Полный текст (225 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أقسام المياه
أقسام المياه ثلاثة: طهور، وطاهر, ونجس.
فالطاهر هو: المستعمل أو الماء المطلق المتغير بما خالطه من الطاهرات, والتغيير له ثلاث حالات: تغيير بما كان في المقر, وتغيير بالمجاورة, وتغيير بالمخالطة.
فالمتغير بما في مقره كالطحلب الذي في البحر أو البئر أو العين، فهذا التغير لا يؤثر، ولا يجعله مسلوب الطهورية, والمتغير بالمجاورة مثل بحيرة بجانبها ميتة وتغير الماء، فيصح التوضؤ بهذا الماء.
والمتغير بالمخالطة مثل دق الكافور في الماء, وهذا التغير يؤثر في الطهورية؛ لقول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي راوية زاد: (إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) وهذه الزيادة ضعيفة، لكن أجمع أهل العلم: على أن التغير في اللون أو في الطعم أو في الرائحة يؤثر في طهورية الماء، كما سنبين في الدرس القادم.
стр. 37
شرح متن أبي شجاع - أنواع المياه - الماء الطهور والطاهر
الماء ينقسم إلى: طاهر وطهور ونجس، خلافاً للأحناف وابن تيمية، فهم يرون أن الماء لا يخرج عن كونه طاهراً أو نجساً، ومن المسائل التي كثر الجدل فيها بين الفقهاء: مسألة الماء المستعمل، ففي مذهب الإمام الشافعي أن الماء المستعمل طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر، وللماء المستعمل حالات وصور كثيرة لا ينبغي للفقيه أن يجهلها.
стр. 38
أقسام المياه عند الشافعية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر غير مطهر، وهو الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطهارات، وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
تكلمنا فيما سبق عن أقسام المياه، وبينا أن تقسيم المذهب هو التقسيم الراجح والصحيح، وما خالف في ذلك إلا الأحناف، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وبينا أن هذا فيه ضعف، وقلنا: إن المياه على ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
стр. 39
الأدلة من الأثر والنظر على الماء الطهور
وهذا يؤيده الأثر والنظر، أما من الأثر: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يذكر: (طاهراً)، وقوله ﷺ عندما سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ولم يذكر (طاهراً).
وقلنا: إن الطهور لا بد فيه من بيان معناه؛ حيث وأن الأدلة جاءت مجملة، غير مبينة لمعنى (الطهور)، ولعل سائلاً يسأل: ما معنى الطهور المذكور في الآية والحديث؟ فيجاب بأن الطهور يطلق على أمرين: الأول: الطاهر في نفسه.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وعند ذلك يتضح لنا معنى الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال:١١]، فإنه قد جاء بيان هذا المجمل بقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فتعدى الطهارة ليصبح طاهراً مطهراً لغيره.
وأما من النظر: فإنك إذا نظرت إلى الماء وجدته باقياً على أصل خلقته لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة؛ لقول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة في الحديث، وإن كانت ضعيفة، إلا أن الإجماع وقع عليها، فإذا تغير أحد أوصاف الماء بشيء طاهر خالطه فعند ذلك قد يسأل سائل: تحت أي قسم من أقسام المياه يندرج هذا لدى الأحناف وابن تيمية، فمثلاً: ماء اختلط به كافور، أو ورد، أو مسك؟ ف
الجواب
أنه يندرج تحت قسم الطهور).
стр. 40
الماء الطهور، وأقسامه
والصحيح أن الماء: طهور، وطاهر، ونجس، وقد قلنا: بأن الطهور على قسمين: الأول: طاهر في نفسه مطهر لغيره بلا كراهة.
الثاني: طاهر في نفسه مطهر لغيره مع الكراهة.
وذكرنا أصنافاً وأقساماً أخرى، وآخرها الماء المشمس.
стр. 41
أحوال الماء المشمس
الحالة الأولى: إذا كان شديد الحرارة.
الحالة الثانية: إذا كان معتدل الحرارة، وعند ذلك يستطيع المكلف أن يسبغ الوضوء، وأن يوصل الماء إلى كل عضو من أعضاء الوضوء.
وإسباغ الوضوء محل خلاف بين العلماء، فالقول الأول: إن كان الإسباغ هو للعضو نفسه، أي: للجزء المفترض على المكلف، فإن إسباغ الوضوء هو إتمامه على وجهه المفترض الذي أمر به الشارع الحكيم.
القول الثاني: الزيادة في غسل الأعضاء، بأن يشرع في الغسل إلى العضد والساق، وبهذين القولين للعلماء في الإسباغ فقد نظروا إلى الماء المسخن، فقالوا: إن استطاع بهذا الماء إسباغ الوضوء صح وضوءه دون كراهة، وإن لم يستطع إسباغ الوضوء صح وضوءه مع الكراهة، والقول بالكراهة متفرع عن تفسير العلماء للإسباغ، وقد جاءت السنة النبوية بالزيادة في غسل الأعضاء، وقد ورد ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يتوضأ فيشرع في الغسل إلى العضد والساق.
وقد قرر الحافظ ابن حجر أن هذا من المرفوع، وليس من المدرج، وعلى ذلك قال بعض العلماء: إن الإسباغ هو: الزيادة في موضع الزيادة، وتفرع عن هذا القول قولان لأهل العلم، القول الأول: الحرمة، والقول الثاني: الكراهة.
فإذا ترك مستحباً فهو مكروه؛ لأنه ﷺ إذا توضأ شرع إلى العضد والساق، ويحرم بناءً على من قال بأن الإسباغ هو: وصول الماء للعضو نفسه فقط بدون زيادة؛ لأنه يكمل غسل الفرض كما جاء في حديث أبي هريرة السابق، والصلاة تكون عند ذلك صحيحة، لكن الوضوء غير كامل.
стр. 42
الماء الطاهر، وأقسامه عند الشافعية
والخلاصة: أن الشافعية جعلوا الماء المشمس -المسخن- في مصف المياه المكروه استعمالها، وإن كانت طاهرة مطهرة لغيرها.
القسم الثاني الذي قسمه العلماء: وهو الماء الطاهر، والماء الطاهر عند الشافعية أقسام: ماء طهور باق على أصل خلقته، ثم تغير بالاستعمال أو سلبت طهوريته بالاستعمال، ويسمى بـ: الماء المستعمل، وماء طهور باقٍ على أصل خلقته، وتغيرت أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة الطاهرات له.
стр. 43
الماء المستعمل
القسم الأول: الماء المستعمل، فالكلام عليه عند الشافعية من وجوه، الوجه الأول: ضبط تعريف الماء المستعمل، الثاني: أقسام الماء المستعمل، الثالث: حكمُ استعمال الماء المستعمل.
стр. 44
ضابط الماء المستعمل
والماء لا يكون مستعملاً إلا بقيدين عند الشافعية: القيد الأول: أن يكون منفصلاً عن العضو مستخدماً في الطهارة، فخرج بذلك: الماء المتردد على العضو، وقد جاء من حديث رقية وغيرها: (كان الرسول ﷺ يتوضأ فلم يمسح على رأسه فوجد بللاً في لحيته، فأخذ البلل ومسح به رأسه)، فهذا الماء الباقي على اللحية يُسمَّى عند الشافعية، بـ (الماء المتردد على العضو)، ولا يسمى (مستعملاً) عند الشافعية، فقد يقال: كيف يقول الشافعية بأن الماء المستعمل غير طاهر وعندهم حديث ظاهر في هذه المسألة، وهو حديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ وأقول: أبق لي أبق لي، ويقول: أبق لي أبق لي).
ففي هذا الحديث دلالة على أن النبي ﷺ استعمل الماء المستعمل، وعائشة كذلك استعملت الماء المستعمل؟ ف
الجواب
أن هذا التفسير غير صحيح للحديث؛ لأن هذا الدليل أجنبي عن النزاع، ولأن ما في الإناء لا يسمى مستعملاً.
والقيد الثاني: أن يستعمله في طهارة فرض، فخرج بذلك: الطهارة للنفل.
فلو أن رجلاً توضأ لصلاة الفجر، وبقي على الوضوء إلى صلاة الظهر، ثم توضأ لصلاة الظهر، وهو لا يزال على طهارة من الفجر، فجاء رجلٌ آخر وأراد أن يتوضأ بهذا الماء المستعمل (من طهارة نفلٍ) فإن هذا الماء لا يكون مستعملاً؛ لأنه لم يُستعمل في الطهارة للغرض، وإنما استُعمل في الطهارة للنفل.
وهذا القيد صراحة فيه ضعف؛ لأنك لو دققت النظر فيه لوجدت أن النية هي التي تفرق بين أن تكون هذه الطهارة لفرض أو نفل.
أيضاً قالوا: إن النية للفرض تسلب الطهورية عن الماء، وهذا ليس بتقعيد صحيح في المياه؛ لأن النية لا تسلب الطهورية عن الماء، فيبقى القيد الأول هو السالم والصحيح لأن يكون قيداً للماء المستعمل.
стр. 45
أقسام الماء المستعمل، وآراء العلماء فيه
أقسام الماء المستعمل: القسم الأول: ماء استعمل لإزالة النجس؛ لأن الطهارة الحسية طهارتان: طهارة لإزالة النجس، وطهارة لرفع الحدث، ولذلك جاء في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح قال: (ذهب رسول الله ﷺ بين الأشجار -يعني ذهب فأبعد- وكان النبي ﷺ إذا أراد قضاء الحاجة أبعد فقضى حاجته، فأتاه بإداوة فيها ماء فأخذ الماء فاستنجى به، ثم توضأ ومسح على الخفين)، فالاستنجاء بالماء هو: استعمال الماء، ويسمى: (الاستطابة).
القسم الثاني: ماء استعمل لرفع الحدث.
فأما القسم الأول المستعمل في إزالة النجس فهو نجس بالاتفاق، ولا تصح الطهارة به ولا استعماله، والدليل على ذلك: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وهذا على المذهب وهو الراجح.
والخلاصة: أن الماء المستعمل لإزالة النجس، غير طاهر وغير طهور.
وأما القسم الثاني -وهو الذي وقع فيه الخلاف- فهو الماء المستعمل في رفع الحدث، بشرط أن ينفصل عن العضو، وشرط آخر: أن يستعمل في طهارة فرض لا نفل.
وسبق أن قلنا بترجيح القيد الأول أو الشرط الأول.
وهذه المسألة في المذهب لها قولان، وقبل أن أدخل في هذه المسألة فإنه إذا قال الشافعية: في المسألة قولان، فالمراد بذلك قولان لإمام المذهب، وإذا قالوا: في المسألة وجهان، فالمراد بذلك: تخريج الأصحاب على قول للشافعي، فهو لم يرد القول للشافعي، وإنما أخذوا أصول الشافعي وخرجوا له منها قولاً.
