← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37691

الحديث في علوم القرآن والحديث

حسن أيوب

Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدّمة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي هو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، له الخلق والأمر، وبيده التدبير والتكوين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن البعث حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأنه تعالى له الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير. وبعد: فهذه بحوث وعلوم خاصة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أردت تقديمها سهلة ميسرة لأبناء عصري، مساهمة مني في إبراز هذه الجواهر النفيسة، واللآلئ المضيئة، راجيا أن يفيدوا منها، ويتجملوا بجمالها وكمالها وجلالها؛ لأنها أنوار مقتبسة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ولأنها مع جلالها لا يهتم بها إلا القليل من طلبة العلوم الشرعية، ولا يعمل بها إلا الحريصون على اتباع السنة المحمدية، لذلك أسأل الله تعالى أن يشرح صدور الكثيرين لدراستها وتدريسها، وأن يوفق الجميع لفهمها والعمل بها وهو تعالى سميع مجيب. وقد سميت هذا الكتاب الجامع لأهم علوم القرآن والسنة «الحديث في علوم القرآن والحديث» والله ولي التوفيق. المؤلف حسن أيّوب

стр. 2

علوم القرآن القرآن الكريم: هو الكلام المعجز المنزل على النبي محمد ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته. هذا التعريف جمع الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن الكريم، وإن كان قد امتاز بكثير سواها كما قال الزرقاني. والمراد بعلوم القرآن: كل علم يخدم القرآن أو يستند إليه ويؤخذ منه. ويشمل ذلك علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم أسباب النزول، وكل علم يساعد على فهمه كالنحو والصرف والبلاغة، أو يؤرخ لتطور علومه، أو يستنبط من كلماته ومفاهيمه، فهي إذا علوم لا تحصى، وقد توسع السيوطي فيها حتى اعتبر منها علم الهندسة والطب والفلك ونحوها، وتوسع أكثر منه ابن العربي حتى أوصل هذه العلوم إلى خمسين وأربعمائة وسبعة وسبعين ألف علم، وهذا الكلام محمول على ضرب ونوع من التوسع والشطح بحيث يحاول كل عالم أن يأخذ من كلام الله تعالى علوما من كل كلمة من كلماته، ومن كل جملة من جمله، وبذلك يتحول العلماء إلى باحثين في كتاب الله، ومكتشفين من كلماته ظاهرها وباطنها، ونصها ومفهومها وإشاراتها علوما لا حصر لها. ولو أن المسلمين الأولين اشتغلوا بذلك عن الهدف الأساسي الذي أنزل القرآن لأجله، ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من إبراز جمال دين الله وكماله وجلاله، واشتماله على كل ما يحتاج إليه الخلائق لكي يكونوا سعداء في دنياهم، ناجين مقربين إلى الله في أخراهم. إن الهدف الأساسي لكتاب الله تعالى هو هداية الناس ودلالتهم على الطريق الذي ضلوا عنه مع بحثهم الدائم، وشغفهم الكبير للوصول إليه وهو: «طريق السعادة الدائمة» والفوز الحقيقي، والسلام الشامل. وكل ما في القرآن الكريم من أحكام وحكم، وأمثال وعبر، وقصص وعظات، وحجج وبراهين، وأدلة تملأ القلب والعقل نورا، إنما أريد به الهداية إلى هذا الطريق. قال الله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية: ١، ٢]. وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [سورة الأنعام آية: ١٥٥].

стр. 3

وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [سورة النساء آية: ١٠٥]. وقال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [سورة طه آية: ١٢٣ - ١٢٦]. تاريخ علوم القرآن كان الرسول ﷺ وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرفه العلماء وفوق ما عرفه العلماء من بعد. ولكن معارفهم لم توضع على ذلك العهد كفنون مدوّنة ولم تجمع في كتب مؤلفة؛ لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف. أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده، والله تعالى كتب على نفسه ليجمعنه له في صدره، وليطلقن لسانه بقراءته وترتيله، وليميطن له اللثام عن معانيه وأسراره. اقرأ إن شئت قوله سبحانه: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [سورة القيامة آية: ١٦ - ١٩]. ثمّ بلّغ الرسول ﷺ ما أنزل عليه لأصحابه، وقرأه على الناس على مكث أي: على مهل وتؤدة، ليحسنوا أخذه، ويحفظوا لفظه، ويفهموا سره، ثم شرح الرسول ﷺ لهم القرآن بقوله، وبعمله، وبتقريره، وبخلقه: أي بسنته الجامعة لأقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، مصداقا لقوله سبحانه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل آية: ٤٤]. وكان الصحابة وقتئذ عربا خلّصا، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم، وكثرة الفنون. وكان الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أميين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم، والرسول ﷺ نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب

стр. 4

عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه، مادام الوحي نازلا بالقرآن، فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن، كما لم يكتب الحديث الشريف إلا عدد محدود في آخر حياة النبي ﷺ ، ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر. ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن ومفاهيمه، وتعليم السنة ونقلها إلى غيرهم تلقينا لا تدوينا، ومشافهة لا كتابة. عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن ثم جاءت خلافة عثمان ﵁، وقد اتسعت رقعة الإسلام، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من جراء هذا الفتح والاختلاط، بل خيف على القرآن نفسه أن يختلف المسلمون فيه إن لم يجتمعوا على مصحف إمام، فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير. لهذا أمر ﵁ أن يجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا سواها كما يأتيك تفصيله في مبحث «جمع القرآن وكتابته». وبهذا العمل وضع عثمان ﵁ الأساس لما نسميه «علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني». ثم جاء عليّ ﵁ فلاحظ العجمة تحيف على اللغة العربية، وسمع ما أوجس منه خيفة على لسان العرب، فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض قواعد لحماية لغة القرآن من العبث والخلل، وخط له الخطط وشرع له المنهج، وبذلك يمكننا أن نعتبر أن عليّا ﵁ قد وضع الأساس لما نسميه علم النحو، ويتبعه علم إعراب القرآن (على الخلاف في هذه الرواية). ثم انقضى عهد الخلافة الرشيدة، وجاء عهد بني أمية، وهمة مشاهير الصحابة والتابعين متجهة إلى نشر علوم القرآن بالرواية والتلقين، لا بالكتابة والتدوين، ولكن هذه الهمة يصح أن نعتبرها تمهيدا لتدوينها، وعلى رأس من ضرب بسهم وفير في هذه الرواية: الأربعة الخلفاء، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكلهم من الصحابة رضوان الله عليهم. وعلى رأس التابعين في تلك الرواية: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن

стр. 5

جبير، وزيد بن أسلم بالمدينة، وعنه أخذ ابنه عبد الرحمن، ومالك بن أنس من تابعي التابعين ﵁ أجمعين، وهؤلاء جميعا يعتبرون واضعي الأساس لما يسمى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن ونحو ذلك. وستجد بسطا لهذا الإجماع في بحث طبقات المفسرين. عهد التدوين لعلوم القرآن ثم جاء عصر التدوين، فألفت كتب في أنواع علوم القرآن، واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أم العلوم القرآنية لما فيه من التعرض لهذه العلوم في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز. ومن أوائل الكاتبين في التفسير: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهم من علماء القرن الثاني. ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها؛ لأنه أول من تعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، كما تعرض للإعراب والاستنباط. وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا حتى وجدت منه مجموعة رائعة فيها المعجب والمطرب، والموجز والمطول والمتوسط، ومنها التفسير بالمعقول، والتفسير بالمأثور، ومنها تفسير القرآن كله، وتفسير جزء، وتفسير سورة، وتفسير آية، وتفسير آيات الأحكام، إلى غير ذلك. أما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ البخاري، إذ ألف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث. وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع. وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن: علي بن سعيد الحوفي، وهو من علماء القرن الخامس، ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي، وهو من علماء القرن السادس. كذلك تصدى للتأليف في مجاز القرآن: ابن عبد السلام، وفي القراءات: علم الدين السخاوي، وهما من علماء القرن السابع. وهكذا قويت العزائم، وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن. وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، سواء في ذلك أقسام القرآن، وأمثال القرآن،

