من أين أتيت بهذا الحديث؟! فقال: أوترد علي يا ابن كذا! وسبه مسبة شديدة، ثم خلع نعله وضربه به فاقتدى به العامة، فما من أحد إلا وخلع نعله وضربه على وجهه، قال: فما عرفت وجهي من قفاي، فما تركوني حتى أقسمت بالله أن الله سينفخ في سبعين صوراً! ومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الأوزاعي فقيه الشام، وقد كان فقيهاً بارعاً أثرياً ينبذ الرأي، وكان قد انتشر مذهبه في الشام وفي الأندلس، ولكن لما انتشر مذهب مالك اندثر مذهب الأوزاعي ومذهب كثير من الفقهاء، مثل مذهب الليث بن سعد مفخرة المصريين الثقة الثبت الحافظ، وقد دخل الشافعي في آخر حياته مصر، فنظر في كتب وكلام الليث فقال: الليث أفقه من مالك، وهناك مناظرات طويلة بين الليث بن سعد وبين الإمام مالك، يراجعه في قوله بتقديم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد.
ومن فقهاء السلف: داود الظاهري وهذا المذهب مذهب قوي جداً، وداود هذا ولد بعد الشافعي، وكان ينكب على كتب الشافعي، وينتصر لمذهب الشافعي، إلا أنه أخذ على الشافعي القول بالقياس، وهو ينكر القياس تماماً، وهذا الذي أضعف مذهب داود الظاهري، وهذا المذهب اندثر حتى قام من ينتصر له وهو ابن حزم فارس الميدان؛ ولذلك بقي إلى الآن مذهب الظاهرية في كتاب المحلى للإمام ابن حزم.
ومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الثوري، وكان قريناً للإمام أبي حنيفة، وهو ثقة ثبت حافظ للحديث فقيه دخل أبو حنيفة على الثوري وكان مجلسه يعج بطلبة الحديث، فقام الثوري من مكانه، فأجلس أبا حنيفة مكانه فاستاء أصحابه، ولأهل الحديث كلام فيه غمز في أبي حنيفة لضعف اعتنائه بالحديث، وأيضاً لمذهبه في الإيمان، فقال الثوري: إن لم أقم لعلمه، قمت لسنه، فكان يعرف له قدره، وكان أبو حنيفة يعرف لـ سفيان قدره، وسفيان كان يخالف أبا حنيفة في مسألة القياس والرأي، فكان كثيراً ما يأخذ بالأثر ويعض عليه بالنواجذ، والثوري لا ترى له كلاماً في الفقه إلا في بطون كتب الفقه، وليس له مذهب مستقل.
ثم بعد ذلك من الله على الأمة بأربعة فقهاء بقيت مذاهبهم، وبقي الناس يقتدون بهذه المذاهب.
стр. 4
مذهب أبي حنيفة
مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، هذا الفقيه قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة، يعني: ما من فقيه إلا ولا بد أن يشرب وينهل من بحر علم أبي حنيفة في الفقه، والشافعي قرأ كتبه وناظر أصحابه؛ لأنه لم يعاصره، فقد ولد في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة ١٥٠هـ، وهذا فضل الله ؛ فإنه لا يقبض عالماً إلا وفي العام نفسه يقدر أن يولد من يكون عالماً مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ولد بعد موت العز بن عبد السلام بسنة.
وقد أضعف مذهب أبي حنيفة أنه كان يأخذ كثيراً بالقياس وبالرأي، ولذلك سميت مدرسته بمدرسة الرأي، والذي جر أبا حنيفة إلى ذلك كثرة الرفض والتشيع في بلاده العراق وبلاد فارس، فكثرت النوازل والمسائل، وقد كان يتحرى الأحاديث لأن الكذبة على رسول الله كثيرون في بلده، فهذا الذي جره لأن ينتقل من علم الأثر إلى علم النظر، فتوسع في المدارك وقياس النظير بالنظير، فأصاب في كثير من المسائل لكنه أخطأ في أكثر المسائل، ولذلك ضعف مذهبه؛ لأنه أخذ بالرأي أكثر من الحديث.
стр. 5
مذهب مالك
المذهب الثاني الذي أبقاه الله جل في علاه وحمله أصحابه هو مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، كان علماً لأهل المدينة، وكان فحلاً من أساطين أهل العلم ومن أئمة أهل الشأن، قال فيه الشافعي: إذا ذكر الحديث فـ مالك النجم، وما أحد يعلو على مالك، ولذلك ورد عن الشافعي أنه قال: أصح كتاب بعد كتاب الله هو الموطأ، وهذا قاله قبل أن يصنف صحيح البخاري.
والإمام مالك وإن كان مذهبه قوياً لكن تؤخذ على مذهبه أمور من أشد ما تكون، ألا وهي: التوسع في مسألة سد الذرائع، وأيضاً مسألة المصالح المرسلة، فكثيراً ما يحتج بالمصالح المرسلة، ويأخذ بقاعدة سد الذرائع، وأيضاً مما أخذ عليه: أنه كان كثيراً ما يقدم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد، مع أنه كان معظماً جداً لحديث النبي ﷺ ، ووجهة نظر الإمام مالك في تقديمه عمل أهل المدينة أنهم خيرة الناس، وهم الذين نصروا النبي ﷺ ، وهم الذين صحبوا النبي ﷺ ، فإذا أجمعوا على عمل يخالف سنة آحاد، فغالب ظني أنه لا يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً أو أنه منسوخ؛ فلذلك رد بعض أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها لعمل أهل المدينة، فتراه يقول بجواز أكل القرد والأسد، وأيضاً يقول بطهارة الكلب، وهذه كلها من المفردات التي انفرد بها الإمام مالك.
стр. 6
مذهب الشافعي
المذهب الثالث: مذهب إمامنا الإمام الشافعي، وهذا المذهب إن لم يكن هو أقوى المذاهب على الإطلاق فهو من أقوى المذاهب، والمحققون من أهل العلم عندما يرتبون المذاهب في القوة يقدمون مذهب الشافعي ويقولون: إن أكثر فقهاء المحدثين من الشافعية، فيقدمون الشافعية ثم الحنابلة، أو يقدمون المذهب الحنبلي ثم المذهب الشافعي.
قال مفخرة المصريين محقق كتاب الرسالة الشيخ أحمد شاكر: لو أمرت مجتهداً أن يقلد مجتهداً لأمرته أن يقلد الشافعي؛ فإن الله حباه نظراً ثاقباً في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ .
ومعنى كلام الشيخ أحمد شاكر: أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً، فلو جاز لي أن آمره لأمرته أن يقلد الشافعي، والدليل على أن المجتهد لا يقلد المجتهد قول ابن مسعود: لا يكن أحدكم إمعة، والله يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فالذي يستنبط يرجع إليه ولا يرجع هو لأحد، وأيضاً يحرم عليه أن يقلد من جهة النظر، فهذا ازدراء منه لنعمة الله جلا في علاه، لأن الله حباه فهماً في الكتاب وأمره أن يكون من حملة الكتاب، وأمر الناس أن يرجعوا إليه، فلا يجوز له أن يزدري نعمة الله عليه وينزل من هذه الطبقة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ومفهوم الشرط من الآية: أنه لا يجوز لك أن تسأل إن كنت تعلم.
وقوة مذهب الشافعي تتجلى في تأصيله وأصول مذهبه، فقد جمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، فأخذ علم الحديث من الإمام مالك وتشبع به حتى لقبه أهل العراق بناصر السنة، وذهب إلى محمد بن الحسن الشيباني وناظره وأخذ منه فقه مدرسة الرأي، فجمع بين علم الحديث وعلم الرأي، فكان فقيهاً ينزل النوازل في منازلها وكان يقدر الأمور كما سنبين في أصوله.
وهذا المذهب كتب الله له الانتشار في جميع أنحاء الأرض، أولاً: في العراق عندما كتب كتابه القديم، وهو المذهب القديم، وقد رحل إلى اليمن فانتشر مذهبه في اليمن، وقد كان أهل اليمن على مذهب مالك وبعدما ذهب الشافعي إلى اليمن صار أكثر اليمنيين شافعية، ومنهم زيدية، ومن أحسن كتب الفقه الشافعي: كتاب البيان للعمراني، وهو شرح آخر للمهذب غير المجموع، وهذا العالم يمني، وقد ظهرت في كتابه قوة أهل اليمن في مذهب الشافعية، ولما رجع الشافعي إلى مصر انتشر المذهب الشافعي في مصر، وتوفي الشافعي في مصر وهو مدفون في القاهرة، وتشرفت مصر بهذا الإمام المطلبي الذي هو ابن عم رسول الله ﷺ ، وقد جاء حديث فيه كلام لكن أحمد كان يأخذ به وهو: (يخرج على الدنيا عالم من قريش يملأ الدنيا علماً) قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.
