Полный текст (206 стр.). Показаны 176–206 · переход к 181.
стр. 176
تطبيقات على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
من الفروع التي تتفرع على هذه القاعدة المهمة: رجل له زوجتان: هند وسعاد، وحدث بينه وبين سعاد شيء، وحدث بينه وبين هند شيء، فطلق إحداهما وهو خال طلقة بائنة، ثم حدث له ذهول في عقله فنسي هل طلق هنداً أم طلق سعاد؟ فالواجب عليه عدم النظر إلى من طلقها، وعدم إمساكها، وهذا لا يمكن إلا إذا امتنع عن الاثنتين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهو قد اختلط عليه الأمر.
ومن فروع هذه القاعدة: لو بنى بعض المسلمين عمارة، وفيها طابق للمسلمين وطابق لأهل الكتاب، فقدر الله وأصيبت البناية بالزلازل فوقعت البناية بأسرها على كل من فيها من أهل الإسلام ومن أهل الكفر، فيجب على أهل الإسلام تغسيل موتاهم وتكفينهم، والصلاة عليهم، فرأوا رجلاً ميتاً فتحيروا هل هو مسلم أم كافر؟ وتغسيل الميت المسلم واجب، والصلاة عليه واجبة، وهو فرض كفاية إن قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين.
فنقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيغسل الجميع ويكفن الجميع، ويصلى على الجميع إلا من علمنا أنه كافر.
فإن قيل: كيف أصلي على كافر؟ وكيف أدعو لكافر والله قد نهى عن الاستغفار للكافر، والنبي ﷺ نهى عن ذلك؟! ف
الجواب
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم تغسيل المسلمين إلا بتغسيل من معهم، فقلنا بوجوب التغسيل لهم جميعاً؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعندما تصلي تنوي أن هذه الصلاة على المسلم فقط.
ومثل هذه المسألة ما لو تزوج مسلم امرأة نصرانية من أوروبا، ثم ماتت والحمل في بطنها، فهل تدفن في مقابر المسلمين أم تدفن في مقابر الكافرين؟ وهل يصلى عليها أو لا يصلى عليها؟ لا يصلى عليها إن كان الجنين في بطن أمه صغيراً، لكن لو كانت على مشارف الولادة في الشهر التاسع فيصلى على الجنين.
ومن فروع هذه القاعدة: إذا صلى المكلف خلف الإمام، وكان الإمام في الركعة الثالثة، والمشهور أن سترة الإمام سترة للمأموم، فلما سلم الإمام أصبح المأموم منفرداً، فكان يصلي بجانب السارية، والناس يمرون من أمامه فخشي على صلاته من البطلان، بل خشي أن يمر الشيطان من أمامه ويقطع عليه الصلاة، كما قال النبي ﷺ .
فيجب عليه أن يمشي إلى السارية، وهو في صلاته من أجل أن يصلي إلى سترة؛ لقول النبي ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة)، وهذا أمر وظاهر الأمر الوجوب، بل قال: (وليدن منها)، وهذا الوجوب لا يتم إلا بالمشي إلى السارية.
وهذا الذي قاله مالك في المدونة، قال ﵀: المسبوق إذا قام ليتم صلاته فأصبح منفرداً فله أن يمشي إلى السارية، وهذا الذي طبقه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما دخل فوجد رجلاً يصلي منفرداً إلى غير سترة فأخذه بأذنه فجره إلى السارية، وجعلها سترة له.
فهذا تقرير لهذه القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن هذه الفروع أيضاً: رجل سافر براً إلى أرض الحجاز يريد العمرة، فجلس في الصحراء ليرتاح، فدخل وقت صلاة الظهر أو صلاة العصر، فبحث عن الماء فلم يجده، فيعدل إلى التيمم، وإن كان الماء وهو الأصل في التطهير غير موجود! فلا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله معه، فإن كان كل الجسد لا يتحرك فيومئ برأسه وإلا بعينه.
فإن وجد رجلاً معه زجاجات الماء ويبيعها بثمن المثل، فيجب عليه أن يشتريها ويتوضأ لتصح صلاته؛ لأن الصلاة مع وجود الماء لا تصح إلا به، وهذا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كذلك إن كان في الصحراء -مثلاً- فسرق سارق ثيابه وأصبح عارياً، ووجد رجلاً يبيع هذه الملابس، فيجب عليه أن يشتري هذه الملابس ستراً للعورة حتى تصح الصلاة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 177
قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
стр. 178
أدلة قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
القاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور.
وهذه القاعدة لها أصل أصيل من كتاب ربنا ومن سنة نبينا ﷺ .
فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
وقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
والله جل في علاه كلما شق الأمر على الناس خففه عنهم، فالميسور لا يسقط بالمعسور.
стр. 179
الفروع التي تتعلق بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
والفروع التي تتعلق بهذه القاعدة كثيرة، منها ما يلي: رجل كان في بيته ودخل عليه السارق فسرق ما عنده من ملابس وفرش، وكان صاحب البيت في الحمام يغتسل فخرج عارياً، وأراد الصلاة وخشي ضياع الوقت، وبحث في البيت بأسره فما وجد إلا رداءً يستطيع أن يغطي به كتفيه ونصف البدن من فوق السرة، ويترك باقي الأعضاء ظاهرة حتى العورة، ومن المعسور أن يغطي كل البدن، ومن الميسور أن يغطي الكتفين أو السوأتين، فإن غطى الكتفين فالسوأتان ظاهرتان، وإن غطى السوأتين فالكتفان والبدن بأسره غير مغطى.
فالأولى أن يغطي السوأتين؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
أيضاً من الفروع لهذه القاعدة: رجل من أوروبا أسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله -نسأل الله أن يدخل جميع الغرب في الإسلام رحمة بهم من النار- فبعد أن نطق بالشهادتين فإنه يجب علينا أن نبين له فرائض الإسلام، ولا بد أن يتقبلها.
وأول أركان الإسلام وفرائضه الصلاة، فنعلمه كيفية الصلاة بأركانها وشروطها، ومن ذلك قراءة الفاتحة فيها، وأن البسملة آية منها.
فلو حفظ نصفها فقط وما استطاع أن يحفظ النصف الآخر أو يتقنه، فإن صلاته تصح ولو لم يكمل قراءة الفاتحة؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، قال الله جل في علاه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال أيضاً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ولو أن رجلاً يستطيع القيام في الصلاة، أما الركوع والسجود فلا يستطيعهما، فالميسور لا يسقط بالمعسور، فيجب عليه أن يكبر تكبيرة الإحرام ويقرأ الفاتحة قائماً، وعند الركوع والسجود يومئ، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، ففي ذلك تيسير الله على العباد، فالميسور لا يسقط بالمعسور.
أيضاً: رجل شج في رأسه، ثم أصبح جنباً إما بالجماع أو بالاحتلام، وأراد أن يصلي صلاة الفجر، فلو اغتسل لرفع الحدث الأكبر فإن الماء سيضره وقد يؤدي به إلى الوفاة، فإن أعضاء الغسل كلها تنزل منزلة العضو الواحد، ويعسر عليه أن يمر الماء على رأسه فقط وما عدا ذلك فميسور له، والنبي ﷺ يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فيجب عليه أن يمر الماء على كل الجسد، ويأتي على رأسه فيتيمم؛ لأنه بالنسبة للرأس غير واجد للماء؛ لأن الماء لا بد أن يوجد حقيقة وحكماً، وهو غير موجود حكماً؛ لأنه لا يستطيع استعمال الماء؛ فلو استعمله فقد يضيق على نفسه أو يقتل.
