Полный текст (206 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تطبيق القاعدة في مسألة تعدد الزوجات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: القاعدة الفقهية: المشقة تجلب التيسير، ثبتت بالكتاب وبالسنة وبالنظر، وأنواع المشقة أو أنواع الترخيص ستة أنواع أو سبعة.
وقاعدة المشقة تجلب التيسير، لها صور متعددة، منها: تعدد الزوجات.
وتطبيق هذه القاعدة في مسألة التعدد هو أن الله جل وعلا أعطى الرجل فحولة قوية جداً، فهو لا يكتفي بامرأة واحدة، فهنا يشق عليه أن ينظر للحرام وأن يفعله؛ لأنه منهي عن ذلك من قبل ربه جل في علاه، ويخشى من قول النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم حضه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، إن العين لتزني وزناها البصر)، وكذلك اللسان واليد كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة كما في الصحيحين، فالمشقة دائماً تجلب التيسير، فإن كانت امرأته حاملاً أو كانت نفساء فشق عليه هذا الأمر فله أن ينكح امرأة ثانية وثالثة ورابعة، إن شق عليه أن تكون في بيته امرأة واحدة.
وذكر الذهبي في ترجمة بعض المحدثين: أنه كان ثبتاً علماً في الحفظ وكان كثير الزواج، فكان يتزوج المرأة فما تبقى معه أسبوع؛ لأنه كان كثير الجماع، فطلقت منه امرأة فقالت: ما يحتمله بشر، فكان كل أسبوع يطلق امرأة، وكان فحلاً ثقة ثبتاً وكان لا يرقى له ذكر، أي: كان رجلاً قوي الفحولة جداً، يتزوج كثيراً فما كانت تحتمله امرأة.
فمثل هذا الرجل نقول له: المشقة التي تكون عليك في امرأة واحدة، فإن الشرع قد جاءك فوسع عليك الأمر، والمشقة تجلب التيسير، فتزوج الثانية والثالثة والرابعة فإذا قال لك: الأربع النساء لا تكفي، قلنا له ينكح الإماء، فإن علي بن طالب وطئ أربعمائة امرأة، وكان فحلاً ﵁ وأرضاه.
стр. 72
أقسام المشقة
والمشقة لها أنواع ثلاثة: النوع الأول: مشقة لا يمكن أن تخلو عن طاعة بحال من الأحوال، وقال فيها العلماء: هذه المشقة تسمى مشقة معتادة؛ لأن الله جل في علاه كلف المكلف بأوامر ليتعبد بها لله جل في علاه، وهذه الأوامر لا تخلو من مشقة بحال من الأحوال، واسمها تكليفات، والتكليف فيه نوع من الكلفة، أي: نوع من المشقة.
وهذه المشقة التي تصاحب العبادة كقيام الليل وكالهزال الذي يحدث في الصيام، وكبعض الصداع الخفيف الذي يأتي للصائم، وكحب المال عند إخراجه في الزكاة، فكل هذه المشقات معتادة، ويجب على الإنسان أن يحتملها، ولا يمكن أن تطبق فيها قاعدة المشقة تجلب التيسير.
النوع الثاني: مشقة تحتمل، لكنها أعظم من المشقة الأولى، وهذه المشقة هي التي يطبق فيها قاعدة المشقة تجلب التيسير، كالمرض والسفر والإكراه، فهذه مشقاق متوسطة ممكن أن تحتمل، وأن يترخص فيها المرء.
وهذه المشاق فيها رخصة وفيها عزيمة، كالصيام في السفر فإن من أراد أن يأخذ الأجر مضاعفاً فعليه أن يصوم في السفر، وهذا مستنبط من قول النبي ﷺ لـ عائشة ﵂ وأرضاها: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك) أي: على قدر نصبك أيضاً: فالأجر على قدر المشقة، ولذلك قال العلماء: مضاعفة الأجر على قدر المشقة.
وإما أن يترخص فيفطر ولا شيء عليه، كما قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وليس أجره كالأول، ومثلها قصر الصلاة في السفر.
وأما النوع الثالث: مشقة لا تحتمل، كالجوع القاتل، ولم يجد المرء طعاماً إلا الميتة، فهذا لا ترخيص له، ولا نظر لرخصة ولا عزيمة، بل هذا فيه العزيمة فقط، فيجب عليه في مثل هذه المشقة أن يستجلب التيسير، وإلا سيأثم عند ربه جل في علاه، ويحاكم بأنه قتل نفسه.
فلو وقفت اللقمة في حلقه ولا يستطيع دفعها إلا بالخمر، ولا يوجد ماء بحال من الأحوال، فلو لم يشرب الخمر فمات مات على معصية؛ لأنه قاتل نفسه عند ربه جل في علاه، بل يجب عليه أن يأخذ بالرخصة وأن يدفع الغصة بالخمر، وتكون هذه الرخصة عزيمة إن هو أخذ بها؛ لأنه يعزم عليه ذلك.
стр. 73
قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق
стр. 74
تطبيق القاعدة على الصلاة
ومن فروع هذه القاعدة، قاعدة عظيمة جداً وهي قول الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، يعني: إذا وقع الحرج على المكلف في تطبيق الشرع، فيتسع الأمر له، ويترخص ليرفع عنه الحرج، أما إذا رجع حاله كحال الميسور فيرجع الأمر كما كان.
ودليل هذه القاعدة: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:١٠١ - ١٠٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣]، فصدر الآية يبين القول الأول وهو: إذا ضاق الأمر اتسع، وعجزها يبين لنا القول الثاني: وإذا اتسع ضاق، فقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وآخر الآية أيضاً فيها دليل على قولهم: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، أي: إذا كان المكلف في تطبيق الشرع في حرج وضيق عليه، فإنه سيتسع له الأمر وسيترخص ولا عتب عليه ولا ملامة، وإذا اتسع الأمر، وزالت عنه المشقة أو الحرج، فيرجع الأمر كما كان.