стр. 7
مذهب أحمد
المذهب الرابع: مذهب الإمام أحمد، والمحققون يرون أن أصول هذا المذهب ترجع لأصول الشافعية، ومذهب الإمام أحمد مذهب فقهي أثري، يعني: ليس له رأي فقهي منفرد، لأن الإمام أحمد كانت أصوله الكتاب والسنة وآثار الصحابة، ويأخذ بالحديث الحسن لغيره، وإذا وجد في المسألة قولاً لصحابي أخذ به، وقال: هذا إجماع سكوتي، وإن اختلفت الأقوال عن الصحابة أخذ بها كلها، ولذلك تجد أصحابه يقولون: أحمد له في هذه المسألة أربعة أقوال، وأكثر مذهب فيه أقوال كثيرة لإمامه هو المذهب الحنبلي؛ لأنه كان يرى أثراً عن عمر فيقول به، ثم يجد أثراً آخر بسند صحيح عن زيد فيقول به، وهكذا فتكثر أقواله؛ لأنه يجمع هذه الآثار ولا يرجح بينها، وهو مذهب متين أصيل لأنه يعتمد على الأثر.
стр. 8
قوة المذهب الشافعي
الله جل وعلا حبا هذه الأمة بأربعة مذاهب لفحول أربعة انتشرت مذاهبهم: المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، والمذهب الشافعي هو أقوى المذاهب على الإطلاق، وقد سألت شيخي حفظه الله أبا إسحاق الحويني -وهو من خيرة الناس- عن أقوى المذاهب، وكان هو قد سأل الشيخ الألباني عن أقوى المذاهب التي يمكن أن يتأصل عليه طالب العلم، والألباني جبل شامخ لا يستطيع أحد أن يصل إلى درجة هذا الجبل، وهو فحل من الفحول، جمع علم الحديث والأصول والفقه، وكان من أقوى الناس مناظرة، وقوة الجدل والمناظرة لا تكون إلا عند إتقان أصول الفقه والقواعد الفقهية، فالرجل كان فحلاً بحق، ولا يصح أن يقال عن الشيخ الألباني ظاهري، وقد يقال: قوله في هذه المسألة يشابه قول الظاهرية، لكن لا يقال: هو ظاهري، أو يقال: ليس بفقيه، فهذا لا يصح مع فحل من فحول الأمة، ولا بد أن نتأدب ونتعلم أن ننزل الناس منازلهم، وهو ينتصر دائماً للكتاب، ولا يأخذ بمذهب معين، فعندما سأله الشيخ أبو إسحاق قال له: الكتاب والسنة، فقال: يا شيخنا! الناس يقولون: لا بد أن يتأصل الطالب على مذهب -وهذا صحيح فلا بد أن يتأصل طالب العلم على مذهب، وليس كل طالب علم يستطيع أن يستنبط الحكم من الكتاب والسنة، فالناس يتفاوتون في العقول والأفهام، وفضل الله يؤتيه من يشاء- فقال الألباني: إن كان لابد فالمذهب الشافعي ثم الحنبلي، قال: وأكثر المحدثين من الشافعية.
فهذا المذهب قوته تظهر في أنه جمع بين علمي الحديث والفقه.
стр. 9
ترجمة الشافعي
إمام هذا المذهب هو: الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي ابن عم رسول الله ﷺ ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، نشأ يتيماً، وهذا هو دأب العلماء، فقد يكون أحدهم فقيراً، وما ترى عالماً كان غنياً، بل قال الإمام مالك: لن يصل أحد لهذا العلم إلا من أدقعه الفقر.
وقد ولد بغزة ثم ارتحل مع أمه إلى مكة، فاشتغل بالأدب والبلاغة والشعر، وقابل مسلماً بن خالد الزنجي وهو ليس زنجياً، بل كان شديد البياض، فلقبوه بالعكس، كما هو دأب العرب، فنظر إلى الشافعي وقال له: من أين أنت؟ فقال: أنا مطلبي، فقال: بخ بخ! هلا جعلت فهمك هذا في الفقه؛ فانشغل بعلم الفقه، فأخذ الفقه على يد مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي، ثم ذهب بعد ذلك إلى المدينة فسمع من مالك الموطأ، وكان الإمام مالك ذو هيبة عظيمة، وكان إذا أراد أن يحدث بحديث النبي ﷺ اغتسل أولاً ثم تطيب بأحسن طيب ثم جلس وطلبة العلم جالسون أمامه كأن على رءوسهم الطير، والإمام الشافعي حضر مجلسه وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وجلس في آخر المجلس يستمع للإمام مالك، ولم يكن معه قلم ولا أوراق، وكان الإمام مالك يقرأ عليهم الحديث؛ لأن المحدث أما أن يملي وأما أن يُقرأ عليه فيقر، فكان يملي الأحاديث والشافعي يسمع الحديث ويضع أصبعه في فمه، فتعجب مالك منه، وكان الإمام مالك من أشد الناس تعظيماً لحديث النبي ﷺ ، وقد روي عنه أنه كان لا يمشي في المدينة إلا حافياً، فلما سئل عن ذلك قال: احتراماً لصاحب القبر، فلما عظم سنة النبي ﷺ عظمه الله جل في علاه، وأصبح مذهبه منتشراً في كل البلاد والأمصار والأعصار، وهذا هو الذي رفعه على كثير من الفقهاء الذين يتقدمونه فقهاً، فبعد أن انتهى المجلس قال للشافعي: تعال، فجاءه فأغلظ له مالك في القول، وقال له: مالي أراك سيئ الأدب! فقال الشافعي: وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: ألا تراني أحدث عن رسول الله ﷺ وأنت تضع أصبعك في فمك؟ قال: كنت أكتب الحديث عنك، فسرد كل الأحاديث التي سردها الإمام مالك، وكان الشافعي صاعقة في الحفظ، وكان إذا قرأ القرآن ونظر إلى صفحة وضع يده في الصفحة الأخرى حتى لا يقرأ الصفحتين، فكان صاعقة في الحفظ، فلما سرد له الأحاديث أعجب به مالك، ودأب العلماء والفقهاء أنهم يميزون طلبة العلم الأذكياء عن غيرهم فأخذه إلى بيته، فقرأ عليه الموطأ في عشرة أيام من حفظه غيباً، فأعجب مالك به كثيراً وكان يقول له: زد في القراءة؛ لأنه كان فحلاً في اللغة، فلما قرأ على مالك الموطأ قال له الإمام مالك: إنه سيكون لك شأن، فعليك بتقوى الله واجتنب المعاصي، ثم قال: أريد أن أرحل إلى العراق، فجاءت هدية إلى الإمام مالك فقسمها بينه وبين الشافعي، وودعه وذهب الإمام الشافعي إلى العراق، وصار يتعلم من فقهاء مدرسة الرأي، وكان يناظرهم، فعندما دخل المسجد أول مرة بدأ يبين مذهبه، وكان إذا رأى خطأ تكلم ولم يسكت، فقام القوم عليه وكادوا يقتلونه، وقالوا لـ محمد بن الحسن: هناك رجل يشوش علينا فناظره، وهو من مكة، وكان المحدثون في العراق يهابون أهل الرأي؛ لأن أهل الرأي إذا تكلم المحدث بالحديث قالوا له: هل هذا الحديث عام أم خاص؟ هل هذا الحديث مطلق أم مقيد؟ فما يعرف، فكانوا يغلبونهم مع أن الآثار معهم؛ لأنهم كانوا يحملون الأحاديث فقط: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فكانوا يخافون من أهل الرأي، فلما ناظروا الشافعي سألوه: كيف تدخل في الصلاة؟ فقال: بركنين وسنة، فلما سمعه محمد بن الحسن علم أن له قسطاً من العلم فأخذه إلى بيته، فلما ناظر الشافعي ما استطاع أن يغلبه، وعلم أن له مكانة في العلم، فانتشر مذهب الشافعي والتف حوله أهل الحديث لما علموا أنه ينصر سنة النبي ﷺ ؛ ولأنه الوحيد الذي يستطيع أن يجابه أهل الرأي، فالتفوا جميعاً حوله، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل ينهى عنه، ويحسب أنه من أهل الرأي، فلما علم أنه ناصر للحديث لازم الشافعي، فكان أحمد يعرف قدر الشافعي، ولما عاتبه يحيى بن معين على مجالسته للشافعي رد عليه، وقد كان يحيى يتكلم في الشافعي.
ألف الشافعي المذهب القديم في العراق ثم بعد ذلك رحل إلى مصر فنظر في كلام الليث ونظر في الآثار، فغير كثيراً من أقواله من المذهب القديم إلى المذهب الجديد الذي كتبه في مصر، وأخرج كتاباً يخالف فيه مالكاً مع أنه شيخه، لكنه خالفه في مسائل كان الأثر والحجة بخلاف قول مالك، وقد ورد عن الشافعي بسند صحيح أنه قال: أجمعت الأمة على أنه من استبانت له سنة رسول الله فلا يحل له أن يحيد عنها لقول قائل كائناً من كان.
стр. 10
أصول مذهب الشافعي
ارتكز الشافعي في مذهبه على كتاب الله جل في علاه، فهو مصدر التشريع الأول، وهو الكتاب المعجز الذي تكلم به جل في علاه وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي ﷺ ، وهذا الكتاب نبراس كل من يريد النجاة، فكان الشافعي يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرف الظاهر إلى المؤول، وهذا يظهر جلياً في مسألة نقض الوضوء من لمس المرأة، فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣]، قال ابن عباس: هو الجماع، وهي كناية وهذا من أدب القرآن، لكن الشافعي قال: هذا خلاف الظاهر، وأصولنا أننا نأخذ بالظاهر، وعضد هذا الظاهر بالقراءة السبعية: (أو لمستم النساء)، فكان يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرفه، هذا هو الأصل الأول عند الشافعي.
