← Каваид фикха

Каваид фикха · id 37692

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (206 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شروط استحباب الخروج من الخلاف هذه الشروط هي ثلاثة شروط:

стр. 142

الشرط الأول الشرط الأول: أن لا نسقط بهذا الخروج سنة من سنن النبي ﷺ . ومثال ذلك: رفع اليدين في الصلاة في عدة مواضع: عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، والرفع منه، وزاد الشافعية موضعاً آخر وهو عند الرفع من التشهد الأول، وهناك قول بالرفع في كل خفض ورفع حتى في السجود، وهذا الذي يتبناه الشيخ الألباني. والأحناف يرون أنه لا رفع إلا في تكبيرة الإحرام. فلو أخذنا بقاعدة الخروج من الخلاف وفعلنا ما قاله الأحناف فقط سنكون قد أسقطنا سنة الرفع عند كل خفض ورفع على رأي الألباني، فلا يصح أن نقول: إن كل خروج من الخلاف مستحب. ومنها لو أن رجلاً سخياً كريماً لا يترك أحداً له حاجة إلا وسد حاجته بالقرض، فلو قلت: لا بد أن أكافئه فأعطيه أكثر من القرض الذي أقرضنيه فهل لك ذلك أم لا؟ حصل الخلاف بين العلماء في ذلك: فالجماهير يرون جواز ذلك. وأما المالكية فيرون جواز أن تعطيه زيادة على قرضه وصفاً لا كماً يعني: لو أعطاك لبناً فشربته، وأردت أن تزيده أكثر، فعند المالكية تعطيه الأكثر وصفاً لا كماً، وذلك بأن تعطيه لبناً ألذ من لبنه. أما الجماهير فقالوا بجواز الزيادة في الوصف أو الكم؛ لأن النبي ﷺ اقترض بعيراً ورد بعيراً أفضل منه. وقال بعض العلماء: لا يجوز أن تعطيه زيادة؛ لأن هذه ذريعة للربا. فلو قلنا هنا: الخروج من الخلاف مستحب فإننا سنسقط سنة النبي ﷺ في أنه كان كريماً جواداً، لكن السنة بشرط وهو أن لا يكون باتفاق مسبق؛ حتى لا يكون قرضاً جر نفعاً فيكون ربا، فلا نقول بعدم جواز الزيادة في رد القرض دون شرط مسبق بحجة أن هناك من يعتبره ربا، وأن الخروج من الخلاف مستحب، بل هنا تنطبق هذه السنة، ولا نطبق القاعدة لأنها ستسقط سنه.

стр. 143

الشرط الثاني الشرط الثاني: عدم مخالفة الإجماع: فلا يكون الخروج من الخلاف بأن تأتي بصورة تخرق الإجماع مركباً فيها أقوال المختلفين بحجة مراعاة الخلاف، وقد نقلوا عن ابن سريج أنه أخذ بالأقوال الثلاثة في مسألة مسح الأذن مع الوجه على قول، وعلى القول الآخر أن الأذنان من الرأس؛ للحديث (الأذن من الرأس) على الخلاف في صحته، وعلى قول ثالث أن الأذن عضو مستقل، فأخذ مراعياً هذا القول، وبعد أن انتهى من وضوئه غسل أذنيه غسلاً مستقلاً، فيكون قد غسل الأذن ثلاث مرات، وهذا خلاف الإجماع. فالخروج من الخلاف ليس مستحباً هنا لأنه يخرق الإجماع. كذلك في مسألة الذهب المحلق إذا قلنا بقول بعض المشايخ الفضلاء بتحريمه، فستخرق اتفاق علماء الأمة على إباحته، فلا يراعي خلاف من قاله، فنحرمه على المرأة. وأما مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام فالشافعية والحنابلة يقولون بقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية وفي السرية, والأحناف قالوا: لو لم يقرأ في السرية والجهرية فصلاته صحيحة، وأما المالكية ففرقوا بين الجهرية وبين السرية. فالخروج من الخلاف في هذه المسألة مستحب؛ وذلك بأن تقرأ الفاتحة في السرية وفي الجهرية؛ لأنك لو فعلت ذلك ما لامك الأحناف في السرية، ولو قرأت في الجهرية لامك المالكية، فحتى لا يلومونك فتقرأها في سكتات الإمام، وتكون بهذا قد خرجت من الخلاف, فهذا الخلاف خلاف معتبر، وهو خلاف تنوع, وفيه تكون المناظرة لوجود راجح فيه ومرجوح. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 144

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - أحكام التابع والمتبوع من القواعد الفقهية: أن التابع يأخذ حكم المتبوع، وتدخل هذه القاعدة في كثير من أبواب الفقه، هذا بالنسبة للغالب، وإلا فإنه قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، كما أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولكل من هذه القواعد تطبيقاتها الفقهية المتعددة.

стр. 145

قاعدة التابع حكمه حكم المتبوع إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

стр. 146

معنى قاعدة التابع تابع ودليلها التابع هو بمثابة الفرع، والمتبوع هو الأصل, والفرع حكمه حكم الأصل لا يمكن أن ينفك عنه، والتابع حكمه حكم المتبوع، والمأموم حكمه حكم الإمام، فلو سها الإمام فإن المأموم لا بد أن يسجد لسهو الإمام مع سجود الإمام، فإنما جعل الإمام ليؤتم به. إن هذه القاعدة يمكن أن يستدل لها بقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، فبعض العلماء استنبط هذه القاعدة من هذا الدليل العظيم، والخطاب فيها للنبي ﷺ . أي: إذا طلقت فطلق للعدة. والرسول هو المتبوع والأمة تعتبر تابعة له، والخطاب هنا كان أولاً للمتبوع ثم عمم على التابع، وذلك يدل على أن التابع حكمه حكم المتبوع، فجاء نص الآية أولاً بخطاب النبي: ((يا أيها النَّبِيُّ))، فهذا خطاب خاص له، ثم بين أن الأمة التي تتبعه تقتدي به في ذلك، فصرح بخطابهم فقال: ((إِذَا طَلَّقْتُمُ)).

