Полный текст (206 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان
стр. 37
المعنى العام لقاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة في النار.
إنَّ من القواعد الفقهية قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو كما قيل: القديم يترك على قدمه.
والمعنى العام لهذه القاعدة العظيمة: أن ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد بديل على خلافه، يعني: إذا ثبت بزمان في وقت معين أمر معين، فهذا لا يمكن أن يتغير عما هو عليه إلا إذا طرأ عليه طارئ أو دل الدليل، وهذا يسمى عند الأصوليين استصحاب الأصل، وهناك معترك دام بينهم، هل استصحاب الأصل يكون دليلاً أم لا؟ والصحيح الراجح: أنه دليل.
إن هذه القاعدة -أي: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان- يتفرع منها أمور وأصول كثيرة، إذا ضبطها المرء فلا يحتاج إلى دليل معها في فعله، وكذا لا يحتاج إلى دليل في عمله بها.
стр. 38
ذكر التأصيلات المستنبطة من قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان
стр. 39
الأصل في المياه الطهارة
التأصيل الأول: الأصل في المياه الطهارة، فكل ماء كان عندك فهو على طهارته، ولا يصح قول من يقول لك: لا تستطيع أن تستنجي بهذا الماء أو تتوضأ به أو تقوم به عبادتك؛ لأن الأصل في المياه الطهورية، فيبقى على أصل خلقته ما لم يطرأ عليه طارئ يغير هذا الأصل.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، فجعل التأصيل العام في الماء الطهورية، وأيضاً لما سئل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
فإذاً: كل ماء هو باق على أصل خلقته، ما لم يدل الدليل على انتقاله من هذه الأصلية، فإذا وجد مكلف ماء وغاب عنه مدة ثم رجع إليه فشك هل تغير هذا الماء أم لا؟ وهل وقع عليه طاهر أم لا؟ فإننا نقول له: الأصل بقاء ما كان على ما كان، يعني: هذا المكلف بعدما وجد الماء وشك في تغيره، وأراد أن يتوضأ ويصلي، فتوضأ وصلى، فما حكم صلاته؟ تقول: الصلاة صحيحة.
رجل شك في تغير الماء، كأن يكون وقع فيه صابون، فإننا نقول له: إن تحققت من التغيير وأن الجزئيات تتغير فلك أن تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
مر عمر بن الخطاب ومعه عمرو بن العاص على رجل من الأعراب فأرادا أن يذهبا إلى حوض له ليتوضأ منه، فسأله أحدهما: أترد السباع هذا الحوض؟ فقال الآخر: لا تجبه؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالحوض فيه ماء طهور، فنحن نقوله بطهوريته، حتى يدل الدليل القطعي أو غالب الظن على عدم طهوريته.
стр. 40
الأصل في المعاملات الحل
التأصيل الثاني: الأصل في المعاملات الحل، بمعنى: أن كل بيع أو شراء أو إجارة أو رهن أو غير ذلك من المعاملات فالأصل فيها الحل والإباحة، ولا يستطيع أحد أن يقول لك: هذه المعاملة التي تعاملت بها محرمة؛ لأن الأصل فيها الحل، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، ولذلك لما جاء النبي ﷺ يبين حرمة بيوع معينة عددها، فلما عددها دل على أنها خلاف الأصل.
إذاً: فالأصل في المعاملات الحل، ما لم يأت دليل أو يطرأ طارئ يبين تغيير هذا الحل، أو انتقاله من هذه الأصلية.
стр. 41
الأصل في الأطعمة الحل
التأصيل الثالث: الأصل في الأطعمة الحل، فكل طعام يأكله أهل بلد فهو حلال، إلا ما دل الدليل على حرمته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا﴾ [البقرة:١٦٨]، فقوله: ((مِمَّا))، صيغة عموم، يعني: كل ما في الأرض فلك أن تأكله حلالاً طيباً، إلا ما دل الدليل على حرمته، فكل الأطعمة حلال، سواء من عندك أو من عند غيرك، من بلادك أو من البلاد الأخرى، من هنا أو من هناك.
وهذا التأصيل العام اتفق عليه العلماء؛ لقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨].
стр. 42
الأصل في الصيد والذبائح الحرمة إلا ذبائح أهل الكتاب
التأصيل الرابع: الأصل في الذبائح والصيد الحرمة لا الحل، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل)، فجعل ذكر اسم الله شرطاً، إذ ليس الأصل الحل، ولو كان الأصل الحلَّ ما اشترط هذه الشروط، فإذا ذكرت اسم الله فكل، وإن أرسلت كلباً معلماً ولم تذكر اسم الله فلا يحل لك الأكل.
إذاً: الأصل في الذبائح الحرمة، ويستثنى من ذلك ذبائح أهل الكتاب، فلا يشكل على الاسم، ومن العلماء من قال: لا يصح أن يؤكل من ذبائح أهل الكتاب، إلا ما تأكدنا أنه ذبحه وسمى الله عليه، وهذا خطأ، فالراجح أنه يستثنى من هذا التأصيل العام ذبائح أهل الكتاب، أي: الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] ولا يقصد بالطعام في هذه الآية إلا الذبيحة، يعني: وذبائح أهل الكتاب حل لكم، إذاً: فالتأصيل العام هنا: أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل.
стр. 43
الأصل في الأبضاع الحرمة إلا النكاح الصحيح
التأصيل الخامس: الأصل في الأبضاع الحرمة، أو قال بعضهم: الأصل في الفروج الحرمة، فكل فرج حرام ولا يستحل إلا بنكاح صحيح، بولي وشاهدين، كما قال النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل).
إذاً: فالأصل في الأبضاع الحرمة، ويستثنى من ذلك إذا دخل الرجل على امرأته بنكاح صحيح، فالأصل هنا الحل لا الحرمة، فلا يمكن أن تنحل هذه العقدة إلا بطريق صحيح أو بيقين تام، ولا تستحل إلا بعقد صحيح، بولي وشهود عدول وأيضاً مع المهر، وإن لم يسم، فهذه الجزئية الثانية، ويستثنى من ذلك إذا تزوج زواجاً صحيحاً فلا يزول عقد النكاح إلا بيقين؛ لأنه أصبح اليقين أن امرأته حلال، فلا تحرم عليه إلا بيقين مثله، كأن تأتي امرأة فتقول لزوجها: أنت طلقتني، ويقول: ما طلقتك، فالأصل أن نكاحه صحيح، ولا ينزع يداً من ذلك حتى يتبين.
стр. 44
الأصل في العادات الحل
التأصيل السادس: الأصل في العادات الحل، وهذه تجعلنا نقول: المروءات لا تزول إلا بالأعراف؛ لأن الأصل في العادات الحل، وهذه قاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية استنباطاً من قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، فاللام إما للملكية، وإما للتخصيص، وكلاهما فيهما دلالة على الإباحة، بأن كل ما في الأرض لك، إلا ما دل الدليل على الحرمة، فكل عادة يعتادها الناس فهي على الحل لا على الحرمة، فإن كانت العادة عدم غطاء الرأس، فلا نقول: غطاء الرأس واجب، بل نقول: هنا الأصل الحل، وإن كان في عرف الناس جميعاً أو عادة الناس جميعاً أن عدم تغطية الرأس لا يصح، ومن خدش المروءات، فنقول: عدم تغطية الرأس لا تصح؛ لهذه العادات؛ لأن لها قاعدة أخرى قال بها العلماء: وهي العادة محكمة.
إذاً: فالأصل في العادات الحل، إلا ما دل الدليل على الحرمة؛ لأنها لا تخالف الشرع.
стр. 45
الأصل في العبادات التوقيف
التأصيل السابع: الأصل في العبادات الحرمة أو التوقيف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وما سكت عنه النبي ﷺ فلا تأخذوه، والدليل على ذلك: حديث في الصحيحين: عن عائشة ﵂ وأرضاها عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: باطل مردود، وفي رواية أخرى: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني: فهو باطل غير مقبول.
إذاً: فهذه أصول سبعة، وهي تحت هذه القاعدة العظيمة: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
стр. 46
صور قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان
стр. 47
حكم من وجد ماءً وشك في طهوريته
الصورة الأولى لهذه القاعدة: إذا وجد المكلف ماءً فشك في طهارته وأراد أن يتوضأ، فإنه يتوضأ بهذا الماء؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل في الماء الطهورية، فيقطع باب الوساوس كلها، ويقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
стр. 48
حكم امرأة تدعي أن زوجها طلقها وهو ينكر ذلك
الصورة الثانية: إذا ادعت امرأة أن زوجها طلقها طلاقاً بائناً، وذهبت إلى القاضي وقالت: طلقني، وهذه الطلقة الثالثة، فجاء يقسم بالأيمان أنه ما طلقها، وهو منكر، وهي ليس لديها بينة، فالأصل بقاء ما لم يدل الدليل على غير ذلك، إذ الأصل في النكاح الحل.
