Полный текст (246 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معرفة أول و آخر ما نزل من القرآن
- أول ما نزل
اختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال:
أحدها: وهو الصحيح الذي ذهب إليه أكثر الأئمة كما قال ابن حجر أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ لحديث بدء الوحي الذي رواه الشيخان.
وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة ﵂ قالت: أول سورة نزلت من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
القول الثاني: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
فقد روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. قال:
أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو «يعني جبريل» فأخذتني رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ» وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذا الحديث بأن المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار، وعبّر بعضهم عن هذا بقوله:
أول ما نزل للنبوة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأول ما نزل للرسالة يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، ويدل على ذلك قوله في حديث جابر: فإذا هو يعني جبريل، وذلك يدل على أنه رآه قبل هذه المرة.
القول الثالث: سورة الفاتحة. ودليله حديث ضعيف أخرجه البيهقي في الدلائل كما أخرجه الواحدي.
آخر ما نزل
في آخر ما نزل اختلاف؛ فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [سورة النساء آية: ١٧٦]. وآخر سورة نزلت «براءة». وروى البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا، وروى البيهقي عن عمر مثله والمراد بها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [سورة البقرة آية: ٢٧٨].
وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن:
стр. 37
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [سورة البقرة آية: ٢٨١].
وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال آخر القرآن عهدا بالعرش: «آية الربا»، و «آية الدين».
قلت: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية وَاتَّقُوا يَوْماً، وآية الدّين؛ لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح، وقول البراء: آخر ما نزل:
يَسْتَفْتُونَكَ أي في شأن الفرائض.
وفي المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة [سورة التوبة آية: ١٢٨، ١٢٩].
وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النصر آية: ١].
وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت «المائدة» فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ... الحديث.
قال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت، بأن كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكلّ قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل- أيضا- أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب.
تنبيه:
من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [سورة المائدة آية: ٣].
فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السّدّي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنّه ورد في آية الربا، والدّين، والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون ثم أيّده بما أخرجه من
стр. 38
طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت «براءة» نفي المشركون عن البيت وحج المسلمون، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [سورة المائدة آية: ٣]. اه من الإتقان للسيوطي باختصار وتصرف.
стр. 39
معرفة أسباب النزول
في هذا النوع مسائل:
[المسألة] الأولى: زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ
وأخطأ في ذلك، بل له فوائد:
- منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
- ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
- ومنها: أن اللفظ قد يكون عامّا ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ولا التفات إلى من شذّ فجوّز ذلك.
- ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال. قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
(وقد أشكل) على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [سورة آل عمران آية: ١٨٨]. وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، حتى بيّن له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه» [أخرجه الشيخان].
وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [سورة المائدة آية: ٩٣]، ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك وهو: أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس فنزلت؟!. [أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما].
ومن ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ
стр. 40
أَشْهُرٍ [سورة الطلاق آية: ٤]. فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها، إذا لم ترتب (أي تشك) وقد بيّن ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار فنزلت». أخرجه الحاكم بن أبي، فعلم بذلك أنّ الآية خطاب لمن لم يعلم حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن عدة أو لا؟
وهل عدتهن كاللاتي في سورة البقرة أو لا؟ فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.
ومن ذلك قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة آية: ١١٥] فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ، لا قتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع، فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك.
(ومنها) دفع توهم الحصر، قال الشافعي- ما معناه- في قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [سورة الأنعام آية: ١٤٥]: إن الكفّار لمّا حرّموا ما أحلّ الله، وأحلّوا ما حرم الله، وكانوا على المضادّة والمحادّة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرّمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول: لا آكل اليوم إلا حلاوة، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية.
المسألة الثانية: اختلف أهل الأصول: هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب ؟
والأصح عندنا الأول، وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، وحدّ القذف في رماة عائشة ثم تعدّى إلى غيرهم، ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال: خرجت هذه الآية ونحوها لدليل آخر كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك.
قال الزمخشري «في سورة الهمزة»: يجوز أن يكون السبب خاصّا، والوعيد عامّا ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض.
قلت: ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع
стр. 41
بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة.
قال ابن جرير: حدثني محمد بن أبي معشر، أخبرنا أبو معشر نجيح، سمعت سعيدا المقبري يذكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض كتب الله: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر لبسوا لباس مسوح الضأن من اللين يجترون الدنيا بالدّين. فقال محمد بن كعب القرظي: هذا في كتاب الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [سورة البقرة آية: ٢٠٤]، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
فإن قلت: فهذا ابن عباس لم يعتبر عموم قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [سورة آل عمران آية: ١٨٨] بل قصرها على ما أنزلت فيه من قصة أهل الكتاب، قلت:
أجيب عن ذلك بأنه لا يخفى عليه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بيّن أن المراد باللفظ خاص، ونظيره تفسير النبي ﷺ الظلم في قوله تعالى: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام آية: ٨٢] بالشّرك من قوله سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان آية: ١٣]. مع فهم الصحابة العموم في كل ظلم.
وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على اعتبار العموم، فإنه قال به في آية السرقة مع أنها نزلت في امرأة سرقت.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، نبأنا محمد بن أبي حماد، حدثنا أبو ثميلة ابن عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [سورة المائدة آية: ٣٨] أخاص أم عام؟ قال: بل عام.
وقال ابن تيمية: قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصا، كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة سلمة ابن صخر، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ [سورة المائدة آية: ٤٩] نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من
المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيّن، وإنما غاية ما يقال: إنها تخص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معيّن إن كانت أمرا أو نهيا
стр. 42
فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته. اه.
تنبيه:
قد علمت مما ذكر أن فرض المسألة في لفظ له عموم، أما آية نزلت في معيّن ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا كقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [سورة الليل آية: ١٧، ١٨] فإنها نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع، وقد استدل بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات آية: ١٣] على أنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، ووهّم من ظن أن الآية عامة في كل من عمل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم إذ الألف واللام إنما تفيد العموم، إذا كانت موصولة أو معرّفة في جمع، زاد قوم أو «مفرد» بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة؛ لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليست جمعا بل هو مفرد والعهد موجود خصوصا مع ما تفيده صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعيّن القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه ﵁.
المسألة الثالثة: قال الواحدي: لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل
، أو وقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها، وقد قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: اتّق الله وقل سدادا ذهب الذين يعلمون فيما أنزل الله من القرآن.
وقال غيره: معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما أخرجه الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة (اسم موضع) فقال النبي ﷺ : «اسق يا زبير، ثم ارسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك. فتلون وجهه .. ». الحديث. قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [سورة النساء آية: ٦٥].