стр. 147

أمثلة القاعدة ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة جداً نذكر هنا بعضها: رجل عنده بقرة وهي حامل، وكان رجلاً كريماً يكرم أضيافه، وهذا الكرم يقع منه اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، فأخذ البقرة وكانت حاملاً فذبحها لأضيافه، فخرج جنين البقرة متكاملاً خلقه من بطن أمه، فوقف الرجل حائراً: أيقدم الجنين ليأكلوه أو يلقيه أو يذبحه؟ فيقال له: إن التابع حكمه حكم المتبوع، والمتبوع هو هنا البقرة الكبيرة والتابع هو الجنين، فتكون ذكاة هذا الجنين هي ذكاة الأم؛ لأنها متبوعة في ذلك. وهذا هو ما بينه لنا النبي ﷺ في قوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، وعليه فيجوز أكله إلا إذا خرج حياً وخرج إلى المزارع يأكل فلا بد له من ذكاة جديدة. ومن أمثلة هذه القاعدة: ما لو ذهب رجل يشتري بقرة، فلما اشترى البقرة وجدها حاملاً، فقال له البائع: متى تأخذها؟ قال: بعد أسبوع ساتيك بالثمن وآخذ البقرة. فهذا العقد صحيح، وبعد مرور المدة المحددة جاء المشتري لأخذ البقرة فوجدها قد ولدت الجنين، فقال: هذه البقرة وجنينها لي، فقال البائع: لا. أنا أطعمتها طعاماً جيداً فولدت عندي فهي لي، فلما اختلفا قالا: نتحاكم إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، فيقول لهم عالم الشريعة: التابع حكمه حكم المتبوع، والجنين تابع لأمه، وهو قد اشتراها وهو في بطنها، فلما ولدته البقرة أصبح حكمه تابعاً لها، فهما للمشتري. ومن صور هذه القاعدة: ما إذا أراد رجل أن يقترض قرضاً، فذهب إلى رجل يقرضه، لكن هذا الرجل يخشى على ماله، فقال: سأقرضك ما تريد ولكني أريد رهناً يحفظ لي مالي، وقد قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. فأخذ الرجل المال وسلم بقرته رهناً، وكانت البقرة حاملاً، فأخذ المقرض البقرة عنده يطعمها ويسقيها ويشرب من لبنها؛ لأن الغنم بالغرم والخراج بالضمان. وبعد فترة ولدت، فسمع ذلك المقترض فقال: أعطني نتاج البقرة وأعطيك دينك، وقال المقرض: لن أعطيك ذلك، وإن كان ملكاً لك؛ لأن البقرة رهن وجنينها تابع لها، فهو رهن أيضاً.

стр. 148

قاعدة يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع

стр. 149

معنى القاعدة هذه القاعدة بصيغة أخرى: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، أي: أنه قد يتسامح بحكم التحريم في التابع، لكن لا يمكن أن يتسامح ذلك مع الأصل المتبوع، فقد يكون بعض الأفعال لا يجوز ابتداء فعله، ولكنه لو كان تابعاً فقد يجوز فعله.

стр. 150

أمثلة على هذه القاعدة الأمثلة عليها كثيرة جداً: فمن ذلك: رجل رأى بناءً جميلاً جداً بالنسبة له، فأحبه وأراد أن يهبه لزوجته، فاشتراه من صاحبه، مع أنه لم ير أساس البيت، بل رأى ظاهره فقط. فلو قيل: بيعك مفسوخ وعقدك باطل؛ لأنك وقعت في الغرر الجهالة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، وأنت لم تر أساس البيت. فإننا نقول: إن أساس البيت لا يرى حتى يهدم البيت، وهذا الأساس تابع للبناية الشكلية الظاهرة، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. مثال آخر: لو أن رجلاً رأى سيارة أعجبته جداً، فدخل معرض البيع فليس له أن يقطع جلد مقاعد السيارة ليرى حشوها هل هو جيد أو لا، ويظن أن ذلك ينفي الجهالة والغرر المنهي عنه. فيقال له: إن هذا تابع، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. وكذلك شراء الجبة ونحوها، فيجوز ذلك وإن لم يعلم حشوها؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. ونذكر هنا مسألة عظيمة جداً، وبعض العلماء استنبطوا هذه القاعدة من هذه المسألة، وهي: إذا بيت المسلمون الكفار، فقتلوا النساء والأطفال، وقتلوا الشيوخ في الصوامع. فلو قال قائل: أخطأتم بأن قتلتم النساء والأطفال، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وقتلتم الشيوخ وهم لم يحاربوا، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك! فيقال له: الممنوع هو قصدهم بأعيانهم للقتل، وذلك أن النبي ﷺ عندما مر على امرأة من الكفار مقتولة قال: (ما كانت هذه لتقاتل)، ولكن الصحابة جاءوه مرة فقالوا: يا رسول الله! نبيت القوم وفيهم النساء والأطفال، فقال لهم النبي ﷺ : (هن منهم حكمهن حكمهم). وهذا صريح في أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فكأنه يقول لهم: أنتم ما ذهبتم إلى البيوت وأخرجتم النساء وقتلتموهن، وما ذهبتم إلى الصوامع وأخذتم الشيوخ وقتلتموهم، ولكنكم قاتلتم الرجال وكان هؤلاء معهم فقتلوا معهم، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. وهناك مسألة أخرى عرضت على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي أن الكفار لو أخذوا المسلمين وتترسوا بهم، والحرب قائمة بين أهل الإسلام وأهل الكفر، وأهل الإسلام على قرب نصر بإذن الله، وأهل الكفر أرادوا أن يوقفوا زحف المسلمين فتترسوا بالمسلمين، فماذا يفعل المسلمون في هذه الحالة؟ فإذا بـ شيخ الإسلام يجيبهم، وكان بحراً لا ساحل له في العلوم، فطبق قاعدة: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وذلك أنه لا يجوز ابتداءً أن يقتل المسلم مسلماً لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، ولكن إذا كان المسلم مع بعض الكفار الذين يوقعون القتل في المسلمين، وقتاله هذا لهم سيأتي بالنصر للمسلمين، ولكن معهم هذا المسلم قد تترسوا به فهنا يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فيجوز أن تقتلهم وإن قتلت المسلم معهم؛ لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، فقال شيخ الإسلام: اقتلوهم وارموهم بالنبال، ولو قتلتم المسلمين فعليكم الدية، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. ومما يدخل تحت هذه القاعدة مسألة الوقف، فإن العلماء قالوا: إن الوقف لا يصح إلا في العقار، يعني: في أرض أو بناء، أما المنقول الذي يستهلك كالفراش ونحوه فهذا لا يصح أن يكون وقفاً، فإذا كان هناك رجل له دار، فأوقفها كلها لطلبة العلم، فتصبح وقفاً لطلبة العلم مع أن فيها منقولاً كالأثاث والفراش ونحوهما، والأصل أن هذا لا يصح أن يكون وقفاً، ولكن هنا صحت أن تكون وقفاً من باب: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فهي تابعة للأصل وهو العقار الذي يصح أن يكون وقفاً.