стр. 49
حكم من صام فرضاً فأفطر ظناً منه أنه سقط حاجب الشمس
الصورة الثالثة: رجل كان صائماً صيام فرض، وبعد العصر وجد في نفسه ضعفاً شديداً ثم جاءت سحابة فقال: الحمد لله، سقط حاجب الشمس، فأكل وشرب حتى ملأ بطنه، فانقشعت الغمامة فوجد الشمس قد أشرقت مرة ثانية، فما حكم صيامه؟ إنَّ هذه المسألة تجاذبها الاختلاف الكثير: فبعض العلماء يقولون: لا تلزمه، حيث إن عمر بن الخطاب هو الذي جعل هذا الخلاف، وذلك لمَّا كان في زمن عمر بن الخطاب إذ جاءت سحابة، فأفطروا، فلم يلزمهم بقضاء هذا اليوم، بل أمسكوا حتى سقط حاجب الشمس وأكلوا بعد ذلك.
لكنَّ عروة بن الزبير يروي حديثاً في زمن النبي ﷺ من حديث أسماء: أن السحابة غطت الشمس فأكلوا، فلم يرد تصريحاً من الحديث قضوا أم لم يقضوا، فقال عروة بن الزبير لما سألوه: قضوا، وقال: لا بد، يعني: القضاء لازم؛ لأنهم أكلوا قبل دخول الليل، وبذلك أصبح إشكالاً عظيماً بين العلماء.
ونحن لو طبقنا القاعدة الفقهية فنقول: الأصل بقاء النهار على ما كان عليه، فعليه القضاء، لكن حديث عمر بن الخطاب دليل واضح جداً على عدم القضاء، مما جعلنا نخالف ونغاير القاعدة بأنه حدث الغيم فأفطروا جميعاً، ولم يلزمهم بالقضاء، وظاهر حديث النبي ﷺ أنهم ما ألزموا بالقضاء.
فالصحيح الراجح في ذلك: أنه لا يقضي هذا اليوم إن كان مجتهداً، أما إن كان مقلدا ًلغير مجتهد أو سمع رجلاً يؤذن من غير أن ينظر إلى السماء، فهذا عليه القضاء؛ لقول الفقهاء وقول المحدثين: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
وهناك صورة أخرى لهذه القاعدة: وهي رجل قام من الليل بعد بزوغ الفجر، وكان قد بيت النية بالصيام، فأكل وشرب، وبعد ذلك سمع رجلاً يقيم الصلاة، أما الأذان فقد ولى وفات من مدة، فماذا نقول؟ أنقول: أكمل صومك، أم قد أفطرت فأمسك ثم اقض عن نفسك هذا اليوم؟ فإذا طبقنا القاعدة نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه، إذاً: فالأصل بقاء الليل، وهذا الذي قام يأكل ويشرب إنما فعله في الليل، وهذا يعضده قول ابن عباس كل ما شككت حتى تستيقن طلوع الفجر، وهذا قد أكل وهو شاك.
فالصحيح الراجح في ذلك أن نقول له: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فعليك أن تتم صومك، حتى لو أكلت بعد الفجر.
أما الذي جعلنا نستثني من هذه القاعدة مسألة الأكل بالنهار، فهو حديث عمر بن الخطاب وظاهر حديث النبي ﷺ أنه لا قضاء عليه، ويدلنا على ذلك: حديث عدي بن حاتم عندما قرأ قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فأخذ خيطين أسود وأبيض تحت الوسادة، فيأكل وينظر إليها، فإن لم يفرق بينهما استمر في الأكل حتى يشبع، فلما ذهب إلى النبي ﷺ وبين له ذلك، قال له النبي ﷺ : (إن وسادك لعريض)، والنبي ﷺ لا يقصد أن يسب أصحابه بهذه الطريقة، ولا يصح أن نقول ذلك ولا يظن في النبي ﷺ أنه تكلم على أصحاب بدر، لكن النبي ﷺ يقصد بقوله: (إن وسادك لعريض)، أي: الوسادة التي أنت نائم عليها هل ستأخذ حجم السماء بأسرها؛ حيث إن الخيط الأبيض والخيط الأسود هما بياض النهار من سواد الليل، فلو أن هذا الخيط الأسود غطى السماء كلها فإن وساده هذا لعريض.
وهذا هو الصحيح الراجح الذي لا نحيد عنه، ولا يصح أن نقول: إن النبي ﷺ يتهم عدي بن حاتم بالغباوة، حاشا لرسول الله ﷺ أن يفعل ذلك مع أصحابه.
فهذا أكل بعدما طلع النهار والنبي ﷺ قد أقره على ذلك طالما كان مجتهداً، فالصحيح الراجح: أنه لا بد أن نستثني هذه القاعدة، وهي أن المجتهد الذي عنده آلة الاجتهاد لا نلزمه بقضاء شيء، بحال من الأحوال، إذا أدى العبادة على غرار اجتهاده مع وجود الآلة، وقيده: وجود آلة الاجتهاد، فمع وجودها فلا قضاء عليه.
стр. 50
حكم إنكار الزوجة للنفقة من الزوج
الصورة الرابعة: عاشر رجل زوجته وكان يحسن إليها كثيراً، وكان دائماً يتحرز ويخشى على نفسه منها؛ لقول النبي ﷺ (تكفرن العشير)، فأقاد لها أصابعه كلها من أجل أن يرضي الله فيها، فجاءت في يوم أمام القاضي فاشتكت أن زوجها لا ينفق عليها، فلما طلبه القاضي وجاء وسأله عن ذلك، أنكر الرجل وقال: بل أنا أنفق عليها، فنحن إذا طبقنا القاعدة نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل أن المال في ذمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ [النساء:٣٤]، فالذي تلزمه النفقة هو الرجل، إذاً: فالأصل أن النفقة تلزمه، وهي في ذمته على ذلك الأصل، وإبقاءً ما كان على ما كان، فتلزمه النفقة، ولا بد للقاضي أن يلزمه بالنفقة.
стр. 51
حكم من شك في زواجه أقبل الإحرم أم بعده
والصورة الأخيرة: وهي تزوج رجل وأحرم بالحج والعمرة بالاقتران، أي: قال: لبيك اللهم بعمرة وحجة، فلما كان يطوف تذكر وقال: هل تزوجت قبل الإحرام أم بعده؟ فطرأ شك عليه، ومعلوم: أن الزواج في الإحرام باطل لا يصح، والأصل عدم الإحرام، والإحرام مدة وجيزة أو يوم وليلة، أو ساعة واحدة في العمر، أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام، فإذا كان الأصل عدم الإحرام، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، أي: أنه تزوجها حلالاً، والإحرام طارئ على الأصل، فلا يزيل هذا اليقين، أي: أنه تزوجها حلالاً.
فالصحيح: أن عقد النكاح يكون صحيحاً؛ لأن الإحرام مؤقت.
ولو قلنا: إنه تزوج وأحرم، فالأصل أن يكون حلالاً وليس بحرام، ويكون النكاح صحيحاً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلِّ اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 52
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - العادة محكمة والاجتهاد لا ينتقض بالاجتهاد
مما يعلم من دين الإسلام ضرورة: أن الشريعة جاءت لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها؛ لذا استنبط أهل العلم قواعد كلية من النصوص والمقاصد الشرعية تعمل على رفع الحرج عن المكلف، كقاعدة: العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والاجتهاد لا ينقض بمثله، فهذه القواعد يجد المتأمل فيها اهتماماً بمصلحة المكلف ورفع العنت والمشقة عنه، لكن بشرط ألا تصادم نصوصاً شرعية صحيحة صريحة؛ لأنه لا اعتبار لهذه القواعد إلا إذا أيدتها النصوص، وإلا فهي مردودة على أصحابها.
стр. 53
اهتمام التشريع بمصالح العباد ودرء المفاسد عنهم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار, ثم أما بعد: إن شرعنا الحنيف يهتم بجلب المصالح، ودرء كل المفاسد وتقليلها.
