Полный текст (225 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حكم الوضوء مع وجود النجاسة
قال المؤلف ﵀: فصل في الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة: الاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يستنجي بالأحجار ثم يتبعها بالماء، ويجوز أن يقتصر على الماء أو على ثلاثة أحجار ينقي بهن المحل، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل.
ويجتنب استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجتنب البول والغائط في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة وفي الطريق والظل والثقب، ولا يتكلم على البول والغائط، ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما].
أتى المصنف بباب جديد، وهو باب الاستطابة أو الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة، وهذا أمر محير؛ لأنه كان الأولى بالترتيب أن يبدأ بالاستطابة أو الاستنجاء ثم يأتي بالوضوء، لكنه لما تكلم عن الاستنجاء بعد الوضوء كأنه يشير لنا إشارة مهمة جداً ألا وهي أن الاستنجاء أو الاستطابة ليست شرطاً في صحة الوضوء.
يعني: يصح الوضوء مع وجود النجاسة على الجسد أو على العموم، وهذه إشارة من المصنف، وكأنه يقول: ولو توضأ قبل أن يستنجي بالأحجار أو بالماء صح وضوءه، لكن إذا أراد أن يصلي لا تصح الصلاة بحال النجاسة ولكن له أن يستنجي بعد الوضوء دون أن يمس الذكر ودون أن يمس الفرج حتى لا ينتقض الوضوء بعد ذلك.
والصحيح أن في المذهب أخباراً ثلاثة في مسألة صحة الوضوء مع وجود النجاسة أي: قبل الاستنجاء: القول الأول: يصح الوضوء والتيمم مع وجود النجاسة، والقول الثاني في المذهب: لا يصح الوضوء ولا التيمم مع وجود النجاسة، ومن ثم فلازم هذا القول: أن الاستنجاء شرط في صحة الوضوء.
الثالث: يصح الوضوء مع وجود النجاسة ولا يصح التيمم، أما وجهة نظر القول الثالث فهو: أن التيمم ليس برافع للحدث، أما الوضوء فهو رافع للحدث.
وقالوا: التيمم مبيح، فإذاً لا يصح مع وجود النجاسة؛ ولذلك هم يقولون: صاحب الأعذار غير متوضئ، والله جل وعلا يسر عليه العبادة فقط بأن تستباح له الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
والصحيح الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأخير، فهذه أول إشارة من إشارات المصنف أنه أتى بهذا الباب بعد الوضوء، وكأنه يقول: يصح الوضوء وإن لم يستنج، لكن إذا أراد أن يصلي فلابد أن يستنجي على الراجح من كلام العلماء في مسألة حمل النجاسة في الصلاة.
والاستنجاء، والاستطابة، والاستجمار، بمعنى واحد فهن مترادفات.
فالاستطابة: طلب الطيب، وكأن الإنسان يطيب نفسه بإزالة النجس منه، وأيضاً الاستنجاء: طلب النجاة، وكأن الإنسان ينجي نفسه من هذه القاذورات، والاستجمار: نفس الأمر باستخدام الحجارة.
لكن الاستطابة والاستنجاء تطلق على الماء والحجارة، وأما الاستجمار فهو خاص بالحجارة.
стр. 177
حكم الاستنجاء
وسننظر في هذا الباب من أكثر من وجه، الوجه الأول: هل الاستطابة أو الاستنجاء واجب أم هو سنة كما قالت الأحناف؟ وثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا بوجوب الاستنجاء فيأثم إن لم يستنج، وإذا قلنا: بأنه مستحب فنقول: لا يأثم، لكنه ترك الأولى بالنسبة للوجوب.
وأما الأدلة على وجوب الاستنجاء -خلافاً للأحناف- ووجوب الاستطابة أولاً: حديث السنن بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال عاذراً المكلف: (وليستنج بثلاثة أحجار).
فقال: (وليستنج)، وهذا فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب ما لم تأت صارفة تصرفه إلى الاستحباب، فيبقى الأمر على ذاته أنه على الوجوب، وأيضاً حديث سلمان في السنن وهذا سنستخدمه كثيراً: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
فإذا نهى عن العدد فالأولى أن يكون الأمر بالاستنجاء وإنقاء المحل على الوجوب، فهذه الدلالات من الأثر ترجح لنا وجوب الاستنجاء، أما الأدلة السلبية: فانظر إلى حديث الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال النبي ﷺ بعد أن مر بقبرين قال: (يعذبان وما يعذبان بكبير)، يبين أنه كبير، بمعنى: بل هو كبير، (أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، في رواية: (لا يستتر)، والشاهد الذي نريده، قال: (كان لا يستنزه من البول)، أي: كان لا يستنجي، فسبب العذاب أنه لم يكن يستنج للبول، ولا يرد فيقال: لا، بل سبب ذلك: أن الصلاة لا تصح فعذب على مسألة الصلاة.
نقول إذاً: الوسائل لها أحكام المقاصد وهذه وسيلة فلها حكم المقصد.
стр. 178
مراتب الاستنجاء
الاستنجاء له مراتب ثلاثة: مرتبة أعلى، ومرتبة وسط، ومرتبة دنيا كما بين المصنف.
أما المرتبة الأعلى: فهي استخدام الأحجار مع استخدام الماء، ويستأنس هذا من الأثر ومن النظر، فمن الأثر: أن الله جل في علاه عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، بأن سبب نزول هذه الآية في أهل قباء: أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولاً لإنقاء المحل ثم يستخدمون الماء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
وهذه دلالة على استحباب هذه الدرجة وهي درجة الكمال، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن نستأنس به.
ومن النظر: أن الحجر ينقي المحل من العين، ويأتي الماء على الأثر فيزيل الأثر، وهذه قوة، فهو يزيل أولاً العين ويزيل بعد ذلك الأثر، فهذه مرتبة أعلى وقد فعلها من الصحابة كثير.
وفي المذهب يقولون: إذا كانت المسألة أن القوي إنقاء المحل ثم إزالة الأثر بالماء، فيمكن للإنسان أن يستخدم حجراً واحداً لإنقاء المحل، فهل إذا استخدم حجراً واحداً صح أن نقول: إنه اعتلى هذه المرتبة أو استلزم هذه المرتبة الأعلى؟ وسبب وجهة النظر عند الشافعية في ذلك أنهم يرون أنه لا يجزئ إلا ثلاثة أحجار كما سنبين.
لكن ضعف العلماء صحة هذه المسألة وقالوا: المقصود الأدنى: إزالة العين، فإذا زالت بحجر ثم أتبع ذلك بالماء فقد اعتلى هذه أو استلزم هذه المرتبة الأعلى دون الوسطية ودون الأدنى.
وهذه المسألة هي درجة أو مرتبة الكمال، ثم مرتبة أخرى: مرتبة الماء، وهي المرتبة الوسطى؛ لأن الماء أقوى ما يكون في إزالة النجاسة، بل لا يستخدم في إزالة النجاسة في المذهب إلا الماء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨].
والنبي ﷺ من قوله ومن فعله قد استخدم الماء كثيراً كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (كان النبي ﷺ يخرج لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة فيها ماء، وهذا الماء يستنجي به النبي ﷺ .
وأيضاً المغيرة بن شعبة وهو يصف النبي ﷺ عندما يقضي حاجته يقول: (فبعد حتى توارى عني) ثم آتاه بماء يستنجي به -بأبي هو وأمي- فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء؛ ولذلك قالت عائشة: (لو أمرتن أزواجكن أن أن يستخدموا الماء فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء في الإنقاء)، فهذه المرتبة الثانية.
لكن البخاري والمحدثين: أن سعيد بن المسيب وهذا قول عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قالوا: لا يصح ولا يجزئ استخدام الماء إلا للنساء، والرجال لا يصلح أن يستخدموا الماء في الإنقاء؛ لأن الرائحة النتنة تبقى في اليد، والصحيح أن النبي ﷺ استخدم الماء، واستخدم الصحابة الماء، فالمرتبة الثانية استخدام الماء للإنقاء.
المرتبة الأدنى هي: استخدام الحجارة لإنقاء المحل ويعفى عن الأثر، وهذه دلالتها كثيرة من السنة فعلاً وقولاً، أما فعلاً: فإن النبي ﷺ أمر ابن مسعود ﵁ وأرضاه فقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتى ابن مسعود بحجرين وروثة فألقى الروثة)، وهذا في الصحيحين.
وفي السنن: (وأمره أن يأتي بالحجر الثالث)، فاستخدم النبي ﷺ الإنقاء أو الاستنجاء بالحجارة وهذا من فعل النبي ﷺ .
أما من قول النبي ﷺ فحديث سلمان عندما جاء اليهودي يحسد أهل الإسلام على أن النبي ﷺ ما ترك لهم شيئاً إلا علمهم إياه قال: نعم حتى كيفية قضاء الحاجة أو كما قال في التصريح بالكلمة المشهورة في سنن أبي داود.
فهذه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قولاً أمر باستخدام الحجارة وفعلاً بأن فعل ذلك، وهذه كما قلت: مرتبة دنيا.
стр. 179
أحكام أحجار الاستنجاء
إذا قلنا بأن الطهارة والاستنجاء والاستطابة تصح بالأحجار فلابد أن ننظر في صفة هذا الحجر وما يصح منه، وما لا يصح استخدامه، ثم ننظر هل يتعدى الأمر إلى غيره أم لا؟ فإذا قلنا: المرتبة الدنيا أن يستخدم الرجل حجارة إن كان في سفر مثلاً ولم يجد ماءً فله أن يبعد المنزل كما سنبين في الآداب ويأخذ الحجارة ويستنجي بهذه الحجارة.
وهل لهذه الحجارة التي يصح بها الاستنجاء مواصفات؟ وهل هناك عدد محدود لهذه الحجارة التي تستخدم؟ هذا الذي نبحثه الآن.
стр. 180
صفة حجر الاستنجاء
أولاً: الحجارة المستخدمة لابد أن تزيل العين وإن أبقت الأثر.
ثانياً: هذه الحجارة يشترط فيها: أن تكون ثلاثة أحجار، فلو أنقى المحل بحجر واحد ثم توضأ وصلى فصلاته باطلة، ولو استخدم حجراً ثم استخدم حجراً ثانياً وتوضأ وصلى فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة لم تزل موجودة، ولابد أن يستخدم الحجر الثالث.