والحديث فيه ضعف وإن صححه بعض العلماء، وهو أن رجلاً كان في رأسه شجةً فاحلتم، ثم سأل بعض الصحابة عن ذلك فقالوا له: ما نرى لك إلا الاغتسال لأنك واجد للماء، فلما اغتسل مات شهيداً بسبب هذه الفتوى التي جانبت الصواب.
وقد قال النبي ﷺ في ذم الجهل (اتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
فاستحق هؤلاء الصحابة الذين أفتوا الرجل بذلك أن دعا النبي ﷺ عليهم فقال: (قتلوه قاتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال)، فالغرض المقصود في هذه المسألة هو أن الميسور لا يسقط بالمعسور.
كذلك صاحب الجبيرة إذا كانت في إحدى يديه، وعليه فإنه يتوضأ فيغسل وجهه ويده السلمية، أما التي فيها الجبيرة فإنه يمسح عليها ويغسل الباقي، وإن لم يغسله لا يجزئه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
стр. 180
قاعدة الزعيم غارم
والقواعد الأخرى في المعاملات وهي قواعد مهمة في الضمان، أولها: الزعيم غارم، والزعيم هو الضامن.
والأصل في هذه القاعدة كما في سنن أبي داود أن رجلاً قبض غريماً له بعشرة دنانير فقال له: إما أن تقضي؛ وإما أن تأتيني بحميل -يعني: بكفيل أو زعيم- فتحملها النبي ﷺ ، فجاء الرجل ببعض الدنانير فقال له النبي: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن؟ فقال له النبي ﷺ : (لا حاجة لنا فيها وليس فيها خير) فتحملها النبي ﷺ وقضى عن الرجل.
فالشاهد أن الرجل قال له: إما أن تقضي، وإما أن تأتيني بحميل، أي: كفيل أو زعيم، فكان الكفيل هو النبي ﷺ فضمنه، فلما لم يستطع الرجل إلى ذلك وفاء قضى عنه النبي ﷺ .
وفي رواية صريحة أن النبي ﷺ قال: (الزعيم غارم).
стр. 181
قاعدة الخراج بالضمان
وهذه القاعدة لها فروع فقهية كثيرة جداً، ويتفرع عليها قاعدة مهمة، وهي قاعدة: الخراج بالضمان، أو الغنم بالغرم.
فمثلاً: رجل رهن بقرة عند رجل آخر فكان يحلبها كل يوم، فلو ماتت في يد المرتهن فإنه يضمن، وله أن يستفيد من لبنها؛ لأن الخراج بالضمان.
وذلك لحديث عائشة ﵁ وأرضاها أن رجلاً اشترى عبداً، واستعمله عدة أيام ثم وجد به عيباً، فرده إلى البائع، فقال البائع: يا رسول الله، لقد استغله أو استفاد منه أي: أخذ الخراج، فقال له النبي ﷺ : (الخراج بالضمان).
وكذلك لو اشترى رجل سيارة أجرة، وأخذها في اليوم الأول فاستعملها وأخذ أجرة اليوم، ثم استعملها في اليوم الثاني والثالث والرابع، ثم ظهر فيها عيب أخفاه البائع عن المشتري، فيصح للمشتري أن يفسخ البيع ويرد السيارة للبائع، وأجرة السيارة في هذه المدة تكون للمشتري وليس للبائع؛ لأنها لو تلفت قبل أن يردها فإن المشتري يضمن؛ فإن الخراج بالضمان.
وكذلك لو أن مجموعة من الناس أرادوا بناء شركة مواد غذائية، أو شركة سيارات، وكل واحد منهم دفع مبلغاً معيناً، وصار لكل واحد منهم أسهم معينة، فربحوا في السنة الأولى، فقسمت الأرباح فيما بينهم على حسب الأسهم، ثم ربحوا في السنة الثانية فوزعت حصة كل واحد منهم على حسب الأسهم، ثم جاءت السنة الثالثة فخسروا فإنهم يوزعون الخسارة على أنفسهم بنفس الحصص وبنفس الأسهم، فإن الغنم بالغرم والخراج بالضمان.
وهذا يبين لنا خطأ وظلام من يستعمل هذه المسألة بأن يأخذ من الناس الأموال ويوظفها، ويأخذ عليها نسبة مئوية معينة على مدار السنة كمائة جنيه في الشهر، وهذا ربا محض؛ لأن المسألة كلها مسألة ربح وخسارة مقسمة على نسبة مشاعة، فقد تكون في المائة أربعين أو خمسين أو غير ذلك، فتوزيع الربح والخسارة على الأسهم.
ومن الأمثلة في هذا الباب أيضاً: اشترى رجل شقة في مبنى، واشترى رجل آخر شقة أخرى في نفس العمارة، وهذا البيت أصبح اسمه عند العامة (اتحاد ملاك)، وتحتاج العمارة إلى صيانة، فيتحملها كل حسب نصيبه وحصته؛ لأن الغنم بالغرم والخراج بالضمان.
стр. 182
قاعدة الأجر والضمان لا يجتمعان
وهناك قاعدة أخرى، وهي: الأجر والضمان لا يجتمعان.
وهذه مهمة جداً، فمثلاً رجل عنده معرض سيارات للإيجار فيأتيه رجل يستأجر السيارة لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أيام، وبعد ما أعطاه الأجرة أخذ السيارة فسار بها ساعة ثم حصل لها حادث فتلفت، فلا يضمن المستأجر شيئاً؛ لأن الأجر والضمان لا يجتمعان، وذلك بشرط عدم التعدي وتكون قد تلفت بقدر الله جل في علاه، كالجائحة التي تقع على الثمر.
ومثلاً: رجل وجد سيارة فأعجبته، وكان عنده مفتاح ففتح الباب، ثم دخل فأخذ السيارة غصباً وذهب بها إلى الفقراء من أجل أن يبيعها ثم يوزع عليهم ثمنها، فتلفت قبل أن يفعل ذلك، فيعتبر غاصباً لها فيضمنها، ولا تنطبق هنا قاعدة: الأجرة والضمان لا يجتمعان.
وأيضاً: رجل عنده مكتبة فوجد أن طلبة العلم عجزوا عن الشراء، فجعلها للإجارة لا للبيع، فجاء أحد الطلبة فاستأجر أحد الكتب بثمن معين ولمدة معينة، فحصل لهذا الكتاب بعض التلف من دون تفريط من المستأجر، فلا يلزم المستأجر قيمة الكتاب؛ لأن الأجرة والضمان لا يجتمعان.
وكذلك في مسألة استئجار الأشرطة، فلا يجوز للإخوة الذين يؤجرون الأشرطة أن يلزموا المستأجرين لها بأنها لو تلفت عندهم فعليهم أن يأتوا بشريطين عقاباً؛ فهذا لا يصح بحال من الأحوال.
أيضاً: رجل استأجر شقة وأقام فيها شهراً كاملاً مع أهله وأولاده، لكن الأولاد الصغار أتلفوا بعض الأشياء في الشقة، فإن المستأجر لا يضمن؛ لأن الأجرة والضمان لا يجتمعان.
стр. 183
قاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان
القاعدة الأخيرة التي تتفرع على هذه القواعد هي قاعدة: الجواز الشرعي ينافي الضمان.
والمعنى: إذا تصرف الشخص في شيء أقره الشرع عليه فحدث إتلاف فإن هذا الإتلاف لا يضمن.
فمثلاً: رجل حفر بئراً في ملكه، فوقع فيه رجل فمات، فلا يضمن صاحب البئر لأن الجواز الشرعي لا ضمان فيه.