وإن الله جل في علاه قد خلق الإنسان وعظم شأنه، حيث يقول جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠] ومن تكريم الله لبني آدم أنه حباهم هذه الفطر السليمة والعقول السديدة، فما توافقت عليه الفطر السلمية والعقول السديدة وجرى عليه عمل الناس العقلاء فإنا نجعل عرفهم وعادتهم وما جرى على أفعالهم حاكماً يخص به العموم ويقيد به المطلق، وله في الشرع اعتبار ويعمل به, والقاعدة التي نستخدمها في ذلك هي قاعدة: العادة محكمة، وأيضاً قاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وقاعدة: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وآخر القواعد: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
إن الشريعة الإسلامية جعلت لعقول الناس وأعرافهم اعتباراً، فقد كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى تميم تكلم بلغتهم أو بألسنتهم، وكان دائماً يكلم كل إنسان بما يعقله, فعادات الناس وأعرافهم معتبرة إن لم تخالف الشرع، وتكون حاكماً يخص بها العموم ويقيد بها المطلق، بل في بعض الأحايين تقدم على القياس.
стр. 54
قاعدة العادة محكمة
القاعدة الأولى: العادة محكمة.
العادة في اللغة: مأخوذة من العود وهو: التكرار، ومعنى محكمة: أن نجعلها حاكماً في فصل النزاع.
والمعنى العام: أن العادة هي المرجع للفصل في التنازع, ولكن هذا ليس على الإطلاق، فلا بد له من تقييد، وهو أن العادة تكون مرجعاً للفصل في التنازع إن لم نجد من الشرع الأدلة التي تفصل في النزاعات.
إذاً: العادة محكمة هي المرجع للفصل بين التنازع بشرط أن لا يكون ثمة شرع هنا.
ومعنى: العادة محكمة اصطلاحاً: أن نثبت بها حكماً شرعياً.
стр. 55
العلاقة بين العادة والعرف
العلاقة بين العادة والعرف تكون بفرق يسير: فالعادة هي العرف, ولكن أصحاب المصطلحات أتوا بفروق دقيقة وإن كانت النتيجة في النهاية واحدة، فكل عرف عادة ولا عكس.
فالعادة: ما اعتاد الناس عليه، وتكرر منهم فعله، سواءً كانت تختص بأفراد أو جماعات.
أما العرف: فهو ما اتفق عليه الناس أو جماعات منهم, وبهذا التعريف يكون كل عرف عادة ولا عكس، والعرف عرف عام, وعادة عرفية عامة، فالعرف العام هو العرف الجاري منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا، لا يتبدل ولا يتغير، قبله المجتهدون، وخصصوا به العموم، وقيدوا به المطلق، بل قدموه على القياس في أكثر الأحايين.
стр. 56
أمثلة على قاعدة العادة محكمة
مثال العادة والعرف العام: أن يكون بين رجل وآخر مشاحنة، فقال الطرف الأول: والذي نفسي بيده لا أضعن قدمي في دارك، فاستصعب الأمر وشق على الذين يدخلون في الإصلاح بينهما، فالأول مصر على أنه أقسم أن لا يضع قدمه في داره، فجاء الفقيه ليفصل في النزاع، وليؤلف بين القلوب فقال: لا تدخل الدار بقدميك، وادخل محمولاً على الأعناق، أو على خشبة، وبعد أن دخل الدار، قال صاحب القواعد الفقهية: عليك كفارة؛ لأنك قلت: لن تضع قدميك في هذه الدار، فقال الفقيه: لم يدخل بقدميه، بل دخل محمولاً على الأعناق.
فحدث نزاع بين المقعد وبين الفقيه الذي يحفظ بعض الفروع ويتكلم بها أمام الناس، فلكي يفصل النزاع لا بد من الرجوع إلى قاعدة: العادة محكمة، والنظر في عادات الناس، فإذا قال الرجل: والذي نفسي بيده لا أضع قدمي في هذه الدار، فليس معناه: أنه يجوز له أن يدخل على يديه، أو يحمل على خشبة أو غير ذلك؛ لأن عرف الناس أنه لو قال: والله لا أضع قدمي أي: لا أدخل لا محمولاً ولا على يدي، فالعلماء في هذه المسألة يقولون: إن العادة محكمة، وعليه أن يكفر عن يمينه؛ لأن المقصود: هو أن لا يدخل الدار.
ومن الأمثلة على هذه القاعدة: عقد الاستصناع، فقد أجازه الأحناف، ولهم وجهتان في جوازه: الوجهة الأولى: أن هذا مما عمت به البلوى، كما في القاعدة في الملة السمحة: تخفيف كل ما عمت به البلوى.
والثانية: أن الناس تعارفوا عليه، ومنذ الأزل وهم يتعاملون به، فيستصنعون شيئاً ويعطون جزءًا من المال، ثم يقسطون الآخر، فطبق الأحناف في هذه المسألة قاعدة: العادة محكمة، وقالوا: إن عقد الاستصناع صحيح؛ لأنها عادة محكمة معتبرة في الشرع، فهم يرون أن الاستصناع عقد مستقل، لم يتكلم الشرع عليه بالجواز أو بالمنع، فرجعوا إلى الأصل وهو أن الناس تعارفوا عليه ولم يأت دليل يمنعه.
أما الجمهور فيرون أن عقد الاستصناع لا يعمل به؛ لأن العادة إنما يعمل بها عند فقدان الدليل، والنبي ﷺ قال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فقالوا: هذا سلم ناقص الشروط، فلا يصح أن نقول هنا: إن العادة محكمة؛ لأنها صادمت الشرع.
стр. 57
أدلة قاعدة العادة محكمة
هناك أدلة على هذه القاعدة العظيمة من الكتاب، ومن السنة، ثم من الإجماع.
أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال الله تعالى -بالنسبة لما تستحقه النساء-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] فأرجع سبحانه كل هذه المعاملات إلى العرف المعروف بين الناس.
وأما من السنة ففي الحديث الصحيح أن هند زوجة أبي سفيان ﵁ وأرضاه قالت: يا رسول! إن أبا سفيان رجل شحيح، فقال لها النبي ﷺ : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).
فقيد الأخذ من مال الزوج بالمعروف.
وفي الموطأ قال النبي ﷺ عن المملوك: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف) فكأن سائلاً يسأل: يا رسول! ما النفقة التي تكفي المملوك؟ فقال النبي ﷺ : (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف).
وأيضاً: قال النبي ﷺ -مبيناً اعتبار العادة واعتبار ما اعتادت عليه النساء لـ زينب بنت جحش: (تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام)، فأرجعها إلى ما اعتادت عليه النساء؛ لأن النساء في الحيض: امرأة مبتدئة، وامرأة معتادة أي: لها عادة تتكرر فترجع إلى هذه العادة إن استمر نزول الدم.
ومن الأمثلة الفقهية التي تبين العمل بهذه القاعدة: فتوى مالك في رجل تزوج امرأة ثم تنازعا في الصداق، فقالت المرأة: لم آخذ الصداق، وقال الرجل: قد أعطيتها صداقها، فلما سئل مالك قال: القول قول الزوج.
وإذا تأملنا فتوى مالك وجدنا أنها على خلاف الأصل؛ لأن الأصل: هو أن المرأة لم تقبض الصداق، والناقل عن هذا الأصل الصحيح هو العادة, فعادة أهل المدينة في ذلك الوقت: هي أن الرجل العاقد لا يدخل على زوجه حتى يعطيها الصداق، ومصداق ذلك: أن النبي ﷺ عندما زوج فاطمة بـ علي بن أبي طالب وقال له: (لا تدخل عليها حتى تعطيها صداقها) ولذلك قال القاضي إسماعيل من المالكية: أفتى مالك بهذه الفتوى على غرار أن العادة محكمة، فعادة أهل المدينة أنهم لا يدخلون على النساء حتى تقبض النساء الصداق، فلذلك قال القول قول الزواج، قال: أما في هذا الزمان فقد تبدلت العادة وتغيرت، فيكون القول في هذه المسألة بالأصل، وهو أن القول قول المرأة، إلا إن يأتي الرجل ببينة أنه قد أعطاها صداقها.
ومن الأمثلة التي تبين أن العادة محكمة ولها اعتبار في الشرع: صحة بيع المعاطاه، فالأصل في البيع أن يكون عن تراض، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وهذا صريح على أن البيع لا بد أن يكون عن تراض، وقوله ﷺ الله عليه وسلم: (إنما البيع عن تراض) وهذا أسلوب حصر، فقوله: (إنما) حصر لصحة البيع، وأنه لا يصح بأي حال من الأحوال إلا بهذا الشرط، وهو التراضي، والتراخي عمل قلبي، والعمل القلبي لا يعرف إلا عن طريق الظاهر، ولا يُعرف ما بداخل القلب, إلا عن طريق اللسان والأفعال، ولذلك لا بد من لفظ إيجاب وقبول، فيقول المشتري: اشتري هذه السيارة بخمسة آلاف، ويقول الثاني: قبلت، أو يَقول البائع: أبيعك هذه السيارة بخمسة آلاف، ويقول المشتري: قبلت، فهذا هو الإيجاب والقبول وهو دليل التراضي.