فإذاً يشترط الاستنجاء بثلاثة أحجار، والدلالة على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه كما في السنن قال: (ونهانا أن نستطيب بأقل من ثلاثة أحجار)، وأيضاً في حديث سلمان ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
والنهي أصله التحريم، يعني: حرام أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر أو حجرين لقلنا له: وقعت في الحرام؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تستنجي إلا بثلاثة أحجار، وفي المقابل فإنه لا يجزئه أن يستنجي إلا بثلاثة أحجار، وهذا من القول، ومن الفعل: أن النبي ﷺ لما أخذ الحجرين ما استخدمهما، بل أمر ابن مسعود كما في السنن فقال له: (ائتني بحجر ثالث).
وهذا دلالة واضحة جداً على: أن العدد يشترط في مسألة الاستنجاء ولا يصح الاستنجاء إلا بثلاثة أحجار، وفي المذهب نظروا نظراً دقيقاً وقالوا: هل العدد متعبد فيه، أم له حكمة؟ وفي الصحيح الراجح: أن له حكمة؛ لأن الثلاثة يغلب على الظن أو يتأكد منها إزالة العين.
قالوا: إذاً العدد هو المطلوب للتأكد من إزالة العين، فلو كان حجراً واحداً له ثلاثة أطراف صح استخدامه بثلاث مسحات، فقالوا: العدد المفترض هنا المسحات وليست الأحجار.
فلو أتى بحجر كبير وهذا الحجر له أطراف ثلاثة فمسح الأولى بالطرف الأول ومسح الثانية بالطرف الثاني ومسح الثالثة بالطرف الثالث وأنقى المحل أجزأه؛ لأن الشرط في ذلك ليس بثلاثة أحجار ولكن بثلاث مسحات، هذا أول ما يبحث في مسألة الحجارة.
الأمر الثاني: الوتر في الأحجار، وهذا ليس بشرط لكنه مستحب، ولو أن رجلاً استخدم حجراً واحداً ثم استخدم الثاني ثم استخدم الثالث ولم ينق المحل ثم قام فتوضأ وصلى فصلاته باطلة.
إذ لابد من إنقاء المحل، فإن أنق المحل وتوضأ وصلى فصلاته صحيحة، لكن نقول له: الأولى أن تستخدم الحجر الخامس، فمن السنة: الإيتار، واستدل على ذلك بعموم وخصوص، أما العموم: فحديث النبي ﷺ حيث قال: (إن الله وتر يحب الوتر).
وفي سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، وهذا الحديث ظاهر جداً في سنية واستحباب الإيتار؛ لأن النبي ﷺ قال: (من فعل)، يعني: من استخدم ثلاثة أحجار: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
ثالثاً: مسألة هل يتعدى الحكم لغيره أم لا؟ يعني هل الأمر مشترط بالأحجار، أم يمكن أن تقوم مقامه خرقة مثلاً أو أخشاب أو مناديل أو زجاج أو غير ذلك؟ فالعلماء نظروا فوجدوا أن الغالب في الاستخدام هي الأحجار، قالوا: ننظر في مواصفات الأحجار فإن وجدنا هذه المواصفات تتعدى لغير الأحجار استخدمناها؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يفرق بين المختلفين، فإذا قام مقام الحجر شيء يزيل العين أو ينقي المحل كما يفعل الحجر فإنه ينزل منزلة الحجر في الحكم، فنظر العلماء ودققوا النظر في الأحجار فوجدوا في الأحجار بعض الصفات، منها أولاً: أنها مزيلة للعين.
الثاني: الثالث: أنها طاهرة.
الرابع: أنها غير محترمة.
الخامس: أنها لسيت بعظم.
السادس: أنها غير متصلة بحيوان.
فقولنا في صفة الحجر: مزيل للعين، يخرج من ذلك الذي لا يزيل العين: كالزجاج أو الحديد أو أي شيء أملس، فالصحيح أنه لا يستخدم الزجاج ولا الحديد لأنه ليس بصالح، وإن كان الخشب صالحاً نزل منزلة الحجر، وكثيراً ما تجد هذه في الصحراء أو في مكان وليس عندك ماء ولا ترى حجارة فالمناديل تقوم مقام الحجارة، وهذا من تيسير الشريعة الغراء؛ لأنها صالحة تزيل العين، فإذا أزالت العين قامت مقام الحجر.
وقولنا: (جامد) احتراز من المائعات، فالجامد ضد المائع، فالمائع لا يستطيع أن يزيل النجاسات كالزيت؛ لأنه لا يزيل العين لكن يمكن أن يرد علينا إيراد قوي جداً وهو: أن الماء من المائعات ونحن نستخدمه، ف
الجواب
أن ما أمرنا به نستخدمه، فنحن ندور مع الشرع حيث دار، بل الماء له قوة في دفع النجاسات ليست لغيره في حال من الأحوال، بل من قوة الماء في دفع النجاسات أنه يدفع عن نفسه النجاسة بالتكاثر.
ونحن قلنا: الماء القليل إن كان به نجاسة أو وقعت فيه نجاسة نجس، لكن بالتكاثر إذا وصل إلى قلتين قلنا: إذا لم يتغير طعم ولا لون ولا رائحة، وصل إلى الطهارة ودفع عن نفسه النجاسة؛ لقول النبي ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).
وقولنا: (أن يكون طاهراً) فلا تستخدم المجلات، والدلالة على ذلك من الأثر والنظر، أما من الأثر فالنبي ﷺ عندما أمر ابن مسعود وقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجر وآتاه بحجر آخر وآتاه بروثة فألقاها وقال: إنها رجس).
فالعلة: في أنه لم يستخدمها النبي ﷺ أنه وصفها بأنها رجس، وأيضاً: ففي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ تبرأ ممن يستخدم ذلك في إزالة النجاسة، فالصحيح في ذلك أن نقول: يشترط أن يكون طاهراً، فلا يمكن للمرء أن يستخدم الخمر في إزالة النجاسة.
ولو أن رجلاً أراد أن يستنجي وبحث عن الماء فما وجد بعد أن قضى بوله ووجد خمراً فقال: أستخدمها فيما هو أنفع فأزيل النجاسة وأتوضأ بها.
فنقول: لا يصح هذا من وجهين: لأنه من المائعات والمائعات لا تستخدم في طهارة المحل، والثاني: لأنه عند الجمهور من النجاسة، إذاً لابد من الطهارة لحديث النبي ﷺ : (إنها رجس).
وقولنا: (غير محترم) يحترز به من المحترم، فالمحترم لا يجوز أن يستخدمه الإنسان، والمحترم: كأن يأتي بخرقة مكتوب فيها باللغة العربية، أو يكون مكتوباً فيها حديث أو آية.
فلا يصح له أن يأخذ منديلاً مكتوب فيه باللغة العربية؛ لأن اللغة العربية محترمة، والعلماء في المذهب فسروا تفسيرات وتفريعات، منها: أنهم قالوا: إن كان كتب في الورقة فلسفة فليفعل ما شاء فليس فيها شيء؛ لأن الفلسفة غير محترمة، وقالوا: حتى إن كانت فلسفة أو منطقاً أو شيئاً من هذه الأمور فهذه غير محترمة فلا تدخل معه.
وبحثوا بحثاً في مسألة التوراة والإنجيل وليس لنا أن ندخل في هذا الباب، والصحيح أن نقول: إنها غير محترمة حتى لو كتب فيها باللغة العربية، بشرط: ألا يكون اسم الله فيها ولا اسم الرسول ﷺ ولا آية من الآيات فيمكن أن تستخدم هذه المناديل وإن كتب فيها؛ لأنها غير محترمة وليست هذه من اللغة العربية.
الخامس: أن يكون غير مطعوم يعني: غير مأكول، وإذا قلنا غير مطعوم فلا يجوز له أن يستخدم أي طعام خبزاً أو غير خبز أعوذ بالله من ذلك، فمن فعل ذلك فقد أهان نعمة الله جل في علاه، ولهذا أدلة كثيرة ومنها: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠].
وأيضاً ورد في السنن عن ابن مسعود أن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: لأنه طعام إخوانكم من الجن فمن باب أولى إن كان طعام المكلف فلا يستخدم مثل هذا.
الشرط السادس: أن يكون غير متصل بحيوان، فمثلاً رجل قضى حاجته وأراد أن يستنجي فأخذ بذيل الحمار فاستنجى، بأن كان في محل فيه حمير أو بعير فأراد أن يستنجي فاستنجى بذيل الحمار نقول: قد أثمت بذلك ولا يصح لك؛ لأن الحجارة منفصلة، وعليه فلو توضأ فوضوءه باطل.
فإن قال قائل: كيف يشترط الانفصال ويد الإنسان لازمة غير منفصلة عنه؟ قلنا له: أما بالنسبة لليد فلنا قاعدتان تقرر لنا استخدام اليد؛ لأنه لابد لنا من ذلك وما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، وأيضاً مباشرة اليد للنجاسات ليست مخصوصة بذاتها بل هي تابعة والتابع تابع، أو قل: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.
وخلاصة القول أنه لا يقوم مقام الحجارة إلا من اتصف بهذه المواصفات: أن يكون جامداً، خالعاً، مزيلاً للنجاسة، طاهراً غير نجس، ولا يكون مائعاً وأن يكون الطاهر غير مطعوم وغير عظم وغير متصل بحيوان.
стр. 181
آداب قضاء الحاجة
هناك آداب لا بد أن يتأدب بها الذي يقضي حاجته.
أولاً: إذا أراد أن يقضي حاجته فإن كان في الكنف فله آداب وإن لم يكن في الكنف كأن يكون في الصحراء فلابد أن يبعد المنزل، وإبعاد المنزل هذا من السنن التي ماتت، فلا يأتِ أمام الناس.
وهذا يحدث في كثير من العوام في الطرق والطرقات يفعلون هذا ولا يستحون من الله جل في علاه ولا من عباد الله، فأقول: قد جاء في سنن أبي داود وثبت في الصحيح (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل).
وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه قال: (بعد عني النبي ﷺ حتى توارى)، يعني: حتى توارى عن عيني ونظري فلم أر النبي ﷺ .
والحكمة من ذلك: حتى لا يسمع أحد صوتاً أو يشتم رائحة، فإن هذه تؤذي الإنسان وغير الإنسان.
فأول الآداب: أن يبعد المنزل حتى لا يؤذي غيره وهو مأخوذ شرعاً.