إذاً: في المسألة قولان ينقل عن الشافعي: القول الأول: عدم استعمال هذا الماء؛ لأنه مسلوب الطهورية، فهو طاهر في نفسه وليس بطهور، ورجحه النووي.
والقول الثاني: قاله أبو ثور، -وأبو ثور من أصحاب الإمام الشافعي - والصحيح أنه قول للشافعي بأنه: طهور، ويترك تعبداً، ورجحه الرافعي.
وأدلة الفريقين على النحو الآتي: فالفريق الأول لهم أدلة من الأثر والنظر: أما من الأثر: فاستدلوا بحديث في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)، وقد حسنه بعض العلماء، وضعفه آخرون.
فقالوا: نحن نتفق جميعاً على أن المتبقي في الإناء من فضل طهور المرأة يصح للإنسان أن يتوضأ به ويستعمله؛ لأنه ليس بمستعمل، ولم ينفصل عن العضو، ثم يبقى لنا توجيه هذا الحديث الذي نهى فيه النبي ﷺ عن التطهر والوضوء بفضل طهور المرأة، فنقول: توجيه نهي النبي ﷺ عن الوضوء بفضل طهور المرأة محمول على الماء المستعمل.
ومما استدلوا به كذلك: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح، قال النبي: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) وتوجيه الحديث: أن الماء هذا لا يصير نجساً بالاغتسال فيه، فلو انغمس الجنب في البئر، فإنه يرفع الحدث الأكبر عنه، ولا يصير الماء نجساً بذلك، قالوا: فنهي النبي ﷺ هنا يتوجه على أن الماء يصير مستعملاً، فيأتي المكلف فيريد أن يستعمل الماء، فيعلم أن من الناس مَنْ قد استعمله، فلا يصح له استعماله؛ لأنه قد سلبت طهوريته بالاستعمال.
وأما دليلهم من النظر: فهو القياس على الماء الذي اتفقنا عليه؛ لأن هناك قاعدة عند العلماء تقول: عند التنازع نرد المختلف فيه إلى المتفق عليه، ونحن معاشر الشافعية متفقون على أن الماء الذي استعمل في إزالة النجاسة نجس، فعند ذلك نقيس هذا الماء على الماء المستعمل في إزالة النجاسة، فبالقياس ينبني لنا أن هذا الماء لا يصح استعماله.
وأما الفريق الثاني فلهم أدلة من الأثر والنظر: فأما من الأثر: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، قالوا: وتفسير الطهور بينه النبي ﷺ بقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة وقع الإجماع عليها كما ذكرنا وهذا الماء لم يتغيَّر منه أحد أوصافه الثلاثة، فلم تسلب منه الطهورية، ولم يتغير منه شيء.
أيضاً استدلوا بحديث، أنه ﷺ عندما دخل على ميمونة، وكان قد بقي ماء من طهورها، فأراد ﷺ استعماله فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، يعني: اغتسلت من هذا الماء وأنا جنب، فقال لها: (سبحان الله! إن الماء لا يجنب)، وهذا فيه دلالة على أن الماء باقٍ على أصل خلقته.
وأما دليلهم من النظر: فقالوا: نحن وأنتم متفقون على أن الماء الطهور: هو الماء الذي بقي على أصل خلقته، فلم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، وهذا الماء قد بقي على أصل خلقته، ولم نر فيه تغييراً في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، فهذه أدلة من الأثر والنظر تبين لنا أن الماء المستعمل لم تسلب طهوريته، فلما قال ذلك الرافعي، اعترض النووي، وقال: أنت وأنا نتفق على المنع من استعماله، فلم تمنع من استعماله مع أنك قلت بطهوريته؟ قال الرافعي: قلت ذلك تعبداً، قال النووي: أنا ألجئك بالقول بسلب طهوريته، فقال له: وكيف ذلك؟ قال: إن أصحاب رسول الله عندما كانوا يسافرون ومعهم الماء، فكانوا يتوضؤون، فإذا احتاجوا إلى الماء لشربهم أو غيره تيمموا، ولا يجمعون الباقي من المستعمل في طهارتهم، فدل ذلك على أنه لو كان على الطهورية، لفعل أصحاب رسول الله ﷺ ذلك ولاستعملوه، فقال له الرافعي: ألزمتني الحجة، وأنا أوافقك على أن الصحابة كانوا يتوضؤون ولا يجمعون هذا الماء ليستعملوه مرة ثانية، لكن ليس لعدم الطهورية، بل تعبداً أو استقذاراً، وهذا كلام المالكية.
والخلاصة: أن الراجح والصحيح: أن الماء المستعمل لرفع حدث باق على أصل خلقته، وهو على الطهورية، فلم تسلب الطهورية منه، وهو الراجح من المذهب، لكنه لم يستعمل إما استقذاراً وإما تعبداً.
وأما الرد على ما استدل به الفريق الأول فإننا نقول: أما الحديث الذي استدلوا به (أنه ﷺ : نهى الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة)، فهو حديث متكلم فيه، أي: حديث ضعيف، وقد صححه الإمام النووي رحمه الله تعالى، وعلى فرض القول بصحته، فإن لنا فيه توجيهاً، وهو: أنه إذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يتوضأ الإنسان بفضل طهور المرأة، فنقول: إن هذا النهي هو للاستحباب، وليس للوجوب، ويكون لعلة الاستقذار فالإنسان عندما يرى امرأة تتوضأ أمامه يستقذر أن يستعمل هذا الماء المنفصل عن عضوها، فالنهي هنا ليس لأنه سُلِبَ منه الطهورية، ولكن للاستقذار أو للتعبد، فإذا قلنا فرضاً لصحة هذا الحديث، فإن النبي ﷺ قد أخذ الماء الذي استعملته ميمونة، واغتسل به، فبطل الاستدلال به؛ لأن النبي ﷺ قد استعمل الماء الذي بقي من استعمال ميمونة له.
والحديث عام في المتبقي من الماء وفي المستعمل، ولا يوجد دليل على الخصوصية، ومن زعم ذلك فعليه بالدليل، وأما بالنسبة للحديث الصحيح، (أن النبي ﷺ نهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم)، فنقول لأصحاب القول الأول: نحن نتفق معكم على هذا النهي، لكن لا نتفق معكم على توجيهكم لهذا النهي، بأن الماء سيصير مستعملاً بل لا يصير مستعملاً، ولو صار مستعملاً فلن تسلب الطهورية منه، فإن النبي ﷺ إنما نهى عن ذلك سداً للذريعة، حتى لا يأتي المكلف فينظر إليك، فيجدك قد وقعت أو غصت في هذا الماء، فيستقذر الماء فلا يستعمله، وأيضاً لا يوجد دليل صريح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تغتسل في الماء الدائم وأنت جنب؛ لأنه سيصير مستعملاً فيسلب طهوريته، بل إن الماء إذا وقع فيه أحد، ثم خرج منه، فإنه لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة، فدل ذلك على أن هذا الماء باق على أصل خلقته، وهذا الرد عليهم من جهة الأثر.
والرد عليهم من جهة النظر: أنهم قاسوا الماء المستعمل في النجاسة على الماء المستعمل في الطهارة، فنقول: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وهذه قوادح في العلة، والأصل هنا لا يساوي الفرع في العلة، فلا يمكن أن تقيس؛ لأن الأصل لا يساوي الفرع؛ لعدم المطابقة بينهما فالماء الذي استعمل لإزالة النجاسة قد لاقى نجساً، أما الآخر فقد لاقى محلاً طاهراً.
وعند ذلك اختلف المحلان، فالمحل الأول نجس، والآخر طاهر، فلا يصح قياس المحل الطاهر على المحل النجس.
وأما الاستدلال بأن الصحابة لم يستخدموا هذا الماء، فنقول أيضاً: توجيهكم بعدم استخدام الصحابة في أسفارهم للماء المتبقي توجيه غير سديد، بل التوجيه الصحيح: أن لهذا الدليل توجيهان: التوجيه الأول: أن هذا الماء كان قليلاً، ولا يمكن جمعه؛ لأنه يتناثر على التراب، فلا يبقى منه ماء كثير يُمكن أن يُتطهر به.
فمثلاً: لو أن رجلاً في صحراء ومعه زجاجة ماء، فاستعمل نصف الزجاجة في الشرب، ثم أخذ الشطر الآخر، وقال: أتوضأ لأصلي، وبينما يتوضأ يتناثر ويتساقط الماء على الرمال فلا يمكن أن يجمعه ليستخدمه في طهارة أخر.
التوجيه الثاني: أنه للاستقذار، أي: استقذر هذا الماء لا أنه سلب منه الطهورية.
والخلاصة: أن الماء المستعمل في (طهارة الحدث) بقي على أصل خلقته، لم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، فينزل تحت عموم قول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ويصح استعماله أيضاً خلافاً للشافعية، لا تقذراً أو تعبداً كما قال المالكية.
والراجح في ذلك: أن الماء المستعمل لو بقي مدة طويلة، فله استعماله.
стр. 46
حكم الماء الطاهر إذا اختلط بغيره من الطاهرات
النوع الثاني: الطاهر الذي خالطه طاهر، وهو قول واحدٌ عند الشافعية، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، كماء القطران، وماء الورد، وماء الزعفران، وماء السدر، وماء الكافور.
стр. 47
أنواع المتغير من المياه
المتغيِّر أنواع: منها: المتغير بالطاهرات وهو أقسام: القسم الأول: المتغير بالإضافة، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية.
أولاً: الإضافة التي لا تسلب الطهورية: كإضافة مقر، كأن تقول: ماء بئر، وماء بحر، وماء نهر، فهذه تسمى إضافة مقر، وهي لا تسلب الطهورية، مع أنه ماء مقيد، فهي ليست إضافة لازمة.
مثاله: أن تقول عن ماء البحر وأنت واقف على الشاطئ: هذا ماء فتتوضأ منه، فيمكن أن يتخلى عن هذه الإضافة.
الثانية: إضافة وصف، كأن تقول: ماء زلال، وماء عذب، وماء أجاج، فهذه لا تسلب الطهورية منه.
ثانياً: إضافة تسلب الطهورية، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إضافة جنس، وإضافة حكم، وإضافة غلبة.
فأما القسم الأول: إضافة غلبة، فهو الذي يحدث فيه التغيير، والتغيير هنا تغيير بالمخالطة، وتغيير بالمجاورة.
فأما المتغير بالمخالطة فهو: الذي ذابت فيه جزيئات المخالط في الماء مثل: ذوبان جزيئات السكر في الماء، وذوبان جزيئات القطران في الماء، وهكذا.
وأما المتغير بالمجاورة: فهو إما أن يكون تغيير مقر، أو تغيير جوار.
فالتغيير بالمقر مثل: الطحلب الذي يكون في الماء، والتغيير بالجوار، مثل الميتة توضع على حافة البئر، والأشجار التي تتساقط أوراقها في الماء، فتؤدي إلى تغيُّر الماء؛ بسبب المجاورة.
ومن المتغير ما يكون بسبب طول المكث.