الأصل الثاني: السنة، وهي قرينة للأصل الأول، فكان يأخذ بسنة النبي ﷺ الصحيحة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: كل قول لي رأيتم قول رسول الله ﷺ يخالفه فاضربوا بقولي عرض الحائط، وخذوا بقول النبي ﷺ .
واشتهر عنه أيضاً أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
فأي حديث يخالف ما تبناه الشافعي فإن البيهقي يقول: وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
الأصل الثالث: إجماع الأمة؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلال، والإجماع فيه نظر عند الشافعي وعند الإمام أحمد، والشيخ الألباني مجدد السنة في عصرنا ومحدث الديار الشامية عندما قال: إن الذهب المحلق لا يجوز لبسه، فعارضوه بالإجماع، فقال بقول أحمد المشهور الذي استقاه من الشافعي: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؟! فالإجماع نادر جداً، لكن الإمام الشافعي يقول: إذا وجد أخذنا به، والإجماع عزيز جداً إلا في عصر الصحابة وعصر التابعين، فبعدهم تشعبت السبل وكثر الفقهاء والعلماء فصعب نقل الإجماع.
الأصل الرابع: القياس، والقياس عنده مثل أكل المضطر للميتة، فهو ليس بواسع الخطوة في القياس، والقياس لا يدخل فيه الاستحسان عند الإمام الشافعي، وبعض العلماء يدخل الاستحسان في باب القياس، فـ الشافعي لا يقول بالاستحسان، وهو الاستحسان المطلق، فقد قال الشافعي: من استحسن فقد شرع.
وأيضاً: فالشافعي يقول بقول الصاحب على خلاف في اعتباره من أصول المذهب، والراجح: أن قول الصاحب حجة إن لم يخالفه أحد؛ ولذلك كان يقول الشافعي: هذا إجماع سكوتي.
فهذه أصول مذهب الشافعي، وتظهر قوة هذا المذهب في أصوله.
стр. 11
مصطلحات في الفقه الشافعي
توجد مصطلحات في مذهب الشافعي لا بد لكل طالب علم أن يتقنها وهي: المصطلح الأول: في المسألة قولان، أي: لصاحب المذهب الشافعي قولان: قول قديم وقول جديد، فالقول القديم هو: قوله في المذهب القديم الذي ألفه في العراق، والجديد هو: الذي ألفه في مصر، والمحققون في المذهب الشافعي يرون أن المذهب الجديد المتأخر ينسخ المتقدم، فعندهم الفتوى على المذهب الجديد إلا في عشرين مسألة فقط يفتون فيها على المذهب القديم.
المصطلح الثاني: في المسألة وجهان، فالمراد بالوجه: تخريج الأصحاب على أصول الشافعي، وأبرع الناس الذين يخرجون على أصل الشافعي: القفال وطبقته، فكيف يخرجون على أصل الشافعي؟ مثلاً: توجد مسألة لم يرد فيها قول عن الشافعي، فيأتي القفال فينظر في أصول الشافعي التي أصلها في كتابه الرسالة مثلاً، والتي كان الشافعي يمشي عليها، فيخرج له قولاً في هذه المسألة على أصول الشافعي، فيسمى هذا في المذهب: وجهاً ولا يسمى قولاً، فالقول هو ما ينسب للشافعي بلسانه، والوجه هو: ما ينسبه المخرج المجتهد في المذهب، ويعتبر وجهاً معتمداً للشافعي ولو لم يقله الشافعي.
المصطلح الثالث: الصحيح، أي: هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي، فإذا وجدت النووي مثلاً يقول في المجموع: الصحيح، فالمقصود أن هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي.
المصطلح الرابع: الأظهر، معناه: أن في المسألة خلافاً قوياً، فدليل القول الأول قوي، ودليل القول الثاني قوي، فهما على درجة قوية لكن الأول أقوى بشيء ظهر عند مجتهد الفتوى، ومجتهد الفتوى مثل: الرافعي والنووي، أما القفال وطبقته فهم مجتهدون في التخريج، فـ القفال أقوى مكانة من النووي.
وقولهم: الأظهر هو: ترجيح الأصحاب، وليس ترجيح الشافعي؛ لأنه ورد عنه قولان، فيرى المجتهد أن القول الأظهر في المذهب كذا، فيقول: هذا هو الأظهر الذي يدل عليه الدليل، وهو أشبه بقول الشافعي.
المصطلح الخامس: المشهور، وهذا المصطلح فيه دلالة على أن في المسألة خلافاً ضعيفاً، ففي المسألة قولان ولكن القول الثاني مهجور، وما يهجره أحد إلا لضعفه.
المصطلح السادس: الأصح، وهذه الكلمة تدل على أن هذا هو الأصح من أقوال الشافعي، فتكون قد وردت له أقوال، لكن الأصح هو هذا القول الذي رجحه مفتي المذهب، وقد يكون هذا هو الأصح من الأوجه.
المصطلح السابع: أصح الأوجه، وهذا يكون في الأصحاب، فيأتي مجتهد الفتوى فينظر في هذه التخريجات، فمثلاً أبو حامد الإسفراييني خرج قولاً، والقفال خرج قولاً، فيأتي النووي أو الرافعي فيميز بينهما فيرجح وجهاً على وجه، فيكون ما رجحه هو الأصح.
المصطلح الثامن: الأشبه، يعني: أن هذا هو الأشبه بقول الشافعي، فقد ترد أقوال مختلفة تنسب للشافعي، فينظرون إلى تقعيد وتأصيل الشافعي فيقولون: هذا القول أشبه بقول الشافعي.
стр. 12
مختصر المزني في فقه الشافعي
مختصر المزني مجلد واحد كبير، شرحه الماوردي في أربعة وعشرين مجلداً، قال بعضهم: في مختصر المزني: ما رأت عيني ولا سمعت أذني بأفضل من مختصر المزني، والمزني كان صاعقة، قال فيه الشافعي وهو يموت: لو خاصمك الشيطان لخصمته، لقوة حجته، ولذلك العلماء يجعلونه في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية، فهو مجتهد مطلق منتسب، والفرق بين المجتهد المطلق المنتسب والمجتهد المطلق غير المنتسب: أن الثاني ليس له مذهب محدد، مثل الشوكاني والصنعاني، أما ابن حزم فهو يلتزم بالظاهرية، وشيخ الإسلام ابن تيمية مجتهد مطلق منتسب للحنابلة، وأحياناً يميل للشافعية.
فـ المزني قد يخرج قولاً ويقول: هذا أشبه بقول الشافعي عندي، وهذا كثير في مختصره.
وينبغي لطالب العلم أن يرتقي بعد ذلك فيقرأ مغني المحتاج للشربيني أو يقرأ روضة الطالبين للنووي، أو يقرأ شرح مختصر المزني للماوردي، أو يقرأ المجموع للنووي.
стр. 13
أقوال العلماء في الشافعي
مكانة الشافعي بين علماء الإسلام عظيمة، وسأختصر أقوال أهل العلم فيه، والشافعي له منة على كثير من أهل الإسلام، فمن هذه الأقوال: قال الحميدي: سمعت مسلماً بن خالد يقول للشافعي: قد والله آن لك أن تفتي، والشافعي ابن خمس عشرة سنة.
وهذا يحيى بن سعيد القطان الذي هو نقاد فحل من أساطين أهل الحديث، الذي كان يجلس أمامه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل كالتلاميذ، وقد كان شديداً في الجرح والتعديل، قالوا: إذا وثق أحداً فعض عليه بالنواجذ، قال يحيى بن سعيد القطان: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين، وقال حين عرض عليه كتاب الرسالة: ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي هو الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، وكان من أئمة أهل الحديث، قال العلماء: إذا اتفق ابن مهدي والقطان على توثيق رجل فلا تسأل عنه أحداً بعد ذلك؛ لأنه قد مر وجاوز القنطرة، يقول ابن مهدي إمام عصره في الفقه والحديث حين جاءته رسالة الشافعي: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي؛ لأنه بين له العام من الخاص والمطلق من المقيد والمجمل من المفسر، وبين له كيف يجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وقتيبة بن سعيد ثقة ثبت من رجال الصحيحين قال: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، والثوري كان بحراً في الحديث، بل كان أوسع حفظاً من الشافعي بالإجماع، وبموت أحمد بن حنبل تظهر البدع، فهو إمام أهل السنة، قال بعضهم: إن الله حفظ الدين بـ أبي بكر في الردة، وبـ أحمد بن حنبل في المحنة، وهي محنة خلق القرآن.
ومعنى قول قتيبة: مات الشافعي وماتت السنن، مع أن السنن برمتها عند الثوري، أنه يوصف العالم بما غلب عليه، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية غلب عليه الفقه، والترجيح بين الأقوال، فيجعل في طبقات الفقهاء، مع أنه بارع وإمام في الحديث، ويصح أن يطلق عليه أنه الحاكم، لكن غلب عليه الفقه، وهكذا الشافعي الغالب عليه الفقه، وأحمد الغالب عليه الحديث، فيوصف العالم بالغالب عليه.
