← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37693

تيسير أصول الفقه للمبتدئين

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الحكم الشرعي يسمى خطاب الشرع للمكلفين: الحكم الشرعي، وهو ينقسم إلى: تكليفي، ووضعي، وينقسم التكليفي إلى أقسام: منها الواجب، وهو طلب الفعل على وجه اللزوم، وله سبعة مباحث هي: الفرض الكفائي والعيني، والتخيير والترتيب، والتضييق والتوسيع، والقضاء، وقد خالف الأحناف الجمهور في الفرق بين الفرض والواجب بحسب الدليل إن كان ظنياً أو قطعياً، وهو خلاف لفظي في الفقه حقيقي في العقائد.

стр. 2

تعريف الحكم الشرعي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: الأصل لغة: ما يبنى عليه غيره. واصطلاحاً: ما يبنى عليه الأحكام الشرعية. ويطلق الأصل على معان متعددة، كالدليل، تقول: الأصل بأن الجدة ترث السدس الإجماع، أي: أن الدليل على توريث الجدة السدس: الإجماع. ومن معانيه: الراجح، كأن تقول: الأصل في الكلام أن يكون على الحقيقة لا على المجاز، مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فاليد هنا يد حقيقة، فلله يد وأصابع وأنامل على ما يليق به جل وعلا. والحكم الشرعي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. قوله: (خطاب): (الخطاب) مبتدأ مضاف و (الشارع) مضاف إليه. وقوله: (الشارع): هو الله جل وعلا، لأنه لا حكم إلا لله، فكل تشريع من غير الله باطل. وقد اختلف أهل الأصول: هل رسول الله ﷺ مشرع أم ناقل للشرع؟ وهذه المسألة تتفرع على أصل وهو: هل النبي ﷺ يجتهد أو لا؟ فبعضهم يقول: إن النبي ﷺ مشرع؛ لأنه يفتى في مسائل فيبت فيها، وبعضهم يقول: هو ليس بمشرع، ولكنه ناقل للشرع، وهذا هو الصحيح؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 3

حجية السنة النبوية خطاب الشارع: هو كلام الله جل وعلا، ويقصد به القرآن، وأيضاً تدخل معه السنة، وإذا قلنا: (خطاب الشارع) فالمراد به: المتواتر وغير المتواتر، فالقرآن تكلم الله به وسمعه منه جبريل، ونزل به إلى محمد ﷺ ، وكذلك الأحاديث القدسية الله جل وعلا تكلم بها، والنبي ﷺ ينسبه إلى الله جل وعلا، أي: أن النبي ﷺ لا ينفرد به، والراوي عن الرسول ﷺ يقول: قال رسول الله: قال الله تعالى. إذاً: الحديث القدسي يختلف عن السنة؛ لأن النبي ﷺ ينسبه إلى الله، وكذلك يختلف الحديث القدسي عن القرآن، إذ القرآن لفظاً ومعنى من الله جل وعلا، وأما الحديث القدسي فلفظه من الرسول ﷺ ، لكن معناه من الله جل وعلا، إذ ينزل جبريل بالمعنى والنبي ﷺ يأتي باللفظ، والسنة تنسب إلى رسول الله، لكننا نقول أيضاً: السنة وحي من الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، فهذا إلزام وليس بدليل، فأنا ألزمه بما أتى به النبي ﷺ ، لكني أريد دليلاً على أن السنة وحي من الله جل وعلا، وإذا أثبتنا أن السنة وحي من الله، سنرد على القرآنيين الذين ينكرون السنة. والدليل أن السنة وحي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، ووجه الدلالة علمياً: (إن) هنا بمعنى: ما نافية، فهي نفي إثبات يفيد الحصر، (إن) و (إلا) وأصلها: ما هو إلا وحي يوحى، ولفظة: (وحي) نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فكل ما يتكلم به النبي ﷺ فهو وحي يوحى. وأوضح من ذلك تصريحاً: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فآيات الله: القرآن، والحكمة: السنة؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، أقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله) وأقف، وأقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من الحكمة) فالحكمة غير الآية، فالآية هي: القرآن، والحكمة هي: السنة، يقول الشافعي: بالاتفاق آيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: السنة. ويوضح ذلك جلياً ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ألفين -أي: لا أجدن- أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: اعرضه على كتاب الله فما وافق كتاب الله أخذنا به وما لم يوافق لم نأخذ به، ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه) والمثلية هنا تدل على المساواة، وإن كان هناك تفاوت في القدسية، فالسنة أيضاً وحي يوحى من عند الله جل وعلا. إذاً: فخطاب الشارع -أي: الوحي الذي نزل به جبريل على النبي ﷺ هو: قرآن وسنة، والإجماع أيضاً يدخل معه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يكون إلا بدليل؛ لأن الله أبى أن تجتمع هذه الأمة إلا على حق، والحق إما من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ .

стр. 4

شرح تعريف الحكم الشرعي قوله: (المتعلق بأفعال المكلفين): خرج به: اعتقادات المكلفين، مثل: الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان، أو صفات الله، أو عذاب القبر ونعيمه، أو أفعال الله جل وعلا، والقرآن فيه آيات تثبت أفعال الله وأسمائه وصفاته، فهذا لا يبحث فيه الأصوليون. وقوله: (الاقتضاء): معناه: الإلزام بالفعل أو بالكف. والإلزام بالفعل يعني: الوجوب، وينسحب معه الاستحباب، والمستحب لابد من أمر شرعي فيه يأمر الله به. والإلزام بالكف معناه: التحريم، وينسحب معه المكروه. وقوله: (أو بالوضع)، والوضع هو: جعل شيء سبباً لشيء آخر. مثاله: أن يجعل الله جل وعلا الشمس سبباً لدخول وقت صلاة الظهر، ورؤية الهلال سبباً لحلول شهر رمضان لفرضية الصوم، فهذا شيء جاء سبباً لشيء. وأيضاً يجعل شيئاً مانعاً لشيء آخر. مثال ذلك: القتل يعتبر مانعاً للإرث، أي: أن الولد يرث أباه، لكنه لو قتله لا يرثه؛ لأن القتل من موانع الإرث. أيضاً الصحة والفساد، فيقال: هذا العقد صحيح أو فاسد، وهذا -إن شاء الله- سوف نتكلم عنه بالتفصيل في الأحكام الوضعية.

стр. 5

أقسام الحكم الشرعي الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي، وحكم وضعي. فالحكم التكليفي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير فقط، وهو -بنفس التفصيل السابق- فيدخل فيه الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمندوب. والحكم الوضعي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالوضع فقط، فيدخل فيه السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان. فأقول مثلاً لأفرق بينهما: الحكم التكليفي له أوقات وعلامات وأسباب، وأما الحكم الوضعي فليس له ذلك. مثال ذلك: الزكاة في مال الصبي: الصبي لا يؤمر بالصلاة ولا بالحج ولا بالجهاد، لكن يؤمر بإخراج الزكاة، فلو أن هناك صبياً عنده مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، فلا بد أن يزكى هذا المال؛ وهذا من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. أيضاً: لو أن الصبي سار في الشارع فكسر أو أتلف شيئاً لبائع، فإن الولي يأخذ من مال هذا الطفل ليضمن هذا المتلف، وهذا من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف أيضاً.

стр. 6

أقسام الحكم التكليفي خطاب التكليف له خمسة أحكام: الواجب، المندوب، المباح، المحرم، المكروه.

стр. 7

تعريف الواجب الواجب في اللغة: الساقط، وهذا نستدل به فقهياً على من يقول: بأن غسل الجمعة واجب، ويستدل بقول النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، فأنا أقول له: غسل الجمعة ساقط عن كل محتلم. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]، أي: أن الجمال تنحر وهي واقفة، فتسقط على الجنب، ثم لك أن تذبح بعد ذلك وتأكل وتعطي القانع والمعتر. في الاصطلاح: طلب الفعل على وجه اللزوم. قوله: (طلب الفعل) أي: أن الله جل وعلا يحث العباد، فإذا أمر بأمر فنهتم به، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا أمر من الله جل وعلا يطلب به حتماً الفعل، فإذا طلب حتماً الفعل يذم من ترك هذا الفعل. وقوله: (على وجه اللزوم): أي: على وجه الإلزام، فهو ليس مخيراً، وإنما لا بد وجوباً أن يعمله.