إذاً: فدليل القاعدة: صدر الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١]، وكذا عجز الآية، وهو قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
أي: لما خاف المسلمون من المشركين أن يقتلوهم ضاق الأمر عليهم، ثم اتسع اتساعاً كبيراً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١]، فإذا ضاق عليهم الأمر بالخوف، فالتوسعة عليهم بقصر الصلاة.
وتيسير ثان في تغيير هيئة الصلاة أي: صفتها، فبعض الصفوف تصلي أولاً والصفوف الأخرى هي التي تحميهم، وممكن أيضاً في أوج الخوف -وهو المقاتلة بالمسايفة-: أن يصلي المسلم راجلاً أو راكباً على فرسه، وهذا أيضاً من باب التيسير، أي: إذا ضاق عليكم الأمر واشتد الضيق فإن التيسير سيأتي من أوسع أبوابه فتقاتلون وتصلون، كما قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قاعدين، قائمين، نائمين، مقاتلين، يصلون حسب حالهم، وهذا من باب التيسير.
أما الشطر الثاني للقاعدة، وإذا اتسع ضاق فيؤخذ من معنى الآية، أي: إذا اطمأننتم ورجعتم إلى المدينة وزال الخطر فصلوا قائمين ولا تصلوا قاعدين ولا ماشين ولا بأي هيئة أخرى، وأيضاً صلوا في الوقت ولا تجمعوا.
ومن أدلة القاعدة قول النبي ﷺ : (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)، أي: إذا ضاقت عليك الصلاة قائماً فصل قاعداً، وإذا ضاقت عليك الصلاة قاعداً فصل على جنب.
стр. 75
تطبيق القاعدة على المدين
ومن صور هذه القاعدة التي هي فرعاً للقاعدة الأم: أنَّ المدين -أي: الذي عليه دين- وضاق عليه سداده، فإنه يمهل إلى أن يتيسر له ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
أما قوله ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) فهذا عام مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وهذا واجب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠]، يعني: يجب عليكم النظرة، ويستحب لكم التصدق، وهذه الآية فيها دلالة على تدرج المسألة، فوجوباً النظرة إلى ميسرة، ثم التصدق.
أما قوله ﷺ : (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) فمفهوم المخالفة: إن لم يكن غنياً فليس بظالم، فليس له عليه سبيل.
وتطبيق القاعدة هنا: أن الأمر ضاق على الرجل المدين فليس معه مال ليسدد دينه، ففتح له الشرع باب التيسير، وهو النظرة إلى ميسرة.
стр. 76
تطبيق القاعدة على شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال
أيضاً من ذلك: الشهادة على الولادة وغيرها، فإذا ضاق الأمر على الرجال فلا بد أن نحيله على النساء، ولذلك قال العلماء: نقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه إلا النساء.
وشهادة النساء منفردات لا تقبل، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْن) [البقرة:٢٨٢]، فهذا شرط، يعني: النساء أصالة لا يدخلن في الشهادات، فإن لم يكونا رجلين وهما الأصل، فتقبل شهادة الفرع وهي المرأة، قال تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهذه الآية استدل بها على أن الأصل أن لا تقبل شهادة النساء منفردات، لكن هنا نقول: ضاق الأمر على الرجال فمن ينظر للمرأة عندما تلد؟ ومن يقول: إن هذه أختها من الرضاعة أو ليست أختها من الرضاعة؟ كيف نقبل بشهادة رجل في مسألة الولادة والولادة لا تكون فيها إلا النساء، فضاق الأمر على الرجال فلما ضاق اتسع، ولما كان الأصل عدم قبول شهادة النساء فإنا نقبل هنا شهادتهن، فإذا اتسع كما في مسألة البيوع أو مسألة القذف أو مسألة الزنا، فلا بد من الرجال؛ لأن الرجال في هذه المجالات يتواجدون، فنقبل شهادة الرجال ولا نقبل شهادة النساء.
стр. 77
تطبيق القاعدة على مباشرة الحائض
أيضاً من المسائل التي فيها إذا ضاق الأمر اتسع: الرجل الذي يريد أن يجامع امرأته ولكنها حائض، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فضاق عليه الأمر فلا يستطيع أبداً أن يجامع امرأته في فرجها، فرخص له الشرع بأن الحائض تستتر بالإزار ويباشرها، كما فعل الرسول ﷺ .
قال النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا الجماع)، وهذا نص في العموم، وهذه آخر الصور في هذا الفرع.
стр. 78
قاعدة لا واجب مع عذر ولا حرمة مع الضرورة
стр. 79
أدلة هذه القاعدة
أيضاً من فروع قاعدة المشقة تجلب التيسير، قاعدة: لا واجب مع عذر، ولا حرمة مع الضرورة، ودليل هذه القاعدة قول النبي ﷺ : (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)، وقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ومعنى هذه القاعدة: أن الواجب على المكلف أن يأتي بالعبادة على صورتها التي أمر الله بها، فإن ضاق عليه أو لم يستطع أو جاءه العذر، فإن هذا الواجب يسقط، فقول النبي ﷺ : (صل قائماً)، فيه أن الواجب على المصلي أن يأتي بركن القيام، فإن لم يستطيع أن يصلي قائماً، فقد سقط عنه القيام بوجود العذر، وهذا صريح قول النبي ﷺ : (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).
стр. 80
تطبيق القاعدة على صلاة المنفرد خلف الصف
ومن أهم الصور لهذه المسألة، صورة مهمة جداً، وهي صلاة المرء منفرداً خلف الصف، فهذه المسألة تطبق عليها قاعدة لا واجب مع عذر.
قال النبي ﷺ (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، واختلف العلماء في ذلك اختلافاً عظيماً: فالجماهير يرون أن الصلاة خلف الصف على الكراهة وليست على التحريم، ومنهم: الشافعي، فهو يستدل على صرف النهي من التحريم إلى الكراهة، بحديث أنس -لما فرش الحصير الذي اسود وبله بالماء-: أن النبي ﷺ صلى بهم، فـ أنس صف خلفهم وصف معه الغلام، وصفت المرأة خلفهم منفردة، فقال: لو كانت المسألة على التحريم لصفت المرأة في جانب الرجال، ففي هذا دلالة على صحة صلاة المنفرد خلف الصف.