стр. 6

وحجج القرآن، وبدائع القرآن، ورسم القرآن، وما أشبهها مما يروعك تصوره والاطلاع عليه، ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر. أليس ذلك إعجازا آخر للقرآن يريك إلى أي حد بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل. ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه، ولن يستطيع أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله؟. وإذا أضفت إلى علوم القرآن ما جاء في الحديث النبوي الشريف وعلومه وكتبه وبحوثه باعتبارها من علوم القرآن، نظرا إلى أن الحديث شارح للقرآن يبين مبهماته، ويفصل مجملاته، ويخصص عامّه، كما قال سبحانه لنبيه ﷺ : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل آية: ٤٤]. أقول: إذا أضفت الحديث النبوي وعلومه إلى علوم القرآن تراءى لك بحر متلاطم الأمواج. وتزداد عجبا إذا علمت أن طريقة أولئك المؤلفين في تأليفهم كانت طريقة استيعاب واستقصاء بحيث يقصد أصحابها أن يحيطوا بجزئيات القرآن من الناحية التي كتبوا فيها بقدر طاقتهم البشرية. فمن يكتب في غريب القرآن مثلا يذكر كل مفرد من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام. ومن يكتب في مجاز القرآن يقتفي أثر كل لفظ فيه مجاز أيّا كان نوعه في القرآن. ومن يكتب في أمثال القرآن يتحدث عن كل مثل ضربه الله في القرآن، وهكذا سائر أنواع علوم القرآن. ولهذا اشرأبت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علما جديدا يكون كالفهرس والدليل عليها، والمتحدث عنها. فكان هذا العلم هو ما نسميه «علوم القرآن» بالمعنى المدون، ولا نعلم أن أحدا قبل المائة الرابعة للهجرة ألّف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدون؛ لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف. وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء، على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب، ولم يفردوها باسم. أجل: كانت علوم القرآن مجموعة في صدور هؤلاء العلماء. فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي ﵁ أنه أثناء محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن، وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبلا بالحديد في بغداد، سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله، فقال: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به؟ فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله تعالى قد أنزل

стр. 7

كتبا كثيرة. قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد ﷺ . فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره، أو عن ناسخه ومنسوخه، أو عن ... ، أو عن ... ؟؟ وصار يرد عليه من علوم القرآن، ويجيب عن كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين. فأنت ترى من جواب الشافعي هذا، ومن نطقه بالحكمة في هذا الموقف الرهيب ما يدلك على أن قلوب أكابر العلماء كانت أوعية لعلوم القرآن من قبل أن تجمع في كتاب. ونحن لا نستبعد على الشافعي هذا، فقد كان آية من آيات الله في علمه وذكائه، وفي ابتكاره وتجديده، وفي قوة حجته وتوفيقه. حتى إنه وضع كتابه (الحجة) في العراق يستدرك به على مذاهب أهل الرأي، وألف في مصر كتبا يستدرك بها على مذاهب بعض أهل الحديث ثم وضع دستورا للاجتهاد والاستنباط لم يتسن لأحد قبله، إذ كان أول من صنف في أصول الفقه وهو من علوم القرآن كما علمت. قال ابن خلدون في مقدمته: «كان أول من كتب فيه- أي علم أصول الفقه- الشافعي ﵁، أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها على الأوامر والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة من القياس اهـ. أول عهد لظهور هذا الاصطلاح لقد كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن، أن أول عهد ظهر فيه هذا الاصطلاح أي اصطلاح علوم القرآن، وهو القرن السابع. لكني ظفرت في دار الكتب المصرية بكتاب لعليّ بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ اسمه «البرهان في علوم القرآن» وهو يقع في ثلاثين مجلدا، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدا، من نسخة مخطوطة، وإذا نستطيع أن نتقدم بتاريخ هذا الفن إلى بداية القرن الرابع. ثم جاء القرن السادس فألف فيه ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ كتابين: أحدهما اسمه: «فنون الأفنان في علوم القرآن»، والثاني اسمه: «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن». وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية. وفي القرن السابع ألف علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤١ هـ كتابا سماه: «جمال القراء». وألف أبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هـ كتابا أسماه: «المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز» وهما- كما قال السيوطي:- عبارة عن طائفة يسيرة ونبذ

стр. 8

قصيرة بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد ذلك في هذا النوع. ثم أهلّ القرن الثامن فكتب فيه بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ كتابا سماه «البرهان في علوم القرآن» يقع في مجلدين ناقصين. ثم طلع القرن التاسع على هذا العلم باليمن والبركة، فدرج فيه وترعرع، إذ ألف محمد ابن سليمان الكافيجي المتوفى سنة ٨٧٣ هـ كتابا يقول السيوطي عنه: «إنه لم يسبق إليه». وفي هذا القرن التاسع أيضا ألف السيوطي كتابا سماه: «الإتقان في علوم القرآن» وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفن. ذكر فيه ثمانين نوعا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والإدماج، ثم قال بعد أن سردها نوعا نوعا: «ولو نوعت باعتبار ما أدمجته فيها لزادت على الثلاثمائة» اه. وتوفي السيوطي ﵀ سنة ٩١١ هـ في مفتتح القرن العاشر، وكأن نهايته كانت نهاية لنهضة التأليف في علوم القرآن (عليه سحائب الرحمة والرضوان) فلم نر من سار في هذا المضمار مثله بعده، كما لم نر من بزه فيه قبله. اه. مناهل. باختصار. جمع القرآن وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها كان القرآن في مدة النبي ﷺ متفرقا في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد، وفي لخاف، وظرر، وفي خزف وغير ذلك. قال الأصمعي: اللخاف: حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة. والظرر: حجر له حدّ كحد السكين والجمع ظرار، مثل رطب ورطاب، وربع ورباع. فلم استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة في زمن الصديق ﵁، وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء، كأبيّ، وابن مسعود، وزيد، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد ﵁. روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلى أبي بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القراء إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر؛ قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم، فقال لي أبو

стр. 9

بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن؛ قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر؛ فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخرها. فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. وقال الترمذي في حديثه عنه: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [قال: حديث حسن صحيح]. وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه؟ قيل: إن عثمان ﵁ لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف، ألا ترى كيف أرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردّها إليك على ما يأتي؛ وإنما فعل ذلك عثمان؛ لأن الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الأمر في ذلك وعظم اختلافهم وتشبثهم ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة ﵁ وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية فقرأت كل طائفة بما روي لها، فاختلفوا وتنازعوا وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم حذيفة المدينة «فيما ذكر البخاري والترمذي» دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك، قال: في ماذا؟ قال: في كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز فوصف له ما تقدم، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى، قلت: وهذا أدل دليل على بطلان من قال: إن المراد بالأحرف