وقال الحاكم في علوم الحديث: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن، أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره ومثلوه بما أخرجه مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [سورة البقرة آية: ٢٢٣].
стр. 43
وقال ابن تيمية: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول: عنى بهذه الآية كذا.
وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند. اه.
وقال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال:
نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع.
تنبيه:
ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل، فقد يقبل إذا صح المسند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، أو اعتضد بمرسل آخر ونحو ذلك.
المسألة الرابعة: [في أسباب نزول الآية]
كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعددة، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة.
١ - فإن عبّر أحدهم بقوله: نزلت في كذا، والآخر: نزلت في كذا وذكر أمرا آخر فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول. فلا منافاة بين قوليهما إذا كان اللفظ يتناولهما.
٢ - وإن عبّر واحد بقوله: نزلت في كذا وصرح الآخر بذكر سبب خلافه فهو المعتمد وذاك استنباط. مثاله: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ في إتيان النساء في أدبارهن. وتقدم عن جابر ذكر سبب خلافه فالمعتمد حديث جابر؛ لأنه نقل، وقول ابن عمر استنباط منه، وقد وهّمه فيه ابن عباس، وذكر مثل حديث جابر، كما أخرجه أبو داود والحاكم.
٣ - وإن ذكر واحد سببا وآخر سببا غيره، فإن كان إسناد أحدهما صحيحا دون الآخر فالصحيح هو المعتمد. مثاله: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب. اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله:
стр. 44
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [سورة الضحى آية: ١ - ٣].
وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة، عن حفص بن ميسرة، عن أمه، عن أمها، وكانت خادم رسول الله ﷺ أن جروا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير فمات فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه «الوحي» أخذته الرعدة فأنزل الله وَالضُّحى إلى قوله: فَتَرْضى.
قال ابن حجر في شرح البخاري: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة؛ لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يعرف فالمعتمد ما في الصحيح.
ومن أمثلته أيضا ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة آية: ١٤٤]. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [سورة البقرة آية: ١٤٢] فأنزل الله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة آية: ١١٥].
وأخرج الحاكم وغيره، عن ابن عمر قال: نزلت فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوع.
وأخرج الترمذي وضعفه من حديث عامر بن ربيعة قال: كنا سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت.
وأخرج الدارقطني نحوه من حديث جابر بسند ضعيف أيضا.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: لما نزلت ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا: إلى أين؟ فنزلت. مرسل.
وأخرج عن قتادة أن النبي ﷺ قال: إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه. فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت. معضل غريب جدّا.
فهذه خمسة أسباب مختلفة وأضعفها الأخير لإعضاله ثم ما قبله لإرساله، ثم ما قبله لضعف رواته والثاني صحيح لكنه قال: قد أنزلت في كذا ولم يصرح بالسبب والأول صحيح الإسناد وصرح فيه بذكر السبب فهو المعتمد.
стр. 45
ومن أمثلته أيضا ما أخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: خرج أمية بن خلف وأبو جهل بن هشام ورجال من قريش فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد تعال فتمسح بآلهتنا وندخل معك في دينك وكان يحب إسلام قومه فرقّ لهم، فأنزل الله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [سورة الإسراء آية: ٧٣].
وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس أن ثقيفا قالوا للنبي ﷺ : أجّلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضنا الذي يهدى لها أحرزناه ثم أسلمنا فهمّ أن يؤجلهم فنزلت.
هذا يقتضي نزولها بالمدينة وإسناده ضعيف، والأول يقتضي نزولها بمكة، وإسناده حسن وله شاهد عند أبي الشيخ عن سعيد بن جبير يرتقي به إلى درجة الصحيح فهو المعتمد.
٤ - أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون روايه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات.
مثاله: ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: لو سألتموه.
فقالوا: حدثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه الوحي يوحي إليه حتى صعد الوحي ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الإسراء آية: ٨٥].
وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا: اسألوه عن الروح فسألوه فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية. فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة والأول خلافه وقد رجح بأن ما رواه البخاري أصح من غيره وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة.
٥ - أن يمكن نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة بأن لا تكون معلومة التباعد.
مثاله: ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : «البينة أو حد في ظهرك» فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فأنزل عليه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [سورة النور آية: ٦ - ٩].
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال:
اسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟
فسأل عاصم رسول الله ﷺ ، فعاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين
стр. 46
رسول الله ﷺ فلأسألنه فأتاه فقال: «إنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن» الحديث.
جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال بن أمية وصادف مجيء عويمر أيضا فنزلت في شأنهما معا وإلى هذا جنح النووي وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد.
وأخرج البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به. قال: شرّا. قال: فأنت يا عمر. قال: كنت أقول: لعن الله الأعجز وإنه لخبيث. فنزلت».
قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب.
٦ - أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره.
مثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عمّ قل لا إله إلا الله أحاجّ لك بها عند الله فقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال هو: على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ :
لأستغفرن لك مالم أنه عنه فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ..... [سورة التوبة آية: ١١٣].
وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت.
وأخرج الحاكم، وغيره عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى، فقال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، إني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل عليّ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» فجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول.
ومن أمثلته أيضا ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثّل به، فقال: لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [سورة النحل آية: ١٢٦] إلخ السورة.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار
стр. 47
أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ الآية. فظاهره تأخير نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد. قال ابن الحصار: ويجمع أنها نزلت أولا بمكة قبل الهجرة مع السورة؛ لأنها مكية ثم ثانيا بأحد ثم ثالثا يوم الفتح تذكيرا من الله لعباده، وجعل ابن كثير من هذا القسم آية الروح.
تنبيه: (١)
قد يكون في إحدى القصتين «فتلا» فيهم الراوي فقال: فنزل.
مثاله: ما أخرجه الترمذي، وصححه عن ابن عباس، قال: مر يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه فأنزل الله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [سورة الزمر آية: ٦٧]. والحديث في الصحيح بلفظ فتلا رسول الله ﷺ وهو الصواب، فإن الآية مكية.
ومن أمثلته أيضا: ما أخرجه البخاري عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، ولم ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفا. قال: جبريل؟ قال: نعم. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ [سورة البقرة آية: ٩٧].
قال ابن حجر في شرح البخاري: ظاهر السياق أن النبي ﷺ قرأ الآية ردّا على اليهود ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا هو المعتمد، فقد صح في سبب نزول الآية قصة غير قصة ابن سلام.