وإذا دخل الكنف، وهذا هو الكثير والمشهور عندنا الآن، فأول ما يدخل إن كان في يده خاتم مكتوب فيه اسم الله أو اسم الرسول ﷺ أو آية من القرآن وهذا كثير عند النساء فلابد من خلع هذه الأسورة أو هذا الحلق أو هذه الخواتم.
والدليل على ذلك قاله الشافعية في حديث عن النبي ﷺ عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء خلع الخاتم، وكان الخاتم قد نقش فيه محمد رسول الله، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا نستأنس به ونستدل بما يغنينا عن ذلك: وهو قول الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] إلى آخر الآيات.
وهذا دليل عام، أما الدليل الخاص فحديث النبي ﷺ : (أنه كان يبول فمر عليه رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليه النبي ﷺ فبعد أن قضى حاجته قال له النبي ﷺ : إن رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإن فعلت فلن أرد عليك).
ورد السلام واجب، فأسقط النبي ﷺ الواجب لمحل النجاسة وهذه دلالة واضحة جداً على أن ذكر الله لا يصح في هذا المحل، ومن باب أولى الدخول بأي شيء فيه ذكر الله.
الثاني من الآداب: أن يدخل بشماله ويخرج بيمينه، أما الدخول بالشمال والخروج باليمين فأصله الأصيل بعد فعل النبي ﷺ : حديث عائشة ﵁ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله)، في التردد، وفي التنعم في الطعام، وفي الصلاة، وفي أي شيء (وكانت الأخرى لقلائل)، أو قالت: (كانت الأخرى لقضاء الحاجة).
فإذاً إذا دخل إلى الخلاء دخل باليسار وقبل أن يدخل باليسار يسمي باسم الله، وهذا له أدلة كثيرة منها: حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن تسمية الله)، أو قال: (باسم الله)، فإذا دخل سمى الله لعلتين: الأولى: أنه إذا دخل يفعل كما فعل النبي ﷺ إن صح الحديث.
والثاني: أن هذا هو ستر ما بين عورات ابن آدم وبين نظر الجن؛ ولذلك إذا أراد الرجل أن يجامع أهله فإنه يسمي الله، أو أراد أن يخلع ثيابه أن يسمي الله، أو أراد أن يرتدي ثيابه فليسم الله، حتى يستر ما بين عروته وبين أعين الجن.
وهذا الحديث وإن كان السند فيه ضعف لكن بالشواهد يقوى الاحتجاج به، وفي حديث أنس قال: (إذا دخل الخلاء قال بسم الله)، ومعنى (إذا دخل): أي إذا أراد أن يدخل كقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل:٩٨] فليس المعنى: بعد أن تنتهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا خطأ وهذا هو الظاهر، والصحيح أن معناها: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
فإذاً: الأول: أن يسمي الله جل في علاه لستر عورات بني آدم من أعين الجن، والثاني: التأسي بالنبي ﷺ بعد أن يدخل بشماله، فإذا خرج قال: غفرانك، وفي رواية: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).
أما (غفرانك) فهي ثابتة وسنبين تأويله، وأما حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، فهذا الحديث ضعيف وإن كان المعنى صحيح؛ لأن الله جل وعلا أنعم على العبد ألا تحتبس هذه الفضلات في جسده فيموت وهذا من فضل الله علينا.
لكن الحديث ضعيف والحديث الصحيح هو أن تقول: غفرانك، واحتار العلماء لم يقول: غفرانك، فقال: بعضهم يقول: غفرانك؛ لأنه لم يذكر الله في هذا المحل أو هذا المكان، وفيه إشارة أيضاً على عدم ذكر الله وأنت تقضي حاجتك.
لكن يقال: هو سكت عن ذكر الله بأمر الله، فهو مطيع في هذا الوقت، فكيف يقول: غفرانك لمسألة هو لم يأثم فيها؟ والصحيح أن المعنى في ذلك: غفرانك أني مكثت مدة من الوقت لم يتلفظ لساني بذكرك، وإن كان القلب يذكر الله جل في علاه.
ولذلك بحث النووي بحثاً عظيماً جداً وهو: إذا كان المرء يقضي حاجته وأذن المؤذن فهل يردد أم لا يردد؟ فقال: يردد بقلبه بأن يمرره على قلبه، وإذا سمع رجلاً يقول: اللهم صل على محمد، فيقول: ﷺ بقلبه دون أن يتلفظ بلسانه.
فإذا خرج قال: غفرانك.
ومن آداب قضاء الحاجة: ألا يستقبل القبلة بقضاء الحاجة ولا يستدبرها، وهذه فيها أدلة كثيرة جداً لحديث النبي ﷺ عن أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها)، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا المراحيض تستقبل القبلة وتستدبر بيت المقدس فكنا نستدير ونستغفر الله جل في علاه.
وفي الحديث الثاني أيضاً: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول ولا غائط)، وأيضاً في حديث سلمان: (أن النبي ﷺ نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط).
أما المذهب ففصلوا في هذه المسألة فقالوا: يحصل استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء والخلاء والفضاء، أما في الكنف فقالوا بالجواز ولم يقولوا بالكراهة بل قالوا: يجوز إن كان في الكنف مستقبلاً أو مستدبراً فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته يستقبل الشام ويستدبر القبلة).
ومن هنا قال الشافعية: يجوز الاستقبال والاستدبار والحديث لا يساعدهم، فإننا نقول: أنتم قلتم: بأنه يحرم استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة في الخلاء ولكم حق في هذا فحديث أبي أيوب وحديث سلمان وحديث أبي هريرة حجة لكم، فأنتم تستدلون به على ذلك ولكم الحق في هذا.
وبعد ذلك قلتم: يباح في الكنف أن يستقبل أو يستدبر قالوا: والدليل حديث ابن عمر: (استقبل النبي ﷺ بيت المقدس واستدبر الكعبة)، قلنا: هذا الدليل فيه استدبار الكعبة لا استقبالها فمن أين أتيتم بأنه يجوز الاستقبال والاستدبار؟ قالوا: قسنا الاستقبال على الاستدبار، وإن كان الاستقبال أغلظ فقد ورد عن جابر الاستقبال، وهذا الاستقبال مؤول على أن هناك جداراً بين النبي ﷺ وبين الكعبة.
والذي يعضد ذلك فعل الصاحب، والراوي أعلم بما روى فإن ابن عمر كان في الصحراء فأناخ ناقته ثم استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس وقضى حاجته فقيل له: ألم تنته عن ذلك؟ فقال: إنما نهانا في الصحراء.
إذاً: في المذهب يجوز الاستقبال والاستدبار دون كراهة إن كان في البنيان، أما إن كان في الصحراء فلا يجوز الاستقبال والاستدبار.
ومن الآداب: عدم تطويل الوقت في قضاء الحاجة، وهذا من ناحية الطب وليس عليه دليل، وقد ورد بأن لقمان كان ينصح ابنه بذلك؛ ولأن الكبد يمكن أن يتعرض للمرض لطول المقام في قضاء الحاجة، فنهاه عن ذلك.
وأيضاً لها شيء من الأثر: وهو أنك مخلوق وتذكر الله جل في علاه، ولما جاء الرجل للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! انصحني نصيحة أعمل بها ولا تكثر علي قال: (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، فالأوقات إذا ضاعت في قضاء الحاجة فقد أضعت على نفسك ذكر الله جل في علاه الذي به رفعة الدرجات.
وكان العلماء أحرص ما يكونون في هذا الباب، ولذلك كان جد ابن تيمية إذا دخل الخلاء يقضي حاجته أتى بابنه وأعطاه الكتاب يقرأ عليه وهو يقضي حاجته، فهو وإن لم يستخدم اللسان فقد استخدم القلب والأذن ليسمع مسائل العلم وهو يقضي حاجته حتى لا يضيع وقته في ذلك.
وهذه الآداب التي أشار إليها المصنف ﵀ بهذا الكلام العظيم في باب آداب التخلي.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 182
شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [٢]
علم النبي ﷺ أمته كل شيء حتى إن علمهم آداب قضاء الحاجة، وقد فصل العلماء تلك الآداب وذكروا أدلتها وأحكامها.
стр. 183
المنهيات في قضاء الحاجة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إن هذا الدين الخاتم قد اصطفى الله له أقواماً يحملون رايته وينشرونه بين الناس، ومكن لهم ورفعهم على عباد الله أجمعين، حيث دخل ربعي بن عامر على رستم وهو يسأله: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فيرد عليه بكل يقين وإيمان: نحن عباد لله ابتعثنا الله؛ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ونشروا دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها، فيا له من دين لو أن له رجالاً! فرجل بأمة، ورجل بقبيلة، ورجل بقوم هو الذي يستطيع أن يحمل راية هذا الدين فينشرها بين الناس.
ولا أرى في هذه العصور أفضل من يحمل هذا الدين من أهل العلم وطلبة العلم، فهم أشرف الناس، وأخلق الناس، وأصدق الناس، وأعلم الناس بمراد الله ومراد رسول الله ﷺ .
وقد قيل للشافعي: أيمكن المرء أم يبتلى؟ قال: لن يمكن حتى يبتلى، وإن المشقات تجلب بعد ذلك المسرات، وإن الأقوياء لا تظهر قوتهم إلا بعد الطحن في عظامهم.
وقد قالوا قديماً: الضربات التي لا تقصم الظهر تقويه.
انتهينا من آداب التخلي أو آداب قضاء الحاجة وهي التي تمثل الإيجابيات، ونأخذ السلبيات أو المنهيات التي نهى عنها النبي ﷺ .
من تلك المنهيات: أنه لا ينبغي للمرء أن يستنجي بيمينه، بل لا يصح له أن يفعل ذلك، ويكره أن يستنجي بيمينه، والدلالة على ذلك: ما صح عن نبينا ﷺ من فعله وقوله، كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (وكان النبي ﷺ يجعل شماله لقضاء الحاجة)، أو قالت: (للقلائل)، أو كما قالت ﵂ وأرضاها.
وفي حديث سلمان ﵁ قال: (ونهانا رسول الله أن نستنجي باليمين)، وفي حديث أبي هريرة أيضاً: (أن النبي ﷺ نهى المرء أن يستنجي بيمينه)، أو قال: (نهى أن يمس ذكره بيمينه).