стр. 10

السبعة قراءة القراء السبعة؛ لأن الحق لا يختلف فيه، وقد روى سويد بن غفلة عن علي ابن أبي طالب أن عثمان قال: ما ترون في المصاحف فإن الناس قد اختلفوا في القراءة حتى إن الرجل ليقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذا شبيه بالكفر، قلنا: ما الرأي عندك يا أمير المؤمنين؟. قال: الرأي عندي أن يجتمع الناس على قراءة، فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا، قلنا: الرأي رأيك يا أمير المؤمنين. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاصي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، وكان هذا من عثمان ﵁ بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي ﷺ واطّراح ما سواها، واستصوبوا رأيه وكان رأيا سديدا موفقا رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. قال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال،: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر؟ يريد زيد بن ثابت. قال أبو بكر الأنباري: ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن، وعبد الله أفضل من زيد، وأقدم في الإسلام وأكثر سوابق وأعظم فضائل، إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله إذ وعاه كله، ورسول الله ﷺ حي، والذي حفظ منه عبد الله في حياة رسول الله ﷺ نيف وسبعون سورة، ثم تعلّم الباقي بعد وفاة الرسول، فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله ﷺ حي أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار والاختيار، ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود؛ لأن زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا لتقدمته عليه؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرا منهما، ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب. ونسخ منها عثمان نسخا، قال غيره: قيل سبعة، وقيل أربعة، وهو الأكثر، ووجّه بها

стр. 11

إلى الآفاق، فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قراء الأمصار معتمد اختياراتهم ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه، وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم على بعض وينقصها بعضهم فذلك لأن كلّا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض إشعارا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة. قال ابن عطية: ثم إن عثمان أمر بما سواها من المصاحف أن تحرق، أو تخرق- تروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى «تدفن» - ورواية الحاء غير منقوطة أحسن. وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: يا معشر الناس: اتقوا الله وإياكم والغلق في عثمان وقولكم: حرّاق المصاحف، فو الله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد ﷺ . وعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. قال أبو الحسن بن بطال: وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام، وطرحها في ضياع من الأرض. روى معمر عن ابن طاووس عن أبيه: أنه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم. وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة. وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله تعالى، وقول من حرقها أولى بالصواب، وقد فعله عثمان؛ وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة: جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن، إذا أدّاه الاجتهاد إلى ذلك. اه ملخصا من مقدمة القرطبي. ترتيب آيات القرآن وسوره انعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف، كان بتوقيف من النبي ﷺ عن الله تعالى، وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه. بل كان جبريل ينزل بالآيات على الرسول ﷺ ويرشده إلى موضع كل آية من سورتها. ثم يقرؤها النبي ﷺ على أصحابه، ويأمر كتاب الوحي بكتابتها معيّنا لهم السورة التي تكون فيها الآية، وموضع الآية من هذه السورة. وكان يتلوه عليهم مرارا وتكرارا في صلاته وعظاته. وكان يعارض به جبريل كل عام مرة، وعارضه به في العام

стр. 12

الأخير مرتين. كل ذلك كان على الترتيب المعروف لنا في المصاحف. وكذلك كان كل من حفظ القرآن أو شيئا منه من الصحابة، حفظه مرتب الآيات على هذا النمط، يتدارسونه فيما بينهم، ويقرءونه في صلاتهم، ويأخذه بعضهم عن بعض، ويسمعه بعضهم من بعض بالترتيب القائم الآن، فليس لواحد من الصحابة والخلفاء الراشدين يد ولا تصرف في ترتيب شيء من آيات القرآن الكريم. بل الجمع الذي كان على عهد أبي بكر لم يتجاوز نقل القرآن من العسب واللخاف وغيرها في مصحف، والجمع الذي كان على عهد عثمان لم يتجاوز نقله من الصحف في مصاحف. وكلا هذين كان وفق الترتيب المحفوظ المستفيض عن النبي ﷺ عن الله تعالى. أجل: انعقد الإجماع على ذلك تامّا لا ريب فيه. وممن حكى هذا الإجماع جماعة منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر في المناسبات إذ يقول ما نصه: «ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. واستند هذا الإجماع إلى نصوص كثيرة: منها ما سبق لك قريبا، ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [سورة النحل آية: ٩٠]. ومنها ما ثبت في السنن الصحيحة من قراءة النبي ﷺ بسور عديدة كسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، ومن قراءته لسورة الأعراف في صلاة المغرب، وسورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ وسورة «الروم» في صلاة الصبح، وقراءة سورة «السجدة» وسورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ في صبح يوم الجمعة، وقراءة سورتي «الجمعة والمنافقون» في صلاة الجمعة، وقراءته سورة «ق» في الخطبة، وسورتي «اقتربت وق» في صلاة العيد، كان يقرأ ذلك كله مرتب الآيات على النحو الذي في المصحف على مرأى ومسمع من الصحابة. ومنها ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري: «تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء». فأنت ترى أنه ﷺ دله على موضع تلك الآية من سورة النساء، وهي قوله سبحانه: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إلخ.

стр. 13

ملاحظة: ذكر بعضهم أن كلمات القرآن ٧٧٤٣٩ تسع وثلاثون وأربعمائة وسبعة وسبعون ألف كلمة، وذكر بعضهم غير ذلك. قيل: وسبب الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد ما هو جائز. قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك، وذكر ابن كثير أن عدد آيات القرآن ٦٠٠٠ ستة آلاف آية وأن عدد حروفه قيل: ٣٢١١٨٠ وقيل: ٣٢٣٠١٥، وقيل: ٣٤٠٧٤٠ اه. ولكن ورد من الأحاديث في اعتبار الحروف ما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «آلم» حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». ترتيب السور معنى السورة: السورة في اللغة تطلق على ما ذكره صاحب القاموس بقوله: والسورة: «المنزلة»، ومن القرآن معروفة؛ لأنها منزلة بعد منزلة: مقطوعة عن الأخرى، «والشرف» «وما طال من البناء وحسن»، «والعلامة»، «وعرق من عروق الحائط» اه. ويمكن تعريفها اصطلاحا بأنها: طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع. قالوا: وهي مأخوذة من سور المدينة. وذلك إما لما فيها من وضع كلمة بجانب كلمة، وآية بجانب آية، كالسور توضع كل لبنة فيه بجانب لبنة، ويقام كل صف منه على صف. وإما لما في السورة من معنى العلو والرفعة المعنوية الشبيهة بعلو السور ورفعته الحسية، وإما لأنها حصن وحماية لمحمد ﷺ ، وما جاء به كتاب الله القرآن، ودين الحق الإسلام، باعتبار أنها معجزة تخرس كل مكابر، ويحق الله بها الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، أشبه بسور المدينة، يحصنها ويحميها من غارة الأعداء، وسطوة الأشقياء. وسور القرآن مختلفة طولا وقصرا، فأقصر سورة فيه سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، وأطول سورة فيه سورة البقرة، وهي خمس وثمانون أو ست وثمانون ومائتا