стр. 8

أحوال الطلب الطلب له ثلاثة أحوال: أن يكون من الأعلى للأدنى، أو من الأدنى للأعلى، أو من المساوي. فإن كان من الأعلى للأدنى فهو على وجه اللزوم، أي: من الرب الشارع المشرع ، فإذا طلب من العبد شيئاً فعلى العبد أن يقول: استسلمت، وقد مدح الله إبراهيم بذلك فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، أي: استسلمت، ورؤيا الأنبياء وحي، وهي أمر من الله، فلما رأى أنه يذبح ابنه ما راجع هذه الرؤية؛ بل أخذ ابنه ليذبحه بأمر الله جل وعلا. وإذا كان الطلب من الأدنى للأعلى فهو رجاء أو تمني أو دعاء، كقولك وأنت ترفع يديك: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ربنا اغفر لنا وارحمنا، فكل هذا أمر، لكنه من الأدنى (العبد) للأعلى (الرب)، ومعناه: الطلب والترجي. وأما إن كان من المساوي فهو طلب واستسماح والتماس، فإذا قلت لقرين مثلك: ائتني بكذا، فأنت تطلب منه أن يأتيك بما طلبت منه، أو تقول له: ائتني بكتاب الأصول، أي: ترجوه أن يأتيك بكتاب الأصول، أو تطلب منه أن يأتيك بكتاب الأصول.

стр. 9

حكم الواجب كثير من الأصوليين يعرف الواجب بحكمه لا بحده، وعند الفلاسفة أو المناطقة أو البلاغيين أنه لا بد أن يعرف الشيء بالحد ثم بالحكم. فحكم الواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فتارك الصلاة يعاقب عند الله جل وعلا، وفاعل الصلاة يثاب عند الله جل وعلا، والمزكي يثاب عند الله بالزكاة، وتارك الزكاة معاقب. إذاً: يثاب فاعل الأمر، ويعاقب -أو (يستحق) عند بعض الأصوليين- فاعل المعصية وتارك الأمر، وهو تحت مشيئة الرحمن.

стр. 10

أثر الخلاف بين الأحناف والجمهور في الفرض والواجب الواجب له أمور تتعلق به منها: أولاً: أن الواجب يطلق عليه أيضاً الفرض، لكن اختلف العلماء في الواجب والفرض، فجمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الواجب هو الفرض، ولا فرق بينهما. وأما الأحناف فغايروا بين الواجب والفرض، وقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وأما الواجب فهو ما ثبت بدليل ظني. والدليل القطعي: المتواتر، مثل: القرآن، فهو فرض عندهم، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا فرض وليس بواجب. أيضاً أمر الله تعالى بالزكاة، فهذا فرض وليس بواجب؛ لأنه ثبت بدليل قطعي. وأما الذي يثبت عندهم بدليل ظني فهو واجب، مثل: الوتر، فهو عندهم واجب وليس بفرض؛ لأنه ثبت في السنة بقول النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، وهذا فعل أمر، والقاعدة: أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، لكنه هنا واجب وليس بفرض؛ لأنه ثبت بدليل ظني وهو: حديث الآحاد وليس بمتواتر. وإذا دققت النظر رأيت أن الأحناف يتفقون مع جمهور أهل العلم في أن الذي ثبت بالدليل الظني يجب العمل به، أي: يجب أن تعمل بهذا الأمر الذي ائتمرت به، سواء كان الدليل قطعياً أو ظنياً، فلو جاءك مثلاً قول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فلا بد أن تصلي. وإذا جاءك قول النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) فعند الأحناف يجب، ويسن عند الجمهور أن تجعل آخر الصلاة وتراً، فهم يتفقون على لزوم العمل بما ثبت ظنياًً أو قطعياً، فأصبح الخلاف خلافاً لفظياً وليس له أثر إلا من ناحية الاعتقاد، أي: أن أثر الخلاف بين الأحناف والجمهور بالدليل القطعي والدليل الظني ليس له محل في الفقه، لكن أثره في الاعتقاد فقط. ونبين ذلك بالآتي: منكر القرآن حكمه كافر، والجميع يتفق على هذا، أما الذي ينكر حديثاً في صحيح البخاري فإن كان متواتراً فيكفر بذلك، وإن كان آحاداً فاختلف العلماء فيه، والراجح ما قاله الجمهور: أنه لا يكفر، فالخلاف هنا ليس خلافاً فقهياً بين الأحناف والجمهور، وليس له ثمة أثر في المسائل الفقهية.

стр. 11

الفرق بين الواجب الكفائي والعيني

стр. 12

أقسام الواجب الواجب ينقسم إلى سبعة أقسام: واجب كفائي، وواجب عيني، وواجب على التخيير، وواجب على الترتيب، وواجب موسع، وواجب مضيق، وقضاء، أي: قضاء الواجب.

стр. 13

الواجب الكفائي والعيني الفرض الكفائي هو: طلب الشارع إيجاد الفعل نفسه دون النظر إلى عين المكلف. أما ضابط الفرض العيني فهو: طلب الشارع الفعل من عين المكلف، فالشارع ينظر فيه إلى الفاعل. فالفرض الكفائي ينظر فيه الشارع للفعل نفسه لا للمكلف الذي يفعل، أي: أن الله جل وعلا يريد أن يقام هذا الأمر ولا يريد من الكل أن يقوموا به، بل واحد فقط يقوم به ويسقط عن الآخرين، وتأثم كل الأمة إن لم تقم به. مثال ذلك: طلب العلم والفقه في الدين، نحن لا نريد أن الأمة كلها تكون علماء، ولا نريد أن الكل يطلب العلم، بل طائفة تطلب العلم فيسقط هذا الفرض عن باقي الأمة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]، فوجود طائفة واحدة فرض كفائي. كذلك: علم المواريث فرض كفائي، علم البيوع فرض كفائي، علم اللغة والنحو فرض كفائي، صلاة الجنازة فرض كفاية، فإذا صلى خمسة من الناس أو ثلاثة أو واحد على جنازة سقط هذا عن الأمة، لكن لو لم يصل أحد على مسلم مات فتأثم الأمة كلها على ذلك، كذلك إن لم ينبر واحد من الأمة وتفرغ لطلب المواريث وأتقنه فالأمة كلها تأثم، وإذا قام واحد فتعلم علم المواريث وعلم من تحته فالأمة لا تأثم بذلك، ويسقط عنها الإثم. ولا بد أن ننوه على أمر تحتاجه الأمة، ألا وهو الجهاد، وقد اختلف العلماء في حكم الجهاد هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ والصحيح الراجح: أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين، إلا أن يكون هناك ثمة نازلة بالأمة أو حاجة الأمة لرجال ليجاهدوا، فيكون هنا فرض عين، وكل باستطاعته، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وأما فرض العين فهو: الذي يطلب من كل مكلف أن يقوم به، كإقامة الصلاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وزكاة المال بشرطين وهما: أن يمتلك الرجل النصاب، ويحول عليه الحول. وصوم رمضان فرض عين على كل مكلف، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فرض عين، ولا يسقط عن الآخرين، لأنه لا يدخل أحد الإسلام إلا بالشهادتين. ودفن الميت فرض كفاية، والصدقات مستحبة وليست فرض كفاية، وستر الرجل عورته من السرة إلى الساق فرض عين. والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية: أن فرض العين كل مكلف مطالب أن يفعل هذا الفعل الذي أمره الله به، وفرض الكفاية المطلوب إيجاد الفعل فقط، بدون النظر إلى الفاعل.