وحمل الجماهير وعلماء المذهب هذا النهي على الكراهة وليس على التحريم، فمن استنجى بيمينه صح استنجاؤه وقد وقع في الكراهة، والذي جعل النهي -الذي الأصل فيه التحريم- للتنزيه والكراهة هو أن هذا من باب الأدب، وأن هذا ليس فيه تكليف، فليس فيه افعل أو لا تفعل.
فالقاعدة عندهم أن الآداب تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة، والصحيح الراجح أن هذه المسألة على ظاهرها -وإن كان ما قاله الجمهور له اعتبار قوي جداً، لكن ندور مع الشرع حيث دار، فالنهي يقتضي التحريم ما لم يرد الفعل أو القول أو الإشارة من النبي ﷺ على الكراهة.
ولذلك نهى النبي ﷺ أن يقرن المرء تمرتين، وصرح الشافعي في الرسالة: أنه يحرم أن يقرن بين التمرتين، وهذا التفصيل يدل على أن الغرض في النهي التحريم سواء كان في الآداب أو في غير الآداب؛ لأن هذه الآداب آداب طعام.
وعند ابن حزم: لا يصح وضوء من فعل هذا؛ لأنه على التحريم.
ومن الآداب: أن يبعد عن المنزل، ويستتر عن الناس، ويحفظ عورته، كما قال النبي ﷺ : (احفظ عورتك إلا من أهلك)، وورد في الآثار الصحيحة والأحاديث عن النبي ﷺ : في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل، وهذا من حديث المغيرة حيث قال: (فتوارى عني)، أي: أبعد المنزل، وكذلك الحديث الصريح جداً في الصحيحين وهو: (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير -بل يعذبان في كبير- قال: وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله)، والرواية الثانية في السنن قال: (لا يستنزه من بوله)، ففيها دلالة: على أنه كان يظهر عورته، والمفروض أن يحفظ المرء عورته إلا من أهله.
ومن الآداب: ألا ينظر إلى عورته، وهذا حدث من فعل الصحابة الكرام أبي بكر وعثمان وعلي فما كان أحد ينظر إلى سوءته بحال من الأحوال، حتى أنه ورد أن أبا بكر كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه حتى لا ينظر إلى عورته، فهذه من الآداب التي لابد للإنسان أن يستعملها.
من الآداب أيضاً: ألاّ يبول في المساجد، فالمساجد لم تبن للبول ولا للغائط، بل ولا لللغط من الكلام، وإنما بنيت لذكر الله، وإقامة الصلاة، وتعليم الناس، والحديث الصريح في ذلك كما في الصحيحين: (أنه قام أعرابي فبال في ناحية المسجد فقام الصحابة وهموا به ليقتلوه).
ففيه دلالة: على أنه فعل حراماً، فلما هموا به قال لهم النبي ﷺ بشفقته ورحمته على أمته: (لا تزرموه أو لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بذنوب من ماء يراق على هذا البول)، ثم علمه بلطف وبرفق فقال: (إن هذه المساجد لم تبن لذلك، وإنما بنيت لذكر الله ولتعليم الناس).
فبين له أن هذه المساجد ليست خاصة لهذا الأمر، ويتفرع على ذلك قول العلماء: إذا اعتكف المرء وأراد أن يبول وليس هناك حمامات في المسجد، كما كانت المساجد في الرعيل الأول، فقال بعضهم: إنه يجوز للمعتكف في المسجد أن يتخذ إناءً يبول فيه، وهذه المسألة فيها تفصيل، فالنبي ﷺ كان له قدح من عيدان يبول فيه، وكان هذا القدح تحت سريره، فكان يبول فيه إذا قام من الليل، فله أن يتخذ إناءً يبول فيه، وبعد ذلك يصرفه حيثما شاء.
لكن العلماء دققوا النظر وقالوا: إن قلنا بجواز البول في الإناء فلابد أن تشترط شروطاً وقيوداً، فالقيد الأول: أن يتوارى عن الناس، بأن يكون في مكان ينأى بنفسه عن أعين الناس؛ حتى لا تظهر عورته، وقلنا: ستر العورة من الوجوب بمكان.
والقيد الثاني: ألا يصيب الرذاذ أو الرشاش الصادر من البول المسجد فيلوثه، فإن لم يأمن أو لم يتوفر هذين الشرطين فلا يجوز له أن يفعل ذلك.
لكن انظروا إلى حرص أهل العلم: فقد كان بعضهم إذا جاء وقت مجلس التحديث لـ أبي نعيم أو لـ وكيع أو لغيرهما من المحدثين، يحرص على أن يكون هو في مقدمة الصف حتى يسمع الحديث ويضبطه ولا يهم في كتابته الحديث، فكان أحدهم يجعل له إناء يخصصه للبول فيه لكي لا يتحرك من مكانه؛ لأنه يخشى أن يأتي أحد فيأخذ مكانه وهو حريص على مسألة الطلب والتحديث؛ ولذلك رفعهم الله جل في علاه وانتقل الدين على أكتافهم رطباً طرياً ليناً؛ لأنهم حرصوا كل الحرص على ألا يضيعوا حرفاً واحداً من أحاديث النبي ﷺ .
ومن المنهيات: ألا يبول في مستحمه، وفيه حديث ضعيف: (أن النبي ﷺ : نهى أن يبول المرء في مستحمه).
فالأولى للمرء ألا يتوضأ في المكان الذي يقضي حاجته فيه؛ لأنه إذا توضأ في نفس المكان فلعل الرذاذ أو الرشاش يرجع على ثوبه فيتنجس، والاستقذار تعافه النفس فلا يفعل ذلك.
ومن المنهيات أيضاً: ألا يبول في الماء الراكد، والفرق بين الماء الراكد والماء الجاري من حيث التعريف: أن الماء الراكد: هو الذي لا يجري، والماء الجاري: هو الذي يجري.
والدليل: قول النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم -ثم فسره بقوله- الذي لا يجري)، أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فقالوا: إن الماء الراكد الذي حدثت فيه النجاسة ولم يتغير يصبح نجساً إذا كان قليلاً، وأما إن كان كثيراً فإنه ينجس إذا تغير.
أما الماء الجاري فالجرية التي فيها نجاسة -حتى لو كانت أقل من قلتين- ولحقت بها الجرية الثانية فبلغ الماء قلتين فإنه يدفع عنه الخبث.
ففي السنن (نهى النبي ﷺ عن أن يبول المرء في الماء الراكد)؛ لأمرين اثنين: إن كان قليلاً فإنه سيفسده على الناس ولا يصلح لأحد أن يستعمله، وإن كان كثيراً وإن لم يتغير وبقي على أصل طهارته فإنه يستقذر ولا يستعمل، فإنه إذا علم الناس أن أحداً بال في هذا الماء فلا يمكن أن يستخدمه أحد، فيفسد على الناس هذا الماء فيقع في مسألة الإضرار، والتأصيل العام الكلي: أنه لا ضرر ولا ضرار، وهذا إضرار بالآخرين.
ومن المنهيات أيضاً: عدم البول والتبرز في الموارد، والظل، والجحر، فقد نهى النبي ﷺ عن أن يبول المرء في الجحور، وفسرها أبو قتادة بأنها مساكن الجن، وهناك رواية ضعيفة: أن سعد بن عبادة فعل ذلك فخرج الجن فقتلوه وأنشدوا الأبيات المشهورة، لكنها ضعيفة وليست بصحيحة، والمقصود: أنه لا ينبغي للإنسان أن يبول في الجحور؛ لأنها مساكن الهوام، فإن لم
стр. 184
شرح متن أبي شجاع- نواقض الوضوء
بين الفقهاء النواقض التي تنقض الوضوء، والتي استقوها من كتاب الله وسنة نبينا محمد ﷺ ، وهذه الأمور من العلم الذي لابد لكل مسلم أن يعلمه؛ لأنه يمس أعظم العبادات وأشرفها وهي الصلاة.
стр. 185
نواقض الوضوء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في نواقض الوضوء].
نواقض الوضوء هي: الأحداث التي تنقض الوضوء، والمعنى: أن المرء إذا توضأ استباح الصلاة وصحت صلاته بهذا الوضوء، إلا إذا انتقض وضوءه.
وكأن المصنف قال: انتبه فقد بينت لك آداب قضاء الحاجة بعد الوضوء إشارة إلى أنها ليست بشرط في صحة الوضوء، وأقول لك بعد ذلك: إن صح وضوءك فتجنب الأحداث التي ينتقض بها وضوءك، وعليك أن تحافظ على وضوئك كما يقول النبي ﷺ : (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، والحفاظ على الوضوء لا يكون إلا بتجنب الأحداث التي ينتقض بها الوضوء، وفي المذهب خمس نواقص: الأول: كل خارج من السبيلين.
الثاني: زوال العقل.
الثالث: النوم.
الرابع: لمس المرأة الأجنبية وهذا قليل.
الخامس: مس الفرج.
ويقصد بالفرج: القبل والدبر كما سنبين.
стр. 186
الناقض الأول: الخارج من السبيلين
وهو كل ما خرج من القبل والدبر، وإذا قلنا السبيلين فهو على الغالب؛ لأن المرأة لها ثلاث مخارج، والرجل له مخرجان القبل والدبر، والمرأة في القبل لها مخرجان ومخرج الدبر، وفي هذا دلالة على التغليظ.
والذي يخرج من السبيلين على قسمين: القسم الأول: غالب.
والقسم الثاني: نادر.
مع أن النادر لا حكم له، لكن سنبين ونفصل في هذا، أما الذي يكون غالباً فهو: البول والغائط والودي والمذي والريح والمني والحيض.
أما النادر: فكالحصى، والدود، والدماء التي ليست دماء الحيض، والتأصيل في المذهب: أنهم ينظرون في الغالب للمخرج لا للخارج، أما الحنابلة فينتقض عندهم الوضوء بالخارج لا بالمخرج، يعني: أي شيء نص الشرع على أنه ينقض حتى لو خرج من الأذن فإنه ينتقض به الوضوء، ولو خرج من الاحتجام بالحجامة فإنه ينتقض به الوضوء.
وقد بينا أكثر من مرة: أن أحمد يرى أن الرعاف ينقض الوضوء، فإن الدم إذا خرج من الأنف أو الفم انتقض به الوضوء، والتأصيل الصحيح في المذهب هو: النظر إلى المخرج لا للخارج.