تنبيه: (٢)
عكس ما تقدم أن يذكر سبب واحد في نزول الآيات المتفرقة ولا إشكال في ذلك فقد ينزل في الواقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى.
مثاله: ما أخرجه الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ [سورة آل عمران آية: ١٩٥].
стр. 48
وأخرج الحاكم عنها- أيضا- قالت: قلت يا رسول الله: تذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزلت إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [سورة الأحزاب آية: ٣٥]، وأنزلت أَنِّي لا أُضِيعُ
عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
[سورة آل عمران آية: ١٩٥].
وأخرج- أيضا- عنها أنها قالت: تغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [سورة النساء آية: ٣٢]، وأنزل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [سورة الأحزاب آية: ٣٥].
ومن أمثلته- أيضا- ما أخرجه البخاري من حديث زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ أملى عليه: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» فجاء ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [سورة النساء آية: ٩٥].
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت- أيضا- قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال: كيف لي يا رسول الله وأنا أعمى، فأنزلت لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ [سورة التوبة آية: ٩١].
ومن أمثلته: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل حجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان، فطلع رجل أزرق فدعاه رسول الله ﷺ فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم فأنزل الله يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [سورة التوبة آية: ٧٤]، وأخرجه الحاكم وأحمد بهذا اللفظ وآخره فأنزل الله يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ [سورة المجادلة آية: ١٨].
تنبيه: (٣)
تأمل ما ذكرته لك في هذه المسألة واشدد به يديك، فإني حررته واستخرجته بفكري من استقراء صنيع الأئمة ومتفرقات كلامهم، ولم أسبق إليه. اه ملخصا من الإتقان للسيوطي.
стр. 49
ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة
قال السيوطي في الإتقان: هو في الحقيقة نوع من أسباب النزول والأصل فيه موافقات عمر وقد أفردها بالتصنيف جماعة.
أخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. قال ابن عمر: وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
وأخرج البخاري وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [سورة البقرة آية: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك.
وأخرج مسلم عن ابن عمر عن عمر ﵄ قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسرى بدر، وفي مقام إبراهيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس ﵁ قال: قال عمر: وافقت ربي أو وافقني ربي في أربع نزلت هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ... الآية. فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون آية: ١٢ - ١٤].
وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن يهوديّا لقي عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال عمر: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [سورة البقرة آية: ٩٨] قال: فنزلت على لسان عمر.
وأخرج سنيد في تفسيره، عن سعيد بن جبير، أن سعيد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [سورة النور آية: ١٦] فنزلت كذلك، وأخرج ابن أخي ميمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال: كان رجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا سمعا شيئا من ذلك قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم. زيد بن حارثة، وأبو أيوب فنزلت كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: لما أبطأ على النساء الخبر في أحد خرجن
стр. 50
يستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله ﷺ ؟
قال: حي. قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء، فنزل القرآن على ما قالت وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ [سورة آل عمران آية: ١٤٠].
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا الواقدي، حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه، قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى، وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [سورة آل عمران آية: ١٤٤]. ثم قطعت يده اليسرى، فحني على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية ثم قتل، فسقط اللواء. قال محمد بن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يومئذ حتى نزلت بعد ذلك.
«تذنيب» يقرب من هذا ما ورد في القرآن على لسان غير الصحابة كالنبي ﵊ وجبريل والملائكة غير مصرح بإضافته إليهم ولا محكي بالقول كقوله: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [سورة الأنعام آية: ١٠٤] الآية. فإن هذا وارد على لسانه ﷺ لقوله آخرها: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. وقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [سورة مريم آية: ١١٤] فإنه وارد أيضا على لسانه. وقوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [سورة مريم آية: ٦٤]. وارد على لسان جبريل، وقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [سورة الصافات آية: ١٦٤ - ١٦٦] وارد على لسان الملائكة، وكذا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة آية: ٥] وارد على ألسنة العباد. إلا أنه يمكن هنا تقدير القول: أي قولوا، وكذا الآيتان الأوليان يصح أن يقدر فيهما «قل» بخلاف الثالثة والرابعة. اه. من الإتقان.
стр. 51
ما تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه
قال الزركشي في البرهان: قد يكون النزول سابقا على الحكم كقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [سورة الأعلى آية: ١٤، ١٥]، فقد روى البيهقي وغيره عن ابن عمر أنها نزلت في زكاة الفطر. وأخرج البزار نحوه مرفوعا. وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم.
وأجاب البغوي؛ بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم، كما قال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [سورة البلد آية: ١، ٢] فالسورة مكية وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال ﵇: أحلت لي ساعة من نهار
وكذلك نزلت بمكة سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر آية: ٤٥] قال عمر بن الخطاب: فقلت: «أيّ جمع؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا بالسيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكانت ليوم بدر»، أخرجه الطبراني في الأوسط.
وكذلك قوله: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [سورة ص آية: ١١]. قال قتادة: «وعده الله وهو يومئذ بمكة أنه سيهزم جندا من المشركين فجاء تأويلها يوم بدر» [أخرجه ابن أبي حاتم].
ومثله أيضا قوله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ [سورة سبأ آية: ٤٩].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله قُلْ جاءَ الْحَقُّ قال: السيف، والآية مكية متقدمة على فرض القتال، ويؤيد تفسير ابن مسعود ما أخرجه الشيخان من حديثه أيضا قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم فتح مكة وحول الكعبة ثلثمائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود كان في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وما يبدئ الباطل وما يعيد.
وقال ابن الحصار: قد ذكر الله الزكاة في السور المكيات كثيرا تصريحا وتعريضا وبأن الله سينجز وعده لرسوله، ويقيم دينه، ويظهره حتى يفرض الصلاة والزكاة وسائر الشرائع، ولم تؤخذ الزكاة إلا بالمدينة بلا خلاف، وأورد من ذلك قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [سورة الأنعام آية: ١٤١]. وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [سورة المزمل آية: ٢٠]، ومن ذلك قوله فيها: وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن ذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً
стр. 52
[سورة فصلت آية: ٣٣].
فقد قالت عائشة، وابن عمر، وعكرمة، وجماعة: إنها نزلت في المؤذنين والآية مكية ولم يشرع الأذان إلا بالمدينة.
ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه: آية الوضوء. ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله ﷺ ، ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر، فلكزني لكزة شديدة وقال:
حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [سورة المائدة آية: ٦]، فالآية مدنية إجماعا وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة.
قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند. قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به؛ ليكون فرضه متلوّا بالتنزيل.
وقال غيره: يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة. قلت: يرده الإجماع على أن الآية مدنية.