أيضاً الشافعي خص بذلك لأنه الذي ناظر أهل البدع لتثبيت السنن، فـ الشافعي ناظر مدرسة الرأي ليظهر قوة مدرسة الحديث، وما أحد استطاع أن يقف أمامهم إلا هو، فـ الثوري وهو من أهل الكوفة ما استطاع أن يقف هذا الموقف الذي وقفه الشافعي؛ ولذا لقبوه: ناصر السنة.
قال أحمد بن حنبل: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فقل فيها بقول الشافعي، وقد جاء في الأثر: أنه يخرج عالم من قريش يملأ الدنيا علماً، قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.
أيضاً قال أحمد في الشافعي: ما أرى أحداً أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا شك أن المنة لله أولاً وآخراً، فالله من عليه بالإسلام ومن عليه بالعلم، لكنه يقصد أنه أجلى روعة الإسلام وروح الشريعة بعلمه.
وقال الإمام أحمد أيضاً: كان الفقه مقفلاً على أهله حتى فتحه الله بـ الشافعي.
وقال: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني أحاديث رسول الله ﷺ حتى بينها لهم الشافعي.
وقال لابنه: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل ترى لهذين من عوض؟ وأبو ثور الكلبي كان من أصحاب الرأي، فلما رحل الشافعي إلى العراق جلس أبو ثور ينظر في كتبه فانتحل مذهب الشافعي ونصره، قال: كنت أنا وإسحاق بن راهويه والكرابيسي وجماعة من العراقيين لا نترك بدعتنا -يقصد التمسك بالرأي دون حديث- حتى رأينا الشافعي.
وقال الكرابيسي: ما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة ولا الإجماع حتى سمعناه من الشافعي.
وقال أيضاً: ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه وأهل الشعر، فكل يأخذ وينهل من علمه، وهذا العلم الواسع ما آتاه الله إلا لـ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].
والنبي ﷺ يقول: (الخير في أمتي كالمطر لا يدري في أوله أو في آخره)، فطلب العلم كان كثيراً في الزمن الأول، لكن العلماء المقتدى بهم قلة، فقد نظر شعبة إلى مجلس أهل الحديث وهو يكتظ بطلبة الحديث، فقال: لو يخرج منهم ثلاثة.
وأبو داود الطيالسي يقول: فرأيت فما خرج منهم ثلاثة! والثوري كان يقول: الذين يتعلمون العلم ثلث تشغلهم الدنيا، وثلث يتزوجون، وكان يقول: من تزوج فقد ركب البحر! قال: وثلث يكتبون ولا يعقلون، ولا يخرج منهم إلا قليل.
هذا كلام الثوري وقد كان في القرون الثلاثة الأولى، والنبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يسير على الدرب، فنسير بطاقتنا وبما نستطيع، فلا نحسب أننا من طلبة العلم، بل نتشبه بهم، ونسير خلفهم سير النمل، لكن من سار على الدرب وصل، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يتفقه في دينه.
стр. 14
من أقوال الشافعي
كان الشافعي يقول: العلم أفضل من صلاة النافلة؛ وذلك لأن صلاة النافلة نفعها ذاتي، والقاعدة عند العلماء: أن النفع المتعدي أفضل من النفع الذاتي، والدليل على ذلك: حديث: (الدال على الخير كفاعله)، فله مثل أجور من تبعه، ولذلك المبتدع الذي ينشر بدعته أشر عند الله من المبتدع الذي يخفي بدعته ويتعبد بها فقط.
وقال الشافعي أيضاً: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة.
وقال أيضاً: زينة العلم الورع والحلم.
وقال: من أراد أن تقوى حجته فعليه بالحديث، ومن أراد أن يرجح عقله فعليه بالفقه.
وقيل للشافعي: مالك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر نفسي أني مسافر، يعني: من الدنيا، ففي الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)، وأخذ العصا سنة في الخطبة.
وقال الشافعي: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
وقال أيضاً: للمروءة أربعة أركان: الأول: حسن الخلق، والثاني: السخاء، والثالث: التواضع، والرابع: النسك.
نسأل الله جل في علاه أن يجمعنا بكم مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
стр. 15
شرح متن أبي شجاع - شرح مقدمة المؤلف
يجب على المسلم أن يتفقه في أمور دينه، حتى يعبد ربه على علم وبصيرة، وقد ألف العلماء قديماً وحديثاً في الفقه مؤلفات كثيرة، في جميع المذاهب الإسلامية، وهناك المطولات والمختصرات، ومن المختصرات المفيدة متن أبي شجاع، وهو في فقه الإمام الشافعي ﵀.
стр. 16
شرح مقدمة المؤلف
стр. 17
معنى الفقه وأهميته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين, وصحابته أجمعين.
قال القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسن بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى: سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى أن أعمل مختصراً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى, في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز؛ ليقرب على المتعلم درسه, ويسهل على المبتدئ حفظه, وأن أكثر فيه من التقسيمات, وحصر الخصال, فأجبته إلى ذلك طالباً للثواب، راغباً إلى الله في التوفيق للصواب, إنه على ما يشاء قدير, وبعباده لطيف خبير].
هذا المتن في الفقه, والفقه لغةً هو: الفهم أو دقة الفهم كما قاله المحققون.
وفي الاصطلاح هو: معرفة الأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية.
والضوابط والقواعد التي يصل بها الفقيه إلى الأحكام من أدلتها التفصيلية إما أن تكون نصاً أو استنباطاً, نصاً يعني: بالآثار, أو استنباطاً يعني بالقياس وغيرها من الأدلة الأصولية.
وعلم الفقه من أفضل العلوم, وأعزها, والفقهاء قلة, فإذا تصفحت التراجم وجدت المحدثين كثرة كاثرة, وهبهم الله حفظاً بالغاً وضبطاً وإتقاناً في حفظ سنة النبي ﷺ , لكن الفقهاء الذين يتفقهون ويعقلون الأحكام من هذه الأحاديث النبوية قلة, والله جل وعلا يصطفي من يشاء من عباده, ولذلك كان كثير من علمائنا يقولون: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه, فالمتن هو: رأس الأمر, وقد قال النبي ﷺ : (رب حامل فقه ليس بفقيه)، وقد أخذ على كثير من المحدثين أنهم لم ينشغلوا بفقه ما يحملون, فمثلاً ابن صاعد الذي قال عن البخاري: الكبش النطاح, كان رجلاً محدثاً بارعاً حافظاً متقناً, جلس يوماً في مجلس التحديث, فدخلت عليه امرأة فسألته فقالت: عندنا بئر, وقعت فيه دجاجة فماتت فما الحكم؟ فقال لها: ويحك يا امرأة! لمَ لم تغط البئر؟! ولم يجد لها إلا هذا الجواب, وهي قد جاءت تسأل عن هذا الماء الذي وقعت فيه الدجاجة فماتت, هل هو طهور أو نجس؟ فالفقه علم عزيز, وأعلى طبقات الفقهاء هم: فقهاء المحدثين، وهذا المتن الماتع ليس معتمداً في مذهب الشافعية، لكنه متن سهل يسير يقرب لطالب العلم المذهب الشافعي، لا سيما وأننا سنترك ذكر الخلافات حتى نتأصل على هذا المذهب.
стр. 18
مشروعية بدء الكتب البسملة
ابتدأ المصنف ﵀ تصنيفه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم, والبدائة ببسم الله الرحمن الرحيم من روائع البيان, لأنه يقتدي بكتاب الله جل في علاه, ويقتدي بسنة النبي ﷺ , فالله ابتدأ كتابه بالبسملة, والبسملة آية من آيات الفاتحة, وهي آية مستقلة تفصل بين السور، وهي بعض آية من سورة النمل.
وقد ورد فيها حديث اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه، ومعناه صحيح , وله شواهد كثيرة تقويه, وهو: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) , هذا من القول, أما من الفعل فإن النبي ﷺ كان يبعث بالرسائل ويكتب: [بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى فلان].
стр. 19
إعراب البسملة وشرحها
أما إعراب (بسم الله الرحمن الرحيم): فالباء: حرف جر.
واسم الله مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: أستعين ببسم الله، أو أبتدئ أو أفتتح أو أصنف أو أكتب ببسم الله, وهذه البسملة للاستعانة, أي: أستعين ببسم الله، وأيضاً تكون للتبرك، وقد بدأ بذكر اسم الله؛ لأن اسم الله يتقدم ولا يتقدم عليه شيء.
واسم: مشتق من السمو وهو العلو، والعلو في حق الله حق, فالله له العلو المطلق, علو القهر وعلو الشأن وعلو الذات, وقيل: مشتق من السمة وهي العلامة, وهذا أيضاً حق، فإن كل اسم من أسماء الله هو من الأسماء الحسنى؛ لأنه علامة على ذات الله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال.
والله هو: الاسم الأعظم كما رجح ذلك كثير من المحققين؛ لأن أكثر اسم ذكر في القرآن هو الله, فقد ذكر أكثر من ألفي مرة، وأيضاً فالله تضاف إليه كل الأسماء وهو لا يضاف للأسماء, فكل اسم أضيف إلى الله يكون صفة لاسم الله جل في علاه، وهو علم على ذات الله, وكل اسم يضاف إليه يكون صفة, تقول: الله الكريم، فالكريم صفة لله, الله الرحيم، فالرحيم صفة لله, الله الرحمن فالرحمن صفة لله جل في علاه.