стр. 14

الواجب المخير والمرتب الواجب على التخيير: هو أن الله جل وعلا يأمر بأمر حتمي لا بد أن يفعل، أو: طلب الفعل على وجه اللزوم، لكنه خير العبد -مثلاً- بين فعل الثلاثة أو الخمسة أو الستة، فيختار منها ما يشاء، ويلزمه واحداً من هذه المخير بينها، فإن لم يفعل واحداً منها فهو آثم، فإن فعل واحداً سقط عنه الباقي. مثال ذلك: كفارة اليمين، قال الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، (أو) هنا للتخيير، فهنا يجب على المرء أن يكفر عن يمينه، لكنه مخير بين ثلاث: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. وأيضاً فدية الأذى في الحج: فلو أن رجلاً حصل له أذى في رأسه، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكعب بن عجرة جاء إلى النبي ﷺ والقمل ينزل على وجهه، فقال له النبي ﷺ : (ما كنت أرى أن يبلغ بك الجهد ما بلغ، اذبح شاة، فقال: ما عندي، فقال: أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام) وقد اختلف العلماء -وهذه مسألة فقهية بعيدة- هل هي على الترتيب، أم على التخيير؟ والصحيح والراجح: أنها على التخيير؛ لأن النبي ﷺ ذكر ذبح الشاة أولاً. وقال مالك: هي على الترتيب ثم التخيير، أي: يرتب أصالة بالذبح، ثم يخير بين الصيام أو إطعام ستة مساكين، لكن نحن نقول: الآية واضحة كالشمس: قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فهو مخير بين الثلاث، ولا بد أن يفعل واحدة من ذلك. ونضرب مثلاً ونطبقه: رجل في الحج أتعبه شعره، وزاد القمل في رأسه، فأراد أن يحلقه، فقال: الله خيرني، فحلق شعره ولم يفعل شيئاً من الثلاثة، فيعاقب ويأثم، لأنه ترك واجباً وخالف أمر النبي ﷺ . مثال آخر: رجل سمع المؤذن يقيم الصلاة، فقال الرجل: إمام هذا المسجد يستعجل في الصلاة، فذهب وتوضأ وأتى بالواجبات فقط: فغسل يديه، ثم غسل رجله، ثم مسح رأسه، ثم ذهب ليصلي، فهنا وضوءه ليس صحيحاً؛ لأن الترتيب في الوضوء واجب وهو لم يرتب، والترتيب الذي رتبه الله جل وعلا: غسل الوجه، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فإن كان عالماً يأثم بمخالفته للواجب، وصلاته غير صحيحة، فهذا التطبيق دقة النظر في الفقه وأصول الفقه، حتى نتعلم منها كيف نطبق. إذاً: إذا كان على التخيير فلا بد أن يفعل واحدة، وإن كان على الترتيب لزمه أن يفعل نفس الترتيب الذي أمر به، فكفارة اليمين على التخيير: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكفارة القتل الخطأ على الترتيب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢]، فالصيام جاء على الترتيب، فأصبح واجباً على الترتيب، وليس على التخيير.

стр. 15

الواجب المضيق والموسع الواجب الموسع هو: الذي يتسع وقته، والمرء فيه غير ملزم في أول الوقت أن يأتي بهذا الواجب. وضابطه الفقهي: أنه يسع لمثل جنسه في وقته. مثال ذلك: الصلوات، فهي واجبة واجباً موسعاً؛ لأنها تسع لجنس مثلها، فيمكن للإنسان أن يصلي قبل الظهر أربعاً، وهي كجنس صلاة الظهر، وكذلك يصح أن الإنسان يصلي قبل العصر أربعاً، قال رسول الله ﷺ : (من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعد الظهر حرم الله لحمه على النار)، وقال النبي ﷺ : (اثنتا عشر ركعة من صلاها في يوم وليلة بنى الله له قصراً في الجنة: اثنتين قبل الغداة وأربعاً قبل الظهر)، وقال النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، لمن شاء)، وقال: (وبين كل أذانين صلاة)، فهذه دلالة على أن هذه صلاة من جنس الصلاة، فتصلى في وقت الصلاة المفروضة، لكن واجباً موسعاً. كذلك الزكاة: إذا حال عليك الحول ومعك النصاب، وأخرجت الزكاة (٢. ٥%) وأخرجت فوق ذلك عشرة جنيهات، فيجوز لك ذلك، لأنه واجب موسع من جنسه. وأما المضيق فهو: الذي لا يسع وقته لمثله. مثال ذلك: صوم رمضان، فلا يصح للإنسان أن يصوم يوم الإثنين من رمضان على أنه هو اليوم الذي ولد فيه النبي ﷺ ، واليوم الذي ترفع فيه الأعمال، فصومه ينعقد فرضاً. مثال آخر: حج البيت، فلا يمكن للإنسان أن يحج مرتين في مرة واحدة، والذين يعتمرون أكثر من عمرة في رمضان هذه بدعة، والذي يفعلها آثم غير مأجور، يذهب ويعتمر لجدته وجده وأمه وأبيه، وهذا لا يصح بأي حال من الأحوال، لأنه واجب مضيق وليس موسعاً.

стр. 16

القضاء أما القضاء فلا بد له أصولياً من أمر جديد مثله مثل الأداء، أي: من ترك صلاة الظهر عمداً متعمداً مفرطاً فليس عليه القضاء، وإذا أذن المؤذن للعصر فلا يقضي هذه الصلاة، وإن قضاها فهي ليست محسوبة له، لأن القضاء لا بد له من دليل كما أن الأداء لا بد له من دليل. ودليل ذلك: أن الله أمر بأوامر يجب على المرء أن يؤديها، ولم يأمر بقضائها، ويجلي لنا ذلك قول عائشة ﵂ وأرضاها عندما سألتها المرأة -كما في الصحيحين- فقالت: (أنقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت، كنا نفعل ذلك على عهد النبي ﷺ أي: كنا لا نصوم ولا نصلي إذا حاضت المرأة، فنقضي الصوم ولا نقضي الصلاة، والصوم جاء بأمر جديد من النبي ﷺ ، وهو الذي أمرهم بذلك، ولذلك قالت عائشة: (كنا نؤمر) وهذا أمر جديد، أي: أمرنا مجدداً بقضاء الصيام، ولم نؤمر مجدداً بقضاء الصلاة. ولذلك قعد علماء الفقه قاعدة فقهية تقول: دليل الأداء ليس دليلاً للقضاء. والدليل على ذلك أيضاً: قول النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها)، فالنوم والنسيان عذر، ولذلك كل الأحاديث: (إلا من عذر) لكن المفرط ليس له دليل، فجاءنا الدليل على النائم والناسي، ولم يأتنا الدليل على المتعمد، فالمتعمد لا قضاء عليه، لكن ينصح بكثرة النوافل؛ لقول النبي ﷺ كما في سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (أول ما يحاسب عليه المرء الصلاة؛ فإن كانت ناقصة قال الله للملائكة: يا ملائكتي! انظروا إلى عبدي أله من النوافل؟! فإن كانت أتم بها صلاته) فالذي يترك فرضاً عمداً يكثر من النوافل. وهذا الحكم ينطبق أيضاً على السنن الرواتب، فلو أن رجلاً ليس عنده شيء، وكان جالساً يمزح مع أخيه أو يتسامر معه، ولم يصل سنة الظهر حتى أقام الإمام صلاة الظهر، فهذا ليس عليه قضاء، ولا يقضي سنة الظهر، لأنه ليس لديه دليل على أنه يقضي هذه السنة.

стр. 17

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الأمر الأمر من مهمات الأصول التي لابد للأصولي أن يدرسها، وللأمر صيغ كثيرة مبسوطة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي كلام العرب، والأصل في الأمر عدم التكرار، إلا أن تأتي قرينة تدل على التكرار، والأمر الدال على الوجوب يفيد الفورية على القول الراجح، والأصل في الأمر الوجوب، لكن هناك قرائن تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أو الإباحة أو التهديد أو الإرشاد أو التعجيز أو الإهانة والتهكم أو الإكرام، وقد اختلف العلماء في الأمر الذي يأتي بعد الحظر، واقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب على القول الراجح.