ومن أمثلته أيضا: آية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة. وقول ابن الغرس:
إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط، يرده ما أخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك، قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، يستغفر لأبي أمامة، أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا؟ قال: أي بني: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة.
ومن أمثلته أيضا قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [سورة التوبة آية: ٦٠]. فإنها نزلت سنة تسع، وقد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة. قال ابن الحصار: فقد يكون
مصرفها قبل ذلك معلوما ولم يكن فيه قرآن متلو، كما كان الوضوء معلوما قبل نزول الآية، ثم نزلت تلاوة القرآن تأكيدا به.
стр. 53
إعجاز القرآن الكريم
قال السيوطي في الإتقان: أفرده بالتصنيف خلائق منهم الخطابي والرماني والزملكاني والإمام الرازي وابن سراقة، والقاضي أبو بكر الباقلاني، قال ابن العربي:
ولم يصنف مثل كتابه (أي الباقلاني).
اعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة.
وهي إما حسية وإما عقلية، وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر، كما قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» أخرجه البخاري. قيل إن معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة في خرقه العادة بأسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر، من الأعصار، إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون مما يدل على صحة دعواه.
وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
قال في فتح الباري: ويمكن نظم القولين في كلام واحد، فإن محصلهما لا ينافي بعضه بعضا، ولا خلاف بين العقلاء: أن كتاب الله تعالى معجز، لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديهم بذلك.
قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [سورة التوبة آية: ٦]. فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.
وقال تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [سورة العنكبوت آية: ٥٠، ٥١].
فأخبر أن الكتاب آيات من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره، وآيات
стр. 54
من سواه من الأنبياء، ولما جاء به النبي ﷺ إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا كما قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [سورة الطور آية: ٣٤]، ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [سورة هود آية: ١٣، ١٤]. ثم تحداهم بسورة في قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... [سورة يونس آية: ٣٨]، ثم كرر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .... [سورة البقرة آية: ٢٣]، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن الكريم فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء آية: ٨٨] فهذا، وهم الفصحاء اللّدّ وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا سحر، وتارة قالوا شعر، وتارة قالوا أساطير الأولين، كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم، واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم.
كيف وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لئلا تأتي محمدا لتتعرض لما قاله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟
فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي نقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره.
قال الجاحظ: بعث الله محمدا ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما
стр. 55
كانت لغة وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم، وأعمامهم، وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج
عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه، إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها تكشّف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا رغب فيه ليتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال.
أوجه الإعجاز
لما ثبت كون القرآن معجزة نبينا ﷺ ، وجب الاهتمام بمعرفة أوجه الإعجاز وقد خاض الناس في ذلك كثيرا فبين محسن ومسيء.
فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق وبه وقع عجزها، وهو مردود لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به، والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدال على القديم وهو الألفاظ.
ثم زعم النظام: أن إعجازه بالصرفة: أي أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات، وهذا قول فاسد بدليل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ... [سورة الإسراء آية: ٨٨]، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله؟!
стр. 56
وأيضا- فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول ﷺ العظمى باقية ولا معجزة له باقية سوى القرآن الكريم.
قال القاضي أبو بكر: ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، قال: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم: إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به، ولا بأعجب من قول آخرين: إن العجز وقع منهم، وأما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله وكل هذا لا يعتد به.
وقال قوم: وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [سورة آل عمران آية: ١٢٢]، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [سورة المجادلة آية: ٨].
وقال القاضي أبو بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم، قال: ولهذا لم يمكنهم معارضته، قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر؛ لأنه ليس مما يخرق العادة بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشعر، ووصف الخطب، وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك فأما شأو ونظم القرآن فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، قال: ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر وفي بعضه أدق وأغمض.
وقال الإمام فخر الدين: وجه الإعجاز الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب.
وقال ابن عطية: الصحيح الذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه، أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه، وذلك أن الله أحاط بكل شيء علما، وأحاط
стр. 57
بالكلام كله، فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح، أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا، ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها، لم يوجد ونحن يتبين لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة.
وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة، وفي معجزة عيسى بالأطباء، فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير الذي هو أبدع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن عيسى والفصاحة في زمن محمد ﷺ .
وقال حازم في منهاج البلغاء: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد
من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.
وقال الخطابي: إن القرآن إنما صار معجزا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى، وتنزيهه في صفاته، ودعائه إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل منها من مثلات الله بمن مضى وعائدا منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأدل على وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم
стр. 58
وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة: إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، وقرعا في النفوس يرهبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور، التي أوجبها العناد والجهل والعجز.
ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها، ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة ما لا مثيل له.
قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [سورة الحشر آية: ٢١].
وقال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [سورة الزمر آية: ٢٣].
وقال القاضي عياض في «الشفا»: اعلم أن القرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه:
الأول: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن.
الثاني: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب؛ المخالف لأساليب كلام العرب، ومنها نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته، وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، قال: وكل واحد من هذين النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها والأسلوب الغريب بذاته نوع إعجاز على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما؛ إذ كل واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها، خلافا لمن زعم أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب.
الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن فوجد كما ورد.
الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة، إلا الفذ في أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم
стр. 59
ذلك، فيورده ﷺ على وجهه ويأتي به على نصه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، قال:
فهذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها.
ومن الوجوه في إعجازه غير ذلك: آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوه ولا قدروا على ذلك كقوله لليهود: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [سورة البقرة آية: ٩٤، ٩٥] فما تمناه أحد منهم وهذا الوجه داخل في الوجه الثالث.
ومنها: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، وقد أسلم جماعة عند سماع آيات منه، كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب «بالطور» قال: فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [سورة الطور آية: ٣٥ - ٣٧] فقال: كاد قلبي أن يطير، قال: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي، وقد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف.
ثم قال: ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع ما تكفل الله بحفظه.
ومنها: أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة، وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد ويمل مع الترديد، ولهذا وصف ﷺ القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد.
ومنها: جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة، قال: وهذا الوجه داخل في بلاغته فلا يجب أن يعد فنّا مفردا في إعجازه، قال: والأوجه التي قبله تعد في خواصه وفضائله لا إعجازه وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة الأول فليعتمد عليها. اه.
