← Фикх шафии

Фикх шафии · id 37686

شرح متن أبي شجاع - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (225 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدليل على طهارة الجلد بالدباغ أما الآثار: فحديث السنن عن النبي ﷺ عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه مر عليهم وماتت شاة لـ ميمونة ﵂ وأرضاها، فقال: (هلا انتفعتم بها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة) يعني الميتة لا ينتفع بها، فقال: (إنما يحرم من الميتة أكلها -ثم قال- إيما إهاب دبغ فقد طهر، ومعنى الإهاب: الجلد قبل الدباغ، فقال: (أيما أهاب) يعني: أيما جلد قبل الدباغ دبغ فقد تحول من النجاسة إلى الطهارة، قال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، وهذا دليله على عموم الطهارة في جلود كل مأكول وغير مأكول؛ لأن الأسماء المبهمة تدل على العموم، سواء كان مأكولاً أم غير مأكول، ويستثنى من ذلك: الكلب والخنزير، فلا تطهر جلودهما لأدلة ستأتي، وكأن النبي ﷺ يقول: وجلد الضبع، وجلد الذئب، وجلد الأسد، وجلد بهيمة الأنعام، وجلد الضأن، وجلد الماعز إذا دبغ وهو ميتة فهو طاهر، وأقرب مثال يضرب في ذلك: الحمار الوحشي والحمار الأهلي، فالحمال الأهلي لا يؤكل بالإجماع، والحمار الوحشي يؤكل بالإجماع، إذاً: لو كان الحمار الوحشي ميتة والحمار الأهلي ميتة، فنحن نقول: هل يمكن بالدباغ أن يطهر الجلد ويمكن استخدامه أم لا؟ فعند الشافعية قالوا: بالعموم، قلنا لم؟ قالوا: لأن النبي ﷺ قال: (أيما)، وأيما هذه للعموم، يعني: المأكول وغير المأكول، وأيضاً قول النبي ﷺ : (طهور جلد الميتة دباغه)، أو قال: (طهور الميتة دباغه)، فجعل الدباغ هو المطهر، فهذا من الأثر. ومن النظر أن نقول: إن كانت الحياة دالة على طهارته فما من أحد وضع يده مثلاً على الحمار الوحشي، أو وضع يده على البعير وقيل له: اغسل يدك حتى تصح صلاتك، لأنها ليست نجسة بل هي طاهرة، قالوا: فكما أن الحياة لازمة للطهارة وأن الموت لازم للنجاسة فإن الدباغ يساوي الحياة في هذه المسألة، فألحقوا الدباغ بالحياة؛ لأنه فعل ما تفعل الحياة، فالحياة تدل على طهارة البعير، والدباغ بعد الموت إن كان ميتاً يدل على طهارة الجلد، قالوا: وهذا إلحاق الدباغ بالميتة، وهذا من النظر.

стр. 72

حكم الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة في البيع والشراء إذاً: الشافعية يرون أن جلود الميتة كلها إلا الكلب والخنزير يمكن أن ينتفع بها، لكن بشرط وقيد وهو الدباغ، والدباغ هو التنظيف، أي: تنظيف الجلد، فتأخذ الجلد وتنظفه من بقايا اللحم وغيره، وبعد أن تنظفه وتمرر عليه الماء تضع عليه الملح أو الأشنان أو غير ذلك، ثم تضعه عدة أيام في الشمس، من أجل أن يتصلب في الشمس فلا تجد منه الرائحة المنتنة، فيصير الجلد هنا طاهراً ظاهراً وباطناً، فإن كان طاهراً فينتفع به في الصلاة، وينتفع به في السقاء، بحيث يكون قربة للسقاء، وينتفع به كفرش، وينتفع به في كل شيء، إلا البيع والشراء فهنا محل نظر.

стр. 73

خلاف الشافعية في الانتفاع بالجلد بالبيع وهناك قولان في المذهب: أي قول قديم وقول جديد، فالقول القديم في العراق والجديد في مصر.

стр. 74

القول القديم المنع وأدلته أما القول القديم فقالوا: لا ينتفع بالميتة ببيع ولا شراء، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآيات، فقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) أي: حرمت عليكم أكلاً وشراباً وسقاءً وفرشاً وجلداً وعصباً وعظماً وشعراً وكل شيء، فالميتة اسم جنس فيه ألف ولام، فيعم كل أجزاء الميتة، وعندنا دليل خاص في المسألة، فقد جاء في الحديث الصحيح عن جابر ﵁ وأرضاه (أن النبي ﷺ حرم بيع الخمر والأصنام والخنزير، قال: والميتة)، فحرم بيع الميتة، وهذا على العموم يعني: حرم كل شيء يخص الميتة، فحرم بيع لحمها وشحمها وعظمها وعصبها وشعرها، وأيضاً جلدها حتى ولو دبغ؛ لأن الدليل المخصص لم يأت حتى الآن، وهذا بالأثر وبالنظر، قالوا: حتى لو قلتم لنا: يجوز البيع لأنه يجوز الانتفاع، فإن القاعدة عندنا وعندكم: أنه لا يستلزم جواز الانتفاع جواز البيع، ولا يلزم من إجازة الشرع للانتفاع جواز البيع، وهناك أمثلة من الشرع على ذلك: فالكلاب حرم الشرع بيعها بعد أن أجاز الانتفاع بها، فأجاز الانتفاع بالكلاب في الحراسة، وهذه مسألة خلافية أيضاً، فبعض العلماء قال: إن كلب الحراسة يجوز بيعه، وأنا لا أرجح هذا، والصحيح الراجح: أنه لا يجوز بيع الكلاب بحال من الأحوال، لكن يجوز الانتفاع بها. مثال آخر: عسب الفحل، فقد نهى النبي ﷺ عنه مع أنه جوز الانتفاع به. إذاً القول القديم: لا يجوز البيع ولا الشراء، واستدلوا بهذه الأدلة التي سقناها.

стр. 75

القول الجديد الجواز وأدلته ثانياً: القول الجديد: وكثير في أقوال الشافعية القول القديم والجديد، فالجديد هو الراجح إلا في حوالي ثمانية عشر مسألة أو أكثر أو أقل، قالوا: يجوز البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بعموم الأدلة مع خصوص النظر. أما عموم الأدلة: فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالربا هو المحرم فقط وهذا حلال البيع، فيدخل تحت العموم. قالوا: وخصوص النظر: أنه لما حرم الله بيع الميتة، إنما حرمها للنجاسة، فالعلة النجاسة، والحكم عندنا يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجدت النجاسة حرم البيع وإذا انتفت النجاسة أحل البيع وصح، قالوا: وهنا الجلد نجس بالموت وقد طهر بالدباغ، فهنا العلة انتفت، فرجع الحل على ما هو عليه بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. ونحن بعنا الطاهر وما بعنا النجس، فيصح البيع أو تصح المعاملة بالبيع والشراء، هذا القول الجديد وهو الراجح الصحيح.

стр. 76

الرد على أدلة القول القديم والرد على أدلة القول القديم ما يلي: الدليل الأول: قولهم: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣]، قلنا: هذه الآية عامة في تحريم الميتة في كل شيء، ولما حلل النبي ﷺ جلدها بعد الدباغ فقد خص بذلك، والقاعدة عند العلماء: لا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام لاسيما وأن الخاص قطعي في الدلالة والدليل العام ظني الدلالة، وأيضاً: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. إذاً: الآية عامة ودليلنا خاص ولا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام. الأمر الثاني: لما قالوا لنا: إن النبي ﷺ حرم بيع الخمر والأصنام وحرم بيع الميتة، قلنا لهم: نوافقكم على العموم، وهو أنه حرم بيع الميتة، لكن العلة النجاسة، إذ أن كل ميتة نجسة، والجلد إن طهر بالدباغ فقد انتفت العلة، فهذا الحديث عام في كل الميتة، في الجلد والعصب والشعر والعظم، ثم خص الجلد المدبوغ لأنه صار من النجاسة إلى الطهارة بالدباغ فيصح بيعه. إذاً: الصحيح الراجح في ذلك: الانتفاع مطلقاً، وأصول المذهب تقول: الحياة لازمة للطهارة، والموت لازم للنجاسة، والدباغ لجلد الميتة التي هي نجسة يجعلها طاهرة، فيؤول إلى الانتفاع به مطلقاً، فينتفع به صلاة وفرشاً، بيعاً وشراءً، سواء في ذلك المأكول وغير المأكول على المذهب إلا ما استثني.

стр. 77

حكم الانتفاع بالميتة عند الحنابلة وأدلتهم وقال الحنابلة: لا يجوز الانتفاع بأي شيء من الميتة، لا جلد، ولا عصب، ولا عظم، ولا شعر، حتى ولو دبغ الجلد، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣]، فقوله: حرمت عليكم الميتة، الألف واللام استغراقية، فتستغرق كل الميتة، جلداً، وعصباً، وعظماً، ولحماً، وشحماً، وكل شيء فيها، والتحريم هنا عام في كل شيء، يعني: تحريم الانتفاع أو البيع والشراء، أو تحريم الأكل وغيره، فهذا تحريم كل شيء؛ لأن هذا الدليل عام. قالوا: والدليل الخاص: حديث السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، قالوا: وهذا فاصل للنزاع، وأيضاً هذا الدليل فيه حظر، وكل الأدلة التي عندكم تدل على الإباحة، والحظر يقدم على الإباحة، قال رسول الله ﷺ : (لا تنتفعوا)، و (لا) ناهية، والأصل في النهي: التحريم، إذاً يكون المعنى: حرم عليكم الانتفاع بأي شيء، لا جلد مدبوغ ولا غير مدبوغ، قالوا: وهذه هي الأدلة، وهذه رواية عن أحمد ورواية عن بعض المالكية أيضاً.