ولكن لما ظهر في عادات الناس أنه إذا أراد المشتري شيئاً أخذه ودفع الثمن، كأن يشتري الرجل رغيفاً من الخبز فيضع النقود أمام البائع ثم يذهب، ولم تجر بينهما ألفاظ البيع من الإيجاب والقبول، فكان ذلك عادة منهم، والعادة محكمة.
فالمشتري يضع المال والبائع يعلم أنه يريد الشراء، فيحصل البيع بدون لفظ الإيجاب والقبول.
ومن الأمثلة على ذلك: ما تعارف عليه الناس في ركوب سيارات الأجرة، فإن الرجل يوقف السيارة ثم يركب فيها إلى المكان الذي يريد، ولم يتفق مع السائق على أجرة معلومة، فقد اعتاد الناس أن يعطى السائق أجراً معيناً، والعادة بينهم محكمة، ولا يصح أن نقول: هذه أجرة مجهولة؛ لأن العادة بين الناس جرت بذلك، وكذلك بيع المعاطاة فإنه جائز رغم أن التراضي عمل قلبي ولا بد له من أظهار البيع باللفظ، ولكن العادة هي التي جوزت هذه المعاملة، والعادة محكمة.
ومن الأمثلة على أن العادة محكمة: أن رجلاً رأى امرأة فأعجبته، ورأى منها ما يدعوه إلى نكاحها، فتقدم لها، فقبل أبوها، فتزوجها ولم يسم لها مهراً، مع أنه من أركان العقد، فلما دخل بها سألته المهر فقال: لم أسم لك مهراً، وأعطاها عشر جنيهات وقال: هذا هو مهرك، فتنازعت معه ولم ترض بما أعطاها، فرد هذا التنازع إلى صاحب الشرع، فقال الرجل: تزوجتها على مهر -وهو يعلم أنه من أركان العقد- وقالت المرأة: تزوجني على المهر ولم يسمه، فقال صاحب الشرع: يكون للمرأة مهر مثيلاتها في الجمال والحسب والنسب؛ لأن مهر المثل هو العادة, والعادة محكمة.
أيضاً من الأمثلة التي تبين اعتبار الشرع للعادة: المرأة إذا تقدم لها الرجل ورضيت به فالنبي ﷺ أخبرنا أن حياء المرأة البكر يمنعها من الكلام، وأن معرفة قبول المرأة للرجل هو الصمت، وقال العلماء: ومن الصمت الابتسامة كذلك، أو احمرار الوجه، أما البكاء فإن البعض قال: إن كانت الدموع حارة فهي دموع الحزن، فيدل على الرفض، وإن كانت باردة فهي دموع الفرحة ومعها يكون الرضى.
لكن العادة أن المرأة إذا تقدم الرجل لخطبتها فبكت وصاحت وولولت فلا يمكن أن نقول: هذا دليل على رضاها؛ لأن العادة أن البكاء يدل على الرفض، ولا يدل على الرضى، فتحكم العادة، ولا تزوج المرأة بهذا الرجل.
ومن الأمثلة التطبيقية على أن العادة محكمة: إذا تزوج الرجل الغني امرأة غنية وبخل عليها بالطعام والشراب، فطلبت منه النفقة، وتنازعا ورفعت القضية إلى الفقيه وكان فقيهاً مقعداً، فسأل المرأة عن طعامها في بيتها، وسأل الرجل عن مقدار دخله، فوجده غنياً فقال: نطبق قاعدة العادة محكمة، يقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] فيلزم الرجل بالنفقة التي ينفقها أهله وجيرانه والمحل الذي يعيش فيه.
ومن الأمثلة على قاعدة: العادة محكمة: زينة الصلاة، فإذا كان اللباس الذي يلبسه الإنسان في الصلاة من اللباس المتعارف عليه، والذي اعتاد الناس أن يلبسوه في الصلاة، فلا ينكر عليه، أما إذا كان لباساً غير متعارف عليه، وكانت عادة الناس الإنكار على من صلح بتلك اللباس، فهذا ينكر عليه.
وأروع الأمثلة في ذلك: أن ابن عمر ﵁ وأرضاه لما دخل على نافع وجده يصلي بين يدي ربه بغير غطاء الرأس، فلما انتهى عنفه وقال له: أتخرج بين الناس هكذا؟ قال: لا, قال: الله أحق أن تستحي منه, فهنا حكم ابن عمر العادة.
وفي هذا الزمان لو كانت العادة بين الناس أن الذي يسير بغير غطاء الرأس مخروم المروءة، أو أن كشف الرأس ليس من الزينة في الصلاة, فلا ينبغي الصلاة إلا والرأس مغطى، أما إذا اعتاد الناس أن يسيروا دائماً مكشوفي الرأس كما في مصر مثلاً، فلا ينكر على من صلى لله منهم حاسر الرأس، بعكس بلاد الخليج، فإن العيب عندهم أن يسير الرجل مكشوف الرأس وكذلك العباءة، فإن لبسها في مصر شيء لا ينكر عليه، أما في بلاد الخليج فإن لباسها يكون للنوم فقط، ومن العيب أن تلبسها خارج البيت.
إذاً: من خرج إلى المسجد يصلي مكشوف الرأس في بلد ينكرون هذا الفعل فإنه ينكر عليه؛ لأن العادة محكمة.
ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة في باب النكاح والطلاق، وما يتعلق بهما من المهر والشبكة وغير ذلك.
стр. 58
قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً
القاعدة الثانية: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وهذه من أهم القواعد، وهي متممة لقاعدة: العادة محكمة.
ومعنى المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً: أن العرف السائد بين الناس إذا اتفقوا عليه في شيء ما فإنه يعتبر في الشرع كالشرط، وقد ورد في بعض الآثار: أن المسلمين عند شروطهم, وهذه الشروط مقيدة بقوله ﷺ : (إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)؛ لأن النبي ﷺ قال: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله باطل، ولو كان مائة شرط).
فإذا اتفق الناس على شيء أو كان بينهم عرفاً، فإنه يعتبر شرطاً، ولا بد أن يوف هذا الشرط.
стр. 59
أمثلة على هذه القاعدة
من أمثلة هذه القاعدة: لو استأجر رجل نجاراً لصنع مكتبة خشبية، وكانت الخشب مع المستأجر -هروباً من عقد الاستصناع الذي اختلف فيه أهل العلم- ولم يستأجر إلا صنعته ووقته على هذا العمل، وبعد أن أتم النجار العمل أعطاه الرجل أربعة جنيهات، فلم يرض النجار بذلك، فتنازعا ثم رفع أمرهما إلى من يحكم بينهما بالشرع، فقال النجار: استأجرني ولم يتفق معي على أجرة، ولذلك فإنها إجارة مفسوخة؛ لأن من شروط الإجارة أن تكون معلومة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الغرر، والجهالة من الغرر، فقال الفقيه: كم أجرة صنع هذا العمل في ساحة النجارين؟ قالوا: خمسون جنيهاً, فألزم الرجل أن يعطي النجار خمسين جنيهاً، وينزل العرف هنا منزلة الشرط، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
أيضاً: إذا عقد الرجل على امرأة وخلا بها فلا يجوز له أن يجامعها، وإن كان النبي ﷺ قد قال: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) وهذا قد عقد عليها، فصارت حلالاً له بعد أن كانت حراماً، ولكن العرف السائد عند الناس: أنه لا يستطيع المرء أن يبني بالمرأة العاقد عليها إلا بموافقة الولي، وبعد الإشهار بين الناس.
فالصحيح الراجح في هذه المسألة أن نقول: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فلا يجوز له جماعها إلا بعد إشهار النكاح وموافقة الولي.
ومن الأمثلة على قاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً: أن الرجل إذا أعطى زوجته الشبكة المتعارف عليها، ثم أراد أن يأخذها منها، عملاً بمذهب الشافعية القائلين بجواز الرجوع في الهبة، فأبت المرأة أن تعطيه إياها؛ لأن الهدية عند الجمهور لا ترد؛ لقول النبي ﷺ : (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)، فتنازعا ثم رفع هذا التنازع إلى من يحكم بينهما بشرع الله، فحكم العرف السائد في بلدة الزوج والزوجة، فإن كان العرف: أن الشبكة من المهر، فهي من المهر وليست هدية، وإن كان العرف أنها هدية فهي كذلك؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
ومن الأمثلة على هذه القاعدة: أن الرجل هو الذي عليه أن يجهز بيت الزوجية ويشتري الأثاث والفراش؛ لقول النبي ﷺ : (ولا يطأن فرشكم أحداً تكرهونه) فأضاف الفرش إلى الرجال، فدل على أن الزوج عليه كل شيء, لكن لو أن والد الزوجة تعاون مع زوج ابنته وجهز معه بيت الزوجية، فكل منهما أتى بنصف، فلو وقع الطلاق فيما بعد وكان العرف السائد بين الناس: أن والد الزوجة إنما أعطى ما أعطاه هدية لزوج ابنته، فلا يجوز أن يسترجع والد الزوجة مما أعطاه شيئاً، وهو حق للزوج، وإذا كان العرف: أن ذلك إنما كان هدية لابنته فليس من حق الزوج، ويعود كل ما أعطاه والد الزوجة إلى ابنته.