ولو استأجر رجل سيارة، وحملها فوق طاقتها فتلفت، فعليه الضمان؛ لأنه حملها فوق طاقتها، وفي التفريط ضمان.
وكذلك: لو أنّ رجلاً أباح لرجل أن يأكل طعاماً فأكله فلا يضمن؛ لأنه مأذون شرعاً، فإنه يباح له أكل طعام المالك بعد الإذن؛ والجواز الشرعي لا ضمان معه.
ومن فروع هذه القاعدة: لو أن هنالك بناية لخمسة من الشركاء، فسكن أحدهم في أحد الأدوار، فحدث حريق في البناية بأسرها بدون تعدٍ منه فهدمت، فلا يضمن هذا الشريك، لأنه يجوز له أن يسكن في ملكه وإن لم يستأذن؛ والجواز الشرعي ينافي الضمان، ولا يجتمع الجواز الشرعي مع الضمان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
стр. 184
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ضوابط فقهية في الطب والقرض والنكاح
لا تقتصر القواعد الشرعية على أبواب العبادات، بل تدخل في المعاملات والأنكحة، فتدخل في الطب والربا والقرض والشروط التي تقع في النكاح.
стр. 185
قاعدة من تطبب بغير طب فهو ضامن
стр. 186
معنى القاعدة ودليلها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني الكرام: زادكم الله حرصاً على الطلب، فإن الذي يميز طالب العلم من غيره هو الحرص على الطلب.
فطالب العلم لن يكون طالباً للعلم إلا بشدة الحرص على الطلب، وبالمتابعة؛ لأن الانقطاع يدل على قلة العلم، والمعلومات التي تترتب بعضها على بعض تنقطع بالانقطاع، فمن رأى في نفسه همة، وأعطاه الله جل في علاه الموهبة، وعنده القدرة على التحصيل، فلا يقطع التحصيل بالانقطاع، ولا يشغل نفسه بأمور إدارية أو دنيوية، خصوصاً أنه قد بدأ في فرض الكفاية هذا، وربما قد أصبح عليه فرض عين، فلا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
من القواعد الفقهية المشهورة قاعدة: (من تطبب بغير طب فهو ضامن)، وهي نص حديث شريف.
أقول: التداوي قد أمر به الشرع وحث عليه، فإن النبي ﷺ أمر الأمة أن تأخذ بالأسباب الصحيحة؛ لأن ترك الأسباب يعتبر قدحاً في التشريع، قال النبي ﷺ : (تداووا عباد الله! ولا تتداووا بحرام، فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء).
وفي مسند أحمد -زيادة عن الصحيح- قال: (علمه من علمه وجهله من جهله).
هناك أدلة أخرى تدل على أن التداوي ليس بواجب، منها: أن النبي ﷺ ذكر أن الله جل في علاه إذا أحب قوماً ابتلاهم، وأبي دعا الله ألا يشفى من الحمى، فما رآه أحد إلا وكانت الحرارة تعلوه، بيد أنه دعا الله ألا يحبسه عن القتال، فكان يبتلى بهذا المرض ولا يتداوى منه، وذلك لرفعة الدرجات عند الله جل في علاه؛ لأن النبي ﷺ قال: (حتى الشوكة يشاكها إلا كانت كفارة له)، ولم يأمره النبي ﷺ بالتداوي، ولم ينكر عليه، فهذه دلالة واضحة جداً على أن التداوي ليس بواجب.
إذاً: فالراجح الصحيح أن التداوي مستحب وليس بواجب.
ثم هناك خلاف مشهور بين العلماء: هل التداوي ينافي التوكل أو لا ينافي التوكل؟ ولسنا بصدد هذه المسألة.
إذاً يستحب لكل إنسان مرض أن يذهب إلى الطبيب المتخصص، فإذا ذهب إلى الطبيب المتخصص فعالجه فأتلف فيه عضواً من غير تفريط فلا ضمان عليه؛ لأنه طبيب.
أما إذا ذهب إلى طبيب غير متخصص، كأن يكون عنده مرض في بطنه فذهب إلى أطباء العيون فكتبوا له علاجاً أتلف له عضواً داخلياً، فإن الطبيب في هذه الحالة يضمن إن كان هذا المريض يجهل عدم التخصص؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تطبب بغير طب فهو ضامن)، يعني: يضمن العضو الذي يتلف، ويضمن دية العضو، بل لو قتله فإنه يضمن ديته كاملة.
وهذه القاعدة -كما قدمنا- هي نص حديث النبي ﷺ ، وأوسع منه دلالة قول النبي ﷺ : (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).
فلهذا فإن من فعل ذلك يترتب عليه أمران: الأمر الأول: أنه لا يستحق الأجرة؛ لأنه ليس ماهراً في عمله، فهو غاش، والنبي ﷺ يقول: (من غشنا فليس منا).
الأمر الثاني: أنه يضمن عند حصول الضرر.
стр. 187
الأمثلة التطبيقية على القاعدة
انتشر في زماننا الآن أن كثيراً من الممرضين يستخدمون المشرط، ويجرون عمليات جراحية بالممارسة والدربة، فهل هؤلاء يدخلون تحت عموم الحديث أم لا؟ أقول: إن أتقن مسألة الفتح أو الغلق بالدربة والممارسة، وعرف كيف يعالج المريض، فهذا يغرم عند ولي الأمر، أما شرعاً فلا جرم عليه؛ لأن الطب ليس حكراً على كليات الطب، بل يمكن للإنسان أن يتدرب ويتعلم الطب بدون أن يدرس في هذه الكليات النظامية.
وهذا الواقع في القانون الأوربي، فإن أي إنسان يريد أن يتخصص، وعنده مهارة في تخصص معين، فيمكن أن يذهب إلى جامعات خاصة أو إلى طبيب ماهر يعلمه هذا، فإذا كان هذا الرجل قد أتقن هذه العملية فلا ضمان عليه، وإن لم يتقن فالضمان عليه، لعموم قول النبي ﷺ : (من تطبب بغير طب فهو ضامن).
مثال ذلك أيضاً: إذا كان هناك رجل يعمل في إصلاح السيارات، وجاءته سيارة لا يعرف عنها شيئاً، وأخذ يعمل فيها فأتلف فيها أشياء، فهو هنا ضامن؛ لأنه غير متقن لهذا العمل.
стр. 188
قاعدة كل قرض جر نفعاً فهو ربا
стр. 189
بيان المنفعة الجلية والمنفعة الخفية
ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، وهذا لفظ حديث لكنه ضعيف باتفاق المحدثين، والصحيح أنها قاعدة متفق عليها في باب المعاملات، فالإجماع قائم على هذه القاعدة.
ولها صور خفية وصور جلية: أما الصور الجلية فكأن يعطيه مائة، وبعد عام أو شهر أو غير ذلك يأخذ مائة وعشرين مثلاً، فهذا قرض جر نفعاً جلياً.
وكذلك إذا أعطاه شيئاً رديئاً بشرط أن يرد له شيئاً جيداً، فهذا أيضاً قرض جر نفعاً جلياً فيدخل تحت القاعدة.
أما الخفي: فكأن يذهب ليشتري من الصائغ ذهباً، ومن شروط صحة بيع الذهب التقابض في المجلس، فإذا لم يجد المشتري كامل المبلغ، فقال له البائع: خذ هذا المبلغ قرضاً ثم اشتر به الذهب، وفيما بعد سدد إلي القرض، فإن هذه المعاملة لا تصح؛ لأن هذا قرض يجر نفعاً خفياً، وهذا النفع صورته أن المشتري لو ذهب إلى البيت ليأتي بالمال، فإنه يمكن أن يشتري من محل آخر، ولا يشتري من هذا المحل، فلما أعطاه البائع المال فإنه ضمن أنه سيشتري منه، فيكون هذا القرض قد جر نفعاً، فلا يصح، ويقع في الربا.