стр. 14

آية، وأكثر آياتها من الآيات الطوال، بل فيها آية الدّين التي هي أطول آية في القرآن كما سبق، وبين سورة البقرة وسورة الكوثر سور كثيرة تختلف طولا وتوسطا وقصرا. ومرجع الطول والقصر والتوسط وتحديد المطلع والمقطع إلى الله وحده، لحكم سامية علمها من علمها وجهلها من جهلها. أقسام السور: قسّم العلماء سور القرآن إلى أربعة أقسام، خصّوا كلّا منها باسم معين، وهي الطوال، والمئين، والمثاني، والمفصّل. فالطوال سبع سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، فهذه ستة، واختلفوا في السابعة أهي الأنفال وبراءة معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة، أم هي سورة يونس؟؟. والمئون: هي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها. والمثاني: هي التي تلي المئين في عدد الآيات، وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة آية؛ لأنها تثنى أي «تكرّر» أكثر مما تثنّى الطوال والمئون. والمفصّل: هو أواخر القرآن، واختلفوا في تعيين أوله على اثني عشر قولا فقيل: أوله «ق»، وقيل: غير ذلك، وصحح النووي: أن أوله الحجرات، وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى المحكم أيضا، كما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: «إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم». والمفصل ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط، وقصار، فطواله من «أول الحجرات» إلى سورة «البروج»، وأوساطه من سورة «الطارق» إلى سورة لَمْ يَكُنِ، وقصاره من سورة إِذا زُلْزِلَتِ إلى آخر القرآن. المذاهب في ترتيب السور: اختلف في ترتيب السور على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن ترتيب السور على ما هو عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي ﷺ ، وإنما كان باجتهاد من الصحابة ، وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء، منهم مالك والقاضي أبو بكر فيما اعتمده من قوليه. وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس في كتاب «المسائل الخمس» بقوله: «جمع القرآن على ضربين»:

стр. 15

أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة ﵃، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور، فذلك شيء تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه . وقد استدلوا على رأيهم هذا بأمرين: أولا: أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن في عهد عثمان، فلو كان هذا الترتيب توقيفيّا منقولا عن النبي ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذي تصوره لنا الروايات. فهذا مصحف أبي بن كعب، روي أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام. وهذا مصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران .. إلخ على اختلاف شديد. وهذا مصحف عليّ كان مرتبا على النزول، فأوله «اقرأ» ثم «المدثر» ثم «ق»، ثم «المزمل»، ثم «تبت»، ثم «التكوير»، وهكذا إلى آخر المكي والمدني. ثانيا: ما أخرجه ابن أشته في المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبي محمد القرشي قال: «أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع، ولم يفصل بينهما «ببسم الله الرحمن الرحيم» اه. ولعله يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتهما في السبع الطوال» اه. ويمكن أن يناقش هذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف وسيأتيك في الاحتجاج للقول الثاني، ويمكن- أيضا- مناقشة دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من

стр. 16

الصحابة في الترتيب، إنما كان قبل علمهم بالتوقيف، أو كان في خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه، ويمكن مناقشة دليلهم الثاني بأنه خاص بمحل وروده وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس، فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن كله. القول الثاني: أن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسول ﷺ كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه ﷺ . واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم، لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم، وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا، ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع. منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي قال: «كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف، إلى أن جاء في هذه الرواية ما نصه: فقال لنا رسول الله ﷺ : «طرأ عليّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا؟: نحزّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من «ق» حتى نختم». قالوا: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ . لكن هذه الدلالة غير ظاهرة فيما نفهم اللهمّ إلا في ترتيب حزب المفصل خاصة بخلاف ما سواه. واحتجوا لمذهبهم أيضا بأن السور المتجانسة في القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء، ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكان هذا التجانس والتماثل دائما، لكن ذلك لم يكن، بدليل أن سور المسبّحات لم ترتب على التوالي بينما هي متماثلة في افتتاح كل منها بتسبيح الله، بل فصل بين سورها بسور «قد سمع»، «والممتحنة»، «والمنافقون» وبدليل أن «طسم الشعراء وطسم القصص» لم يتعاقبا مع تماثلهما بل فصل بينهما بسورة أقصر منهما وهي «طس» النمل وقد أيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال: «المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث وائلة» «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال».

стр. 17

وكذلك انتصر أبو بكر الأنباري لهذا المذهب فقال: أنزل الله القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرّقه في بضع وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويقف جبريل النبيّ ﷺ على موضع السورة، والآيات، والحروف، كله من النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن. وأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدّمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدّمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، إلى أن قال: فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه. اه. القول الثالث: أن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبي ﷺ ، وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة ، وقد ذهب إلى هذا الرأي فطاحل من العلماء، ولعله أمثل الآراء؛ لأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض- كما مر بك من الرأي الثاني القائل بالتوقيف- وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف، بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب في البعض كان عن اجتهاد كالحديث الآنف في القول الأول المروي عن ابن عباس. بيد أن المؤيدين لهذا المذهب اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف. والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد، فقال القاضي أبو محمد بن عطية: «إن كثيرا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأما ما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده». وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى فيها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف كقوله ﷺ : «اقرءوا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران» [رواه مسلم]. وكحديث سعيد بن خالد: «قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة». رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصل في ركعة. وروى البخاري عن ابن مسعود أنه ﷺ قال في بني إسرائيل والكهف ومريم، وطه، والأنبياء: «إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي» قبل آل عمران؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز، اه. والأمر على كل حال سهل، حتى لقد رأى الزركشي في البرهان: أن يجعل الخلاف من أساسه لفظيّا.

стр. 18

احترام هذا الترتيب: وسواء أكان ترتيب السور توقيفيّا أم اجتهاديّا فإنه ينبغي احترامه خصوصا في كتابة المصاحف؛ لأنه عن إجماع الصحابة، والإجماع حجة، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة، ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. أما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب، وإنما هو مندوب، وإليك ما قاله الإمام النووي في كتابه «التبيان» إذ جاء في هذا الموضوع بما نصه: قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة، ثم آل عمران، ثم ما بعدها على الترتيب، سواء أقرأ في الصلاة أم في غيرها، حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة. وقال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها، إلا فيما ورد الشرع باستثنائه، كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الأولى سورة «السجدة» وفي الثانية هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، وصلاة العيد في الأولى «ق»، وفي الثانية اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. وركعتي الفجر في الأولى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وفي الثانية قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، وفي الثالثة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين. ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها، جاز فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ في الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفي الثانية بيوسف. وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا؛ لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة ترتيب الآيات. وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل وعن الإمام مالك ابن أنس أنهما كرها ذلك وأن مالكا كان يعيبه ويقول: هذا عظيم، وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن. وليس من هذا الباب، فأن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة، على ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم. والله أعلم. اه. ﵀.

стр. 19

المكي والمدني من القرآن الكريم الاصطلاحات في معنى المكي والمدني للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات: الاصطلاح الأول: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني: ما نزل بالمدينة ، ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل على النبي ﷺ بمنى وعرفات والحديبية، ويدخل في المدينة ضواحيها- أيضا- كالمنزل عليه في بدر وأحد، وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزول كما ترى، لكن يرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر؛ لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيهما، كقوله سبحانه في سورة التوبة: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [سورة التوبة آية: ٤٢]، فإنها نزلت بتبوك. وقوله سبحانه: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [سورة الزخرف آية: ٤٥]، فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. ولا ريب أن عدم الضبط في التقسيم يترك واسطة لا تدخل فيما يذكر من الأقسام، وذلك عيب يخل بالمقصود الأول من التقسيم، وهو الضبط والحصر. الاصطلاح الثاني: أن المكي: ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة ، وعليه يحمل قول من قال: إن ما صدّر في القرآن بلفظ يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو مكي، وما صدّر بلفظ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدني؛ لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة فخوطبوا ب: يا أَيُّهَا النَّاسُ وإن كان غيرهم داخلا فيهم، ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وإن كان غيرهم داخلا فيهم- أيضا، وألحق بعضهم صيغة يا بَنِي آدَمَ بصيغة يا أَيُّهَا النَّاسُ. أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ أو يا بَنِي آدَمَ، فإنه مكي، وما كان ب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فإنه مدني. الاصطلاح الثالث وهو المشهور: أن المكي: ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني: ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول، وهو تقسيم صحيح سليم؛ لأنه