وعليه فلا يجوز لوالد الزوجة أن يحمل الزوج ما لا يطيق؛ حتى يُبقى على ابنته ولا يطلقها، فالنبي ﷺ يقول في الحديث المختلف في صحته، ولكن صححه الشيخ الألباني: (أكثرهن بركة أيسرهن مئونة) وسعادة المرأة خير من تلك التكاليف التي يكلف بها الزوج، والنبي ﷺ يقول: (إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).
ومن الأمثلة على هذه القاعدة: أن الرجل إذا أعطى ابنته ذهباً عند زفافها، وبعد الزواج استدان الزوج من زوجته ذلك الذهب، فاعترض والد الزوجة على ذلك وقال: إن الذهب الذي أعطيته لابنتي كان عارية، فليس لها أن تتصرف فيه، فوقع النزاع بين الرجل وابنته، ورفع هذا النزاع إلى من يفصل في المسألة بشرع الله.
فكان الحكم: هو أن العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فإذا كان العرف السائد بين الناس أن الرجل إنما أعطى ابنته ذلك عارية فهو عارية مؤداة، وإن كان العرف: أن ذلك هدية للبنت، فالصحيح الراجح: أنه هبة، وعند بعض العلماء: أن الوالد إذا وهب لولده شيئاً فلا يجوز أن يرجع في هبته.
إذاً: فالعرف قد قضى في المسألة أن هذه هبة، وليست عارية، ولا نأخذ بقول والد البنت أنها عارية, هذا عند من يقول: إن الوالد لا يرجع في هبته.
آخر هذه الأمثلة: لو جاء رجل واشترى سيارة من معرض السيارات، فقال البائع: هذه السيارة بخمسين ألفاً، فقال له المشتري: اشتريت، فكتبا العقد، فأخذ المشتري مفتاح السيارة وذهب بها، وأخبر البائع أنه سيعطيه قيمة السيارة بعد عشرة أيام، وأن العقد قد وقع بينهما وامتلك السيارة، وعليه دفع المال بعد عشرة أيام، فرفض البائع وقال: إنما أعطاه السيارة بقيمتها نقداً، ووقع النزاع، فقال بعض الفقهاء: إن المسألة دائرة على عرف الناس، فإن كان العرف أن من اشترى سيارة دفع قيمتها بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر كان الحكم هو أن يأخذ الرجل السيارة ويدفع المال في المدة المتعارف عليها، وإن كان العرف بين الناس: أن لا تستلم السيارة إلا بالثمن، فليس له أخذها إلا بعد دفع ثمنها نقداً، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
стр. 60
الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد
القاعدة الثالثة: قاعدة الاجتهاد لا ينتقض بالاجتهاد.
وهذه تنفع طالب العلم في الفتوى, وهي من مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح العباد؛ حتى لا تعم الفوضى بين الناس.
стр. 61
أمثلة على هذه القاعدة
بالمثال يتضح المقال: قام رجل ونوى الصلاة، وبعد أن انتهى من الصلاة بمدة وجد في ثوبه نجاسة، وتأكد وتيقن أن هذا الثوب فيه نجاسة، لكنه لم يدر هل هذه النجاسة كانت في هذه الصلاةّ! أم كانت في الصلاة التي قبلها؟ وهل يقضي هذه الصلاة فقط أم يقضيها مع ما بعدها؟ فرجع إلى أهل الذكر، وسأل أحد الفقهاء، فقال له الفقيه الذي يعلم كيف يأصل المسائل ويجيب عنها بالتأصيل الصحيح: هل أنت متأكد من رؤية النجاسة على ثوبك؟ قال: نعم، قال: إذاً: نطبق هذه القاعدة وهي أن الحادث يضاف إلى أقرب الأوقات، فإذا كان آخر مرة دخلت فيها الخلاء؛ لتقضي حاجتك كانت في صلاة الظهر، وهذه النجاسة رأيتها في صلاة العشاء فأقرب الأوقات التي وقعت فيه نجاسة على ثوبك هو وقت الظهر، إذاً: من صلاة الظهر أصبح الثوب نجساً، فيجب عليك أن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لأننا رددنا الحادث إلى أقرب الأوقات.
المثال الثاني: رجل صلى الفجر ثم الظهر ثم العصر، وهو يصلي العصر وجد المني في ثوبه، ولم يتذكر احتلاماً، فعلم أنه على جنابة، وأن صلاته غير صحيحة، واحتار فيما عليه من الصلاة، وكم يقضي منها؟ فالواجب عليه تطبيق هذه القاعدة، فيرد الحادث إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات هو آخر نومةٍ نامها، فإذا كانت آخر نومة نامها هي قبل الفجر، فعليه أن يعيد صلاة الفجر والظهر والعصر؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقات.
ومن هذه الأمثلة أيضاً: أن رجلاً تزوج بنصرانية -أي: أنه لم يأخذ بمذهب ابن عمر؛ ومذهبه -أي: ابن عمر - هو عدم جواز الزواج من الكتابية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: كل المشركات، ولكن قد دل الدليل على جواز الزواج بنساء أهل الكتاب -وبعد أن تزوجها مات، فجاءت تطالب بحقها من الميراث، فمنعها الورثة؛ لأنها ليست مسلمة؛ والنبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) فقالت: إنها قد أسلمت، فسئلت عن إسلامها: هل كان قبل موت زوجها أم بعده؟ لأنها إن أسلمت بعد الموت فلا ميراث لها، فادعت أنها أسلمت قبل موته, فأنكر الورثة وقالوا: إنما أسلمت بعد موته، فلا حق لها في الميراث، ففي هذه المسألة تطبق هذه القاعدة، ويضاف الحادث إلى أقرب أوقاته، وأقرب وقت لإسلامها: هو بعد موت زوجها، فيكون القول قول الورثة، ولا ميراث لها.
ومثل هذه المسألة: أن زوجة ادعت أن زوجها طلقها في أثناء مرضه فطلبت الإرث، ومسألة إرث المرأة من زوجها إذا طلقها وهو مريض مسألة مختلف فيها، والراجح أن الزوج إذا كان قصده حرمانها من الميراث فالطلاق لا يعتد به، وترث، وهنا قالت المرأة: إن زوجها طلقها في مرضه، فأنكر الورثة وقالوا: إنما طلقها حال صحته، ففي هذه المسألة تطبق القاعدة ويضاف الطلاق إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات: أنه طلقها وهو مريض.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 62
الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته
القاعدة الرابعة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
وهذه القاعدة مهمة جداً، وهي دليل على سعة هذه الشريعة، فالنبي ﷺ بين أن الإنسان إذا أشكل عليه شيء فليرجع إلى الأصل، وليتحر الصواب بالقرائن المرجحة، فإذا حدثت حادثة فشك الإنسان هل هي في الزمن البعيد أم القريب؟ فالقاعدة عند العلماء: أن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب الأوقات.
стр. 63
أمثلة على هذه القاعدة
بالمثال يتضح المقال: قام رجل ونوى الصلاة، وبعد أن انتهى من الصلاة بمدة وجد في ثوبه نجاسة، وتأكد وتيقن أن هذا الثوب فيه نجاسة، لكنه لم يدر هل هذه النجاسة كانت في هذه الصلاةّ! أم كانت في الصلاة التي قبلها؟ وهل يقضي هذه الصلاة فقط أم يقضيها مع ما بعدها؟ فرجع إلى أهل الذكر، وسأل أحد الفقهاء، فقال له الفقيه الذي يعلم كيف يأصل المسائل ويجيب عنها بالتأصيل الصحيح: هل أنت متأكد من رؤية النجاسة على ثوبك؟ قال: نعم، قال: إذاً: نطبق هذه القاعدة وهي أن الحادث يضاف إلى أقرب الأوقات، فإذا كان آخر مرة دخلت فيها الخلاء؛ لتقضي حاجتك كانت في صلاة الظهر، وهذه النجاسة رأيتها في صلاة العشاء فأقرب الأوقات التي وقعت فيه نجاسة على ثوبك هو وقت الظهر، إذاً: من صلاة الظهر أصبح الثوب نجساً، فيجب عليك أن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لأننا رددنا الحادث إلى أقرب الأوقات.