فالذي جعل الشافعية يقرروا بأن المخرج هو المتحكم أو هو الفصل المؤثر هو حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قالوا: والحدث فسره أبو هريرة بأنه: الريح أو قال: فساء أو ضراط، والريح طاهر، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (حتى يتوضأ) ولم يقل: حتى يستنجي ثم يتوضأ، ولما احتاج النبي ﷺ أن يأمر في مسألة المذي بالاستنجاء قال: (اغسل ذكرك وتوضأ)، فأمره بالاستنجاء، فلو كان الريح كالمذي لقال: اغسل، أو قال: استنج ثم توضأ، وهذه فيه دلالة واضحة على التفريق بين الريح وبين غيره، فالريح طاهر وليس بنجس، والمحل هو الذي جعله ناقضاً مما يدل على أن النظر للمخرج لا إلى الخارج، ولذلك إذا خرج الريح من السبيلين انتقض الوضوء به، وإذا خرج من غير السبيلين كالتجشؤ مثلاً فإنه لا ينتقض به الوضوء.
стр. 187
البول والغائط
والذي يخرج من السبيلين: بول وغائط، فيكون البول والغائط من نواقض الوضوء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:٦]، وهذا دليل على أن الغائط من نواقض الوضوء، والحديث الصحيح في السنن عن صفوان ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أرسله فقال: (أمرنا ﷺ ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، فقد عدد قائلاً: لكن من بول أو غائط أو نوم، يعني: أمرنا أن نتوضأ من ذلك، فالدلالة هنا دلالة الاقتران.
أيضاً: حديث المغيرة أن النبي ﷺ عندما ذهب يقضي حاجته توارى عنه ثم قضى حاجته، فأتاه بالماء فتوضأ النبي ﷺ وهي قصة مشهورة جداً في مسح الخفين ثم قال: (أهويت لأنزع الخفين فقال النبي ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فتوضأ النبي ﷺ بعدما بال.
وحديث أنس ﵁ وأرضاه كان النبي ﷺ يقضي حاجته فأخرج أنا وغلام معي العنزة، والعنزة: إما أن يركزها النبي ﷺ ليستتر بها أو ليجعلها سترة بعد ذلك في الصلاة، قال: ومعي إداوة من ماء فيتوضأ النبي ﷺ .
فهذه أدلة تثبت لنا أن البول والغائط من النواقض، فمن انتقض وضوءه فعليه أن يتوضأ إن كان من بول أو من غائط.
стр. 188
الريح
الثاني: الريح، وهذا مما يخرج من السبيلين، فالريح ينتقض الوضوء به، وهذا له أدلة كثيرة من القول والفعل.
أما من القول: فهي أحاديث نبوية كقول النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا أصح الأدلة على أن الحدث هو: الريح، كما فسره أبو هريرة، وهو يستلزم الوضوء.
وأيضاً: حديث عن أبي هريرة: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ عندما سئل إذا أشكلت ببطن الإنسان أشياء أخرج منه الريح أم لا؟ فقال النبي ﷺ : (لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، ووجه الدلالة: أن الإنسان يحرم عليه أن يخرج من الصلاة، فلما أمر النبي من سمع صوتاً أو شم ريحاً أن يخرج دل ذلك على أنه قد اختل شرط من هذه الشروط، وجاءت الأحاديث الأخرى التي بينت لنا أن اختلال شرط من شروط الوضوء هو انتقاض للوضوء.
أما بالفعل: فإن عمر بن الخطاب خطب بالناس ثم قال: أيها الناس! إن الله لا يستحي من الحق، إني قد فسوت، ثم نزل من على المنبر فذهب وتوضأ ثم رجع فأكمل خطبته للناس.
وهذه فيها دلالة: أن الصحابة استقر في نفوسهم أن الريح ينقض الوضوء.
стр. 189
خروج المذي والودي والمني
ومن الخارج من السبيلين أيضاً: المذي والمني، وهو: سائل أبيض ليس برقيق، ولا يتدفق، وهذا هو الفرق بينه وبين المني، فهو لا يتدفق لكن تلزمه الشهوة يعني: يخرج مع الشهوة، إما بالتفكير في الجماع، أو الملاطفة والمداعبة.
ولنا في المذي أمران: الأمر الأول: غسل المحل، بل وغسل الثوب الذي يصيبه المذي؛ لأن المذي نجس، والدلالة على نجاسته أن النبي ﷺ أمر بالاستنجاء منه، بل أمر بغسله وغسل الموضع الذي يصيبه المذي.
والأمر الثاني: أنه يستلزم الوضوء؛ لأنه ناقض للوضوء، قال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد فجاء إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أعد الوضوء)، وفي رواية قال: (اغسل ذكرك وتوضأ).
في الرواية الثالثة: (اغسل ذكرك ومذاكيرك وتوضأ)، وفي رواية رابعة قال: (انضح فرجك)، أما النضح فلابد جمعاً بين الأدلة: أن يحمل على الغسل، أو الغسل بشدة في المياه؛ لأن هذه نجاسة لا تزول إلا بالمياه.
وقول النبي ﷺ : (اغسل ذكرك ومذاكيرك)، حمله الحنابلة على وجوب غسل الخصيتين، والصحيح الراجح أنه لا يغسل إلا الموضع الذي أصابه المذي، كما في الصحيح قال النبي ﷺ : (اغسل ذكرك وتوضأ)، وقال ابن مسعود: (يغسل ذكره ويتوضأ).
ومما يخرج من السبيلين وهو ناقض أيضاً: الودي، والودي: سائل لا يخرج بشهوة لكنه يخرج عقب البول، وهو نجس أيضاً ومنه الوضوء، والدلالة على ذلك ما رواه البيهقي في السنن عن ابن مسعود وابن عباس ﵄: (سئل عن الودي فقال: منه الوضوء).
ووجه الدلالة من هذا الأثر على وجوب الوضوء من خروج الودي: أنه قول لصحابيين ولم نجد لهما مخالفاً، فلذلك نقول: هذه الحجة، بل يمكن أن نرتقي ونقول: هذا يعتبر من الإجماع، فالسكوت من الإجماع.
وأيضاً من النظر في المذهب: أن هذا قد خرج من السبيلين، وكل خارج من السبيلين فمنه الوضوء، وهذا على الغالب، وليس على النادر مثل الحصى، أو البول، ومثلوا له مثلاً إذا أدخل شيئاً في الإحليل أو أدخل في دبره شيئاً وأخرجه فهذا يعتبر ناقضاً للوضوء.
فكل ما دخل وخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان نادراً أم كان غالباً، ومن ذلك: الدم، فإنه إذا خرج من الدبر فهو ناقض للوضوء وإذا خرج من غير الدبر فلا ينقض الوضوء، ومثلوا لذلك بالفرق بين الناسور والباسور: على أن الناسور يكون من داخل الدبر، فالدماء التي تخرج من السبيل هي التي تنقض الوضوء، وأما الباسور فهو من خارج الدبر فإذا خرج الدم منه فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من السبيل.
والدم كما قلت: إذا خرج من الأنف أو الفم أو اللثة أو الشفة أو الأذن فلا ينقض الوضوء، وأما عند الحنابلة فإنه ينقض الوضوء.
стр. 190
حكم من انسد عليه أحد السبيلين
وهنا مسألة مهمة وهي: إذا انسدَّ المخرج وخرج البول أو الغائط من غير المخرج بسبب مرض أو غيره فهل ينتقض الوضوء أم لا؟ فنقول: إذا انسد المخرج فله حالتان: أن يفتح له مخرج آخر، وهذا المخرج إما أن يكون فوق المعدة، وإما أن يكون تحت المعدة، فإذا كان فوق المعدة وخرج منه قيح أو صديد أو أي شيء، فإنه لا ينقض الوضوء على الراجح؛ لأنه لم يتحلل إلى فضلات، وإن كان المخرج تحت المعدة، -فهو معروف في المستشفيات عند أصحاب غسل الكلى- إن كان تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على الراجح في المذهب؛ لأن الخارج من تحت المعدة قد تحول وحدث له التحلل.
أما الدماء والقيح والصديد فقد فصلنا فيها القول، وقلنا: إذا خرجت من غير السبيلين فهي ليست بناقضة للوضوء، لكن أشكل علينا بعض العلماء الذين استدلوا بقول عائشة ﵂ وأرضاها: (من أصابه رعاف أو قلس فليتوضأ)، فهذا الحديث ضعيف، ومن أشكل علينا بحديث النبي ﷺ : (قاء فتوضأ)، فهذا الحديث مجرد فعل، ومجرد الفعل بحديث لا يستلزم الوجوب بل يستحب أن يتوضأ المرء منه.
стр. 191
الناقض الثاني: النوم
الصحيح الراجح والدليل على ذلك أن النبي ﷺ كان ينام ولا يتوضأ، ولو كان حدثاً لقام وتوضأ النبي ﷺ .
والحديث الصحيح عن ابن عباس (أن النبي ﷺ كان إذا نام نفخ وقام فصلى ولم يتوضأ)، وفي هذا دلالة واضحة على أن النوم أصالة ليس بحدث، لكنه مظنة الحدث، والقاعدة عند علمائنا تقول: إن لم يستطع المرء أن يصل إلى اليقين فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين.
стр. 192
الشروط التي تجعل النوم ناقضاً
وحتى نقول بأن النوم ناقض للوضوء فلابد أن نشترط شرطين: الشرط الأول: وصف النوم بأن يكون مستغرقاً، فالإخفاق والإغفاء لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك ما جاء في الأثر: كان الصحابة يجلسون تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون.
كذلك الحديث الصحيح في السنن عن ابن عباس لما صلى خلف النبي ﷺ قال: (كانت تصيبه الإغفاءة)، أي: من طول القراءة، قال: (فكان النبي ﷺ يأخذ بشحمة أذني فأنتبه).
ففيه دلالة: على أن الإغفاءة أو الإخفاقة البسيطة لا تؤثر؛ لأن النوم نفسه ليس بناقض للوضوء، ويؤخذ من ذلك: لو أن رجلاً اضطجع وأغمض عينيه، ثم جلس يسرح فيما يتمناه، لكنه يسمع كلام الناس من حوله، ويسمع صوت الأقدام تسير من حوله، لكن الانتباه ليس كاملاً وتأخذه السنة وهو مضطجع، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ إذ لابد من الاستغراق.
والشرط الثاني: هيئة النوم، فإذا اضطجع انتقض الوضوء، وإذا كان راكعاً انتقض الوضوء، وإن كان ساجداً انتقض الوضوء، وهيئة واحدة لا ينتقض معها الوضوء وهو أن يجلس ممكن المقعدة.