стр. 20

ضابط حاصر ومطّرد لا يختلف باختلاف سابقيه، ولذلك اعتمده العلماء، واشتهر بينهم. وعليه فآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة آية: ٣]، مدنية مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع. وكذلك آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [سورة النساء آية: ٥٨]. فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره ﵇ كفاتحة سورة الأنفال، وقد نزلت ببدر، فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور. فائدة العلم بالمكي والمدني من فوائد العلم بالمكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم في غيرها، ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرا إلى تأخر المدني عن المكي. ومن فوائده أيضا: معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد، وسيستقبلك في هذا المبحث فروق بين المكي والمدني تلاحظ فيها جلال هذه الحكمة. ومن فوائده أيضا: الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف. ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام حتى ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر، وما نزل بالنهار وما نزل بالليل، وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف، وما نزل بالأرض، وما نزل بالسماء إلى غير ذلك، فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدا يمسه ويعبث به، وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به أو يحتفّ بنزوله إلى هذا الحد. الطريق الموصلة إلى معرفة المكي والمدني لا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ بيان للمكي والمدني. وذلك لأن المسلمين في زمانه لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان، كيف وهم يشاهدون الوحي والتنزيل، ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عيانا، «وليس بعد العيان بيان».

стр. 21

قال عبد الله بن مسعود ﵁: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه». وقال أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال: «نزلت في سفح ذلك الجبل» وأشار إلى سلع. اه. ولعل هذا التوجيه الذي ذكرته أولى مما ذكره القاضي أبو بكر في الانتصار؛ إذ يقول ما نصه: «ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول؛ لأنه لم يأمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ ». اه. قرطبي. الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني قد عرفنا فيما مضى أن مرد العلم بالمكي والمدني هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين، بيد أن هناك علامات وضوابط يعرف بها المكي والمدني، وهاك ضوابط المكي. ١ - كل سورة فيها لفظ «كلا» فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة، في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن. قال الدريني ﵀: وما نزلت «كلا» بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى قال العمّاني: «وحكمة ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة، وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول. وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم اه. ٢ - كل سورة فيها سجدة فهي مكية لا مدنية سوى سورة الحج. ٣ - كل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران، فإنهما مدنيتان بالإجماع، وفي الرعد خلاف. ٤ - كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة. ٥ - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضا. ٦ - كل سورة فيها يأيها الناس، وليس فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهي مكية ولكنه ورد على هذا ما تقدم بين يديك من سورة الحج.

стр. 22

٧ - كل سورة من المفصل فهي مكية. أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: «نزل المفصل بمكة فمكثنا حججا نقرؤه ولا ينزل غيره» لكن يردّ على هذا: أن بعض سور المفصل مدني نزل بعد الهجرة اتفاقا كسورة «النصر»، فإنها كانت من أواخر ما نزل بعد الهجرة، بل قيل إنها آخر ما نزل، كما في مبحث «أول ما أنزل وآخر ما أنزل»، فالأولى أن يحمل كلام ابن مسعود هذا على الكثرة الغالبة من سور المفصل لا على جميع سور المفصل. والمفصّل على وزن معظّم: هو السور الأخيرة من القرآن الكريم مبتدأة من سورة الحجرات على الأصح، وسميت بذلك لكثرة الفصل فيها بين السور بعضها وبعض من أجل قصرها، وقيل سميت بذلك لقلة المنسوخ فيها، فقولها قول فصل: لا نسخ فيه ولا نقض. أما ضوابط المدني فكما يأتي: ١ - كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية. ٢ - كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية. ٣ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ماعدا سورة العنكبوت. والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها فإنها مدنية- وهي التي ذكر فيها المنافقون. عدد السور المكية والمدنية والمختلف فيها نقل السيوطي في الإتقان أقوالا كثيرة في تعيين السور المكية والمدنية، من أوفقها ما ذكره أبو الحسن الحصار في كتابه «الناسخ والمنسوخ» إذ يقول: «المدني- باتفاق- عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي بالاتفاق». ثم نظم في ذلك أبياتا رقيقة جامعة، وهو يريد بالسور العشرين المدنية بالاتفاق: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والجمعة، والمنافقون، والطلاق، والتحريم، والنصر. ويريد بالسور الاثنتى عشرة المختلف فيها سورة الفاتحة، والرعد، والرحمن، والصف، والتغابن، والتطفيف، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، والإخلاص، والمعوذتين. ويريد بالسور المكية باتفاق ما عدا ذلك وهي اثنتان وثمانون سورة. وإلى هذا القسم

стр. 23

المكي يشير في منظومته بقوله: وما سوى ذاك مكيّ تنزّله ... فلا تكن من خلاف الناس في حصر فليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر وقد جرى هذا البيت مجرى الأمثال عند أهل العلم. اه. إنزالات القرآن شرّف الله هذا القرآن بأن جعل له ثلاثة إنزالات: الإنزال الأول: إلى اللوح المحفوظ ، ودليله قول الله سبحانه: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [سورة البروج آية: ٢١، ٢٢]. وكان هذا الوجود في اللوح بكيفية لا يعلمها إلا الله تعالى، ثم من أطلعه الله على غيبه، وكان جملة لا مفرّقا؛ لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق ولا صارف عنه. ولأن حكمة تنجيم القرآن على النبي ﷺ لا يعقل تحقيقها في هذا الإنزال. وحكمة هذا الإنزال، ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح نفسه، وإقامته سجلا جامعا لكل ما قضى الله وقدر، وكل ما كان وما يكون فهو شاهد ناطق، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله وعلمه، وإرادته، وحكمته، وواسع سلطانه وقدرته. الإنزال الثاني: كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، والدليل عليه قول الله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [سورة الدخان آية: ٣]، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [سورة القدر آية: ١] وقوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [سورة البقرة آية: ١٨٥]. دلت هذه الآيات على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية الدخان، وتسمى ليلة القدر أخذا من آية سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية البقرة. وإنما قلنا ذلك جمعا بين هذه النصوص في العمل بها، ودفعا للتعارض فيما بينها. ومعلوم بالأدلة القاطعة- كما يأتي- أن القرآن أنزل على النبي ﷺ مفرقا لا في ليلة واحدة، بل في مدى سنين عددا. فتعين أن يكون هذا النزول الذي ذكرته هذه الآيات الثلاث نزولا آخر غير النزول على النبي ﷺ . وقد جاءت الأخبار الصحيحة مبينة لمكان هذا النزول، وأنه في بيت العزة من السماء الدنيا. كما تدل الروايات الآتية: ١ - أخرج الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ ».

стр. 24

٢ - وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. ثم قرأ: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان آية: ٣٣]. ووَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [سورة الإسراء آية: ١٠٦]. ٣ - وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض». ٤ - وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وهذا أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن العباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. قال أبو شامة: رسلا: أي رفقا، وعلى مواقع النجوم: أي على مثل مساقطها. يريد أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق. هذه أحاديث من جملة أحاديث ذكرت في هذا الباب، وكلها صحيحة كما قال السيوطي، وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس غير أن لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، لما هو مقرر من أن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، حكمه حكم المرفوع. ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التي لا تعرف إلا من المعصوم ﷺ ، وابن عباس لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فثبت الاحتجاج بها وكان هذا الإنزال جملة واحدة في ليلة واحدة هي ليلة القدر كما علمت؛ لأنه المتبادر من نصوص الآيات الثلاث السابقة، وللتنصيص على ذلك في الأحاديث التي عرضناها عليك. بل ذكر السيوطي أن القرطبي نقل حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. وهناك قول ثان بنزول القرآن إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين ينزل في كل ليلة قدر منها ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، ثم ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على النبي ﷺ .