المثال الثاني: رجل صلى الفجر ثم الظهر ثم العصر، وهو يصلي العصر وجد المني في ثوبه، ولم يتذكر احتلاماً، فعلم أنه على جنابة، وأن صلاته غير صحيحة، واحتار فيما عليه من الصلاة، وكم يقضي منها؟ فالواجب عليه تطبيق هذه القاعدة، فيرد الحادث إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات هو آخر نومةٍ نامها، فإذا كانت آخر نومة نامها هي قبل الفجر، فعليه أن يعيد صلاة الفجر والظهر والعصر؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقات.
ومن هذه الأمثلة أيضاً: أن رجلاً تزوج بنصرانية -أي: أنه لم يأخذ بمذهب ابن عمر؛ ومذهبه -أي: ابن عمر - هو عدم جواز الزواج من الكتابية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: كل المشركات، ولكن قد دل الدليل على جواز الزواج بنساء أهل الكتاب -وبعد أن تزوجها مات، فجاءت تطالب بحقها من الميراث، فمنعها الورثة؛ لأنها ليست مسلمة؛ والنبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) فقالت: إنها قد أسلمت، فسئلت عن إسلامها: هل كان قبل موت زوجها أم بعده؟ لأنها إن أسلمت بعد الموت فلا ميراث لها، فادعت أنها أسلمت قبل موته, فأنكر الورثة وقالوا: إنما أسلمت بعد موته، فلا حق لها في الميراث، ففي هذه المسألة تطبق هذه القاعدة، ويضاف الحادث إلى أقرب أوقاته، وأقرب وقت لإسلامها: هو بعد موت زوجها، فيكون القول قول الورثة، ولا ميراث لها.
ومثل هذه المسألة: أن زوجة ادعت أن زوجها طلقها في أثناء مرضه فطلبت الإرث، ومسألة إرث المرأة من زوجها إذا طلقها وهو مريض مسألة مختلف فيها، والراجح أن الزوج إذا كان قصده حرمانها من الميراث فالطلاق لا يعتد به، وترث، وهنا قالت المرأة: إن زوجها طلقها في مرضه، فأنكر الورثة وقالوا: إنما طلقها حال صحته، ففي هذه المسألة تطبق القاعدة ويضاف الطلاق إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات: أنه طلقها وهو مريض.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 64
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - المشقة تجلب التيسير
لقد شرع الشارع الحنيف على المكلفين أحكاماً يجب عليهم القيام بها، وهي سهلة عليهم وميسورة، ومع ذلك لو أن أحداً من المكلفين وجد فيها مشقة لا تحتمل لعارض من العوارض فإنه لا يطالب بها، كالحج والعمرة فإنها يسقطان عن الفقير الذي لا يجد المال الكافي للقيام بهما، وكذلك الزكاة، فإنها تسقط عن الفقير؛ بل إن عمود الإسلام وهي الصلاة تخفف على المكلف إذا سافر أو مرض حتى تكون الأربع ركعات ركعتين، بل يجوز له أن يقدم أو يؤخر الصلاة عن وقتها لهذا العارض، وهذا من رحمة الله سبحانه بعباده.
стр. 65
قاعدة المشقة تجلب التيسير
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
تكلمنا على القاعدة الكلية وهي: الضرورات تبيح المحظورات، وما تفرع عنها، وبعض العلماء يرى أن قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، تعتبر فرعاً عن قاعدة كلية كبيرة عظيمة هي عصب الدين كله، ألا هي: المشقة تجلب التيسير، على أن هذه القاعدة قاعدة كلية تنطوي تحتها هذه القواعد.
وقاعدة المشقة تجلب التيسير، فيها دلالة على سماحة ديننا، وأن الله جل وعلا لم يكلف العبد بما يشق عليه، كما قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
стр. 66
تعريف القاعدة
والمشقة معناها لغة: الصعوبة والعناء والتعب، والتيسير معناه في اللغة: الليونة والسهولة.
ومعنى: المشقة تجلب التيسير أي: كلما جاءت المشقة وضيقت على المرء جاء التسهيل والليونة والتيسير له.
وفي الشرع معنى: المشقة تجلب التيسير: أنه أذا طبق المكلف الأحكام الشرعية فضاقت عليه لعارض فإن هذا الضيق يتيسر ويتسع، فيستجلب السهولة عليه في تطبيق الأحكام، وهذا هو عصب الدين بأسره.
стр. 67
أدلة القاعدة
دليل هذه القاعدة من الكتاب ومن السنة ومن الإجماع: أما من الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يعني: إن شق عليها ولم تستطع أن تطبق الحكم فإنه ييسر عليها، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال جل في علاه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦]، وأيضاً عندما قالوا: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: قد فعلت قد فعلت).
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨].
وأما من السنة: فقوله ﷺ في مسند أحمد: (بعثت بالحنيفية السمحة) والسماحة معناها: السهولة واليسر، فكلما ضاق الأمر كلما جاء الشرع بالتيسير والتسهيل والسعة على المرء.
وكذا قول النبي ﷺ : (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فكلما جاء العسر كلما صحبه اليسر، وذكر للنبي ﷺ بأن رجلاً صلى خلف معاذ، فلما أطال معاذ انفرد الرجل بنيته وصلى منفرداً، فاشتد غضب النبي ﷺ وقال: (أفتان أنت يا معاذ! إذا صليت بالناس فصل بسبح والسماء والطارق)، إلى آخر الحديث.
ولما قيل للنبي ﷺ : (إنا لا ندرك الصلاة من أجل ما يفعل فلان بإطالة الصلاة.
-يعني لا نذهب إلى صلاة الجماعة لأنه يطيل الصلاة- فقال النبي ﷺ : إنكم لستم منفرين)، أو قال: (ما بعثتم منفرين)، وأمر بالتيسير بقوله: (يسروا ولا تعسروا).
стр. 68
أسباب التخفيف والتيسير
هذه الأحاديث الآنفة الذكر كلها تبين لنا الدلالة على هذه القاعدة العظيمة، وهي أن المشقة تجلب التيسير، فكلما شق على المكلف تطبيق الأحكام الشرعية كلما لاح في الأفق التيسير، وأسباب التخفيف والتيسير والترخيص في الشرع كثيرة منها: أولاً: السفر، ثانياً: المرض، ثالثاً: الإكراه، رابعاً: الأمور التي عمت بها البلوى، خامساً: النقص.
فالسفر: يحفه ما يحفه، فلو أن رجلاً سافر ليؤدي شعيرة العمرة على الباخرة أو على السيارة ولم يسافر على الطائرة، وهو صائم في رمضان فوجد المشقة في السفر، فإننا نقول له: هذه مشقة هل تستطيع أن تحتملها أم لا؟ فإن قال: لا أستطيع، قلنا له: فإن الله قد يسر عليك، وفتح لك أبواب التيسير والقاعدة: المشقة تجلب التيسير، فتيسيراً عليك أفطر هذا اليوم أو اليوميين أو الثلاثة التي تسافر فيها، حتى لا تلحق بك المشقة.
وأيضاً: إذا سافر المرء في تجارة إلى بلاد الكفار فجاء وقت الصلاة ويشق عليه أن يصلي الصلوات في أوقاتها فإننا نقول له: إن الشرع يحمي لك أموالك مع حفظك لعبادة الله جل في علاه، والمشقة تجلب التيسير، وقد يسر الشرع عليك، فاجمع جمع تأخير أو جمع تقديم، واقصر الصلوات الرباعية، ولست ملزماً بأن تصلى الصلاة في وقتها، بل لك الجمع والقصر كما فعل النبي ﷺ في مزدلفة وفي غيره، وهذه من حكمة الله حتى لا ينفر المكلف من عبادة الله جل في علاه، وحتى لا يرى أن في هذا الدين آصاراً أو أغلالاً عليه، والله جل وعلا إنما يكلف الناس بما يكون ميسوراً عليهم، وبما يكون في استطاعتهم؛ حتى يسارعوا إلى الله جل وعلا ويتنافسوا في الخيرات.
أيضاً من أسباب الترخيص والتيسير المرض فإذا مرض المكلف فلم يستطع أن يصلي قائماً إلا بمشقة كبيرة، فإن الشرع يبيح له بأن يصلي قاعداً، فإن لحقت به المشقة أجاز له الشرع أن يصلي مضطجعاً، فإذا قال: لا أستطيع أن أصلي وأنا مضطجع قلنا له: تومئ برأسك، فإن لم تستطع فتومئ بعينك، خلافاً لبعض أهل العلم الذين قالوا: تسقط الصلاة عن مثل هذا، فإن الصلاة لا تسقط، وإن كان صائماً في رمضان ولا يستطيع أن يصوم فليفطر، فالله جل وعلا قد يسر عليه بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وأيضاً في المرض إذا لم يستطع المرء أن يصلي قائماً في المسجد قلنا له: صل قاعداً في المسجد جماعة، فلا تسقط الجماعة بالمرض.
