Полный текст (246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
- وقيل: المحكم ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه.
- وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها.
- وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان قاله الماوردي.
- وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
- وقيل المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المحكمات:
ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات:
منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
وأخرج الفريابي عن مجاهد قال: المحكمات: ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: المحكمات: هي أوامره الزاجرة.
وأخرج عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى: الفرائض والأمر والنهي والحلال.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: «الثلاث الآيات من آخر سورة الأنعام محكمات: قُلْ تَعالَوْا والآيتان بعدها» وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال: من ههنا قُلْ تَعالَوْا إلى ثلاث آيات، ومن ها هنا وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى ثلاث آيات بعدها. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قد نسخ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: المتشابهات فيما بلغنا الم، والمص، المر، والر، قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن عكرمة وقتادة وغيرهما: أن المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به.
واختلف هل المتشابه مما يمكن الإطلاع على علمه، أو لا يعلمه إلا الله .. ؟ على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هل هو معطوف، ويقولون حال أو مبتدأ خبره يقولون والواو للاستئناف؟ وعلى الأول طائفة يسيرة منهم مجاهد وهو رواية عن ابن عباس، فأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال: أنا ممن يعلم تأويله.
стр. 72
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال: يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعلمون تأويله، لو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه، ولا حلاله من حرامه، ولا محكمه من متشابهه- واختار هذا القول النووي فقال: في شرح مسلم:
إنه الأصح؛ لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم- خصوصا أهل السنة- فذهبوا إلى الثاني، وهو أصح الروايات عن ابن عباس، قال ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة، واختاره العتبي. قال: وقد كان يعتقد مذهب أهل السنة لكنه سها في هذه المسألة قال: ولا غرو فإن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
قلت: ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس، أنه كان يقرأ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويقول:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم مبتغي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب، وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب- أيضا- «ويقول الراسخون». وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش، قال في قراءة ابن مسعود: «وإن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به».
وأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ قالت: قال رسول الله ﷺ :
«فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذرهم».
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر وأمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال
стр. 73
وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب، ثم أخرجه من وجه آخر عن
ابن عباس موقوفا بنحوه.
وأخرج الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة «فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه» وفي رواية عنده «فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري: لا يجالسه أحد من المسلمين».
وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله تعالى وأن الخوض فيه مذموم، وسيأتي قريبا زيادة على ذلك.
قال الطيبي: المراد بالمحكم: ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا، والثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل والثاني المؤول، فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه. ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه قالوا: فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله، ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم؛ لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء، فقال أولا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى أن قال:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لإتيان لفظ الرسوخ؛ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الإرشاد ورسخ القدم في العلم، أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء الراسخين في العلم:
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [سورة آل عمران آية: ٨] .. إلخ شاهدا على أن الراسخين في العلم مقابل لقوله: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ تام، وإلى أن علم المتشابه مختص بالله تعالى. وأن من حاول معرفته هو الذي أشار
стр. 74
إليه في الحديث بقوله ﷺ : «فاحذرهم».
وقال بعضهم: العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه، كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنّف كتابا أجمل فيه أحيانا؛ ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره، وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها، وفي ختم الآية بقوله تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ تعريض للزائغين ومدح للراسخين، يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه، فليس من أولي العقول، ومن ثمّ قال الراسخون: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا إلى آخر الآية فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم الّلدنّي، بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني.
المتشابه من آيات الصفات
من المتشابه آيات الصفات نحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [سورة طه آية: ٥] كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة القصص آية: ٨٨]، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [سورة الرحمن آية: ٢٧]، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [سورة طه آية: ٣٩] يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [سورة الفتح آية: ١٠]، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [سورة الزمر آية: ٦٧].
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها.
أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة، من طريق قرة بن خالد عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر.
وأخرج- أيضا- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: الإيمان غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.
وأخرج- أيضا- عن مالك أنه سئل عن الآية فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وأخرج البيهقي عنه أنه قال: هو كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف ... ؟! وكيف عنه مرفوع.
وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى
стр. 75
المغرب، على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم قالوا: نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها، ولا يقال: كيف .. ؟ ولا نفسر ولا نتوهم .. !
وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف. وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه، فقال في الرسالة النظامية: الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها.
وقال ابن الصلاح: «على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها .. اه. من الإتقان بتصرف».
معنى كون القرآن أنزل على سبعة أحرف
روى مسلم عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة (مسيل الماء إلى الغدير) بني غفار، فأتاه جبريل ﵇ فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاءه الثالثة فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف» فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا».
وروى الترمذي عنه قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: «يا جبريل: إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز الشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط فقال لي يا محمد: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» قال: هذا حديث حسن صحيح، وثبت في الأمهات: البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود، والنسائي، وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في آخر الباب مبينا إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال:
الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة
стр. 76
نحو: أقبل، وتعال، وهلم.
قال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل:
استزده حتى بلغ سبعة أحرف؛ فقال: اقرأ فكلّ شاف كاف، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة على نحو: هلم، وتعال، وأقبل، وأسرع، وعجّل.
وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أنه كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا [سورة الحديد آية: ١٣]، للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا.
وبهذا الإسناد عن أبيّ كان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [سورة البقرة آية: ٢٠]، مروا فيه، سعوا فيه.
وفي البخاري ومسلم قال الزهري: إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام.
قال الطحاوي: إنما كانت السعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها.
قال ابن عبد البر: فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورات فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد.
روى أبو داود عن أبي قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أبي إني أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة. فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة أحرف حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب».
وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه، قال القاضي ابن الطيب: وإذا ثبتت هذه الرواية- يريد
стр. 77
حديث أبي- حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسما لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف.
القول الثاني: قال قوم: هي سبع لغات في القرآن على لغات العرب، كلها يمنها ونزارها؛ لأن رسول الله ﷺ لم يجهل شيئا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن» قال الخطابي: على أن في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه وهو قوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [سورة المائدة آية: ٦٠] وقوله: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [سورة يوسف آية: ١٢] وذكر وجوها، كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف لا كله.
وإلى هذا القول: بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف على سبع لغات، ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد: وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظّا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب عن أنس، أن عثمان قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل بلغتهم. ذكره البخاري، وذكر حديث ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش وكعب خزاعة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة. قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران
قريش فأخذوا بلغتهم.
قال القاضي ابن الطيب: معنى قول عثمان: فإنه نزل بلسان قريش، (يريد معظمه وأكثره)، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزّل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات وحروف خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [سورة الزخرف آية: ٣] ولم يقل قريشيّا، وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب، وليس لأحد أن يقول: إنه أراد قريشا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول: أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر؛ لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا.
وقال ابن عبد البر: قول من قال: إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله أعلم، لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز.
وقال ابن عطية: معنى قول النبي ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ.
стр. 78
ألا ترى أن فَطَرَ معناه عند غير قريش: «ابتدأ» فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ قال ابن عباس:
ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [سورة فاطر آية: ١] وقال أيضا:
ما كنت أدري معنى قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [سورة الأعراف آية: ٨٩] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك: أي أحاكمك.
وكذلك قال عمر بن الخطاب، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [سورة النحل آية: ٤٧] أي على تنقص لهم.
وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي ﷺ يقرأ في الصلاة: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [سورة ق آية: ١٠] ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر إلى غير ذلك من الأمثلة.
القول الثالث: أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر، قاله قوم، واحتجوا بقول عثمان: نزل القرآن بلغة مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهزيل، ومنها لتميم، ومنها لضبة، ومنها لقيس، قالوا: فهذه قبائل مضر تستوعب بسبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر، وأنكر آخرون أن تكون كلها في مضر، وقالوا: في مضر شواذ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم.
فأما كشكشة قيس: فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في: جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [سورة مريم آية: ٢٤] جعل ربّش تحتش سريّا.
وأما تمتمة تميم: فيقولون في الناس: النات، وفي أكياس: أكيات، قالوا: وهذه لغات يرغب عن القرآن بها ولا يحفظ عن السلف فيها شيء. وقال آخرون: أما إبدال الهمزة عينا وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة واحتجوا بقراءة ابن مسعود (ليسجننه عتى حين) ذكرها أبو داود.
وبقول ذي الرمة:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك إلا عنّها غير طائل
القول الرابع: ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا: منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [سورة هود آية: ٧٨] وأطهر وَيَضِيقُ صَدْرِي [سورة الشعراء آية: ١٣] ويضيق.
стр. 79
ومنها: ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سورة سبأ آية: ١٩] وباعد.
ومنها: ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: نُنْشِزُها [سورة البقرة آية: ٢٥٩] وننشرها.
ومنها: ما تتغير صورته ويبقى معناه مثل: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [سورة القارعة آية: ٥] وكالصوف المنفوش.
ومنها: ما تتغير صورته ومعناه مثل: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [سورة الواقعة آية: ٢٩] وطلع منضود.
ومنها: بالتقديم والتأخير كقوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [سورة ق آية: ١٩] وجاءت سكرة الحق بالموت.
ومنها: بالزيادة والنقصان مثل قوله: تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [سورة ص آية: ٢٣] أنثى.
وقوله: (وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين)، وقوله: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم).
القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص ومجادلة وأمثال، قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذا لا يسمى أحرفا،- وأيضا- فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي ﷺ ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [سورة الحج آية: ١١] فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك، وقد قيل: إن المراد بقوله ﵊: «أنزل القرآن على سبعة
أحرف» القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة؛ لأنها كلها صحت عن رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه.