стр. 78

حكم الانتفاع بالميتة عند المالكية وأدلتهم وقال المالكية: نقول بالانتفاع بكل شيء، سواء في ذلك جلد الكلب والخنزير أو غيرهما. فقال الشافعية: إنما استثنينا الكلب والخنزير لأدلة، أما الخنزير فبالنص من كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، فقال: (فإنه)، والضمير عائد على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الخنزير، فإذاً الخنزير بالتنصيص يحرم، وألحقنا الكلب بالخنزير لدليل من السنة وهو حديث في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا ولغ الكب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (ليرق هذا الماء وليغسله سبعاً) وذلك لأن لعابه نجس، قالوا: واللعاب أشرف ما يكون في الكلب، فإن كان أشرف ما يكون في الكلب نجس فإذاً باقي ما في الكلب يأخذ الحكم، فيكون الجلد والشعر نجس وكل شيء فيه نجس، وهذا من الأثر. أما بالنظر فقد قالوا: إن كانت الحياة فيهما لا تقوى على الطهارة لهما فمن باب أولى أن يضعف الدباغ عن تطهيره؛ لأن الحياة هي أصل، وقلنا: إن الدباغ يلحق بها. إذاً: يقول المالكية: أي جلد ينتفع به، لكن بقيد وشرط، وهو أن ينتفع به ظاهراً لا باطناً؛ لأن باطنه احتك بالجلد؛ والجلد احتك باللحم، وهذا حكم بالمجاورة، وأيضاً الحنابلة في استدلالهم بالنظر قالوا: الحكم بالمجاورة،؛ لأن الباطن جاور جلد الميتة، وجلد الميتة جاور اللحم، واللحم بالإجماع نجس، فإذاً المجاور يأخذ حكم ما جاوره. فالمالكية فرقوا تفريقاً لطيفاً ألطف من قول الحنابلة، وقالوا: الظاهر لم يجاور لكن الباطن جاور، فالمجاور يأخذ حكم المجاور له، وقالوا: الباطن لا يصح الانتفاع به للنجاسة. إذاً: المالكية قالوا: ينتفع بكل شيء حتى الكلب والخنزير، لكن بقيد وشرط وهو: الانتفاع به ظاهراً لا باطناً.

стр. 79

حكم الانتفاع بالميتة عند الأحناف أما الأحناف فقالوا بقول الشافعية، إلا في الكلب فيجوز عندهم الانتفاع بجلده، قالوا: لأن النص جاءنا في الخنزير بالآية ولم يأتنا نص آخر في الكلب.

стр. 80

حكم الانتفاع بالميتة عند الأوزاعي وابن تيمية وأدلتهما وقال الأوزاعي: ينتفع بجلد الميتة المأكول لا غير المأكول، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرجح هذا القول، قالوا: دليلنا على التفريق: أثر ونظر، أما الأثر: فقد جاء عنه ﷺ في حديث ابن عباس: (أنه مر على شاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بها؟) فقالوا: العبرة بخصوص السبب؛ لأنه لما مر مر على شاة وهذه الشاة مأكولة فتبقى على حالها، والشاة الميتة هذه كانت مأكولة، يجوز أكلها بالزكاة فقال: انتفعوا بها؛ لأنه يمكن الانتفاع بها في حال حياتها بالأكل بعد الذبح، فقالوا: هذه خاصة في المأكول، وهذه واقعة حال أو واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها. قالوا: والدليل الفاصل لنا أيضاً: قول النبي ﷺ في بعض الروايات: (دباغه ذكاته) يعني: دباغ الجلد ذكاته، قالوا: فنستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد ميتة إلا المأكول. فقول النبي ﷺ : (دباغه ذكاته)، والذكاة لا تكون إلا في المأكول وألحق النبي ﷺ الدباغ بالذكاة فحكمه حكم الذكاة، يعني لا يكون إلا في المأكول، وهذا وجه الدلالة عندهم، فهذا من الأثر. أما من النظر: فحديث: (نهى النبي ﷺ عن افتراش جلود النمر)، قالوا: وهذا النهي للنبي ﷺ ، ولو كان ثمة تفصيل لفصل، فلما قال: أنهاكم عن افتراش جلود النمر، ولم يقل: أنهاكم عن افتراش جلود النمر التي لم تدبغ، فإذا دبغت فافترشوها، فالنبي ﷺ لم يفصل، ولما لم يفصل بقيت على العموم، والعلة هنا: النجاسة، والنجاسة عامة سواء دبغ أم لم يدبغ. فتبقى هذه الدلالة على أن المأكول يخالف غير المأكول في الحكم. إذاً: قالوا: عندنا أدلة كثيرة تثبت لنا التفريق بين المأكول وغير المأكول في الأثر وفي النظر، أما في الأثر: فحادثة ميمونة التي كانت في الشاة والشاة مأكولة، فإذاً: المأكول حكمه يخالف حكم غير المأكول، قالوا: والفاصل في النزاع: حديث النبي ﷺ (دباغه ذكاته) فألحق الدباغ بالذكاة، والذكاة لا تكون إلا في المأكول، فالدباغ حكمه أنه لا يكون إلا في المأكول. قالوا: ومن النظر: نهي النبي ﷺ عن افتراش جلود النمر، ولم يفصل سواء كانت مدبوغة أم غير مدبوغة، والعلة في ذلك: النجاسة، فإن دبغت فهي نجسة وإن لم تدبغ فهي نجسة.

стр. 81

الراجح من الأقوال في الانتفاع بالميتة فإذاً: هذه الأقوال للمخالفين، فأقول: قول الأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية هو من القوة بمكان، لكن الراجح الصحيح هو: قول الشافعية، وأنه على العموم في جلد المأكول وغير المأكول، فيصح الانتفاع به بعد الدباغ ويصير طاهراً للأدلة التي سردناها.

стр. 82

الرد على الحنابلة فيما استدلوا به أولاً: الرد على الحنابلة؛ لأن هذا أضعف الأقوال، قالوا: لا ينتفع بها واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: (حرمت)، قلنا هذا عام مخصوص، وأيضاً استدلوا بحديث النبي ﷺ : (لا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)، وهذا قول: الحنابلة مع بعض المالكية. قلنا: الرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا حديث مضطرب، فهو معل، كما أعله البيهقي وكثير من المحدثين، والقاعدة عندنا وعندكم: أن الأحكام فرع على التصحيح، فإذا ضعف الدليل فلا استدلال لكم، ولا حجة معكم. ولو تنزلنا مع الخصم وقلنا: بأن الحديث الصحيح، فالرد عليه من وجه آخر، وهو أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا بعصب) والحديث ليس في محل النزاع؛ لأن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ ونحن معكم في هذا، وإنما النزاع في الجلد بعد الدباغ.

стр. 83

الرد على المالكية فيما استدلوا به ثانياً: الرد على المالكية، قالوا: ينتفع بكل شيء ظاهر دون الباطن، فنرد عليهم ونقول: قد نص الله جل وعلا على نجاسة الخنزير، وعمم نجاسته بعد الدباغ وقبل الدباغ، وبين النبي ﷺ نجاسة أشرف شيء في الكلب وهو اللعاب فهو نجس، فلم أدخلتموه؟ وهذا الرد عليهم من أول وجه. الوجه الثاني: نقول لهم: قد فرقتم بين الظاهر وبين الباطن بلا مفرق، فإن قالوا: عندنا المفرق، وهو قياس المجاورة، فنلحق الجلد باللحم لأنه مجاور، لكن نقول: هذا قياس مع الفارق أولاً وقياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً وهو قول النبي ﷺ : (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا القياس أولاً مع الفارق؛ لأن الجلد يخالف اللحم، فالجلد لا يؤكل واللحم يؤكل، وهناك فوارق كثيرة بين الجلد واللحم. والثاني: أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً فقد جاء النص يفرق بين اللحم وبين الجلد، قال النبي ﷺ : (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا تفريق من النبي ﷺ فأنتم الآن سويتم بين ما فرق الشرع بينه، وهذا خطأ فاحش.

стр. 84

الرد على الأحناف فيما استدلوا به الرد على القائلين بالقول الثالث وهم الأحناف، فالأحناف قالوا: نخرج الخنزير فقط ولا نخرج الكلب؛ لأن الآية نصت على نجاسة الخنزير، قلنا: والكلب قد جاء الدليل على نجاسته، وهو حديث ولوغ الكلب، فلعاب الكلب نجس وهذا أشرف ما يكون فيه، فمن باب أولى الجلد والعظم والعصب.