وأيضاً استدلوا بحديث أبي بكرة: أنه دخل المسجد فكبر، فحين تكبيره كان منفرداًِ خلف الصف، ثم مشى إلى الصف، والنبي ﷺ لم ينهه عن ذلك، ففي ذلك دلالة على أن صلاة المنفرد خلف الصف على الكراهة لا على التحريم.
وعند ابن حزم -وهو قول لبعض الحنابلة-: أن الصلاة تبطل.
والراجح الصحيح الذي لا نحيد عنه، خروجاً عن المذهب: أن من صلى خلف الصف منفرداً فإن صلاته باطلة؛ لأن النهي هنا للتحريم، فيحرم على المنفرد الصلاة خلف الصف.
والمصلي خلف الصف منفرداً له أحوال كالتالي: الحالة الأولى: أن يجد فرجة في الصف، فيتركه ويصلي منفرداً في الصف الذي يليه؛ لأنه لا يريد أن يصلي بجوار فقير أو من له رائحة كريهة.
الحالة الثانية: إذا صلى في الصف ازداد جرحه أو مرضه، فصلى خلف الصف من أجل المرض.
الحالة الثالثة: بحث في الصفوف ونظر فلم يجد فرجة، فصلى خلف الصف.
فنحن رجحنا: أن النهي عن الصلاة خلف الصف منفرداً تكون حراماً، والصلاة تكون باطلة.
أما الحالة الأولى: فالرجل الذي صلى خلف الصف منفرداً، ووجد الفرجة ولعلة من العلل لم يدخل فيها، فهذا وجب عليه إعادة الصلاة؛ لأن صلاته باطلة؛ فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ومطلق النهي يقتضي الفساد، وهذا الرجل ليس معذوراً؛ ولأن النبي ﷺ قال: (سدوا الفرج، فمن سد الفرجة رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة، وبنى له بها قصراً أو بيتاً في الجنة).
فقاعدة لا واجب مع العذر لا تطبق هنا.
الحالة الثانية: الرجل المريض الذي لا يستطيع أن يكون بقرب أحد، فصلى منفرداً، قال بعض العلماء: صلاته على الكراهة، أي: صحيحة لكنها ناقصة، وقلنا: هذا القول مرجوح، والراجح الصحيح: أن صلاته باطلة؛ لأنه صلى منفرداً خلف الصف، وكان باستطاعته أن يصلي بجانب الإمام.
الحالة الثالثة: الرجل الذي لم يجد فرجة، ولا فتحة يصل منها إلى الإمام، فصلى منفرداً خلف الصف، وكان باستطاعته أن يجذب رجلاً ويصلي معه فلا يكون منفرداً، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ أنه من دخل المسجد فما وجد فرجة في الصف فعليه أن يجذب رجلاً فيصلي بجواره حتى لا يقع في النهي، لكن هذا الحديث ضعيف والحجة في الصحاح، فما دام وأنه لم يجد فرجة ولا فتحة يذهب منها للإمام فصلاته صحيحة، والدليل على ذلك من الأثر ومن النظر: أما الأثر: فقال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
وأما النظر فالقاعدة عند العلماء: لا واجب مع العذر، فالواجب عليه: أن يسد الفرجة، والعذر: أنه لم يستطع ذلك، فصلى منفرداً خلف الصف، فالعذر هنا منع من التحريم أو منع من الإثم، ومنع أيضاً من بطلان الصلاة، فصحت الصلاة.
стр. 81
تطبيق القاعدة على من تقدم على إمامه في الصلاة
الصورة الثانية لهذه المسألة: رجل تقدم على إمامه في الصلاة فصلاته باطلة، وكذا إن امرأة تقدمت على امامتها من النساء، فصلاتها باطلة؛ لأن هذا الفعل لم يرد عن النبي ﷺ لا قولاً ولا فعلاً ولا تقريراً، وقد قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال أيضاً (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
والنبي ﷺ كان يصف الصفوف خلفه، فمن خالف الشرع ينطبق عليه حديث النبي ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فصلاتهما باطلة؛ لأن مطلق النهي يقتضي الفساد.
لكن إذا دخل الرجل المسجد فوجده يضج بالناس، وما فيه إلا موضعاً أمام الإمام، فتصح صلاته أمام الإمام؛ لأنه لا واجب مع العذر؛ والمشقة تجلب التيسير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 82
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - لا ضرر ولا ضرار وقاعدة الضرر يزال
الضرر والإضرار ممنوع في الشريعة، وذلك هو ما جاء في الحديث، وقعَّد عليه العلماء قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، فلا ضرر ابتداء، ولا ضرار جزاء ومقابلة، وهذه القاعدة العظيمة تعكس عظمة الإسلام في منع الضرر عن الناس، وتندرج تحت هذه القاعدة عدة فروع فقهية.
стр. 83
قاعدة لا ضرر ولا ضرار
стр. 84
معنى القاعدة وأهميتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: مازلنا مع القواعد الفقهية، ولعلنا ننتهي من الجزء الأول منها.
سيكون الكلام عن قاعدة عامة مهمة جداً ألا وهي قاعدة: الضرر يزال.
نقول: لا ضرر ولا ضرار، وهذا هو التعبير الأنسب عنها؛ لأننا جعلناها نص الحديث، وصغناها بعموم مسمى الدليل، وهذا يكون أنسب لها، فهي قاعدة الضرر يزال، أو لا ضرر ولا ضرار.
стр. 85
معنى القاعدة
الضرر معناه: إيصال المفسدة للغير.
والضرار هو: مقابلة الضرر بالضرر.
فالقاعدة لها شقان: الشق الأول: لا ضرر يعني: لا ضرر ابتداء.
والشق الثاني: لا ضرار يعني: لا يقابل الضرر بالضرر.
إن هذه القاعدة العظيمة الجليلة تدخل في أبواب شتى من أبواب الفقه، ولذلك فإن كثيراً من أهل العلم يحتجون بها ويولونها اهتماماً عالياً، فإنها تدخل في البيوع، وتدخل في العبادات، وتدخل كثيراً في الحدود هذا عموماً وتدخل في باب القضاء خاصة.