القول في القراءات السبع
قال كثير من علمائنا كالداوودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره، وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روي وعلم وجهه من القراءات
стр. 80
ما هو الأحسن عنده والأولى فالتزمه طريقة، ورواه وأقرأ به واشتهر عنه، وعرف به ونسب إليه، فقيل: حرف نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر ولا أنكره بل سوّغه وجوّزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران أو أكثر وكلّ صحيح، وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك مصنفات، فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون، والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما، قال ابن عطية:
ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة وبها يصلّى؛ لأنها ثبتت بالإجماع؛ وأما شاذ القراءات فلا يصلى به؛ لأنه لم يجمع الناس عليه. اه. من القرطبي.
فضل قراءة القرآن وحفظه وتعلمه وتعليمه
عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» [رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة (الطمأنينة)، وغشيتهم (عمتهم) الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه مسلم وأبو داود وغيرهما].
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». [رواه الترمذي وقال: حديث غريب (ضعيف)].
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه (يتردد في قراءته)، وهو عليه شاق له أجران».
وفي رواية: والذي يقرؤه، وهو يشتد عليه له أجران» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أوصني؟ قال: عليك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله، قلت: يا رسول الله زدني. قال: عليك بتلاوة القرآن، فإنه نور لك في
стр. 81
الأرض، وذخر لك في السماء» [رواه ابن حبان في صحيحه في حديث طويل].
وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «القرآن شافع مشفع وماحل (خصم مجادل) مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار» [رواه ابن حبان في صحيحه].
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» [الحديث رواه مسلم].
وعن سهل بن معاذ عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ القرآن، وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» رواه أبو داود والحاكم، وكلاهما عن زيان عن سهل، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول القرآن: يا رب حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلّة الكرامة ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، ويزداد بكل آية حسنة» [رواه الترمذي وحسنه وابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق، ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلت عند آخر آية تقرؤها» رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث صحيح.
قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن، على قدر درج الجنة، فيقال للقارئ: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن، استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقية في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة».
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب، فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أعطاه الله مالا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار» [رواه البخاري ومسلم].
قال المملي: والمراد بالحسد هنا الغبطة، وهي تمني مثل ما للمحسود، لا تمني زوال تلك النعمة عنه، فإن ذلك الحسد المذموم.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ القرآن فقد استدرج
стр. 82
النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد (يغضب) مع من وجد، ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله» [رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد].
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام:
رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفّعان» رواه أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع، والطبراني في الكبير والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وعن عبد الله، يعني ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوجّ فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق (يبلى) من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته؛ كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه، وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه، وهو صحيح.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة» [رواه ابن ماجه بإسناد حسن].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله».
وفي رواية: «يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» [رواه مسلم وابن ماجه، ورواه البزار من حديث أنس].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه رأى رؤيا: أنه يكتب ص فلما بلغ إلى سجدتها قال: رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا. قال: فقصصتها على النبي ﷺ ، فلم يزل يسجد بها. [رواه أحمد ورواته رواة الصحيح].
ترجمة القرآن وأحكامها
قال في مناهل العرفان للزرقاني:
نوجه الأذهان في فاتحة هذا المبحث إلى أهميته وخطره من نواح ثلاث:
أولاها: دقته وغموضه إلى حد جعل علماءنا يختلفون فيه قديما وحديثا.
стр. 83
ثانيتها: أن كثيرا من الناس قاموا في زعمهم بنقل القرآن إلى لغات كثيرة وترجمات متعددة.
ثالثتها: وقوع أغلاط فاحشة في هذه التي سموها ترجمات، وكان وجودها معولا هداما لبناء مجد الإسلام، ومحاولة سيئة لزلزلة الوحدة الدينية واللغوية والاجتماعية لأمتنا الإسلامية (صانها الله).
انظر ما كتبه العلامة أبو عبد الله الزنجاني في كتابه «تاريخ القرآن» إذ يقول: ربما كانت أول ترجمة إلى اللغة اللاتينية لغة العلم في أوربا، وذلك سنة ١١٤٣ م بقلم (كنت) الذي استعان في عمله ببطرس الطليطلي، وعالم ثان عربي، فيكون القرآن قد دخل أوربا عن طريق الأندلس، وكان الغرض من ترجمته عرضه على (دي كلوني) بقصد الرد عليه، ونجد فيما بعد أن القرآن ترجم ونشر باللاتينية عام (١٥٠٩ م) ولكن لم يسمح للقراء أن يقتنوه ويتداولوه؛ لأن طبعته لم تكن مصحوبة بالردود. وفي عام (١٥٩٤ م) أصدر (هنكلمان) ترجمته، وجاءت على الأثر عام (١٥٩٨) طبعة (مراتشي) مصحوبة بالردود.
أفلا ترى معنى أنه يجب علينا بإزاء ذلك أن ندلي برأي سديد في هذا الأمر الجلل؟
لنعلم ما يراد بنا وبقرآننا، ولننظر إلى أي طريق نحن مسوقون؟ عسى أن يدفعنا هذا التحري والتثبت إلى اتخاذ إجراء حازم، ننتصف فيه للحق من الباطل، ونؤدي به رسالتنا في نشر هداية الإسلام والقرآن على بصيرة ونور؟!.
ولنبدأ الكلام ببيان معنى الترجمة لغة وعرفا، ثم بتقسيمها إلى حرفية وتفسيرية، ثم ببيان الفرق بين الترجمة والتفسير، فإن تحديد معاني الألفاظ وتحقيق المراد منها، مجهود مهم ومفيد، لا سيما ما كان من الأبحاث الخلافية كهذا البحث الذي نعانيه.
الترجمة في اللغة:
وضعت كلمة: «ترجمة» في اللغة العربية لتدل على أحد معان أربعة:
أولها: تبليغ الكلام لمن لم يبلغه. ومنه قول الشاعر:
إن الثمانين- وبلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
ثانيها: تفسير الكلام بلغته التي جاء بها ومنه قيل في ابن عباس: «إنه ترجمان القرآن».
ثالثها: تفسير الكلام بلغة غير لغته. جاء في لسان العرب وفي القاموس: أن الترجمان هو المفسر للكلام. وقال شارح القاموس ما نصه: «وقد ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر. قاله الجوهري» اه.
стр. 84
وجاء في تفسير ابن كثير والبغوي: أن كلمة «ترجمة» تستعمل في لغة العرب بمعنى التبيين مطلقا سواء اتحدت اللغة أم اختلفت.
رابعها: نقل الكلام من لغة إلى أخرى. قال في لسان العرب: «الترجمان: بالضم والفتح هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى، والجمع تراجم» اه.
ولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان، جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة، فقيل: ترجم لهذا الباب بكذا، أي: عنون له، وترجم لفلان أي بيّن تاريخه. وترجم حياته أي: بيّن ما كان فيها. وترجمة هذا الباب كذا: أي بيان المقصود منه وهلم جرا.
الترجمة في العرف:
نريد بالعرف هنا عرف التخاطب العام، لا عرف طائفة خاصة ولا أمة معينة.
جاء هذا العرف الذي تواضع عليه الناس جميعا فخص الترجمة بالمعنى الرابع اللغوي، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى، ومعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى:
التعبير عن معناه بكلام آخر من لغة أخرى، مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده كأنك نقلت الكلام نفسه من لغته الأولى إلى اللغة الثانية.
تقسيم الترجمة [بالمعنى العرفي]:
وتنقسم الترجمة بهذا المعنى العرفي إلى قسمين: حرفية وتفسيرية:
فالترجمة الحرفية: هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه .. وبعض الناس يسمي هذه الترجمة ترجمة لفظية وبعضهم يسميها مساوية.
والترجمة التفسيرية: هي التي لا تراعى فيها تلك المحاكاة، أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة، ولهذا تسمى أيضا بالترجمة المعنوية، وسميت تفسيرية؛ لأن حسن تصوير المعاني والأغراض فيها جعلها تشبه التفسير، وما هي بتفسير كما يتبين لك بعد.
فالمترجم ترجمة حرفية يقصد إلى كل كلمة في الأصل فيفهمها، ثم يستبدل بها كلمة تساويها في اللغة الأخرى مع وضعها موضعها وإحلالها محلها، وإن أدى ذلك إلى خفاء المعنى المراد من الأصل، بسبب اختلاف اللغتين في موقع استعمال الكلام في المعاني المرادة إلفا واستحسانا.
стр. 85
أما المترجم ترجمة تفسيرية، فإنه يعمد إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه، ثم يصبه في قالب يؤديه من اللغة الأخرى، موافقا لمراد صاحب الأصل، من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف عند كل مفرد ولا استبدال غيره به في موضعه.
ما لا بد منه في الترجمة مطلقا:
ولا بد لتحقيق معنى الترجمة مطلقا حرفية كانت أو تفسيرية، من أمور أربعة:
أولها- معرفة المترجم لأوضاع اللغتين لغة الأصل ولغة الترجمة.
ثانيها- معرفته لأساليبهما وخصائصهما.
ثالثها- وفاء الترجمة بجميع معاني الأصل ومقاصده على وجه مطمئن.
رابعها- أن تكون صيغة الترجمة مستقلة عن الأصل، بحيث يمكن أن يستغنى بها عنه، وأن تحل محله، كأنه لا أصل هناك ولا فرع، وسيأتي بيان ذلك في الفروق بين الترجمة والتفسير.
ما لا بد منه في الترجمة الحرفية:
ثم إن الترجمة الحرفية تتوقف بعد هذه الأربعة على أمرين آخرين:
أحدهما: وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية للمفردات التي تألف منها الأصل حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيره من الأصل. كما هو ملحوظ في معنى الترجمة الحرفية.