والله هو الاسم الأعظم لله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال وهي صفة الإلهية، فالله هو الذي تألهه القلوب وتحبه تذللاً وخضوعاً, وإذا ذكر اسم الله في كثير زاده بركة, وإذا ذكر في قليل كثره، وبذكره تغفر الزلات، وترفع الدرجات، وتنال الحسنات, وترفع البليات.
والرحمن: اسم من أسماء الله، وهو علم على ذات الله، ويتضمن صفة الرحمة، وهذه صفة ذات، والرحيم صفة فعل, ويمكن أن نقول: الرحمن ذو الرحمة الواسعة العامة, والرحيم ذو الرحمة الخاصة، فصفة الرحمة في الرحمن تعم الكافر والمؤمن, وأما في الرحيم فتخص المؤمن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
стр. 20
معنى الحمد
قال: (الحمد لله رب العالمين) الحمد هو: الثناء الحسن على الذات الإلهية؛ لأنه متصف بصفات الجلال وصفات الكمال الذاتية اللازمة, والصفات المتعدية, فالعبد يثني على الله بما هو أهل له.
والحمد يحبه الله, وهو من أجل العبادات, قال النبي ﷺ : (لا أحد أحب إليه المدح من الله جل في علاه)، فأفضل ما تتقدم به بين يدي خطبتك أو تصنيفك أو كلامك هو حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له, وأفضل ما تثني على الله بما هو أهل له توحيد الله جل في علاه, كأن تقول: وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك, لك الملك ولك الحمد, تحيي وتميت, وأنت على كل شيء قدير, أو تقول: أشهد أن لا إله الله, وأن محمداً عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق إلى آخره، فهذا من أبلغ الثناء على الله جل في علاه, وهو إفراد الله جل في علاه بالتوحيد.
(الحمد لله رب العالمين) الرب هو: الخالق الرازق المدبر سبحانه جل في علاه, يملك كل شيء, وما من شيء في الكون إلا يقول له: كن فيكون.
стр. 21
معنى الصلاة على النبي
قوله: (وصلى الله على سيدنا محمد النبي) هذا من أدب المصنف، فإنه ابتدأ التصنيف أولاً بالثناء على الله جل في علاه, ثم أثنى على ناقل الشرع وهو رسول الله ﷺ .
والصلاة على أقسام ثلاثة: الصلاة من العبد, والصلاة من الملائكة, والصلاة من الله جل في علاه, فالصلاة من العبد: الدعاء، كحديث: (كم أجعل لك من صلاتي؟ أجعل لك الثلث الشطر, ثم قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر ذنبك) وفي الحديث الآخر: (من دعي إلى طعام وكان صائماً فليأكل أو ليصل) يعني: يدعو.
والصلاة من الملائكة: الاستغفار، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، والجمهور يرون أن الصلاة من الله: الرحمة, والصحيح: أن الصلاة من الله ليست الرحمة، بل الصلاة تغاير الرحمة, وإنما هي الثناء على النبي ﷺ في الملأ الأعلى, وهي تستلزم الرحمة، إذ أن الله جل في علاه لو أثنى على أحد في الملأ الأعلى فلازم هذا الثناء أن يرحمه ويجزل له العطاء , قال أبو العالية: صلاة الله على العبد هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى, وهذا قول أهل التحقيق، ودليل المغايرة بين الرحمة وبين الصلاة: قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، فغاير بين الصلاة وبين الرحمة، والأصل في العطف المغايرة.
إذاً: قوله: وصلى الله على سيدنا محمد أي: اللهم أثني على محمد ﷺ ثناءً حسناً في الملأ الأعلى.
стр. 22
فوائد الصلاة على النبي وحكمها
الصلاة على النبي ﷺ فيها فوائد كثيرة منها: إذا صليت عليه مرة صلى الله عليك بها عشراً.
أيضاً: إذا أكثرت من الصلاة على النبي ﷺ تكفى همك ويغفر لك ذنبك.
قال: (صلى الله على سيدنا) هل يصح أن يسيد الإنسان النبي ﷺ في مصنفاته وكتاباته؟ نعم، ولم لا؟! فإن النبي ﷺ قد صح عنه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فالسيادة للنبي ﷺ ثابتة في الدنيا بهذا الحديث، وفي الآخرة في مقام الشفاعة عندما يذهبون إلى كل نبي ويقول: لست لها, فيأتي الناس إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها) , فتظهر سيادة النبي ﷺ في الآخرة.
وهل الصلاة على النبي ﷺ واجبة أم هي سنة؟
الجواب
واجبة، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فقال: صلوا، وهذا فعل أمر، والأصوليون يقولون: ظاهر الأمر الوجوب مالم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي ﷺ , لكن اختلفوا في مواضع الوجوب, وهذا الخلاف مبني على مسألة أصولية وهي: هل الأمر الذي يدل على الوجوب يدل على التكرار أم لا بد من قرينة؟ فمن قال: يدل على التكرار قال: يجب على المسلم أن يكرر الصلاة على النبي ﷺ , وقيل: موضع الوجوب في الخمس الصلوات بعد التشهد الأخير، وهذا قول الشافعي وانفرد به عن الجمهور, فإنه يرى بطلان صلاة الذي لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير خلافاً للجمهور, وقول الشافعي هذا هو الأصح وهو الأحق, والقول الثالث: يجب مرة واحدة , والقول الرابع: يجب كلما ذكر النبي ﷺ ، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (رغم أنف امرئ) إلى آخر الحديث, وأيضاً حديث: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل عليّ).
والراجح الصحيح: أنها تكفي مرة واحدة، لكن لو ذكر عنده النبي ﷺ ولم يصل عليه فهو من أبخل البخلاء، بل يكون عند ربه مذموماً, لكنه لا يأثم إذا أتى بها مرة واحدة، أما الصلاة عليه في الصلوات فالراجح: الوجوب.
стр. 23
أسماء النبي ﵊
قوله: (وصلى الله على سيدنا محمد) محمد اسم من أسماء النبي ﷺ , والنبي ﷺ له أسماء عديدة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وتسعين اسماً, هذه الأسماء كلها نسبت لرسول الله ﷺ , فيها المحامد والخصال الحسنة, ولكن لم تثبت كلها، فمثلاً جعلوا من أسمائه طه، وهو ليس اسماً للنبي ﷺ !! ومن أسمائه الثابتة: محمد وأحمد، وهما يدلان على امتلاء الحمد, وقد ذكر في السير: أن عبد المطلب لما سماه محمداً سألوه عن ذلك فقال: أرجو أن يحمد في الأرض وأن يحمد في السماء, وقد كان ذلك، فالله جل في علاه كرم رسوله ﷺ , فهو يثنى عليه في الملأ الأعلى كما يثنى عليه في الأرض, فهو كثير خصال الحمد، ويحمد من قبل الناس، فيكثرون من حمده، ويحمد من قبل الملائكة, وهو محمود عند ربه جل في علاه.
стр. 24
الفرق بين الرسول والنبي
قوله: (محمد النبي الأمي) ذكر النبي وما ذكر الرسول؛ والرسول أعم من النبي، فالنبي مشتق من النبأ وهو الخبر، والنبي مخبر من قبل الله، وهو مخبِر عن الله جل في علاه, وأما الرسول فقيل: هو كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ، والراجح عند أهل التحقيق: أن النبي كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ, والرسول كل من أوحي إليه بوحي وأمر بتبليغه.
إذاً: يتفقان في الوحي, ويفترقان في التبليغ, فكل رسول نبي ولا عكس.
стр. 25
جميع الأنبياء رجال
والرسل رجال وليسوا بإناث بحال من الأحوال، وشذ ابن حزم فقال: مريم لها نبوة، وهذا كلام باطل مصادم مصادمة صريحة لكلام الله جل في علاه ولكلام النبي ﷺ , قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، وجه الدلالة: أسلوب الحصر بما وإلا، فالنفي والإثبات من أساليب الحصر، فالله حصر النبوة والرسالة في الرجال, فكأنه يقول: خرج كل أحد يوحى إليه إلا الرجال.
стр. 26
المقصود بآل النبي ﵊
قوله: (على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين) , اختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال ثلاثة: القول الأول: كل مؤمن تقي بار, وبعضهم قال: كل الأمة هم آل النبي ﷺ , والدليل قول النبي ﷺ : (إن آل فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون)، فالآل هو: الولي الذي يناصر ويظاهر وينشر سنة النبي ﷺ .
القول الثاني: قال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب, وهما كما قال النبي ﷺ : (لم يتفرقا في الجاهلية ولا في الإسلام) لم يفترقا بحال من الأحوال, لذلك رجح الشافعي أن آل النبي ﷺ هم: بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
القول الثالث: آل بيت النبي ﷺ هم عترته فقط.
والتحقيق أن نقول: آل النبي يذكرون على الانفراد ويذكرون مع غيرهم, فإذا ذكروا على الانفراد فالمقصود بهم: كل تقي بار, وإذا ذكروا على الاجتماع فالمقصود بهم: عترة النبي ﷺ .