стр. 60
آداب تلاوته وكيفيتها
اعلم أنه ينبغي لمح موقع النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه، بكونه أعظم المعجزات، لبقائه ببقاء دعوة الإسلام، ولكونه ﷺ خاتم الأنبياء
والمرسلين، فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان؛ لأنه كلام رب العالمين، وأشرف كتبه جل وعلا، فليعلم من عنده القرآن أن الله أنعم عليه نعمة عظيمة، وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه؛ لأن القرآن مشتمل على طلب أمور، والكف عن أمور، وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وأهلكوا لما عصوا، وليحذر من علم حالهم أن يعصي، فيصير مآله مآلهم، فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه طريقا لكتاب الله تعالى، وأن صدره مصحف له، امتنعت نفسه الموفقة عن الرذائل، وأقبلت على العمل الصالح الهائل. وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته، قال الله تعالى لنبيه ﷺ :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [سورة المزمل آية: ٤]. وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [سورة الإسراء آية: ١٠٦]. فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله، وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه، والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى ينتفع بكل ما يقرأ، وأن يسكت بين النّفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه، وألا يدغم حرفا في حرف؛ لأن أقل ما في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم؛ فهذا الذي وصفت أقل ما يجب من الترتيل.
وقيل: أقل الترتيل أن يأتي بما يبين ما يقرؤه، وإن كان مستعجلا في قراءته، وأكمله أن يتوقف فيها، ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط؛ فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم.
وينبغي أن يشتغل قلبه في التفكر في معنى ما يلفظ بلسانه، فيعرف من كل آية معناها، ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها، فإذا مر بآية رحمة وقف عندها وفرح بما وعده الله تعالى منها، واستبشر إلى ذلك، وسأل الله برحمته الجنة. وإن قرأ آية عذاب وقف عندها، وتأمل معناها؛ فإن كانت في الكافرين اعترف بالإيمان، فقال: آمنا بالله وحده، وعرف موضع التخويف، ثم سأل الله تعالى أن يعيذه من النار.
وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقف عندها-
стр. 61
وقد كان بعضهم يقول: لبيك ربي وسعديك- ويتأمل ما بعدها مما أمر به ونهى عنه.
وذلك إذا قرأ في غير الصلاة.
وتكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه يحمل حديث عبد الله بن عمرو: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح].
وقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: أهذّا (سرعة) كهذّ الشعر! وكذلك قوله ﷺ في صفة الخوارج: «يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا حناجرهم» ذمهم بإحكام ألفاظه، وترك التفهم لمعانيه.
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
ويجوز أخذ الأجرة على التعليم، ففي صحيح البخاري: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». وقيل: إن تعين عليه لم يجز. واختاره الحليمي، وقال: استصغر الناس المعلمين لقصرهم زمانهم على معاشرة الصبيان، ثم النساء حتى أثر ذلك في عقولهم، ثم لابتغائهم عليه الأجعال، وطمعهم في أطعمة الصبيان، فأما نفس التعليم فإنه يوجب التشريف والتفضيل.
وقال أبو الليث في كتاب «البستان»: التعليم على ثلاثة أوجه:
أحدها: للحسبة ولا يأخذ به عوضا. والثاني: أن يعلّم بالأجرة، والثالث: أن يعلّم بغير شرط، فإذا أهدي إليه قبل.
فالأول: مأجور عليه وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
الثاني: مختلف فيه، قال أصحابنا المتقدمون: لا يجوز؛ لقوله ﷺ : «بلّغوا عني ولو آية». وقال جماعة من المتأخرين: يجوز مثل عصام بن يوسف ونصر بن يحيى، وأبي نصر بن سلام- وغيرهم قالوا: والأفضل للمعلم أن يشارط الأجرة للحفظ وتعليم الكتابة، فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به؛ لأن المسلمين قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه.
وأما الثالث: فيجوز في قولهم جميعا: لأن النبي ﷺ كان معلّما للخلق وكان يقبل الهدية، ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة وأخذوا منه جعلا (أجرا) وقال النبي ﷺ :
«واضربوا لي معكم فيها بسهم».
стр. 62
ما يستحب عند القراءة
يستحب الاستياك وتطهير فمه للقراءة باستياكه (استعمال السواك)، وتطهير بدنه بالطيب المستحب تكريما لحال التلاوة، لابسا من الثياب ما يتجمل به بين الناس، لكونه بالتلاوة بين يدي المنعم المتفضل بهذا الإيناس، فإن التالي للكلام، بمنزلة المكالم لصاحب الكلام وهذا غاية التشريف من فضل الكريم العلام، ويستحب أن يكون جالسا مستقبل القبلة. سئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو متكئ، فاستوى جالسا وقال: أكره أن أحدث عن رسول الله ﷺ وأنا متكئ، وكلام الله تعالى أولى.
ويستحب أن يكون متوضئا، ويجوز للمحدث، قال إمام الحرمين وغيره: لا يقال إنها مكروهة فقد صح أنه ﷺ كان يقرأ مع الحدث وعلى كل حال سوى الجنابة وفي معناها الحيض والنفاس، وللشافعي قول قديم في الحائض: تقرأ خوف النسيان. وقال أبو الليث: لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض أقل من آية واحدة. قال:
وإذا أرادت الحائض التعلم فينبغي لها أن تلقن نصف آية، ثم تسكت ولا تقرأ آية واحدة بدفعة واحدة.
التعوذ وقراءة البسملة عند التلاوة
يستحب التعوذ قبل القراءة، فإن قطعها قطع ترك، وأراد العود جدد، وإن قطعها لعذر عازما على العود كفاه التعوذ الأول ما لم يطل الفصل، ولا بد من قراءة البسملة أول كل سورة تحرزا من مذهب الشافعي؛ وإلا كان قارئا بعض السور لا جميعها، فإن قرأ من أثنائها استحب له البسملة أيضا، نص عليه الشافعي ﵀ فيما نقله العبادي.
قراءة القرآن في المصحف أفضل أم عن ظهر قلب ؟
وهل القراءة في المصحف أفضل أم عن ظهر قلب، أم يختلف الحال؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها من المصحف أفضل؛ لأن النظر فيه عبادة، فيجتمع القرآن والنظر، وهذا قاله القاضي حسين والغزالي، قال: وعلة ذلك أنه يزيد النظر .. وتأمل المصحف وحمله، فيزيد في الأجر بسبب ذلك، وقد قيل: الختمة في المصحف بسبع، وذكر أن الأكثرين من الصحابة كانوا يقرءون في المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف.
ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعي رحمه الله تعالى المسجد وبين يديه المصحف فقال: شغلكم الفقه عن القرآن؛ إني لأصلي العتمة، وأضع المصحف في يدي فما أطبقه حتى الصبح.
стр. 63
وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يقرأ في كل يوم سبعا من القرآن لا يتركه نظرا.
وعن الأوزاعي كان يعجبهم النظر في المصحف بعد القراءة هنيهة.