стр. 86
دليل القاعدة وأصلها
إن دليل هذه القاعدة وركنها هو الحديث المتكلم فيه، وقد رواه مالك في الموطأ مرسلاً، ورواه الحاكم ووصله وغيره، وهو قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
ولذلك كانت صيغة صياغة القاعدة نفس الحديث، وهناك أدلة كثيرة يستنبط منها التقعيد لهذه القاعدة، فمنها: حديث النبي ﷺ (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره).
ومنها قول الله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وأيضاً قوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١].
وهذه القاعدة من أجل القواعد الكلية التي تدور عليها المسائل الفقهية.
стр. 87
أقسام الضرر
ينقسم الضرر إلى نوعين: ضرر بحق، وضرر بغير حق.
أما الضرر بحق فهو غير ممنوع شرعاً بل يجب على الإنسان أن يطبقه، وهو الضرر الذي يبلغ الإنسان بجريرته أو بجريمته كقطع يد السارق، فهذا ضرر على السارق، وكذلك القتل للقاتل فهذا ضرر لاحق بالقاتل، وهذا الضرر يسمى: الضرر بحق.
فلا يستطيع أحد أن يقول: إنكم عندما تفعلون ذلك تنفرون الناس! فهذا السارق بدلاً من أن تنصحوه أو تحبسوه عاماً أو عامين لعله يرجع، تقطعون يده، فأنتم بهذا تنفرون الناس عن الإسلام! والقاعدة عندكم لا ضرر ولا ضرار.
وقائل ذلك نقول له: هذا الكلام حق أريد به باطل، فإن الضرر بحق غير ممنوع شرعاً.
كذلك رجم الزاني المحصن، أو جلد الزاني البكر، فإن هذا من الضرر بحق.
النوع الثاني: ضرر بغير حق، والضرر بغير حق هو التعدي على أموال الغير، أو التعدي على أعراض الغير، فهذا إضرار بغير حق، وهذا هو الذي تعنيه هذه القاعدة، وتقول: إن هذا الضرر محرم يأثم صاحبه، بل ويعاقب عليه أو يعزر؛ لقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
стр. 88
تطبيقات قاعدة لا ضرر ولا ضرار
إن تطبيقات هذه القاعدة العظيمة الجليلة كثيرة نذكر هنا بعضها.
стр. 89
طلب المرأة طلاقها من زوجها
لا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تطلب الطلاق من زوجها، وذلك من تطبيقات هذه القاعدة.
لكن لا بد من عمل قيد لتطبيق هذه القاعدة على مسألتنا هذه، وذلك بأن نزيد على القاعدة قيداً وهو: في غير ما بأس، يعني: أنه لو وجد بأس فيجوز للمرأة أن تطلب الطلاق، وتدخل تحت القاعدة: لا ضرر ولا ضرار.
وكيفية تطبيق هذه القاعدة على هذه المسألة أن تقول: إن المرأة التي تطلب الطلاق في غير ما بأس قد أوقعت الضرر بزوجها، والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار.
وأنواع الضرر هنا كثيرة: منها أنها تعرضه للفتنة، ومنها: أنها تكسر قلبه فتوقع عليه الظلم، ومنها: أنها تجعله يظن الظنون بكل المسلمات أو الملتزمات أنهن كذلك، فنقول لها لا يجوز أن تطلبي الطلاق فتضيعي وتضيعي، والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار، إلا أن تجيب وتقول: إن هنالك بأساً، فيباح لها.
والدليل: ما جاء صريحاً في قول النبي ﷺ : (أيما امرأة طلبت الطلاق من زوجها في غير ما بأس فالجنة عليها حرام)، أو قال: (لم ترح رائحة الجنة)، أو كما قال ﷺ .
стр. 90
طلب المرأة من زوجها طلاق أختها
ومن صور تطبيق هذه القاعدة مسألة: طلب المرأة طلاق أختها: وقد قال النبي ﷺ : (لا تطلب المرأة طلاق أختها لتكفأ صحفتها، أو لتأخذ ما في صحفتها).
والحديث ظاهره أن المراد أختها الشقيقة، أو الأخت من أم، والقاعدة عند العلماء أن اللفظ يبقى على ظاهره ما لم تأت قرينة تصرفه، ولكن ليس المراد بأختها هنا الأخت النسبية والقرينة الصارفة لهذا الظاهر هي نصوص أخرى، (فقد نهى النبي ﷺ أن يجمع المرء بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها).
وكذلك يصرف إرادة هذا الظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]، يعني: ليس لكم أن تجمعوا بين الأختين، وهذا النهي يكون صارفاً لظاهر الحديث أن يراد به الأخت النسبية.
بل المراد به أخوة الإسلام، ودليل إخوة الإسلام قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقول النبي ﷺ (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله، وإنما هي أخوة الإسلام).
فظهر بذلك معنى قول النبي ﷺ .
فقد تكون المرأة شديدة الغيرة، وتكون ضرتها أجمل منها، أو ألطف منها، أو أحسن منها حديثاً، وألين تعاملاً مع زوجها، فيكون الزوج إذا دخل بيت الأولى يكتئب لكنه يتقي الله في أداء حقها، فإذا دخل بيت الأخرى ينشرح صدره، وتلمس المرأة الثانية ذلك منه، وهي أم أولاده عنده فتقول: لا بد من طلاقها أو طلاقي، أو لا بد أن تطلق الأخرى، فيقال لهذه: اتقي ربك فلا يجوز لك أن تفعلي ذلك.
فلو قالت: هاتوا الدليل من التقعيد الفقهي لا من الأثر، فيقال لها: إن القاعدة الفقهية تقول: لا ضرر ولا ضرار، وأنت بذلك توقعين الضرر بأختك في الإسلام، وتوقعي الظلم عليها، ولعلها إذا طلقها لا تجد غيره يسترها ويتزوج عليها، بل لعلها تموت بذلك، ولا يجوز إنزال الضرر ابتداء، ولا جزاء.