ثم ذكر المصنف الباعث له على تصنيف هذه الرسالة، وقد كان العلماء ليسوا مثلنا تعج الأسواق بالكتابات، فالإمام أحمد نفسه عندما سئل أن يكتب أو يصنف قال: أكتب حديث النبي ﷺ .
فالمصنف يبين الباعث لكتابته لهذا المتن المختصر, وهو أنه سأله بعض الأصحاب أن يكتب لهم مختصراً في فقه الإمام الشافعي، ويقرب لهم هذا الفقه وأصول هذا المذهب الذي تبنوه, فالباعث له كان حاجة الناس لأن يكتب, وكثير من الناس شرحوا هذا المختصر، وهذا علامة ودلالة وإشارة على إخلاصه في تصنيفه، لأنه ما صنفه لنفسه ولا لذاته, ولكن صنفه من أجل حاجة الناس, ومثل ذلك البخاري في صحيحه الذي جمع فيه حياة النبي ﷺ ، وأحوال النبي ﷺ , وأقوال النبي ﷺ , وأفعال النبي ﷺ , فقد قال: وجدت الناس في حاجة ماسة لأن يعرفوا أحوال رسول الله ﷺ .
فكان هذا الباعث له لكتابة الصحيح، والشافعي في مرض موته قال: تمنيت من الله أن يتعلم الناس علومي ولا ينسبوا لي حرفاً واحداً, فهذه دلالة على الإخلاص, نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من المخلصين المخلَصين الذين يعملون لله جل في علاه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 27
شرح متن أبي شجاع - بداية كتاب الطهارة
الطهارة هي رفع الحدث وإزالة النجس، والأصل في التطهير أن يكون بالماء، ولا ينجس الماء إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، وقد بين الفقهاء أقسام المياه وأحكامها بالتفصيل.
стр. 28
معنى الطهارة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة].
افتتح المصنف كتابه بكتاب الطهارة، والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه, والصلاة هي عمود الدين, وهي أم أركان الإسلام, فلعظم حق الصلاة يبدأ بها, فلما جاء المصنفون ليبتدئوا بأهم أركان الإسلام قالوا: هذا الركن المهم الركين في هذا الدين له شروط وله أداة تتقدم بين يديه, وهي: الطهارة؛ فلذلك ابتدأ بكتاب الطهارة؛ توطئة ومقدمة بين يدي الركن الركين في هذا الدين وهو: الصلاة.
والكتاب لغة: هو ضم الشيء للشيء، وكأنه يقول: هناك مسائل كثيرة في الطهارة ضممت بعضها لبعض حتى يسهل على طالب العلم أن يمحص النظر في هذه المسائل, والكتاب فاعل بمعنى مفعول يعني: المكتوب الذي سيأتيك عن مسائل الطهارة.
والطهارة لغةً: النظافة، فيتطهرون أي: يتنزهون ويتنظفون.
وفي الاصطلاح: هي طهارة مخصوصة، لأعضاء مخصوصة، بصفات مخصوصة.
والطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة حسية, وطهارة معنوية.
أما الطهارة الحسية: فسيأتي تفصيلها, والطهارة المعنوية: هي المقصود الأسمى، وهي أهم ما يجب أن يسارع إليه المرء من طهارة القلب من الحقد ومن الحسد, والله جل في علاه لا يقيس الناس إلا بطهارة القلوب, وطالب العلم إذا أراد أن يفهم مسائل العلم الدقيقة فعليه بطهارة القلب, وهذه تؤخذ من قول ابن عباس: يؤتى المرء الفهم بنيته, يعني: بطهارة قلبه, وقد قال الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، وفي الصحيح قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم)، وأيضاً يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، وأبو بكر ﵁ وأرضاه ما تقدم على البشر أجمعين إلا بنقاء القلب واليقين والصدق الذي كان في قلبه, ولذلك جاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: ما تقدم أبو بكر الصحابة بكثير صلاة ولا صيام, ولكن بشيء قد وقر في القلب.
فطهارة القلب هي أهم ما ينشغل به المرء، والذي يشغله عيب قلبه عن عيب الناس يطهر قلبه، فيتقرب من الله جل في علاه, وأي طاعة وإن كانت دقيقة يطهر بها الله القلب طهارة عظيمة, وأوضح مثال على ذلك: امرأة كانت زانية تضاجع كل ليلة رجلاً، ولما بلغ بها العطش مبلغه وجدت بئراً فنزلت فشربت ثم وجدت كلباً يلهث منه العطش، فأخذت موقها -أي: خفها- فملأته فسقت الكلب فشكر الله لها, فسقي الكلب عمل جليل تقاطرت حسناته على جبال المعاصي والسيئات فهدمتها! والطهارة الحسية هي: رفع الحدث وإزالة النجس, أما الحدث فهو: الحال القائم بالإنسان الذي يمنعه من استباحة الصلاة, والحدث حدثان: حدث أكبر, وحدث أصغر, فالحدث الأكبر هو: الجنابة, والحيض, والنفاس, قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)) إلى أن قال: ((وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا)) وهذا الحدث الأكبر ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] إلى آخر الآيات, وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].
والحدث الأصغر: قد يكون بخساً وقد يكون غير بخس، فالريح الخارج من الدبر ليس بنجس، فلا أحد يستنجي من الريح وهو من الحدث الأصغر، إلا أنه ينقض الوضوء، ومن الحدث الأصغر: خروج البول والمذي والودي, قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفي الصحيح عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني, فقال النبي ﷺ : (اغسل ذكرك) أو قال: (فيه الوضوء).
ومن معنى الطهارة: إزالة النجس، والنجس هو: الجرم الذي يكون على الثوب أو على البدن أو على المكان أو المحل.
والحدث ينافي الطهارة، فبانتفاء الحدث تثبت الطهارة، وبوجود الحدث تنتفي الطهارة, ولا يمكن أن يستبيح أحد الصلاة إلا بالطهارة، فرفع الحدث هو لاستباحة الصلاة, وكذلك إزالة النجس لاستباحة الصلاة.
والأدلة على إزالة النجس كثيرة، فالشرع قد حث على إزالة النجس أولاً في الثوب قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] , وأيضاً النبي ﷺ -كما صح عنه- صلى بالناس منتعلاً كما هو من السنة أن تصلي في نعليك خلافاً لأهل الكتاب, فصلى بالناس منتعلاً وفي أثناء الصلاة جاءه جبريل فخلع نعله, فخلع القوم نعالهم, فبعدما صلى النبي ﷺ سألهم: (لم خلعتم نعالكم؟! قالوا: يا رسول الله! رأيناك قد خلعت نعليك ففعلنا ذلك, فقال: جاءني جبريل وقال: إن في نعلي أذى) , وهذا فيه دلالة على أن أي نجاسة على الثوب أو على النعل فمن الواجب على المرء أن يزيل هذه النجاسة بالماء.
وجاء في الصحيح: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن الطهر من الحيض، فقال لها النبي ﷺ : تطهري! قالت: وكيف أتطهر؟ قال: سبحان الله! تطهري! قالت: كيف أتطهر؟ قالت عائشة: فجذبتها فقلت لها: تتبعي أثر الدم فأمرها النبي ﷺ أن تتطهر من هذا الأثر بأن تتبع أثر دم الحيض بقطنة)، وهذا دليل على وجوب إزالة النجس من على البدن.
وأيضاً فالنبي ﷺ بين نجاسته لأنه أمر بغسل المحل إذا أصابه, وإذا أصاب الثوب فلابد أن ينضح الماء على الثوب.
وفي حديث الرجلين اللذين يعذبان في قبريهما: قال ﵊: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) , وفي رواية: (كان لا يستتر من بوله) , ولا منافاة بين أنه يعذب لأنه لم يستنزه, ويعذب لأنه لم يستتر, فهذه أدلة على وجوب إزالة النجس من البدن.
ودليل تطهير المحل -يعني: المكان- وأنه لا يصح لأحد أن يصلي في مكان فيه نجاسة: حديث في الصحيحين عن الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد فهم به الصحابة، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله, قال: (وأهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء) , فهذا دليل على أنه يجب إزالة النجس من المحل الذي يصلي فيه المرء.
ومن الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، وهذا أمر من الله جل في علاه يدل على الوجوب.
إذاً: الطهارة طهارتان: طهارة حسية ومعنوية, والطهارة الحسية: رفع الحدث وإزالة النجس, والحدث حدثان: حدث أكبر وحدث أصغر, وهذا كله يرفع لاستباحة الصلاة, وإزالة النجس، إما من الثوب أو البدن أو المحل الذي سيصلي عليه.
стр. 29
أقسام المياه
قال المصنف: (باب المياه)، الباب هو: الموصل للشيء, فباب المسجد هو الذي يصل بك إلى داخل المسجد، وباب الدار هو الذي تصل منه إلى الدار, فباب المياه هو الباب الموصل إلى مسائل المياه.
قال: (المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه).