والخلاصة: أن المتغير بالمخالطة طاهر، لكن لا يصح استعماله، وأما المتغير بالمجاورة فلا تسلب الطهورية منه، بل يبقى على أصل خلقته ويتوضأ به عند الشافعية، ويقولون: للضرورة، والصحيح أنه على الطهورية؛ لأنه يشق صون الماء عنه.
стр. 48
الرد على شيخ الإسلام، ومن وافقه في تقسيمه للمياه
أختم هذا الباب بالرد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، في تقسيمه المياه إلى قسمين: طاهر، ونجس، وأقول: ليس عندهم إلا أثران في ذلك، الأثر الأول: حديث في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اغسلنها بماء وسدر)، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي أنه قال: وهذه فيه دلالة على أن الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات، طاهر يصح استعماله؛ لأنه قال: (اغسلنها)، وهذا الغسل هو للميت، وقد صح بماء وسدر، بل وقال: (واجعلن في الآخرة كافوراً)، فهذا أيضاً ماء مخلوط بكافور، ففيه دلالة: على أنه يصح استعمال الماء المتغير بالطاهر.
الأثر الثاني: حديث عند أبي داود: (أن النبي ﷺ : توضأ هو وميمونة من قصعة كان فيها أثر العجين).
فأما الرد على الأثر الأول: فإنه قد يعتريه بعض الاحتمالات، الاحتمال الأول: أنه إذا غُسِلَ الميت بماء وسدرٍ، ثم غسل بماء فقط، فهل يصح أن نقول: بأننا قد ائتمرنا بأمر النبي ﷺ ، يعني: أننا قد غسلنا الميت بالماء الذي خالطه سدر، ثم غسلناه بالماء فقط؟
الجواب
قد يحتمل هذا وقد لا يحتمل.
الإجابة الثانية: أن الماء كان كثيراً، وكان السدر قليلاً، فائتونا بالدليل على أن السدر قد غير الماء؛ لأنه قال: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً إن رأيتن ذلك)، فإذاً لا بد أن يكون الماء كثيراً، والسدر قليلاً، وعند ذلك يكون عندنا احتمال آخر، وهو: أن السدر لم يغير الماء، فالماء لا تسلب طهوريته إلا إذا تغير، فهو غير متغير، وهذا الاحتمال قائم، والدليل إذا تتطرق إليه الاحتمال كساه الإجمال وسقط الاستدلال به.
وأما الأثر الثاني الذي استدلوا به: (أن النبي ﷺ توضأ من قصعة فيها أثر عجين).
فـ ابن قدامة يقول: وأما الإجابة عن هذا الأثر، بأن الماء الذي توضأ منه ﷺ كان فيه أثر العجين فلم يؤثر في الماء بالتغيير؛ فالعجين كان قليلاً فبقي الماء على أصل خلقته، لم تسلب طهوريته؛ فيصح الوضوء والتطهر به.
والإجابة الثانية: أن نقول: كانت صلبة، يعني: لم تذب جزئياتها في الماء، ولو أننا سلَّمنا جدلاً: بأن الماء قد تأثر بهذا العجين وتغيَّر فإن هذا التغيير يكون بالمجاورة وليس بالمخالطة، وعندنا التغيير بالمجاورة يصح التطهر به؛ لأنه لا يسلب الطهورية؛ لأننا نتفق جميعاً على أنه إذا وقع ورق الشجر على الماء فغيَّره، فيجوز لنا التطهر به؛ لأن التغيير لم يكن بالمخالطة، فمازالت جزئيات الماء كما هي لم تتحد مع جزئيات أخرى.
الخلاصة: أن المسألة تبقى على الأثر النبوي واللفظ النبوي دون تغيير، قال ﷺ : (الطهور ماؤه)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، إذاً طهورٌ وليس بطاهر، حتى نقف عند الآثار النبوية، والألفاظ النبوية التي جاءت عن رسولنا ﷺ ، وبهذا تسلم الأدلة لنا، فنقول: بأن الماء طهور وطاهر ونجس.
стр. 49
شرح متن أبي شجاع - الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات
الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات أنواع، وله أحكام فصلها أهل العلم، والماء النجس هو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، واختلف الفقهاء في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فمذهب الشافعي أنه نجس، ومذهب مالك أنه طاهر.
стр. 50
ضابط الماء الذي تغير بالطاهرات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام وطاهر غير مطهر وهو: الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطاهرات، وماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان: خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
عندنا أصل أصيل وهو: أن الماء يبقى على أصل خلقته، والماء المطلق هو الطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره، والنبي ﷺ يقول: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة ضعيفة، لكن إجماع أهل العلم على العمل بها، فالإجماع هنا هو المعتمد لا هذه الزيادة.
والماء إن لم يبق على أصل خلقته وتغير، وخرج عن الإطلاق سلب الطهورية، وصار مضافاً وليس ماء مطلقاً، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية، فالإضافة التي لا تسلب الطهورية: إضافة مقر أو ممر أو إضافة وصف، فإضافة مقر مثل: ماء البحر، وماء النهر، والمتغير بالطحلب، فهذه إضافة لا تسلب الطهورية، وإن غيرت الصفة.
وإضافة الوصف: كأن تقول: ماء أجاج، أو ماء عذب كنهر النيل، ومعنى ماء أجاج يعني: ماء ملح، أو مالح على اللغة الصحيحة، فهذه الإضافة لا تسلب الطهورية، وهذه الإضافة لا نتكلم عنها الآن؛ لأن القسم الذي سنتكلم عنه هو الإضافة التي تسلب الطهورية، وهي ثلاثة أنواع: إضافة غلبة، وإضافة حكم، وإضافة جنس.
فإضافة غلبة هي: إضافة تغلب على الماء فتغير صفة الماء، مثلاً: عندك إناء فيه ماء وأردت أن تغتسل به، وجاء ابنك فوضع الكافور في الماء، فتغير لون الماء، والكافور غير نجس، فهذا الماء تغير بملاقاة الطاهرات، وكذلك لو وقع طيب في الماء فغيره.
إذاً: الإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وهي إضافة تغير وتؤثر، وإضافة لا تؤثر ولا تغير.
والإضافة التي تغير -وهي محل الكلام- أنواع: تغير بالمخالطة، وتغير بالمجاورة، وتغير بطول المكث.
النوع الأول: التغير بالمخالطة: مثل ذوبان جزئيات الطاهر في جزئيات الماء، مثل: وضع ملعقة سكر في كوب من الماء فتغير طعمه.
فهذا التغير حصل بالمخالطة، ولا يصح التطهر به؛ لأن الماء سلب طهوريته، وخرج من أصل خلقته إلى نوع آخر، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره.
النوع الثاني: تغير بالمجاورة: مثل ميتة ملقاة بجانب بئر، فبعد مدة تغيرت رائحة ماء البئر بسبب هذه الميتة المجاورة لها.
والفارق الدقيق بين المتغير بالمجاورة والمتغير بالمخالطة: أن المتغير بالمخالطة أصبح الشيئان فيه شيئاً واحداً، وإذا كان الكافور صلباً فوضع في ماء ثم أخرجته ولم يذب فيه، لم يتفتت منه شيء في الماء، فهذا الصلب الموجود لا يؤثر في الماء ولو حصل التغير، وهذا يسمى تغيراً بالمجاورة؛ لأن الجزيئات لم تتحلل في الماء.
والماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به، وخالف ابن سيرين، فقال: الماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به مع الكراهة، فنرد عليه ونقول: الكراهة حكم شرعي، ولا دليل على ذلك.
إذاً: حكم الماء المتغير بالمجاورة أنه طهور ولا يسلب الطهورية، وعندنا قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقد قال الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، والماء القليل يستطيع الناس أن يحفظوه ويصونوه من أي شيء يختلط به، وإن كان كثيراً كالقلتين أو أكثر يشق على الناس صونه، فسنسهل في الأحكام، وإن كان لا يشق شددنا في الأحكام؛ لأن الأحكام عندنا تدور على أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.
فإن قيل: الماء المتغير بالمخالطة هو ماء متغير، والمتغير بالمجاورة هو ماء متغير، فلماذا فرقتم بين الماءين مع أن هذا ماء قد تغير، وهذا ماء قد تغير، لكنكم سميتم الأول متغيراً بالمخالطة، وسميتم الثاني متغيراً بالمجاورة، والاثنان في النظر متغيران؟ قلنا: فرقنا في الحكم في هذه المسألة بسبب وما لا يشق صونه، ولما يشق صونه، فإن كان يشق صونه قلنا: سهل الشرع الحكم؛ لأن الله جل وعلا ما أمر المكلف بأي تكاليف إلا وهو يسهل عليه، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
إذاً: الماء المتغير بالمجاورة غير الماء المتغير بالمخالطة، وإن تشابها في التغير، فالمتغير بالمجاورة ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره.
الثالث: المتغير بطول المكث، وهذا التغير بطول المكث أيضاً يشق صون الماء عنه، فإذا كان يشق صون الماء عنه فلا بد أن نقول: حكمه التيسير، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.
إذاً: تغير الماء على أقسام ثلاثة: متغير بالمجاورة، ومتغير بالمخالطة، ومتغير بطول المكث، والفرق بينهما: أن المتغير بالمخالطة تحللت أجزاء هذا الطاهر في أجزاء الماء، والمتغير بالمجاورة يبقى الطاهر كما هو صلباً ما تغير وما تحلل، لكنه عكر الماء، والفرق ظاهر؛ لأن الأول تحللت فيه الجزئيات، والثاني: بقي على ما هو عليه، والثالث: متغير بطول المكث.
والحكم: أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ من الماء المتغير بالمجاورة، ولا يستطيع أن يتوضأ بالمتغير بالمخالطة؛ لأن المتغير بالمخالطة سلبت طهوريته، والمتغير بالمجاورة لم تسلب طهوريته.
стр. 51
مسائل في المياه
رجل كان في الصحراء، فدخل وقت الصلاة، فوجد بئراً، فأراد أن يتوضأ منها، فرأى الماء معكراً، فما الحكم؟ ننظر في سبب هذا التغير، فإن كان التغير بمخالط فلا يصح الوضوء من هذه البئر، وإن كان التغير بمجاور أو بطول المكث جاز الوضوء منها.
مثال آخر: البنت الصغيرة أخذت الصابون ووضعته في الحوض فتحلل الصابون، وتغير الماء، فهذا تغير بالمخالطة، فلا يصح أن يتوضأ به.
وتوجد إضافة قليلة لا تؤثر وليس لها تغيير، كحبيبات سكر قليلة تقع في إناء الماء فلا تؤثر فيها ولا تغيره، أو قليل من الزعفران، أو الطيب، أو العود، أو الزيت، أو الدهن، فإما أن تطفو، وإما ألا ترى لها أثراً، فالشيء القليل معفو عنه إذا لم يتغير طعم أو لون أو رائحة؛ لأن هذا لم يتغير، فهو باق على أصل خلقته، فيصح التطهر به.