стр. 18

تعريف الأمر لغة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الأمر لغة: يجمع على أوامر، ويأتي على معان في اللغة، فيأتي بمعنى: الشأن، وبمعنى: القضاء، وبمعنى: طلب الشيء، يقال: أمره كذا، أي: شأنه كذا، وحاله كذا. وفي الاصطلاح: هو طلب الفاعل -أي: الله جل وعلا- من العبد أن يفعل ما أمر به على وجه اللزوم، أي: إلزاماً ليس مخيراً أن يفعل أو لا يفعل، فالتخيير كقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤]، أي: إما أن تفدي وإما أن تصوم، فهذا تخيير، وأما بالنسبة للأمر مكفولة: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فهذا على اللزوم لا على التخيير.

стр. 19

أنواع الأمر الأمر على ثلاثة أنواع: الأمر من الأعلى للأدنى، والأمر من الأدنى للأعلى، والأمر من المقارن، أي: الذي يعتبر قريناً. فالأمر من الأعلى للأدنى هو أمر من الرب للعبد، وهذا على وجه اللزوم، ويجب فعله دون توان كما سنبين، والأمر من الأدنى للأعلى معناه: الدعاء، فتقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم فإنك أنت الأعز والأكرم، فقولك: (اغفر) أمر يراد به الرجاء والدعاء والتذلل والاستكانة، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢]، فهذا أيضاً دعاء، أما من القرين الذي هو أصلاً في نفس الطبقة فمعناه: التماس، وسواء قلنا: إنه رجاء نتنزل به، فهو التماس واستسماح.

стр. 20

صيغ الأمر للأمر صيغ كثيرة، منها: أولاً: فعل الأمر، وهو أصل صيغ الأمر، تقول: قم واتل ما عليك، وأقول لك: كل ما أمامك، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (كل بيمينك وكل مما يليك) فهذا أمر، أيضاً قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، (أقم الصلاة: فعل أمر، أي: يجب عليك إقامة الصلاة، وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ﴾ [المزمل:١ - ٢] فعل أمر، ثم يقولون: إنه كان واجب على النبي ﷺ قيام الليل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٢ - ٤]. ومن صيغ الأمر أيضاً: اسم فعل الأمر، كقول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: الزموا أنفسكم، فلن تضروا طالما أنتم اعتنيتم بأنفسكم، فهذا عند ربكم، ولا حساب عليكم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه الآية لها فقه، فقد يظن قارئها أن فيها تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغرض المقصود: أن (عليكم) اسم فعل، أمر يدل على الوجوب. أيضاً قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، اسم فعل أمر، وقول النبي ﷺ لما كان في غزوة أحد واجتمع له عشرة من أصحابة من الأنصار، وكان معه طلحة بن عبيد الله، فقال النبي ﷺ : (من يدفع عنا هؤلاء وهو معي في الجنة، فيقوم طلحة فيقول: اقعد أو اجلس، فيقوم الأنصاري فيقاتل فيقتل، ويقوم الآخر فيقاتل فيقتل، فقال: ما أنصفنا إخواننا)، على التأويلين: التأويل الأول: (ما أنصفنا إخواننا)، أي: أهل مكة هم إخوان لنا، ما أنصفونا ونحن ندعوهم إلى الإسلام. التأويل الثاني: (ما أنصفنا إخواننا)، أي: الأنصار، ما استطاعوا رد هؤلاء، فقام طلحة يقاتل وينافح عن رسول الله، حتى إن السيف انكسر في يده، فصد السيوف بيده عن رسول الله ﷺ ، ثم طرح أرضاً وشلت يده، فما كان من أبي بكر وعمر إلا أن أسرعا إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعل، (فدونكم) أيضاً من نفس هذه الصيغ. ومن صيغ الأمر أيضاً: الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح:٩]، (فاللام) هنا لام الأمر، أي: آمنوا بالله ورسوله، واطوفوا بالبيت العتيق، وأوفوا بنذوركم. ومن صيغ الأمر أيضاً: المصدر النائب عن فعل الأمر، كقول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]. (فضرب): مصدر نائب عن فعل أمر، أي: اضربوا الرقاب، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤]، فهذه أيضاً من صيغ الأمر التي تدل على الوجوب كما سنبين. أيضاً هناك ألفاظ وصيغ تدل على الأمر منها: كتب، وفرض، أو الجمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، وكقول ابن عمر في الحديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان كذا وكذا وكذا)، ففرض أيضاً من صيغ الأمر، وكتب من صيغ الأمر، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] فهذه جمل، وأيضاً قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦]. أيضاً: إذا كانت الجملة لابتداء وخبر فهي تدل على الوجوب، وإن كانت ليست كثيرة، كقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩]، أي: كفروا عن أيمانكم بإطعام عشرة مساكين، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة﴾ [النساء:٩٢]، مصدر نائب عنها، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].

стр. 21

مسائل تتعلق بالأمر

стр. 22

اختلاف العلماء في كون الأمر يفيد التكرار أو لا يفيد ذلك هناك مسائل تتعلق بالأمر، وأول هذه المسائل: هل الأمر المطلق يفيد التكرار أم لا؟ أي: إذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤]، هل لابد في حياتك كلها أن تقيم الصلاة، أم مرة واحدة تكفيك؟ اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال، والخلاف سيكون طرفين ووسط، أي: طرف سيقول: نعم بالتكرار، وطرف يقول: ليس بالتكرار، وسبب الاختلاف كله يرجع إلى مسألة: هل يفيد الأمر الفورية أم لا؟ فطرف يقول: يفيد الفورية؟ وطرف يقول: لا يفيد الفورية، وطرف يقول: بالوسط، وهم: الواقفة، فيقولون: ننتظر القرينة من الخارج التي تثبت لنا إن كان على الفورية أو على التكرار، أو بعد الحظر على الإباحة أو على الوجوب، فهؤلاء الواقفة، فالواقفة يقولون: ننتظر الدليل من الخارج، فهو الذي يفصل لنا أو يرجح لنا، أما بالنسبة للراجح سنتكلم عنه الآن، أما على التكرار، فالأصل في الأمر أنه لا يفيد التكرار، بمعنى: إذا فعل المأمور الأمر مرة واحدة فقد قضى ما عليه ولا يسأل، قلنا: إن حكم الأمر كحكم الواجب يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فمن فعل مرة واحدة فلا يلزم عليه بأن يفعله مرة ثانية، وليس عليه عقاب، إلا أن تأتي قرينة تثبت التكرار.

стр. 23

الأدلة من السنة واللغة على أن الأصل في الأمر المطلق عدم التكرار إلا بدليل إذاً: الأصل في الأمر عدم التكرار إلا أن تأتي قرينة تثبت التكرار، والدليل على هذا من السنة ومن اللغة. أما من السنة: (أمر النبي ﷺ للناس بالحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ﴾ [آل عمران:٩٧]، فقام رجل: قال يا رسول الله! أفي كل عام؟ فغضب النبي ﷺ وقال: لو قلت: نعم لوجبت)، معنى هذا: أن أصل وضعه ليس على التكرار، إلا أن يقول النبي ﷺ : هو في كل عام، وقال: (دعوني ما تركتم)، وذم الأسئلة، فدل على أن أصل الأمر في اللغة: أنه لا يفيد التكرار إلا بقرينة، والدليل أيضاً أنه لا يفيد التكرار إلا بقرينة، قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] إذاً: علق الله الصلاة بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] وذلك كلما دلكت الشمس فعليك أن تقيم صلاة الظهر، وبين المواقيت كما في السنة التي فصلت مواقيت الصلوات، فهذه قد تعلقت بقرينة تثبت التكرار. وفي رواية عن ابن عمر يعضد لنا ما رجحناه، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين)، وهذا من أصل وضعه أنه إذا صلاها مرة فلا يصلي فيها مرة ثانية، وكل ذلك في الأمر المطلق، فالأمر المطلق لا يفيد التكرار، أما الأمر المقترن بشرط أو بقرينة تثبت التكرار فهو يفيد التكرار، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، إذاً: كلما قمتم إلى الصلاة تتوضئون، وهذا على التكرار، لكن جاءت قرينة بينت أن هذا في حق المحدث، فهو الذي إذا قام للصلاة فلابد أن يتوضأ لكل صلاة؛ لأن النبي ﷺ ورد أنه صلى خمس صلوات أو أربع صلوات بوضوء واحد. أيضاً الأمر المتعلق بعلة يفيد التكرار إذا ظهرت هذه العلة، كما قلنا: إن الحكم يدور مع العلة حيث دارت، وتطبيقها أيضاً في مسألة الأمر، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] رجل زنى بامرأة فجلدناه مائة جلدة، ثم تاب وآب واستغفر ربه جل وعلا، وبعد شهر تلاعبت به الشياطين واشتدت عليه شهواته فزنى مرة ثانية، فنجلده مرة ثانية؛ للقرينة التي أثبتت التكرار وهي العلة، ارتباط الحكم بعلته؛ لأنه يدور مع العلة حيث دارت.