والدليل على ذلك ظاهر من حديث أنس ﵁ وأرضاه أنه قال: (كان الصحابة يجلسون ينتظرون العشاء مع النبي ﷺ ينامون تخفق رؤوسهم)، وهذا الوصف لا يكون إلا بالجلوس الممكن للمقعدة.
стр. 193
الأدلة على نقض الوضوء بالنوم
أما من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] والآية مطلقة، فالمقصود إذا قمتم من النوم أو من الجلوس أو من الأعمال وقد ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت عندما تأخرت عائشة في البحث عن العقد، وكانوا في سفر وما كان معهم ماء، عندما ناموا واستيقظوا الفجر وليس معهم ماء واحتاروا ماذا يفعلون، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية الكريمة إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦].
فيكون التقدير: إذا قمتم من النوم فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء من الكتاب إشارة، أما تصريحاً فقد جاء الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أنه قال: (العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ).
ويعني بالسه: الدبر، فكأن العين هي الحافظة للدبر، وأيضاً حديث صفوان بن عباس ﵁ وأرضاه: (أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن -يعني في السفر- إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي دلالة الاقتران، فهم يستدلون بدلالة الاقتران وإن كانت هذه الاقترانة ضعيفة، لكن هناك أدلة أخرى قوت هذا الكلام، ومعنى الاقتران: أنه كما قرن النوم مع البول والبول ناقض دل على أن النوم ناقض أيضاً.
فهذه هي دلالة الاقتران، ودلت عليها الأحاديث الأخرى، فهم يستدلون بذلك على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، وهذه أدلة عامة، أما الأدلة التي تقيد وتبين لنا الوصف الذي ذكرناه فهو حديث ابن عباس: (أنه كانت تأتيه الإغفاءة وهو يصلي خلف النبي ﷺ فيأخذ بشحمة أذنه فينتبه).
والثاني: حديث أنس ﵁ وأرضاه في الصحيحين: (أنهم كانوا ينتظرون النبي ﷺ للصلاة فينامون حتى تخفق رءوسهم)، وخفقان الرأس لا يكون إلا من الجلوس الممكن للمقعدة.
وهذا هو التأصيل في المذهب، بل هذا الذي تشتمل عليه كل الأدلة، والأقوال في النوم بلغت تسعة أقوال.
стр. 194
الناقض الثالث: زوال العقل
стр. 195
حالات زوال العقل
وزوال العقل له أحوال: فزوال العقل بالنوم يبطل الوضوء، كما قال الغزالي: النوم يبطل العقل، وزوال العقل بالجنون كذلك يبطل الوضوء، وزوال عقل بسكر وهذا يخفيه، والفرق بين زوال العقل بالنوم، وزوال العقل بالسكر هو أن النائم ينتبه إذا نبهته، وأما السكران إذا نبهته فلا ينتبه، وزوال العقل بالجنون ناقض من نواقض الوضوء بالإجماع، لكن الشافعي يوجب عليه الغسل أيضاً، فقد اختطب الإمام الشافعي وقال: قل من جن ولم يثبت، والنظر في ذلك إلى طبيب أو مختص أو إلى الغالب، فإن صح أن المجنون يخرج منه مني حكمنا عليه بوجوب الاغتسال بعد الإفاقة، وإن كان خلافه فليس عليه إلا الوضوء.
الحالة الثانية: زوال العقل بالإغماء وهذا ناقض بالإجماع، كأن يغمى على رجل خمس دقائق أو ساعة أو ساعتين ثم يفيق، فنقول: انتقض وضوءك بهذا الإغماء.
والمستند في الإجماع هنا: أنَّ النبي ﷺ كان في مرض موته -بأبي هو وأمي- تأخذه الإغماءة فإذا أفاق أمر بماء فتوضأ، أو قل: فاغتسل حتى يقوم فيصلي.
الثالث: زوال العقل بالسكر له أحوال، الحالة الأولى: أن يكون عقله حاضراً في بداية السكر، أي: أنك إذا نبهته تنبه، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ لعدم وجود مظنة الحدث.
أما من تعمق في السكر بحيث أنه لا ينتبه إذا نبه -وهذه حالة نهائية كما يقولون- فهذا ينتقض وضوءه بالسكر فعليه الوضوء.
ووجهة نظر الفقهاء في انتقاض الوضوء بالسكر هي: أن زوال العقل مظنة الحدث، فهو لا ينتبه إذا خرج منه ريح، ولذلك أنزلوا مظنة الحدث منزلة الحدث وقالوا: بأن زوال العقل ناقض من النواقض.
стр. 196
لمس المرأة من نواقض الوضوء
ولكي يكون ناقضاً للوضوء لابد من شرطين: الشرط الأول: أن تكون البشرة على البشرة، يعني: لو مس المرأة بحائل لا ينتقض الوضوء، فلو مس على الشال أو الغترة لم ينتقض الوضوء، ولو مست المرأة من الرجل الأظافر لم ينتقض الوضوء.
الشرط الثاني: ألا يكون محرماً لها، يعني: أن مس المحارم لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض إلا إذا مس بشرة المرأة الأجنبية، وضابط المرأة الأجنبية هي: التي يحل نكاحها، كابنة خالته، أو ابنة عمته وغيرهما.
واستدل الشافعي على أن لمس النساء ينقض الوضوء بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] إلى أن قال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة:٦]، والأصل في الملامسة: أن تباشر البشرة البشرة.
أما تفسير حبر الأمة ابن عباس لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ [النساء:٤٣] بأن معناه: الجماع، فقد استدل الشافعي بذلك على ما دلت عليه اللغة.
فقد نهى النبي ﷺ في البيوع عن الملامسة، والملامسة باتفاق أهل العلم معناها: لمس النوع أو لمس السلعة، ومما يزيد الأمر إيضاحاً وجود قراءة متواترة في: ((لامَسْتُمُ)) وهي: (أو لمستم النساء) وهذا أوضح ما يكون.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (واليد تزني وزناها اللمس)، فقوله: (أو لمستم)، (وزنا اليد اللمس)، دلالة على أن البشرة تمس البشرة فهذا ينتقض به الوضوء.
والحق أن هذه الأدلة من القوة بمكان، لولا أننا ندور مع الحديث حيث دار، والشافعي بعد أن قال هذا المذهب القوي علق القول على صحة حديث عروة وهو حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ويذهب فيصلي ولا يتوضأ)، وهذه دلالة واضحة جداً على: أن اللمس حتى ولو بشهوة لا ينقض الوضوء؛ لأن القبلة مظنة الشهوة، فقال الشافعي: علماء الحديث لا يثبتون مثل هذا ولو ثبت لقلت به، فلي أن أزعم أن الشافعي يرى أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الشافعي كما قال البيهقي: علق القول بأن اللمس لا ينقض الوضوء على صحة حديث عائشة ﵂ وأرضاها.
وهذا الحديث فيه معترك سهل بين المحدثين في مسألة إعلان البخاري مسألة اللقاء والمعاصرة، لكن الصحيح أن نقول: الهيثمي والحافظ ابن حجر وقبله النووي وأيضاً كثير من المحدثين صححوا الحديث، وآخرهم مفخرة المصريين الشيخ أحمد شاكر فقد صحح هذا الحديث.
وهو: (أن النبي ﷺ كان يقبل بعض نسائه ويخرج فيصلي ولا يتوضأ)، فهذا الحديث قاصم لظهر هذه الأدلة بأسرها، ويجعلنا نقول: إن اللمس لا ينقض الوضوء، وهو الراجح الصحيح، ومن قال: إن التقبيل بشهوة أو بغير شهوة ينقض فليس لهم ثمة دليل على ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 197
شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [١]
للغسل موجبات ذكرتها الأحاديث النبوية، ووضحها العلماء والفقهاء، واتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها، ومرد اختلافهم هو اختلافهم في فهم النصوص الشرعية، فعلى المرء أن يتفقه في دينه حتى يعلم ما يجب عليه، وحتى يعلم ما تصح به العبادة وما لا تصح به، وحتى يعبد الله على بصيرة وعلى علم.
стр. 198
موجبات الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فسنتكلم عن موجبات الغسل بعد أن انتهينا من الكلام على الوضوء, وفرائض الوضوء وسنن الوضوء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في موجبات الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت.
وثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].
هذا فصل يفصل هذا الباب على الباب الذي سبق, وكأنه يقول في هذا الفصل: سأذكر لك جملاً متتابعة في الكلام على الطهارة الكبرى، بعد أن فصلت لكم الطهارة الصغرى.
стр. 199
معنى الغسل وصفته المجزئة
فالغَسل أو الغُسل, كما قال النووي: موجبات الغَسل أو الغُسل.
فالغَسل بالفتح هو: تعميم الجسد بالماء, ولا يشترط في ذلك الدلك كما اشترط المالكية, أما الغُسل بالضم فهو: تعميم الجسد بالماء, فمثلاً: لو نزل رجل وسط البحر وعمم جسده بالماء بنية رفع الحدث فله أن يصلي؛ لأنه قد ارتفع عنه الحدث, سواء قدم الرجل أم قدم الرأس؛ لأننا قلنا: في غسل أعضاء الغسل أو أعضاء الغسل كلها كعضو واحد, والترتيب ساقط في مسألة الاغتسال.
فإذاً: الغَسل أو الغُسل هو: تعميم الجسد بالماء ولا يشترط في ذلك الدلك، والدلالة على ذلك حديث النبي ﷺ (عندما رأى رجلاً يجلس في مؤخرة المسجد فقال النبي ﷺ : لم لم تصل؟ قال: يا رسول الله! أصبحت جنباً ولا ماء) فعلمه النبي ﷺ أن يتيمم, وأنه يكفيه عن الماء؛ لأن التيمم فرع عن أصل، (ثم أتي النبي ﷺ بذنوب أو بدلو من الماء فقال: قم فأفرغه على جسمك) ولم يشترط الدلك.
وأيضاً لما سألته أم سلمة ﵂ عن اغتسال المرأة (أفتنقض ضفائرها؟ قال: لا, إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات على رأسك, ثم أفيضي الماء على جسدك، بذلك تكونين قد طهرت).
وهذا القول من النبي ﷺ فيه دلالة واضحة جداً: أن الدلك غير واجب؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على الرجل ولم يشترط على أم سلمة الدلك في الاغتسال.