ونرد عليها أيضاً بأن الله قد أباح التعدد فلا يجوز أن تحرم ما أباحه الله، هذا سنقوله للتي طلبت الطلاق.
ونقول للأخرى: حتى لو أوقعت ضرتك بك الضرر فليس لك مقابلة الضرر بضرر.
стр. 91
رد السلعة بالعيب
ومن تطبيقات هذه القاعدة مسألة بيع السلعة المعيبة دون إظهار العيب: فلو أن رجلاً اشترى سيارة فيها عيب، والبائع رجل مؤتمن، وكان ينوي بيان العيب فغفل أو تغافل فلم يخبره، فجاء المشتري بعد أن وجد العيب إلى القاضي وأخبره بالعيب، فقال القاضي: يا بني هل هذا العيب استجد وهو عندك، أم كان قديماً؟ فقال: كل الخبراء الذين رأوا العيب قالوا: إنه كان قديماً ولم يستجد عندي.
فقال القاضي: لقد تم البيع ولكن لك الخيار، فإما أن تختار إتمام الصفقة، أو أن ترد المبيع إلى صاحبه؛ لأنه عندما باع لك هذه السارة قد أوقع بك الضرر، وهذه السيارة قد اشتريتها أنت بخمسين ألفاً، وهي بالعيب الذي فيها تساوي ثلاثين ألفاً فقد ظلمك، والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار.
فلو قال المشتري: سأذهب إليه وآخذ ثلاثين ألفاً بدلاً من العشرين ألفاً التي ظلمني بها، فقال له القاضي: ليس لك ذلك؛ لأننا كما أجزنا لك الخيار بقاعدة (لاضرر)، فإننا لا نجيز لك الاعتداء بشطر القاعدة الباقي وهو: (لا ضرار)، فلا ضرر ابتداءً، ولا ضرار جزاءً، لكن لك الخيار في الرد أو الإتمام، وبذلك يزول الضرر والإضرار.
стр. 92
الأرض المثمرة إذا أطلت على محارم الناس
ومن الصور التي تطبق عليها هذه القاعدة مسألة الأرض التي فيها ثمر لرجل، ولكنها تطل على بيت لرجل آخر وعنده بنات لا ينتقبن، ويكن في البيت بزي مهنة البيت، فالثمر قد أينع وجاء وقت الحصاد وتسلق الأشجار لجني الثمر، فوقع النظر إلى ذلك البيت؛ ليرى محارم الناس.
وقد يكون هذا الرجل صالحاً، ولكنه ليس بفقيه، فلبس عليه إبليس وأوقعه فيما أوقع فيه برصيصاً العابد فقد كان عابداً زاهداً تقياً ورعاً صالحاً، لكنه لما كان جاهلاً أوقعه الشيطان في الحرام.
فصاحب الأرض لو قيل له: عليك أن تقطع هذه الشجرة، فسيقول: هذا إتلاف لمالي وضرر عليَّ.
فيقال له: إنك أوقعت الضرر بالناس عندما تتسلق هذه الأشجار فتنظر إلى النساء المحرمات عليك.
فسيقول صاحب الأرض: لا ضرار.
وكذلك لو قيل له: لا يجوز أن تتسلق الشجر؛ لأنك تضر الآخرين بالنظر.
لكن نقول: نمنعك فقط من التسلق دون إتلاف مالك، فتأخذ عصا فتنزل بها الثمار دون أن تتسلق.
وكذلك لو قال الفقيه لصاحب البيت: سد نافذة بيتك، لئلا ينظر صاحب الأرض لمحارمك، فسيقول: إن هذا إضرار بي، فالبيت ملكي وأحتاج نافذته لدخول الهواء، والتصرف في الملك لا محظور فيه، فيكون الفقيه هنا قد طبق شطر القاعدة ونسي شطرها الآخر.
بعد ذلك يكون أنسب حل لتطبيق قاعدة لا ضرر ولا ضرار أن نقول لصاحب البيت عليك أن ترفع نافذتك إلى حد بصرك بحيث لا يراك الجار، وما بقي منها يدخل منه الهواء.
ونمنع الرجل من النظر إلى الحرام، فنكون قد طبقنا قاعدة لا ضرر ولا ضرار، فيزول الضرر والضرار.
وهذه بعض صور تطبيقات هذه القاعدة، ولها فروع كثيرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 93
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها
من رحمة الله بعباده أن أباح لهم بعض ما حرم عليهم عند الضرورة، لكن هذه الضرورة تقدر بقدرها، فمن تجاوز قدر الضرورة فقد بغى واعتدى.
стр. 94
معنى قاعدة الضرورة تقدر بقدرها وأدلتها
стр. 95
معنى القاعدة وأدلتها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سنتحدث عن قاعدة: الضرورة تقدر بقدرها، والقاعدة العامة: الضرورات تبيح المحظورات، قد شرحناها سابقاً وأتينا بالأدلة عليها.
الأدلة التي تثبت هذه القاعدة هي: قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
فقاعدة: الضرورة تقدر بقدرها متممة لهذه القاعدة، ومعناها: إذا أعوز المرء إلى ارتكاب شيء محرم فلا يجوز له أن يتجاوز حاجته، ودليل هذا التقييد لهذه القاعدة الكلية العامة قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣].
فلا يتعدى ولا يتجاوز حدوده، فمثلاً: لو كان في صحراء وتضور جوعاً وكاد أن يهلك وليس عنده من الطعام إلا الخنزير أو الميتة، فنقول له: تأكل ما تسد به الرمق وتدفع به عن نفسك الهلاك فقط، فإن زدت فقد أثمت؛ لأنك اعتديت وبغيت.
стр. 96
تطبيقات فقهية على قاعدة الضرورة تقدر بقدرها
стр. 97
مسألة المسح على الجبائر
الضرورة تقدر بقدرها، ولها فروع كثيرة جداً، تدخل في العبادات وغير العبادات.
