Полный текст (225 стр.). Показаны 211–225 · переход к 216.
стр. 211
حكم اغتسال الكافر عند إسلامه
الموجب الخامس: إسلام الكافر.
في المذهب قولان: القول الصحيح الراجح هو أنه لا اغتسال عليه، والدليل على ذلك: أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، فمثلاً: عمرو بن العاص -كما في الصحيح- جاء يبايع النبي ﷺ ، ثم قبض يده، فقال له: علامَ يا عمرو؟! فقال له عمرو بن العاص: أشترط، قال: وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما سبق، يعني: من الذنوب، فقال له النبي ﷺ : (أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله)، ولم يأمره بالاغتسال وقد دخل في الإسلام وبايع رسول الله ﷺ وجهاً لوجه وكذلك أبو قحافة؟ فـ أبو بكر أتى بأبيه إلى النبي ﷺ فأسلم على يد النبي ﷺ ولم يأمره بالاغتسال، فهذه أمثلة كثيرة تثبت لنا أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يؤمروا بالاغتسال، فالغسل بالنسبة لإسلام الكافر على الاستحباب وليس على الوجوب فلا يصح أن نقول: هو موجب للغسل، بل نقول: يستحب للكافر إذا أسلم أن يغتسل، وهذا الراجح الصحيح.
وإذا أسلم الكافر وكان جنباً أي أنه جامع امرأته، أو كان نائماً فاحتلم، وفي الصباح أدخل الله الإسلام وحب الإسلام في قلبه، فدخل الإسلام وأراد أن يصلي الفجر فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد أسلم ولم يغتسل من الجنابة، فله وجهان في المذهب الشافعي! الوجه الأول قالوا: عليه الاغتسال، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦].
وهو قد أسلم حال كونه جنباً، فينزل تحت الآية.
الوجه الثاني: أنه لا اغتسال عليه، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (التوبة تجب ما قبلها)، و (الإسلام يجب ما قبله) والراجح في المذهب: هو الوجه الأول؛ لأنه قد أسلم حالة كونه جنباً فإذاً الآية تخاطبه.
الحالة الثانية: أن يكون قد اغتسل ولكن ليس بنية إزالة الجنابة، وهذا أيضاً فيه وجهان: الوجه الأول: أن يعتد باغتساله، والصحيح الراجح: أنه لا يعتد بهذا الاغتسال؛ لأن الاغتسال له شروط وهي: النية فلابد من وجودها لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
стр. 212
تغسيل الميت
الموجب السادس: تغسيل الميت، فإذا مات الميت أوجبنا عليه الاغتسال، وحكم تغسيل الميت على وجهين: الوجه الأول: أنه على سبيل الوجوب، واستدلوا على ذلك بأدلة فقالوا: قال النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في الحج: (اغسلوه بماء وسدر ولا تحنطوه)، أو قال: (لا تخمروا رأسه)، وفي رواية شاذة، قالوا: (ولا تخمروا وجهه) فالشاهد قوله: (اغسلوه بماء وسدر).
وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.
إذاً: يجب تغسيل الميت، وتغسيل الميت فرض كفاية، فلو مات ميت وعنده ناس فلم يغسلوه فإنهم يأثمون جيمعاً، فإن غسله أحدهم سقط الإثم عن الجميع.
أيضاً: استدلوا بحديث النبي ﷺ عندما ماتت ابنته فقال النبي ﷺ : (اغسلنها ثلاثاً).
الوجه الثاني في المذهب: قالوا: يستحب تغسيل الميت ولا يجب؛ لأن تغسيل الميت على سبيل التنظيف، والتنظيف لا يجب، بل يكون للاستحباب.
والوجه الأول هو الراجح الصحيح، فتغسيل الميت بسبب علتين، الأولى: التعبد، والثانية: التنظيف، ولذلك نقول: الأصح أو الراجح في الميت الذي يموت في الصحراء ولم يجدوا ماءً ليغسلوه: أنه يجب عليهم أن ييمموه.
стр. 213
ما يحرم على الجنب
أول الأمور التي يحرم على الجنب فعلها: الصلاة، فلا يجوز بحال من الأحوال للجنب أن يصلي أو يقف أمام ربه جل في علاه، والدلالة على ذلك الكتاب والسنة، والنظر، أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].
ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] أي: فاطهروا أولاً، ثم قوموا إلى الصلاة.
أيضاً: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].
فلا تقرب موضع الصلاة، فالصلاة من باب أولى فأنت ممنوع عنها.