قال بعضهم: وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة ولا يتركه مهجورا.
والقول الثاني: أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، واختاره أبو محمد بن عبد السلام.
فقال في أماليه: قيل القراءة في المصحف أفضل، لأنه يجمع فعل الجارحتين، وهما اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة، وهذا باطل؛ لأن المقصود من القراءة التدبر لقوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [سورة ص آية: ٢٩]، والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود فكان مرجوحا.
والثالث: واختاره النووي في الأذكار: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، قال: وهو مراد السلف.
حكم خلط سورة بسورة
عدّ الحليمي من الآداب ترك خلط سورة بسورة، وذكر الحديث الآتي:
قال البيهقي: وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة النبي ﷺ وأخذه عن جبريل، فالأولى بالقارئ أن يقرأه على التأليف المنقول المجتمع عليه؛ وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم. ونقل القاضي أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية من كل سورة. وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر بأبي بكر وهو يقرأ: يخفض صوته، وبعمر يجهر بصوته، وذكر الحديث، وفيه فقال: «وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة». فقال: كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض؛ فقال: «كلكم قد أصاب».
وفي رواية لأبي عبيد في «فضائل القرآن» قال بلال: «أخلط الطيب بالطيب»، فقال له: «اقرأ السورة على وجهها» أو قال: على نحوها- وهذه زيادة مليحة- وفي رواية: «إذا قرأت السورة فأنفذها». أي لا تخلط سورة بسورة.
وروي عن خالد بن الوليد أنه أمّ الناس فقرأ من سور شتى، ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال: شغلني الجهاد عن تعلم القرآن.
وروي المنع عن ابن سيرين ثم قال أبو عبيد: الأمر عندنا على الكراهة في قراءة هذه
стр. 64
الآيات المختلفة؛ كما أنكر رسول الله ﷺ على بلال، وكما اعتذر خالد عن فعله، ولكراهة ابن سيرين له. ثم قال: إن بعضهم روى حديث بلال وفيه: فقال النبي ﷺ :
«كل ذلك حسن» وهو أثبت وأشبه بنقل العلماء .. اه.
حكم قراءة القرآن مع جماعة
قال الإمام النووي في «التبيان»: اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة، فقد صح عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄، أنه قال: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه مسلم وأبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم].
وعن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: «ما يجلسكم؟
قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للإسلام، ومنّ علينا به فقال: أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة» [رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح] والأحاديث في هذا كثيرة.
وروى الدارمي بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له نورا».
وروى ابن أبي داود: أن أبا الدرداء ﵁ كان يدرس القرآن معه نفر يقرءون جميعا، وروى ابن أبي داود فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف والخلف وقضاة المتقدمين.
وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا: أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل في قدمته على عبد الملك.
وأما ما روى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب: أنه أنكر هذه الدراسة، وقال: ما رأيت ولا سمعت، وقد أدركت أصحاب رسول الله ﷺ : يعني ما رأيت أحدا فعلها.
وعن وهب قال: قلت لمالك: أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعا سورة واحدة
стр. 65
حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا تصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه، فهذا الإنكار منهما مخالف لما كان عليه السلف والخلف، ولما يقتضيه الدليل، فهو متروك، والاعتماد على ما تقدم من استحبابها.
ختم القرآن
ويستحب ختم القرآن في كل أسبوع، قال النبي ﷺ : «اقرأ القرآن في كل سبع ولا تزد» [رواه أبو داود].
وروى الطبراني بسند جيد: سئل أصحاب رسول الله ﷺ : كيف كان رسول الله ﷺ يجزئ القرآن؟ قالوا: كان يجزئه ثلاثا وخمسا، وكره قوم قراءته في أقل من ثلاث، وحملوا عليه حديث: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» [رواه الأربعة وصححه الترمذي].
والمختار- وعليه أكثر المحققين- أن ذلك يختلف بحال الشخص في النشاط والضعف، والتدبر والغفلة؛ لأنه روي عن عثمان ﵁ أنه كان يختمه في ليلة واحدة.
ويكره تأخير ختمه أكثر من أربعين [رواه أبو داود].
وقال أبو الليث في كتاب «البستان»: ينبغي أن يقرأ القرآن في السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة.
وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى للقرآن حقه؛ لأن النبي ﷺ عرضه على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين.
وقال أبو الوليد الباجي: أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث يحتمل أنه الأفضل في الجملة، أو أنه الأفضل في حق ابن عمرو لما علم من ترتيله في قراءته، وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حدّ له، وأما من استطاع أكثر من ذلك فلا تمنع الزيادة عليه.
وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن في كل ليلة فقال: ما أحسن ذلك: إن القرآن إمام كل خير.
وقال بشر بن السّري: إنما الآية مثل التمرة كلما مضغتها استخرجت حلاوتها، فحدث به أبو سليمان فقال: صدق؛ إنما يؤتى أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة أراد آخرها. فالتأني مع التدبر والتذكر أفضل بلا شك، وكله إلى خير إن شاء الله.
стр. 66
التكبير بين السور ابتداء من سورة الضحى
يستحب التكبير من أول سورة الضحى إلى أن يختم، وهي قراءة أهل مكة أخذها ابن كثير عن مجاهد، ومجاهد عن ابن عباس، وابن عباس عن أبي، وأبي عن النبي ﷺ ، رواه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان وقواه. ورواه من طريق موقوفا على أبيّ بسند معروف، وهو حديث غريب، وقد أنكره أبو حاتم الرازي على عادته في التشديد، واستأنس له الحليمي بأن القراءة تنقسم إلى أبعاض متفرقة، فكأنه كصيام الشهر؛ وقد أمر الناس إذا أكملوا العدة أن يكبروا الله على ما هداهم، فالقياس أن يكبر القارئ إذا أكمل عدة السور.
وذكر غيره أن التكبير كان لاستشعار انقطاع الوحي، قال: وصفته في آخر هذه السور أنه كلما ختم سورة وقف وقفة، ثم قال: الله أكبر، ثم وقف وقفة، ثم ابتدأ السورة التي تليها إلى آخر القرآن، ثم كبّر كما كبّر من قبل، ثم أتبع التكبير الحمد والتصديق والصلاة على النبي ﷺ والدعاء.
وقال سليم الرازي في تفسيره: يكبر القارئ بقراءة ابن كثير إذا بلغ وَالضُّحى بين كل سورتين تكبيرة، إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بالتكبير، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك ما روي أن الوحي كان تأخر عن رسول الله ﷺ أياما، فقال ناس: إن محمدا قد ودّعه صاحبه وقلاه، فنزلت هذه السورة، فقال: الله أكبر، قال: ولا يكبر في قراءة الباقين؛ ومن حجتهم أن ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن، بأن زيد عليه التكبير فيتوهم أنه من القرآن فيثبتونه فيه.