فمن تطبيقاتها في العبادات: الجبيرة: يعني: رجل كسرت يده، فأراد أن يضع الجبيرة على يده، فنقول: لا بد أن يضع الجبيرة على مكان الكسر فقط ولا يتعداه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها؛ لأن الوضوء يلزم الإنسان بأن يغسل يديه إلى المرفقين، أو إلى العضد، فإذا وضع الجبيرة فإنه لن يغسل، فنقول له: القاعدة العامة الكلية: الضرورات تبيح المحظورات، فلا تغسل يدك، ولكن امسح على الجبيرة.
فجاء المقعد الآخر فقال: لابد أن نضبط هذه القاعدة الكلية ونقول له: إن الضرورة تقدر بقدرها، إن كان الكسر في الرسغ فلا يزيد إلى المرفق ولا يزيد إلى العضد، ولا يجوز بحال من الأحوال، وإن زاد قلنا: لا يصح المسح، ولو صليت بهذا المسح فإن عليك إعادة الصلاة.
إذاً: الضرورة وإن كانت تبيح المحظور تقيد بقولنا: الضرورة تقدر بقدرها.
стр. 98
بيع مال المدين لإعطاء الغرماء
وفي المعاملات: رجل مدين وجاء الغرماء فذهبوا إلى القاضي فقالوا: نريد أموالنا، وكأن الرجل مماطل، فقام القاضي باستدعائه فقال له: أنت مماطل، وقد قال النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته) ونحن سنعاقبك الآن، وذلك بأن نأخذ مالك رغماً عنك ونعطي الغرماء.
وكان عنده دنانير ودراهم، وكذلك عنده عقارات وسيارات وأموال أخرى، فنقول: إن الضرورة تقدر بقدرها، ائت بما عندك من الدنانير والدراهم، فإن وفت الغرماء حقهم وإلا نظرنا في العقارات التي لا يكون فيها خسارة عليه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
إذاً: الضرورات تبيح المحظورات، لكنها تقدر بقدرها.
стр. 99
تترس الكفار بالمسلمين
ومن فروع قاعدة الضرورة تقدر بقدرها: مسألة: تترس الكفار بأسرى المسلمين: وذلك بأن يكون المسلمون في حرب مع الكفار، والكفار أسروا بعض المسلمين فجعلوهم ترساً لهم، فجميع العلماء والفقهاء بأن هذه البلدة إذا لم تفتح، إلا برمي المسلمين مع الكافرين فإنهم يرمونهم وإن قتلوا المسلمين.
فقلنا لهم: إن حرمة دم المسلم معلومة وقطعية من الكتاب والسنة، قالوا: عندنا قاعدة تقول: الضرورات تبيح المحظورات.
قلنا: كيف ذلك؟ قالوا: الآن الضرورة أن ترفع كلمة لا إله إلا الله في بلاد الكفر، وأن نعبد الناس لله لا للبشر، فلا بد أن نخرجهم من الظلمات إلى النور، وقد قال النبي ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) وإن كان معهم بعض المسلمين، ولا يحدث الفتح ولا النكاية في الكافرين إلا بموت بعض المسلمين معهم، فليموتوا وسيبعثون إلى ربهم على نياتهم، والضرورات تبيح المحظورات.
فنقول لهم: نعم، الضرورات تبيح المحظورات لكنها تقدر بقدرها، وذلك بأن تنظروا أولاً في جميع النواحي لعلكم تجدون ناحية ليس فيها مسلم تدخلون منها، أما إن كانت النواحي كلها فيها مسلمون فارموا، ولكن إذا رميتم وقتلتم فلابد أن تضمنوا الدية لكل مسلم قتلتموه للورثة، فإن لم يكن لهم ورثة، فلا بد أن ترجع إلى بيت مال المسلمين؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
стр. 100
أكل المضطر من الغنيمة قبل قسمتها
لو أن رجلاً كان في جيش المسلمين فقاتلوا الكفار وغنموا الغنائم، فجاع هذا الرجل جوعاً شديداً قبل تقسيم الغنائم، فهل له أن يأكل منها؛ لأنه بسبب الجوع أشرف على الهلاك، والطعام أمامه من غنائم المسلمين وهو في دار الحرب؟ نقول له: ما دام أنك أشرفت على الهلاك فلك أن تأكل، والدليل القاعدة الفقهية التي استنبطناها واستقيناها من الآيات والآثار: الضرورات تبيح المحظورات، لكن هذه القاعدة ليست على الإطلاق وإنما هي مقيدة، والتقييد هو: الضرورة تقدر بقدرها، فنقول لك: كل من الغنيمة ما يسد الرمق فقط ولا تستكثر؛ لأنك إن استكثرت فقد وقعت في السرقة من الغنيمة.
стр. 101
إسقاط الجنين
لو أن امرأة ولدت طفلاً جميلاً، فأرضعته فجامعها زوجها فحملت وهي ترضع ذلك الطفل، فبعدما خف اللبن، فقالت: لا بأس، سنزيده باللبن الصناعي مع اللبن الطبيعي فبعد يوم أو يومين أو ثلاثة انقطع اللبن، فذهبت إلى طبيبة ثقة، فقالت: إنه سيموت إن لم يرضع منك، ولا تستطيعين أن ترضعيه إلا بأن تنزلي الحمل الذي في بطنك في أسبوع أو في أسبوعين أو في شهر، فوقفت حائرة هل أسقط الجنين أم لا؟ نقول: عندنا قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة: الضرورة تقدر بقدرها، فعندي ضرورة حياة الطفل الذي يأكل ويشرب وتعلق قلب المرأة به، والمحظور هو قتل النطفة الموجودة في بطن الأم، فنقول: هذه الضرورة تقدر بقدرها، وقدرها هو: إن لم يبلغ الحمل مائة وعشرين يوماً جاز أن تنزل الجنين ولا شيء عليها، وتبقي على الطفل، أما إن بلغ المائة والعشرين يوماً ونفخت فيه الروح، فأصبح روحاً مقابل روح فلا ضرورة هنا، ولا مجال لتطبيق هذه القاعدة؛ لأن ضرورة حياة الجنين في بطن أمه بعدما نفخت فيه الروح تساوي ضرورة حياة الطفل الذي يرضع من لبن الأم، فلا يجوز أن تنزله في حال من الأحوال.