من الأحاديث أيضاً والآثار والسنن الفعلية عن النبي ﷺ : ما جاء عن أبي هريرة كما في أبي داود بسند صحيح، أن النبي ﷺ قام يصلي فلما كبر تذكر أنه كان جنباً فقال لهم: مكانكم، ثم ذهب فاغتسل، قال أبو هريرة فجاء ورأسه يقطر ماءً ودخل الصلاة، وأكمل بهم الصلاة.
الحديث الثاني: حديث عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وكان غير مبالٍ، وكان جنباً فتذكر بعد الصلاة أنه كان جنباً فاغتسل وأعاد الصلاة.
أيضاً يحرم على الجنب أن يجلس في المسجد، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣].
والسياق يفسر المراد، فالمراد مكان الصلاة، وموضع الصلاة، فلا تقربوا الصلاة أي: لا تقربوا المسجد.
وقد ورد عن جابر بسند صحيح أنه قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً.
وهذه دلالة على أنهم أولوا الآية: أنه لا يجوز المكث في المسجد.
ويستدل من السنة بأحاديث ضعيفة منها: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) وهذا الحديث ضعيف.
ومن الأدلة أيضاً على ذلك: القياس الجلي، فهم يرون أن النبي ﷺ منع الذي يأكل البصل من دخول المسجد فكيف بالذي تلبس بالجنابة أو بالحدث الأكبر؟ ويعضدون ذلك بالحديث المشهور: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب) وزيادة الجنب زيادة ضعيفة.
الثالث: يحرم عليه قراءة القرآن.
ومن ذلك: قول علي وهو حديث في السنن عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن في كل أحواله سوى الجنابة)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري مال إلى صحته.
ثم العلماء قد قعدوا لنا القاعدة: الراوي أعلم بما روى، فهو أعلم بمراد رسول الله ﷺ .
وقد ورد أيضاً بسند صحيح عن عمر بن الخطاب أنه منع الجنب من القراءة.
وعن عمر بسند صحيح كان يقول: إني لآكل وأنا جنب، وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ القرآن وأنا جنب.
فـ عمر بن الخطاب يرى أن الجنابة تمنع من قراءة القرآن.
الأمر الرابع مما يحرم على الجنب: مس المصحف، فإذا منع من قراءة القرآن لم يمنع من الذكر، ولا من الاستغفار ولا من الذكر الذي هو يتضمن آية.
والدلالة على ذلك واضحة جداً من قول الله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].
стр. 214
ما يحرم على الحائض
ويحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فيحرم عليها الصلاة والصوم.
قال النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل منكن) فلما سئل النبي ﷺ : ما نقصان العقل والدين عند المرأة؟ فقال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم).
وهذا تشريع يبين للأمة أنه قد أمرهم قبل ذلك أن المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم.
أيضاً حديث فاطمة بنت حبيش ﵂ وأرضاها، قال: (فإذا جاءت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ولت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂ لما سئلت عن قضاء الصلاة بعد الحيض بعد الطهور من الحيض فقالت: أحرورية أنت؟ فقالت: لا إنما أنا أتعلم، أو قالت: إنما أنا تائبة، فقالت: كنا نحيض على عصر رسول الله ﷺ فلا نصلي ولا نصوم، ونؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
أيضاً: يحرم على المرأة الحائض الطواف بالبيت، والدلالة على ذلك: في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ دخل عليها وكانت تبكي وكانت قد أهلت بعمرة، فقال لها: (ما لك؟ أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: هذا أمر قد قدر على بنات آدم، فاغتسلي وافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت).
أيضاً يحرم على الحائض: دخول المسجد، لحديث: (ألا تطوفي بالبيت).
стр. 215
شرح متن أبي شجاع - فروض الغسل وسننه وفصل الأغسال المسنونة
للغسل فروض لابد منها لصحته، وله سنن وآداب ينبغي مراعاتها ليحصل كمال الطهارة، والغسل يجب لأمور، ويستحب لأمور، وقد بين الفقهاء ذلك بالتفصيل.
стр. 216
فرائض الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وفرائض الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة.
وسننه خمسة أشياء: التسمية، والوضوء قبله، وإمرار اليد على الجسد، والموالاة، وتقديم اليمنى على اليسرى].
الركن الأول: النية شرط أو ركن على الخلاف المشهور الذي تقدم الكلام عليه.
الركن الثاني: تعميم الجسد بالماء.
الركن الثالث: إزالة النجاسة، وهذا ليس ركناً مستقلاً، بل هو ركن معلق بوجود النجاسة.
стр. 217
الغسل المجزئ وغسل الكمال
تعميم الجسد بالماء، وهو إفاضة الماء على كل عضو وإرواء البشرة بالماء، فلو قام الرجل من نومه جنباً، فدخل البحر مثلاً ونوى رفع الحدث وعمم جسده بالماء وأروى بشرته بالماء، فله أن يخرج فيصلي، وقد رفع حدثه.