стр. 25

وثمة قول ثالث: أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان على النبي ﷺ . وكأن صاحب هذا القول ينفي النزول جملة إلى بيت العزة في ليلة القدر. وذكروا قولا رابعا أيضا هو أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. ولكن هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة بمعزل عن التحقيق، وهي محجوجة بالأدلة التي سقناها بين يديك تأييدا للقول الأول. والحكمة في النزول، على ما ذكره السيوطي نقلا عن أبي شامة هي تفخيم أمره (أي القرآن) وأمر من نزل عليه بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم، وبإنزاله مرتين، مرة جملة، ومرة مفرقا. بخلاف الكتب السابقة، فقد كانت تنزل جملة مرة واحدة. الإنزال الثالث: [كان على قلب النبي ص بواسطة جبرئيل ع] هذا هو واسطة عقد الإنزالات؛ لأنه المرحلة الأخيرة التي منها شع النور على العالم، ووصلت هداية الله إلى الخلق، وكان هذا النزول بوساطة أمين الوحي جبريل يهبط به على قلب النبي ﷺ ، ودليله قول الله تعالى مخاطبا رسوله ﷺ : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء آية: ١٩٣ - ١٩٥]. كيفية أخذ جبريل للقرآن؟ وعمن أخذ ؟ هذا من أنباء الغيب، فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه إلا إن ورد بدليل صحيح عن المعصوم ﷺ ، وكل ما عثرنا عليه أقوال منثورة هنا وهناك. وأيّا ما تكن هذه الأقوال، فإن هذا الموضوع لا يتعلق به كبير غرض، ما دمنا نقطع بأن مرجع الإنزال هو الله تعالى وحده. ما الذي نزل به جبريل ؟ ولتعلم في هذا المقام أن الذي نزل به جبريل على النبي ﷺ هو القرآن باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وتلك الألفاظ هي كلام الله وحده، لا دخل لجبريل ولا لمحمد ﷺ في إنشائها وترتيبها. بل الذي رتبها أولا هو الله سبحانه تعالى، ولذلك تنسب له دون سواه، وإن نطق بها جبريل ومحمد، وملايين الخلق

стр. 26

من بعد جبريل ومحمد، من لدن نزول القرآن إلى يوم الساعة، وذلك كما ينسب الكلام البشري إلى من أنشأه ورتبه أولا دون غيره، ولو نطق به آلاف الخلائق في آلاف الأيام والسنين. فالله- جلت حكمته- هو الذي أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة، ولذلك لا يجوز إضافة القرآن على سبيل الإنشاء إلى جبريل أو محمد، ولا لغير جبريل ومحمد ﷺ . وقد أسفّ بعض الناس فزعم أن جبريل كان ينزل على النبي ﷺ بمعاني القرآن والرسول ﷺ يعبر عنها بلغة العرب. وزعم آخرون أن اللفظ لجبريل وأن الله كان يوحي إليه المعنى فقط وكلاهما قول باطل أثيم، مصادم لصريح الكتاب والسنة والإجماع، ولا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به. وعقيدتي أنه مدسوس على المسلمين في كتبهم، وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟ مع أن الله يقول: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [سورة التوبة آية: ٦]، إلى غير ذلك مما يطول بنا تفصيله. والحق أنه ليس لجبريل في هذا القرآن سوى حكايته للرسول وإيحائه إليه، وليس للرسول ﷺ في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه، ثم حكايته وتبليغه، ثم بيانه وتفسيره، ثم تطبيقه وتنفيذه. إنا نقرأ في القرآن الكريم أنه ليس من إنشاء جبريل ولا محمد نحو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [سورة النمل آية ٦]. ونحو قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي [سورة الأعراف آية: ٢٠٣]. ونحو قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [سورة يونس آية: ١٥]. ونحو قوله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [سورة الحاقة آية: ٤٤ - ٤٧].

стр. 27

الفرق بين القرآن والسنة في الوحي إنّ ما ذكرناه هو تحقيق ما نزل على النبي ﷺ من القرآن. وإن كان قد نزل عليه أيضا غير القرآن. نقل السيوطي عن الجويني أنه قال: كلام الله المنزّل قسمان: «قسم» قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه، إن الله يقول: افعل كذا وكذا. وأمر بكذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل جبريل على ذلك النبي «محمد ﷺ » وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك: لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. «قسم آخر» قال الله لجبريل: اقرأ على النبي ﷺ هذا الكتاب، فنزل به جبريل من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا» اه. قال السيوطي بعد ذلك: قلت: القرآن هو القسم الثاني: والقسم الأول هو السنة. كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن. ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى؛ لأن جبريل أداها بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أدى القرآن باللفظ، ولم يبح له أداؤه بالمعنى. والسر في ذلك أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه. والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظ الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى. ولو جعل كل مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف فتأمل. اه. أقول: وهذا كلام نفيس، بيد أنه لا دليل أمامنا على أن جبريل كان يتصرف في الألفاظ الموحاة إليه في غير القرآن. وما ذكره الجويني فهو احتمال عقلي لا يكفي في هذا الباب. ثم إن هذا التقسيم خلا من قسم ثالث للكتاب والسنة، وهو الحديث القدسي الذي قاله الرسول حاكيا عن الله تعالى، فهو كلام الله تعالى أيضا، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عن كل ما سواه. ولله تعالى حكمة في أن

стр. 28

يجعل من كلامه المنزل معجزا وغير معجز، لمثل ما سبق في حكمة التقسيم الآنف، من إقامة حجة للرسول ولدين الحق بكلام الله المعجز، ومن التخفيف على الأمة بغير المعجز؛ لأنه تصح روايته بالمعنى، وقراءة الجنب وحمله له ومسه إياه إلى غير ذلك. وصفوة القول في هذا المقام أن القرآن أوحيت ألفاظه من الله اتفاقا، وأن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور، والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول ﷺ ، بيد أن القرآن له خصائصه من الإعجاز والتعبد به ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك. وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص، والحكمة في هذا التفريق أن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن، فلو أبيح أداؤه بالمعنى لذهب إعجازه، وكان مظنة للتغيير والتبديل والاختلاف في أصل التشريع والتنزيل، أما الحديث القدسي والحديث النبوي فليست ألفاظهما مناط إعجاز، ولهذا أباح الله روايتهما بالمعنى، ولم يمنحهما تلك الخصائص والقداسة الممتازة التي منحها للقرآن الكريم، تخفيفا على الأمة ورعاية لمصالح الخلق في الحالين من منح ومنع، إن الله بالناس لرءوف رحيم اه. من مناهل العرفان باختصار وتصرف. مدة نزول القرآن على محمد ﷺ ابتدأ إنزال القرآن على محمد ﷺ من مبعثه ﵊، وانتهى بقرب انتهاء حياته الشريفة، وتقدر هذه المدة بعشرين أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين عاما، تبعا للخلاف في مدة إقامته ﷺ في مكة بعد البعثة، أكانت عشر سنين أم ثلاث عشرة أم خمس عشرة. أما مدة إقامته في المدينة فعشر سنين اتفاقا كذلك قال السيوطي. ولكن بعض محققي تاريخ التشريع الإسلامي يذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما من ١٧ رمضان سنة ٤١ من مولده الشريف ﷺ إلى ربيع الأول سنة ٥٤ منه. أما مدة إقامته في المدينة بعد الهجرة فهي تسع سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام. من أول ربيع الأول سنة ٥٤ من مولده إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ منه. ويواقف ذلك سنة عشر من الهجرة. وهذا التحقيق قريب من القول بأن مدة إقامته ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة عشر سنين، وأن مدة الوحي بالقرآن ثلاثة وعشرون عاما.