стр. 151

قاعدة يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء

стр. 152

معنى القاعدة ودليلها إن الاستدامة أقوى من الابتداء، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء. أي الحكم في الاستدامة يصح ولا يصح في الابتداء، وهذا مأخوذ من حديث عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (طيبت النبي ﷺ لحله ولإحرامه). أي: كان النبي ﷺ قبل أن يحرم يرتدي رداء تطيبه عائشة حتى قالت: كنت أرى الطيب في مفرق رأس رسول الله ﷺ وهو محرم. ومعلوم أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن يتطيب المحرم، والدليل على ذلك قصة الرجل الذي وقصته ناقته فمات فقال النبي ﷺ : (لا تمسوه طيباً) وحديث ابن عمر ظاهر جداً في أن المحرم لا يرتدي ثياباً مسها طيب أو زعفران، فهذه أدلة واضحة جداً على أن المحرم لا يجوز له أن يتطيب. وجاء في حديث عائشة أن النبي ﷺ تطيب قبل أن يحرم، فلما أحرم وقال: لبيك اللهم بعمرة، وجد الطيب في مفرق رأسه ﷺ ، فهل يجب عليه أن يغسل هذا الطيب؟ الجواب لا؛ لأنه يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء, فلو تطيب قبل أن يحرم ودام الطيب معه، فإننا لا نلزمه بالغسل؛ لأنه استدامه فقط، ولم يبتدئه ابتداءً.

стр. 153

إرجاع المطلقة ونذكر أيضاً صورة أخرى لتطبيق هذه القاعدة: لو أن رجلاً طلق امرأته وكانت قد أتعتبه كثيراً حتى قال عند طلاقها: لقد أراحني الله منك، وعندما طلقها كان على مشارف عمرة، فأحرم فقال: الحمد لله أن نزعت عن كاهلي هذا البيت الثقيل، والحمد لله أنني سأعتمر خالياً، فأحرم بعمرة. وعند الطواف تذكر حبه لزوجته ولأولاده، فحن إليها فقال: لقد طلقتها وأنا الآن محرم فلا يجوز لي أن أراجعها؛ لأن النبي ﷺ نهى أن ينكح المحرم أو ينكح له! فيقال له: أخطأت فهم النص، فالنص يتكلم عن حرمه ابتداء نكاح جديد، أما إرجاعك لامرأتك فليس نكاحاً جديداً بل هي امرأتك أصلاً ولكنك طلقتها، فيجوز لك أن تراجعها وأنت محرم، فإنك طلقتها طلاقاً رجعياً والله يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] فأنت في استدامة، ويغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.

стр. 154

الوكالة بالبيع ومن صور هذه المسألة مسألة الوكيل بالبيع: فلو أن رجلاً عنده مال لرجل آخر، فذهب فاشترى له بعيراً ثم باع البعير فربح، ثم أعطاه ماله. فالأصل في هذا التصرف أنه لا يجوز؛ لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، لكن هنا إذا أخذ المال وباع واشترى فهذا يعتبر بيع فضولي، فإن أجازه صاحب المال، فإن هذا الجواز يستند لأثر ولقاعدة: أما الأثر فهو حديث عروة البارقي عندما أعطاه النبي ﷺ درهماً وقال له: (اشتر به شاة , فاشترى به شاة ثم باعها بدرهمين، ثم اشترى شاة بدرهم، وربح درهماً). فقد فعل أفعالاً لم يأذن له فيها النبي ﷺ ، لكن لما رضي النبي ﷺ علمنا أن هذا الرضا يدل على أنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء، والأصل هنا أن النبي ﷺ كان قد وكله في الشراء فقط، فهو أدام الفعل فاشترى الشاة وباعها، ثم اشترى شاة أخرى، فهذه استدامة، ويغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء. ونسأل الله جل في علاه أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.

стр. 155

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ما حرم أخذه حرم إعطاؤه وإعمال الكلام أولى من إهماله إذا حرم الله على المكلف أخذ شيء حرم عليه إعطاءه لغيره، وإذا ورد في الشرع كلام فأمكن إعماله فهو أولى من إهماله، وهاتان قاعدتان لهما تطبيقات فقهية كثيرة.

стр. 156

قاعدة ما يحرم أخذه يحرم إعطاؤه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: معنى قاعدة (ما يحرم أخذه يحرم إعطاؤه) أي: إذا حرم الشرع عليك أخذ شيء شرعاً فإنه لا يجوز لك من وجه أول أن تعطي هذا الشيء لغيرك. فإذا حرم عليك مالاً معيناً بطريقة معينة كالسرقة أو الغصب فلا يجوز أن تعطيه لغيرك, فإذا حرم عليك الأخذ, حرم عليك الإعطاء، وهذا الوجه الأول. أما الوجه الثاني: إذا حرم عليك الأخذ حرم عليك التصرف بجميع وجوهه كالإعطاء بهبة أو بصدقة أو بمضاربة أو بغير ذلك. ومثال ذلك: الرشوة: فيحرم لأي أحد أن يعطي رشوة لأحد, لقول النبي ﷺ : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أي: الوسيط بين الراشي والمرتشي, فحرم عليك أن تعطي، وأن تسهل للناس أمراً فتأخذ عليه رشوة. ومن ذلك ثمن الكلب: لو أن رجلاً كان عنده كلب، فرآه أحد الناس وأراد أن يشتريه منه، ودفع له عشرة جنيهات ثمناً للكلب، فهذا لا يجوز لحديث: (أن النبي ﷺ حرم ثمن الكلب). فيقول: إنه يحرم عليك أن تأخذ ثمن الكلب, فإذا حرم عليك أن تأخذ هذا الثمن يحرم عليك أيضاً أن تعطي فيه ثمناً, فإذا أردت أن تأخذه فعليك أن تأخذه هدية ولا تشتريه, فإذا حرم عليك الأخذ حرم عليك الوجه الثاني، وهو الإعطاء. ومن الصور أيضاً: رجل كان يعطي الفقراء قرضاً مالياً، لكنه كان يشترط عليهم بعد انتهاء الأجل أن يعطوه هذا المال بزيادة. فهذا ربا؛ لأن كل قرض نفعاً فهو ربا, وحرام عليه أن يأخذ هذا المال. فكف الرجل عن هذا، ثم بعد ذلك دارت الأيام فضاقت به الضائقة, فأراد أن يقترض، فاقترض من رجل مالاً فاشترط عليه المقرض أن يرد له المال بزيادة, لكنه مضطر، فأخذ المال بشرط أن يرده بزيادة. فهذا لا يجوز له أيضاً، فإذا أعطيت أنت القرض واشترطت الزيادة يحرم عليك أخذ الزيادة، وإذا حرم عليك أخذ الزيادة فباللزوم يحرم عليك إعطاء الزيادة، فما يحرم أخذه يحرم إعطاؤه.