والأدلة على ذلك كثيرة، فمن السنة القولية أن الرسول ﷺ قال: (أما أنا فيكفيني أن أفيض الماء على رأسي ثلاثاً) وهذا فيه دلالة واضحة على أن إفاضة الماء دون الدلك تكفي، والدلك مستحب ولكنه لا يشترط.
أيضاً النبي ﷺ (رأى رجلاً في المؤخرة فسأله: لم لم تصل معنا؟ ألست مسلماً؟! فقال: يا رسول الله! كنت على جنابة ولا ماء، فعلمه كيف يتيمم، ثم أتي بماء فقال له: أفرغ هذا على جسدك) فهذه دلالة واضحة جداً من الشرع على أن تعميم الجسد بالماء يكفي لرفع الحدث.
والاغتسال في اللغة: هو تعميم الجسد بالماء، وهذا الذي يجزئ، وأقل من ذلك لا يجزئ، ويستحب أن يسمي الله إذا توضأ، وإن لم يتوضأ فلا دليل على الاستحباب في الغسل، فالتسمية ثبتت في الوضوء لا في الغسل، ولا قياس في كل العبادات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، وبعضهم يقيس النظير بالنظير في مسألة العبادات كالاغتسال والوضوء، ولذا نقول: له أن يسمي إذا عمم الجسد، والأحوط ألا يسمي إلا إذا توضأ؛ لأن التسمية جاءت في الوضوء فقط.
وغسل الكمال لمن أراد أن يأتسي ويستن برسول الله ﷺ موجود في حديثين عن عائشة وميمونة، فيهما كيفية غسل النبي ﷺ ، قالت عائشة وميمونة ﵄: (إن النبي ﷺ كان يغسل يديه ثم يغسل فرجه ثم يضرب بيده على الحائط) والضرب على الحائط هذا للتنظيف، فإن استطاع أن يستعمل الأشنان أو يستعمل الصابون كفاه، وإن أراد أن يأتسي ويضرب الحائط فله أن يضرب الحائط، ثم بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة وضوءاً كاملاً، وهذا هو الأكمل، أو وضوءاً كاملاً سوى الرجلين، ففي حديث ميمونة: (أنه ما غسل الرجلين إلا بعد الاغتسال).
قالت عائشة: (ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ويدخل أصابعه في أصول الرأس حتى يرى أنه أروى بشرته، فيغسل الجانب الأيمن ثلاثاً، ثم يغسل الجانب الأيسر ثلاثاً، ثم يغسل سائر جسده)، وله أن يستخدم المنديل أو لا يستخدمه، وفي حديث ميمونة: (أن النبي ﷺ رد المنديل)، وفي أدلة أخرى استخدام المنديل، وفي غسل الكمال يسمي قبل أن يتوضأ، ويبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر.
стр. 218
آداب الاغتسال
الآداب التي تتقدم بين يدي الاغتسال كثيرة منها: ألا يغتسل المرء عرياناً إذا كان في خلاء كحمام، أما بين الناس فيجب ستر العورة؛ لقول النبي ﷺ : (احفظ عورتك)، وقال النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وفي رواية: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية أخرى: (لا يستتر من بوله) يعني: ما حفظ عورته عن الناس.
فيجب حفظ العورة بين الناس، أما إن كان خالياً فيستحب أن يستتر بسراويل أو بإزار أو بملحفة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ : (احفظ عورتك، قيل: إذا كان أحدنا خالياً؟ فقال الرسول ﷺ : إن الله أحق أن تستحي منه).
أما دليل جواز أن الإنسان يغتسل عارياً دون أن يستتر الحديث الذي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى ﵇ لا يغتسل معهم حتى لا ترى عورته، فكان يغتسل وحده عرياناً، وأنه خلع ثوبه ووضعه على الحجر فاغتسل عرياناً) ثم ذكر: أن الحجر هرب بثوب موسى، وكان لله جل في علاه حكمة في ذلك؛ ليري بني إسرائيل براءة موسى ﵇ مما اتهموه به، فكان يقول: (ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر إليه بنو إسرائيل)، فهم كانون يعيبون عليه أنه آدر، فلما نظروا إليه قالوا: والله ما به من عيب، فأراد الله أن يبين لهم أنه ليس فيه ثمة عيب.
فهذا دليل يدل على الجواز، لكن الأولى والأكمل والأحسن أن يغتسل المرء وهو مستتر بثوبه، وهذا كان فعل كثير من صحابة رسول الله ﷺ .