ثانيهما: تشابه اللغتين في الضمائر المستترة والروابط التي تربط المفردات لتأليف التراكيب، سواء في هذا التشابه ذوات الروابط وأمكنتها، وإنما اشترطنا هذا التشابه؛ لأن محاكاة هذه الترجمة لأصلها في ترتيبه تقتضيه، ثم إن هذين الشرطين عسيران، وثانيهما أعسر من الأول، فهيهات أن تجد في لغة الترجمة مفردات مساوية لجميع مفردات الأصل. ثم هيهات هيهات أن تظفر بالتشابه بين اللغتين المنقول منها والمنقول إليها في الضمائر المستترة وفي دوال الروابط بين المفردات لتأليف المركبات.
ومن أجل هذه العزة والندرة قال بعضهم: إن الترجمة الحرفية مستحيلة.
وقال آخرون: إنها ممكنة في بعض الكلام دون بعض، ولقد علمت أنها بعد هذه الصعوبات يكتنفها الغموض وخفاء المعنى المقصود.
أما الترجمة التفسيرية فميسورة فيما لا يعجز عنه البشر، وتكون المعاني المرادة من
стр. 86
الأصل واضحة فيها غالبا، ولهذا اعتمدوا عليها في الترجمات الزمنية، وفضّلها المشتغلون بالترجمات على قسيمتها الترجمة الحرفية.
فروق بين الترجمة والتفسير:
ومهما تكن الترجمة حرفية أو تفسيرية فإنها غير التفسير مطلقا، سواء أكان تفسيرا بلغة الأصل، أم تفسيرا بغير لغة الأصل، ولكن كثيرا من الكاتبين اشتبه عليهم الأمر، فحسبوا أن الترجمة التفسيرية هي التفسير بغير لغة الأصل، أو هي ترجمة تفسير الأصل، ثم رتبوا على ذلك أن خلعوا حكمها على ترجمة الأصل نفسه، وكان لهذا اللبس والاشتباه مدخل في النزاع والخلاف، لهذا نرى أن نقف هنا وقفة طويلة. نرسم فيها فروقا أربعة- لا فرقا واحدا- بين هذين المشتبهين في نظرهم.
(الفارق الأول): أن صيغة الترجمة صيغة استقلالية يراعى فيها الاستغناء بها عن أصلها وحلولها محله، وليس كذلك التفسير، فإنه قائم أبدا على الارتباط بأصله، بأن يؤتى مثلا بالمفرد أو المركب، ثم يشرح هذا المفرد أو المركب شرحا متصلا به اتصالا يشبه اتصال المبتدأ بخبره إن لم يكن إياه، ثم ينتقل إلى جزء آخر مفرد أو جملة، وهكذا من بداية التفسير إلى نهايته، بحيث لا يمكن تجريد التفسير، وقطع وشائج اتصاله بأصله مطلقا، ولو جرّد لتفكك الكلام وصار لغوا أو أشبه باللغو فلا يؤدي معنى سليما، فضلا عن أن يحل في جملته وتفصيله محل أصله.
(الفارق الثاني): أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد، أما التفسير فيجوز بل قد يجب فيه الاستطراد، وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له، فمن الأمانة أن تساويه بدقة من غير زيادة ولا نقص، حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة، بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له، وقد يقتضي هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد، توجيها لشرحه، أو تنويرا لمن يفسر لهم على مقدار حاجتهم إلى استطراده، ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية خصوصا إذا أريد بها غير ما وضعت له، وفي المواضع التي يتوقف فهمها أو الاقتناع بها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة.
وهذا هو السر في أكثر تفاسير القرآن الكريم تشتمل على استطرادات متنوعة في علوم اللغة، وفي العقائد، وفي الفقه وأصوله، وفي أسباب النزول، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي العلوم الكونية والاجتماعية وغير ذلك.
ومن ألوان الاستطراد، تنبيهه على خطأ الأصل إذا أخطأ، كما نلاحظ ذلك في
стр. 87
شروح الكتب العلمية، ويستحيل أن تجد مثل هذا في الترجمة، وإلا كان خروجا عن واجب الأمانة والدقة فيها.
(الفارق الثالث): أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، وليس كذلك التفسير فإنه قائم على الإيضاح كما قلنا، سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي، متناولا كافة المعاني والمقاصد، أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسّر ومن يفسر لهم، والدليل على هذا الفارق، هو حكم العرف العام الذي نتحدث الآن بلسانه، وإليك مثلا من أمثاله:
رجل عثر في مخلفات أبيه على صحيفتين مخطوطتين بلغة أجنبية وهو غير عالم بهذا اللسان الأجنبي، فدفعهما إلى خبير باللغات يستفسره عنهما، فيجيبه الخبير قائلا: إن الصحيفة الأولى خطاب تافه من معوز أجنبي، يستجدي أباك فيه ويستعينه، أما الثانية فوثيقة بدين كبير لأليك على أجنبي. هنا مزّق الرجل خطاب الاستجداء ولم يحفل به، أما الوثيقة فاعتد بها وطلب من هذا المتمكن في اللغات أن يترجمها له ليقاضي المدين أمام المحكمة، لغتها لغة الترجمة.
أليس معنى هذا أن التفسير لم يكفه؟ بدليل أنه طلب الترجمة من المترجم، علما بأنها هي التي تفي بكل ما تضمنته تلك الوثيقة، وبكل ما يقصد منها فلا تضعف له بها حجة، ولا يضيع عليه حق؟.
(الفارق الرابع): أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم، هي مدلول كلام الأصل، وأنها مرادة لصاحب الأصل منه، وليس كذلك التفسير، بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان، وذلك إذا توافرت لديه أدلته، وتارة لا يدعيه، وذلك عندما تعوزه تلك الأدلة.
ثم هو طورا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها محتملة مرجحا بعضها على بعض، وطورا يسكت عن التصريح أو عن الترجيح، وقد يبلغ به الأمر أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول: ربّ الكلام أعلم بمراده، على نحو ما نحفظه لكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن ولفواتح السور المعروفة.
ودليلنا على أنّ الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت من معان ومقاصد، وهو شهادة العرف العام- أيضا- بذلك، وجريان عمل الناس جميعا في الترجمات على هذا الاعتبار، فهم يحلونها محل أصولها إذا شاءوا، ويستغنون بها عن تلك الأصول، بل قد ينسون هذه الأصول جملة، ويغيب عنهم أن الترجمات ترجمات فيحذفون لفظ ترجمة من الاسم،
стр. 88
ويطلقون عليها اسم الأصل نفسه، كأنما الترجمة أصل، أو كأنه لا أصل هناك ولا فرع.
وإن كنت في ريب فاسأل الناس عما بين أيدينا من ترجمات عربية لطائفة من كتبهم التي يقدسونها، ويطلقون على بعضها اسم توراة، وعلى بعضها اسم إنجيل، وما هما بالتوراة ولا بالإنجيل، إنما هما ترجمتان عربيتان لأصلين عبريين باعترافهم. ولكنهم أسقطوا حسب العرف العام لفظ ترجمة من العنوانين الاثنين، وما ذاك إلا لما وقر في النفوس من أن الترجمة صورة مطابقة للأصل، مطمئنة إلى أنها تؤدي جميع مؤداه، لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية.
وقل مثل ذلك فيما نعرفه من ترجمات للقوانين والوثائق الدولية والشخصية ومن ترجمات للكتب العلمية والفنية والأدبية، وهي كثيرة غنية عن التنويه والتمثيل.
يقال كل هذا في الترجمات، ولا يمكن أن يقال مثله في التفسير، فإننا ما سمعنا أن كلمة تفسير أسقطت من عنوان كتاب من كتبه. ويدل على هذا تلك الإطلاقات الشائعة: تفسير البيضاوي، تفسير النسفي، تفسير الجلالين، وما أشبهها من تفسيرات القرآن الكريم.
تنبيهان مفيدان:
أولهما: أنه لا فرق بين الترجمة الحرفية والتفسيرية من حيث الحقيقة
، فكلتاهما تعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، وما الفرق بينهما إلا شكلي وهو أن يحل كل مفرد في الترجمة الحرفية محل مقابله من الأصل، بخلاف التفسيرية كما بينّا، فلا تظن بعد هذا أن كلمة ترجمة تنصرف إلى الحرفية أكثر مما تنصرف إلى التفسيرية كما يظن بعض الناس، بل التفسيرية أثبت قدما وأعرق وجودا وأقرب إلى الأذهان عند الإطلاق، لأنها هي الميسورة، وهي الواضحة، وهي التي يتداولها المترجمون والقراء جميعا، أما الحرفية فإنها تكاد تكون نظرية بحتة، وذلك من تعسّرها أو تعذّرها، ومن غموضها وخفائها أحيانا، ومن ندرة إقبال التراجم والقراء عليها كما سبق.
ثانيهما: أن تفسير الأصل بلغته، يساوي تفسيره بغير لغته
، فيما عدا القشرة اللفظية، ألا ترى أنك إذا قرأت درس تفسير للخاصة كاشفا فيه عن معان معينة باللغة العربية، ثم قرأت هذا الدرس عينه للعامة كاشفا عن هذه المعاني نفسها ولكن بلغة المخاطبين العامية، فهل تشك في مساواة هذا التفسير لذاك في بيان المعاني المعينة التي فهمتها من الأصل؟ وهل تجد بينهما خلافا إلا في لغة التعبير وقشرة اللفظ؟.
إذا لا حطنا ذلك أمنّا الاشتباه من هذه الناحية وأمكن أن نستغني في بحثنا هذا بذكر المساوي عن ذكر مساويه، ثقة بأن ما يقال في أحدهما يقال مثله في الآخر، فتنبه إلى ذلك دائما.
стр. 89
القرآن ومعانيه ومقاصده
الآن وقد انتهينا من الكلام على أول المتضايفين في لفظ (ترجمة القرآن)، نقف معك وقفة أخرى بجانب ثاني هذين المتضايفين في لفظ القرآن الكريم نفسه لتستبين المراد به هنا، ولتعرف أنواع معانيه ومقاصده تمهيدا للحكم الصحيح عليه بأنه تمكن ترجمته أو لا تمكن.