من أمثلة ذلك أيضاً: رجل ليس عنده عمل وهو غني، لكن يريد أن يعمل ويكسب بيده، فما وجد عملاً حتى جاءه رجل فقير عنده وجاهة بين الناس، ويمكن أن يشفع له في عمل، والرجل الفقير هذا يحتاج مالاً، فأعطاه الغني مالاً قرضاً -أي: يعيده بدون زيادة ولا نقصان- على أن يشفع له في عمل، فلما أخذ الرجل القرض فرح به جداً، واشتدت همته بالشفاعة حتى يعمل هذا الرجل الغني.
فهذه المعاملة يلام عليها؛ لأن هذا القرض جر نفعاً، فقد شفع ازدادت همته في الشفاعة له عندما أقرضه هذا القرض، مع أنه سيقضي القرض بدون زيادة ولا نقصان، ولكنه قرض جر نفعاً خفياً.
فإذاً (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، فلا يصح القرض الذي يجر منفعة، سواء كانت هذه المنفعة جلية أم خفية، والمنفعة الخفية قد تدخل في التحليل على شرع الله، كما قال ﷺ عن اليهود: (قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحم فجملوه ثم أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه).
стр. 190
حكم رد القرض بزيادة بدون شرط مسبق
وهناك مسألة وهي: إذا اقترض رجل قرضاً ثم رده بزيادة دون شرط مسبق، وإنما المقترض زاد هذه الزيادة من نفسه إكراماً للمقرض الذي أقرضه في وقت الضيق.
المسألة فيها أقوال ثلاثة: الجواز مطلقاً.
والمنع مطلقاً.
والتفصيل.
أما المنع مطلقاً فقال به بعض العلماء؛ وذلك لعموم هذه القاعدة: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، فسواء كان مشروطاً أو غير مشروط.
قالوا: ولأن هذا قد يكون ذريعة إلى الربا، فإنه إذا اشتهر عن رجل ما أنه جواد كريم لا يقترض قرضاً إلا ويرده بزيادة، فالناس سوف يسارعون إلى إقراضه للنفع الذي سيأتي منه، فهو ذريعة إذاً إلى الربا.
وهذا القول من القوة بمكان.
القول الثاني: الجواز مطلقاً، أي: كماً أو كيفا، ًوهذا القول قول الجماهير من الفقهاء، كالشافعية والأحناف، واستدلوا على ذلك بحديث أبي رافع: (أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء).
وفعل النبي ﷺ هذا يدل على الجواز، وهذا مخصص لعموم القاعدة: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا).
ومن الأدلة: حديث جابر ﵁، حيث قال: (فقضاني النبي وزادني) يعني: أعطاني الثمن الذي قاله لي وزادني عليه، فهذا فيه دلالة أيضاً على أن الزيادة جائزة.
وفي السنن بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله فاستسلف له رسول الله ﷺ فأعطاه إياه، فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقاً، وقال: نصف لك قضاء، ونصف لك نائل من عندي).
فهذه الأدلة فيها دلالة على أن النبي ﷺ أعطى زيادة كماً وكيفاً، أما كيفاً فكما في حديث أبي رافع، وأما كماً فكما في حديث أبي هريرة ﵁ وعن الصحابة أجمعين.
القول الثالث: التفصيل: وهو قول المالكية حيث قالوا: نقول بالتفريق والتفصيل، أي: أنه تجوز الزيادة كيفاً ولا كماً، والسبب أن حديث الجمل -حديث أبي رافع - الذي في الصحيح، واقعة حال لا تعمم.
والرد عليهم أن هذه الأدلة قد غابت عنكم، فقد ورد أن رسول الله ﷺ أعطى زيادة في الكم وزيادة في الكيف.
لكن إذا كانت هذه ذريعة وعلمنا أن الرجل الذي يعطي القرض يريد الزيادة فلابد أن يمنع، لقاعدة ستأتينا فيما بعد وسنختم بها إن شاء الله تعالى، وهي شبيهة بهذه.
стр. 191
قاعدة إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم
ومن القواعد المشهورة في البيع قاعدة (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم).
هذه القاعدة مشتقة من نص كلام النبي ﷺ الذي يقول فيه: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)، وقال في بعض الروايات: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
واختلاف الأصناف يعني اختلاف الأجناس وإن اتحدت العلة، كأن يبيع ذهباً بفضة، فهنا اختلفا في الجنس واتحدا في العلة -الثمنية والنقدية- ففي هذه الحالة نقول له: بع كيفما شئت من حيث القلة والكثرة لكن يداً بيد.
أما إذا اختلفا في الجنس والعلة معاً، كذهب وتمر، فهذا لا يدخل معنا في هذا الباب؛ لأن مثل هذا البيع لا يشترط فيه التقابض ولا الحلول ولا التماثل، إنما القاعدة التي معنا كأن يبيع قمحاً بشعير، أو براً بتمر، أو براً بملح، أو ذهباً بفضة، فهذه الأصناف متفقة علتها.
فهذه القاعدة ليست على الإطلاق، وإنما يجب أن تقيد باتحاد العلة، فتصبح القاعدة كما يلي: إذا اختلفت الأصناف المتفقة في العلة فبيعوا كيف شئتم، ولكن بشرط وحيد هو التقابض في المجلس، ولا يشترط أن يكونا سواء بسواء.
стр. 192
قاعدة الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الربا
من القواعد الفقهية المشهورة في البيع والربا كذلك قاعدة (الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل).
وتمثيل هذه القاعدة كأن يكون مع رجل كومة من تمر وأراد تبديلها بكومة أخرى من التمر غير معلومة الكمية، فهذا لا يجوز؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
فنحن لا نعلم هل هذه الكومة تساوي الكومة الأخرى، فإنه لو زادت حتى تمرة واحدة فقد وقع في الربا.
وبهذا المثال اتضح معنى قاعدتنا (الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل)، والعلم بالتفاضل حرام -كما هو معلوم- لقول النبي ﷺ : (سواء بسواء)، وهذا كله بشرط أن يتحد كل من العلة والجنس.
ويدخل في هذا كذلك القلائد التي فيها ذهب وفضة ولا يعلم مقدار كل منهما، فلا يجوز تبديل بعضها ببعض أو حتى تبديلها بذهب أو فضة.
وكذلك لا يجوز تبديل الذهب عيار ثمانية عشر بعيار أربعة وعشرين؛ لأن الشوائب تقلل من الذهب، فالذهب الذي عياره أربعة وعشرون أكثر من الذهب الذي عياره ثمانية عشر، ولكن لا يعلم مقدار الفرق، فلا يجوز مثل هذا التبادل؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فلا يجوز مبادلة العيار بالعيار المختلف.
وبهذا انتهينا من القواعد في المعاملات.
стр. 193
قاعدة كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل
هنا نتكلم عن بعض القواعد في النكاح، أول هذه القواعد وأهمها قاعدة: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل).
فهذه القاعدة مهمة جداً، ومتعين على كل إنسان أن يتعلمها، وهي مشتقة من حديث النبي ﷺ في واقعة بريرة، وذلك عندما أرادت عائشة أن تشتري بريرة من الذين كاتبوها، فقالوا: نشترط أن الولاء يكون لنا، فالنبي ﷺ لما أخبر بذلك غضب غضباً شديداً ثم قال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط).