من الأدب أيضاً: ألا يسرف بالماء فالإسراف مذموم في كل شيء قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١].
وهناك حديث ضعفه المحدثون ولكن صححه الشيخ الألباني: (لا تسرف ولو كنت على نهر جار)، وكان جابر ﵁ وأرضاه إذا سئل عن اغتسال النبي ﷺ قال: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) والصاع أربعة أمداد، وهذا روته أيضاً عائشة ﵂ وأرضاها وأيضاً أنس بن مالك ﵁ وأرضاه.
ومن الآداب التي تكون بين يدي الاغتسال: أن يسمي الله عند الوضوء، وأن يقول في آخره دعاء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لأنه قد توضأ خلال اغتساله، فيقول الدعاء على أنه الدعاء الخاص بالوضوء الذي كان داخلاً تحت الاغتسال.
стр. 219
اغتسال المرأة
النساء كالرجال في الاغتسال، ولها أن تغتسل على الكمال أو تغتسل بأقل ما يجزئ، فتعمم الجسد بالماء، ولا تلزم في المذهب بنقض الضفائر إذا غلب على ظنها أنها قد أروت بشرة رأسها، والدليل على ذلك حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (كانت تغتسل فتفيض الماء على جسدها)، وفي الصحيح عن أم سلمة ﵂ وأرضاها: (أنها قالت للنبي ﷺ : أنا امرأة ذات ضفائر أفأنقض ضفائري في الغسل؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات)، وهذا إذا غلب على ظنها أنها أروت البشرة حتى لو كان شعرها طويلاً جداً، فالنساء شقائق الرجال في الأحكام.
стр. 220
حكم اغتسال الرجل مع زوجته
يجوز أن يغتسل الرجل مع امرأته، ولو كانوا عراة، فالنبي ﷺ اغتسل مع عائشة كما في الصحيح قالت: (اغتسلت أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، أقول له: أبق لي، وهو يقول: أبق لي) وهذا يزيد الألفة بين الرجل وبين زوجه، وقد فعل ذلك النبي ﷺ مع عائشة.
وفي هذا دليل على جواز اغتسال أو وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، ويخالف في ذلك الحنابلة، والدليل على جواز ذلك حديث عائشة المتقدم، وفيه: (أبق لي) وحديث ميمونة ﵂ وأرضاها قالت: (أراد النبي ﷺ أن يغتسل من الجنابة بماء قد اغتسلت منه -يعني متبقى-، فقلت له: قد اغتسلت بهذا الماء وأنا على جنابة، فقال لها النبي ﷺ : إن الماء لا يجنب) وهذا دليل من النبي ﷺ على أنه يجوز للإنسان أن يغتسل بفضل طهور المرأة.
стр. 221
ارتفاع الحدث الأصغر برفع الحدث الأكبر
هل يجزئ للإنسان الذي أحدث حدثاً أصغر مع الحدث الأكبر الغسل فقط أم يلزمه الوضوء؟ بمعنى: أن رجلاً قضى حاجته ثم جامع أهله فصار جنباً، فتلبس بالحدث الأصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر، فهل يكفيه الغسل فقط لو عمم جسده بالماء؟ هذه صورة.
الصورة الثانية: رجل أحدث وهو يغتسل فهل يصح غسله؟ الصورة الثالثة: أن يشك في الحدث الأصغر هل كان قبل الاغتسال أم بعد الاغتسال؟ أما الصورة الأولى فيكفيه تعميم الجسد بالماء، وهذا هو نص ما قاله الشافعي في الأم، فإنه قال: الأدنى يندرج تحت الأعلى، فمن أحدث حدثاً أصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر فاغتسل فإن الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر، فإذا عمم جسده بالماء دون الوضوء ودون الدلك فله أن يصلي وتصح صلاته، وهذا الراجح الصحيح في المذهب.
أما الصورة الثانية: وهي من أحدث وقت الاغتسال، كأن أخرج ريحاً أو أفضى بكفه إلى فرجه، فالصحيح الراجح: أنه يصح الاغتسال، لكن يلزمه الوضوء؛ لأنه حال رفع الحدث الأكبر تلبس بالحدث الأصغر فيلزمه الوضوء.
أما الصورة الثالثة: وهي إذا شك هل أحدث قبل الاغتسال أم أحدث بعده؟ فنقول: الأصل عدم الحدث، فيصح له أن يعمم الجسد بالماء ويصلي ولا يلزم بالوضوء.