هذه السبع يمكن أن نقسمها إلى قسمين: مياه من السماء ومياه من الأرض, ثلاثة من السماء وأربعة من الأرض فيسهل حفظها، وماء السماء طاهر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره كما سنبين أن أقسام المياه ثلاثة: طهور وطاهر ونجس, وبعض العلماء قال: أقسام المياه طاهر ونجس، وهذا قول الأحناف وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذاً: الطهور: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره, وماء السماء ماء طهور، وهو المطر والبرد والثلج, والدليل على طهارة المطر: قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١] , وقال النبي ﷺ في استفتاح الصلاة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي - إلى أن قال:- واغسلني بالماء والثلج والبرد)، فيصح للإنسان أن يتوضأ بالثلج إذا كان الثلج في الشمس فتتساقط منه القطرات, فيغسل به العضو، وإن لم يستطع أن يغسل العضو فلا يصح الوضوء؛ لأن أصل الثلج ماء متجمد، والماء هو أصل الطهارة، فيصح لك أن تغسل به, فإن استطعت الغسل من الثلج صح الوضوء, وإن لم تستطع لم يصح الوضوء, وإذا قلنا: لا يصح فليس لأمر في ذات الثلج، بل لأمر خارج عن الثلج؛ لأن الثلج طاهر في نفسه مطهر لغيره, إذا أمكن غسل أعضاء الوضوء به.
والنوع الثاني: الماء الأرضي وهو أربعة: مياه الأنهار والآبار والعيون والبحار، قال النبي ﷺ عندما سئل عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وسئل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، وإذا صح الوضوء من البحر فمن باب أولى النهر, وإذا صح الوضوء من البئر فمن باب أولى العين, وعندنا دليل صريح في الأنهار وهو حديث: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات الخ)، فهذه أقسام المياه التي يمكن للإنسان أن يتوضأ بها ويتقدم بين يدي صلاته بهذه الطهارة.
стр. 30
مسائل في الطهارة
رجل كان في سفر، فدخل وقت الصلاة وليس عنده ماء، فوجد بئراً فيها ماء، فيجب عليه أن ينظر في ماء البئر، فإن كان طاهراً توضأ به، وإن كان نجساً تيمم وصلى.
مثال آخر: رجل أراد أن يصلي ولم يجد ماء، ووجد ثلجاً جامداً، فإن استطاع أن يغسل أعضاءه بهذا الثلج وجب عليه أن يتوضأ به، وإن لم يستطع لم يصح وضوءه بهذا الثلج.
стр. 31
شرح متن أبي شجاع - القول في أنواع المياه
الماء ثلاثة أقسام: طهور، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهو الماء المطلق.
وطاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات، فهذا الماء لا يصح استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، كما هو مذهب الشافعي خلافاً لمذهب أبي حنيفة.
وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.
стр. 32
إثبات الفرق بين الماء الطهور والطاهر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة: فصل أنواع المياه وأقسامها: المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه: ماء السماء وماء البحر وماء النهر وماء البئر وماء العين وماء الثلج وماء البرد.
ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر مطهر غير مكروه استعماله وهو الماء المطلق.
وطاهر مطهر مكروه استعماله وهو الماء المشمس.
وطاهر غير مطهر وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات.
وماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.
والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
أقسام المياه ثلاثة: الماء الطهور, والطاهر, والنجس, وهذا على المذهب وهو مذهب الجماهير وقد خالف في ذلك الأحناف ورجح قولهم شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب مرجوح.
والطهور عند الشافعية نوعان: طهور يجوز استعماله بلا كراهة, وطهور يجوز استعماله مع الكراهة.
والأدلة على أن الطهور غير الطاهر كثيرة منها: أن الله جل في علاه لما بين أنواع المياه ذكر الطهور صراحةً ولم يذكر الطاهر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يقل: طاهراً، والنبي ﷺ كان يتلو هذه الآية على أصحابه، ولو كان الطهور بمعنى الطاهر لبينه رسول الله ﷺ ، وقد جاءت الآثار تؤكد أن هذا المعنى هو المراد, فعندما سئل النبي ﷺ عن ماء البحر قال النبي ﷺ : (هو الطهور ماؤه) موافقاً لكلام الله جل في علاه, ولم يقل: هو الطاهر، فهذه الآثار تثبت لنا اسم الطهور لا الطاهر, ولم يرد عن واحد من الصحابة أن الماء نوعان فقط: طاهر أو نجس, وإذا اعترض معترض وقال: هذه التقسيمات لم تعرف في عصر الصحابة قلنا: نعم، فالتفصيلات عرفت في القرن الثالث تيسيراً على طالب العلم, لكن لم يذكر الصحابة رضوان الله عليهم هذه المسألة ولم يثبتوا الطهورية أو الطهارة, فنبقى على أصل الآثار التي وردت عن النبي ﷺ أنه قال: (طهور) وقال: (نجس)، ونفرق بين الطهور والطاهر.
стр. 33
الماء المطلق والمقيد
الطهور الذي يجوز استعماله دون كراهة هو: الماء المطلق, وهو الماء العاري عن التقييد, والتقييد نوعان: تقييد بإضافة, وتقييد بوصف, فالماء المطلق هو الذي لم يتغير ولم يضف لشيء، كماء السماء وماء البحر وماء البئر وماء النهر.
والقيد نوعان: إما قيد بالإضافة أو قيد بالوصف، قيد الإضافة مثل: ماء ورد, وماء كافور، فقد اختلط الكافور مع الماء فغيره وسلبه اسم الإطلاق وجعله ماء كافور.
والنوع الثاني: مقيد بالوصف, كقول الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦]، فهذا وصف له أنه يتدفق أو أنه مهين.
إذاً: الماء المطلق الذي يصح التطهر به هو الماء الذي لم يضف إلى غيره ولم يوصف بوصف مقيد له, كالماء الدافق وغيره.
والماء المعهود المقترن بألف ولام العهد لا يسمى ماءً مطلقاً، كما قالت أم سليم كما في الصحيح: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي ﷺ : (نعم إذا رأت الماء)، فالماء المراد به هنا: ماء المني.
إذاً: الماء الطهور الذي يصح الوضوء به هو: الماء المطلق العاري عن الإضافة أو عن الوصف أو لام العهد, فيستطيع الإنسان أن يتطهر ويتوضأ بماء السماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.
ومن الماء المطلق: ماء البحر، فيجوز التطهر به عند جماهير العلماء خلافاً لأعلم التابعين سعيد بن المسيب فإنه قال: أحب إلي أن يتيمم ولا يتوضأ بماء البحر، واستدل بحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إن تحت البحر ناراً)، وهذا القول يصادم قول النبي ﷺ : (هو الطهور ماؤه)، وحديث: (تحت البحر نار) يحتمل تأويلات: التأويل الأول: كأنه يشبه سرعة جريان الماء في البحر وتلاطم الأمواج بسرعة النار, وهناك تأويل آخر: أن البحر مآله إلى النار، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦]، فيوم القيامة يحدث ذلك، ونحن الآن بصدد الطهارة من أجل الصلاة.
стр. 34
حكم الماء المشمس
عند الشافعية ماء طهور يكره استعماله, فهو مطلق لم تسلب منه الطهورية, لكن يكره استعماله، وهو الماء المشمس, وجماهير العلماء أنه لا يكره استعمال الماء المشمس.
والمشمس عند الشافعية له ضوابط منها: أولاً: أن يجمع في إناء وتتسلط عليه الشمس وهو في الآنية، فيخرج بذلك ماء البحار وماء الأنهار والآبار؛ لأنها كبيرة وواسعة لا تتأثر, فقالوا: أن تكون متجمعة في أواني.
ثانياً: أن يكون هذا في البلاد الحارة وليس في البلاد الباردة.
ثالثاً: أن يكون استعماله على البدن لا على الثوب.
فهذا الماء حكمه عند علماء الشافعية الكراهة، والكراهة هي: طلب الكف لا على وجه اللزوم بل على وجه الاستعلاء، وحكمه: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله, فمن توضأ بالماء المشمس لم يأثم, وتصح طهارته، وإن صلى تصح صلاته.
وقد استدل الشافعية على كراهة الماء المشمس من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فحديث في السنن عن عائشة ﵂ وأرضاه: أنها سخنت ماءً لرسول الله ﷺ ليتوضأ به، فلما علم أنه قد سخن قال: (يا حميراء! لا تفعلي فإنه يورث البرص).
وعن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ عن التطهر بالماء المشمس).
وعن ابن عباس ﵁ وأرضاه عن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ بالماء المشمس فأصابه الوضح -أي: البرص- فلا يلومن إلا نفسه).
وفي مسند الشافعي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن التوضؤ بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص.
ومن النظر قالوا: القاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار, والله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] , فلا يجوز استخدام الماء المشمس إلا على سبيل الكراهة.
وقالوا: الماء المشمس إذا سقطت عليه أشعة الشمس وكان في آنية نحاس أو غيرها فإنها تحدث زهومة تعلو على الماء, فإذا وضع الرجل يده ليتوضأ كانت هذه الزهومة على جلد الإنسان، فيحدث احتباس الدم في جلد الإنسان فيحدث البرص, قالوا: والإنسان مأمور شرعاً أن يتجنب ما يضره.
والتحقيق: أن الماء المشمس لا يكره استعماله، والأحاديث التي استدلوا بها لا تصح، فحديث عائشة فيه خالد بن إسماعيل قال فيه يحيى بن معين: كذاب وضاع، والحديث الموضوع لا حجة فيه بحال من الأحوال.