وإضافة الكافور للماء عند غسل الميت لها حالتان: أن تدق الكافور حتى يصبح حبيبات صغيرة جداً.
جاء رجل ليغسل رجلاً ميتاً، فأخذ الكافور فجعله في الماء الكثير، فنظر إلى الماء فوجده قد تغير، فغسل الميت، فلما غسل الميت جاءني فسألني وقال لي: أنا غسلته بماء وكافور، قلت: ماذا فعلت بالكافور؟ قال: جعلته حبيبات صغيرة، قلت: هل رأيت منها شيئاً؟ قال: لم أر منها شيئاً، وغسلت الرجل، هل أكفنه الآن في كفنه أم أغسله مرة أخرى بماء مطلق غير متغير؟ فأجيبه: بأن هذا الماء تغير بالمخالطة وهذا ماء طاهر وليس بطهور، فعليك أن تغسله بعد ذلك بماء صاف غير مختلط بكافور حتى نقول: إنك غسلته بماء طهور بقي على أصل خلقته.
مثال آخر: مات رجل، وجاءت زوجته تغسله، فأخذت قطعة صلبة من الكافور فوضعتها في الإناء، والكافور له رائحة طيبة، وطعمه مر كالحنظل، قالت: هو قطع صلبة جداً لم أستطع دق هذه القطعة، فوضعتها فاشتممت الماء فوجدت له رائحة طيبة جداً، فالماء أصبح متغيراً برائحة كافور نفاذة، فهذا التغير بالرائحة النفاذة تغير بالمجاورة، فيصح الغسل به.
مثال آخر: وضع رجل دهن الطيب في خزان الماء، فطفا الدهن على الماء، وصار للماء رائحة طيبة، فهل يجوز الوضوء منه؟
الجواب
نعم؛ لأن هذا تغير بالمجاورة وليس تغيراً بالمخالطة.
مثال آخر: وقعت أوراق شجرة على ماء البئر فغيرته، فهذا الماء يجوز الوضوء به؛ لأن هذا تغير بالمجاورة لا بالمخالطة.
стр. 52
الماء النجس
إذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت وصفاً من أوصافه الثلاثة، طعمه أو رائحته أو لونه، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ فبالإجماع أنه يصير نجساً لا يصح رفع الحدث به، ولا إزالة النجس.
وعند الشافعية في المذهب التفريق بين الماء القليل والماء الكثير، وضابط التفريق بين الماء القليل والكثير هو: مقدار القلتين، فلو كان عندنا إناء فيه ماء، فوقعت فيه قطرة من النجاسة ولم تغيره، فهو نجس عند الشافعية؛ لأنه ماء قليل.
وإذا كان الماء أكثر من قلتين فوقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو طهور.
ودليل الشافعية على التفريق بين القليل والكثير حديث عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهذا الحديث صحيح على الراجح، ولهذا الحديث منطوق ومفهوم، فمنطوق الحديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وإن وقعت فيه أي نجاسة لم تنجسه على الإطلاق، لكن الإجماع على أنه لو تغير أحد أوصافه يكون نجساً.
ومفهوم الحديث: إذا كان الماء أقل من قلتين فالحكم يختلف، الأول: لم يحمل الخبث، وهذا يحمل الخبث، فإذا كان الماء أقل من قلتين ووقعت النجاسة فيه ولو قطرة بول، فعند الشافعية ينجس.
الدليل الثاني: الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)، ثم علل وبين الحكمة فقال: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، قال الشيخ أحمد شاكر: إذا كان الخلاف في اللغة فقول الشافعي حجة، فقد كان من العرب الأقحاح، قال الشافعي: العلة أنهم كانوا يستطيبون بالحجارة، أي: كانوا يستجمرون بالحجارة، والاستجمار بالحجارة ينقي المحل من العين ويبقى الأثر، فإذا نام تعرق لأن بلادهم حارة، فإذا حك بإصبعه محل النجاسة فإنه سيعلق بإصبعه شيء من النجاسات، وهذه النجاسة يسيرة جداً لا يمكن للإنسان أن يراها، فإذا قام وقد علقت بأصابعه النجاسة، ووضع يده في الإناء، فإن هذا الماء الذي في الإناء سيكون حكمه النجاسة، ووجه الدلالة من الحديث: عدم التفصيل، فالنبي ﷺ ما قال في حديثه: فإن تغير الماء فلا يجوز استعماله، وإن لم يتغير فيجوز استعماله، بل أطلق وقال: (لا يضع يده)، سواء تغير، أو لم يتغير، فيكون حكمه واحداً وهو: النجاسة.
الدليل الثالث: قال النبي ﷺ (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (طهارة إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) وفي رواية: (فأهرقه) فأمر بإلقاء الماء لأنه قد فسد بالنجاسة، وهذه النجاسة جاءت من ولوغ الكلب في الإناء، فالنبي ﷺ في هذا الحديث لم يقل: لو تغير الماء فألقوه، وإن لم يتغير فأبقوه، ما فصل، فهذا وجه استدلالهم بهذا الحديث.
الدليل الرابع: حديث الهرة، فقد كان أحد الصحابة يتوضأ من الإناء، فجاءت هرة لتشرب فقرب لها الإناء، فدخلت زوجة ابنه فاندهشت ونظرت إليه، فقال لها: قال النبي ﷺ : (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم)، فوجه الدلالة عند الشافعية من هذا الحديث: أن ولوغ القط في الإناء القليل لا ينجسه، ولو كان نجساً لنجسه، بدليل قوله: (إنها ليست بنجس)، فمفهوم المخالفة أنه لو كان سؤر القط نجساً، وشربت من الإناء فإنه ينجس سواء تغير أو لم تغير.
قالوا: هذه أدلة من الأثر، أما من النظر: فإن يجعلنا نفرق بين الماء القليل والماء الكثير أن المشقة تجلب التيسير، فلما كان حفظ وصون الماء القليل يسير على الناس شددنا عليهم في الأحكام، فقد قال الشرع: لا بد أن تحفظوا ماءكم من النجاسات، فإن لم تحفظوا فقد فرطتم، فيكون الحكم عليكم شديداً، وهذا الماء ينجس، وإن كان كثيراً يشق عليكم حفظه يسرنا عليكم في الأحكام.
والمالكية خالفوا في هذا، وعندهم أدلة قوية جداً، حتى إن الغزالي وهو من الشافعية قال: ليت الشافعي قال بقول مالك في المياه، وهذا الكلام لا يؤخذ به ولا يعتبر، بل فحول الشافعية يرون أن مذهب الشافعي هو الصحيح، والدليل معه، والمالكية يستدلون بعموم قول النبي ﷺ : (الماء طهور)، يعني سواء كان قليلاً أو كثيراً (لا ينجسه شيء) قالوا: هذا عام في القليل والكثير، واستدلوا أيضاً بحديث الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، فالنبي ﷺ قال: (لا تزرموه، وأهريقوا عليه ذنوباً من ماء) وذنوب الماء قليل، وهو يطهر النجاسة، فكيف تفرقون بين القليل والكثير؟! قالوا: ولو التقى الماء القليل مع البول سينجس؛ لأن عندكم أن الماء القليل لو لاقى نجاسة ينجس، وسنبين الرد على هذا نزولاً عند رغبة الإخوة، ففي هذه المسألة سنتوسع بذكر الخلاف فيها، وسنبين الرد على المخالف إن شاء الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 53
شرح متن أبي شجاع - الماء النجس
لقد اشتد النزاع بين الفقهاء في مسألة ملاقاة الماء للنجاسة، فمن قائل بالتفريق بين القليل والكثير، ومن قائل بالبقاء على الأصل وهو الطهارة ما لم يتغير، ومن قائل بغير ذلك، والناظر في هذا الاختلاف يجده اختلافاً مبنياً على الأدلة وبعضه على التعصب والهوى، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
стр. 54
الماء النجس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.
حديثنا عن القسم الثالث، وسنتحدث عنه باستفاضة، ونتعرض للخلاف مع المالكية والترجيح في ذلك.
القسم الثالث: الماء النجس، وهو الماء الذي لاقته نجاسة سواء كانت دقيقة أم جليلة.
وقد أجمع أهل العلم كما نقل ابن المنذر: أن الماء الطهور إذا لاقى نجاسة فغيرت وصفاً من أوصافه: طعماً أو رائحة أو لوناً فإن هذا الماء يصير نجساً بالتغيير.
وهذه أدلة وآثار وإن كانت ضعيفة، لكن الإجماع انعقد على صحة معناها: حديث ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) فهذه الزيادة: (إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) اتفق المحدثون على ضعفها، لكن أجمع أهل العلم على صحة مقتضى هذا الكلام: أن الماء إذا تغير وصف من أوصافه فإن هذا التغير يؤثر فيه سلباً وإيجاباً، فهو نجس، فإذا لاقى الماء الطهور الباقي على أصل خلقته طاهراً كالصابون أو الزعفران أو الورد وأثر فيه فغير طعماً أو لوناً أو ريحاً فإنه يصير طاهراً، وإذا لاقى نجاسة صار نجساً، والفرق بينهما: أن الماء النجس ينجس غيره إذا استعمل، بمعنى: أن الرجل إذا أراد أن يتوضأ بماء وظهر أن هذا الماء نجس قلنا له: إنه لا بد في مواضع الوضوء أن تمرر عليها ماءً مطلقاً حتى تزيل هذه النجاسة؛ لأنك تلبست بنجاسة.
أما إذا كان ماء وصابوناً فتوضأ بالماء والصابون عند من يقول: إن هذا الماء طاهر وليس بطهور، فإنا لا نقول شيئاً غير أنه يعيد الوضوء، فإذا ارتقى الماء مثلاً إلى ثيابك أو شعرك أو جسمك أو رجلك أو موضع من مواضع جسمك فلا تمرر عليه الماء فلست مطالباً بذلك؛ لأن الطاهر مر على جسدك ولك أن تصلي.
أما الثاني: وهو الماء النجس: فإنه إذا أصاب ثوبه وصلى وهو يعلم أن ثوبه قد انصبغ بالماء النجس فإن صلاته لا تصح وهذه ثمرة الخلاف، حيث نقول: يتفقان ويفترقان، فيتفقان في أن الماء الطاهر يتفق مع الماء النجس في عدم صحة الطهارة به لا في رفع الحدث ولا في إزالة النجس، بل لا بد من ماء مطلق خلاف الأحناف، فالأحناف يقولون: بأن المائعات تزيل الأنجاس، فالصحيح: أنهما يتفقان في إزالة النجاسة، في أن النجس إذا أصاب ثوباً أو أصاب موضعاً وجب غسل هذا الموضع؛ لأنه أصابته نجاسة فلا يصح الصلاة به، وأما إذا أصاب الماء الطاهر الجسد أو الثوب صحت الصلاة لو كان متوضئاً.