ومثال ذلك: أن تشترط المرأة على زوجها في العقد عدم الزواج من غيرها، وهذا هو الأصل الأصيل في هذه القاعدة، وقبل أن نتحدث على هذه المسألة نذكر أقسام الشروط، حيث قسم العلماء الشروط إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: شروط متفق على صحتها، وعلى جوازها، وعلى العمل بها.
القسم الثاني: شروط متفق على منعها وتحريمها وعدم العمل بها.
القسم الثالث: وسط بين الطرفين: شروط اختلف العلماء فيها: هل تجوز أو لا تجوز؟ أما الشروط التي اتفق العلماء على جوازها فهي مثل أن تشترط المرأة على زوجها أن يعطيها المهر كاملاً لها، إذ إن المهر يجب لها.
أو يشترط الزوج أن تمكنه من نفسها، فهذا أيضاً شرط يوافق العقد، أو تشترط أن يطعمها حيث أكل، وأن يسكنها من حيث سكن، فهذا كله موافق للعقد، وهذه شروط صحيحة بالإجماع.
وكذلك مثل أن تشترط عليه ألا يبعد عنها، فهذا أيضاً يوافق العقد وهذه شروط لابد من الوفاء بها بالإجماع؛ لقول رسول الله ﷺ : (المسلمون عند شروطهم)، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ومن علامة الإيمان أن تفي بهذه العهود والشروط.
الصنف الثاني: شروط اتفق العلماء على حرمتها، وعلى عدم جواز العمل بها: كأن تشترط عليه أن العصمة في يدها، فهذا لا يجوز بالإجماع، إذ إن الطلاق بيد الزوج، أما إن قال لها: أمرك بيدك، فهذه مسألة أخرى ليست أصلاً أصيلاً.
وكذلك كأن تشترط ألا يجامعها، فهذا شرط محرم كذلك، بل إنه لا يدفع المهر إلا أن تمكنه من نفسها، فإذا اشترطت ألا تمكنه من نفسها فهذا شرط محرم، ولا يجوز العمل به بالإجماع.
وهكذا حكم كل الشروط التي على نفس هذا السياق، كأن تقول: لا تدخل بي حتى تطلق امرأتك الثانية، فهذا أيضاً من الشروط المحرمة، والدليل على أنه إذا طلبت منه طلاق أختها فهي آثمة ولا يحل لها ذلك حديث في الصحيح، يقول فيه رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تطلب طلاق أختها حتى تكفأ صحفتها وتأخذ ما في إنائها)، فيحرم عليها أن تطلب طلاق أختها.
الصنف الثالث: الشروط التي اختلف العلماء فيها: وأشهرها: أن تشترط المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول جماهير أهل العلم، قالوا: هذا شرط محرم، فيترتب على ذلك أن تأثم المرأة بهذا الشرط.
يعني: لو كتبت في العقد أن لا يتزوج عليها، فهي آثمة بذلك، قالوا: هذا شرط محرم ولا وفاء به.
والدليل على أنه لا يجب الوفاء حديث النبي ﷺ حيث قال لـ عائشة: (اشترطي لهم الولاء)، مع أن الولاء أصبح بعد ذلك لـ عائشة، فهي لم توف بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك كالمنكل بهم، فلذلك قال الجماهير من العلماء: إن اشترطت فالشرط لا عبرة به والعقد صحيح، واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، قالوا: وهذا الشرط يمنعه من الحلال، فهو يحرم عليه أن يتزوج أكثر من واحدة، إذاً هذا شرط قد حرم حلالاً، فلا يجوز لها أن تشترط ذلك؛ لأنها تكون قد حرمت عليه الحلال، فالله جل وعلا قال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، فالصحيح أن هذا الشرط محرم؛ لأنه يمنع حلالاً على الرجل، فلا عبرة به.
القول الثاني: وهو قول الحنابلة، حيث قالوا: هذا الشرط صحيح، ويجب الوفاء به، وللمرأة أن تطلب الطلاق إن لم يوف بالشرط، فإذا كتبت: لا يتزوج غيري، فتزوج غيرها، فلها أن تفسخ العقد.
واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : (إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج).
واستدلوا كذلك بما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أن امرأة كانت قد اشترطت على زوجها ألا ينتقل بها، فأراد أن ينتقل بها، فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط، ففسخ العقد أو طلق المرأة من الرجل.
والراجح من القولين هو قول الجماهير، أي: أن هذا الشرط شرط غير معتبر؛ لأنه يحرم حلالاً، فلا يجوز للمرأة أن تشترط هذا الشرط، فإن اشترطت فهي آثمة، وعلى الرجل أن يلغي هذا الشرط ولا يعتبره، وله أن يتزوج على امرأته.
وعلى المسلم أن يذكر امرأته بحديث النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ويقول لها إنها ليست بأفضل من عائشة، ولا أغير من عائشة على النبي ﷺ ، وليست بأفضل من أم سلمة التي رفضت الزواج بالنبي في بادئ الأمر بسبب أنها امرأة لها شدة في الغيرة، ومع ذلك دعا النبي ﷺ لها أن يذهب عنها غيرتها.
стр. 194
قاعدة الأصل في الأبضاع الحرمة
القاعدة الثانية في النكاح: (الأصل في الأبضاع الحرمة).
وأصلها استنبط من قول النبي ﷺ : (واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، ومعروف أن من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها حفظ العرض.
وهذه المسألة مسألة شائكة ومهمة جداً، ولها فروع منها لو كان هناك رجل وامرأة، وادعى الرجل أنه زوجها، وهي ادعت أنه ليس بزوج لها، فنقول: الأصل في الأبضاع الحرمة ما لم يدل دليل قوي صريح صحيح ينقلنا من الأصل إلى غيره، والأصل هو عدم الزواج، وما دام لا يوجد دليل فنقول: الأقوى هو الموافق للأصل لا الناقل عن الأصل، فإذا أراد أن يقوي حجته فعليه بالدليل الذي ينقل الحكم عن الأصل، وهذا الدليل هو وجود شاهدي عدل.
فإذاً: إذا ادعى رجل أنه تزوج امرأة، والمرأة أنكرت ذلك، فالقول قولها تطبيقاً لقاعدة (الأصل في الأبضاع الحرمة).
ومن فروع هذه القاعدة: إذا اختلطت زوجة بأكثر من امرأة شبيهات بها، ولم يميز الزوج امرأته من بينهن، ففي هذه الحالة نقول له: الأصل في الأبضاع الحرمة، فلا يجوز أن تجامع أي امرأة منهن حتى تميز زوجتك من غيرها.
ومن فروع هذه القاعدة أيضاً: إذا ادعت امرأة أنها أرضعت رجلاً وامرأته -عندما كانا صغيرين- خمس رضعات مشبعات، ففي هذه الحالة نقول للرجل: هذا فرج محرم عليك، ولا يجوز أن تبقى معه، وينفسخ العقد بذلك، ونأخذ بقول المرأة تطبيقاً لقاعدة: (الأصل في الأبضاع الحرمة).
стр. 195
قاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر
стр. 196
لمن ينسب ولد الزنا ؟
ومن القواعد الفقهية في النكاح: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
وهذه القاعدة مهمة جداً في استلحاق الولد، وقد أصل النبي ﷺ أصلاً عظيماً في النسب، وهو قوله ﷺ : (من انتسب إلى غير أبيه فقد كفر)، أي: وهو يعلم ذلك.