стр. 200
بيان ما يشترك فيه الرجال والنساء من موجبات الغسل وما تختص النساء منها
الذي يوجب الاغتسال لرفع الحدث الأكبر: ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وتختص النساء بثلاثة, وهذه المسألة, لابد أن نتكلم فيها بوضوح.
نقول: هذه أحكام انفردت بها النساء عن الرجال، وقلنا: إن الأصل في الأحكام المساواة بين الرجل والمرأة, لكن لا مساواة بين الذكر والأنثى في الخلقة، وكذلك في بعض الأحكام قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والدليل على اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام, حديث أبي داود: (النساء شقائق الرجال).
فإذاً: تشترك النساء مع الرجال في ثلاثة أحكام من موجبات الغسل: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت، وتختص النساء بثلاثة أحكام من موجبات الغسل، وهي: الحيض، والنفاس، والولادة, والولادة هنا هي التي لا يعقبها دم.
فأقول: اتفق الأئمة الأربعة على أربعة أحكام من موجبات الغسل وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والحيض، والنفاس.
стр. 201
التقاء الختانين من موجبات الغسل
أول موجبات الغسل: التقاء الختانين, والمقصود به الجماع, والختان معروف بالنسبة للرجل ومعروف بالنسبة للمرأة, فالتقاء الختانين معناه: تغييب الحشفة في فرج المرأة, والتقاء الختانين يعني: المحاذاة, كما قال الشافعي في اللغة: التقى الفارسان يعني: تحاذيا, وهذا لا يكون إلا بدخول الحشفة في فرج المرأة, وهذا موجب من موجبات الغسل.
أما إذا حدثت مباشرة ومناوشة بين الرجل والمرأة بالالتصاق دون ولوج, فكل ذلك ليس بموجب للاغتسال.
والدليل على أن التقاء الختانين يوجب الغسل: حديث صريح جداً عن عائشة ﵂ وأرضاها, قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا التقى الختانان وجب الغسل) ففيه مقدمة ونتيجة, فالمقدمة ((إذا التقى الختانان) والنتيجة: (وجب الغسل).
وقالت عائشة بعد رواية هذا الحديث: (وكنت أفعله أنا ورسول الله ﷺ فاجتمع قول النبي ﷺ وفعله، وهذا أيضاً فيه دلالة على أنه سواءً أنزل أم لم ينزل؛ لأنه قال: (إذا التقى الختانان) سواء كان هناك إنزال أم لم يكن هناك إنزال, فإننا نقول بوجوب الغسل لعموم قول النبي ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وقالت عائشة ﵂: (كنت أفعله أنا ورسول الله ﷺ .
وأيضاً يوجد حديث آخر وهو: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه في الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها -ولا يمكن أن يكون هذا الأمر ولا يتصور إلا بالإدخال- فقد وجب الغسل) وفي رواية أخرى قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع فألصق الختان بالختان) هذا تفسير لقوله: (ثم جهدها) وفي رواية: (فألزق الختان بالختا) وهذا لا يكون إلا بالمحاذاة ولا يكون إلا بإدخال الحشفة، (فقد وجب الغسل) هذا من الأثر.
أما من اللغة: فقد قال الشافعي: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] قال: العرب يعرفون الجنابة بالجماع، قالوا: إذا أجنب أي: جامع, قالوا: هذه فيها أيضاً دلالة على أن من موجبات الغسل أن يجامع الرجل أهله, فهذه من الدلالة الأثرية, وأيضاً من النظر من حيث اللغة.
стр. 202
حكم إتيان المرأة في دبرها
إذا كان الإدخال أو الجماع موجباً للغسل, فلنا فيها مسائل: منها: إذا جامع الرجل امرأته في دبرها فعليه أمران: الأمر الأول: لابد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً؛ لأنه أتى محرماً، وإن كانت الأحاديث التي وردت في تحريم إتيان المرأة في الدبر فيها ما فيها من الكلام عند المحدثين, لكن القياس قوله: إن الله جل في علاه حرم على الرجل أن يأتي المرأة حال حيضها؛ لقوله جل في علاه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فمنع أن يأتي الرجل امرأته وهي في حيضها للأذى، فإتيان المرأة في دبرها يحرم من باب أولى بجامع الأذى.
فإذاً: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها وجب عليه التوبة أولاً, ثم بعد ذلك وجب عليه الاغتسال, وأنت حين تنظر إلى الفقهاء وهم يفرعون هذه الفروع على هذا التأصيل تعرف أن الفقهاء من أرحم الناس بالأمة, فعلماؤنا هم أرحم الناس بالناس.
ففي الحديث قال النبي ﷺ : (من أتى امرأته في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) فالعلماء يقولون: ليس بكافر كفراً أكبر, وهذه من رحمة الفقهاء بالأمة, بل يرون أن الذي يأتي الكبيرة لا نمنعه من العبادة, بل نقول له: ارجع وتب إلى ربك جل في علاه, فلابد أن تتوب وأن تئوب إلى ربك جل في علاه, وعليك أن تحافظ على عبادتك التي فرضها الله عليك, وسنيسر عليك الباب فنجعلك تعبد ربك وأنت عاصٍ؛ لأنك ما زلت على خط الإسلام, وما زلت عبداً لله جل في علاه, فعليك أن تغتسل لتصح صلاتك بعد ذلك, حتى ترجح كفة الحسنات على كفة السيئات, ومن تمام رحمة الله على الأمة أن نصب لها هؤلاء العلماء الذين ييسرون عليهم أمر العبادات التي يتقربون بها إلى الله جل في علاه.
فالغرض المقصود: أنه لو أتى رجل امرأته في دبرها وجب عليه الغسل, ووجه النظر في ذلك: أن الدبر يسمى بمسمى القبل, فالدبر يطلق عليه الفرج, كما أن القبل يطلق عليه الفرج, وهذا مثلها.
فإذاً: الصحيح الراجح في ذلك: أنه لو أولج في دبر امرأته فعليها الغسل وعليه الغسل.
стр. 203
حكم إتيان البهيمة
من الفروع أيضاً على هذه المسألة: إذا أدخل فرجه في دبر بهيمة, هناك قولان في المذهب: القول الأول: لا غسل عليه, لأنه ليس بفرج.
القول الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه غسلاً بتغييب الحشفة في دبر البهيمة, وقد قال النبي ﷺ : (من أتى البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) فجعل عليه الحد, فإذا كان عليه حد وجب عليه الغسل من باب أولى.
стр. 204
حكم من أولج ذكراً في ميت
الفرع الثالث على ذلك: من أولج في ميت, فالنباش يمكن أن يفعل ذلك نعوذ بالله من الخذلان, فإذا كان المرء قد تعرى عن التقوى وعن الورع يتجرأ على حرمات الله جل في علاه، فقد يرى امرأة ميتة فيأتيها, فإذا أدخل فرجه في فرجها فهذا عليه الغسل.
هذه المسألة فيها وجوه في المذهب: فمنهم من يرون أن الجماع لازمه التلذذ والإنزال أيضاً؛ لأنه في غالب الأحوال أنه ينزل, فهل إذا جامع ميتاً يحس بالتلذذ أم لا؟ فبعضهم قال: لا غسل عليه.
والصحيح الراجح في المذهب: أن عليه الغسل؛ لقول النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وهذا على العموم, فإذا حاذى الختان الختان فقد وجب الغسل, فمن أولج في بهيمة عليه الغسل, ومن أولج في ميت أو في ميتة أيضاً عليه الغسل.
стр. 205
حكم الغسل على من جامع وعلى ذكره لفافة ولم ينزل
أيضاً من الفروع التي فرعها العلماء على هذا الأمر: إذا لف ذكره بلفافة، إذا كانت المرأة لا تريد الولادة بأن نصحتها طبيبة مختصة ثقة, وقالت: الولادة مضرة بالأم, فهو إذا أراد العزل فلا يستطيع أن يعزل.
والعزل هو: الإنزال خارج الفرج، فقد لا يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً, فيتخذ هذا الواقي، فلو أدخل الفرج في الفرج وعليه واقٍ, فهل عليه الغسل أم لا؟ هذا فرع فرعه العلماء, وأيضاً فيه الوجوه في المذهب, فبعضهم قال: لا غسل عليه؛ لأنه لم يتلذذ, والوجه الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه الغسل؛ لأن الختان حاذى الختان، وسواء تلذذ أم لم يتلذذ.
стр. 206
حكم إدخال الفرج في الفرج حال النوم أو النسيان
من الفروع أيضاً التي فرعوها: إذا جاءت المرأة إلى رجل نائم فاستدخلت فرجه في فرجها فهل عليه الغسل أم لا؟ نقول: وجب الغسل عليها بالاتفاق, أما هو فالراجح الصحيح أن عليه الغسل؛ لأن هذه المسألة يستوي فيها النسيان والسهو والعمد، فإذا التقى الختانان ناسياً أو عامداً أو خاطئاً فقد وجب الغسل.
فهذه وجهة النظر عند العلماء، فقد سووا فيها بين السهو وبين العمد وبين النسيان في هذه المسألة.
كذلك لو جاء رجل فرأى امرأته نائمة فجامعها, وهي لم تشعر بذلك حتى طلع الفجر, فقال لها: أنا قد جامعتك، فهل يجب عليها الغسل أم لا يجب عليها الغسل؟ فنقول: الصحيح الراجح: أنه يجب عليها الغسل؛ لأنه يستوي في ذلك الخطأ والعمد والنسيان, حتى لو اعترض معترض وقال: قد قال رسول الله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فنقول: حتى ولو قلت بهذا الاعتراض, فنقول: وجوب الغسل في هذا يستوي فيه الخطأ والعمد والنسيان والنوم وكل ذلك, ووجهة النظر عند الفقهاء الذين لم يسمعوا بهذا الاعتراض وقالوا بوجوب الاغتسال, سواء كانت نائمة أو ناسية أو عامدة، أو مستكرهة: عموم حديث: (إذا التقى الختانان) فهذا العموم يستوي في ذلك من كان نائماً أو ناسياً أو خاطئاً أو عامداً.
стр. 207
شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [٢]
موجبات الغسل تشترك بين الرجال والنساء في ثلاثة أمور: الموت ونزول المني والجماع، وتفترق المرأة عن الرجل في الحيض والنفاس والولادة.
стр. 208
موجبات الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل موجب الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء، ثلاثة تشترك فيها النساء والرجال وهي: التقاء الختانين، وإنزال المني، والموت، وثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].