والغرض المقصود هو: هل تصح إزالة النجاسة بالماء أم لا؟ لأن هذا قول الأحناف، وقد رجحه أيضًا شيخ الإسلام، والخلاف ضعيف جداً، والقول الحق هو قول الجمهور: أنه لا تصح إزالة النجاسة إلا بالماء حتى ولو كان بالشمس، يعني: لو وجد النجاسة على ثوب والشمس كانت عليه فاستحالت النجاسة، يعني: إذا كانت النجاسة تتحول من النجاسة إلى شيء آخر فهل تصح أم لا؟ وهذا بحث قوي جداً في استحالة النجاسة: فهل تبقى النجاسة على ما هي عليه بعد تحول العين إلى عين أخرى؟ مثال ذلك: خنزير مات في مكان فيه ماء أو مكان فيه ملح فتحولت عين الخنزير من الخنزير إلى ملح فصار ملحاً، وهذا التحول ممكن في الواقع، وهو سهل جداً، فهل يصير بهذه الاستحالة طاهراً أم نجساً؟ وهي مسألة وعرة وليست بالهينة والخلاف فيها شديد.
стр. 55
مذهب الشافعية في الماء إذا لاقى نجاسة وأقوال مخالفيهم
وفي موضع الكلام على النجاسة إذا لاقت الماء الطهور كأن تقول: وقعت قطرة خمر -عند من يقول بنجاسة الخمر- على ماء، فمذهب الشافعي: أن الماء إذا لاقى نجاسة -سواء كان حوضاً كبيراً أم إناءً صغيراً- فغيرت وصفاً من أوصافه طعماً أو لوناً أو ريحاً صار الماء نجساً وهذا بالإجماع كما قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بملاقاة النجاسة صار نجساً، واستند بذلك على الإجماع وليس على الحديث، فالحديث ضعيف ولا حجة في الأحاديث الضعاف بأي حال من الأحوال.
أما إذا كان الماء قليلاً فهذا هو موضع المعترك بمعنى: لو أن ولداً صغيراً مثلاً دخل إلى حوض لرجل أراد أن يغتسل فبال في هذا الحوض، وهذا الماء كما هو لم يتغير، ودخل الرجل يريد الاغتسال وما عنده إلا هذا الماء المخزون فهل يصح أن يغتسل من هذا الماء وهو لم يتغير مع أن النجاسة لاقته؟ المذهب الشافعي يقول: الماء القليل إذا لاقته نجاسة غيرت أو لم تغير فيه فإنه نجس، أي: أنه لا يصح رفع الحدث به، ولا تصح إزالة النجاسة، بل ولا يصح استعماله بحال من الأحوال، وعليه إراقة هذا الماء، ودليلهم: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) قالوا: وهذا منطوق، والمفهوم: أنه إذا كان أقل من قلتين حمل الخبث: أي: ما استطاع أن يدفع الخبث عن نفسه إذا لاقته النجاسة فاستقرت فيه، وذابت جزيئاتها في جزئيات الماء فصار حكمه نجساً.
لكن الأحناف شددوا الوطأة عليهم وقالوا: المنطوق الذي تستندون إليه ليس لكم فيه ناقة ولا جمل، فمعنى قول النبي ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يعني: لم يتحمل، أي: لو كان قلتين فوقعت فيه نجاسة لم يتحمل النجاسة وأثرت فيه ونجسته، فكيف تفرقون بين قلتين وبين غيره؟ فهم يطعنون في الشافعية من أجل القلتين وإلا فهم يقولون أيضًا بالقليل والكثير، لكنهم قالوا: إن هذا الماء لا يمكن أن يتحمل النجاسة، ولا يمكن أن تؤثر فيه فقلنا لهم: هذا الكلام وإن كان له احتمال لكن احتماله ضعيف جداً، وعندنا عمدة من الأدلة التي نعتز بها أو نعض عليها بالنواجذ منها: الرواية الأخرى التي جاءت عن النبي قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) وهذا صريح في المقام وهو رد قاطع على الأحناف، والحديث يفسر الحديث، قال النبي ﷺ : (لم ينجس) فقول الأحناف لم يتحمل الخبث قولٌ خطأ؛ فقد فسره الحديث الثاني، فقال: (لم ينجس)، أي: لم يحمل النجاسة أو لم تؤثر فيه النجاسة.
قالوا: والدليل الثاني في التفريق بين القليل والكثير: حديث النبي ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما أو حتى يغسلها ثلاثاً) قالوا: وهذا ليس تعبدياً بل هو معلل، والعلة قالها النبي ﷺ إشارة: (لأنه لا يدري أين باتت يده) وهذا فيه إشارة وتلميح من النبي ﷺ على أن الحديث له علة، والعلة: أن يده من الممكن أن تمس أثر النجاسة لأنهم كانوا يستطيبون بالأحجار، فيزيلون العين ويبقى الأثر، فمن الممكن أن تحتك الأصابع أو اليد بالجسد فتؤثر، أو يعرق المرء فتلمس النجاسة، وهذه النجاسة ستكون غير ظاهرة، فلو وضع يده في الإناء الذي ماؤه ليس كماء البحر، وإنما هو ماء قليل، فإذا وضع يده في ماء قليل فإنه سيتغير وصف من أوصافه؛ فسيضع يده التي تحمل النجاسة فتنجسه.
فإذاً: -قالوا: إن أمر النبي ﷺ بألا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وبيان العلة أو الإشارة إلى العلة في آخر الحديث: (لأنه لا يدري أين باتت يده) يدل على التفريق بين القليل وبين الكثير؛ لأن النبي ﷺ لم يقل بلغ أو لم يبلغ، تغير أو لم يتغير، قال: (في الإناء) والإناء هذا إشارة إلى أن الماء قليل، ولم يقل النبي ﷺ : إذا غير فهو نجس، وإن لم يغير فليس بنجس، ولم يقل النبي ﷺ قولاً، فدل على أن الحكم واحد سواء غير أم لم يغير.
فقوله: (لأنه لا يدري أين باتت يده) فيه: إشارة من النبي ﷺ أنها لو باتت في مكان نجس فستنجس هذا الماء، لكن المالكية لم يجدوا قولاً قوياً يردوا به إلا أن قالوا: لا نوافق على أن الحديث معلل، بل الحديث تعبدي، وهذه الأعمال تعبدية كالأربع ركعات في الظهر والثلاث ركعات في المغرب، قلنا: القاعدة عند علمائنا: إذا دار الحكم على التعليل أو على التعبد وجب حمله على التعليل لا التعبد؛ لأن الله في أكثر من حكم يخاطب العقول (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وقول النبي ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فدل ذلك على أن الله يخاطب العقول ويعلل الأحكام، وهذه حكمة من الله جل في علاه حتى تزداد الإيمانيات، فإذا دار حكم الحديث على التعبد أو على التعليل وجب حمله على التعليل، هذا هو الأولى والصحيح، فإذاً نقول لهم: إذا قلتم: يحمل على التعبد قلنا لكم: قد أشار النبي ﷺ بالتعليل عندما قال: (لا يدري أين باتت يده)، قالوا: وهذا تفريق بين القليل والكثير.
قالوا: الدليل الثالث: حديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) في رواية قال: (فليرق هذا الماء لما يصيبه)، فيريقه مع أن إتلاف المال لا يجوز، لكن يريقه؛ لأنه تنجس، والنبي ﷺ لم يفصل: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فتغيرت أحد أوصافه فليرق هذا الماء، أو قال: إن لم تتغير أحد أوصافه فعليكم بالماء واستخدموه، بل قالها مطلقاً، فدل على استواء كلا الحالتين، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً ويعفره الثامنة بالتراب -أو قال: أولاهن بالتراب، أو قال: عفروه الثامنة بالتراب أو آخرهن بالتراب-)، ففيه دليل: على أن الماء القليل تنجس لما ولغ فيه الكلب، وهذا تعضيد لمن يقول بالتفريق بين القليل والكثير.
أيضًا الحديث الرابع وهو: حديث الهرة: (عندما قرب صاحب الهرة الإناء لها لتشرب منه فنظرت زوجة ابنه مندهشة، فقال: لم تندهشين؟ أو قال: لا تعجبين يا بنيتي! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: أنها ليست بنجس، وهذا ظاهر الدلالة، إذاً: يبقى مفهوم المخالفة: فلو كانت الهرة نجسة لكان لعابها نجساً، ولو كان نجساً لنجس الإناء، فهذه دلالة واضحة أيضًا لهم في التفريق بين القليل والكثير.
ومن الأحناف طائفة تقول: نحن نفرق كما تفرقون، لكنا لا نقول بقولكم، فنحن نقول إن التحديد في القليل والكثير بتحريك الماء، بمعنى أننا إذا وقفنا على حافة البئر حركنا طرف البئر من هنا فإذا تحرك في آخره فهذا ماء قليل، فإذا وقعت النجاسة فيه فقد نجس، وإن لم يتحرك فهذا ماء كثير، فإن النجاسة لو وقعت فيه لم تنجسه، وهذا الخلاف لا نريد أن ندخل فيه حتى لا نشوش عليكم، فنبقى في الخلاف القوي أفضل.
أما قول المالكية في ذلك فقد جاءوا بأدلتهم وهي من القوة بمكان، فقالوا: لا نقبل قولكم، بل عندكم من قبل قولنا وتمنى أن الشافعي قال بقولنا، كما قال الغزالي: تمنيت لو أنه رجع الشافعي إلى قول مالك في هذه المسألة، وما ذلك إلا للتأثير القوي والنظر الدقيق في هذه المسألة، ودليلهم هو قول النبي ﷺ كما في حديث بئر بضاعة) (عندما سألوه: يا رسول الله! بئر بضاعة يلقى فيه الكلاب والنتن والحيض أو قالوا: المحايض؟ فقال النبي ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء) فالماء: اسم جنس معرف بالأل واللام يطلق على الماء القليل والماء الكثير، ورد الشافعية عليهم وقالوا لهم: قول النبي ﷺ في الماء ليس على العموم؛ لأن هذه القصة حدثت في بئر بلغ القلتين وأكثر من القلتين، كما قال أبو داود: إنه طاف على بئر بضاعة فألقى رداءه فكان ذراعاً وربعاً عمقاً وذراعاً وربعاً طولاً وذراعاً وربعاً عرضاً؛ ولذلك قيد الشافعية القلتين: بخمسمائة رطل عراقي أو خمس قرب، وقالوا: هذا مخصوص، وقد رد عليهم المالكية بقولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يهمنا بئر بضاعة أو غيره فقد ذكر النبي ﷺ الماء عموماً، أي: كل الماء قليلاً كان أو كثيراً، واجتمعنا نحن وأنتم على ما غيّر طعماً أو لوناً أو رائحة، وهذا أول دليل.