فهذا يدل على أنه لا يجوز أن تختلط الأنساب، فقد بين ذلك النبي ﷺ وزاده قوة بقوله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
فإذا زنى رجل بامرأة فولدت، فهل الولد ينسب لهذا الزاني أم لا؟ نقول: لا، تطبيقاً لقاعدة: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
وقد اختلف العلماء في معنى الفراش، فقال الشافعية والأحناف والمالكية وأحمد: الفراش هو العقد، وهنا كلام الأئمة الأربعة يبين أن المعقود عليها يجوز وطؤها، فمن قال: بأن العاقد عليها لو قبلها وقع في الزنا، أو لو سلم عليها فقد وقع في الحرام، فهذا افترى حراماً على الله جل في علاه، فهو بالعقد قد استحل منها ما كان حراماً، غير أن العرف يقف صاداً له.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -وكلامهما أرجح- فقد قالا: الفراش هنا المقصود به الدخول.
والعجب كل العجب أن ابن تيمية رجح ذلك، مع أنه يرجح قول الحنابلة في مسألة: إذا ألقي الستر فقد وجب المهر، يعني: الحكم هنا حكم بالدخول، وهنا شدد في الأمر وقال: الفراش لا يكون فراشاً إلا بالدخول، وهذا هو الراجح الصحيح، فالمرأة التي دخل بها بعقد صحيح هي الفراش، فكل ولد ولدته بعد ذلك ينسب لأبيه، لكن هناك بعض الشروط والقيود منها: ألا يولد في أقل من ستة أشهر، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] فالفرق بينهما ستة أشهر.
إذاً: الشرط الأول هو ألا يولد في أقل من ستة أشهر؛ لأن الشبهة تكون موجودة إذا ولد في أقل من ستة أشهر.
стр. 197
حكم استلحاق الزاني والزانية لولدهما من الزنا بعد أن يتوبا ويتزوجا
أما إذا زنى بامرأة وولدت، ثم تاب وتابت، وأرادا أن يتزوجا من بعض وأن يستلحقا الولد، ويكفرا عما فعلا، فنقول: له أن يتزوج بها إذا تاب وتابت؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، ومعروف أن التوبة تجب ما قبلها، فالمؤمن يتزوج المؤمنة، فمسألة الزواج لا إشكال فيها.
لكن هل يحل له أن يستلحق الولد، أي: أن ينسب الولد له؟ فهذا فيه خلاف بين الفقهاء، فالأئمة الأربعة قالوا: لا يجوز أن يستلحقه، عملاً بظاهر قوله ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وهذا قاطع عام.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد رجح الاستلحاق، فقال: يجوز أن ينسب لأبيه إن تاب وتابت وتزوجها، واستدل على ذلك بالنظر، فإن الولد من مائه، وهو قد تاب عن معصيته فيستلحق.
أقول: قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيه نظر -مع أنه أرحم ما يكون في عصرنا هذا- لكن لا أدين الله بذلك، إذ النظر لو خالف الأثر فإننا لا نأخذ به، ولا بأي شيء يصادم الأثر حتى ولو كان من القوة بمكان؛ لأننا نتعبد لله بقال الله قال رسوله، ونحن نأخذ بالمعاني ونأخذ بالنظر، لكن هذا النظر سيلغي لنا كل الأثر، فلا يجعلنا نعمل بظاهر حديث النبي ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فلا يجوز استلحاقه، بل يسمى تسمية مطلقة مثل: صالح بن عبد الله، أو زيد بن عبد الرحمن، أو نحو ذلك، أما الاستلحاق فلا يجوز لهذه القاعدة العظيمة: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 198
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ضوابط في العبادات والأيمان والنكاح
يوجد في الفقه الإسلامي قواعد كثيرة تدخل في أبواب متفرقة، وإلى جانب هذه القواعد توجد ضوابط فقهية كثيرة، وهذه الضوابط هي قواعد فقهية، لكنها تكون محصورة في باب من الفقه.
стр. 199
قاعدة تلازم الحكم مع العلة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نختم الكتاب اليوم ببعض الضوابط وبعض القواعد المتفرقة؛ فكل قاعدة ضابط، وليس كل ضابط قاعدة؛ لأنها أعم من الضابط.
القاعدة: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، طردا ًوعكساً.
والعلة: هي الوصف الحقيقي الذي أناط الشرع الحكم به، لكن الوصف لا بد أن يكون وصفاً حقيقياً يؤثر في الحكم.
وقولهم: الحكم يدور مع علته حيث دارت، يستقى من قول النبي ﷺ : (كل مسكر خمر) وهذا يعتبر هو الدليل الرئيسي الأصيل لهذه القاعدة العظيمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].
وهذا أمر جازم على الانتهاء، فحرمت الخمر بسبب الإسكار، ووجه الدلالة من الحديث (كل مسكر خمر) وكأنه إشارة إلى أن الخمر حرمها الله في كتابه لأنها مسكرة، لكن التصريح في الآية، قال الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣].
إذاً: الذي يشرب الخمر لا يعلم فهو يهذي؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب الخمر كل ما خامر العقل بنشوة، وهذا قيد مهم جداً، فالخمر كل ما خامر العقل، يعني: غطى العقل بنشوة.
ولذلك يجوز للإنسان أن يستعمل البنج في العمليات الجراحية؛ لأنه لا ترافقه نشوة.
فالحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجد الإسكار وجد الحكم، وإذا انتفى الإسكار انتفى الحكم.
نبيذ العنب يسكر قليله وكثيره فحكمه حرام؛ لأنه يسكر؛ ولأن العلة موجودة في الحكم.
لكن شرب الرجل للكأس الواحدة من نبيذ العنب ولم يحدث الإسكار، وشرب الكأس الثانية ولم ير اختلالاً في عقله، نقول: إذاً هذا النبيذ ليس فيه إسكار، إذاً العلة انتفت والحكم انتفى، فهو حلال؛ لأن علة الحرمة هي الإسكار وقد انتفت.
شرب الرجل كأساً واحداً من ماء الشعير فتخبط فيمن يراه، وعقله اختل وكان بنشوة يترنح، فحكم ماء الشعير حرام؛ لأنه وجد منه علامة الإسكار.
ورجل رأى امرأة فأعجبته، فذهب ليخطبها فتكلم مع أبيها ورآها، فجاء رجل آخر يريد خطبتها، فالحكم كما قال النبي ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).
والعلة في نهي النبي ﷺ أن يتزوج أو يخطب شخص على خطبة أخيه؛ لأن الخطبة على خطبة تحدث بها المشاحنة، ويتولد بها العداوة والبغضاء، والحكم يدور مع علته حيث دارت، فإذا وجدت العداوة والمشاحنة وجد التحريم.
ولو انتفت العداوة والبغضاء انتفى الحكم، يقرر ذلك النبي ﷺ -حتى تعرف أن القاعدة قاعدة صحيحة سديدة سليمة- فقد قال في آخر الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن) وإذا حدث الإذن انتفت العداوة والبغضاء وانتفت الحرمة.
أيضاً من الأمثلة على ذلك: أن الأصل في الصلاة أن يصليها الرجل قائماً، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فهذا دليل واضح جداً على أن الصلاة الأصل فيها أن يقوم المرء ولا يقعد.
فإذا وجد المرض وجدت الرخصة، وهي الصلاة جالساً، كما قال النبي ﷺ في حديث عمران: (صل قائماً، فإن لم تستطع فصل قاعداً، فإن لم تستطع فصل على جنب) وإذا انتفى المرض انتفت الرخصة، فإذا صلى الرجل جالساً وهو يستطيع القيام، قلنا له: صلاتك باطلة.
كذلك إذا سافر الرجل في رمضان، فهذا السفر -وهو الرخصة- يبيح الفطر بمشقة أو بدون مشقة، فإذا وجد السفر وجدت الرخصة بإباحة الفطر، وإذا انتفى السفر انتفت الرخصة.