معاني القرآن نوعان:
وبما أن الترجمة ملحوظ فيها الإحاطة بمعاني الأصل كلها، نحيطك علما بأن القرآن الكريم، بل أي كلام بليغ، لا بد أن يحتوي ضربين من المعاني هما المعاني الأولية والمعاني الثانوية، أو المعاني الأصلية والمعاني التابعة، فالمعنى الأوّلي لأيّ كلام بليغ هو ما يستفاد من هذا الكلام ومن أي صيغة تؤديه سواه، ولو بلغة أخرى كمجرد إسناد محكوم به إلى محكوم عليه.
وسمّي معنى أوّليّا؛ لأنه أول ما يفهم من اللفظ.
وسمّي أصليّا؛ لأنه ثابت ثبات الأصول، لا يختلف باختلاف المتكلمين ولا المخاطبين ولا لغات التخاطب، بل هو مما يستوي فيه العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي.
أما المعنى الثانوي فهو ما يستفاد من الكلام زائدا عن معناه الأوّلي، وسمّي ثانويّا؛ لأنه متأخر في فهمه عن ذلك.
والكلام البليغ يتفاوت تفاوتا بعيد المدى، تبعا لدرجة توافر هذه الزوائد فيه كلّا أو بعضا، ولم تعرف الدنيا ولن تعرف كلاما بلغ الطرف الأعلى والنهاية العظمى في الإحاطة بكل الخواص البلاغية، سوى القرآن الكريم، الذي انقطعت دونه أعناق الفحول من البلغاء، وانبهرت في حلبته أنفاس الموهوبين من الفصحاء، حتى شهدوا على أنفسهم بالعجز حين شاهدوا روائع الإعجاز، ورأوا أن كلامهم وإن علا فهو من الخلق أما القرآن فهو من الخلّاق!
стр. 90
مقاصد القرآن الكريم
بما أن الترجمة- عرفا- لابد أن تتناول مقاصد الأصل جميعا، فإنا نقفك على أن لله تعالى في إنزال كتابه العزيز ثلاثة مقاصد رئيسية:
١ - أن يكون هداية للثقلين.
٢ - أن يقوم آية لتأييد النبي ﷺ .
٣ - أن يتعبد الله خلقه بتلاوة هذا الطراز الأعلى من كلامه المقدس.
[المقصد الأول] هداية القرآن:
هداية القرآن تمتاز بأنها عامة، وتامة، وواضحة.
أما عمومها: فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان قال الله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [سورة الفرقان آية: ١].
وقال سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف آية: ١٥٨].
وأما تمام هذه الهداية: فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله للناس، وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها، وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظمت علاقة الإنسان بربه، وبالكون الذي يعيش فيه، ووفّقت بطريقة حكيمة
بين مطالب الروح والجسد.
وأما وضوح هذه الهداية: فلعرضها- عرضا رائعا مؤثرا، توافرت فيه كل وسائل الإيضاح وعوامل الإقناع- أسلوب فذ معجز في بلاغته وبيانه، واستدلال بسيط عميق يستمد بساطته وعمقه من كتاب الكون الناطق، وأمثال خلابة تخرج أدق المعقولات في صورة أجلى المحسوسات، وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام، وجلال التشريع، وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين، ويهذب النفوس والغرائز، ويصقل الأفكار والعواطف، ويدفع الإنسان دفعا إلى التضحية والنهضة، ويصور له مستقبل الأبرار والفجار تصويرا يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار، والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم.
والمهم أن نعلم في هذا المقام أن الهدايات القرآنية منها ما استفيد من معاني القرآن
стр. 91
الأصلية، ومنها ما استفيد من معانيه الثانوية.
أما القسم الأول فواضح لا يحتاج إلى تمثيل، وهو موضع اتفاق بين الجميع، وأما القسم الثاني ففيه دقة جعلت بعض الباحثين يجادل فيه، وإنا نوضحه لك بأمثلة نستمدها من فاتحة الكتاب العزيز:
- منها: استفادة أدب الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال، أخذا من ابتداء الله كلامه بها، ومن افتتاحه كل سورة من سوره بها عدا سورة التوبة.
- ومنها: أن الاستعانة في أي شيء لا تستمد إلا من اسم الله وحده، أخذا من إضافة الاسم إلى لفظ الجلالة موصوفا بالرحمن الرحيم، ومن القصر المفهوم من البسملة على تقدير عامل الجار والمجرور متأخرا، ومن تقدير هذا العامل عامّا لا خاصّا.
- ومنها: استفادة الاستدلال على أن الحمد مستحق لله بأمور ثلاثة: تربيته تعالى للعوالم كلها، ورحمته الواسعة التي ظهرت آثارها وتأصّل اتصافه تعالى بها، وتصرفه وحده بالجزاء العادل يوم الجزاء، وذلك أخذا من جريان هذه الأوصاف على اسم الجلالة في مقام حمده بقوله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
- ومنها: استفادة التوحيد بنوعيه: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية من القصر الماثل في قوله سبحانه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
ومنها: استفادة دليل هذا التوحيد من الآيات السابقة عليه ووقوعه هو في سياقها عقيبها كما تقع النتيجة عقب مقدماتها.
- ومنها: استفادة أن الهداية إلى الصراط المستقيم هي المطمع الأسمى الذي يجب أن يرمي إليه الناس ويتنافس فيه المتنافسون، يدل على ذلك اختيارها والاقتصار على طلبها والدعاء بها، ثم انتهاء سورة الفاتحة بها كما تنتهي البدايات بمقاصدها.
- ومنها: استفادة أن الهداية لا يرجى فيها إلا الله وحده؛ لأنها انتظمت مع آيات التوحيد قبلها في سمط (خيط) واحد.
- ومنها: استفادة أدب من الآداب، هو أن يقدم الداعي ثناء الله على دعائه، استنتاجا من ترتيب هذه الآيات الكريمة، حيث تقدم فيها ما يتصل بحمد الله وتمجيده وتوحيده على ما يتصل بدعائه واستهدائه.
هذه أمثلة اقتبسناها من سورة الفاتحة ونحن لا نظن أن أحدا يخاصم فيها.
واعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه، ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها، أكثر مما
стр. 92
ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها، للاعتبارات الآنفة، ولأن المعاني الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق، أما المعاني الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج تتجلى فيها علوم الله وحكمته وعظمته الإلهية، وتظهر منها فيوضات الله وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين، وورثة كلامه المقربين، وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. آمين.
[المقصد الثاني] إعجاز القرآن:
المقصد الثاني من نزول القرآن الكريم: أن يقوم في فم الدنيا آية شاهدة برسالة سيدنا محمد ﷺ ، وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق، ظاهرا على الدين كله، ووجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة نفصلها في مبحثها إن شاء الله، بيد أننا ننبهك هنا إلى أن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه، بل هي أبرز وجوهه وجودا، وأعظمها أفرادا؛ لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز ولو كان هذا المقدار من آية واحدة طويلة، فقد تحدى الله أئمة البيان أن يأتوا بسورة من مثله، وأقصر سورة هي سورة الكوثر، وآياتها ثلاث قصار، وإذا كان أئمة البيان في عصر ازدهاره والنباغة فيه قد عجزوا فسائر الخلق أشد عجزا، ولقد فرغنا من أن بلاغة القرآن منوطة بما اشتمل عليه من الخصوصيات، والاعتبارات الزائدة وأنت خبير بأنها سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو سريان الروح في الجسم الحي، وإن نظم القرآن الكريم مصدر لهداياته كلها سواء منها ما كان طريقه هيكل النظم، وما كان طريقه تلك الخصوصيات الزائدة عليه، وهنا يطالعك العجب العجاب، حين تجد دليل صدق الهداية الإسلامية قد آخاها، واتحد مطلعهما في سماء القرآن فأداه وأداها.
[المقصد الثالث] التعبد بتلاوة القرآن:
المقصد الثالث من نزول القرآن: أن يتعبد الله خلقه بتلاوته، ويقربهم إليه، ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه ولو من غير فهمه، فإذا ضموا إلى التلاوة فهما زادوا أجرا على أجر. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ
غَفُورٌ شَكُورٌ
[سورة فاطر آية: ٢٩ - ٣٠].
وقال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»
стр. 93
[رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى الحاكم مثله مرفوعا وقال: صحيح الإسناد].
وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال: «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن» وسنده ضعيف، غير أنه يتقوى بغيره ثم إن هذه خصيصة امتاز بها القرآن الكريم، أما غيره فلا أجر على مجرد تلاوته، بل لا بد من التفكر فيه وتدبره، حتى الصلاة التي هي عماد الدين ليس للمرء من ثوابها إلا بمقدار ما عقل منها.
حكم ترجمة القرآن تفصيلا
١ - ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه:
تطلق ترجمة القرآن إطلاقا مستندا إلى اللغة ويراد بها: تبليغ ألفاظه ونقلها إلى الغير، وحكمها حينئذ أنها جائزة شرعا، والمراد بالجواز هنا ما يقابل الحظر فيصدق بالوجوب وبالندب، وإن شئت دليلا فها هو ﷺ كان يقرأ القرآن ويسمعه أولياءه وأعداءه.
ويدعو إلى الله به في مولده ومهاجره، وفي سفره وحضره، والأمة من ورائه نهجت نهجه، فبلّغت ألفاظ القرآن، وتلقاها بعضهم عن بعض فردا عن فرد، وجماعة عن جماعة، وجيلا عن جيل حتى وصل إلينا متواترا، ثم ها هو القرآن نفسه يتوعد كاتميه ويقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة آية: ١٥٩، ١٦٠].
والنبي ﷺ يقول: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» [رواه البخاري والترمذي وأحمد].
ويقول ﷺ : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» [رواه الشيخان].