стр. 102
استخدام اللولب
امرأة ولدت ثلاثة في بطن واحدة وعندها من قبل خمسة، ثم إنها ذهبت إلى الطبية الثقة فقالت لها: لا تستطيعين الحمل بعد ذلك، والعزل يمكن أن يحدث فيه التخصيب، وقد تحملين، ويمكن أن تموتي، لكن ركبي (اللولب)، فسألت: هل يحل تركيب (اللولب)؟ قلنا: تركيب (اللولب) محظور من أكثر من وجه: الوجه الأول: لا يركب اللولب لئلا تظهر العورة.
الثاني: إذا ركب اللولب فإن المرأة تضطرب عادتها، فإذا كانت العادة خمسة أيام أصبحت تسعة عشر يوماً.
الثالثة: إذا كانت الصفرة والكدرة لا تأتيها أصبحت تأتي الصفرة والكدرة.
الرابع: التي كانت تطهر بالجفاف أو إذا وجدت القصة البيضاء أصبحت مرة تجد الجفاف ومرة القصة البيضاء.
فهذه كلها محظورات بسبب تركيب (اللولب).
لكن قالت: إن الطبيبة الثقة قالت: ستموتين إن حملت.
قلنا لها: هناك ضرورة ومحظور، الضرورة المحافظة على حياتك، والمحظور تركيب (اللولب)، فقلنا لها: الضرورات تبيح المحظورات، ولك أن تركبي (اللولب)، لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ فإنها مقيدة بأن الضرورة تقدر بقدرها، وقدرها من وجهين: الأول: ألا يقع بصر الطبيبة على ما فوق المحل، يعني: أن تعري المحل الذي يكون فيه (اللولب) فقط، والباقي لا يجوز؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
الوجه الثاني: ألا يكون تركيب (اللولب) على الدوام ولا على الإطلاق.
ومن هنا نقول: تحرم مسألة الربط على الدوام، وإنما تبقى حتى تسترد عافيتها، ثم تقوم بإزالة هذا (اللولب).
إذاً: الضرورات تبيح المحظورات، لكن الضرورة تقدر بقدرها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 103
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
لقد نهى الإسلام عن مضرة الآخرين، وأصَّل في ذلك قاعدة تندرج تحتها كثير من المسائل العلمية، وهي: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والأدلة على هذه القاعدة ثابتة بالكتاب والسنة، ولها صور من الواقع الذي نعيشه.
стр. 104
بيان القاعدة الفقهية درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
стр. 105
المعنى العام لقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإنَّ القاعدة الفقهية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
والمفسدة: هي التي تلحق بمن وقعت عليه الضرر، وهي مرتبطة بقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
والمصلحة: هي التي تجلب المنفعة لمن كانت له هذه المصلحة.
والمعنى العام للقاعدة كما بينا في القواعد الفقهية: أنه إذا تعارضت مفسدة مع مصلحة فالأولى أن لا ننشغل بالمصلحة، بل الأولى إزالة المفسدة؛ لأن إزالة الضرر أولى من جلب المنفعة؛ لأن إزالة المفسدة أو درءها فيها منفعتان: المنفعة الأولى: عدم وقوع المفسدة.
المنفعة الثانية: تركُ المرء سالماً؛ لأن الضر إذا وقع على الإنسان فإنه يعيقه عن كثير من المصالح التي لا بد أن يتقدم لها.
ففيها منفعتان: قطع هذه المفسدة التي كانت ستقع، وأيضاً قطع أبواب مفاسد أخرى يمكن أن تجرها هذه المفسدة.
стр. 106
الأدلة على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
والأدلة على هذه القاعدة العظيمة العريضة التي يندرج تحتها كثير من المسائل العلمية: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨].
فالله جل وعلا نهى الصحابة الكرام أن يسبوا الآلهة أو يسفهوا أحلام من يعبد هذه الآلهة، مع أن سب الآلهة الباطلة ممدوح، بل محثوث عليه، وتسفيه أحلام من يفعل ذلك ممدوح، بل محثوث عليه، بل يثاب المرء إذا فعل ذلك، لكن منع الله جل في علاه هذه المصلحة لدرء مفسدة أعظم منها، أو لتعارض مفسدة مع هذه المصلحة، ألا وهي سب الله جل في علاه، فإن من أعظم المفاسد أن يسب الله جل في علاه.
ولذلك بين لنا الله جل في علاه قاعدة شرعية لا بد أن نسير عليها طيلة تعبدنا لله جل في علاه، ألا وهي: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن كان في سب الآلهة مصلحة فإن دفع المفسدة أولى.
ومن الأدلة التي تثبت ذلك: حديث النبي ﷺ عموماً: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا).
ففي هذا الحديث دلالة على هذه القاعدة العظيمة، ووجه الدلالة: أن أمر النبي ﷺ فيه منفعة، فسهل فيه وعلقه بالاستطاعة، وأمر بامتثال النهي مطلقاً لأنه مفسدة تجتنب، فالحديث يبين أن الشرع يهتم بالانتهاء عن المنهيات، بدفع المفاسد كلها.
فالمنافع فيها التسهيل، قال ﷺ : (فأتوا منه ما استطعتم)، أما في المنهيات وفي المفاسد قال: (فانتهوا).
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵁ وأرضاها وقال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها باباً منه يدخل الناس، وباباً يخرجون منه)، ولم يفعل ذلك النبي ﷺ .
فالمصلحة هنا: أن تكون الكعبة كما بنيت على عهد إبراهيم.
والمصلحة الثانية: أنه لا يفرق بين الناس، حيث إنَّ أهل مكة كانوا قد جعلوا مصعداً يصعد عليه الشرفاء ليدخلوا الكعبة، لكن الضعفاء أو الفقراء لا يدخلون.
فكان النبي ﷺ يريد مصلحة أعظم من ذلك ألا وهي عدم التفريق؛ لأن رب أشعث أغبر عند الله أفضل من آلاف من هؤلاء المعظمين، فقال: (ولجعلت لها باباً يدخل منه الناس)، والمصلحة العظمى: باب يخرجون منه خشية التزاحم.