стр. 24

اختلاف العلماء في كون الوجوب يفيد الفورية أم هو على التراخي هل الوجوب يفيد الفورية أم هو على التراخي؟ هذا محل نزاع كبير بين العلماء، وهو على ثلاثة أقوال، وليس هذا محل التفصيل، لكن الراجح الصحيح: أنه يفيد الفورية لا التراخي، سواء كان الأمر مطلقاً أو مقترناً بقرينة، كقول السيد لعبده: اسقني، فالقرينة هنا تفيد الفورية؛ لأنه لو لم يأت العبد بكوب الماء لسيده لاستحق الذم، فهذه القرينة تثبت الفورية، وأيضاً: إن كان مطلقاً فهو يثبت الفورية؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] هذا من الكتاب. أما من السنة فأدلة ناصعة وواضحة جلية، ففي صحيح مسلم: (دخل النبي ﷺ على عائشة مغضباً، فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أدخله الله النار؟ فقال لـ عائشة: أما رأيت قد أمرت الناس بالأمر فلم يفعلوا)، فهذه فيها دلالة على الفورية. أولاً: وجه الشاهد في قوله: (أمرت الناس)، فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ دخل مغضباً، ولو كان الأمر على التراخي ما كان للنبي ﷺ أن يغضب؛ لأنه إذا لم يفعلوا اليوم سيفعلون غداً، أو سيفعلون بعد غد، لكن غضب النبي ﷺ إذ أمرهم أمراً فلم ينفذوا هذا الأمر، فغضب النبي ﷺ ، ففيه دلالة على الفور، أي: لابد أن يفعلوا هذا الأمر، ثم جاءت عائشة فقالت: أدخله الله النار، والله لا يدخل أحداً النار إلا على ترك واجب، وهنا ترك الفورية هو الذي أغضب النبي ﷺ ، فهذه فيها دلالة على أنه على الفور. أيضاً: دخل النبي ﷺ مغضباً في صلح الحديبية على أم سلمة عندما تقاعسوا عن الحلق لما أمرهم بالحلق فدخل مغضباً، فقالت: (يا رسول الله! اخرج عليهم دون أن تتحدث مع أحد، وادع الحلاق واحلق رأسك، ففعل ففعلوا كلهم ما فعل النبي ﷺ , الغرض المقصود: أنه دخل النبي ﷺ دخل مغضباً أيضاً؛ لأنهم لم يمتثلوا للأمر على الفور، مع قرينة قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ولا يكون إلا بفعل الأوامر وترك النواهي.

стр. 25

الأصل في الأمر الوجوب الأصل في الأمر الوجوب، أي: أي أمر جاء من الله أو جاء من النبي ﷺ لابد ويجب على كل امرئ أن يفعل به. وأدلة ذلك من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ولو لم يكن للوجوب ما كان هذا الوعيد الشديد الأكيد، والفتنة: الشرك والزيغ عن الطريق المستقيم والإلحاد؛ لأنه خالف أمر النبي ﷺ ، فهذه دلالة شديدة جداً وواضحة على الوجوب. أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن:٢٣]، ونار جهنم لا تكون إلا على معصية واجب، ولا يمكن ترك المستحب يستوجب النار، حاشا لله، قال الرجل لرسول الله ﷺ : (هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : دخل الجنة إن صدق)، فهذا رجل ترك المستحبات بأسرها، فالنار لا تكون إلا لمن خالف الواجبات؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الجن:٢٣]. وأما من السنة: فقول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وفي رواية: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، فوجه الشاهد: (لأمرتهم)، ووجه الدلالة: أنه لو كان واجباً لشق عليهم وأمرهم، أي: لو كان هذا من الواجبات التي أوجبها الله جل وعلا لأمرهم به وشق عليهم، ففيه دلالة على أن النبي ﷺ لو قال: أمرتكم، لوجب أن يفعلوا، لكنه خشي أن يشق على أمته فلم يأمرهم، فبالمفهوم أنه لو أمرهم لوجب عليهم أن يستعملوا السواك في كل صلاة وعند كل وضوء، لكن هذا شاق على الأمة، فهذا الحديث يدل على أن الأصل في الأمر الوجوب، وهذا هو الصحيح. والمسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم الواقفة، ومنهم الذين يقولون: الأصل فيه الندب إلا أن تأتي قرينة، والجمهور على أن الأصل في الأمر الوجوب، وهذا الأخير هو الراجح.

стр. 26

خروج فعل الأمر عن الدلالة على معنى الأمر إلى دلالات أخرى تعينها القرائن هناك قرائن تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، إذاً: يجب على كل مقرض ومقترض أن يكتبا القرض والدين، وأن يشهدا عليه، وهذا للوجوب؛ لقوله تعالى: ((فَاكْتُبُوهُ)) لكن جاءت قرينة صرفت هذا الواجب إلى الاستحباب، هذه القرينة من الآيات التي تلتها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، بمعنى: إذا حدث الأمان بين المقرض والمقترض فليس عليهم الوجوب بالكتابة، وإن كانت الكتابة مستحبة. وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فقوله: ((وَأَشْهِدُوا)) فعل أمر يدل الوجوب، أي: يجب إذا بعت وإذا جاءك مشتر أن تأتي بشاهدي عدل تشهدهم على البائع، لكنه مصروف إلى الاستحباب، والصارف: أن النبي ﷺ اشترى فرساً ولم يشهد عليه، فهذه فيها دلالة على أن الإشهاد ليس بواجب بفعل النبي ﷺ ؛ لأنه صرف الوجوب إلى الاستحباب. أيضاً: قول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب)، إذاً: الصلاة قبل المغرب واجبة بفعل الأمر: (صلوا)، إلا أن تأتي قرينة تصرفه، وقد جاءت القرينة بالتخيير، وهي قوله: (لمن شاء)، فهذا صارف من الوجوب إلى الاستحباب، (صلوا قبل المغرب صلوا المغرب، ثم قال: لمن شاء)، فخير، والتخيير هذا صارف من الوجوب إلى الاستحباب. وممكن أن الوجوب أيضاً يخرج إلى الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، والاصطياد مباح، فهذا خرج من الوجوب إلى الإباحة بالقرائن المحتفة. ويمكن أن يخرج الأمر أيضاً على الوجوب فيكون تهديداً ولا يكون أمراً معروفاً بالاصطلاحي، الذي هو: استدعاء الفعل أو طلب الفعل على وجه اللزوم وعلى وجه الاستعلاء، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، هل الله جل وعلا يأمر عباده أن يكفروا؟! لا، فهو القائل سبحانه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، لكن هذا من باب الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، فهذا خرج به من الأمر للوجوب إلى التهديد. أيضاً: يمكن أن يخرج من الوجوب إلى الإرشاد فقط، كالآداب، وهناك قاعدة عند جمهور الفقهاء وبعض الأصوليين يقولون في الأمر: إذا كان من الآداب فهو للإرشاد، وهذه القاعدة تحتاج إلى نظر، لكن ممكن أن يخرج الأمر الذي هو للوجوب إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، هذا إرشاد، وإن كان الاستدلال بهذه الآية فيها نظر، إذ أنه على الوجوب، فيجب أن يقي المرء نفسه وأهله النار. ويمكن أن يخرج إلى التعجيز بدلاً من أن يكون للوجوب، ويسمى أسلوب تعجيز، كقول الله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء:٥٠]، فخرج به من الوجوب إلى التعجيز، وقول الله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، أيضاً: هذا للتعجيز، فمن يستطيع أن يرد على الله قدره بالموت؟! فقوله: (فادرءوا) هل معنى ذلك الوجوب؟ المسألة فيها تفصيل: فإن كان المراد بها للتعجيز، وإن كان المراد أن تأخذ بأسباب النجاة فيجب عليك أن تأخذ بأسباب النجاة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. أيضاً: يخرج الأمر عن الوجوب ويقصد به التهكم والسخرية، كقول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، (ذق) هذا فعل أمر للوجوب، وهو تهكم وسخرية، وقول الله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]. ويمكن أن يخرج إلى الإكرام؛ كقول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]، إكرام لأهل الجنة.