стр. 85

الرد على ابن تيمية والأوزاعي الرد على قول شيخ الإسلام ابن تيمية سيكون من الأثر، إذ أن الرد عليه بالنظر صعب، وسنبين ذلك. الرد عليهم من الأثر: أما قولكم بأن مرور النبي ﷺ كان على شاة والشاة مذكاة فنقول: القاعدة التي نتفق عليها هي: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو كان السبب الشاة، فإن النبي ﷺ عمم وقال: (أيما إهاب) سواء ميتة مأكول أو ميتة غير مأكول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا رد قاطع. أما الدليل الذي استدل به وهو قول النبي ﷺ : (دباغه ذكاته) قلنا: نحن نوافقكم على هذا اللفظ، فدباغه ذكاته ولا نوافقكم على الإلحاق بل نقول: إن الإلحاق هنا إلحاق الانتفاع لا إلحاق الحكم، ومعنى الحديث أي: كما أنكم تنتفعون بالشاة في ذكاتها -وهذه الشاة كانت حية، فهذه الشاة إن ماتت فلكم أن تنتفعوا أيضاً بجلدها بالدباغ، فهنا الحكم حكم الانتفاع لا حكم الإلحاق بالتفريق بين المأكول وغير المأكول. فالإلحاق هنا إلحاق في الانتفاع فقط، يعني: يجوز أن تنتفعوا بالشاة الميتة بالدباغ كما كان يجوز لكم أن تنتفعوا بالشاة الحية بالذكاة، وليس ثم قرب ولا بعد من المأكول ولا غير المأكول، فالكلام كله على الانتفاع، والدليل على أن الحديث يدور على الانتفاع فقط هو: السياق. فالقاعدة تقول: السياق والسباق من المفسرات والموضحات والمقيدات، ففي حديث ابن عباس قال لهم: (هلا انتفعتم) فالكلام كله على الانتفاع، فقلنا له: المسألة كانت تدور على الانتفاع، وعليه فقوله: (فدباغه ذكاته) يعني: إذا انتفعتم بالذكاة فلكم أن تنتفعوا بالدباغ. أما الرد على النظر، فإنهم قالوا: تتفقون معنا أن النبي ﷺ نهى عن افتراش جلود النمر، والعلة عندنا النجاسة، فنقول: أنتم الآن قلتم بأن العلة في النهي عن افتراش النمر هي النجاسة ولا نوافقكم على المقدمة، بل نقول: النهي لأمر آخر وليس للنجاسة، فالنهي لم يتعرض للنجاسة، بل النهي لأمر آخر؛ لأن النبي ﷺ نهى أيضاً عن افتراش سجاد الحرير لا للنجاسة وإنما للمفاخرة والمباهاة. فنحن نقول: إن افتراش جلود النمر نهى عنه النبي ﷺ من أجل المفاخرة والمباهاة وليس من أجل النجاسة، وما دامت المقدمة خاطئة، فالنتيجة خاطئة. نخلص من ذلك على أن الميتة لا ينتفع بها بأكل ولا شرب ولا أي شيء إلا الجلد، فيمكن أن ينتفع بجلد البقر وجلد الشاة وجلد الأسد، وذلك بأن يدبغ فيطهر فينتفع به في صلاة عليه أو سقاية، يعني: تكون قربة نشرب منها، أو بيعاً أو شراءً لتجارة الجلود، وهذا الحكم في المأكول وفي غير المأكول إلا الكلب والخنزير. وهناك مسألة خلافية بين العلماء وهي: هل يؤكل الجلد بعد دبغه أم لا يؤكل؟ ففي المسألة خلاف عريض بين الشافعية أنفسهم على هذا الحكم. ولو اعترض معترض على ردنا على ابن تيمية وقال: لماذا منعنا من افتراش جلد الكلب؟ قلنا: لأنه نجس، ولكن ليس هناك دليل على أن الأسد والنمر نجس، فلعاب الأسد طاهر، وهذه مسألة خلافية جداً، أعني: آثار البهائم، وهل هي طاهرة أم نجسة؟ والصحيح الذي أدين الله به كما يدين به الشافعية: أن آثار البهائم كلها طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 86

شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [٢] الأعيان المتنجسة تطهر بالماء إن كانت تطهر به، أو بالدباغ إن كانت جلداً ونحوه، والميتة بشعرها وعصبها وعظمها نجسة عند الجمهور، باستثناء الشعر فإنه طاهر عند المالكية والحنابلة، وخالف الحنفية فقالوا بطهارة الميتة بشعرها وعصبها وعظمها، والراجح في هذا هو قول الشافعية: أن الميتة نجسة عموماً بشعرها وعظمها وعصبها، واختلف العلماء كذلك في نجاسة رطوبة فرج المرأة والراجح طهارتها والله أعلم.

стр. 87

حكم الأعيان المتنجسة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الأعيان المتنجسة وما يطهر منها. وجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي. ] تكلمنا عن الانتفاع بجلود الميتة، وبينا الخلاف بين العلماء فيها، ونختم هذا الباب في الكلام على عظم الميتة، ثم سنتكلم على أواني الذهب والفضة وكنزها أو استعمالها في الأكل والشراب وفي غير ذلك.

стр. 88

أقوال الشافعية في شعر الميتة وعظمها وعصبها قال: [وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي] للشافعية في عظم الميتة وشعرها وعصبها ثلاثة أقوال: الأول: عموم النجاسة للعظم والشعر والعصب، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣]، فتحريم ما لا حرمة فيه دال على نجاسته، قلنا: الآدمي أيضاً له حرمة، فقالوا: وعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣] فالآدمي يسمى ميتة فيدخل تحت عموم الآية، واستدلوا بحديث جابر: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الأصنام والخمر والميتة)، قالوا: والعلة في نهيه عن البيع: النجاسة. القول الثاني: قالوا: كل العظم والشعر والعصب نجس في كل ميتة سوى الآدمي، واستدلوا بعموم الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول، وخصصوا الآدمي بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠]، فقالوا: التكريم دلالة على عدم النجاسة؛ لأن النجس غير مكرم. فإذاً: التكريم دلالة على الطهارة. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه الذي فيه: (أنه مر على النبي ﷺ وكان جنباً فانخنس، فبعد أن ذهب واغتسل رجع إلى النبي ﷺ ، فسأله النبي ﷺ : أين كنت يا أبا هر؟ فقال له أبو هريرة: كنت جنباً فاستحييت أن أجلس معك وأنا على جنابة، فقال النبي ﷺ : سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، ووجه الدلالة: عموم لفظ قول النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس)، وابن حزم فقط هو الذي أخذ بالمفهوم وقال: إن أهل الكتاب أو الكفار كلهم أنجاس حسياً ومعنوياً. فقول النبي ﷺ : (المؤمن لا ينجس)، يعني: حياً كان أو ميتاً، فاستدلوا بهذا الحديث على أن الآدمي لا ينجس عظماً وشعراً وجلداً ولحماً وكل شيء. القول الثالث: إن عظم الميتة وشعرها وعصبها على الطهارة كلها، واستدلوا بأدلة ستأتي، لكن الصحيح الراجح في المذهب: أن عظم الميتة وشعرها وعصبها نجس وليس بطاهر، سوى ميتة الآدمي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ومن تمام التكريم أن يكون طاهراً حياً وميتاً، وأيضاً عموم قول النبي ﷺ : (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، فهذا فيه دلالة أنه طاهر ميتاً كان أو حياً. وثمرة هذه المسألة: أنك لو وجدت ميتة ووجدت فيها شعراً؛ فإنه يجوز لك أن تستخدم هذا الشعر في حشو لرداء أو جاكت، هذا على القول بأن شعر الميتة طاهر، لكن نقول: الشعر لا يجوز استعماله لعموم الأدلة بنجاسة الميتة، أما الجلد فلا يصح استعماله إلا بعد الدباغ.

стр. 89

رأي المالكية والحنابلة في الميتة خالف بذلك الأئمة الثلاثة مالك وأحمد وأبو حنيفة، أما الحنابلة والمالكية: فاتفقوا على أن العظم والعصب نجس، وهذا الاتفاق مع الشافعية واختلفوا معهم في الشعر فقالوا: الشعر طاهر وليس بنجس، واستدلوا على ذلك بأدلة من الأثر والنظر، وقبل أن أدخل في أدلتهم قلنا: أدلة الشافعية على أن النجاسة في الشعر هي قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، ووجه الدلالة: عموم اللفظ، فيشمل العظم والجلد والعصب والشعر. أما دليلهم من النظر فقالوا: العظم والشعر تحله الحياة، وما تحله الحياة فبموته يصير نجساً؛ لأنه ميتة، وخالف بذلك المالكية والحنابلة، فقالوا نوافق الشافعية على العظم والعصب في أدلتهم جميعاً ونخالفهم في الشعر، واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، ووجه الدلالة: أنه أباح لهم الانتفاع بالشعر أن يجعلوه أثاثاً ومتاعاً عند الظعن وعند الإقامة، فلما أباح لهم الانتفاع والتمتع بها دل ذلك على الطهارة؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بالنجس، هذا دليل من الكتاب، أما من السنة فحديث أم سلمة ﵂ وأرضاها الذي في السنن، قالت: قال النبي ﷺ : (لا بأس أن تنتفعوا من إهاب الميتة بالدبغ، ومن الشعر بالغسل)، يعني: انتفعوا بإهاب الميتة بعد الدبغ، وانتفعوا بشعر الميتة بعد الغسل، فكما أن الدباغ يطهر الجلد فإن الغسل يطهر الشعر. والدليل الثالث أيضاً من الأثر: (أن النبي ﷺ مر على شاة ميتة لـ ميمونة فقال: ألا انتفعتم بإهابها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها)، ووجه الدلالة: أنه إنما حرم أكلها، فيدل هذا على حل كل شيء غير الأكل، ويسمى مفهوم المخالفة فهذا من الأثر. أما من النظر فقالوا: الشعر لا تحله الحياة، واستدلوا على ذلك أنك لو أخذت شعرة صغيرة من ظفائر النساء فشددتها من الوسط فإنها لا تؤثر ولا يتألم المرء بذلك، فهذه دلالة على أنه لا حياة في الشعر، فلا تطبق قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً هذا من النظر.

стр. 90

رأي الأحناف في الميتة أما الأحناف فقالوا: العظم والجلد والعصب والشعر على الطهارة واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما من الأثر: فقد ورد في الحديث (أن النبي ﷺ امتشط بمشط من عاج) والعاج: عظم، وأيضاً: (أمر النبي ﷺ ثوبان مولاه أن يشتري لـ فاطمة سوارين من عاج)، ووجه الدلالة من الحديثين! أنه لو مس بالنجاسة يده وشعره لتنجس، ولما لم يأتنا من الدليل أنه غسل يديه بعد استعماله وغسل رأسه بعد استعماله دل على أنه طاهر. الوجه الثاني: استخدمت فاطمة السوارين، وحصل فيهما بيع وشراء، فعلى القول بنجاستهما لا يجوز شراء وبيع النجس، وهذا فيه خلاف بين العلماء، كذلك كون فاطمة ﵂ صلت بهما وعلى القول بنجاستهما لا يجوز أصلاً أن تحمل النجاسة في الصلاة والصلاة تبطل بهذا، فلما صح أن تحمل السوارين دل على طهارتهما، هذا قول الأحناف من الأثر. أما من النظر: فإن العظم والشعر والعصب لا تحل فيه الحياة، فإذاً لا نطبق عليها قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والموت لازم للنجاسة. إذاً: هناك أقوال ثلاثة: قول الشافعية وهو قول المذهب: أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة إلا الآدمي، وخالف في ذلك الحنابلة والمالكية فقالوا: نتفق على إخراج الآدمي ونتفق على العظم والعصب، ونخالف في الشعر والأحناف قالوا: نخالف في الجميع، فالآدمي طاهر، والشعر والعظم والعصب من أي حيوان كله طاهر.