ما يفعله القارئ عند ختم القرآن
إذا ختم القرآن وقرأ المعوذتين قرأ الفاتحة وقرأ خمس آيات من البقرة إلى قوله هُمُ الْمُفْلِحُونَ لأنها آية عند الكوفيين، وعند غيرهم بعض آية. وقد روى الترمذي: أي
العمل أحب إلى الله؟ قال: «الحالّ المرتحل» قيل المراد به: الحث على تكرار الختم ختمة بعد ختمة، وقيل: المراد به: أنه إذا ختم بآخر سورة بدأ بقراءة أول سورة منه وخمس آيات من سورة البقرة فيكون معنى «الحالّ المرتحل» أي الذي إذا ختم القرآن بدأ بقراءة أوله.
стр. 67
حكم من شرب شيئا كتب من القرآن
منع ذلك بعضهم، وكرهه، وأجازه الأكثرون وهو الصواب.
وممن صرح بالجواز من أصحاب الشافعي العماد النيهي تلميذه البغوي فيما رأيته بخط ابن الصلاح، قال: لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن، فلو غسلها وشرب ماءها جاز.
وجزم القاضي الحسين، والرافعي بجواز أكل الأطعمة التي كتب عليها شيء من القرآن.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي في ذكر منصور بن عمار: أنه أوتي الحكمة، وقيل: إن سبب ذلك أنه وجد رقعة في الطريق مكتوبا عليها بسم الله الرحمن الرحيم فأخذها فلم يجد لها موضعا، فأكلها، فأري فيما يرى النائم كأنّ قائلا قد قال له:
قد فتح الله عليك باحترامك لتلك الرقعة، فكان بعد ذلك يتكلم بالحكمة. اه من البرهان.
أحكام تتعلق باحترام المصحف وتعظيمه
ويستحب تطييب المصحف وجعله على كرسي، ويجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح.
روى البيهقي بسنده إلى الوليد بن مسلم قال: سألت مالكا عن تفضيض المصاحف، فأخرج إلينا مصحفا فقال: حدثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان ﵁، وأنهم فضّضوا المصاحف على هذا ونحوه، وأما بالذهب فالأصح أنه يباح للمرأة دون الرجل، وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف دون علاقته (ما يعلق فيه المصحف) المنفصلة عنه، والأظهر التسوية.
ويحرم توسد المصحف وغيره من كتب العلم؛ لأن فيه إذلالا وامتهانا، وكذلك مد الرجلين إلى شيء من القرآن أو كتب العلم، ويستحب تقبيل المصحف؛ لأن عكرمة ابن أبي جهل كان يقبله، وبالقياس على تقبيل الحجر الأسود. ولأنه هدية الله لعباده، فشرع تقبيله كما يستحب تقبيل الولد الصغير.
وعن أحمد ثلاث روايات: الجواز، والاستحباب، والتوقف، وإن كان فيه رفعة وإكرام؛ لأنه لا يدخله قياس، ولهذا قال عمر في الحجر: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
ويحرم السفر بالقرآن إلى أرض العدو للحديث فيه؛ خوف أن تناله أيديهم، وقيل:
إذا كثر الغزاة وأمن استيلاؤهم عليه لم يمنع، لقوله: «مخافة أن تناله أيديهم». ويحرم
стр. 68
كتابة القرآن بشيء نجس، وكذلك ذكر الله تعالى، وتكره كتابته في القطع الصغير.
اه. ملخصا من الزركشي.
تجويد القرآن
من المهمات تجويد القرآن وقد أفرده جماعة كثيرون بالتصنيف منهم الداني وغيره، أخرج عن ابن مسعود أنه قال: جوّدوا القرآن. قال القراء: التجويد حلية القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله وتلطيف النطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» يعني ابن مسعود، وكان ﵁ قد أعطي حظّا عظيما في تجويد القرآن، ولا شك أن الأمة كما أنهم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، فهم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالحضرة النبوية.
وقد عدّ العلماء القراءة بغير تجويد لحنا، فقسموا اللحن إلى جليّ وخفيّ، فاللحن خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بها، إلا أن الجلي يخل إخلالا ظاهرا يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم وهو الخطأ في الإعراب، والخفي يخل إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء.
وكل منها واجب على من قدر عليه؛ لأن بهما يكون الفهم الصحيح.
قال ابن الجزري: ولا أعلم لبلوغ النهاية في التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن.
وقاعدته ترجع إلى كيفية الوقف والإمالة والإدغام، وأحكام الهمزة والترقيق والتفخيم ومخارج الحروف. اه.
كيفية تحمل القرآن الكريم
اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة، صرح به الجرجاني في «الشافي»، والعبادي وغيرهما .. قال الجويني: والمعنيّ فيه أن لا ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين وإلا أثم الكل.
وتعليمه- أيضا- فرض كفاية، وهو أفضل القرب، ففي الصحيح «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه».
стр. 69
وأوجه التحمل السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه.
أما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفا وخلفا، وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا؛ لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القرآن من النبي ﷺ . لكن لم يأخذ به أحد من القراءة، والمنع فيه ظاهر؛ لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث، فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ ؛ لأنه نزل بلغتهم، ومما يدل للقراءة على الشيخ: عرض النبي ﷺ على جبريل في رمضان كل عام.
ويحكى أن الشيخ شمس الدين الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق، لم يتسع وقته لقراءة الجميع فكان يقرأ عليهم الآية، ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة فلم يكتف بقراءته.
وتجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة بحيث لا يخفى عليه حالهم.
وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، وكذا لو كان الشيخ مشتغلا بشغل آخر كنسخ ومطالعة، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل تكفي ولو من المصحف.
كيفيات القراءة
كيفيات القراءة ثلاث:
إحداها: التحقيق وهو إعطاء كل حرف حقه، من إشباع المد
وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات، وبيان الحروف وتفكيكها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترتيل والتؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر للممدود ولا اختلاس للحروف ولا إسكان محرّك ولا إدغامه.