وكذلك إذا اُكره المرء على شرب الخمر، بأن يوضع السيف على رقبته ويقال له: تشرب الخمر أو تقتل؟ فهذه مشقة بالغة، والشرع جاء لحفظ الضروريات الخمس ومن أهمها بعد الدين النفس، فله أن يشرب الخمر مكرهاً، ويقول له الفقيه: المشقة التي لا يمكن أن تتحملها -بقطع رقبتك أو بموتك أو بإزهاق روحك- تيسر عليك، فالمشقة تجلب التيسير.
وأيضاً: إذا أخذ الكفار رجلاًَ من المسلمين ثم صلبوه وأرادوا قتله، فقالوا له: تكفر وإلا قتلناك؟ فهنا المشقة التي لا يستطيع أن يتحملها بقتله تجلب له التيسير، فله أن يقول كلمة الكفر، كما فعل عمار فقد قالوا له -بعد التعذيب الشديد والتنكيل به-: لا نتركك حتى تتكلم في محمد ﷺ ، فتكلم فيه، فلما ذهب يشتكي للنبي ﷺ -وهذا من الأدلة العظيمة على هذه القاعدة المشقة تجلب التيسير- فقال له النبي ﷺ : كيف تجد قلبك؟ قال: يطمئن بذكر الله جل في علاه، قال: فإن عادوا فعد، يعني: هذه المشقة جلبت لك التيسير، بأن تتلكم بكلمة الكفر.
وأما النقص: فيكون سبباً في استجلاب التيسير؛ لأن نقص المكلف يشق عليه تطبيق الأحكام الشرعية، والنقص: هو كالرق والأنوثة والصغر والجنون، وهذا اسمه: نقص في الأهلية، فإن الطفل الذي لم يبلغ الحلم والمجنون غير مكلفين؛ للنقص، والمشقة تجلب التيسير، فيشق على المجنون أن تقول له: عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، ممكن أن يصبر على صلاة واحدة، لكن مستحيل أن يصبر على جميع الصلوات، فتسقط عنه الصلوات، وفي المعاملات كذلك، أي: يشق عليه أن يبيع ويشتري، فلا نمرر العقد الذي يعقده طفل، ولا العقد الذي يعقده المجنون.
وأما عمت به البلوى، فكالنجاسات المعفوا عنها في الثوب وفي الأرض وفي غيرها.
وصور هذه القاعدة كثيرة جداً، وسننتهي في الكلام على هذه القاعدة الجميلة أي: قاعدة المشقة تجلب التيسير، بتقسيم العز بن عبد السلام فقد قسم تقسيماً بديعاً وهو يتلكم عن ترخيصات الشرع فقال: ترخيصات الشرع تعتبر أنواع ستة أو سبعه: الأول: ترخيص إسقاط، وهذا يعتبر رخصة جامعة، وترخيص الإسقاط كإسقاط الجمعة عن العبد وعن المرأة وعن المسافر، في الحج وافق يوم الجمعة يوم عرفة فخطب بهم وصلى بهم ظهراً، وجمع معها العصر، وفي هذا دليل على إسقاط الجمعة عن المسافر، ويسقط الحج وتسقط العمرة، يقول الله جل وعلا: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].
مفهوم المخالفة: إن لم يستطع فلا حج عليه، فيسقط الحج وكذلك العمرة، بل إن العلماء مختلفون هل هي سنه أو فرض؟ فهذا اسمه ترخيص إسقاط عند العذر، فالذي ليس عنده زاد ولا راحلة نقول له سقط عنك الحج وسقطت عنك العمرة، وكذلك تسقط الزكاة، عن الفقير، وهذا يسمى ترخيص إسقاط.
الثاني: ترخيص تقصير أو نقص، كأن يشق على الإنسان أن يأتي بالعبادة كاملة فيرخص له الشرع بأن لا يجعلها عليه تامة ولا كاملة، بل يأتي بها ناقصة، مثل: قصر الصلاة في السفر، فتقصر الصلاة الرباعية، أما المغرب فلا تقصر وكذلك الفجر.
الثالث: ترخيص الإبدال، كالكفارة قال الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٨٩]، إذاً: فالكفارة إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقة فإذا لم يجد ذلك جاء الترخيص بالإبدال، فقال: فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام، سواء متتابعات أو غير متتابعات، ومن ترخيص الإبدال: كفارة الصيد، فإنه من قتل صيداً جعل الله عليه مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منا، هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين، فإن شق عليه ذلك فالصيام؛ ليذوق وبال أمره، فجعل الصيام بدلاً.
أيضاً من الإبدال: التيمم مع وجود الماء، وذلك أن الأصل أنه لا يتيمم مع وجود الماء، لكن هذا عندما ينجوا من العوارض، أما لو وجد مريض عنده كسر أو جروح وإذا سقط الماء على الجرح فسيزيد له في الألم والمرض، فإنه لهذا العارض يتيمم ولا يتوضأ؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وفي الحديث المشهور: أن رجلاً كان به شج في رأسه فنام فقال لأصحابه لما استيقظ: قد أجنبت فماذا أفعل؟ قالوا: لا نرى لك إلا الاغتسال، قال: الشج في رأسي، قالوا: لا نرى لك إلا الاغتسال، وكثير من المحدثين يضعفون هذا الحديث، لكن نحن نستأنس به، فاغتسل فمات، فلما علم النبي ﷺ قال: (هلا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال)، فالجاهل شفاؤه أن يسأل ويتعلم ولا يتكبر ويفتى بغير علم فإن هؤلاء أفتوه بغير علم فضلوا وأضلوا نسأل الله أن يغفر لنا ولهم، وهذا اجتهاد إن شاء الله مغفور لهم، وفي ميزان حسناتهم، لكن النبي ﷺ غضب غضباً شديداً وقال: (قتلوه قتلهم الله)، فهو الآن في ضرورة أو في عارض عرض له فلا يقال له كما يقال للصحيح، فنقول: مع وجود الماء عليك أن تعمم الجسد كله إلا موضع المرض، فإذا كان المرض في الرأس قلنا: إلا موضع الرأس، فتتيمم للرأس وهذا قول كثير من العلماء، لكن نقول الأولى من هذا أن لا نجمع له بين البدل والمبدل، فلا نقول: تيمم واغسل، ولكن اغسل وامسح، يعني: خذ الماء بيدك حتى يجف وامسح على رأسك، فالمسح يكون بديل لوجود الماء، وهو قبل التيمم فلا يجمع بين التيمم وبين الغسل.
الرابع: ترخيص تقديم، رجل جراح عنده مريض، والعملية ستكون عند أذان العصر، وهي عمليه خطيرة جداً، وليست بالهينة، ومدتها من أول أذان العصر إلى المغرب، فسيضيع عليه العصر، فنقول له: إن الأمر فيه فسحه وتيسير؛ لوجود مشقة عظيمة على المريض، والمشقة ستجلب التيسير والترخيص، والترخيص هنا بالتقديم، فقدم الظهر مع العصر واجمع جمع تقديم، فإن قال الجمع مرخص فيه في السفر فقط، قلنا: دعك ممن يحجر واسعاً، وخذ بالحديث الصحيح وبمذهب ابن المسيب وقبله ابن عباس فإنه قال: جمع النبي في المدينة من غير سفر ولا مطر، وفي رواية: من غير مرض، قالوا: لماذا يا ابن عباس؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته أي: أراد أن لا يوقع الحرج على الأمة، فنقول رفعاً للحرج عن هذا الطبيب: صل العصر مع الظهر، والرجل المريض نقول له أيضاً: لا تسقط عنك الصلاة، فقدم العصر مع الظهر، فإن قال: أشعر أن نفسي ستخرج، قلنا: اجعل آخر أنفاسك في الصلاة، فهذا ترخيص تقديم.
ومن ترخيص التقديم: إخراج الزكاة قبل الحول، فإن هذا ترخيص وليس أصلاً؛ لأن الأصل أن كل عبادة مؤقتة بوقت لا تصلح إلا في وقتها.
والدليل: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
فإذا كان الفقر مدقع وكانت الحاجة ملحة وكثر الفقراء، فإنه يأتي ترخيص التقديم، فتقدم الزكاة عن الحول، يعني: لو أن رجلاً سيموت مع
стр. 69
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، وقاعدة لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة
قاعدة (المشقة تجلب التيسير) من القواعد الفقهية الكلية التي ترجع إليها جميع الأحكام الفقهية، وهذه القاعدة تدل على أن الضيق أو العنت أو الحرج الذي يلحق بالمكلف عند قيامه بالمأمور أو اجتنابه للمنهي قد يصاحبه يسر وسهولة في هذا الحكم، ويندرج تحت هذه القاعدة قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع، وقاعدة: لا واجب مع عجز ولا حرام مع الضرورة، ويطبق عليهما كثير من المسائل الفقهية.