стр. 157

قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله إعمال الكلام: اعتبار الكلام واعتبار الأحكام التي تترتب على هذا الكلام إن كان عقد زواج أو كان مالاً, أو قرضاً, أو هبة. وإهمال الكلام معناه: عدم اعتبار الكلام, وباللزوم عدم اعتبار الآثار المترتبة على هذا الكلام. ولم يدلل المصنف على هذه القاعدة, لكن دليلها واضح في الكتاب وفي السنة, قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر:٧]. فهذه دلالة على إعمال كل كلام النبي ﷺ متى أمكن.

стр. 158

أمثلة على قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله

стр. 159

الوضوء مما مست النار من الأمثلة: لحم الجزور: فقد جاء رجل للنبي ﷺ فسأله: (يا رسول الله! أأتوضأ من لحم الغنم؟ قال: إن شئت) أي: لك ذلك ولك ألا تفعل والمستحب أن تفعل, فقال له: (يا رسول الله! أأتوضأ من لحم الجزور؟ قال: توضأ) وهذا يدل على الوجوب. وهنا نطبق هذه القاعدة, فالجمهور يرون النسخ أي: يرون أن لحم الجزور لا وضوء منه؛ لأن جابراً قال: كان آخر الأمرين عدم الوضوء مما مسته النار، فلو قلنا بقول الجماهير فلن نطبق القاعدة, ونكون بذلك قد أهملنا قولاً من أقوال النبي ﷺ . وإذا قلنا بقول الحنابلة وهو الأرجح سنقول: إعمال الكلام أولى من إهماله, وإعمال الكلام أن نقول: إنه يستحب أن تتوضأ من لحم الغنم كما قال النبي ﷺ : (إن شئت) وهذا مما مسته النار، وتتوضأ وجوباً من لحم الجزور.

стр. 160

الصلاة خلف الإمام القاعد مثال آخر: صلاة الإمام قاعداً: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وفي رواية قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعداً فصلوا قعدواً أجمعين). ولكن النبي ﷺ صلى في مرض موته لما جاء بلال يستأذن أبا بكر في إقامة الصلاة فأذن له فأم أبو بكر بالناس قائماً وصلى, فجاء النبي ﷺ يتهادى ثم وضع بجانب أبي بكر , فصلى بـ أبي بكر قاعداً وصلى أبو بكر قائماً، وصلى الناس بصلاة أبي بكر قائمين ولم يقعدوا، فقال الشافعي: هذا آخر الأمور, صلى قاعداً وصلى أبو بكر معه قائماً وصلى الناس قياماً, فلا يصلي الناس قعوداً خلف الإمام القاعد؛ لأن هذا هو آخر الأمرين, فالأول منسوخ بفعل النبي ﷺ الأخير. وإعمال الكلام يكون بأن نعمل الوصف الذي حدث فيه القعود مع النبي ﷺ , والوصف الذي صلوا فيه قياماً نعمل به, وبهذا نكون قد أعملنا كلا الحديثين: أما الأول فإذا جاء الإمام فابتدأ الصلاة قاعداً وجب على المأموم أن يقعد كما قعد الإمام, وهنا نكون قد أعملنا الحديث الأول الذي قال فيه النبي ﷺ بعد أن أشار إليهم أن اجلسوا: (فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين). وإذا جاء الإمام بنفس الهيئة وهو قائم فكبر وقرأ الفاتحة، فلم يجد في نفسه الخفة وثقل عليه المرض فجلس، فلا يجلس المأمومون بل يبقى الناس على قيامهم؛ لأنه قد ابتدأ الصلاة قائماً, وبهذا أعملنا الدليل الثاني، وهو أن أبا بكر صلى بالناس قياماً ولما جاء النبي ﷺ قاعداً ما قعد المأموم ولا أمر النبي ﷺ بذلك, وبذلك نكون قد أعملنا القول الأول, وأعملنا القول الثاني, وأعملنا الحديث الأول في دائرته, وأعملنا الحديث الثاني في دائرته، وهذا الراجح الصحيح من باب إعمال الكلام الأولى من إهماله.