وهو يكون برياضة الألسن وتقويم الألفاظ، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات، وتكريم الراءات، وتحريك السواكن، وتطنين النونات بالمبالغة في الغنّات، كما قال حمزة لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما فوق البياض برص، وما فوق الجعودة قطط، وما فوق القراءة ليس بقراءة؟ وكذا يحترز من الفصل بين حروف الكلمة كمن يقف
стр. 70
على التاء من نَسْتَعِينُ وقفة لطيفة مدعيا أنه يرتل، وهذا النوع من القراءة مذهب حمزة وورش، وقد أخرج فيه الداني حديثا في كتاب التجويد مسلسلا إلى أبيّ بن كعب أنه قرأ على رسول الله ﷺ التحقيق وقال: إنه غريب مستقيم الإسناد.
الثانية: الحدر بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين
، وهو إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر، والتسكين، والاختلاس، والبدل، والإدغام الكبير، وتخفيف الهمزة، ونحو ذلك مما- صحت به الرواية- مع مراعاة إقامة الإعراب وتقويم اللفظ وتمكين الحروف بدون بتر حروف المد واختلاس أكثر الحركات، وذهاب صوت الغنة والتفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب.
الثالثة: التدوير: وهو التوسط بين المقامين بين التحقيق والحدر
، وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مد المنفصل ولم يبلغ فيه الإشباع وهو مذهب سائر القراء، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء.
تنبيه:
سيأتي في النوع الذي يلي هذا استحباب الترتيل في القراءة، والفرق بينه وبين التحقيق فيما ذكره بعضهم: أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين، والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط فكل تحقيق ترتيل وليس كل ترتيل تحقيقا. اه.
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
قال السيوطي في الإتقان: قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران آية: ٧].
وقد حكى ابن حبيب النيسابوري في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [سورة هود آية: ١].
الثاني: كله متشابه لقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [سورة الزمر آية: ٢٣].
الثالث: وهو الصحيح انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية المصدر بها، والجواب عن الآيتين أن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز.
وقد اختلف في تعيين المحكم والمتشابه على أقوال: فقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور.
стр. 71
- وقيل: المحكم ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه.
- وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها.
- وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان قاله الماوردي.
- وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
- وقيل المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المحكمات:
ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات:
منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
وأخرج الفريابي عن مجاهد قال: المحكمات: ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: المحكمات: هي أوامره الزاجرة.
وأخرج عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى: الفرائض والأمر والنهي والحلال.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: «الثلاث الآيات من آخر سورة الأنعام محكمات: قُلْ تَعالَوْا والآيتان بعدها» وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال: من ههنا قُلْ تَعالَوْا إلى ثلاث آيات، ومن ها هنا وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى ثلاث آيات بعدها. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قد نسخ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: المتشابهات فيما بلغنا الم، والمص، المر، والر، قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن عكرمة وقتادة وغيرهما: أن المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به.
واختلف هل المتشابه مما يمكن الإطلاع على علمه، أو لا يعلمه إلا الله .. ؟ على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هل هو معطوف، ويقولون حال أو مبتدأ خبره يقولون والواو للاستئناف؟ وعلى الأول طائفة يسيرة منهم مجاهد وهو رواية عن ابن عباس، فأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال: أنا ممن يعلم تأويله.
стр. 72
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال: يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعلمون تأويله، لو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه، ولا حلاله من حرامه، ولا محكمه من متشابهه- واختار هذا القول النووي فقال: في شرح مسلم:
إنه الأصح؛ لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم- خصوصا أهل السنة- فذهبوا إلى الثاني، وهو أصح الروايات عن ابن عباس، قال ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة، واختاره العتبي. قال: وقد كان يعتقد مذهب أهل السنة لكنه سها في هذه المسألة قال: ولا غرو فإن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
قلت: ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس، أنه كان يقرأ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويقول:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم مبتغي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب، وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب- أيضا- «ويقول الراسخون». وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش، قال في قراءة ابن مسعود: «وإن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به».
وأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ قالت: قال رسول الله ﷺ :
«فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذرهم».
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر وأمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال
стр. 73
وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب، ثم أخرجه من وجه آخر عن
ابن عباس موقوفا بنحوه.
وأخرج الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة «فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه» وفي رواية عنده «فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري: لا يجالسه أحد من المسلمين».
وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله تعالى وأن الخوض فيه مذموم، وسيأتي قريبا زيادة على ذلك.
قال الطيبي: المراد بالمحكم: ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا، والثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل والثاني المؤول، فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه. ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه قالوا: فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله، ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم؛ لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء، فقال أولا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى أن قال:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لإتيان لفظ الرسوخ؛ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الإرشاد ورسخ القدم في العلم، أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء الراسخين في العلم:
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [سورة آل عمران آية: ٨] .. إلخ شاهدا على أن الراسخين في العلم مقابل لقوله: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ تام، وإلى أن علم المتشابه مختص بالله تعالى. وأن من حاول معرفته هو الذي أشار
стр. 74
إليه في الحديث بقوله ﷺ : «فاحذرهم».
وقال بعضهم: العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه، كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنّف كتابا أجمل فيه أحيانا؛ ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره، وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها، وفي ختم الآية بقوله تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ تعريض للزائغين ومدح للراسخين، يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه، فليس من أولي العقول، ومن ثمّ قال الراسخون: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا إلى آخر الآية فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم الّلدنّي، بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني.
المتشابه من آيات الصفات
من المتشابه آيات الصفات نحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [سورة طه آية: ٥] كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة القصص آية: ٨٨]، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [سورة الرحمن آية: ٢٧]، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [سورة طه آية: ٣٩] يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [سورة الفتح آية: ١٠]، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [سورة الزمر آية: ٦٧].
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها.
أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة، من طريق قرة بن خالد عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر.
وأخرج- أيضا- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: الإيمان غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.
وأخرج- أيضا- عن مالك أنه سئل عن الآية فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وأخرج البيهقي عنه أنه قال: هو كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف ... ؟! وكيف عنه مرفوع.
وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى
стр. 75
المغرب، على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم قالوا: نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها، ولا يقال: كيف .. ؟ ولا نفسر ولا نتوهم .. !
وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف. وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه، فقال في الرسالة النظامية: الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها.
وقال ابن الصلاح: «على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها .. اه. من الإتقان بتصرف».
معنى كون القرآن أنزل على سبعة أحرف
روى مسلم عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة (مسيل الماء إلى الغدير) بني غفار، فأتاه جبريل ﵇ فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاءه الثالثة فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف» فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا».
وروى الترمذي عنه قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: «يا جبريل: إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز الشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط فقال لي يا محمد: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» قال: هذا حديث حسن صحيح، وثبت في الأمهات: البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود، والنسائي، وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في آخر الباب مبينا إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال:
الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة
следующие страницы →