٢ - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية:
هذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة- أيضا- كما مرّ، ويراد به تفسير القرآن بلغته العربية لا بلغة أخرى، وغني عن البيان أن حكمه الجواز بالمعنى الآنف، وإن كنت في شك فهاك القرآن نفسه يقول الله فيه لنبيه ﷺ : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل آية: ٤٤].
ولقد قام الرسول ﷺ ببيانه العربي خير قيام، حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة له، ونقل منها في التفسير بالمأثور شيء كثير.
стр. 94
ولقد تأثر العلماء برسول الله ﷺ في ذلك منذ عهد الصحابة إلى اليوم، وها هي المكتبات العامة والخاصة زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم على رغم ما اندثر منها، وعلى رغم ما يأتي به المستقبل من تفاسير يؤلفها من لا يقنعون بقديم، ويتلقاها عنهم من يجدون في أنفسهم حاجة إلى عرض جديد لعلوم القرآن والدين، مما يدل على أن القرآن بحر الله الخضم، وأن العلماء جميعا من قدامى ومحدثين لا يزالون وقوفا بساحله، يأخذون منه على قدر قرائحهم وفهومهم، والبحر بعد ذلك هو البحر في فيضانه وامتلائه، والقرآن هو القرآن في ثروته وغناه بعلومه وبأسراره: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [سورة الكهف آية: ١٠٩].
٣ - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية:
هذا هو الإطلاق الثالث المستند إلى اللغة- أيضا- ويراد به تفسير القرآن بلغة غير لغته، أي بلغة أعجمية لا عربية، ولا ريب عندنا في أن تفسير القرآن بلسان أعجمي لمن لا يحسن العربية، يجري في حكمه مجرى تفسيره بلسان عربي لمن يحسن العربية، فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه، لا عرض لترجمة القرآن نفسه، وكلاهما حكاية لما يستطاع من المعاني والمقاصد، لا حكاية لجميع المقاصد، وتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بيانا لمراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، ولو جاء على احتمال واحد؛ لأن التفسير في اللغة هو الإيضاح والبيان، وهما يتحققان ببيان المعنى ولو من وجه.
ولأن التفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية، وهذا يتحقق أيضا بعرض معنى واحد من جملة معان يحتملها التنزيل، وإذا كان تفسير القرآن بيانا لمراد الله بقدر الطاقة البشرية، فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب، وما ليس بلغة العرب؛ لأن كلّا منهما مقدور للبشر، وكلّا منهما يحتاجه البشر، بيد أنه لا بد من أمرين:
١ - أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير.
٢ - أن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية.
стр. 95
أمور مهمة:
ونسترعي نظرك إلى أمور مهمة:
أولها: أن علماءنا حظروا كتابة القرآن بحروف غير عربية
، وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى إلى أية لغة أن تكتب الآيات القرآنية إذا كتبت بالحروف العربية كيلا يقع إخلال وتحريف في لفظه، فيتبعهما تغيير وفساد في معناه.
سئلت لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، فأجابت: بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله بما نصه «لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية، فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي- كما يفهم من الاستفتاء، لوقع الإخلال والتحريف في لفظه، ويتبعهما تغيير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف. وأجمع علماء المسلمين سلفا وخلفا على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه أو تغيير في معناه ممنوع منعا تامّا، ومحرم تحريما قاطعا، وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن بالحروف العربية».
الأمر الثاني: أن تفاسير القرآن المتداولة بيننا تتناول المفرد من الأصل، وبجانبه شرحه
ثم تتناول الجملة أو الآية وشرحها متصل بها كذلك غالبا. ومعنى هذا أن ألفاظ القرآن منبثة في ثنايا التفسير على وجه من الارتباط والإحكام، بحيث لو جردنا التفاسير من ألفاظ الأصل لعادت التفاسير لغوا من القول، وضربا من السخف، ونحن لا نريد هنا في تفسير القرآن بلغة أجنبية أن تذكر مفردات القرآن وجمله مكتوبة بتلك اللغة الأجنبية أو مترجمة بهذه اللغة، ثم تشفع بتفسيرها المذكور؛ فلقد قررنا أن كتابة القرآن بغير العربية ممنوعة وسنقرر أن ترجمته بالمعنى العرفي الحرفي مستحيلة. إنما نريد هنا نوعا من التفسير يجوز أن يصدر بطائفة من ألفاظ الأصل على ما هي عليه في عروبتها رسما ولفظا، إذا وضع لطائفة من المسلمين ثم يذكر عقيبها المعنى الذي فهمه المفسر غير مختلط بشيء من ألفاظ الأصل ولا ترجمته، بل يكون هذا المعنى كله من كلام المفسر، ويصاغ بطريقة تدل على أنه تفسير لا ترجمة كأن يقال: معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا. أو يقال في أول نوبة من نوبات التفسير: معنى هذه الجملة أو الآية كذا. ثم يبين في كلتا الطريقتين أن هذا المعنى مقطوع به أو أنه محتمل، ويستطرد بما يظن أن حاجة المخاطبين ماسة إليه من التعريف بالمصطلحات
стр. 96
الإسلامية والأسرار والحكم التشريعية والتنبيه على الأخطاء التي وقعت فيها الترجمات المزعومة، ونحو ذلك مما يوقع في روع القارئ أن ما يقرؤه ليس ترجمة للأصل محيطة بجميع معانيه ومقاصده إنما هو تفسير فحسب، لم يحمل من معاني القرآن ومقاصده إلا قلّا من كثر وقطرة من بحر. أما القرآن نفسه فأعظم من هذا التفسير بكثير، كيف وهو النص المعجز في ألفاظه ومعانيه من كلام العليم الخبير؟!
الأمر الثالث: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مساوية لترجمة تفسيره العربي .
لأن الترجمة هنا لم تتناول في الحقيقة إلا رأي هذا المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته، خطأ كان فهمه أو صوابا، ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعا فكأن هذا المفسر وضع أولا تفسيرا عربيّا ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه. وإن شئت فقل: إنه ترجم تفسيرا للقرآن قام هو به غير أنه لم يدوّنه، وأنت خبير بأن التفسير هو التفسير، سواء أدوّنه صاحبه أم لم يدونه.
الأمر الرابع: ذهب بعضهم إلى تسمية هذا النوع وما يشبهه ترجمة تفسيرية للقرآن بالمعنى العرفي
ونحن- مع علمنا بأن الخلاف في التسمية تافه- لا نستطيع أن نرى رأيهم لشهادة العرف التي أقمناها ثم اعتمدنا عليها في رسم الفوارق الأربعة بين أي ترجمة وأي تفسير.
فترجمة القرآن- على فرض إمكانها- تصوير لكل ما أراد منزله من معانيه ومقاصده.
وترجمة التفسير تصوير لكل ما أراد المفسر من معانيه ومقاصده. والقرآن لا يمكن أن يكون في معانيه المرادة لله خطأ أبدا، فإذا صحت ترجمته على فرض إمكانها، وجب ألا تحمل ولا تصور خطأ. أما التفسير فيمكن أن يكون في معانيه المرادة للمفسر خطأ أي خطأ، وعلى هذا فترجمة هذا التفسير ترجمة صحيحة لا بد أن تحمل هذا الخطأ وتصوره؛ وإلا لما صح أن تكون ترجمة له؛ لأن الترجمة صورة مطابقة للأصل، ومرآة حاكية له على ما هو عليه، من صواب أو خطأ، إيمان أو كفر، حق أو باطل.
والقرآن مليء بالمعاني والأسرار الجلية والخفية إلى درجة تعجز المخلوق عن الإحاطة بها، فضلا عن قدرته على محاكاتها وتصويرها، بلغة عربية أو أعجمية. أما التفسير فمعانيه محدودة؛ لأن قدرة صاحبه محدودة، مهما حلّق في سماء البلاغة والعلم.
وعلى هذا فعدسة أي مصور له، تستطيع التقاطه وتصويره بالترجمة إلى أية لغة.
الأمر الخامس: يجب أن تسمى مثل هذه الترجمة، ترجمة تفسير القرآن
، أو تفسير القرآن بلغة كذا، ولا يجوز أن تسمى ترجمة القرآن بهذا الإطلاق اللغوي المحض، لما علمت من أن لفظ ترجمة القرآن مشترك بين معان أربعة، وأن المعنى الرابع هو المتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق نظرا إلى أن العرف الأممي العام لا يعرف سواه. ولا يجوز أيضا أن تسمى
стр. 97
ترجمة معاني القرآن؛ لأن الترجمة لا تضاف إلا إلى الألفاظ، ولأن هذه التسمية توهم أنها ترجمة للقرآن نفسه، خصوصا إذا لا حظنا أن كل ترجمة لا تنقل إلى المعاني دون الألفاظ.
الأمر السادس: يحسن أن يدون التفسير العربي وتشفع به ترجمته هذه
، ليكون ذلك أنفى للريب وأهدى للحق، وأظهر في أنه ترجمة تفسير لا ترجمة قرآن، ومن عرف قدر القرآن لم يبخل عليه بهذا الاحتياط، لا سيما في هذا الزمن الذي تنمّر
فيه أعداء الإسلام، وحاربونا فيه بأسلحة مسمومة من كل مكان.
الأمر السابع: يجب أن يصدر هذا التفسير المترجم بمقدمة تنفي عنه في صراحة أنه ترجمة للقرآن نفسه
، وتبين أن ترجمة القرآن نفسه بالمعنى المتعارف عليه أمر دونه خرط القتاد؛ لأن طبيعة تأليف هذا الكتاب تأبى أن يكون له نظير يحاكيه، لا من لغته ولا من غير لغته، وذلك هو معنى إعجازه البلاغي، ومن أراد أن يتصور هذا اللون من ألوان إعجازه فلينتقل هو إلى هذا الكتاب ولغته؛ فيتذوقه بها وبأساليبها، ومن المحال أن ينتقل هذا الكتاب العزيز تاركا عرشه الذي بوأه الله إياه وهو عرش اللغة العربية. وماذا يبقى للملك من عزة وسلطان إذا هو تخلى عن عرشه وملكه؟ وهذا القرآن جعله الله ملك الكلام، وتوّجه بتاج الإعجاز، واختار لغته العربية مظهرا لهذا الإعجاز والاعتزاز: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصلت آية: ٤١، ٤٢].