стр. 222
الأغسال المستحبة
هناك قاعدة مهمة جداً في الاغتسال، وهي: كل وقت يجتمع فيه الناس يستحب فيه الاغتسال، والدلالة على ذلك حديث: (كان أهل عوالي المدينة يأتون المسجد في الجمعة ويشم منهم ريح العرق، فقال النبي ﷺ : لو اغتسلتم في هذا اليوم)، والحكمة من الاغتسال هنا: إزالة الرائحة؛ لأنه يتأذى الناس بهذه الرائحة، بل وتتأذى الملائكة بهذه الرائحة؛ لعموم قول النبي ﷺ : (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم)، فإذاً: كل اجتماع يستحب له الاغتسال، فغسل الجمعة مستحب، وغسل صلاة العيدين مستحب، وغسل صلاة الكسوف مستحب، والوقوف في عرفة يستحب له الاغتسال، ودخول مكة فيه دليل خاص، وطواف الإفاضة يستحب له الاغتسال وهكذا.
стр. 223
غسل الجمعة حكمه ووقته
حكم غسل الجمعة الخلاف فيه قوي، قيل: يستحب، وقيل: يجب، والصحيح أنه مستحب؛ لقول النبي ﷺ كما في الصحيح: (إذا توضأ أحدكم ثم ذهب إلى الجمعة ماشياً فاستمع إلى الإمام وأنصت غفر له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، فالنبي ﷺ يقول: (إذا توضأ) ولم يذكر الاغتسال، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: حديث صريح عن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، والأفضلية تدل على وجود الفضل في الاثنين، بل جاء التصريح بقوله: (فبها ونعمت).
الدليل الثالث: أثر عثمان عندما توضأ ودخل المسجد وعمر يخطب.
واستدل من قال بوجوب غسل الجمعة: بحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، والجواب عن هذا: أن الواجب هنا بمعنى المتأكد، قالوا لنا: لم تقولون: المتأكد وهو يقول: (واجب) وهذا خلاف الظاهر، والأخذ بالظاهر هو اللازم؟! قلنا: الأدلة الأخرى هي التي جعلتنا نؤول الظاهر؛ لأن النبي ﷺ قال: (فبها ونعمت)؛ ولأن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وعمر بن الخطاب لا يرضى بمنكر وقد رأى عثمان ﵁ وأرضاه دخل يوم الجمعة بعد الأذان وقال له: ما بال أقوام يأتون بعد الأذان؟! فقال: والله ما زدت على الوضوء، فقال: والوضوء أيضاً، ولو كان واجباً لقال له: اذهب فاغتسل، وقد قيل: لو اغتسل فستضيع عليه الصلاة، وهذا الكلام فيه نظر، وعلى كل فعندنا حديث صحيح صريح جداً في المسألة وهو قوله: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وقد قال بعض العلماء بوجوب الاغتسال يوم الجمعة لمن تظهر منه رائحة، وهذا القول هو أرجح الأقوال؛ لأن النبي ﷺ أمر من وجد منهم الريح وقال: (لو اغتسلتم في هذا اليوم)، وهذا الذي تميل إليه عائشة ﵂ وأرضاها، فمن قال بهذا القول فما أبعد، لكن نحن الآن نتكلم على المذهب وأنه مستحب وهذا قول جماهير أهل العلم.
وهكذا غسل العيدين مستحب، والحكمة من ذلك: إزالة الرائحة في اجتماع الناس.
والاغتسال للجمعة يبدأ من بعد طلوع الفجر إلى آخر ساعة رواح إلى الجمعة، والأولى والمستحب والمتأكد: أن يغتسل قبل الذهاب إلى الجمعة حتى تحصل الحكمة من الغسل، وهي عدم وجود الرائحة.
стр. 224
الغسل لمن أراد دخول مكة وللإحرام
يستحب الاغتسال عند دخول مكة، وقد ورد من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ (أنه كان إذا أراد أن يدخل مكة يبيت بذي طوى، وإذا أصبح اغتسل ودخل مكة).
وأيضاً يستحب الاغتسال للإحرام وللحل من الإحرام عند طواف الإفاضة، قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (كنت أطيب النبي ﷺ حين إحرامه وحين حله).
وعرفة أيضاً يستحب الاغتسال لها لوجود الجمع الغفير حتى لا تظهر الرائحة التي يتأذى منها الناس.
стр. 225
الغسل من غسل الميت
من الأغسال المسنونة: الاغتسال من غسل الميت، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) وهذا الحديث ضعيف، وأيضاً حديث عائشة: (أربع كان يغتسل منها النبي ﷺ وذكرت منها: غسل الميت)، وهذا ضعيف أيضاً، ومع هذا فالصحيح أنه يستحب خروجاً من الخلاف، إذ القاعدة عند العلماء أن الخروج من الخلاف مستحب.