стр. 91

الراجح من أقوال أصحاب المذاهب في شعر وعظم وعصب الميتة والرد على من خالف الراجح الراجح من هذه الأقوال هو: قول الشافعي وهو أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة للأدلة القاطعة بذلك، منها: عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، وحديث: (حرم النبي ﷺ بيع الميتة)، وعلة التحريم في ذلك باتفاق الفقهاء هي: النجاسة، وخرج الآدمي بالأدلة التي سردناها.

стр. 92

الرد على الحنابلة والمالكية أما الرد على الحنابلة والمالكية فيما استدلوا به، فإنهم استدلوا بالأثر بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، وقالوا: هذه دلالة على عموم الانتفاع بشعر الميتة، فنقول: هذه دلالة على الطاهرة وليست على النجسة، وقالوا للشافعية: وأنتم تستدلون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:١٧٣]، ووجه الدلالة منها العموم، ونحن دليلنا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل:٨٠]، والآية خاصة في الأشعار، وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام، فقال الشافعية: الآية ليست عامة على الإطلاق، بل الآية عامة من وجه وخاصة من وجه، وأيضاً الآية عندنا عامة من وجه وخاصة من وجه، فلم نحمل خصوص وجهكم على عموم الآية التي نستدل بها؟ ولا نحمل خصوص وجهنا على عموم ما استدللتم به؟ فهم يستدلون بعمومها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾ [النحل:٨٠]، ونقول: هذه الآية عامة، وهي مخصوصة بأدلة أخرى، من هذه الأدلة: قول جابر: (حرم النبي ﷺ بيع الأصنام والخمر والميتة)، وباتفاق العلماء على النجاسة فإنها تصير مخصوصة بهذا اللفظ، والمقصود: كل الميتة شعراً وعظماً وعصباً. الثاني: تخصص الآية بمتصل، وأما هم فمخصوصها بمنفصل، فالآية تقول: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل:٨٠]، و (من) يمكن أن تكون للابتداء وممكن تكون للتبعيض، ونحن نرجح هنا: أنها للتبعيض بالقرائن المحتفة وبالدليل المنفصل الذي أتينا به. إذاً: من أشعارها في حال كونها حية لا ميتة، ونزاعنا في الميتة، فخصصنا عموم الآية بالحي وأنتم أردتم عمومها بالحي والميت. إذاً: الآية مخصصة بمخصصين: مخصص متصل، ومخصص منفصل، فالمخصص المنفصل هو حديث: (حرم النبي ﷺ بيع الميتة)، والعلة: النجاسة باتفاق العلماء، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، أيضاً هذا مخصص منفصل. أما المخصص المتصل فهو: قول الله تعالى: ((وَمِنْ أصوافها))، فـ (من) هنا للتبعيض، فنحمل الآية على أن معنى (وأشعارها) كونها حية وليست ميتة. إذاً: الآية ليست في النزاع. والدليل الأثري الثاني الذي استدلوا به: حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا بأس أن تنتفعوا بإهاب الميتة إذا دبغ وبالشعر إذا غسل)، فنقول لهم: الرد عليكم في هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف؛ ففيه راويان مجهولان، والقاعدة تقول: الأحكام فرع على التصحيح، والحديث ضعيف. الوجه الثاني: أنه وإن كان صحيحاً فالرد على الاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: نقول: قول النبي ﷺ : (انتفعوا بالجلد بعد الدبغ وبالشعر بعد الغسل) دال على أن الشعر فيه نجاسة ويطهر بالغسل، فيكون هذا لنا وليس علينا، لكن يمكن أن يطهر بالغسل. وهذا الأصل إلا ما دل الدليل على خلافه، ألم يقل رسول الله ﷺ : (اغسلوا الإناء الذي ولغ فيه الكلب)، وقال: (اغسلوا بول الأعرابي)؟ فلما أمر بالغسل دل على النجاسة. الوجه الثاني في الرد عليهم: نقول: إذا قلتم بالحديث: (فانتفعوا بالشعر بالغسل)، فأنتم أبطلتم الاستدلال بعموم آية: ((وَأَشْعَارِهَا)) فهي عامة في الغسل أو بدون غسل، بعموم الآية وأنه يمكن أن ينتفع بالشعر دون الغسل، فإما أن تأخذوا بالآية، أو تأخذوا بالحديث، ويمكن أن يردوا علينا برد ثان، ويقولون: نحن نأخذ بالآية والحديث، نأخذ بظاهر الآية، فهي تصرف الأمر في الحديث من الوجوب إلى الاستحباب، فإذا صرف الأمر إلى الاستحباب رجع الأمر على أنه على تأكيد الطهارة، لكن نحن نقول لهم: الحديث ضعيف فلا دلالة لكم فيه، والأمر الثاني: الغسل يدل على النجاسة وهذا هو الأصل. أما الرد على الحديث الثالث: الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (إنما حرم أكلها)، فنقول: الرد عليكم في هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: استدلالكم بمفهوم المخالفة في حل الانتفاع والعظم والعصب سوى الأكل، نقول: المفهوم خالفه المنطوق وهو أنه حرم بيع الميتة للنجاسة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]. وإذا خالف المنطوق المفهوم قدم المنطوق على المفهوم باتفاق علماء الأصول. الوجه الثاني من الرد عليه: أن قول النبي ﷺ : (إنما حرم أكلها)، السياق والسباق من المفسرات والمقيدات، قال علماؤنا: السياق محكم، يعني: السياق هو الذي يبين لنا مراد النبي من الحديث، فالنبي ﷺ مر فوجد الميتة فقال لهم: (انتفعوا بها، فقالوا: هذه ميتة، فقال لهم النبي ﷺ : إنما حرم أكلها -ثم بين بعد ذلك- قال: هلا انتفعتم بإهابها)، أي بعد الدبغ، وقال: (دباغه زكاته). إذاً: هذه دلالة من النبي ﷺ في السياق نفسه أنه تكلم عن طهارة الجلد بالدباغ، فالسياق هنا محكم، وسياق حديث ابن عباس كان في الدباغ ولم يتكلم لا على عظم ولا على شعر ولا على عصب، ولذلك يكون الأكل محرماً عموماً في الجلد وفي غيره فكأنه يقول: الجلد لا يؤكل، لكن يمكن أن تنتفع به بعد أن تطهره بالدباغ. إذاً الحديث سياقه في دباغ الجلد ولم يتكلم بإشارة ولا بتلميح عن شعر ولا عن عصب. فإذاً: النتيجة أن نقول: هذا الحديث ليس نصاً في محل النزاع، وليس لكم أن تستدلوا به. ومن أدلتهم أنهم قالوا: الشعر جزء من الميتة، وأنتم اتفقتم على أن الميتة نجسة، فالجزء يأخذ حكم الكل، فقالوا: نعم، نحن معكم على التأصيل الكلي بأن الشعر جزء من الكل، والجزء يأخذ الحكم العام، لكن نقول تقييداً لهذه القاعدة: إلا ما دل الدليل النظري على التفريق، ألا وهو أن الشعر لا تحل فيه الحياة؛ لأنه لا يشعر بألم إذا قص، قلنا: إن الحياة تعرف بوجهين: الوجه الأول: الألم، والوجه الثاني: النمو، والشعر ينمو، والنمو علامة الحياة، فلما سمعوا ذلك سكتوا، فقلنا: هذا رد عليكم، إذاً: الشعر تحله الحياة، والدلالة على ذلك النماء، فإن كانت تحله الحياة فبالممات يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والممات لازم للنجاسة، وهذا الرد على الحنابلة والمالكية. وقال ابن رشد في بداية المجتهد: أما الميتة فهي لا تحرم إلا بالدم. وهذا كلام مردود عليه فلو سكبت هذا الدم ونظفت الميتة كلها فيمكن أن تأكل اللحم؟ والعظم إذا نظف من الدم فهل تستخدمه أو لا؟ فهذا باطل لا يصح؛ للأدلة التي سردناها كلها.

стр. 93

الرد على الأحناف أما الأحناف فاستدلوا بالأثر والنظر، أما الأثر: فإن النبي ﷺ استخدم العاج، فلما استخدمه دل على طهارته، قلنا: الرد عليكم من وجوه: الأول: هذه الآثار كلها ضعيفة، حديث (امتشط النبي ﷺ بمشط من عاج)، حديث ضعيف؛ لأن سنده مظلم. الثاني: (أن النبي ﷺ أمر ثوبان أن يأتي لـ فاطمة بسوارين من عاج)، حديث ضعيف أيضاً، والحجة في الصحيح وليس في الضعيف. أما الرد على الدليل النظري: أن العظم لا تحل فيه الحياة، فهو قولنا: الواقع يكذب ذلك فالعظم تحل فيه الحياة، فالعظم يتألم وينمو؛ فإن الصغير يكبر، ويكبر معه عظامه. فإذاً: العظم تحل فيه الحياة من وجهين: الأول: أن العظم ينمو، والثاني: كون الإنسان يتألم ويتأثر به، فهذه فيها دلالة واضحة على أن العظم تحل فيه الحياة، وهذا رد على الأحناف، فنقول بأن كلام الشافعية في مسألة العظم والشعر والعصب كل ذلك على النجاسة هو الراجح الصحيح للأدلة.