стр. 27

مسألة: الأمر الذي يأتي بعد الحظر من المسائل التي تتعلق بالأمر: مسألة: الأمر الذي يأتي بعد الحظر، أي: بعد النهي، كأن يكون هناك نهي عن شيء ثم يأمر بعده الله جل وعلا بالفعل؛ كقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فقوله: ((وَذَرُوا)) نهي، بمعنى: انتهوا عن البيع وقت الجمعة، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]، والانتشار في الأرض إما شراء أو بيع، والانتشار في الأرض أصلاً ملقاة الأصحاب والأحباب، وهذا يسمى أمر بعد الحظر، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]؛ فهو حرم على المحرم الصيد، فهذا أمر أيضاً بعد الحظر.

стр. 28

اختلاف العلماء في حكم الأمر بعد الحظر اختلف العلماء في الأمر الذي بعد الحظر، هل هو على الاستحباب أم هو على الوجوب أم الوقف؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الوجوب؛ لأن هذه هي الصيغة الصحيحة للأمر، والأصل في الأمر الوجوب فنرجع للأصل، فكل أمر جاء بعد حظر فهو على أصله الذي هو الوجوب إن لم تأت قرينة تخرجه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، يقولون: هذا على بابه، أي: على الوجوب، لكن القرينة جاءت فصرفته إلى الاستحباب، وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، هذا أيضاً على بابه على الوجوب، إلا أن تأتي قرينة تصرفه. القول الثاني: أنه على الاستحباب، وهذا قول الجمهور، ويستدلون أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، والاصطياد على الإباحة لا على الاستحباب أي: أن الأمر بعد الحظر على الإباحة؛ فهم قالوا: الاصطياد مباح، والأمر به هنا على الإباحة، والصحيح الذي عليه المحققون من أهل الأصول من الحنابلة وبعض الشافعية وبعض الأحناف أن الأمر بعد الحظر يرجع ويعود إلى ما كان عليه أولاً، أي: إن كان مباحاً فهو مباح على الإباحة، وإن كان واجباً فهو على الوجوب، وإن كان مستحباً فهو على الاستحباب، وهذا الذي رجحه ابن كثير من الشافعية ومن المتأخرين. والأمثلة على ذلك: المثال الأول: على الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]؛ لأنه قال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، فأصل الاصطياد مباح ليس بواجب ولا مستحب، فرجع إلى أصله وهو الإباحة، وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وأصل إتيان المرأة على الإباحة، لكن ممكن أن يرتقي إلى الوجوب، وممكن أن ينزل إلى الاستحباب، فهو على أصله، أي: على الإباحة. المثال الثاني: أنه يرجع كما كان لو كان على الوجوب، كقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، فقد حرم الله قتال المشركين في الأشهر الحرم، ثم أمر بعد انسلاخ الشهر الحرام بالقتال، أي: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، فالأمر هنا جاء بعد حظر، وقتال المشركين واجب؛ لقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥].

стр. 29

دلالة اقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب على القول الراجح وهناك أمر لابد أن نشير إليه، وهو: دلالة الاقتران، أي: إذا اقترن الأمر الذي يدل على الوجوب بغيره، فهل دلالة الاقتران يدل على أن كل معطوف على الواجبات واجبات أم لا؟ هذه دلالة يستدل بها بعض الشافعية، أي: اقتران الأمر بالواجبات يدل على الوجوب، والصحيح الراجح: أن اقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب، وهذا قول المحققين من أهل الأصول، لأن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، وتوضيح ذلك في قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ [الأنعام:١٤١]، هذا أمر يدل على الإباحة، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، أمر يدل على الوجوب؛ لأن الزكاة واجبة وفرض عين على كل امرئ معه مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] أي: فيما سقت السماء العشر إن كان بلغ خمسة أوسق، هذا بالنسبة للزرع، قال الله في الزرع: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وقال أولاً: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ [الأنعام:١٤١]، هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: ((وَآتُوا))، فالأمر الثاني واجب على الوجوب؛ لأنه زكاة، والأمر الأول على الإباحة، فيدل ذلك على أن دلالة الاقتران لا تدل على أن المعطوفات على الواجبات واجبات. ودليل ذلك من السنة أيضاً: قول النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يكون معه سواك، وأن يمس من طيب أهله)، وغسل الجمعة كما بينا فقهياً أنه على خلاف بين أهل العلم، فقد من يقول بالوجوب سيقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم، فهو واجب وعطفنا عليه مس الطيب، ومس الطيب مستحب، والسواك كذلك مستحب، فاقترن مس الطيب واقترن السواك بغسل يوم الجمعة، وغسل يوم الجمعة واجب عند من يقول بوجوب غسل يوم الجمعة، ومس الطيب والسواك على الاستحباب، هذا يدل دلالة واضحة على أن دلالة الاقتران ضعيفة. ومن الأمثلة على دلالة الاقتران: (أمرنا الرسول ﷺ ألا ننزع خفافنا من بول أو غائط أو نوم إلا من جنابة)، إذاً: قرن البول والغائط بالنوم، فاستدل به من يقول: بأن النوم على الإطلاق ناقض للوضوء، بدلالة اقترانه ببول وغائط، والبول ينقض الوضوء، والغائط ينقض الوضوء، والنوم مقترن بما ينقض، فدلالة الاقتران هنا: أن النوم ناقض، وهذا عند من يقول: بأن النوم على الإطلاق ينقض، والصحيح الراجح: أن النوم على الإطلاق لا ينقض كما فصلناه فقهياً، إما انفراداً أو جماعات. فالنوم فيه أقوال كثيرة لأهل العلم، ففي قوله: النوم بالإطلاق ينقض، والنوم بإطلاق لا ينقض، ثم التفصيل، والصحيح: هذا التفريق الذي فرقه الشافعية، وهو: أنه إذا نام وهو ممكن مقعدته لا ينتقض وضوؤه؛ لحديث أنس في الصحيح: (كان صحابة الرسول ﷺ تخفق رءوسهم من النوم فيخرج عليهم في العشاء الآخرة فيصلون ولا يتوضئون). وإن أشكل ابن عبد البر على ذلك بأن رجلاً كان جالساً ممكن المقعدة، وبجانبه آخر فأخرج ريحاً، فقال له: إني أسمع منك هذا الريح، قال: لم أخرج ريحاً، فيقول: هو لا يستشعر، وفي حديث النبي ﷺ : (العين وكاء السه)، أي: لابد أن يتوضأ، لكن الصحيح الراجح: لحديث أنس أن هذا فصل في النزاع: (كان صحابة رسول الله ﷺ ينامون فتخفق رءوسهم من النوم فيخرج عليهم في العشاء الآخرة، فيصلون ولا يتوضئون)، فخفض الرأس هذا لا يكون إلا من الجلوس، ففيها تمكين المقعدة، وهذا هو الراجح.