стр. 161

وقت سجود السهو المثال الثالث في ذلك: سجود السهو: فلو أن رجلاً سها في صلاته لكان عليه أن يسجد سجود السهو, ولكنه لا يعرف هل يسجد قبل السلام أم بعده. والخلاف بين العلماء على أقوال ثلاثة: قبل السلام, وهذا قول الشافعي. القول الثاني قول الأحناف: أن كل السجود بعد السلام. والمالكية هم الذين قالوا بالفرق بين السهو بالزيادة والنقصان، فإذا زاد في الصلاة فيكون السجود بعد السلام, للحديث الصحيح في البخاري (أن النبي ﷺ بعدما أتم الركعتين سلم)، وهذا حديث يدل على أن الزيادة يكون السجود فيها بعد السلام. وحديث عبد الله بن بحينة في السنن (أن النبي ﷺ لم يجلس للتشهد في الركعتين الأوليين، فبعد ما أكمل انتظر الناس سلامه فلم يسلم فكبر وسجد ثم سلم) فهو أنقص من الصلاة التشهد الأوسط, فسجد قبل السلام، وهذا حديث ظاهر جداً في أن سجود السهو يكون قبل السلام. وعن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ قال: (من شك في صلاته فليسجد بعد السلام سجدتين). وفي رواية أخرى في الصحيح قال: فيها النبي صلى الله عليه (من صلى فلم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً فليبنِ على ما استيقن وليسجد قبل أن يسلم). ولكي نعمل الكلام ولا نهمله نقول: إنه إذا زاد المصلي في صلاته سجد للسهو بعد السلام. وإعمالاً لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ نقص من الصلاة في التشهد الأوسط, فسجد قبل السلام فنقول: إنه عند النقصان يكون سجود السهو قبل السلام، ولكن النبي ﷺ تارة قال: يسجد قبل السلام، وتارة قال: يسجد بعد السلام, وأرجح الأقوال وهذا الذي تبناه الشوكاني وهو أقوى الأقوال, وهو أنه عند الشك مخير بين أن يسجد قبل السلام أو يسجد بعده, وهذا شامل لكل الأحكام التي تتعلق بكل حديث من هذه الأحاديث, وفيه تطبيق لقاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله.

стр. 162

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - لا عبرة بالظن البين خطؤه من القواعد الفقهية والتقعيد العلمي: لا عبرة بالظن البين خطؤه، وهذه القاعدة تنطبق على أغلب المسائل الفقهية، لكنها ليست مطردة، فهناك مستثنيات تخرج عن هذه القاعدة.

стр. 163

القاعدة الفقهية لا عبرة بالظن البين خطؤه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن من التقعيد العلمي والقواعد الفقهية: لا عبرة بالظن البين خطؤه. والمعنى: إذا استيقنا خطأ هذا الظن فلا اعتبار به، ولا تترتب عليه الآثار الشرعية. والظن هو أحد الأحكام العقلية الخمسة، وهو التردد بين أمرين أحدهما راجح والآخر مرجوح، وإدراك الراجح بدليله هو الظن. والقاعدة عندنا: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإذا حدث فعل من حكم أو من استحقاق مادة، كأن يكونا رجلين يتخاصمان، ويحكم بالظن لواحد منهما، ثم يظهر أن هذا مخالف للشرع، فيجب عدم ترتب الآثار الشرعية عليه، هذا هو معنى: لا عبرة بالظن البين خطؤه. يعني: لو حكمت في مسألة، أو في خصومة بحكم نابع عن ظن لرجل كان ألحن بحجته من الآخر مثلاً، ثم ظهر أن هذا الحكم مخالف للشرع، وأن الرجل صاحب الخصومة لا يستحق هذا الحق الذي أخذه، فنقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، والحق لا بد أن يرجع إلى أصحابه. وأصل ذلك حديث النبي ﷺ : (لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض). وأيضاً: قصة وردت عمن قبلنا، وهي قصة سليمان ﵇ مع داود، في هذه القصة المشهورة. فعلى ذلك لا عبرة بالظن البين خطؤه يعني: لو حكمنا حكماً أو فعلنا فعلاً بظنٍ منا أنه يوافق الشرع، فظهر أنه يخالف الشرع، وجب ألا نأخذ به، ووجب أن نرده، ووجب ألا تترتب عليه آثاره الشرعية، كل ذلك بالقاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه.

стр. 164

صورة تطبيق لقاعدة لا عبرة بالظن البين خطؤه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن من التقعيد العلمي والقواعد الفقهية: لا عبرة بالظن البين خطؤه. والمعنى: إذا استيقنا خطأ هذا الظن فلا اعتبار به، ولا تترتب عليه الآثار الشرعية. والظن هو أحد الأحكام العقلية الخمسة، وهو التردد بين أمرين أحدهما راجح والآخر مرجوح، وإدراك الراجح بدليله هو الظن. والقاعدة عندنا: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإذا حدث فعل من حكم أو من استحقاق مادة، كأن يكونا رجلين يتخاصمان، ويحكم بالظن لواحد منهما، ثم يظهر أن هذا مخالف للشرع، فيجب عدم ترتب الآثار الشرعية عليه، هذا هو معنى: لا عبرة بالظن البين خطؤه. يعني: لو حكمت في مسألة، أو في خصومة بحكم نابع عن ظن لرجل كان ألحن بحجته من الآخر مثلاً، ثم ظهر أن هذا الحكم مخالف للشرع، وأن الرجل صاحب الخصومة لا يستحق هذا الحق الذي أخذه، فنقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، والحق لا بد أن يرجع إلى أصحابه. وأصل ذلك حديث النبي ﷺ : (لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض). وأيضاً: قصة وردت عمن قبلنا، وهي قصة سليمان ﵇ مع داود، في هذه القصة المشهورة. فعلى ذلك لا عبرة بالظن البين خطؤه يعني: لو حكمنا حكماً أو فعلنا فعلاً بظنٍ منا أنه يوافق الشرع، فظهر أنه يخالف الشرع، وجب ألا نأخذ به، ووجب أن نرده، ووجب ألا تترتب عليه آثاره الشرعية، كل ذلك بالقاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه.

стр. 165

الصلاة قبل الوقت مع ظن أنه قد دخل الأمثلة لهذه القاعدة: أولاً: رجل قام من الليل يريد صلاة العشاء؛ لأنه متعب في عمله، عمل عملاً شديداً فتعب فنام بعد المغرب، لكنه كان فقيهاً يعلم أن النوم من المغرب إلى العشاء منهي عنه، فأوصى أهله أن يوقظوه قبل العشاء، فغلبتهم أعينهم فناموا جميعاً فقاموا من الليل، فقام الرجل ينظر في سواد الليل، فقال: قرب بزوغ الفجر، فنظر فقال: والوقت لا يتسع لركعة واحدة، لأنه كان فقيهاً يعلم أن ركعة واحدة يدرك بها الصلاة، لقول النبي ﷺ (من أدرك ركعة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الصلاة). فقال: هذا الوقت لا يتسع للركعة؛ لأن الفجر قد طلع، فأصلي الفجر، ثم بعد ذلك أصلي العشاء، فصلى الفجر، وبعد ما صلى الفجر قام المؤذن يؤذن للأذان الأول، وكان الفارق بين الأذان الأول والأذان الثاني وقتاً طويلاً، فلما سمع الأذان الأول علم أنه قد ظن ظناً خطأ، فهنا لا عبرة بالظن البين خطؤه، أي: لا عبرة بظنك ولا تعتد بصلاة الفجر، فصلِّ العشاء، وانتظر دخول الوقت حتى تصلي الفجر. إذاً: القاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه.