فوائد الترجمة بهذا المعنى
لترجمة القرآن بهذا المعنى فوائد كنا في غنى عن بيانها بما أشرنا إليه من أنها كالتفسير العربي الذي اتفق الجميع على جوازه بشرطه. ولكن بعض الباحثين توقفوا في جواز هذه الترجمة كما توقفوا في جواز الترجمة بالمعنى الآتي مع بعد ما بينهما، ثم تذرعوا بأنه لا فائدة ترجى منها، وأثاروا شبهات حولها. لهذا نبسط القول ببيان فوائد هذه الترجمة ثم بدفع الشبهات عنها. أما فوائدها فنشرحها فيما يأتي:
الفائدة الأولى: رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغة العربية
من المسلمين الأعاجم، وتيسير فهمه عليهم بهذا النوع من الترجمة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. ويعظم تقديرهم للقرآن، ويشتد شوقهم إليه فيهتدوا بهديه، ويغترفوا من بحره، ويستمتعوا بما حواه من نبل في المقاصد، وقوة في الدلائل وسموّ في التعاليم، ووضوح وعمق في العقائد، وطهر ورشد في العبادات، ودفع قوي إلى مكارم الأخلاق، وردع زاجر عن الرذائل والآثام، وإصلاح معجز للفرد والمجموع،
стр. 98
واختيار موفق لأحسن القصص، وإخبار عن كثير من أنباء الغيب، وكشف عن معجزات كرّم الله بها رسوله وأمته، إلى غير ذلك مما من شأنه أن يسمو بالنفوس الإنسانية، ويملأ العالم حضارة صحيحة ومدنية.
ولقد دلتنا التجارب على أن كثيرا من هؤلاء الذين أحسوا جلال القرآن عن طريق تفسيره فكروا في حفظه واستظهاره ودراسة لغته وعلومه، ليرتشفوا بأنفسهم من منهله الرّويّ ويشبعوا نهمتهم من غذائه الهني، مادام هذا التفسير وغيره لا يحمل كل معاني الأصل، وما دام ثواب الله يجري على كل من نظر في الأصل أو تلا نفس ألفاظ الأصل.
الفائدة الثانية: دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره
كذبا وافتراء، ثم ضلّلوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحذقون اللسان العربي في شكل ترجمات مزعومة للقرآن، أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب، أو دوائر معارف للقراء، أو دروس ومحاضرات للجمهور، أو صحف ومجلات للعامة والخاصة.
الفائدة الثالثة: تنوير غير المسلمين من الأجانب بحقائق الإسلام
وتعاليمه خصوصا في هذا العصر القائم على الدعايات، وبين نيران هذه الحروف التي أوقدها أهل الملل والنحل الأخرى، حتى ضل الحق أو كاد يضل في سواد الباطل، وخفت صوت الإسلام أو كاد يخفت بين ضجيج غيره من المذاهب المتطرفة والأديان المنحرفة.
الفائدة الرابعة: إزالة الحواجز والموانع التي أقامها الخبثاء الماكرون للحيلولة بين الإسلام وعشاق الحق من الأمم الأجنبية .
وهذه الحواجز والموانع ترتكز في الغالب على أكاذيب افتروها تارة على الإسلام، وتارة أخرى على نبي الإسلام.
وكثيرا ما ينسبون هذه الأكاذيب إلى القرآن وتفاسيره، وإلى تاريخ الرسول ﷺ وسيرته، ثم يدسونها فيما يزعمونه ترجمات للقرآن، وفيما يقرأ الناس ويسمعون بالوسائل الأخرى. فإذا نحن ترجمنا تفسير القرآن أو فسّرنا القرآن بلغة أخرى مع العناية بشروط التفسير وشروط الترجمة، ومع العناية التامة بدفع الشبهات والأباطيل الرائجة فيهم عند كل مناسبة، تزلزلت بلا شك تلك القصور التي أقاموها من الخرافات والأباطيل وزالت العقبات من طريق طلاب الحق وعشاقه من كل قبيل.
وهاك كلمة يؤيدنا بها الكاتب الإنجليزي (بيرناردشو) إذ يقول: «لقد طبع رجال الكنيسة في القرون الوسطى دين الإسلام بطابع أسود حالك، إما جهلا وإما تعصبا، إنهم كانوا في الحقيقة مسوقين بعامل بغض محمد ودينه، فعندهم أن محمدا كان عدوّا للمسيح. ولقد درست سيرة محمد الرجل العجيب، وفي رأيي أنه بعيد جدّا من أن
стр. 99
يكون عدوّا للمسيح. إنما ينبغي أن يدعي منقذ البشرية، إلخ ما قال بمجلة «ذي مسلم رفيوبلكنو» الهند في جزء مارس سنة ١٩٣٣ م.
الفائدة الخامسة: براءة ذمتنا من واجب تبليغ القرآن بلفظه ومعناه
، فإن هذه الترجمة جمعت بين النص الكريم بلفظه ورسمه العربيين، وبين معاني القرآن على ما فهمه المفسر وشرحه باللغة الأجنبية.
قال السيوطي وابن بطال والحافظ ابن حجر وغيرهم من العلماء: إن الوحي يجب تبليغه ولكنه قسمان:
قسم تبليغه بنظمه ومعناه وجوبا، وهو القرآن الكريم.
وقسم يصح أن يبلغ بمعناه دون لفظه، وهو ما عدا القرآن. وبذلك يتم التبليغ.
٤ - ترجمة القرآن بمعنى نقله إلى لغة أخرى:
هذا هو الإطلاق الرابع المستند إلى اللغة. ثم هو الإطلاق الوحيد في عرف التخاطب الأممي العام.
ويمكننا أن نعرّف ترجمة القرآن بهذا الإطلاق تعريفا مضغوطا على نمط تعريفهم فنقول: هي نقل القرآن من لغته العربية إلى لغة أخرى. ويمكننا أن نعرفها تعريفا مبسوطا فنقول: ترجمة القرآن هي التعبير عن معاني ألفاظه العربية ومقاصدها بألفاظ غير عربية، مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد.
ثم إن لوحظ في هذه الترجمة ترتيب ألفاظ القرآن، فتلك ترجمة القرآن الحرفية أو اللفظية أو المساوية، وإن لم يلاحظ فيها هذا الترتيب، فتلك ترجمة القرآن التفسيرية أو المعنوية.
والناظر فيما سلف من الكلام على معنى الترجمة وتقسيمها والفروق بينها وبين التفسير يستغني هنا عن شرح التعريف والتمثيل للمعرف في قسميه، كما يستغني عن التدليل على أن هذا المعنى وحده هو المعنى الاصطلاحي الفريد في لسان التخاطب العام بين الأمم، ويعلم أن ترجمة القرآن بهذا المعنى خلاف تفسيره بلغته العربية. وخلاف تفسيره بغير لغته العربية، وخلاف ترجمة تفسيره العربي ترجمة حرفية أو تفسيرية، فارجع إلى هذا الذي أسلفناه إن شئت.
стр. 100
الحكم على هذه الترجمة بالاستحالة العادية:
أما حكم ترجمة القرآن بهذا المعنى فالاستحالة العادية والشرعية. أي عدم إمكان وقوعها عادة، وحرمة محاولتها شرعا. ولنا على استحالتها العادية طريقان في الاستدلال:
الطريق الأول: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال. والدليل على أنها تستلزم المحال أنه لا بد في تحققها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأولية والثانوية وبجميع مقاصده الرئيسية الثلاثة وكلا هذين مستحيل.
أما الأول فلأن المعاني الثانوية يدل عليها خصائصه العليا التي هي مناط بلاغته وإعجازه كما بينا من قبل، وما كان لبشر أن يحيط بها فضلا عن أن يحاكيها في كلام له، وإلا لما تحقق هذا الإعجاز.
وأما الثاني: فلأن المقصد الأول من القرآن إن أمكن تحقيقه في الترجمة بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن الأصلية فهو لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن الثانوية التابعة، لأنها مدلولة لخصائصه العليا التي هي مناط إعجازه البلاغي كما سبق.
وكذلك مقصد القرآن الثاني وهو كونه آية لا يمكن تحقيقه فيما سواه من كلام البشر عربيّا كان أو أعجميّا، وإلا لما صح أن يكون آية خارقة، ومعجزة غير ممكنة، حين تتناول هذا المقصد قدرة البشر. كيف والمفروض أن القرآن آية بل آيات، ومعجزة بل معجزات لا يقدر عليها إلا الله وحده جل وعلا؟.
ويجري هذا المجرى مقصد القرآن الثالث، وهو كونه متعبدا بتلاوته، فإنه لا يمكن أن يتحقق في الترجمة؛ لأن ترجمة القرآن غير القرآن قطعا، والتعبد بالتلاوة إنما ورد في خصوص القرآن وألفاظه عينها بأساليبها وترتيباتها نفسها، دون أي ألفاظ أو أساليب أخرى، ولو كانت عربية مرادفة لألفاظ الأصل وأساليبه.
الطريق الثاني: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل. أما إنها مثل له فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده كلها لم تترك شيئا، والجامع لمعاني القرآن ومقاصده مثل له أي مثل. وأما أن كان كل مثل للقرآن مستحيل، فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة، وهم يومئذ أئمة البلاغة والبيان وأحرص ما يكونون على الغلبة والفوز في هذا الميدان.
وإذا كان هؤلاء قد عجزوا وانقطعوا، فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وبيانا أشد عجزا وانقطاعا وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ
стр. 101
مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [سورة البقرة آية: ٢٣، ٢٤].