стр. 94

حكم البول والغائط ذكر المصنف أموراً أخرى تمس الآدمي، فقال: إذا قلنا بأن شعر الآدمي وجلده وعظمه وعصبه على الطهارة فلا ينسحب الحكم على شيء آخر، فإن بول الآدمي وغائطه ودمه نجس، أما المني فعند الأحناف أنه نجس، وعند الشافعية طاهر، والدليل على أن بول الآدمي نجس: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا ليضربوه فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه، لا تقطعوا عليه بوله، أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، ووجه الدلالة: أنه لما أمر بصب الماء دل على نجاسة البول. الدليل الثاني: (أن الرسول ﷺ نضح من بول الغلام) والنضح دليل على النجاسة، لكنها نجاسة مخففة، وأما بول الجارية فأمر بغسله؛ لأنها نجاسة مغلظة. وهناك دليل ثالث: وهو حديث (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) وهناك رواية أخرى في سنن أبي داود بسند صحيح قال: (لم يستتر من بوله)، فالعذاب إما لأنه لم يستر عورته وقد قال النبي ﷺ لرجل: (استر عورتك قال: أرأيت أحدنا يكون وحده، قال: الله أحق أن تستحي منه) فلا يمنع ذلك أن يعذب من أجل أنه لم يستنزه من بوله أو لم يستتر، ولا يمنع أن يكون العقاب مرتباً على العلتين. والدليل على ذلك: القياس الجلي أو قياس الأولى، فإذا ثبتت بالدليل نجاسة البول فمن باب أولى نجاسة الغائط؛ لأنه أغلظ نجاسة. الدليل الثاني: الحديث الذي فيه: (نهى أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار إلا بثلاث). والأوضح من ذلك: حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ أمره أن يأتي له بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هي رجس)، والخلاصة: أن بول الآدمي وغائطه نجس. يبقى لنا الكلام على الدم وعلى المني ونرجئ الكلام على الدم والمني؛ لأن فيهما شبهاً قوية جداً، وسأفرد لهما باباً حتى ننهي المسألة نهاية تامة كما هو عملنا في كل مسألة، وذلك بأن نأتي بقول الموافق والمخالف والرد على المنازع وبيان هذه المسائل، لا سيما وأن المتنازعين ليس عندهم دليل يترنمون به وتظهر كلمتهم فوق السطح إلا الإجماع، وسنبين لهم أنه لا إجماع في المسألة.

стр. 95

حكم الودي والمذي أما المذي والودي: فالمذي نجس بالاتفاق، ودليل ذلك حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (قال: كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ عن المذي) وفي رواية أخرى قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري) يعني: اجتهد علي فكان يغتسل حتى تشقق ظهره، ففي هذه الرواية: أن علياً بن أبي طالب هو الذي سأل النبي ﷺ ، وفي الرواية الأولى أنه استحى، فأمر المقداد أن يسأل ويأتيه بالجواب، وهناك رواية ثالثة: أن غيرهما سأل النبي ﷺ ، والجمع بين سؤال علي وأمره للمقداد: أن علياً ﵁ أراد التأكد فسأل بنفسه، فأجابه النبي ﷺ . وخلاصة الكلام: أن الرسول ﷺ أجابه بقوله: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وسيأتي التفصيل في مسألة: هل غسل المذاكير على الوجوب أم ليس على الوجوب؟ لكن نحن الآن في صدد الكلام على الدلالة على النجاسة وهي أن النبي ﷺ قال: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وقال النبي ﷺ : (منه الوضوء)، فدل ذلك على أنه من النواقض وأنه نجس. والمذي: سائل أبيض رقيق يأتي للرجل القوي الشهوة أو عند المداعبة أو الملاطفة مع الزوجة، والودي ثخين مكدر، يعني: ليس أبيض، وهو يخرج بعد البول أو بعد مشقة عمل معين، وهو نجس؛ لأن مخرجه مخرج البول فهذا من النظر. وأما من الأثر: فقد ورد بسند صحيح عن ابن عمر وعن ابن عباس أنهما قالا: الودي نجس.

стр. 96

حكم رطوبة فرج المرأة أما مسألة رطوبة فرج المرأة، فمعلوم أن المرأة لو جلست على ركبتيها فإنها تنزل منها الرطوبة، وعند بعضهن تنزل الرطوبة بكثرة، ورطوبة فرج المرأة كثيراً ما تحدث لكل امرأة. ولقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول الجماهير من أهل العلم، فقد قالوا بنجاسة رطوبة فرج المرأة، واستدلوا على ذلك: بأن المخرج نفس مخرج النجس، وهذا من النظر، أما من الأثر: فرطوبة فرج المرأة نجسة، وذلك أن الصحابة في أول الإسلام كان الرجل منهم إذا جامع أهله فأكسل أي: لم ينزل، فإنه لا غسل عليه، ومنه الوضوء فقط؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الاغتسال من الإنزال، لكن قال النبي ﷺ : (فاغسل ما أصابك منها)، لأنه يبعد أن يجامع الرجل امرأته ولا تنزل الرطوبة، وهذا دليل قوي صراحة على نجاسة رطوبة فرج المرأة. القول الثاني: طهارة رطوبة فرج المرأة، أي السائل الذي ينزل من فرج المرأة، والدليل على ذلك ما استدل به ابن عبد البر كما نقله الحافظ في الفتح: وهو حديث عائشة أنها قالت: (يصيب المني ثوب النبي ﷺ فإن كان يابساً أفركه وإن كان رطباً أنضحه)، قالوا: وهذا دليل على أن رطوبة فرج المرأة طاهرة وليست بنجسة، والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنه يصعب أن يجامع الرجل أهله ويصيب ثوبه المني إلا وقد أصابت ثوبه أيضاً رطوبة فرج المرأة، وهذا معهود بين المتزوجين، فيكون ثوب الرسول ﷺ قد أصابه المني وأصابه رطوبة فرج المرأة، فلما فركت المني فركت أيضاً ما أصاب الثوب من الرطوبة، والفرك ليس مطهراً، إذ لا بد من الماء، فهذا دليل على طهارة المني وطهارة رطوبة فرج المرأة. وهي دلالة ظاهرة جداً، لا سيما وأن الأصل في هذه الأمور الطهارة ما لم يدل الدليل على النجاسة فنقول: قول النبي ﵌: (اغسل ما أصابك منها)، معناه: اغسل ما أصابك منها استحباباً وليس وجوباً؛ لأن عائشة كانت تفركها ولم تكن تغسلها، والأصل الطهارة ولم يدل دليل قاطع ولا حتى دليل ظني على نجاسة رطوبة فرج المرأة. إذاً: الصحيح الراجح: أن رطوبة فرج المرأة على الطهارة وليست على النجاسة، ولكن هناك أمر مهم جداً بالنسبة للنساء وهو إن قلنا: إنها على الطهارة فهل تتوضأ منها أم لا؟ الصحيح: أنها تتوضأ منها؛ لأنه لا يلزم من النواقض أن تكون نجسة وإلا فالريح طاهر، ومع ذلك فإن منه الوضوء، قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، قالوا لـ أبي هريرة: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط). إذاً: فرطوبة فرج المرأة تنقض طهارتها، ولكن ليست بنجسة، وثمرة ذلك: أنها لا تكلف بأن تغسل المحل إن شعرت برطوبة الفرج، بل لها أن تتوضأ فقط. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 97

شرح متن أبي شجاع - ما يحرم استعماله من الأواني وما يجوز يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني، وقد اختلف الفقهاء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كما اختلفوا في استعمال الإناء المضبب بالذهب والمطلي به.

стр. 98

أحكام استعمال أواني الذهب والفضة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ولا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني]. بعدما بين المصنف مسألة استخدام الجلود كقرب السقاية، تكلم عن الأواني التي يستعملها الناس، وقسمها إلى قسمين: قسم ممنوع، وقسم جائز مباح. فأواني الذهب والفضة لها حالات ثلاث: الحالة الأولى: استعمالها في الطعام والشراب خاصة. الحالة الثانية: استعمالها مطلقاً لغير الطعام والشراب، كمفتاح، كسلسلة، كآنية فخار يجمل بها البيت. الحالة الثالثة: استعمالها للقنية (كنز) يعني: يستخدمونها عند الحاجة، فيبيعونها ويستفيدون من ثمنها.