стр. 166

تعليق الطلاق على ما ظنه فتبين خلافه صورة أخرى من هذه المسائل: رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار وبها زيد فأنت طالق، ظناً منه أن زيداً في البيت، وذهب إلى البيت فلم يجد زيداً، فالظن لا يترتب عليه آثاره الشرعية، فما قاله ليس طلاقاً نافذاً. رجل يسير مع امرأة فقال: إن كان زيد في البيت فأنت طالق، وهو يظن بأن زيداً ليس في البيت، فوجد زيداً في البيت.

стр. 167

صوم الحائض إذا ظنت الطهر فنقول: ظنك الخاطئ بأنه ليس في البيت قد تبين خطؤه فقد وقع الطلاق. امرأة لم يكن ينزل منها الدم منذ مدة، فنزل منها الدم، فقالت: هذا الدم دم استحاضة، وهي ليست بفقيهة، ولا ممن تفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة؛ لأنها لو كانت مفرقة، لقلنا: لا تعتمدي على التفريق، والاجتهاد صحيح، ولكنها ظنت أن الدم كان رقيقاً؛ فظننت أن هذا الدم دم استحاضة، فصلت وصامت، ثم تبين لها أن هذا الدم كان دم حيض، فلا عبرة بالظن البين خطؤه، فلا يلزمها إعادة الصلاة، لكن يلزمها قضاء ما صامته من أيام. والدليل على ذلك: حديث عائشة ﵂ قالت: (كنا نقضي الصوم ولا نقضي الصلاة) فهنا الدليل: أنه لا تقضي الصلاة بل تقضي الصوم، ولا عبرة بالظن البين خطؤه، لأنها ظنت أن هذا الدم دم استحاضة فصامت، وهذا الصيام لا تتربت عليه آثاره، لأنه لم ينعقد؛ ولأن صوم المرأة وقت حيضها باطل وعليه إثم، فلا عبرة بالظن البين خطؤه.

стр. 168

الحكم بالظن البين خطؤه رجلان تخاصما عند قاض، فقال رجل: هذا المال مالي، والمال مقداره كذا ولحن في القول، فأعجب القاضي بكلامه الفصيح. وجاء الآخر فكان ضعيف الحجة، ولا يستطيع أن يظهر حقه، فظن القاضي أنَّ صاحب الحق هو هذا الفصيح، فأعطاه الحق. ثم بعد أيام جاء شهود أمام القاضي، فشهدوا شهادة الحق، وقالوا: إن الحق لهذا الرجل الذي لم يستطع أن يظهر حقه. إذاً: حكم القاضي حسب ظنه، ولكنه أخطأ في ظنه، فلا إثم عليه؛ لأنه أدى ما عليه، لكن وجب عليه أن يرد الحق إلى أهله، ولا عبرة بالظن البين خطؤه.

стр. 169

حكم من ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ومن هذه الصور: رجل كان صائماً في رمضان، فظن غروب الشمس، فأكل وشرب، ثمَّ تبين له خطأ ظنه، واستبان له بيقين أن الشمس لم تغرب، فبتطبيق القاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه، يكون عليه قضاء هذا اليوم. ولا بد أن نعلم أن هذه القاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه ليست مطردة في جميع الأحكام الفقهية، بل هي على الأغلب منها، وهناك مستثنيات، وهذا مستثنى منه؛ لأدلة أخرى تدل على أن هذه المسألة مستثناة من القاعدة، وذلك أن من اجتهد فأكل أو شرب على الاجتهاد فإن اجتهاده قائم ولا نأمره بالقضاء، إذاً: هذا مستثنى منه.

стр. 170

الوضوء بماء نجس ظن طهارته ومن الصور أيضاً: رجل توضأ من ماء، وظن أن الماء طهور، فصلى بهذا الوضوء ثلاث صلوات، الظهر والعصر والمغرب، ثم انتقض وضوءه وأراد أن يتوضأ للعشاء، فنظر في الماء فوجده نجساً، أي: تيقن واستبان له أن هذا الماء نجس، فنقول: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن الصحيح الراجح أنه ظن طهورية الماء، ولما ذهب للعشاء استبان له وتيقن نجاسة الماء، فنقول: الصلوات السابقة كانت على ظن، واليقين خالف الظن، فالقاعدة تقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فعليه القضاء. ولا يمكن أن نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، لأن الأول كان ظناً، والثاني كان يقيناً، فاليقين جاء على الظن فمحاه، فنقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، ولا بد أن تعيد الصلوات الثلاث.

стр. 171

دفع الزكاة لغني ظنه فقيراً رجل معه مال بلغ نصاباً وحال عليه الحول، فذهب فقال: إن الله قد افترض علينا فروضاً، منها قول النبي ﷺ (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم). فقال: هذا المال ليس حقاً لي، هذا المال حق للفقراء، فنزل في الأرض يبحث عن الفقير، فرأى رجلا يرتدي الثياب المرقعة فظن أنه من الفقراء، فقال: هذا صنف من أصناف الزكاة فأعطاه الزكاة، وبعد ثلاثة أيام رآه يركب مركباً ضخماً ورأى خدماً وحشماً خلفه، فلما رآه اندهش، فسأل عنه فقالوا: هذا من أثرياء البلد، فهنا لا تجزئ الزكاة لأنه لا عبرة بالظن البين خطؤه. لا سيما وأن النبي ﷺ كان يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) والنبي ﷺ يخبرنا في شرع من قبلنا أن رجلاً تصدق على زانية، وتصدق على غني، فوقعت الزكاة ولم يأمر بغيرها، ولا بد أن نعلم أن المسألة خلافية بين العلماء، لكن نحن نطبق القاعدة، وهذا هو الراجح الصحيح، وهو أن الزكاة لا تجزئه؛ لأنه لا عبرة بالظن البين خطؤه؛ لأنه قد استبان له بيقين أنه ليس من أصناف الزكاة، وهو قد أمر شرعاً بأن يخرج الزكاة لصنف من أصناف الزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وهو ليس من الفقراء فنقول: لا عبرة بالظن البين خطؤه، ولا إثم عليه، لكن عليه إخراج الزكاة مرة ثانية. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 172

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الخراج بالضمان والجواز الشرعي ينافي الضمان القواعد الفقهية يندرج تحتها كثير من المسائل أو الفروع الفقهية، فهي تسهل للطالب معرفة الحكم الشرعي، ومن هذه القواعد الفقهية قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والميسور لا يسقط بالمعسور، والزعيم غارم، وقاعدة الأجر والضمان لا يجتمعان، وقاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان.