الآن وقد تقرر أن ترجمة القرآن بهذا المعنى العرفي من قبيل المستحيل العادي لا نتردد في أن نقرر أيضا أنها من قبيل المستحيل الشرعي، أي المحظور الذي حرمه الله.
حكم قراءة الترجمة والصلاة بها:
تكاد كلمة الفقهاء تتفق على منع قراءة ترجمة القرآن بأي لغة كانت فارسية أو غيرها وسواء كانت قراءة هذه الترجمة في صلاة أم في غير صلاة، لولا خلاف واضطراب في بعض نقول الحنفية. وإليك نبذا من أقوال الفقهاء على اختلاف مذاهبهم تتنور بها في ذلك.
مذهب الشافعية:
«قال في المجموع (ص ٢٧٩ ج ٣): مذهبنا- أي الشافعية- أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنته العربية أم عجز عنها، وسواء أكان في الصلاة أم في غيرها. فإن أتى بترجمته في صلاة بدلا عنها لم تصح صلاته، سواء أحسن القراءة أم لا». وبه قال جماهير العلماء، منهم مالك، وأحمد، وأبو داود.
وجاء في الإتفاق للسيوطي: لا تجوز قراءة القرآن بالمعنى؛ لأن جبريل أداه باللفظ ولم يبح له إيحاءه بالمعنى.
مذهب المالكية:
جاء في حاشية الدسوقي على شرح الدردير للمالكية (ص ٢٣٢، ٢٣٦ ط):
«لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية بل لا يجوز التكبير في الصلاة بغيرها ولا بمرادفه من العربية فإن عجز عن النطق بالفاتحة بالعربية وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها فإن أمكنه الائتمام ولم يأتم بطلت صلاته. وإن لم يجد إماما سقطت عنه الفاتحة، وذكر الله تعالى وسبّحه بالعربية. وقالوا: على كل مكلف أن يتعلم الفاتحة بالعربية وأن يبذل وسعه في ذلك. ويجهد نفسه في تعلمها ومازاد عليها، إلا أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذر.
مذهب الحنابلة:
قال في المغني (ص ٥٢٦ ط): «ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا إبدال لفظ
стр. 102
عربي سواء أحسن القراءة بالعربية أم لم يحسن. ثم قال: فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته».
مذهب الحنفية:
اختلفت نقول الحنفية في هذا المقام، واضطرب النقل بنوع خاص عن الإمام ونحن نختصر لك الطريق بإيراد كلمة فيها تلخيص للموضوع، وتوفيق بين النقول، اقتطفناها من مجلة الأزهر بقلم عالم كبير من علماء الأحناف؛ إذ جاء فيها باختصار وتصرف ما يلي:
أجمع الأئمة على أنه لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية خارج الصلاة، ويمنع فاعل ذلك أشد المنع؛ لأن قراءته بغيرها من قبيل التصرف في قراءة القرآن بما يخرجه عن إعجازه، بل بما يوجب الركاكة.
وأما القراءة في الصلاة بغير العربية فتحرم إجماعا للمعنى المتقدم لكن لو فرض وقرأ المصلي بغير العربية، أتصح صلاته أم تفسد؟.
ذكر الحنفية في كتبهم أن الإمام أبا حنيفة كان يقول: أولا: إذا قرأ المصلي بغير العربية مع قدرته عليها اكتفى بتلك القراءة، ثم رجع عن ذلك وقال: متى كان قادرا على العربية ففرض قراءة النظم العربي، ولو قرأ بغيرها فسدت صلاته لخلوها من القراءة مع قدرته عليها، والإتيان بما هو من جنس كلام الناس حيث لم يكن المقروء قرآنا.
ورواية رجوع الإمام هذه تعزى إلى أقطاب في المذاهب منهم نوح بن مريم، وهو من أصحاب أبي حنيفة. ومنهم علي بن الجعد، وهو من أصحاب أبي يوسف، ومنهم أبو بكر الرازي، وهو شيخ علماء الحنفية في عصره بالقرن الرابع.
ولا يخفى أن المجتهد إذا رجع عن قوله، لا يعد ذلك المرجوع عنه قولا له؛ لأنه لم يرجع عنه إلا بعد أن ظهر له أنه ليس بصواب، وحينئذ لا يكون في مذهب الحنفية قول بكفاية القراءة بغير العربية في الصلاة للقادر عليها، فلا يصح التمسك به، ولا النظر إليه.
أما العاجز عن قراءة القرآن بالعربية فهو كالأمي في أنه لا قراءة عليه. ولكن إذا فرض أنه خالف وأدى القرآن بلغة أخرى، فإن كان ما يؤديه قصة أو أمرا أو نهيا فسدت صلاته؛ لأنه متكلم بكلام وليس ذكرا. وإن كان ما يؤديه ذكرا أو تنزيها لا تفسد صلاته لأن الذكر بأي لسان لا يفسد الصلاة لا لأن القراءة بترجمة القرآن جائزة، فقد مضى القول بأن القراءة بالترجمة محظورة شرعا على كل حال. اه مع التصرف والاختصار.
стр. 103
النسخ في القرآن الكريم
أهمية هذا المبحث:
لهذا المبحث أهمية خاصة، وذلك من وجوه خمسة:
أولها: أنه طويل الذيل، كثير التفاريع، متشعب المسالك.
ثانيها: أنه تناول مسائل دقيقة، كانت مثارا لخلاف الباحثين من الأصوليين، الأمر الذي يدعو إلى اليقظة والتدقيق، وإلى حسن الاختيار مع الإنصاف والتوفيق.
ثالثها: أن أعداء الإسلام من ملاحدة ومبشرين ومستشرقين قد اتخذوا النسخ في الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة، طعنوا بها في صدر الدين الحنيف. ونالوا من قدسية القرآن الكريم. ولقد أحكموا شراك شبهاتهم واجتهدوا في ترويج مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم والدين من المسلمين فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع وأمعنوا في هذا الجحود الذي ركبوا له أخشن المراكب من تمحّلات ساقطة وتأويلات غير سائغة.
رابعها: أن الإلمام بالناسخ والمنسوخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله في تربيته للخلق وسياسته للبشر، وابتلائه للناس مما يدل دلالة واضحة على أن نفس محمد النبي الأمي لا يمكن أن تكون المصدر لمثل هذا القرآن، ولا المنبع لمثل هذا التشريع. وإنما هو تنزيل من حكيم حميد.
خامسها: أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام، خصوصا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها، وناسخها من منسوخها. ولهذا كان سلفنا الصالح يعنون بهذه الناحية ويحذقونها، ويلفتون أنظار الناس إليها، ويحملونها عليها. حتى لقد جاء في الأثر أن ابن عباس ﵄ فسر الحكمة في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [سورة البقرة آية: ٢٦٩]، بمعرفة ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه.
стр. 104
ما هو النسخ ؟
النسخ في اللغة:
يطلق النسخ في لغة العرب على معنيين:
أحدهما: إزالة الشيء وإعدامه. ومنه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [سورة الحج آية: ٥٢]. ومنه قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخ الشيب الشباب، ومنه تناسخ القرون والأزمان.
الآخر: نقل الشيء وتحويله مع بقائه في نفسه. وفيه يقول السجستاني من أئمة اللغة: «والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى»، ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره، عند القائلين بذلك. ومنه نسخ الكتاب لما فيه من متشابهة النقل. وإليه الإشارة بقوله تعالى:
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة الجاثية آية: ٢٩]، والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف، ومن الصحف إلى غيره. اه.
وقد اختلف العلماء بعد ذلك في تعيين المعنى الذي وضع له لفظ النسخ: فقيل: إن لفظ النسخ وضع لكل من المعنيين وضعا أوليّا. وعلى هذا يكون مشتركا لفظيّا وهو الظاهر من تبادر كلا المعنيين بنسبة واحدة عند إطلاق لفظ النسخ.
وقيل: إنه وضع للمعنى الأول وحده، فهو حقيقة فيه مجاز في الآخر. وقيل:
عكس ذلك. وقيل: للقدر المشترك بينهما، ولكن هذه الآراء الأخيرة يعوزها الدليل ولا يخلو توجيهها من تكلف وتأويل.
النسخ في الاصطلاح:
لقد عرف النسخ في الاصطلاح بتعاريف كثيرة مختلفة. لا نرى من الحكمة استعراضها، ولا الموازنة بينها ونقدها ولكن نجتزئ بتعريف واحد نراه أقرب وأنسب وهو (رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي).
ومعنى رفع الحكم الشرعي: قطع تعلقه بأفعال المكلّفين لا رفعه هو، فأنه أمر واقع والواقع لا يرتفع.
والحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب
стр. 105
أو التخيير. وإما على سبيل كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا.
والدليل الشرعي: هو وحي الله مطلقا متلوّا أو غير متلوّ، فيشمل الكتاب والسنة.
أما القياس والإجماع ففي نسخهما والنسخ بهما كلام تراه في موضع آخر.
ما لا بد منه في النسخ
ولا بد من تحقق النسخ من أمور أربعة:
أولها: أن يكون المنسوخ حكما شرعيّا.
ثانيها: أن يكون دليل رفع الحكم دليلا شرعيّا.
ثالثها: أن يكون هذا الدليل الرافع متراخيا عن دليل الحكم الأول غير متصل به كاتصال القيد بالمقيد والتأقيت بالمؤقت.
رابعا: أن يكون بين ذينك الدليلين تعارض حقيقي.
تلك أربعة لا بد منها لتحقق النسخ باتفاق جمهرة الباحثين. وثمة شروط اختلفوا في شرطيتها لا داعي لذكرها الآن.
الفرق بين النسخ والبداء
البداء: (بفتح الباء) يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين:
أحدهما: الظهور بعد الخفاء، ومنه قول الله سبحانه: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [سورة الزمر آية: ٤٧]، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا [سورة الجاثية آية: ٣٣]، ومنه قولهم: بدا لنا سور المدينة.