стр. 30

مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب هذه مسألة أخرى تتعلق بالأمر، وتدخل تحت قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهي مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهي مسألة مهمة جداً، وهناك فرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، وبين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي: شيء واجب عليك لا يمكن أن تصل إليه إلا بأمر آخر، فالأمر الآخر الذي سيوصلك إلى الواجب أيضاً واجب، مثال ذلك: رجل يجب عليه في الصلاة ستر العورة ومعه مال وليس عنده ثياب، فيجب عليه شراء الثوب، فالأصل في شراء الثوب أنه ليس بواجب، لكن يجب هنا لغيره؛ ليستر عورته من أجل الصلاة. أيضاً: رجل كان يصلي مأموماً، فلما سلم الإمام أصبح حكمه منفرداً، وهو بعيد عن السترة، ونحن نقول: بوجوب السترة، وقد بينت ذلك بالأدلة القاطعة الدالة على وجوب السترة، وأرد على من يقول بالاستحباب، وإن كان هذا قول الجمهور، فإذا قام المأموم بعد سلام إمامه فهو منفرد، فإن كان بعيداً عن الاسطوانة يجب عليه أن يمشي، فالمشي في حقه هو أقل من ثلاث خطوات، أو ثلاث خطوات فقط، فالمشي في حقه إلى الاسطوانة، أي: إلى السترة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، مثل: وجوب إخراج الزكاة، لابد له من أن يتوافر شرطان: الشرط الأول: النصاب، والشرط الثاني: لا يجب على كل امرئ أن يذهب ليعمل ليل نهار، حتى يكتمل النصاب، إذاً: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، أي: ليس بواجب عليه أن يحصل أموالاً كثيرة ويسندها حتى تبلغ النصاب، هذا الفارق بين ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، وبين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أيضاً: رجل رأى ماء، ومعه مال ويريد أن يتوضأ، ولا يجد حتى التراب الذي يتيمم به، فيقول له: وجب عليك أن تشتري الماء بمالك هذا حتى تتوضأ للصلاة، فإنه لا يمكن أن تكون صلاتك صحيحة إلا بالوضوء، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب عليه أن يشتري الماء حتى يتوضأ به، وهذا على خلاف فقهي عريض، فإن كان أصلاً سيبيع الماء بسعر مثله أو بأغلى من سعر مثله، فبعضهم يقول: لا يجب عليه شراء الماء، لكن هذا محل القصد الذي نريده في هذا الباب.

стр. 31

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - النهي يُعدُّ النهي من المباحث الأصولية الهامة، لما له من أثر في معرفة المنهيات التي نهى عنها الشارع الحكيم، ولذلك أفرده بعض العلماء بالبحث والدراسة والتأليف، وعلى القول الراجح من آراء العلماء أنه يقتضي الفساد، وهو على الدوام والفور بأصل وضعه.

стр. 32

تعريف النهي إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: النهي لغة: ضد الأمر، وهو الكف عن شيء معين. واصطلاحاً هو: طلب الكف على جهة الإلزام على وجه الاستعلاء، أي: من الأعلى للأدنى. مثاله: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]، فقوله: (لا تقتلوا) نهي، أي: يحرم عليكم قتل أولادكم. وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]. وإن كان النهي من الأدنى للأعلى فيكون رجاء ودعاء. مثل: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].

стр. 33

صيغ النهي للنهي صيغ تدل عليه منها: أولاً: الفعل المضارع المقرون بلا الناهية، ويسمى إنشاء، أما إذا قرن بلا النافية فيسمى خبراً، كقول الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة:١٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات:٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام:١٥٠]، وكل ذلك تحريم. وهل هذا خاص بالنبي ﷺ أم هو عام لجميع الأمة؟ الجواب أنه عام لجميع الأمة، فهو خطاب للنبي ﷺ يعم كل الأمة. ثانياً: اسم الفعل بمعنى النهي، كقول المعلم للطالب: (صه) بمعنى: اسكت، و (مه) بمعنى: لا تفعل. ثالثاً: التصريح بالنهي، كقول الراوي في غزوة خيبر عندما صرخ الصارخ فيهم: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية). وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النحل:٩٠] أي: يحرم فعل الفاحشة، ويحرم كل منكر. وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية، فالتحريم هنا بمعنى النهي. رابعاً: النهي بمعنى الأمر، فيكون ظاهره الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] فـ (ذروا) معناه: اتركوا ظاهر الإثم وباطن الإثم، وإن كان أمراً في ظاهره، لكنه يتضمن معنى النهي، والقاعدة عند العلماء: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده على تفصيل بينهما، أي: ليس نهياً عن كل الأضداد، وهذا التفصيل ليس هنا محله. خامساً: التصريح بالاجتناب، كقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، وكقول النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: أحرم عليكم فعل هذه السبع؛ لأنها من المهلكات، وقول الصحابي: (نهى النبي ﷺ عن المزابنة والمحاقلة، ونهى عن المتعة).

стр. 34

مسائل تتعلق بالنهي

стр. 35

الأصل في النهي التحريم وأدلة ذلك من المسائل التي تتعلق بالنهي: أن الأصل في النهي التحريم، إلا أن تأتي قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة. فإذا جاءتك آية أو حديثاً بصيغة: (لا تفعل)، فمعنى ذلك: أن هذا الفعل محرم، ومعنى المحرم: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وهذا هو القول السديد، حتى أن بعض العلماء يقول: إن النهي إذا كان عن الآداب فيصرف إلى الكراهة. وإذا نظرت إلى أول من أصل الأصول، وهو الإمام: الشافعي فقد نقل عنه السبكي وغيره أنه يرى: أن الأصل في النهي التحريم. ودليل ذلك: حديث النبي ﷺ : (أنه نهى عن القران بين تمرتين) قال الشافعي: وهذا على التحريم. وكذلك: (نهى النبي ﷺ عن اشتمال الصماء) قال الشافعي: وهذا أيضاً يدل على التحريم، ففي هذا دلالة على أن الشافعي يرى أن الأصل عنده في النهي أنه على التحريم، وهذا هو الصحيح والراجح والقول السديد. ودليل ذلك من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فإذا قال: لا تلبس الخاتم من الحديد، وجب عليك أن تنتهي، وتحرم ذلك على نفسك، وهذا هو الذي جعل الصحابي الكريم يفعل ذلك انقياداً واستسلاماً لنهي النبي ﷺ ، وذلك عندما قال النبي ﷺ : (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه، فأخذه من يده ثم ألقاه في الأرض) فقال له الناس: خذه وانتفع به -كالبيع ونحوه- فقال: والله لا ألتقط شيئاً ألقاه رسول الله ﷺ ، وفي رواية: أنه كان معه عصا فضربه بهذه العصا، وقال: (يعمد أحدكم أن يضع جمرة من النار في أصبعه). وأيضاً من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة وغيره أن النبي ﷺ قال: (ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، انتهوا دون أدنى نظر ولا انتظار لأدلة، فهذا يقتضي وجوب الانتهاء عن الفعل الذي نهى عنه النبي ﷺ . كذلك من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما ثبت من فعل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ففي غزوة خيبر لما نفد الطعام واشتد الجوع بهم، أخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، وغلت القدور بالحمر الأهلية، فجاء الصارخ فقال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) فأكفئوا القدور بما فيها، مع أن حاجة الناس إلى هذا الطعام شديدة، ولو كان هذا النهي على الكراهة لأكل الناس من هذا الطعام، فدل ذلك على أن الأصل في النهي التحريم. وأيضاً: ما جاء في الصحيح من حديث أنس قال: دخلت على سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه ومعه صحبة من الأنصار، قال: فدخلت والكئوس تدور على الرءوس -أي: يشربون الخمر- فقرأت عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فكسروا هذه الكئوس وأكفئوا ما فيها، وقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! انقياداً لأمر الله جل وعلا، وتحريماً لما حرمه الله ورسوله.