стр. 173

الحث على طلب العلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم حتى يأتي أمر الله). قال الإمام أحمد: هم أهل الحديث. وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: هم أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل الأصول. فحيهلاً بمن ينشغل بالعلم، ويحرص عليه، والأمة تحتاج لطلبة العلم، وبعض طلبة العلم الآن يضيع أوقاته في أمور تافهة، وهذا لا ينبغي لطالب العلم، فعليه أن يسهر على طلب العلم، ويثبت علمه بسماع الأشرطة العلمية، وينشغل بمراجعة القرآن والأذكار والاطلاع على الكتب.

стр. 174

قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

стр. 175

معنى القاعدة ودليلها توجد قاعدة أصولية تتعلق بمسائل كثيرة من الفقه، ولابد من الاطلاع عليها، وهي قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والمعنى: أن الله جل في علاه إذا أمر بشيء فقد أحب أن يرى هذا الشيء قد فعله العبد، وائتمر به المكلف، وإذا أمر بشيء فقد أمر بكل السبل التي توصل إلى هذا الشيء، وحرم كل السبل التي تمنع من الوصول إلى هذا الشيء. فمثلاً: أمر الله جل في علاه بأن يسارع المرء إذا سمع النداء يوم الجمعة إلى المساجد حتى يقيم هذه الشعيرة الإسلامية صلاة الجمعة؛ ولذلك يسر كل الطرق والوسائل التي توصل إلى تحقيق هذا، وحرم كل الطرق والوسائل التي تقطع المرء عن أن يصل إلى ذلك، فقد حرم البيع وقت النداء الثاني لأنه يشغل المكلف عن أن يذهب إلى صلاة الجمعة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والوسائل لها أحكام المقاصد. ومعنى هذه القاعدة: أن كل واجب لا يتم إلا بشيء معين فهذا الشيء يكون واجباً، سواء أكان شرطاً أو كان سبباً، وما الفرق بين الشرط والسبب؟ الصحيح الراجح أنهما يتفقان ويفترقان: يتفقان لأن الشرط خارج عن ماهية الشيء، والسبب خارج عن ماهية الشيء. ويفترقان؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم، كالوضوء للصلاة لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم. أما السبب فهو كالركن يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم، كقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، فدلوك الشمس سبب لفرضية صلاة الظهر، فكلما حدث الدلوك وجبت الصلاة، فيلزم من وجود السبب الوجود، ويلزم من عدمه العدم.

стр. 176

تطبيقات على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب من الفروع التي تتفرع على هذه القاعدة المهمة: رجل له زوجتان: هند وسعاد، وحدث بينه وبين سعاد شيء، وحدث بينه وبين هند شيء، فطلق إحداهما وهو خال طلقة بائنة، ثم حدث له ذهول في عقله فنسي هل طلق هنداً أم طلق سعاد؟ فالواجب عليه عدم النظر إلى من طلقها، وعدم إمساكها، وهذا لا يمكن إلا إذا امتنع عن الاثنتين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهو قد اختلط عليه الأمر. ومن فروع هذه القاعدة: لو بنى بعض المسلمين عمارة، وفيها طابق للمسلمين وطابق لأهل الكتاب، فقدر الله وأصيبت البناية بالزلازل فوقعت البناية بأسرها على كل من فيها من أهل الإسلام ومن أهل الكفر، فيجب على أهل الإسلام تغسيل موتاهم وتكفينهم، والصلاة عليهم، فرأوا رجلاً ميتاً فتحيروا هل هو مسلم أم كافر؟ وتغسيل الميت المسلم واجب، والصلاة عليه واجبة، وهو فرض كفاية إن قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. فنقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيغسل الجميع ويكفن الجميع، ويصلى على الجميع إلا من علمنا أنه كافر. فإن قيل: كيف أصلي على كافر؟ وكيف أدعو لكافر والله قد نهى عن الاستغفار للكافر، والنبي ﷺ نهى عن ذلك؟! ف الجواب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم تغسيل المسلمين إلا بتغسيل من معهم، فقلنا بوجوب التغسيل لهم جميعاً؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعندما تصلي تنوي أن هذه الصلاة على المسلم فقط. ومثل هذه المسألة ما لو تزوج مسلم امرأة نصرانية من أوروبا، ثم ماتت والحمل في بطنها، فهل تدفن في مقابر المسلمين أم تدفن في مقابر الكافرين؟ وهل يصلى عليها أو لا يصلى عليها؟ لا يصلى عليها إن كان الجنين في بطن أمه صغيراً، لكن لو كانت على مشارف الولادة في الشهر التاسع فيصلى على الجنين. ومن فروع هذه القاعدة: إذا صلى المكلف خلف الإمام، وكان الإمام في الركعة الثالثة، والمشهور أن سترة الإمام سترة للمأموم، فلما سلم الإمام أصبح المأموم منفرداً، فكان يصلي بجانب السارية، والناس يمرون من أمامه فخشي على صلاته من البطلان، بل خشي أن يمر الشيطان من أمامه ويقطع عليه الصلاة، كما قال النبي ﷺ . فيجب عليه أن يمشي إلى السارية، وهو في صلاته من أجل أن يصلي إلى سترة؛ لقول النبي ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة)، وهذا أمر وظاهر الأمر الوجوب، بل قال: (وليدن منها)، وهذا الوجوب لا يتم إلا بالمشي إلى السارية. وهذا الذي قاله مالك في المدونة، قال ﵀: المسبوق إذا قام ليتم صلاته فأصبح منفرداً فله أن يمشي إلى السارية، وهذا الذي طبقه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما دخل فوجد رجلاً يصلي منفرداً إلى غير سترة فأخذه بأذنه فجره إلى السارية، وجعلها سترة له. فهذا تقرير لهذه القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن هذه الفروع أيضاً: رجل سافر براً إلى أرض الحجاز يريد العمرة، فجلس في الصحراء ليرتاح، فدخل وقت صلاة الظهر أو صلاة العصر، فبحث عن الماء فلم يجده، فيعدل إلى التيمم، وإن كان الماء وهو الأصل في التطهير غير موجود! فلا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله معه، فإن كان كل الجسد لا يتحرك فيومئ برأسه وإلا بعينه. فإن وجد رجلاً معه زجاجات الماء ويبيعها بثمن المثل، فيجب عليه أن يشتريها ويتوضأ لتصح صلاته؛ لأن الصلاة مع وجود الماء لا تصح إلا به، وهذا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كذلك إن كان في الصحراء -مثلاً- فسرق سارق ثيابه وأصبح عارياً، ووجد رجلاً يبيع هذه الملابس، فيجب عليه أن يشتري هذه الملابس ستراً للعورة حتى تصح الصلاة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 177

قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور

стр. 178

أدلة قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور القاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور. وهذه القاعدة لها أصل أصيل من كتاب ربنا ومن سنة نبينا ﷺ . فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). والله جل في علاه كلما شق الأمر على الناس خففه عنهم، فالميسور لا يسقط بالمعسور.

стр. 179

الفروع التي تتعلق بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور والفروع التي تتعلق بهذه القاعدة كثيرة، منها ما يلي: رجل كان في بيته ودخل عليه السارق فسرق ما عنده من ملابس وفرش، وكان صاحب البيت في الحمام يغتسل فخرج عارياً، وأراد الصلاة وخشي ضياع الوقت، وبحث في البيت بأسره فما وجد إلا رداءً يستطيع أن يغطي به كتفيه ونصف البدن من فوق السرة، ويترك باقي الأعضاء ظاهرة حتى العورة، ومن المعسور أن يغطي كل البدن، ومن الميسور أن يغطي الكتفين أو السوأتين، فإن غطى الكتفين فالسوأتان ظاهرتان، وإن غطى السوأتين فالكتفان والبدن بأسره غير مغطى. فالأولى أن يغطي السوأتين؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. أيضاً من الفروع لهذه القاعدة: رجل من أوروبا أسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله -نسأل الله أن يدخل جميع الغرب في الإسلام رحمة بهم من النار- فبعد أن نطق بالشهادتين فإنه يجب علينا أن نبين له فرائض الإسلام، ولا بد أن يتقبلها. وأول أركان الإسلام وفرائضه الصلاة، فنعلمه كيفية الصلاة بأركانها وشروطها، ومن ذلك قراءة الفاتحة فيها، وأن البسملة آية منها. فلو حفظ نصفها فقط وما استطاع أن يحفظ النصف الآخر أو يتقنه، فإن صلاته تصح ولو لم يكمل قراءة الفاتحة؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، قال الله جل في علاه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال أيضاً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ولو أن رجلاً يستطيع القيام في الصلاة، أما الركوع والسجود فلا يستطيعهما، فالميسور لا يسقط بالمعسور، فيجب عليه أن يكبر تكبيرة الإحرام ويقرأ الفاتحة قائماً، وعند الركوع والسجود يومئ، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، ففي ذلك تيسير الله على العباد، فالميسور لا يسقط بالمعسور. أيضاً: رجل شج في رأسه، ثم أصبح جنباً إما بالجماع أو بالاحتلام، وأراد أن يصلي صلاة الفجر، فلو اغتسل لرفع الحدث الأكبر فإن الماء سيضره وقد يؤدي به إلى الوفاة، فإن أعضاء الغسل كلها تنزل منزلة العضو الواحد، ويعسر عليه أن يمر الماء على رأسه فقط وما عدا ذلك فميسور له، والنبي ﷺ يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فيجب عليه أن يمر الماء على كل الجسد، ويأتي على رأسه فيتيمم؛ لأنه بالنسبة للرأس غير واجد للماء؛ لأن الماء لا بد أن يوجد حقيقة وحكماً، وهو غير موجود حكماً؛ لأنه لا يستطيع استعمال الماء؛ فلو استعمله فقد يضيق على نفسه أو يقتل. والحديث فيه ضعف وإن صححه بعض العلماء، وهو أن رجلاً كان في رأسه شجةً فاحلتم، ثم سأل بعض الصحابة عن ذلك فقالوا له: ما نرى لك إلا الاغتسال لأنك واجد للماء، فلما اغتسل مات شهيداً بسبب هذه الفتوى التي جانبت الصواب. وقد قال النبي ﷺ في ذم الجهل (اتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). فاستحق هؤلاء الصحابة الذين أفتوا الرجل بذلك أن دعا النبي ﷺ عليهم فقال: (قتلوه قاتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال)، فالغرض المقصود في هذه المسألة هو أن الميسور لا يسقط بالمعسور. كذلك صاحب الجبيرة إذا كانت في إحدى يديه، وعليه فإنه يتوضأ فيغسل وجهه ويده السلمية، أما التي فيها الجبيرة فإنه يمسح عليها ويغسل الباقي، وإن لم يغسله لا يجزئه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.

стр. 180

قاعدة الزعيم غارم والقواعد الأخرى في المعاملات وهي قواعد مهمة في الضمان، أولها: الزعيم غارم، والزعيم هو الضامن. والأصل في هذه القاعدة كما في سنن أبي داود أن رجلاً قبض غريماً له بعشرة دنانير فقال له: إما أن تقضي؛ وإما أن تأتيني بحميل -يعني: بكفيل أو زعيم- فتحملها النبي ﷺ ، فجاء الرجل ببعض الدنانير فقال له النبي: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن؟ فقال له النبي ﷺ : (لا حاجة لنا فيها وليس فيها خير) فتحملها النبي ﷺ وقضى عن الرجل. فالشاهد أن الرجل قال له: إما أن تقضي، وإما أن تأتيني بحميل، أي: كفيل أو زعيم، فكان الكفيل هو النبي ﷺ فضمنه، فلما لم يستطع الرجل إلى ذلك وفاء قضى عنه النبي ﷺ . وفي رواية صريحة أن النبي ﷺ قال: (الزعيم غارم).
следующие страницы →