والآخر: نشأة رأي جديد لم يك موجودا. قال في القاموس: وبدا له في الأمر بدوّا، وبداء وبداءة أي: نشأ له فيه رأي. اه.
ومنه قول الله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [سورة يوسف آية: ٣٥]. ذانك معنيان متقاربان للبداء، وكلاهما مستحيل على الله تعالى، لما يلزمهما من سبق الجهل وحدوث العلم، والجهل والحدوث عليه محالان؛ لأن النظر الصحيح في هذا العالم، دلّنا على أن خالقه ومدبره متصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المطلق المحيط بكل ما كان وما سيكون وما هو كائن، كما هدانا هذا النظر الصحيح إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون حادثا ولا محلّا للحوادث، وإلا لكان ناقصا يعجز عن
стр. 106
أن يبدع هذا الكون ويدبره هذا التدبير المعجز! ذلك إجمال لدليل العقل.
أما أدلة النقل فنصوص فياضة ناطقة بأنه تعالى أحاط بكل شيء علما، وأنه لا تخفى عليه خافية: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [سورة الحديد آية: ٢٢].
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [سورة
الأنعام آية: ٥٩].
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [سورة الرعد آية: ٨ - ١٠]، إلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث.
ولكن على رغم وجود هذه البراهين الساطعة من عقلية ونقلية، ضل أقوام سفهوا أنفسهم فأغمضوا عيونهم عن النظر في كتاب الكون الناطق، وصموا آذانهم عن سماع كلام الله وكلام نبيه الصادق، وزعموا أن النسخ ضرب من البداء أو مستلزم للبداء! وهكذا اشتبهوا أو شبهوا على الناس الأمر، وقالوا: لولا ظهور مصلحة الله، ونشوء رأي جديد له، ما نسخ أحكامه، وبدل تعاليمه، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض، ما ظهر له أمر كان خافيا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل، إنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده، بل من قبل أن يخلق الخلق، ويبرأ السماء والأرض، إلا أنه- جلت حكمته- علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة، أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى، ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم. وأن الأحكام وحكمها، والعباد ومصالحهم، والنواسخ والمنسوخات، كانت كلها معلومة لله من قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده، لا ظهور ذلك له، على حد التعبير المعروف: (شئون يبديها ولا يبتديها)، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [سورة مريم آية: ٦٤].
وخلاصة هذا التوجيه أن النسخ تبديل في المعلوم لا في العلم، وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وكشف لنا وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء، ولهذا ذهب كثير من علمائنا إلى تعريف النسخ بأنه: بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، ثم قالوا توجيها لهذا الاختيار: إن في هذا التعريف دفعا
стр. 107
ظاهرا للبداء، وتقريرا لكون النسخ تبديلا في حقنا، وبيانا محضا في حق صاحب الشرع.
الفرق بين النسخ والتخصيص
قد عرفنا النسخ بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي، وقد عرّفوا التخصيص بأنه: قصر العام على بعض أفراده، وبالنظر في هذين التعريفين نلاحظ أن هناك تشابها قويّا بين المعرفين، فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان، والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد، ومن هذا التشابه وقع بعض العلماء في الاشتباه فمنهم من أنكر وقوع النسخ في الشريعة، زاعما أن كل ما نسميه نحن نسخا فهو تخصيص، ومنهم من أدخل صورا من التخصيص في باب النسخ، فزاد بسبب ذلك في عداد المنسوخات من غير موجب.
لهذا نقيم لك فروقا سبعة بين النسخ والتخصيص، تهديك في ظلمات هذا الاشتباه وتعصمك من أن تتورط فيما تورط فيه سواك:
أولها: أن العام بعد تخصيصه مجاز، لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده، مع أن لفظه موضوع للكل، والقرينة هي المخصص، وكل ما كان كذلك فهو مجاز، أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له، غايته أن الناسخ دلّ على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان، ويظهر ذلك جليّا فيما إذا قال الشارع مثلا: افعلوا كذا أبدا، ثم نسخه بعد زمن قصير، فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره، بل هو مازال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصّا؛ بدليل قوله: «أبدا» غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ؛ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه، أيّا كان ذلك النص وأيّا كان ناسخه.
فإن سأل سائل: ما حكمة تأبيد النص لفظا، بينما هو مؤقت في علم الله أزلا؟
أجبناه بأن حكمته ابتلاء الله لعباده: أيرضخون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا؟ فإذا ماز الله الخبيث من الطيب، والمطمئن إلى حكمه من المتمرد عليه، جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه.
ثانيها: أن حكم ما خرج بالتخصيص لم يكن مرادا من العامّ أصلا، بخلاف ما خرج بالنسخ، فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.
ثالثها: أن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد، ولا على النهي لمنهي
стр. 108
واحد، أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره، ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ .
رابعها: أن النسخ يبطل حجية المنسوخ إذا كان رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام، ويبقى على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض، أما التخصيص فلا يبطل حجية العام أبدا، بل العمل به قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.
خامسها: أن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل مثل قول الله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [سورة المائدة آية: ٣٨]، فأنه قد خصصه قوله ﷺ : «لا قطع إلا في ربع دينار».
ومثل قوله سبحانه: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [سورة الأحقاف آية: ٢٥] فقد خصصه ما شهد به الحس من سلامة السماء والأرض وعدم تدمير الريح لهما.
ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة آية: ١٠٩]، قد خصصه ما حكم به العقل من استحالة تعلق القدرة الإلهية بالواجب والمستحيل العقليين.
سادسها: أن النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ عن المنسوخ، أما التخصيص فيكون بالسابق واللاحق والمقارن، وقال قوم: لا يكون التخصيص إلا بمقارن، فلو تأخر عن وقت
العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه، كما إذا قال الشارع «اقتلوا المشركين» وبعد وقت العمل به قال: «ولا تقتلوا أهل الذمة»، ووجهة نظر هؤلاء أن المقصود بالمخصص بيان المراد من العام، فلو تأخر وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا اعتباره ناسخا
سابعها: أن النسخ لا يقع في الأخبار بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها.
النسخ بين مثبتيه ومنكريه
يذهب أهل الأديان مذاهب ثلاثة في النسخ:
أولها: أنه جائز عقلا وواقع سمعا، وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه، وعليه أيضا إجماع النصارى، ولكن من قبل هذا العصر الذي خرقوا فيه إجماعهم، وركبوا فيه رؤوسهم، وهو كذلك رأي العيسوية، وهم طائفة من طوائف اليهود الثلاث.
ثانيها: أن النسخ ممتنع عقلا وسمعا وإليه جنح النصارى جميعا في هذا العصر، وتشيعوا له تشيعا ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام، وفي طعنهم على هذا الدين القويم من
стр. 109
هذا الطريق طريق النسخ، وبهذه الفرية أيضا يقول الشمعونية، وهم طائفة ثانية من اليهود.
ثالثها: أن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا، وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود، ويعزى هذا الرأي لأبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيها بالخلاف اللفظي إن لم يكنه.
الأدلة على النسخ
أولا: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [سورة البقرة آية: ١٠٦].
ثانيا: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [سورة الرعد آية: ٣٩].
وقد أسلفنا الكلام على هاتين الآيتين، ونزيدك أن دلالتهما على وقوع النسخ ظاهر فيهما، لأنهما نزلتا ردّا على طعن الطاعنين على الإسلام ونبي الإسلام بوقوع النسخ في الشريعة المطهرة.
ثالثا: قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة النحل آية: ١٠١].
ووجه الدلالة في هذه الآية أن التبديل يتألف من رفع لأصل وإثبات لبدل، وذلك هو النسخ؛ سواء أكان المرفوع تلاوة أو حكما.
رابعا: قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [سورة النساء آية: ١٦٠].
ووجه الدلالة فيها أنها تفيد تحريم ما أحلّ من قبل وما ذلك إلا نسخ، وكلمة أُحِلَّتْ لَهُمْ يفهم منها أن الحكم الأول كان حكما شرعيّا لا براءة أصلية.
خامسا: أن سلف الأمة أجمعوا على أنّ النسخ وقع في الشريعة الإسلامية كما وقع بها.
سادسا: أن في القرآن آيات كثيرة نسخت أحكامها.
وهذا دليل في طيه أدلة متعددة؛ لأن كل آية من هذه الآيات المنسوخة، تعتبر مع ناسخها دليلا كاملا على وقوع النسخ، إذ الوقوع يكفي في إثباته وجود فرد واحد.
وسنتحدث فيما بعد إن شاء الله عن هذه الآيات المنسوخة وما نسخها.
стр. 110
حكمة الله في النسخ
الآن وقد عرفنا النسخ، وفرقنا بينه وبين ما يلتبس به، وأيدناه بالأدلة، ويجدر بنا أن نبين حكمة الله تعالى فيه، لأن معرفة الحكمة تريح النفس وتزيل اللبس، وتعصم من الوسوسة والدسّ، خصوصا في مثل موضوعنا الذي كثر منكروه وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك.
ولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر أن النسخ وقع بالشريعة الإسلامية ووقع فيها.
على معنى أن الله نسخ بالإسلام كل دين سبقه، ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض.
أما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الأديان كلها، فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، وبعد أن بلغت أشدها واستوت، ذلك أن النوع الإنساني تقلّب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره.
حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف، ختاما للأديان، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد جمعا وفق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات، وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد، مما جعله بحق دينا عامّا خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!.
وأما حكمة الله في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فترجع إلى سياسة الأمة وتعهّدها بما يرقيها ويمحصها، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول ﷺ بدعوته، كانت تعاني فترة انتقال شاقّ، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام، من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم.
من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم، متلطفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئا فشيئا، متمشية مع
الإلف والمران والأحداث الجادة عليهم، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب حسب أصول التربية، حتى تم الأمر ونجح الإسلام نجاحا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به، ونهضة البشرية بسببه!
تلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من
следующие страницы →