стр. 209
التقاء الختانين
التقاء الختانين، حتى وإن كان بدون إنزال مني فهو يوجب الغسل.
والدليل هو قول النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان وجب الغسل).
مقدمة ونتيجة، ووجه الدلالة: الوجود، أي: أن التقاء الختانين موجب من موجبات الاغتسال أو الغسل.
والدليل الثاني: حديث أبي هريرة (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وطبعاً لا يجهدها إلا عند محاذاة الختان، يعني: بالولوج.
стр. 210
إنزال المني
الموجب الثاني: الإنزال سواءً حدث جماع أم لم يحدث الجماع، والدليل: حديث عثمان: (إنما الماء من الماء).
مسألة: رجل قام من النوم فوجد بللاً فاحتار فيه هل هو مني أو ودي فهل يغتسل أم لا؟ الإجابة له حالتان: الحالة الأولى: إذا وجد بللاً ولم يتذكر احتلاماً، الحالة الثانية: وجد بللاً وتذكر احتلاماً، فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين، فإن عده منياً يغتسل، ويغسل الثوب، وإن عده مذياً فيغسل الثوب ويتوضأ.
الصورة الثالثة: لم ير احتلاماً ووجد بللاً وما استطاع أن يفرق بين إذا كان منياً أو مذياً أو ودياً، فالأصل عدم الإنزال، فيكون هو على أصله، فيغسل الثوب على أنه مذي، وإن اغتسل احتياطاً فهذا هو الأفضل.
مسألة: امرأة كانت حاملة في ستة أشهر، وفي السابع ولدت ولداً، لكن لم يعقب هذا الولد دم نفاس، فهل عليها اغتسال أم لا؟ في هذه المسألة وجهان في المذهب: الوجه الأول: عليها الاغتسال وإن لم يعقب الولد دم؛ قالوا: لأنه انعقد الولد من منيها ومني الرجل فكأنها أنزلت منياً، فوجب الغسل بهذا الإنجاب.
الوجه الثاني: أن موجب الغسل هو نزول دم النفاس، فحيثما وجد دم النفاس وجب الاغتسال وإلا فلا.
стр. 211
حكم اغتسال الكافر عند إسلامه
الموجب الخامس: إسلام الكافر.
في المذهب قولان: القول الصحيح الراجح هو أنه لا اغتسال عليه، والدليل على ذلك: أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، فمثلاً: عمرو بن العاص -كما في الصحيح- جاء يبايع النبي ﷺ ، ثم قبض يده، فقال له: علامَ يا عمرو؟! فقال له عمرو بن العاص: أشترط، قال: وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما سبق، يعني: من الذنوب، فقال له النبي ﷺ : (أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله)، ولم يأمره بالاغتسال وقد دخل في الإسلام وبايع رسول الله ﷺ وجهاً لوجه وكذلك أبو قحافة؟ فـ أبو بكر أتى بأبيه إلى النبي ﷺ فأسلم على يد النبي ﷺ ولم يأمره بالاغتسال، فهذه أمثلة كثيرة تثبت لنا أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يؤمروا بالاغتسال، فالغسل بالنسبة لإسلام الكافر على الاستحباب وليس على الوجوب فلا يصح أن نقول: هو موجب للغسل، بل نقول: يستحب للكافر إذا أسلم أن يغتسل، وهذا الراجح الصحيح.
وإذا أسلم الكافر وكان جنباً أي أنه جامع امرأته، أو كان نائماً فاحتلم، وفي الصباح أدخل الله الإسلام وحب الإسلام في قلبه، فدخل الإسلام وأراد أن يصلي الفجر فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد أسلم ولم يغتسل من الجنابة، فله وجهان في المذهب الشافعي! الوجه الأول قالوا: عليه الاغتسال، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦].
وهو قد أسلم حال كونه جنباً، فينزل تحت الآية.
الوجه الثاني: أنه لا اغتسال عليه، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (التوبة تجب ما قبلها)، و (الإسلام يجب ما قبله) والراجح في المذهب: هو الوجه الأول؛ لأنه قد أسلم حالة كونه جنباً فإذاً الآية تخاطبه.
الحالة الثانية: أن يكون قد اغتسل ولكن ليس بنية إزالة الجنابة، وهذا أيضاً فيه وجهان: الوجه الأول: أن يعتد باغتساله، والصحيح الراجح: أنه لا يعتد بهذا الاغتسال؛ لأن الاغتسال له شروط وهي: النية فلابد من وجودها لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
стр. 212
تغسيل الميت
الموجب السادس: تغسيل الميت، فإذا مات الميت أوجبنا عليه الاغتسال، وحكم تغسيل الميت على وجهين: الوجه الأول: أنه على سبيل الوجوب، واستدلوا على ذلك بأدلة فقالوا: قال النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في الحج: (اغسلوه بماء وسدر ولا تحنطوه)، أو قال: (لا تخمروا رأسه)، وفي رواية شاذة، قالوا: (ولا تخمروا وجهه) فالشاهد قوله: (اغسلوه بماء وسدر).
وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.
إذاً: يجب تغسيل الميت، وتغسيل الميت فرض كفاية، فلو مات ميت وعنده ناس فلم يغسلوه فإنهم يأثمون جيمعاً، فإن غسله أحدهم سقط الإثم عن الجميع.
أيضاً: استدلوا بحديث النبي ﷺ عندما ماتت ابنته فقال النبي ﷺ : (اغسلنها ثلاثاً).
الوجه الثاني في المذهب: قالوا: يستحب تغسيل الميت ولا يجب؛ لأن تغسيل الميت على سبيل التنظيف، والتنظيف لا يجب، بل يكون للاستحباب.
والوجه الأول هو الراجح الصحيح، فتغسيل الميت بسبب علتين، الأولى: التعبد، والثانية: التنظيف، ولذلك نقول: الأصح أو الراجح في الميت الذي يموت في الصحراء ولم يجدوا ماءً ليغسلوه: أنه يجب عليهم أن ييمموه.
стр. 213
ما يحرم على الجنب
أول الأمور التي يحرم على الجنب فعلها: الصلاة، فلا يجوز بحال من الأحوال للجنب أن يصلي أو يقف أمام ربه جل في علاه، والدلالة على ذلك الكتاب والسنة، والنظر، أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].
ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] أي: فاطهروا أولاً، ثم قوموا إلى الصلاة.
أيضاً: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].
فلا تقرب موضع الصلاة، فالصلاة من باب أولى فأنت ممنوع عنها.
من الأحاديث أيضاً والآثار والسنن الفعلية عن النبي ﷺ : ما جاء عن أبي هريرة كما في أبي داود بسند صحيح، أن النبي ﷺ قام يصلي فلما كبر تذكر أنه كان جنباً فقال لهم: مكانكم، ثم ذهب فاغتسل، قال أبو هريرة فجاء ورأسه يقطر ماءً ودخل الصلاة، وأكمل بهم الصلاة.
الحديث الثاني: حديث عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وكان غير مبالٍ، وكان جنباً فتذكر بعد الصلاة أنه كان جنباً فاغتسل وأعاد الصلاة.
أيضاً يحرم على الجنب أن يجلس في المسجد، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣].
والسياق يفسر المراد، فالمراد مكان الصلاة، وموضع الصلاة، فلا تقربوا الصلاة أي: لا تقربوا المسجد.
وقد ورد عن جابر بسند صحيح أنه قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً.
وهذه دلالة على أنهم أولوا الآية: أنه لا يجوز المكث في المسجد.
ويستدل من السنة بأحاديث ضعيفة منها: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) وهذا الحديث ضعيف.
ومن الأدلة أيضاً على ذلك: القياس الجلي، فهم يرون أن النبي ﷺ منع الذي يأكل البصل من دخول المسجد فكيف بالذي تلبس بالجنابة أو بالحدث الأكبر؟ ويعضدون ذلك بالحديث المشهور: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب) وزيادة الجنب زيادة ضعيفة.
الثالث: يحرم عليه قراءة القرآن.
ومن ذلك: قول علي وهو حديث في السنن عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن في كل أحواله سوى الجنابة)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري مال إلى صحته.
ثم العلماء قد قعدوا لنا القاعدة: الراوي أعلم بما روى، فهو أعلم بمراد رسول الله ﷺ .
وقد ورد أيضاً بسند صحيح عن عمر بن الخطاب أنه منع الجنب من القراءة.
وعن عمر بسند صحيح كان يقول: إني لآكل وأنا جنب، وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ القرآن وأنا جنب.
فـ عمر بن الخطاب يرى أن الجنابة تمنع من قراءة القرآن.
الأمر الرابع مما يحرم على الجنب: مس المصحف، فإذا منع من قراءة القرآن لم يمنع من الذكر، ولا من الاستغفار ولا من الذكر الذي هو يتضمن آية.
والدلالة على ذلك واضحة جداً من قول الله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].
стр. 214
ما يحرم على الحائض
ويحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فيحرم عليها الصلاة والصوم.
قال النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل منكن) فلما سئل النبي ﷺ : ما نقصان العقل والدين عند المرأة؟ فقال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم).
وهذا تشريع يبين للأمة أنه قد أمرهم قبل ذلك أن المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم.
أيضاً حديث فاطمة بنت حبيش ﵂ وأرضاها، قال: (فإذا جاءت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ولت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂ لما سئلت عن قضاء الصلاة بعد الحيض بعد الطهور من الحيض فقالت: أحرورية أنت؟ فقالت: لا إنما أنا أتعلم، أو قالت: إنما أنا تائبة، فقالت: كنا نحيض على عصر رسول الله ﷺ فلا نصلي ولا نصوم، ونؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
أيضاً: يحرم على المرأة الحائض الطواف بالبيت، والدلالة على ذلك: في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ دخل عليها وكانت تبكي وكانت قد أهلت بعمرة، فقال لها: (ما لك؟ أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: هذا أمر قد قدر على بنات آدم، فاغتسلي وافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت).
أيضاً يحرم على الحائض: دخول المسجد، لحديث: (ألا تطوفي بالبيت).
стр. 215
شرح متن أبي شجاع - فروض الغسل وسننه وفصل الأغسال المسنونة
للغسل فروض لابد منها لصحته، وله سنن وآداب ينبغي مراعاتها ليحصل كمال الطهارة، والغسل يجب لأمور، ويستحب لأمور، وقد بين الفقهاء ذلك بالتفصيل.
следующие страницы →