أما الدليل الثاني للمالكية -وهذا الدليل أقوى من الأول- ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد فهم الصحابة بقتله، وقام الصحابة عليه، فقال لهم النبي ﷺ : لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله، اتقوا الله وكونوا رفقاء بأصحابي -ثم قال: أهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو قال: ذنوباً من ماء)، والذنوب هذا: إناء فيه قليل من الماء، فقوله: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من الماء، قالوا: وهذا واضح الدلالة بأن الماء القليل إذا لاقى النجاسة فحكمه حكم ماء الطهارة إلا إذا تغير طعم أو لون أو رائحة، ووجه الدلالة عند المالكية قالوا: فقد حكم النبي ﷺ بطهارة المحل، وطهارة المحل هذه جاءت بملاقاة الماء القليل لهذا البول الكثير، فلاقى الماء القليل الكثير من البول، وحكم النبي ﷺ بطهارة المحل؛ لأنه أباح لهم الصلاة بعد ذلك، فلما حكم بطهارة المحل دل على أن الماء القليل إن لم يتغير أوصافه ولاقى نجاسةً فإنه لا يصير حكمه حكم النجاسة.
وقد رد المالكية على أدلة الشافعية في ذلك فقالوا: أنتم تحتجون أولاً بحديث: إذا بلغ الماء قلتين، وهذا عمدة أدلتكم، فالرد عليكم من وجهين: (الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف ولسنا
стр. 56
الرد على أدلة المالكية في قولهم بعدم تنجس الماء
لكن انتصاراً للمذهب لا تقليداً فالصحيح الراجح هو القول الأول: قول الشافعية؛ لأن هذا الذي تلتئم به شمل الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ قد فرق بين القليل وبين الكثير في قوله: (لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما)، وقول النبي ﷺ (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) فيه تفريق بين القليل وبين الكثير، وفي قول النبي ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).
أيضًا تفريق بين القليل وبين الكثير وهذا ظاهر جداً.
وأما الأدلة الثانية التي جاءت عامة كقوله ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فسنرد عليها ثم نرد على الأدلة الأخرى، فأما قولكم بعموم قول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) وافقناكم على ذلك وقلنا هذا حديث عام، وحديثنا: إذا بلغ الماء القلتين خاص فالمفهوم الخاص هذا يخصص العموم في حديث الماء، فهو لا ينجسه شيء بمعنى: أن الماء كل الماء قليلاً كان أو كثيراً (الماء طهور لا ينجسه شيء) ويأتي مفهوم المخالفة بحديث (إذا بلغ الماء قلتين) فنقول: عندنا قاعدة أصولية: وهي أنه إذا تعارض عام مع خاص فلا بد أن يتقدم الخاص على العام، فنقول: معنى كلام النبي ﷺ : (الماء طهور) يعني: إن كان فوق القلتين فهو طهور لا ينجسه شيء، فإذا وقعت النجاسة في الماء الذي بلغ القلتين فلم تغير أحد أوصافه فهو طهور لا ينجسه شيء، فقد خصصنا هذا العموم بمفهوم (إذا بلغ الماء قلتين)، وهذا صحيح أصولياً: إذ العام لا يتعارض مع الخاص ويقدم الخاص على العام.
قلنا: وقد رددتم على أدلتنا بتعارض المنطوق مع المفهوم، وقلنا: هذا جيد، إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق على المفهوم، لكن هناك شيء آخر لا بد أن تدركوه ألا وهو: أن المنطوق والمفهوم لهما تعامل أولاً، فإذا استطعنا الجمع بين المنطوق والمفهوم فالجمع مقدم على الترجيح؛ لأن القاعدة عند العلماء: إعمال الكلام أولى من إهماله؛ لأنك لو قلت بعموم هذا الحديث طرحت خصوص الحديث الثاني، وإذا قلت بالخصوص طرحت العموم، فأنت تجمع بين الاثنين، فتقول: يعمل العام في مجاله، ويعمل الخاص في مجاله، فنحن نقول: إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدمنا المنطوق إلا إذا استطعنا التوفيق بين المنطوق وبين المفهوم، وبذلك يمكن جمعه بأن يعمل العام في عمومه، فيقال: الماء طهور لا ينجسه شيء إذا كان فوق القلتين فوقعت فيه النجاسة فلا نحكم بنجاسته حتى يتغير وصف من أوصافه، ونعمل بالخصوص أيضًا إن كان أقل من القلتين فإننا نحكم بنجاسته إذا لاقى نجاسة.
والرد على الحديث الثاني وهو حديث بول الأعرابي هو من القوة بمكان، فنقول: الحمد لله أننا من أهل الإسلام، وندور مع الإسلام حيث دار، وندور مع الآثار حيث دارت، والشرع هو الذي قال: لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً خوفاً من ملاقاة النجاسة؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، والشرع هو الذي أمر بصب ذنوب الماء على البول، فنحن نقول لكم: نحن مع الرسول حيث ما اتجه، فقد اتجه أولاً: بألا نضع أيدينا في الإناء حتى لا ينجس الإناء وقلنا به، واتجه ثانياً عندما كان البول في الأرض أن تصب عليه الماء، ونحن قلنا بهذا، فإذا كنا نحن نفرق بين القليل وبين الكثير فنحن نفرق كذلك بين ورود النجاسة على الماء وبين ورود الماء على النجاسة، فإذا قالوا: هل الورود مؤثر؟ قلنا: لا ليس الورود هو المؤثر، بل النجاسة إذا وردت على الماء، أو سقطت على الماء كان لها قوة على زج جزيئاتها في جزيئات الماء فتؤثر في الماء حكماً، فلو أن الماء في إبريق فصببناه النجاسة فإنه سينزل دفعة واحدة فيتدفق تباعاً، فإذا ورد الماء على النجاسة تباعاً فإن الدفعة الأولى ستفتت جزيئات النجاسة، والدفعة الثانية تضيع هذه العين أو الأثر، ثم تأتي الثالثة فتنهي أو تغمر هذه الجزيئات القليلة في الدفعات التي تتوالى فيبقى المكان أو المحل طاهراً، فإذا ورد الماء على النجاسة كانت له قوة دفع، ولذلك قال العلماء: إن الماء يغير الماء بطرائق كثيرة منها: أن الماء يتغير بالمكاثرة؛ لأن له قوة يدفع بها النجاسة عن نفسه، أما رأيت أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ القلتين، فهذه قوة في الماء، فالماء إذا انصب أو ورد على النجاسة كانت له قوة دفع النجاسة وتفتيتها، فتنغمر ولا تظهر أبداً في الماء، أما إذا سقطت النجاسة في الماء فقبعت في القاع فقد تحللت جزيئاتها في جزيئات الماء، فإذاً: نحن أسعد الناس بالأدلة والآثار، وندور مع الآثار حيث دارت، أولاً: مع أثر النبي في ألا يضع يده في الإناء؛ لأن النجاسة لو سقطت فستتحلل وتحول حكم الماء، وأيضًا مع الرسول حينما قال صبوا عليه ذنوباً من الماء؛ لأن الماء له قوة دفع، فسيدفع هذه النجاسة ويفتتها فلا تتحلل جزيئاتها إلا في الدفعة الأولى، ثم يأتي والباقي على محل طاهر فيبقى المحل طاهراً، إذاً هذا الحديث هو عمدة أدلتهم وقد انهار بفضل الله، فتسلم لنا الأدلة ويسلم لنا قول المذهب بالتفريق بين القليل وبين الكثير، وإن كان بعض الحنابلة قد قال بعدم التفريق، وقال بقول مالك، لكن المحققين في مذهب الإمام أحمد يقولون بقول الشافعي في التفريق بين القلتين وبين غيره، وانظر في المغني وغيره في الإنصاف فستجد أن المحققين من الحنابلة يرجعون لهذا القول؛ لأن هذا القول أقوى من ناحية الأثر والنظر، فنحن نقول لهم: إن ناحية النظر أيضًا معنا؛ لأن القاعدة عندنا وعندكم: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، فقلنا لهم: لما كانت المشقة في مسألة القلتين تصب على البول الذي باله الأعرابي فإن الناس لن يصلوا على الأرض، بل سيصلون وهم يسبحون، فنقول: هذه مشقة على الناس أن يفعلوا ذلك، فجاء الحكم بالتخفيف، وقال: أوردوا الماء على النجاسة فإن ورود الماء على النجاسة له قوة دفع يدفع النجاسة والعكس بالعكس، فلما كان الإناء يمكن حفظه قيل له: سقطت فيه النجاسة وأثرت فيه؛ لأنه يمكن أن يحفظه، والمشقة تجلب التيسير، فتسلم بذلك الأدلة، ويبقى لنا الدليل ناصع البياض ظاهراً لا تشويش عليه، فإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث في التفريق بين القليل وبين الكثير.
стр. 57
شرح متن أبي شجاع - النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة
النجاسة نوعان: مؤثرة وغير مؤثرة، ومن النجاسة غير المؤثرة: ما لا ترى بالعين لصغرها، فهذه يعفى عنها، والقول بوجوب غسلها فيه حرج، والقاعدة الشرعية: أن المشقة تجلب التيسير.
стр. 58
مذهب الشافعية في الماء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد ذكرنا أن المياه ثلاثة أقسام: قسم طهور طاهر في نفسه مطهر لغيره, وقسم طاهر في نفسه غير مطهر لغيره, وقسم نجس.
وذكرنا أن المذهب هو التفريق بين الماء القليل والكثير, وحد القلة والكثرة عند الشافعية هو: القلتان.
فمذهب الشافعية: أن الماء إن كان قليلاً ووقعت فيه نجاسة تنجس, سواء تغير أم لم يتغير, فلا نظر إلى التغير, بل النظر إلى القلة والكثرة، وإذا بلغ الماء قلتين فالنظر للتغيير, فإن تغير أحد أوصاف الماء من طعم أو لون أو رائحة بخس وإلا لم ينجس.
стр. 59
النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة
كل نجاسة وقعت في الماء الكثير وغيرت له طعماً أو لوناً أو رائحة فقد نجسته, وإن كان قليلاً ولم تغيره فقد نجسته أيضاً, إلا النجاسة اليسيرة المعفو عنها, فإذا وقع الذباب على شيء نجس ثم طار ووقع على ثوب فإنه لا بد أن يكون قد حمل من النجاسة على الثوب، فإذا دقق المرء النظر في الثوب لن يجد علامة للنجاسة, وهذه نجاسة غير مرئية، فهل يصير الثوب بذلك نجساً لا بد من غسله؟ أيضاً هل الماء إن كان أقل من قلتين ووقعت الذبابة على هذا الماء فهل يصير بذلك نجساً أم لا؟ ففي المذهب ستة أقوال في هذه المسألة، فمنهم من يفرق بين الماء والثوب, ومنهم من يقول بالنجاسة على الإطلاق، ومنهم من يقول بالطهارة على الإطلاق.