стр. 99

حكم استعمالها في الطعام والشراب الأول: استعمالها في الطعام والشراب، ففي المذهب قولان، ومعنى في المذهب قولان: أنه يوجد قول قديم وقول جديد، وإذا قيل: في المسألة وجهان، فالمعنى: أن كبار الأصحاب يخرجون على قول الشافعي، يعني: ينظرون في أصول الشافعي ويخرجون عليها الوجوه. إذاً: يوجد قولان في المذهب في حكم استعمال آنية الذهب والفضة في الطعام والشراب: القول الأول: الكراهة، مع أن الشافعي أصل في الرسالة: أن الأصل في النهي التحريم، قالوا: نحن نقول بالكراهة لوجود الصارف الذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة وهو العلة، فإن العلة هي: الترف والخيلاء أو التشبه بالأعاجم، وهذا كلام ليس بوجيه. القول الثاني في المذهب وهو القول الراجح الذي رجحه المحققون: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من الأثر والنظر. أما من الأثر: ففي الصحيحين عن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة). واستدلوا أيضاً بحديث مسلم عن أم سلمة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهذا وعيد أكيد شديد عن النبي ﷺ يبين أن هذه الفعلة من الكبائر. ومن النظر قالوا: فيه الترف والخيلاء، وهو محرم عموماً، وفيه كسر قلوب الفقراء أيضاً، وأصول الشريعة تأبى ذلك. وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يجوز الأكل أو الشرب في آنية الذهب والفضة، ومن فعل ذلك فهو آثم، وعدوا هذه الفعلة من الكبائر، فالذي يأكل بملعقة من الذهب، أو بملعقة من الفضة، فقد أتى كبيرة، وهذه الكبيرة تسقط بها عدالته، ويفسق بها، واستدلوا على أنها كبيرة: بقول النبي ﷺ : (كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، ووجه الشاهد: أن هذا الوعيد الشديد بأنه يستحق ناراً تلظى يدل على أنها من الكبائر؛ لأن العلماء ضبطوا الكبائر بضوابط منها: نفي الإيمان أو إثبات العقاب أو النار أو الحد. وخالف الجماهير أهل الظاهر في حرمة الأكل فيهما، واتفقوا مع الجماهير على حرمة الشراب من آنية الذهب والفضة؛ لأنهم يأخذون بالنصوص فقط، ولم يبلغهم حديث حذيفة الذي فيه: (ولا تأكلوا من صحافها)، فأخذوا بظاهر حديث أم سلمة الذي لم يذكر فيه الأكل، وإنما ذكر فيه الشراب؛ فلذلك قالوا: يجوز الأكل فيهما دون الشراب. وهم محجوجون بالأثر وبالنظر، أما بالأثر: فحديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: (ولا تأكلوا من صحافها)، وبالأثر نقول: إذا حرم الشراب فالأكل من باب أولى إلا إذا دل الدليل على التخصيص، فالأكل أشد من الشرب، إلا فيما خصه الدليل كحديث: (رأى النبي ﷺ رجلاً يشرب قائماً فقال: أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه الشيطان)، لكن خص الدليل الأكل بجوازه قائماً؛ وذلك أن ابن عمر قال: كنا نأكل ونحن نمشي، وأنس أخذ بالأصل، فعندما سألوه عن الأكل قائماً قال: الطعام أشد منه، فـ أنس أخذ على التأصيل العام، لكن ابن عمر نقل عن الصحابة أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، وأقرهم النبي ﷺ .

стр. 100

حكم استعمالها في غير الطعام والشراب الثاني: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الشراب والطعام، مثل رجل عنده طبق ذهب أخذه جائزة على السباق، وكتب اسمه عليه، وكتبت مهارته، وأراد أن يفتخر به ويعلقه على الحائط، أو مثل بعض الناس الذين يجعلون نجفة من ذهب فيعلقونها في السقف، أو يزينون الغرفة بسلاسل فضة، أو يجعل المفتاح من ذهب أو فضة أو الميدالية التي تعلق في المفتاح. فهذا كله يدخل في باب الاستعمال، فهل نقول: التحريم يتعدى إلى هذا الاستعمال، ونضيق عليه ونقول: هذا لا يجوز، أم يحل؟ في المذهب: التحريم أصالة في الشراب والطعام، ويتعدى التحريم مطلقاً إلى استعمال الذهب والفضة كمفتاح أو ميدالية أو سلسلة، أو كزينة في الباب، أو زينة في الحائط، ولو استعمل هذه الآنية من الذهب أو من الفضة كزينة فقد وقع في الإثم، بل وقع في كبيرة تسقط بها عدالته. وأدلتهم على ذلك هي نفس الآثار التي استدلوا بها على تحريم الشراب والطعام في الآنية من الذهب والفضة، لكن من وجوه نظرية، قالوا: الوجه الأول: يقول النبي ﷺ : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، فقوله: إنها لهم في الدنيا، أي: للكفار في الدنيا عموماً يستخدمونها ويستعملونها استعمالاً مطلقاً في الطعام والشراب واللباس وغير ذلك، وهذا استنباط دقيق جداً. وبالمقابل قال: (ولكم في الآخرة)، وهذه دلالة على عموم الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:١٩ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣]. إذاً: قال: (ولكم في الآخرة) يعني: كما أنها لهم في الدنيا على العموم، فهي لكم في الآخرة على العموم، وهذا يدل على حرمة الاستعمال في أي شيء دلالة على أن المسألة تعم ولا يختص النهي بالطعام والشراب. الوجه الثاني: حرم النبي ﷺ الطعام والشراب في آنية الذهب والفضة، وهم يحتاجون إلى الطعام والشراب، فمنعهم مما لهم فيه حاجة، فلأن يمنعهم مما لا حاجة لهم فيه من باب أولى. وجه ثالث -وهذا فيه نظر- قالوا: العلة في المنع من استخدام آنية الذهب والفضة في الشراب والطعام الترف والخيلاء، لكن هذه العلة موجودة في الزينة في البيت، والزينة في الباب، والزينة في السيارة. والقاعدة عند العلماء أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والأصل في هذه الزينة الإباحة والجواز. هذه أدلة ثلاثة استدل بها الشافعية على تحريم الاستعمال لأواني الذهب والفضة مطلقاً، ووافقهم كثير من المالكية والحنابلة، وخالف في ذلك الظاهرية والأحناف وبعض الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قالوا: الأصل في كل شيء الإباحة، لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، قالوا: فالأصل إذاً في استعمال أواني الذهب والفضة الإباحة إلا ما خصه الدليل، وقد دل الدليل على تحريم الشراب والطعام فيها فقط، فنقف عند الدليل. الدليل الثاني: قالوا: كلام النبي ﷺ ظاهر، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلام، فخص التحريم بالشراب والطعام، ولو كان التحريم يتعدى لغيره لبينه النبي ﷺ ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. الدليل الثالث: قالوا: أم سلمة التي روت أن النبي ﷺ حرم الشرب في آنية الذهب أو الفضة كان عندها جلجل -كأنه قارورة صغيرة- من فضة، جعلت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ كانت تتبرك بها، قالوا: والراوي أعلم بما روى، فلو كان الاستعمال يحرم في غير الشراب والطعام لامتنعت أم سلمة من هذا الفعل، وهذا الدليل من القوة بمكان، لأن أم سلمة هي راوية الحديث، والراوي أعلم بما روى، والأسلم الخروج من الخلاف؛ لأن القاعدة عند العلماء: الخروج من الخلاف مستحب، لكني أميل لقول الجمهور، لأن هذا هو الأسلم، وأدلته ظاهرة، لا سيما قول النبي ﷺ : (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وهذا عموم، وأيضاً: لما فيه من الترف والخيلاء، والرد على دليل المخالف بأن الأصل في الأشياء الإباحة أن نقول: نعم الأصل الإباحة إلا أن يأتي دليل ينقلنا من الأصل إلى غيره، وقد جاء الناقل الذي ينقلنا من الإباحة إلى عدم الإباحة وهو القياس الجلي، وهو ناقل قوي جداً؛ لأن العلماء يرون أن القياس الجلي مثل النص، وكأنه يقول: هذا أولى بالاعتبار، خلافاً للظاهرية، فهم لا يقولون: بقياس الأولى ولا بأي قياس، ولذلك ابن حزم يقول: لا يجوز للمرء أن يقول لأمه: أف، أما ضربها فإنه لا يدخل عنده في نص الآية: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، وهذا جمود عند النص لا يليق بالعلماء الذين يغوصون في المعاني. إذاً: قياس الأولى ناقل من الإباحة، فلا حجة لهم في هذا. أما دليلهم الثاني بأن النبي ﷺ لو أراد أن يحرم كل الاستعمالات لذكر ذلك للناس، فنقول: النبي ﷺ أصل لنا أصولاً عامة، وقعد قواعد كلية تبين لنا أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، والنبي ﷺ يترك بيان بعض الأحكام حتى يصل إليها المجتهد فيصيب فيكون له أجران، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] أي: أولي العلم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣]، وقال النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران)، فالنبي ﷺ ترك بيان ذلك للعلماء المجتهدين، ثم التأصيل العام لا يفرق بين المتماثلين، وأيضاً النبي ﷺ قد علق الحكم بوصف، وتعليق الحكم بوصف يشير إلى أنه إذا وجد هذا الوصف فلا بد أن يوجد الحكم، فهو قال: (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، أيضاً: هذا الحكم معلل بأنه من الترف والخيلاء، أما دليلهم الثالث فهو من القوة بمكان، لأن أم سلمة أعلم بما روت، لكن يمكن أن يرد عليه من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن اللفظة حرفت على الراوي، كانت (من قصة) فحرفها (من فضة)، لكن هذا الكلام غير مرضي، لأنه لا بد في إثباته من دليل. - الوجه الثاني: قالوا: هذا اجتهاد من أم سلمة، وقد صادم عموم قول النبي ﷺ (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، فنأخذ بعموم قول النبي ﷺ ، وهذا الرد ليس قوياً؛ لأن أم سلمة خصصت هذا العموم بفعلها، وهي أفهم بما قال النبي ﷺ . الوجه الثالث: وهو أولى الإجابات، أن هذا الجلجل كان مموهاً بفضة، وليس هو فضة، وهذا فيه إحسان الظن بـ أم سلمة ﵂ وأرضاها؛ لأنها الذي روت الحديث، والذي قال: كان لها جلجل من فضة هو الراوي، وليس من كلام أم سلمة، فقد يدخل الاحتمال على الراوي، فـ أم سلمة ما قالت: استعملت الفضة، بل الراوي عنها قال: كان عندها جلجل من فضة، فيحتمل أنه رآه وهو مموه بالفضة فحسبه من الفضة. فإن قيل: ما الذي جعلكم تقولون بهذا الاحتمال؟ قلنا: الأدلة القوية الصريحة الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وأيضاً حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها. والحق أن هذا الخلاف له حظ من النظر، وقول الجمهور أسلم وأحوط، فالذي يدل عليه ظاهر الأدلة هو تحريم استعمال الذهب والفضة مطلقاً، فلا يستعملها الإنسان في زينة كتعليق السلاسل، أو تعليق الطبق من فضة أو من ذهب، ولا يجعل المفتاح من ذهب أو من فضة، فلا يجوز ذلك بحال من الأحوال إلا ما خصه الدليل، وهو للنساء بالذهب والفضة عموماً وإطلاقاً، وتحلي الرجل بخاتم الفضة فقط، فلا يلبس حزام فضة أو أسورة فضة؛ لأن الدليل أباح الخاتم فقط، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس، فالأصل العام حرمة استعمال الذهب والفضة مطلقاً كما رجحنا، وخرج عن ذلك للرجل الخاتم من فضة فقط، فنقف كما أوقفنا النبي ﷺ . وأيضاً: تزين الرجل بالفضة مطلقاً من باب التشبه بالنساء، ولعن الله الرجال المتشبهين بالنساء.