إذاً: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، طرداً وعكساً.
أيضاً: الجهالة في البيع هي سبب حرمة البيع، فإذا وجدت الجهالة حرم البيع وفسخ العقد، وإن انتفت الجهالة صح البيع.
أيضاً: القرض الذي جر نفعاً بشرط فهو ربا.
فرجل أعطى رجلاً ألفاً، وقال للرجل: اقضني ألفاً وعشرة جنيهات، فهذه الزيادة تسمى ربا.
أيضاً: البيع للسلع المباحة يجوز بشرط ألّا تستخدم في الحرام، فإذا وجدت من تشتري البنطال لتتبرج به، قلنا: حكم البيع حرام، وإذا علمنا أنها لم تفعل ذلك قلنا: يرجع الأمر إلى أصله، فالحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً.
هنا قاعدة أخرى، وهي: من شرع في عبادة تلزمه بالشروع ثم فسدت عليه قضى بنفس الصفة التي فسدت عليه.
إذا شرع في عبادة تلزم بالشروع، ثم فسدت فعليه القضاء، وهذا القضاء لا بد أن يكون على نفس الصفة التي لزمته بها، هذه العبادة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
وأيضاً: إذا دخل يصلي الظهر ففسدت عليه الصلاة فما زال مطالباً بإقامة صلاة الظهر.
معنى هذه القاعدة: أن المرء إذا دخل في عبادة، وهذه العبادة مرخص له أن يتعبد بها بغير هذه الصفة، لكن دخل على هذه الصفة وفسدت عليه، فإذا أراد أن يقضي فلا يقضي بالترخيص الذي رخص له، بل يقضي بنفس الصفة، ومن المثال يتضح المقال: من سافر فله أن يقصر، فصلى خلف مقيم سيصلي العصر أربعاً، فلزم عليه الإتمام، ولكنه في الركعة الثالثة خرج منه ريح أو رعف دماً فخرج من الصلاة، فبعدما ذهب يتوضأ ويجدد وضوءه وجد الإمام قد انتهى من صلاته، فشغلت ذمته بهذه العبادة على صفة التمام، وهو مرخص له بالقصر في السفر، فإذا أراد قضاءها قصراً، قلنا: تأتي هذه القاعدة، فإن ذمتك قد شغلت بهذه العبادة على صفة التمام فلا يكون القضاء إلا على هذه الصفة.
стр. 200
قاعدة الحلف بغير الله لا يعتبر يميناً
القاعدة الثالثة: الحلف بغير الله لا يعتبر يميناً شرعياً، يعني: فلا ينعقد اليمين.
أولاً: القسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق.
أما الخالق فيقسم بذاته، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، بل ويقسم بمخلوقاته، فقد أقسم الله بنفسه وبربوبيته، قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٣]، وقال الله جل في علاه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
ويقسم أيضاً بمخلوقاته سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق:١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢]، بل أقسم بحياة النبي ﷺ فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
فأقسم الله بالمخلوق لعلتين وحكمتين ظاهرتين لنا: العلة الأولى والحكمة الأولى: التشريف والتعظيم.
العلة الثانية: أن هذا فيه دلالة عظيمة على ربوبية الله جل في علاه، فالنبي ﷺ وهو يقيم الليل يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل) هذه فيها دلالة على عظمة خلق هؤلاء، وعظم خلق هؤلاء دلالة على عظمة الخالق جل في علاه.
أما القسم الثاني: وهو قسم المخلوق، فالمخلوق لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقسم إلا بالخالق، فلا يقسم بشيء غير ربه جل في علاه، أو بأسماء الله الحسنى، وبصفاته العلى، وله أن يقسم بأفعال الله.
ولا يجوز بحال من الأحوال أن تقسم بغير الله جل في علاه، وقد قال النبي ﷺ عندما سمع عمر ﵁ وأرضاه يقسم بأبيه: (لا تحلفوا بآبائكم).
وأيضاً في المسند عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) وفي رواية: (فقد كفر) وقد قال النبي ﷺ : (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله ومن قال لأخيه: تعال أقامرك، فليتصدق).
فإذاً: القسم بغير الله لا يجوز؛ فإن كان لا يجوز، فهو أيضاً لا ينعقد، أي لا كفارة فيه، فلو قال: أقسم برحمة أبي، أو بشرف أمي إنه لا يأكل، ثم أكل، فليس عليه كفارة؛ لأن اليمين لا تنعقد.
لكن يستثنى من هذه مسألة من قال: عليّ الطلاق، هذه المسألة لنا فيها نظر: النظر الأول: أن هذا من باب النذر.
يعني: يلزمه طلاق امرأته، فقوله: عليّ الطلاق ليس قسماً وإنما هو نذر بمنزلة اليمين، وتدور المسألة على نيته، فلو قال: عليّ الطلاق ما تذهبي إلى أبيك، وذهبت إلى أبيها، قال شيخ الإسلام خلافاً لجماهير أهل العلم: المسألة دائرة مع نيته حيث قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
ولو كان يفعل ذلك تهديداً فهذا نذر نزل منزلة اليمين فعليه كفارة يمين.
إذاً: القسم ينعقد إذا كان بالله، أو بذات الله، فإذا أقسم رجل وقال: وروح الله لأتزوجن هنداً، فلم يتزوج هنداً.
إذا قصد بذلك عيسى، فهذه إضافة تشريف فلا ينعقد اليمين.
стр. 201
قاعدة ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً
القاعدة الثالثة: ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً.
وشرط هذه القاعدة: تساوي الفعلين.
الأمثلة على هذه القاعدة: فصل الوتر أفضل من وصله؛ لأن الوتر له صورتان: الأولى: ثلاث ركعات بتشهد واحد، وهذا مما فعله النبي ﷺ .
والحالة الثانية: أن تصليها بالفصل، فتصلي ركعتين، ثم تتشهد، وتسلم، ثم تأتي بالركعة الثالثة، وهنا يأتي تطبيق القاعدة: ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً وثواباً، فالفصل فيه قراءة وركوع وسجود، وفي الركعة الثانية تشهد، ثم تسليم، ثم يقوم بالركعة الثالثة، فيجدد النية ثم تكبيرة إحرام، ثم القراءة، ثم بعد ذلك تشهد أخير، ثم سلام، فزادت النية مع التكبير، وزاد تشهد، وزاد سلام، وكل هذه الزيادات فيها زيادة في الأجر، فما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً وثواباً وأجراً، لكن بقيد وشرط هو: تساوي الفعلين.
كذلك الصوم في الصيف أفضل من الصوم في الشتاء، لأن اليوم في الصيف يكون أطول، وأيضاً: شدة الحر والمشقة في الصيف أكثر، وقد قال النبي ﷺ : (أجرك على قدر نصبك ونفقتك).
وأما في الشتاء فالنهار قصير، وأيضاً لا يوجد الحر فلا يكون شاقاً على الإنسان كالصوم في الصيف، ولذلك نحن دائماً ننصح المسافر بالفطر في رمضان إن كان في الصيف، وعليه القضاء في الشتاء عندما يكون النهار قصيراً.
ولذلك يكون أجر الصيام في الصيف أفضل من أجر الصيام في الشتاء.
أيضاً من صور هذه القاعدة: قيام الليل في الثلث الأخير أفضل من القيام في أول الليل، وهذا الذي كان يفعله النبي ﷺ .
والوتر أيضاً في آخر الليل أفضل منه أول الليل، فلذلك قال النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً).