стр. 29

دليل تنجيم هذا النزول والدليل على تفرق هذا النزول وتنجيمه، قول الله- تعالت حكمته- في سورة الإسراء: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [سورة الإسراء آية: ١٠٦]. وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان آية: ٣٢، ٣٣]. روي أن الكفار من يهود المشركين عابوا على النبي ﷺ نزول القرآن مفرقا، واقترحوا عليه أن ينزل جملة، فأنزل الله هاتين الآيتين ردّا عليهم، وهذا الرد يدل على أمرين: أحدهما: أن القرآن نزل مفرقا على النبي ﷺ . الثاني: أن الكتب السماوية من قبله نزلت جملة، كما اشتهر ذلك بين جمهور العلماء حتى كاد يكون إجماعا. الحكم والأسرار في تنجيم القرآن لتنجيم نزول القرآن الكريم آثار عدة وحكم كثيرة، نستطيع أن نجملها في أربع حكم رئيسية. الحكمة الأولى تثبيت فؤاد النبي ﷺ ، وتقوية قلبه ، وذلك من وجوه أربعة: الوجه الأول: أن في تجدد الوحي، وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله ﷺ ، سرورا يملأ قلب الرسول، وغبطة تشرح صدره، وكلاهما يتجدد عليه بسبب ما يشعر به من هذه العناية الإلهية وتعهد مولاه إياه في كل نوبة من نوبات هذا النزول. الوجه الثاني: أن في التنجيم تيسيرا عليه من الله في حفظه، وفهمه، ومعرفة أحكامه وحكمه، كما أن فيه تقوية لنفسه الشريفة على ضبط ذلك كله. الوجه الثالث: أن في تأييد حقه ودحض باطل عدوه- المرة بعد الأخرى- تكرارا للذة فوزه وفلجه بالحق والصواب، وشهوده لضحايا الباطل في كل مهبط للوحي والكتاب وكل ذلك مشجع للنفس مقوّ للقلب والفؤاد. الوجه الرابع: تعهد الله إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه بما يهون عليه هذه

стр. 30

الشدائد. ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة، فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة. فكلما آذاه خصمه، سلاه ربه، وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل، وفيها يقول الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [سورة هود آية: ١٢٠]. وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [سورة الطور آية: ٤٨]. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة آية: ٦٧]، ونحو ما في سورتي الضحى، وألم نشرح، من الوعود الكريمة والعطايا العظيمة. وطورا تأتيه التسلية عن طريق إيعاد أعدائه وإنذارهم نحو قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر آية: ٤٥]، وقوله سبحانه: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [سورة فصلت آية: ١٣]. وطورا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر نحو قوله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف آية: ٣٥]. أو في صورة النهي عن التفجع عليهم، والحزن منهم بنحو قوله تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [سورة فاطر آية: ٨]. ونحو قوله سبحانه: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [سورة النحل آية: ١٢٧]. ويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الأربعة تحت قول الله تعالى في بيان الحكمة من تنجيم القرآن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [سورة الفرقان آية: ٣٢]. الحكمة الثانية التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا ، وينضوي تحت هذا الإجمال أمور خمسة أيضا: أولها: تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية، وهي كما علمت أمة أمية. وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية، وبالدفاع عن دينها الجديد، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله الله إليهم مفرقا ليسهل عليهم حفظه، ويتهيأ لهم استظهاره. ثانيها: تسهيل فهمه عليهم كذلك، مثل ما سبق في توجيه التيسير في حفظه.

стр. 31

ثالثها: التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعباداتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة، وذلك بأن يراضوا على هذا التخلي شيئا فشيئا، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا، فكلما نجح الإسلام معهم في هدم باطل، انتقل بهم إلى هدم آخر وهكذا كان يبدأ بالأهم ثم المهم، حتى انتهى بهم آخر الأمر إلى التخلص من تلك الأرجاس كلها، فطهرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج، وفطمهم عنها بسهولة ويسر، وكانت هذه سياسة رشيدة، لابد منها في تربية هذه الأمة المجيدة، لا سيما أنها كانت أبية معاندة، تتحمس لموروثاتها، وتستميت في الدفاع عما تعتقده من شرفها وتتهور في سفك الدماء وشن الغارات لأتفه الأسباب. رابعها: تربيتهم على العقائد الحقة، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الفاضلة بتلك السياسة الرشيدة. ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشرك والإباحية، وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، من جراء ما فتح عيونهم عليه من أدلة التوحيد، وبراهين البعث بعد الموت، وحجج الحساب والمسئولية والجزاء. ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات فبدأهم بفرضية الصلاة قبل الهجرة، وثنى بالزكاة وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة، وختم بالحج في السنة السادسة منها وكذلك كان الشأن في أهم التشريعات. أليس ذلك إعجازا للإسلام في سياسة الشعوب وتهذيب الجماعات وتربية الأمم؟ بلى، والتاريخ على ذلك من الشاهدين. خامسها: تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين بسبب ما كان يقصه القرآن عليهم الفينة بعد الفينة، والحين بعد الحين، من قصص الأنبياء والمرسلين، وما حصل لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين، وما وعد الله به عباده الصالحين، من النصر والأجر والتأييد والتمكين. والآيات في ذلك كثيرة حسبك منها قول العلي الكبير: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [سورة النور: ٥٥]. وقد صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام آية ٤٥].

стр. 32

الحكمة الثالثة مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها فكلما جد منهم جديد، نزل من القرآن ما يناسبه، وفصل الله لهم من أحكامه ما يوافقه، وتنتظم هذه الحكمة في أمور أربعة: أولها: إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول ﷺ سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التأكد من رسالته كما قال الله تعالى في جواب سؤال أعدائه إياه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الإسراء آية: ٨٥] وقوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً [سورة الكهف آية: ٨٣] ... إلخ. الآيات في هذا الموضوع من سورة الكهف، أو كانت لغرض معرفة حكم الله كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [سورة البقرة آية: ٢١٩]. وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [سورة البقرة آية: ٢٢٠]. ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي ﷺ في أوقات مختلفة وعلى نوبات متعددة. ثانيها: مجاراة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها ووقوعها. ومعلوم أن تلك الأقضية والوقائع لم تقع جملة، بل وقعت تفصيلا وتدريجا فلا مناص إذا من فصل الله فيها بنزول القرآن على وفقها تفصيلا وتدريجا. والأمثلة على هذا كثيرة، منها قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ إلى قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سورة النور آية: ١١ - ٢٦]. ومن الأمثلة أيضا قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ... إلى قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة المجادلة آية: ١ - ٤]. وهن ثلاث آيات نزلت عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول الله ﷺ من أن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها، وجادلت الرسول بأن معها صبية صغارا إن ضمتهم إلى زوجها ضاعوا، وإن ضمتهم إليها جاعوا. ثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها وإرشادهم إلى الصواب في الوقت نفسه. ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة، فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها متكافئا معها في زمانها. اقرأ إن شئت قوله سبحانه: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [سورة آل عمران آية: ١٢١] إلى آيات كثيرة بعدها، وكلها نزلت في غزوة أحد إرشادا