والقول الراجح من المذهب هو أن الذباب إذا وقع على الماء أو وقع على الثوب فالثوب طاهر والماء طهور، والدليل على ذلك أدلة كلها نظرية تستقى من أدلة أثرية منها: قاعدة اليسير يعفى عنه, وهذه القاعدة مستقاة من مقاصد الشريعة، فلو أمرناه بغسل الثوب الذي وقع عليه الذباب، فقد ألحقنا به المشقة، لا سيما والذباب يقع في الثوب في كل وقت، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وأيضاً المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولو أمرنا المكلف بإلقاء الماء الذي وقع عليه الذباب أتلفنا الماء وإن أمرناه بغسل الثوب شققنا عليه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:٧٨]، وهذا مما عمت به البلوى, فالمسألة كلها دائرة على رفع الحرج، وعلى أن المشقة تجلب التيسير، ولذلك قال العلماء: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، واليسير يغتفر، فمثلاً وجد ١% من الكحول في الطيب والباقي كله روائح فنقول: هذه النسبة تغمر في هذه الكثرة، بل تتفتت في هذه الكثرة، فيغتفر اليسير، فالصحيح الراجح أن نقول: هذه النجاسة نجاسة يسيرة تغتفر، وهذا ما مال إليه النووي وغيره، فاليسير من النجاسات التي لا يراها الإنسان بطرف عينه تغتفر، ولا يكلف المرء بغسل المحل.
стр. 60
حكم ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء
الحيوان ضربان: الضرب الأول: ما له نفس سائلة كبهيمة الأنعام، وما لا نفس له سائلة كالبراغيث والنحل والنمل والذباب، فهذه لا نفس لها سائلة، أي: لا دماء لها سائلة, والراجح عند الشافعية: أنه إذا وقع الذباب في الإناء فغمسته فإنه لا ينجس الماء؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ونحن نقول: الذباب ليس بنجس، والأدلة على ذلك: الحديث الذي في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) وفي سنن أبي داود قال: (فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي: يقدم جناح الداء, والأبحاث الطبية أظهرت أنه يقدم جناح الداء، فوجب عليك أن تغمسه، ومن لم يفعل ذلك أثم، ولو مات من ذلك الداء فحكمه حكم قاتل النفس؛ لأنه قد خالف شريعة الله جل في علاه, قال النبي ﷺ : (فليغمسه فإن في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء وإنه يتقي بالداء)، وإذا غمس الذباب في الإناء فالذباب لا بد أن يموت، قال الشافعي: هو ميتة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، والرجس عائد على كل ما ذكر، فالميتة نجسة، لكن نقول: هذا الكلام خطأ؛ لأنه مخالف لصريح إباحة النبي ﷺ بأن يغمس الذباب في الإناء، والنبي ﷺ يعلم بأنه إذا غمس الذباب في الماء فإنه سيكون ميتة، وهذا الماء لا يصير نجساً؛ لأن النبي ﷺ بين أنه يباح أن تأكل هذا الطعام أو أن تشرب هذا الشراب, فدل على أن هذه الميتة لا تنجس الماء لأنها ليست بنجس, وهل يصح أن يؤكل الذباب؟ لا يصح؛ لأنه مستقذر، وبعض العلماء فصل فقال: الحيوان الذي لا نفس له سائلة ضربان: ضرب يكون أجنبياً عن الطعام والشراب كالذباب والنحل والنمل, وضرب يكون من الطعام كدود التمر مثلاً، فإذا أكل مع الطعام يجوز وهو ليس بنجس، أما بالنسبة للنمل والنحل ونحوهما فنقول: هذه مستقذرة لا تؤكل، لكن الراجح أنها ليست بنجس، لقول النبي ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم) , فأباح الغمس وهو يعلم أنها ستموت.
стр. 61
حكم تغير الماء بوقوع الذباب فيه
إذا وقع الذباب الذي يحمل النجاسة على الماء فغمسه المرء فتغير فما حكم هذا الماء؟ النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، وقد رجحنا أن الذباب ميتة وهو ليس بنجس, ومثله الدود الذي في الجبن أو في التمر، فهذا ليس بنجس، بل يجوز أن يؤكل مع ذلك الطعام تبعاً.
والإمام النووي وغيره يقول في هذه المسألة: ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فإذا تغير الماء تغير بنجس، فإذاً لا يصح استعماله، ونحن رجحنا أن ما لا نفس له سائلة ميتة طاهرة، فيكون الماء تغير بطاهر، فيصير الماء طاهراً, ووقوع النجاسة من الذباب في الإناء له ثلاث حالات: الحالة الأولى: مرت الذبابة على نجاسة وهذه النجاسة يسيرة، فوقعت على الماء وكادت تموت ثم طارت، فنظر الناظر فوجد الماء قد تغير, هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: لم تقع الذبابة على النجاسة، ثم سقطت في الماء فماتت فيه فغيرته.
الحالة الثالثة: وقعت في النجاسة ثم وقعت في الماء فماتت فلم تغيره.
حكم الحالة الأولى: ينجس الماء؛ لأنه تغير بنجاسة، وهذا بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته).
حكم الحالة الثانية: إن لم يتغير الماء فالراجح في المذهب أن الماء طهور, يصح استعماله؛ لأن هذه نجاسة لم تر بالطرف فهي يسيرة، واليسير معفو عنه، أما إن غيرت الماء فالمسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فلما غيرت الماء صار الماء نجساً, والراجح: أن ميتة الذبابة طاهرة وليست نجسة؛ لأن النبي ﷺ أباح غمس الذباب في الماء وشرب الماء، فهي طاهرة وليست بنجسة, فيكون الماء قد تغير بطاهر، فينتقل من الطهور إلى الطاهر، فصار ماء طاهراً لا يمكن استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، لكن يمكن استعماله في أمور أخرى, في اغتسال تبرد أو الشرب، وهذا هو الراجح.
حكم الحالة الثالثة: إذا ماتت ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، فحكمه الطهورية.
стр. 62
أدلة الشافعية في نجاسة ما لا نفس له سائلة والرد عليها
في المذهب أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، ولحديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت)، ولم يذكر ما لا نفس له سائلة.
والجواب عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:١٤٥]: أن هذا ميتة ما له نفس سائلة، والجواب عن حديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت) أن المعنى: أحلت لنا ميتتان في المأكول الذي له نفس سائلة، وليس فيما لا نفس له سائلة.
стр. 63
الماء المتنجس يطهر بالمكاثرة
الماء يطهر بالمكاثرة، وهذه مسألة تطهير الماء, فالماء قسمان: ماء قليل، وماء كثير، وحد القلة والكثرة عندنا القلتان, فإذا وقعت نجاسة في ماء أقل من القلتين فإنه ينجس، فإذا أردنا أن نطهر هذا الماء فإننا نطهره بالمكاثرة، فنزيد فيه من الماء حتى يبلغ ذراعاً وربع ذراع عمقاً وطولاً وعرضاً، فإذا بلغ القلتين وصار صافياً لا نرى فيه تغيراً فهو طهور؛ لأنه لم يتغير أحد أوصافه, وإذا وجدناه متغيراً بعد ما بلغ القلتين فما زال نجساً، فإذا زدنا فيه من الماء حتى زال التغيير فإنه يكون طهوراً.
قال الماوردي في الحاوي: والفارق بين الماء والمائع: أن الماء يطهر بالمكاثرة، والمائع لا يطهر بالمكاثرة.
وأما شيخ الإسلام وغيره فلا يفرق بين الماء والمائع في المكاثرة، فلو وقعت النجاسة في السمن أو الزيت فيجوز عنده أن يزيد الزيت بزيت آخر حتى يزيل تغيره فيطهر، والصحيح: أن المائعات تختلف عن الماء، فإن الماء له قوة دفع النجاسة عن نفسه لقول النبي ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، فهو يدفع الخبث عن نفسه.
وأيضاً: الماء يطهر غيره، والمائعات ليست كذلك، فالماء يطهر غيره وله قوة تطهير نفسه بالمكاثرة.
والماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فحكمه الطهورية فيصح استعماله في رفع الحدث وإزالة النجس.
ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه النجاسة فغيرته بالنزح، فينزح منه حتى تزول النجاسة، مثاله: وقعت نجاسة في بئر فغيرته، فننزح بالدلو من هذا البئر حتى نرى الماء لم يعد متغيراً، فيطهر إن كان أكثر من قلتين، ويكون طاهراً مطهراً، وإن كان أقل من قلتين فلا يطهر.
ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرته بطول المكث، فإن له قوة دفع النجاسة عن نفسه.
стр. 64
حكم الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة
الماء الراكد إما أن يكون أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، فإن كان أقل من قلتين ووقعت فيه النجاسة فهو نجس سواء غيرته النجاسة أم لم تغيره، فلا يصح استعماله، وإذا كان فوق القلتين ووقعت فيه نجاسة فإننا ننظر فإن غيرت فيه وصفاً من الأوصاف الثلاثة فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طهور يصح استعماله.
وإذا كان الماء الراكد فوق القلتين, ووقعت فيه نجاسة فغيرت طرفاً منه والطرف الآخر لم يتغير, فما حكمه؟ هذا فيه تفصيل: ننظر الطرف المتغير والطرف الغير متغير، فإن كان بين الطرف الذي تغير والآخر قلتان أو هو نفسه قلتان فنقول: إن لم يتغير فهو باق على الطهورية؛ لأن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث, وإن كان أقل من القلتين والمسافة أقل من القلتين فنحن لا نعتبر في الأقل من القلتين التغيير، فإذا وقعت فيه النجاسة نجس كله.
стр. 65
حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة
الجرية في الماء الجاري تصل إلى القلتين وقد لا تصل إلى القلتين, فالقليل إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو لم تغيره فهو نجس، والكثير إن لم تغيره النجاسة فهو على أصل خلقته وحكمه الطهورية، وهذا إذا كانت الجرية نفسها تبلغ قلتين طولاً وعمقاً.
стр. 66
شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [١]
تنقسم الأعيان إلى: أعيان طاهرة، وأخرى نجسة، والأعيان النجسة إلى: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة، فمن الأعيان النجسة بذاتها: الكلب والخنزير، ومن الأعيان المتنجسة: النجاسة الواقعة في الثوب أو السمن ونحوهما، ومن أساليب التطهير الدباغ الخاص بالجلود، وقد اختلف العلماء في الجلد هل يطهر بالدباغ؟ وهل يمكن الانتفاع بالجلود في البيع والشراء والأكل؟ وجواب ذلك تجده في هذه المادة.
стр. 67
حكم الأعيان المتنجسة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل الأعيان المتنجسة وما يطهر منها.
وجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي].
стр. 68
أقسام الأعيان
الأعيان على أقسام ثلاثة: أعيان طاهرة، وهذه الأعيان كبهيمة الأنعام والآدمي.
وأعيان نجسة، وهي قسمان: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة يعني: أن النجاسة طارئة عليها، فالأعيان النجسة بذاتها: كالخمر والخنزير والكلب على خلاف بين العلماء، فهناك خلاف عريض بين العلماء في الخمر والكلب، لكنهم اتفقوا على نجاسة الميتة والخنزير.