فهذه مصلحة عظيمة جداً أن تبنى الكعبة على قواعد إبراهيم، لكن نازعت هذه المصلحة مفسدة فامتنع النبي ﷺ ، وهذا هو الشاهد، والمفسدة هي: حدوث الفتنة وهو ارتدادهم عن الإسلام، فإنَّ أهل مكة كانوا يعظمون الكعبة، ويعظمون الشعائر، فإذا رأوا النبي ﷺ يهدم الكعبة سيقولون: النبي ﷺ لا يعظم الكعبة فتحدث الفتنة بينهم، فيرتدون عن الإسلام؛ لأنهم لا يفقهون أن النبي ﷺ يبين أن هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم مصلحة كبيرة جداً، بل سيقولون: لم يعظم شعائر الله جل في علاه، كيف يأمرنا أن نعظم شعائر الله وهو لم يعظم شعائر الله حين هدم الكعبة؟ ومن الأدلة على ذلك: الرجل الذي جاء ينظر إلى النبي ﷺ وهو يقسم الغنائم، فقال: اعدل يا محمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
فقال النبي ﷺ : (ويحك، ومن يعدل إن لم أعدل)، وفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! فقام خالد بن الوليد، وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال له النبي ﷺ : لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).
فوجه الدلالة في هذا الحديث قوله: (لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداًً يقتل أصحابه) فالمصلحة: كل من تطاول على رسول الله ﷺ فحده القتل حتى لا يتجرأ أحد على رسول الله ﷺ .
وأما المفسدة: فهي أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وتحدث مفسدة ناجمة عن ذلك بعدم دخول الناس في الإسلام خوفاً، فيقولون: ما من أحد يكلم هذا الرجل إلا وقتله.
إذاً: في قتل هذا المنافق مفسدة وهي تنفير الناس عن النبي ﷺ وأصحابه، فقدم درؤها على مصلحة قتله.
стр. 107
تطبيقات قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة
стр. 108
صلاة الجنب من غير اغتسال إذا أدى غسله إلى كشف العورة
الصورة الأولى: امرأة كانت تسافر في صحراء، فنامت فأجنبت، فأرادت أن تغتسل فلم تجد سترة تستتر بها، وأرادت أن تصلي، وكانت الصلاة قرب سقوط حاجب الشمس.
فالمصحلة: الاغتسال والطهارة من أجل الصلاة، والمفسدة: أن تكشف عورتها أمام الأجانب.
والحكم الصحيح: أنها لا تغتسل؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
فعندنا مصلحة نجمت، ألا وهي الاغتسال لرفع الحدث من أجل الصلاة، وعندنا مفسدة نازعت هذه المصلحة وهو تعري المرأة أمام الرجال، وفي ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله جل في علاه.
صورة أخرى: قام رجل بين رجال جنباً، وأراد أن يغتسل، وليس ثمة سترة.
فالمفسدة هنا: كشف العورة، والمصلحة: الاغتسال من أجل الصلاة.
فمن العلماء من خفف فيها وقال: هذه مفسدة خفيفة، فيضع يده على العورة ويغتسل، لا سيما أن بعض العلماء قالوا: العورة القبل والدبر فقط، بل ابن حزم ارتقى وقال: عورة الرجل في الصلاة وخارج الصلاة القبل والدبر، يعني: لو أخذ غصن شجرة فستر القبل وستر الدبر فصلاته صحيحة.
والعورة مختلف فيها، هل الورك يدخل في العورة أمْ لا؟ وهل هي من السرة والركبة أم لا؟ والمقصود: أنهم اختلفوا في هذه المسألة؛ لأن المفسدة خفيفة، فالمسألة مختلف فيها، والقول الراجح: أنه يخلع ثيابه، ويستر عورته أو ذكره بيده ثم يغتسل.
стр. 109
بيع المخدرات
صورة أخرى: رجل كان يقف على جبل، فيقطع المخدرات ويبيعها، وقلنا له: حرام، قال: اتق الله أما علمت أن الله خلق المنافع للناس، وإني آخذ من هذه المنافع.
قلنا: ما هي المنفعة؟ قال: راحة الناس، وأيضاً: استجلاب المال فهو يدر عليَّ الربح الذي أطعم به أولادي.
نقول: حكم هذا البيع: أن هناك مفسدة نازعت المنفعة، ألا وهي إفساد الآخرين.
والمنفعة كما يقول: أما رأيت الرجل دائماً يرى نفسه قوياً، ويقول: أنا قوي جداً وهو يمشي في الشارع، فيرى شجاعته متمثلة وتتجسد أمامه إذا شرب هذه المشروبات، والأصل في البيع الحل، وهناك تراضٍ بين المشتري والبائع، وقد طبق في البيع كل الشروط والأركان، وفيها منفعة له وللمشتري.
والردُّ عليه: أنَّ هذه المنفعة ليست مصلحة بأي حال من الأحوال، فإنه يقف أمام هذه المنفعة مفسدة، فالشريعة جاءت بحفظ خمس كليات منها العقل، وبالمخدرات يزول العقل، فزوال العقل مفسدة تخالف مقاصد الشريعة، والمتعامل بالمخدرات يقع تحت اللعن شرعاً، كما قال ﷺ : (لعن الله شارب الخمر)، وشرب المخدرات مثل شرب الخمر.
فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والدليل على ذلك بالتصريح من قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، فالخمر فيه منفعة أيضاً، ولكن إثمه أكبر، وقد غلب ضرره على النفع، ولذلك فرع العلماء على هذه القاعدة، فقالوا: إذا تعارض حاظر ومبيح غلب الحاظر على المبيح.
стр. 110
فتح نافذة تطل على عورات الجار
صورة أخرى من هذه الصور: رجل يريد أن يفتح نافذة في بيته وهذه مصلحة، ولكن هذه النافذة تطل على نساء غيره، أو على غرفة نوم الرجل مع أهله.
فنقول: النافذة منفعة لك، والمفسدة أن تتطلع على عورات الجار، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وإن كانت النافذة في ملكك.
следующие страницы →