وحديث أنس إسناده أظلم من الأول.
وحديث ابن عباس فيه عمر بن صبح وهو كذاب، وفي سنده أيضاً انقطاع بين سماك وابن عباس , ففيه علتان.
أما قولهم: الماء المشمس يورث البرص، فنقول: المسألة تدور على الطب, ولا تدور على الأثر, والماء المشمس ماء طهور لم يسلب الطهورية, فيصح للإنسان أن يستخدم الماء المشمس ويتوضأ به؛ لأنه ماء مطلق, إلا إذا ثبت بالدليل أنه يضر الجسد، فتبقى المسألة دائرة على الضرر، وهذا الذي بينه الشافعي في الأم فقال: ولا أكره الماء المشمس إلا من أجل الطب.
فنقول: بحمد الله التقدم في الطب موجود, فإن أقر الأطباء بأن الماء المشمس يضر بالجسد ويورث البرص قلنا بالحرمة ولم نقل بالكراهة, فإن قال الأطباء: لا يؤثر الماء المشمس على البدن, فنقول بعدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل, ولا دليل للشافعية، وإن ثبت الضرر طبياً فكان ينبغي أن يقولوا بالحرمة لا الكراهة, لأن الأصل عندكم: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] , لكن قالوا: هذا المرض مظنون وليس مقطوعاً به, والمظنون لا ينبني عليه الجزم في الأحكام, فلا نقول: حرام لأنه ليس يقيناً أنه يورث البرص, لكن يغلب على الظن أنه يورث البرص، والرد عليهم بأن كثيراً من الأحكام ينزل غالب الظن فيها منزلة اليقين.
стр. 35
أنواع من المياه يكره استعمالها
توجد أنواع من المياه يكره استعمالها مع أن الطهورية لم تسلب منها, وهي ماء بئر ثمود، وماء قوم لوط وهو البحر الميت، وماء بئر ذروان الذي وضع فيه السحر، وماء زمزم، فهذه المياه يكره استعمالها عند الشافعية, قالوا: وعندنا أدلة: أما ماء بئر ثمود فهم مغضوب عليهم، وقد نهى النبي ﷺ عن المرور على ديارهم إلا أن يكون الإنسان باكياً مسرعاً, فكيف يستخدم الآلات التي كانوا يستخدمونها؟! وفي البخاري: أن النبي ﷺ لما مر مع أصحابه على ديار ثمود فأخذ الصحابة ماء من بئر ثمود ثم عجنوا به العجين ليأكلوا، نهاهم النبي ﷺ عن استخدامه وقال: (اعلفوا هذا العجين بهائمكم، وأهريقوا هذا الماء) , ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرهم بإتلاف الماء، ولا يجوز في الأصل إتلاف الماء؛ لأنه مال ظاهر، فهذا في تحريم استعمال ماء ثمود، لكن صرف الشافعية الحكم من التحريم إلى الكراهة؛ لأن العلة من النهي عن استعماله أن يصيبهم ما أصابهم، وهذه علة مظنونة، فما دام الماء مطلقاً، والعلة مظنونة، فقد قالوا بالكراهة لا التحريم.
الثاني: ديار قوم لوط: وهو البحر الميت، فقوم لوط مثل ثمود جاءتهم اللعنة, واستخدام ماء البحر الميت للوضوء فيه تفصيل: إن استخدمه من الجانب الذي كان فيه قوم لوط فإنه مكروه ويصح الوضوء، وإن استخدمه من الجانب الآخر فلا كراهة.
والآن ظهرت مسألة استخراج المستحضرات التجميلية من البحر الميت، فالورع تركها، وقد قيل بحرمتها، والتدقيق هو التفصيل السابق، فإن استخرجت من الموضع الذي كان فيه قوم لوط حرم استعمالها، وإلا فالأصل الإباحة، وكما ذكرنا فالورع الترك.
وماء ذروان يدخل في نفس المسألة التي تكلمنا عليها وهي حكم بئر ثمود.
أما ماء زمزم فأصول المذهب على أنه يصح الاغتسال به, ويصح التطهر به, وتوجد أدلة كثيرة على ذلك منها: قول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) , وهو ماء مطلق، فيصح استعماله إلا أن يدل الدليل على المنع.
والحنابلة يمنعون من التوضؤ والاغتسال بماء زمزم، ويستدلون على ذلك بأثر عن العباس أنه قال: لا أحله لمغتسل، وعضدوا هذا الأثر بقول النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له)، فقالوا: هذا ماء مبارك فلا يصح استعماله في الغسل ولا في الوضوء ولا رفع الحدث ولا إزالة النجس.
فنقول: أولاً: قول العباس الصحيح أنه: قول عبد المطلب وليس قول العباس، فلا يصح الاستدلال به.
الأمر الثاني: هذا القول خالف التأصيل الشرعي العام وهو: أن الماء الطهور المطلق يصح استعماله ما لم يدل دليل على المنع، ولم يدل لنا دليل على المنع.
الأمر الثالث: قالوا: هو ماء مبارك، فنقول: أعظم بركة منه الماء الذي نبع من بين يدي أصابع النبي ﷺ ، وشرب منه القوم وتوضئوا واغتسلوا منه.
إذاً: ماء زمزم ماء مبارك ويصح الاغتسال به ويصح الوضوء به, لكن يكره إزالة النجاسة بماء زمزم لما عرف من تعظيمه والبركة التي تلحقه.
стр. 36
أقسام المياه
أقسام المياه ثلاثة: طهور، وطاهر, ونجس.
فالطاهر هو: المستعمل أو الماء المطلق المتغير بما خالطه من الطاهرات, والتغيير له ثلاث حالات: تغيير بما كان في المقر, وتغيير بالمجاورة, وتغيير بالمخالطة.
فالمتغير بما في مقره كالطحلب الذي في البحر أو البئر أو العين، فهذا التغير لا يؤثر، ولا يجعله مسلوب الطهورية, والمتغير بالمجاورة مثل بحيرة بجانبها ميتة وتغير الماء، فيصح التوضؤ بهذا الماء.
والمتغير بالمخالطة مثل دق الكافور في الماء, وهذا التغير يؤثر في الطهورية؛ لقول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي راوية زاد: (إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) وهذه الزيادة ضعيفة، لكن أجمع أهل العلم: على أن التغير في اللون أو في الطعم أو في الرائحة يؤثر في طهورية الماء، كما سنبين في الدرس القادم.
стр. 37
شرح متن أبي شجاع - أنواع المياه - الماء الطهور والطاهر
الماء ينقسم إلى: طاهر وطهور ونجس، خلافاً للأحناف وابن تيمية، فهم يرون أن الماء لا يخرج عن كونه طاهراً أو نجساً، ومن المسائل التي كثر الجدل فيها بين الفقهاء: مسألة الماء المستعمل، ففي مذهب الإمام الشافعي أن الماء المستعمل طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر، وللماء المستعمل حالات وصور كثيرة لا ينبغي للفقيه أن يجهلها.
стр. 38
أقسام المياه عند الشافعية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر غير مطهر، وهو الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطهارات، وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
تكلمنا فيما سبق عن أقسام المياه، وبينا أن تقسيم المذهب هو التقسيم الراجح والصحيح، وما خالف في ذلك إلا الأحناف، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وبينا أن هذا فيه ضعف، وقلنا: إن المياه على ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
стр. 39
الأدلة من الأثر والنظر على الماء الطهور
وهذا يؤيده الأثر والنظر، أما من الأثر: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يذكر: (طاهراً)، وقوله ﷺ عندما سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ولم يذكر (طاهراً).
وقلنا: إن الطهور لا بد فيه من بيان معناه؛ حيث وأن الأدلة جاءت مجملة، غير مبينة لمعنى (الطهور)، ولعل سائلاً يسأل: ما معنى الطهور المذكور في الآية والحديث؟ فيجاب بأن الطهور يطلق على أمرين: الأول: الطاهر في نفسه.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وعند ذلك يتضح لنا معنى الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال:١١]، فإنه قد جاء بيان هذا المجمل بقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فتعدى الطهارة ليصبح طاهراً مطهراً لغيره.
وأما من النظر: فإنك إذا نظرت إلى الماء وجدته باقياً على أصل خلقته لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة؛ لقول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة في الحديث، وإن كانت ضعيفة، إلا أن الإجماع وقع عليها، فإذا تغير أحد أوصاف الماء بشيء طاهر خالطه فعند ذلك قد يسأل سائل: تحت أي قسم من أقسام المياه يندرج هذا لدى الأحناف وابن تيمية، فمثلاً: ماء اختلط به كافور، أو ورد، أو مسك؟ ف
الجواب
أنه يندرج تحت قسم الطهور).
стр. 40
الماء الطهور، وأقسامه
والصحيح أن الماء: طهور، وطاهر، ونجس، وقد قلنا: بأن الطهور على قسمين: الأول: طاهر في نفسه مطهر لغيره بلا كراهة.
الثاني: طاهر في نفسه مطهر لغيره مع الكراهة.
وذكرنا أصنافاً وأقساماً أخرى، وآخرها الماء المشمس.
следующие страницы →