والقسم الثاني: أعيان متنجسة، والأعيان المتنجسة نوعان: متنجسة بنجاسة طارئة نستطيع تطهيرها، ومتنجسة بنجاسة طارئة لا نستطيع أن نطهرها.
أما النوع الأول الذي نستطيع تطهيره: فهي النجاسة التي تقع على الثوب، أو النجاسة التي تقع على السمن الجامد، فلو وقعت فأرة على السمن وهو جامد فإننا نستطيع أن نطهره، بأن نأخذها وما حولها ويبقى الباقي على الطهارة بفضل الله.
وأدخل بعضهم جلد الميتة إذا دبغ، يعني: تجوزاً أن هذا أصل الميتة، فيدخل أيضاً في النجاسة التي يمكن تطهيرها؛ لأن جلد الميتة نجس بالموت، فيطهر بالدباغ كما سنبين.
والنوع الثاني: هو النجاسة التي لا يمكن تطهيرها: كوقوع النجاسة في اللبن أو في الزيت أو في الخل، فلا نستطيع الفصل فيها، فهذه أعيان متنجسة نجاسة طارئة لا تخلو عنها ولا نستطيع تطهيرها.
стр. 69
حكم استخدام الميتة والانتفاع بها عند الشافعية
والذي يخصنا من هذه الأعيان التي تكلمنا عنها هو الأعيان المتنجسة نجاسة طارئة يمكن تطهيرها، والذي يخصنا منها هو الكلام على جسم الميتة، فالإنسان في الصحراء له سقاء وله أوعية يشرب فيها العسل، ويشرب فيها الماء، ويشرب فيها اللبن، ويشرب ما يشرب، وهذه الأوعية تعتبر في محل الأواني، وهذه يمكن أن تتخذ من الحديد، لكن العرب كانوا يستخدمون الجلد فيجعلون منه قربة يشربون بها، فهذه القربة هل يمكن للإنسان أن يستخدمها من كل شيء من المأكول أو غير المأكول؟ من الميتة أو من الحي أو من غير ذلك؟ فهذا موضوع فقهنا اليوم: وهو الكلام على هذه الجلود التي تستخدم كأوانٍ، كقرب، أو أشنان للشرب، وكيف يمكن أن ننتفع بجلود الميتة؟ أقول: في المذهب الشافعي يقعدون لنا قاعدة مهمة جداً وهي: الحياة لازمها الطهارة في المأكول وفي غير المأكول، ويقصدون بالمأكول: بهيمة الأنعام، كالماعز والضأن والبعير والبقر، وغير المأكول: كالأسد والذئب والنمر.
وهل الضبع مأكول أم غير مأكول؟ من العلماء من جعله غير مأكول بدليل: أنه ذو ناب، والنبي نهى عن كل ذي ناب.
ومنهم من جعله مأكولاً بدليل: أنه لما قتل في الحج اعتبره النبي ﷺ صيداً وجعل فيه الكبش، فلما اعتبره صيداً علمنا أنه مأكول، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونه بين الصفا والمروة، ولا ينكر أحد عليهم، فهو كإجماع السكوت، وقالوا: المقصود بالناب في الحديث أي: الذي يعدو بنابه على الإنسان.
ولذلك قال النبي ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكر منها الكلب)، والمقصود: الكلب العقور الذي يعدو بنابه على الناس.
стр. 70
تقعيد الشافعية لطهارة الجلد بالدباغ
نقول: إن الشافعية قعدوا لنا قاعدة وهي: الحياة لازمة للطهارة في المأكول وغير المأكول، والموت لازم للنجاسة في المأكول وغير المأكول، ولذلك قالوا: إذا كانت الحياة تقوى على تطهير الحيوان والموت ينجسه فإننا نقول: بأن الدباغ -وهذه تكملة القاعدة- ينزل منزلة الحياة بالنسبة للجلد، وعليه فالجلد يطهر، كما كانت الحياة لازمة للطهارة فإذاً الدباغ لازم للطهارة، وقالوا: وهذا ليس من بنات أفكارنا ولا من كيسنا بل هو من الأثر والنظر.
стр. 71
الدليل على طهارة الجلد بالدباغ
أما الآثار: فحديث السنن عن النبي ﷺ عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه مر عليهم وماتت شاة لـ ميمونة ﵂ وأرضاها، فقال: (هلا انتفعتم بها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة) يعني الميتة لا ينتفع بها، فقال: (إنما يحرم من الميتة أكلها -ثم قال- إيما إهاب دبغ فقد طهر، ومعنى الإهاب: الجلد قبل الدباغ، فقال: (أيما أهاب) يعني: أيما جلد قبل الدباغ دبغ فقد تحول من النجاسة إلى الطهارة، قال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، وهذا دليله على عموم الطهارة في جلود كل مأكول وغير مأكول؛ لأن الأسماء المبهمة تدل على العموم، سواء كان مأكولاً أم غير مأكول، ويستثنى من ذلك: الكلب والخنزير، فلا تطهر جلودهما لأدلة ستأتي، وكأن النبي ﷺ يقول: وجلد الضبع، وجلد الذئب، وجلد الأسد، وجلد بهيمة الأنعام، وجلد الضأن، وجلد الماعز إذا دبغ وهو ميتة فهو طاهر، وأقرب مثال يضرب في ذلك: الحمار الوحشي والحمار الأهلي، فالحمال الأهلي لا يؤكل بالإجماع، والحمار الوحشي يؤكل بالإجماع، إذاً: لو كان الحمار الوحشي ميتة والحمار الأهلي ميتة، فنحن نقول: هل يمكن بالدباغ أن يطهر الجلد ويمكن استخدامه أم لا؟ فعند الشافعية قالوا: بالعموم، قلنا لم؟ قالوا: لأن النبي ﷺ قال: (أيما)، وأيما هذه للعموم، يعني: المأكول وغير المأكول، وأيضاً قول النبي ﷺ : (طهور جلد الميتة دباغه)، أو قال: (طهور الميتة دباغه)، فجعل الدباغ هو المطهر، فهذا من الأثر.
ومن النظر أن نقول: إن كانت الحياة دالة على طهارته فما من أحد وضع يده مثلاً على الحمار الوحشي، أو وضع يده على البعير وقيل له: اغسل يدك حتى تصح صلاتك، لأنها ليست نجسة بل هي طاهرة، قالوا: فكما أن الحياة لازمة للطهارة وأن الموت لازم للنجاسة فإن الدباغ يساوي الحياة في هذه المسألة، فألحقوا الدباغ بالحياة؛ لأنه فعل ما تفعل الحياة، فالحياة تدل على طهارة البعير، والدباغ بعد الموت إن كان ميتاً يدل على طهارة الجلد، قالوا: وهذا إلحاق الدباغ بالميتة، وهذا من النظر.
стр. 72
حكم الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة في البيع والشراء
إذاً: الشافعية يرون أن جلود الميتة كلها إلا الكلب والخنزير يمكن أن ينتفع بها، لكن بشرط وقيد وهو الدباغ، والدباغ هو التنظيف، أي: تنظيف الجلد، فتأخذ الجلد وتنظفه من بقايا اللحم وغيره، وبعد أن تنظفه وتمرر عليه الماء تضع عليه الملح أو الأشنان أو غير ذلك، ثم تضعه عدة أيام في الشمس، من أجل أن يتصلب في الشمس فلا تجد منه الرائحة المنتنة، فيصير الجلد هنا طاهراً ظاهراً وباطناً، فإن كان طاهراً فينتفع به في الصلاة، وينتفع به في السقاء، بحيث يكون قربة للسقاء، وينتفع به كفرش، وينتفع به في كل شيء، إلا البيع والشراء فهنا محل نظر.
стр. 73
خلاف الشافعية في الانتفاع بالجلد بالبيع
وهناك قولان في المذهب: أي قول قديم وقول جديد، فالقول القديم في العراق والجديد في مصر.
стр. 74
القول القديم المنع وأدلته
أما القول القديم فقالوا: لا ينتفع بالميتة ببيع ولا شراء، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآيات، فقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) أي: حرمت عليكم أكلاً وشراباً وسقاءً وفرشاً وجلداً وعصباً وعظماً وشعراً وكل شيء، فالميتة اسم جنس فيه ألف ولام، فيعم كل أجزاء الميتة، وعندنا دليل خاص في المسألة، فقد جاء في الحديث الصحيح عن جابر ﵁ وأرضاه (أن النبي ﷺ حرم بيع الخمر والأصنام والخنزير، قال: والميتة)، فحرم بيع الميتة، وهذا على العموم يعني: حرم كل شيء يخص الميتة، فحرم بيع لحمها وشحمها وعظمها وعصبها وشعرها، وأيضاً جلدها حتى ولو دبغ؛ لأن الدليل المخصص لم يأت حتى الآن، وهذا بالأثر وبالنظر، قالوا: حتى لو قلتم لنا: يجوز البيع لأنه يجوز الانتفاع، فإن القاعدة عندنا وعندكم: أنه لا يستلزم جواز الانتفاع جواز البيع، ولا يلزم من إجازة الشرع للانتفاع جواز البيع، وهناك أمثلة من الشرع على ذلك: فالكلاب حرم الشرع بيعها بعد أن أجاز الانتفاع بها، فأجاز الانتفاع بالكلاب في الحراسة، وهذه مسألة خلافية أيضاً، فبعض العلماء قال: إن كلب الحراسة يجوز بيعه، وأنا لا أرجح هذا، والصحيح الراجح: أنه لا يجوز بيع الكلاب بحال من الأحوال، لكن يجوز الانتفاع بها.
مثال آخر: عسب الفحل، فقد نهى النبي ﷺ عنه مع أنه جوز الانتفاع به.
إذاً القول القديم: لا يجوز البيع ولا الشراء، واستدلوا بهذه الأدلة التي سقناها.
стр. 75
القول الجديد الجواز وأدلته
ثانياً: القول الجديد: وكثير في أقوال الشافعية القول القديم والجديد، فالجديد هو الراجح إلا في حوالي ثمانية عشر مسألة أو أكثر أو أقل، قالوا: يجوز البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بعموم الأدلة مع خصوص النظر.
أما عموم الأدلة: فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالربا هو المحرم فقط وهذا حلال البيع، فيدخل تحت العموم.
قالوا: وخصوص النظر: أنه لما حرم الله بيع الميتة، إنما حرمها للنجاسة، فالعلة النجاسة، والحكم عندنا يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجدت النجاسة حرم البيع وإذا انتفت النجاسة أحل البيع وصح، قالوا: وهنا الجلد نجس بالموت وقد طهر بالدباغ، فهنا العلة انتفت، فرجع الحل على ما هو عليه بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
ونحن بعنا الطاهر وما بعنا النجس، فيصح البيع أو تصح المعاملة بالبيع والشراء، هذا القول الجديد وهو الراجح الصحيح.
следующие страницы →