стр. 33

للمسلمين إلى مواضع أخطائهم في هذا الموقف الرهيب والمأزق العصيب. وكذلك اقرأ قوله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة آية: ٢٥ - ٢٧]. وهي آيات تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام الله، وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك الله لهم في شدتهم، وإلى وجوب أن يتوبوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم. رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم، وسرائرهم للنبي ﷺ والمسلمين، كيما يأخذوا منهم حذرهم فيأمنوا شرهم، وحتى يتوب من شاء منهم، اقرأ إن شئت قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة آية: ٨ - ٢٠]. وهن ثلاث عشرة آية فضحت المنافقين كما فضحتهم سورة التوبة في كثير من الآيات، كما كشف القرآن أستارهم في كثير من المناسبات. الحكمة الرابعة الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام النبي ﷺ ولا كلام مخلوق سواه. وبيان ذلك أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك، ولا تخاذل كأنه حلقة مفرغة! أو كأنه سمط وحيد، وعقد فريد يأخذ بالأبصار: نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقا لأوله، وبدا أوله مواتيا لآخره!! وهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز، وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة، بل تنزل آحادا مفرقة تفرّق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما!!

стр. 34

الجواب: أننا نلمح هنا سرّا جديدا من أسرار الإعجاز، ونشهد سمة فذة من سمات الربوبية، ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن، وأنه كلام الله الواحد الديان أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء آية ٨٢]. وإلا فحدثني- بربك- كيف تستطيع أنت؟ أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط، متين النسج والسرد، متآلف البدايات والنهايات مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر، وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كل جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها، ومتحدثا عنها؟!. لا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي، يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام. أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا: نزل مفرقا منجما، ولكنه ثمّ مترابطا محكما وتفرقت نجومه تفرّق الأسباب، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب، ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عاما، ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما!! أليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر، ومالك الأسباب والمسببات، ومدبر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، ومالك الأسباب والمسببات، ومدبر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، العليم بما كان وما سيكون، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون؟؟ لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: «ضعوها في مكان كذا من سورة كذا» وهو بشر لا يدري (طبعا) ما ستجيء به الأيام، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل من الله فيها، وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم، وينتظم ويتآخى، ويأتلف ويلتئم، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل أو تفاوت، بل يعجز الخلق طرّا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود: آية ١]. وإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتساق والانسجام لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط، لا في كلام الرسول ﷺ ، ولا في كلام غيره من البلغاء.

стр. 35

حقيقة الوحي وأنواعه وكيفياته أما الوحي فمعناه في لسان الشرع: أن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية، غير معتادة للبشر، ويكون على أنواع شتى: - منه ما يكون مكالمة بين العبد وربه، كما كلم الله موسى تكليما. - ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه، على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعا ولا يجد فيه شكّا. - ومنه ما يكون مناما صادقا يجيء في تحققه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلجه وسطوعه. - ومنه ما يكون بوساطة ملك كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثمّ أمين (وهو جبريل ﵇. وذلك النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها. ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي، قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء آية: ١٩٣ - ١٩٥]. ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على كيفيات شتى: فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية، وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه، وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى، ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة ﷺ . والأدلة الشرعية على ما ذكرنا كثيرة في الكتاب والسنة منها قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [سورة النجم آية: ٣، ٤]. ومنها الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة (صوت) الجرس، وهو أشده عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. اه ملخصا من المناهل للزرقاني.

стр. 36

معرفة أول و آخر ما نزل من القرآن - أول ما نزل اختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال: أحدها: وهو الصحيح الذي ذهب إليه أكثر الأئمة كما قال ابن حجر أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ لحديث بدء الوحي الذي رواه الشيخان. وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة ﵂ قالت: أول سورة نزلت من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. القول الثاني: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. فقد روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو «يعني جبريل» فأخذتني رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ» وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذا الحديث بأن المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار، وعبّر بعضهم عن هذا بقوله: أول ما نزل للنبوة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأول ما نزل للرسالة يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، ويدل على ذلك قوله في حديث جابر: فإذا هو يعني جبريل، وذلك يدل على أنه رآه قبل هذه المرة. القول الثالث: سورة الفاتحة. ودليله حديث ضعيف أخرجه البيهقي في الدلائل كما أخرجه الواحدي. آخر ما نزل في آخر ما نزل اختلاف؛ فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [سورة النساء آية: ١٧٦]. وآخر سورة نزلت «براءة». وروى البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا، وروى البيهقي عن عمر مثله والمراد بها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [سورة البقرة آية: ٢٧٨]. وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن:

стр. 37

وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [سورة البقرة آية: ٢٨١]. وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال آخر القرآن عهدا بالعرش: «آية الربا»، و «آية الدين». قلت: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية وَاتَّقُوا يَوْماً، وآية الدّين؛ لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح، وقول البراء: آخر ما نزل: يَسْتَفْتُونَكَ أي في شأن الفرائض. وفي المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة [سورة التوبة آية: ١٢٨، ١٢٩]. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النصر آية: ١]. وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت «المائدة» فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ... الحديث. قال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت، بأن كل واحد أجاب بما عنده. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكلّ قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل- أيضا- أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب. تنبيه: من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [سورة المائدة آية: ٣]. فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السّدّي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنّه ورد في آية الربا، والدّين، والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون ثم أيّده بما أخرجه من

стр. 38

طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت «براءة» نفي المشركون عن البيت وحج المسلمون، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [سورة المائدة آية: ٣]. اه من الإتقان للسيوطي باختصار وتصرف.

стр. 39

معرفة أسباب النزول في هذا النوع مسائل: [المسألة] الأولى: زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ وأخطأ في ذلك، بل له فوائد: - منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. - ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب. - ومنها: أن اللفظ قد يكون عامّا ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ولا التفات إلى من شذّ فجوّز ذلك. - ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال. قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. (وقد أشكل) على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [سورة آل عمران آية: ١٨٨]. وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، حتى بيّن له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه» [أخرجه الشيخان]. وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [سورة المائدة آية: ٩٣]، ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك وهو: أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس فنزلت؟!. [أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما]. ومن ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ

стр. 40

أَشْهُرٍ [سورة الطلاق آية: ٤]. فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها، إذا لم ترتب (أي تشك) وقد بيّن ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار فنزلت». أخرجه الحاكم بن أبي، فعلم بذلك أنّ الآية خطاب لمن لم يعلم حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن عدة أو لا؟ وهل عدتهن كاللاتي في سورة البقرة أو لا؟ فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن. ومن ذلك قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة آية: ١١٥] فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ، لا قتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع، فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك. (ومنها) دفع توهم الحصر، قال الشافعي- ما معناه- في قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [سورة الأنعام آية: ١٤٥]: إن الكفّار لمّا حرّموا ما أحلّ الله، وأحلّوا ما حرم الله، وكانوا على المضادّة والمحادّة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرّمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول: لا آكل اليوم إلا حلاوة، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية. المسألة الثانية: اختلف أهل الأصول: هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب ؟ والأصح عندنا الأول، وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، وحدّ القذف في رماة عائشة ثم تعدّى إلى غيرهم، ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال: خرجت هذه الآية ونحوها لدليل آخر كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك. قال الزمخشري «في سورة الهمزة»: يجوز أن يكون السبب خاصّا، والوعيد عامّا ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض. قلت: ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع
следующие страницы →