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:٦]، هذا فيه دلالة على أن صلاة القيام في الثلث الأخير أفضل من الصلاة في أوله؛ لما في ذلك من ترك الفراش والقيام بين يدي الله.
وهذا الذي أمر الله به نبيه ﷺ ، ولا يأمره إلا بالأفضل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء:٧٩]، والتهجد لا يكون إلا بعد قيام من نوم، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
ومن الأمثلة كما قال السيوطي: إفراد النسكين خير من القران، أي: أن يفرد العمرة في سفرة، ثم يحج في سفرة أخرى، فهذا يكون أفضل، وهذه وجهة نظر أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنهم كانوا يمنعون المتعة ويفضلون الإفراد؛ حتى يكثر عمَّار بيت الله الحرام.
стр. 202
قاعدة القرعة وسيلة شرعية عند الالتباس
القاعدة الأخيرة: القرعة وسيلة شرعية عند الاشتباه: فإذا اشتبه على المرء أمور لا يستطيع الترجيح بينها، فعليه بالقرعة، وهذا أصل أصيل في شرعنا كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٤]، فهذه قرعة؛ حتى يُرى هل زكريا هو الذي يكفل أم غيره، فكانت القرعة عند عدم الترجيح.
وقال الله تعالى عن يونس: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] أي: حدثت قرعة.
وفي السنن: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها) أي: أخذها النبي ﷺ معه في سفره.
وقد يقول قائل: هل تقام قرعة في الأحكام الشرعية؟
الجواب
الأحكام لا تشتبه؛ لأنك لا بد أن تفصل فيها، فالقرعة لا تدخل في الأحكام بحال من الأحوال.
قال الله تعالى يبين لنا فصل الخطاب في مسألة الاشتباه في مسألة الأحكام: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم﴾ [النساء:٨٣] وهم العلماء، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣]، وهذا لتفاوت بين عالم وبين عالم آخر في الترجيح والرد على المخالف.
стр. 203
ضابط الدخول بالأمهات يحرم البنات والعقد على البنات يحرم الأمهات
ضابط: الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات.
ودليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] فإذاً: الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات.
وحكمة التفريق بين أن الأم اشترط فيها الدخول، والبنت اشترط فيها العقد؛ لأنه إذا عقد على البنت فإنه لا بد له من الاحتكاك بالأم، فإذا لم تحرم الأم شق عليه ذلك، والمشقة تجلبت التيسير، فالعقد على البنت دون الدخول يحرم الأم، ولو حدث بعد العقد كلام وطلقها ولم يدخل بها، تصبح الأم محرماً يسافر بها، ويحج بها، فتعطى حكم المحرمية.
стр. 204
ضابط تحريم الجمع بين المرأتين في النكاح
ومن الضوابط: يحرم الجمع بين كل امرأتين لو فرض أحدهما ذكراً، لم يجز له أن يتزوج الأخرى.
فإذا فرضنا أن هنداً أخت لسعاد، وإذا جاء رجل يريد الزواج بهما وهما أختان فنقول له: افرض أن سعاد ذكر فهل يجوز له أن يتزوج هنداً؟ لا؛ لأن الأخ لا يتزوج أخته.
فإذاً: إذا فرضت البنت الأولى ذكراً لا يجوز لها أن تتزوج الثانية، فلا يجوز لك أن تجمع بينهما.
مثال ثان: سعاد عمة زينب، فجاء الرجل يريد الزواج بسعاد وزينب، فنقول له: افرض أن زينب أصبحت ذكراً وسمّي عمراً، وعمرو أراد أن يتزوج من سعاد فلا يصح؛ لأنها عمته فلا يتزوج عمته، فنقول: إذا فرضنا الأول ذكراً لا يصح أن يتزوج الثانية، فلا يصح أن يجمع بين سعاد وزينب؛ لأن إحداهما إذا فرضناه ذكراً لا يجوز أن يتزوج الثانية.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٣].
وأيضاً: (نهى النبي ﷺ أن يجمع المرء بين البنت وخالتها، وبين البنت وعمتها قال: وإن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) بأبي هو وأمي.
стр. 205
ضابط تدرك صلاة الجماعة بإدراك السلام مع الإمام
ومن الضوابط: قول مستقى من قول النبي ﷺ : (إذا ذهبتم إلى الصلاة فاذهبوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وهذا حديث عظيم جداً، فهو يبين لنا أن المرء يدرك الجماعة بأدنى شيء، ولو بالتشهد الأخير؛ لأنه قال: ما أدركتم، وهذا اللفظ يدل على العموم، يعني: سواء أدركت التشهد أو أدركت الركوع أو أدركت السجود أو أدركت التسبيح، أو أدركت لحظة قبل السلام.
وهذا الحديث عمل به الجمهور، وقالوا: إذا أدرك المسبوق الإمام في التشهد الأخير فليجلس ويكون قد أدرك الجماعة، وله ثواب الجماعة.
وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: لا تدرك الجماعة إلا بركعة تامة، والركعة التامة تدرك بالركوع عند الجمهور.
فكأنه قال: إذا دخل محمد على الإمام أحمد فوجد الإمام في التشهد الأخير فلا يدخل معه، بل ينتظر حتى يسلم الإمام، ثم ينشئ جماعة أخرى، وهذا الذي أخذ به علماء الحجاز، ودليلهم في ذلك قول النبي ﷺ : (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة).
وفي رواية: (من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)، أو قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة).
مفهوم المخالفة: أنه إذا لم يدرك الركوع لم يدرك الصلاة، فلا يعتد بهذه الجماعة، وهذا المفهوم قوي جداً، لكنه مردود عليه بفضل الله ؛ لأن قول النبي ﷺ : (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) أي: كتبت له الركعة، ولا يقصد بالصلاة الجماعة، أو الصلاة كلها.
فإذاً: الجماعة يدركها المسبوق ولو بالتشهد الأخير خلافاً للحنابلة، وتطبيقاً لهذا الضابط.
стр. 206
ضابط الاستخارة لا تكون إلا في المباح
القاعدة الأخيرة: الاستخارة لا تكون إلا في المباح.
والاستخارة لغةً: طلب الخير.
وفي الاصطلاح: طلب الخير من الله جل في علاه في الأمر المبهم، يعني: الأمر الذي لا يعرف خيره من شره.
فالقاعدة تقول: لا استخارة في المندوبات أو في العبادات، أو الواجبات، فلو قلت لأحد الناس: تعال يا أخي صل الظهر فقال: أنا سأستخير، فأنظر هل فيه خير أم شر.
فنقول: هذا عطل في فهمك فالواجبات لا استخارة فيها؛ لأن الخير قد علم فيها من الوحي، حيث بين الله جل وعلا أن الخير كله خير في الائتمار بأمره جل في علاه.
أيضاً: المندوبات، رجل نقول له: صل في الليل، فقال: سأستخير الله لأرى هل قيام الليل خير لي أم لا؟ قلنا: أيضاً هذا عطل في الفهم، فالاستخارة تكون في الأمور المباحة، وليست في العبادات ولا في الواجبات، ودليل ذلك حديث جابر ﵁ وأرضاه، أنه قال: (كان رسول ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن).
إلى آخر الحديث.
هذا الحديث يثبت لنا أن الاستخارة في كل الأمور، وهذا عام يراد به الخصوص، أي أن قوله: (في الأمور كلها) يعني المباحات، لا العبادات، ولا المندوبات، ومن باب أولى الاستخارة في الحرام.
المهم والغرض المقصود: الاستثناء في مسألة: لا استخارة في الواجبات ولا المندوبات، فإنه عند تعارض المصالح في المندوبات لك أن تستخير بأيهما تقدم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.