стр. 101

حكم استعمالها ككنز الثالث: استعمال الذهب والفضة ككنز، وإذا احتاج إلى المال يبيعه، فهذا يجوز بشرط وقيد، وهو أن يكون كنزاً مباحاً لا كنز محرماً، وإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول أخرج زكاته.

стр. 102

حكم تضبيب الإناء بالذهب والفضة هل يحل استعمال ما ضبب بشيء من الذهب والفضة، مثلاً: كسر إناء من معدن أو من نحاس، فضببه بالفضة أو بالذهب يعني: جعل فيه جزءاً من الذهب أو من الفضة ليصلح الكسر، فإن كان من الذهب فلا يجوز قولاً واحداً في المذهب، وإن كان من الفضة فيجوز، والأصل هو المنع في الذهب والفضة، لكن جاء دليل يخص الفضة فقط، وهو حديث أنس ﵁ وأرضاه قال: (انكسر قدح النبي ﷺ فجعل فيه سلسلة من فضة) فهذا يدل على أن تضبيب الإناء بالفضة يباح، والذهب لم يأت الدليل على جواز التضبيب به، فيبقى على الأصل، وهو التحريم. إذاً نقول: إذا ضبب الإناء المكسور بالذهب فهو حرام قولاً واحداً، وإذا ضببه بالفضة فله أحوال: الحالة الأولى: أن يفعل ذلك لا لحاجة. الحالة الثانية: أن يفعل ذلك لحاجة، والفضة قليلة جداً. الحالة الثالثة: أن يفعل ذلك لحاجة والفضة كثيرة. فحكم الحالة الأولى: فيها قولان في المذهب: القول الأول: كراهة استعمالها، والقول الثاني: وهو الراجح الصحيح: التحريم؛ لأنه قد يجعل نصف الإناء من فضة ويخالف نهي النبي ﷺ وهو: (الذي يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). الحالة الثانية: أن يكون لحاجة وقليل، فهذا يباح للحاجة: ومعنى الحاجة أن غيره قد يغني عنه، فإناء الزجاج يغني عنه، لكن يحتاج إليه الناس، فأباح الشرع من أجل حاجة الناس أن يضبب الإناء المكسور بالفضة. إذاً: إن كان قليلاً لحاجة جاز، والدليل على ذلك حديث أنس ﵁ وأرضاه: (انكسر قدح النبي ﷺ فجعل له سلسلة من فضة). الحالة الثالثة: أن تكون الضبة كبيرة للحاجة، فهذا لا يجوز، وبعض الشافعية قال بالكراهة، والصحيح أنه لا يجوز. إذاً: يجوز استخدام الفضة فقط في التضبيب للحاجة، وأما للضرورة فيجوز استعمال الذهب والفضة، والدليل على ذلك حديث عرفجة بن أسد ﵁ وأرضاه حينما قطعت أنفه في المعركة، فصنع له أنفاً من فضة فكانت له رائحة منتنة، فأمره النبي ﷺ أن يصنع له أنفاً من ذهب فصنع له أنفاً من ذهب. فالضرورات تبيح المحظورات، لكن إذا جاء ما يغني عنها فلا يجوز استعمالها، فمثلاً الآن الأسنان اللبنية تغني عن الذهب والفضة، فلا يجوز تركيب الأسنان الذهبية؛ لأنه يمكنه الاستغناء عنها بالمباح. إذاً: يباح استعمال الفضة للحاجة إن كانت قليلة، ويباح استعمال الذهب والفضة عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.

стр. 103

حكم المموه بماء الذهب بعض الأشياء قد يطليها الناس بماء الذهب مثل النظارات والساعات، فما حكم المطلي بماء الذهب؟ المطلي بماء الذهب له حالات: الحالة الأولى: إذا مررنا به على النار انفصل منه جرم الذهب وظهر، فيحرم هذا ولو كان قليلاً. الحالة الثانية: إذا مررنا به على النار لا ينفصل منه شيء، فهذا يجوز؛ لأنه غير مستقل بل تابع، والقاعدة عند العلماء: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل؛ ولهذا فإن بيع ما لا يرى غرر لا يجوز، لكن يغتفر في التوابع وإن لم يرها المشتري، مثل أن تشتري جاكتاً محشواً بالقطن، فهذا القطن أنت لا تراه، لكنه تابع، فيجوز شراؤه، ومثل جواز شراء الدار مع عدم معرفة أساسها؛ لأن الأساس تابع. إذاً: المطلي بماء الذهب حكمه فيه تفصيل: إن كان لا ينفصل منه شيء بعرضه على النار فيصح استعماله؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وإن انفصل منه شيء حرم استعماله.

стр. 104

علة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة اختلف العلماء في علة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، والراجح: أن العلة: الترف والخيلاء. والثمرة التي نستفيدها من معرفة أن العلة هي الترف والخيلاء: إمكانية القياس، فلو طلي الذهب والفضة بالقطران أو بالنحاس أو بأي معدن آخر، فالرائي عندما يراه فسيظنه قطراناً أو نحاساً، ولا يقال: هذا الرجل واقع في مخيلة، ولن يكسر قلوب الفقراء بذلك، فإذا كانت العلة في الذهب الترف والخيلاء ولو طلاه بمعدن آخر فيجوز استعماله على أن العلة الترف والخيلاء، ولو كانت العلة الذهب والفضة نفسها ولو غير شكلها بطين أو بفخار أو بنحاس فلا يجوز استعماله؛ لأنه في الحقيقة ذهب وفضة، والأولى أن نقول: إن أغلب الأحكام معللة، والتعليل هنا هو من أجل الترف والخيلاء، فإن انتفى الترف والخيلاء انتفى الحكم.

стр. 105

حكم الوضوء من إناء الذهب اختلف العلماء في حكم صلاة من توضأ بماء كان في إناء ذهب، فالحنابلة يرون أن صلاته باطلة، والجمهور يقولون: صلاته صحيحة، وهذا الاستعمال محرم، لكن هذا الاستعمال غير مؤثر في العبادة، والنهي لا يقتضي الفساد إلا أن يكون النهي منصباً على ذات الفعل، أو منصباً على وصف ملازم للفعل، وهنا النهي يعود إلى جهة منفكة؛ لأن الوضوء لا يشترط فيه أن يكون من إناء، فنقول: قد استعمل الإناء الذي من الذهب استعمالاً محرماً يأثم عليه، ولكن وضوءه كان وضوءً صحيحاً، فتصح صلاته، أما أكثر الحنابلة فيقولون: الوضوء باطل والصلاة باطلة، قالوا: لأنه استعمل إناء الذهب استعمالاً محرماً، ومطلق النهي يقتضي الفساد، فنقول لهم: هذا النهي لا يقتضي الفساد؛ لأن النهي هنا ليس عن ذات الشيء، ولا عن وصف ملازم للشيء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 106

شرح متن أبي شجاع - استعمال آلة السواك السواك من سنن الفطرة، وقد حث النبي ﵊ عليه، ويتأكد استحبابه عند القيام إلى الصلاة وعند القيام من النوم، وعند تغير الفم، وللسواك آداب ينبغي مراعاتها.

стр. 107

الحث على طلب العلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ففي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم -وفي رواية: لم يُبْق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)،وقد كان ابن عباس ﵁ وأرضاه بحراً في العلوم والتفسير والفرائض، وكان يجل زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، فقد وقف على قبر زيد وبكى كثيراً وقال: اليوم دفن علم كثير، ثم قال: أيها الناس! إن أردتم أن تعلموا كيف يذهب العلم، فهكذا يذهب العلم. بمعنى: أنه إذا مات العلماء ذهب العلم مع العلماء، لا سيما إذا لم يخلفوا بعدهم طلبة يأخذون العلم من أفواههم، ويجثون على الركب، ويصبرون على هذا العلم فينشرونه بين الناس، فإن الدنيا تؤذن بخراب إذا مات العلماء، قال النبي ﷺ : (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من الذين يعلمون ويعملون وينشرون دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها. والحرص على الطلب هو دأب السلف، فقد كان وكيع بن الجراح إذا نزل مكة تركوا كل المجالس حتى يذهبوا إلى مجلس وكيع، حرصاً منهم على الطلب، وكانوا يعرفون للعلم عظمته، ويعرفون لمن يحمل العلم حقه، فكانوا يجلسون بهيبة ووقار وسكينة حتى يعظموا حديث النبي ﷺ ، فيرفع قدرهم عند الله جل في علاه، ويعظم العلم في أعين الناس. وعبد الرحمن بن مهدي له على الدنيا منة ليست بعدها منة؛ لأنه الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، فكتب له هذه الرسالة الممتعة في أصول الفقه. وقد كان يجلس عبد الرحمن بن مهدي في مجلس التحديث فكان إذا سمع صوتاً قال: لا أحدثكم؛ تعظيماً لحديث النبي ﷺ ، وفي ذات مرة كان يحدث فوجد طالباً للعلم يكتب الحديث وهو يبتسم، فقال: تضحك وأنا أحدثك عن رسول الله ﷺ ؟ لا أحدثكم شهراً، وامتنع عن التحديث شهراً كاملاً حتى يعلم طلبة العلم كيف يعظمون حديث النبي ﷺ ، لأنهم إذا عظموه في قلوبهم عظم عند الناس.