стр. 70
تابع قاعدة المشقة تجلب التيسير
стр. 71
تطبيق القاعدة في مسألة تعدد الزوجات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: القاعدة الفقهية: المشقة تجلب التيسير، ثبتت بالكتاب وبالسنة وبالنظر، وأنواع المشقة أو أنواع الترخيص ستة أنواع أو سبعة.
وقاعدة المشقة تجلب التيسير، لها صور متعددة، منها: تعدد الزوجات.
وتطبيق هذه القاعدة في مسألة التعدد هو أن الله جل وعلا أعطى الرجل فحولة قوية جداً، فهو لا يكتفي بامرأة واحدة، فهنا يشق عليه أن ينظر للحرام وأن يفعله؛ لأنه منهي عن ذلك من قبل ربه جل في علاه، ويخشى من قول النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم حضه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، إن العين لتزني وزناها البصر)، وكذلك اللسان واليد كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة كما في الصحيحين، فالمشقة دائماً تجلب التيسير، فإن كانت امرأته حاملاً أو كانت نفساء فشق عليه هذا الأمر فله أن ينكح امرأة ثانية وثالثة ورابعة، إن شق عليه أن تكون في بيته امرأة واحدة.
وذكر الذهبي في ترجمة بعض المحدثين: أنه كان ثبتاً علماً في الحفظ وكان كثير الزواج، فكان يتزوج المرأة فما تبقى معه أسبوع؛ لأنه كان كثير الجماع، فطلقت منه امرأة فقالت: ما يحتمله بشر، فكان كل أسبوع يطلق امرأة، وكان فحلاً ثقة ثبتاً وكان لا يرقى له ذكر، أي: كان رجلاً قوي الفحولة جداً، يتزوج كثيراً فما كانت تحتمله امرأة.
فمثل هذا الرجل نقول له: المشقة التي تكون عليك في امرأة واحدة، فإن الشرع قد جاءك فوسع عليك الأمر، والمشقة تجلب التيسير، فتزوج الثانية والثالثة والرابعة فإذا قال لك: الأربع النساء لا تكفي، قلنا له ينكح الإماء، فإن علي بن طالب وطئ أربعمائة امرأة، وكان فحلاً ﵁ وأرضاه.
стр. 72
أقسام المشقة
والمشقة لها أنواع ثلاثة: النوع الأول: مشقة لا يمكن أن تخلو عن طاعة بحال من الأحوال، وقال فيها العلماء: هذه المشقة تسمى مشقة معتادة؛ لأن الله جل في علاه كلف المكلف بأوامر ليتعبد بها لله جل في علاه، وهذه الأوامر لا تخلو من مشقة بحال من الأحوال، واسمها تكليفات، والتكليف فيه نوع من الكلفة، أي: نوع من المشقة.
وهذه المشقة التي تصاحب العبادة كقيام الليل وكالهزال الذي يحدث في الصيام، وكبعض الصداع الخفيف الذي يأتي للصائم، وكحب المال عند إخراجه في الزكاة، فكل هذه المشقات معتادة، ويجب على الإنسان أن يحتملها، ولا يمكن أن تطبق فيها قاعدة المشقة تجلب التيسير.
النوع الثاني: مشقة تحتمل، لكنها أعظم من المشقة الأولى، وهذه المشقة هي التي يطبق فيها قاعدة المشقة تجلب التيسير، كالمرض والسفر والإكراه، فهذه مشقاق متوسطة ممكن أن تحتمل، وأن يترخص فيها المرء.
وهذه المشاق فيها رخصة وفيها عزيمة، كالصيام في السفر فإن من أراد أن يأخذ الأجر مضاعفاً فعليه أن يصوم في السفر، وهذا مستنبط من قول النبي ﷺ لـ عائشة ﵂ وأرضاها: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك) أي: على قدر نصبك أيضاً: فالأجر على قدر المشقة، ولذلك قال العلماء: مضاعفة الأجر على قدر المشقة.
وإما أن يترخص فيفطر ولا شيء عليه، كما قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وليس أجره كالأول، ومثلها قصر الصلاة في السفر.
وأما النوع الثالث: مشقة لا تحتمل، كالجوع القاتل، ولم يجد المرء طعاماً إلا الميتة، فهذا لا ترخيص له، ولا نظر لرخصة ولا عزيمة، بل هذا فيه العزيمة فقط، فيجب عليه في مثل هذه المشقة أن يستجلب التيسير، وإلا سيأثم عند ربه جل في علاه، ويحاكم بأنه قتل نفسه.
فلو وقفت اللقمة في حلقه ولا يستطيع دفعها إلا بالخمر، ولا يوجد ماء بحال من الأحوال، فلو لم يشرب الخمر فمات مات على معصية؛ لأنه قاتل نفسه عند ربه جل في علاه، بل يجب عليه أن يأخذ بالرخصة وأن يدفع الغصة بالخمر، وتكون هذه الرخصة عزيمة إن هو أخذ بها؛ لأنه يعزم عليه ذلك.
стр. 73
قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق
стр. 74
تطبيق القاعدة على الصلاة
ومن فروع هذه القاعدة، قاعدة عظيمة جداً وهي قول الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، يعني: إذا وقع الحرج على المكلف في تطبيق الشرع، فيتسع الأمر له، ويترخص ليرفع عنه الحرج، أما إذا رجع حاله كحال الميسور فيرجع الأمر كما كان.
ودليل هذه القاعدة: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:١٠١ - ١٠٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣]، فصدر الآية يبين القول الأول وهو: إذا ضاق الأمر اتسع، وعجزها يبين لنا القول الثاني: وإذا اتسع ضاق، فقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وآخر الآية أيضاً فيها دليل على قولهم: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، أي: إذا كان المكلف في تطبيق الشرع في حرج وضيق عليه، فإنه سيتسع له الأمر وسيترخص ولا عتب عليه ولا ملامة، وإذا اتسع الأمر، وزالت عنه المشقة أو الحرج، فيرجع الأمر كما كان.
إذاً: فدليل القاعدة: صدر الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١]، وكذا عجز الآية، وهو قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
أي: لما خاف المسلمون من المشركين أن يقتلوهم ضاق الأمر عليهم، ثم اتسع اتساعاً كبيراً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١]، فإذا ضاق عليهم الأمر بالخوف، فالتوسعة عليهم بقصر الصلاة.
وتيسير ثان في تغيير هيئة الصلاة أي: صفتها، فبعض الصفوف تصلي أولاً والصفوف الأخرى هي التي تحميهم، وممكن أيضاً في أوج الخوف -وهو المقاتلة بالمسايفة-: أن يصلي المسلم راجلاً أو راكباً على فرسه، وهذا أيضاً من باب التيسير، أي: إذا ضاق عليكم الأمر واشتد الضيق فإن التيسير سيأتي من أوسع أبوابه فتقاتلون وتصلون، كما قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قاعدين، قائمين، نائمين، مقاتلين، يصلون حسب حالهم، وهذا من باب التيسير.
أما الشطر الثاني للقاعدة، وإذا اتسع ضاق فيؤخذ من معنى الآية، أي: إذا اطمأننتم ورجعتم إلى المدينة وزال الخطر فصلوا قائمين ولا تصلوا قاعدين ولا ماشين ولا بأي هيئة أخرى، وأيضاً صلوا في الوقت ولا تجمعوا.
ومن أدلة القاعدة قول النبي ﷺ : (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)، أي: إذا ضاقت عليك الصلاة قائماً فصل قاعداً، وإذا ضاقت عليك الصلاة قاعداً فصل على جنب.
стр. 75
تطبيق القاعدة على المدين
ومن صور هذه القاعدة التي هي فرعاً للقاعدة الأم: أنَّ المدين -أي: الذي عليه دين- وضاق عليه سداده، فإنه يمهل إلى أن يتيسر له ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
أما قوله ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) فهذا عام مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وهذا واجب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠]، يعني: يجب عليكم النظرة، ويستحب لكم التصدق، وهذه الآية فيها دلالة على تدرج المسألة، فوجوباً النظرة إلى ميسرة، ثم التصدق.
أما قوله ﷺ : (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) فمفهوم المخالفة: إن لم يكن غنياً فليس بظالم، فليس له عليه سبيل.
وتطبيق القاعدة هنا: أن الأمر ضاق على الرجل المدين فليس معه مال ليسدد دينه، ففتح له الشرع باب التيسير، وهو النظرة إلى ميسرة.
следующие страницы →