стр. 108

فضل السواك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والسواك مستحب في كل حال إلا بعد الزوال للصائم، وهو في ثلاثة مواضع أشد استحباباً: أولاً: عند تغيير الفم من أزم ونحوه، ثانياً: وعند القيام من النوم. ثالثاً وعند القيام إلى الصلاة]. السواك لغة: يطلق على الآلة ويطلق على الفعل، فالسواك بمعنى: الدلك، وهو تحريك الآلة على اللسان والأسنان وما حول ذلك. ويطلق أيضاً على الآلة، مثل عود الأراك أو المنديل أو الإصبع عند من يصحح الحديث الوارد في ذلك، وهو ضعيف كما سنبين. أما شرعاً: فهو دلك الأسنان وما حولها بعود الأراك ونحوه. والسواك من سنن الفطرة، وقد صح عن نبينا ﷺ قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن تسقط أسناني)، أو كما قال ﷺ ، وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على رسول الله في مرض موته وهو على حجري، وفي يده سواك يستن به، فأبد النبي ﷺ بصره إلى السواك) يريد السواك وهو على فراش الموت، فهذه إشارة عظيمه جداً لفضل السواك، فمد بصره إلى السواك ففهمت وفطنت عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ يريد السواك فأخذته من عبد الرحمن بن أبي بكر ثم لينته لرسول الله ﷺ فاستخدمه رسول الله ﷺ ثم فاضت روحه بأبي هو وأمي. والسواك له فضل عظيم، فقد علق البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (السواك مرضاة للرب مطهرة للفم)، ووصله أحمد بسند صحيح.

стр. 109

حكم السواك وحكم السواك في المذهب الاستحباب، والمستحب عند الفقهاء: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. وقد قال بوجوب السواك داود الظاهري ونسب ذلك لـ إسحاق ابن رهويه. إذاً: فالشافعية يرون استحباب السواك، ودليلهم من الأثر: الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)، فامتنع النبي ﷺ أن يأمر الأمة به وجوباً لوجود المشقة، فلذلك الشافعي يستدل بهذا الحديث على أن ظاهر الأمر الوجوب، قال: لو كان واجباً لأمرهم به سواء شق أم لم يشق. وورد الأمر به في بعض الأحاديث المرسلة وأسانيدها ضعيفة لكن لها شواهد تقويها، مثل (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم) وأيضاً علق البخاري كما بينا عن عائشة ﵂ وأرضاه أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، هذا بالنسبة للأثر القولي. أما الأثر الفعلي: فديمومة فعل النبي ﷺ ، والأصل في الفعل عند الأصوليين أنه يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب، ودليلهم: أنه عندما صلى بهم التراويح ثم امتنع قال: (خشيت أن تفرض عليكم) فهذا فيه دلالة على أن الأصل في الفعل الاستحباب، وهكذا كان النبي ﷺ لا يترك السواك، حتى إنه في مرض موته كان يهتم بأن يستعمل السواك، وهذا فيه دلالة على استحباب السواك. أما النظر: فإن صاحب الهمة العالية يحب أن يصل إلى الكمالات وهو في أحسن هيئة، وفي أحسن مقام، وعندما يقابل السلاطين، أو الملوك، أو يقابل من يحب، أو يقابل من يعظم يكون في أحسن هيئة، وهذا يكون بالسواك، فالسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب جل في علاه.

стр. 110

أوقات استحباب السواك يستحب استعمال السواك في كل الأوقات، لكن هناك أوقات يتأكد فيها استحباب استعمال السواك، من هذه الأوقات: عندما يقوم إلى الصلاة، فقبل أن يكبر للإحرام يتسوك. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل السواك، وطلبة العلم والفقهاء لا يستعملون السواك! فيا حسرة على العباد! ويتأكد السواك عند الصلاة، وقد أمر النبي ﷺ الصحابة الكرام بالسواك فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، وفي السنن: أن بعض الصحابة يجعل السواك على الأذن موضع القلم، فكانوا لا يدخلون إلى الصلاة إلا ومعهم السواك حرصاً على هذه السنة النبوية، والسواك يدخل في عموم قول الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]، والإنسان إذا زار عظيماً يحب أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة استخدام السواك، فالإنسان إذا قام يصلي أمام ربه قام مقاماً عظيماً، فلا بد أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة أن يستخدم السواك، وابن دقيق العيد رحمة الله عليه قال: ولعل أمر النبي باستخدام السواك في الصلاة لأن المصلي يقرأ القرآن ويقترب منه الملك؛ ولذلك كان النبي ﷺ ينهى أن يبصق عن يمينه أو قبل وجه. إذاً: أول الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: الصلاة. الوقت الثاني الذي يتأكد فيه استحباب السواك: عند الوضوء، قال العلماء: محله عند التسمية، وقال بعضهم: محله بعد غسل اليدين، فيستعمل السواك ثم يعقبه بعد ذلك غسل الفم، والأمر واسع. قال النبي ﷺ كما في السنن: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وهذا تصريح باستحباب السواك عند الوضوء. الوقت الثالث الذي يتأكد فيه استحباب السواك: بعد القيام من النوم، أو بعد الطعام، أو بعد طول سكوت، أو بعد كثرة كلام؛ لأن هذه كلها تقتضي تغير الفم، وفي حديث عائشة ﵂ وأرضاها قال النبي ﷺ (السواك مطهرة للفم). وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: (دخلت على النبي ﷺ والسواك على طرف لسانه)، وفيه دلالة -كما قال الحافظ ابن حجر - على أن السواك لا يقتصر استخدامه على الأسنان بل حتى على اللثة وعلى اللسان، قال: (دخلت على النبي ﷺ فوجدت السواك على طرف لسانه يستاك به كأنه يتهوع يقول: أع، أع). وفي الصحيح عن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، لأن النوم يقتضي تغير الفم، وكذلك إذا أكل أو طال سكوته أو كثر كلامه فهذا كله يغير رائحة الفم، وهذه سنة نبوية لا بد للإنسان أن يعمل بها، وسأسأل طلبة العلم: هل منكم من يجهز سواكه بجانبه عند النوم ثم عندما يستيقظ يستخدم السواك؟ هذه سنة نبوية إن فعلت ذلك تعبداً أجرت عليه، وأيضاً أنت ترضي ربك، وتطهر فمك. وقد كان النبي ﷺ لا يترك هذه السنة قط، حتى إنه لم يترك السواك عند موته. ومن الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند دخول البيت، فشرعنا ما ترك شيئاً أبداً، ولنعم هذا الشرع، فمن محاسن شرعنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وكان النبي ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله)، وسئلت عائشة ﵂ وأرضاها ما كان أول ما يبتدئ به الرسول ﷺ عند دخوله البيت؟ قالت: (كان يتسوك) والسواك له حكم عظيمة، فالرائحة الطيبة تجذب المرأة، فالسواك يزيد الألفة بين الرجل والمرأة، والرائحة الكريهة تؤدي إلى النفرة بين الرجل وبين امرأته، وقد كان النبي ﷺ حريصاً جداً ألا تشم منه إلا رائحة طيبة، ولما أرادت عائشة أن تكيد للنبي ﷺ ليترك الجلوس عند زينب بعد العصر، حيث كان يشرب عندها عسلاً، قالت: يا رسول الله! أجد منك ريح مغافير! فحرم على نفسه شرب ذلك العسل، فعاتبه الله. فكان النبي ﷺ يحب أن تشم منه الرائحة الطيبة، وهذا دأب الصالحين، والنبي ﵊ قبل أن يكون صاحباً للبشر، فإنه صاحب لجبريل ﵇ الذي يأتيه كثيراً. أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند قراءة القرآن، والقرآن أفضل الذكر، وغذاء الروح هو ذكر الله جل في علاه، قال النبي ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، فاقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف منه حسنة، ولا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، وإذا قرأ المرء القرآن أتى الملك فاقترب من قارئ القرآن، ويا لها من فضيلة! يقترب منه حتى يضع فاه على فم القارئ، فينبغي ويتأكد أن تكون رائحة فم القارئ طيبة؛ لأن الملك يضع فاه على في ابن آدم، وفي الحديث: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم). أيضاً من المواضع التي يستحب فيها السواك: عند اجتماع الناس، فعندما يكون الصاحب قريباً من صاحبه يتكلمان فإن كانت الرائحة طيبة انشرح الصدر، وإن لم تكن طيبة نفر من كان بجانبه أو تأذى بذلك. أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند الاحتضار، كما فعل النبي ﷺ وهو على حجر عائشة حيث طلب السواك فاستاك ﷺ ، والإمام الخطيب الشربيني ذكر فوائد كثيرة جداً للسواك عند الاحتضار، منها أنه يسهل خروج الروح، ويثبت الجنان، ويذكر بلا إله إلا الله، ولا طائل تحت هذه الكلمات، ونحن دائماً ندور مع الأثر حيث دار، ويكفينا الاتساء بفعل النبي ﷺ حيث استاك عند الاحتضار، فيستحب للمحتضر أن يتسوك أو يسوكه من كان قائماً عليه. ٥)] حكم السواك بعد الزوال للصائم:- عند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك، وهو بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول النبي ﷺ : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه. واستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب: [يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال]. واستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به. واستدلوا أيضاً من ناحية النظر بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد ورد في الشرع أن أثر العبادة يكره إزالته، ولذا النبي ﷺ بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على أن أثر العبادة يكره إزالته، وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير، الجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي وابن عبد السلام والمزني، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) يدخل منه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال النبي ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أو بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً استدلوا بحدث ضعيف عن عمر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي ﷺ يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة. والشافعية اعتمدوا على الكراهة بحديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم. الوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، فالسواك يزيل هذه الرائحة.
следующие страницы →