стр. 36

اختلاف العلماء في كون مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا من المسائل التي تتعلق بالنهي: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ومعنى مطلق النهي يقتضي الفساد: أن العبادة إذا فُعلَتْ على غير وفق ما أمر به النبي ﷺ ، أو جاءت على نهي، أو شيء حرمه النبي ﷺ ، فالعبادة باطلة ولا يعتد بها، وإن كان ذلك في المعاملات فالعقد يكون باطلاً، ولا يملك المشتري السلعة، ولا يملك البائع الثمن، وللعلماء في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، ودليلهم في ذلك قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، وهذا على العموم، وهو ما رجحه القاضي أبو يعلى من الحنابلة وجمهرة من علماء الحنابلة، وهو قول أهل الظاهر. القول الثاني: أن مطلق النهي لا يقتضي الفساد. القول الثالث: التفصيل، وهو القول الصحيح الذي عليه جمهرة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وغيرهم، والتفصيل هو: أن المنهي عنه أنواع: منهي عن ذات الشيء، ومنهي عن وصف لازم لذات الشيء أو شرط فيه، ومنهي عن أمر خارج عنه. وبالمثال يتضح المقال: فالنهي عن ذات الشيء مثل: النهي عن شرب الخمر، والنهي عن أكل لحوم الخنازير، والنهي عن مهر البغي -وهو: الأجرة التي تأخذها الزانية- والنهي عن ثمن الكلب، والنهي عن ثمن الدم، فكل ذلك منهي عنه لذات الشيء. وأما المنهي عنه لوصف لازم للذات، مثال ذلك: الذهب بالذهب مع التفاضل، أو مع الجهل بالمساواة، هل هو نهي عن ذات الذهب أم لا؟ لا، ليس نهياً عن ذات الذهب، وإنما هو نهي عن وصف لازم وهي: الزيادة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب ربا إلا يداً بيد، سواء بسواء، مثلاً بمثل، هاء بهاء). مثال آخر: بيع العنب لمن يعصره خمراً، هذا نهي عن وصف لازم للذات، وكذلك النهي عن الصلاة بدون وضوء، فهذا نهي عن ترك شرط ملازم للذات، والنهي عن الصلاة مع عدم استقبال القبلة، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: شطر المسجد الحرام. وأما مسألة النهي عن شيء خارج عنه، مثل: الوضوء بالماء المغصوب، فهو نهي عن الغصب، وضابط هذا: أن يكون المنهي عنه داخل الشيء وخارج الشيء، فمثلاً: الصلاة بالماء المغصوب، هل النهي هنا عن الغصب مختص بالوضوء، أو مختص بالصلاة؟ الجواب أن هذا النهي في خارج الصلاة وداخلها، وكذلك النهي عن لبس الحرير داخل الصلاة وخارجها، فهذا ضابط يبين لنا أن هذا من المنهيات، الذي هو المنهي عنه لوصف لازم وليس للذات، فهو لأمر خارج عن الذات فلا يقتضي الفساد. فالأول والثاني حكمهما أنهما: يقتضيان الفساد، فمن فعل المنهي عنه لوصف لازم للذات فيقتضي الفساد؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، ومن باب أولى إن كان ارتكب ما نهي عنه لذاته أيضاً يقتضي البطلان ويقتضي الفساد، أما الذي لا يقتضي البطلان ولا الفساد إذا كان المنهي عنه داخل الشيء وخارجه، مثال ذلك: الصلاة في الأرض المغصوبة، هل هذا النهي في الصلاة وخارجها؟ وهل تبطل الصلاة في الأرض المغصوبة؟ ننظر في شروط الصلاة، هل هي متوفرة أم لا؟ وكذلك في أركانها، فنجد أنه أتى بالشروط والأركان على تمامها، فالصلاة إذاً صحيحة مع الإثم؛ لأنه صلى في أرض غصبها، والإثم منفك عن الصلاة، فهنا الجهة منفكة، فإذا كانت الجهة منفكة فيصح العمل مع الإثم، فإذا صلى في الأرض المغصوبة فصلاته صحيحة، لكن يشكل علينا عموم حديث النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، فالرد على هذا الإشكال أن نقول: هو صلى صلاة عليها أمرنا -بشروط وأركان صحيحة- فهذا العمل صحيح، وقد صلى على أرض مغصوبة ليست عليها أمرنا، فيأثم بذلك والجهة منفكة، فتكون الصلاة صحيحة؛ لأنها على ما أمر به الله ورسوله، ويكون الغصب غير صحيح، أي: أنه لا يمتلك هذه الأرض بالغصب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وهو عمل ليس عليه أمرنا، وكذلك الأمر في من غصب ماءً، أو سرق ماءً فتوضأ به وصلى، هل صلاته صحيحة أم باطله؟ نقول: الصحيح والراجح على خلاف بين العلماء: أن الصلاة صحيحة، ونحن هنا إنما نتكلم على الوضوء والصلاة لا على السرقة، فالنهي عام، سواء داخل الصلاة أو خارجها، سواء توضأ بهذا الماء أم بغيره، فإن كان النهي عن خارج أو داخل فالجهة منفكة، فنقول: الوضوء صحيح والصلاة صحيحة، لكنه بسرقة الماء يأثم، فتكون الصلاة صحيحة مع الإثم، هذا معنى هذه المسألة: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ونذكر بعض الأمثلة حتى تتضح هذه المسألة: مثال: نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، هل هذا النهي لذاته، أم لوصف لازم للذات، أم نهي عن شيء خارج عنه؟ الصحيح: أن النهي هنا لوصف لازم للذات، فهو ليس نهياً عن ذات الشيء، إذ ممكن أن يبيع بيعاً صحيحاً، لكن قد يغرر بالمشتري بجهالة ثمن، أو كيل، أو وزن. مثال آخر: رجل لبس خاتماً من ذهب، ثم صلى صلاة العصر، فهل صلاته باطلة أم صحيحة؟ الصلاة صحيحة، وهو آثم بلبسه خاتم الذهب. مثال آخر: صوم يوم العيدين، الأصل أن الصوم ليس منهياً عنه، ولكنه نهي عنه لذاته، وعلى ذلك يكون نهياً عن الصوم نفسه؛ لأن النهي فيه صريح، فينهى عن ذات صوم يوم العيدين. مثال آخر: بيع حبل الحبل، أو بيع الحمل، فلو أن رجلاً اشترى ما في بطن البقرة، ولم يشترها هي، لم يجز ذلك؛ لوجود نهي عن وصف لازم للذات، وهو جهالة وغرر، وهذا هو الصحيح. مثال آخر: بيع النجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة لا ليشتريها وإنما ليغرر بالآخر حتى يشتريها بثمن مرتفع، فيكون نهياً خارجاً عن الذات. ومثله الغش، فإن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) لكن لو تم البيع بغش، وتوفرت الأركان والشروط فالبيع صحيح، والنهي هنا خارج عن الذات فيصح البيع، لكن مع وجود الضرر في هذا البيع، فالإثم لا يرفع إلا بالتسامح.

стр. 37

دلالة النهي الأصل في النهي التحريم حتى تأتي قرينة تصرفه إلى الكراهة. مثلاً: الشرب قائماً، ورد النهي عنه، لكن صرف هذا التحريم إلى الكراهة؛ لفعل النبي ﷺ . وبعض العلماء يمثل لذلك بقول النبي ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه) فالأصل في النهي التحريم. وأجيب بأنه: للكراهة، لقول النبي ﷺ : (إنما هو بضعة منك). والصحيح الراجح: أن هذا القول يحتاج إلى دليل؛ لأن قوله: (إنما هو بضعة منك) يمكن أن نقيده باليسار، وعلى ذلك لا يكون على العموم، إلا أن يأتينا أحد بنص صريح عن النبي ﷺ كما ورد في السؤال أيتوضأ أحدنا من مس ذكره؟ وهذه الرواية الصحيحة: (من مس ذكره فليتوضأ) ليس فيها زيادة يمين، فمن أتانا بهذه اللفظة، وكانت صحيحة عن النبي ﷺ قلنا هي صارفة، ولكن نبقي النهي هنا للتحريم، فمن مس ذكره بيمينه فهذا محرم. وأيضاً: ممكن أن يأتي النهي للإرشاد لا للكراهة، كقول النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك - وقال:- لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)؛ فهذا النهي: (لا تدعن) للإرشاد وليس للتحريم أو الكراهة، فهو يرشده للخير، ويحثه على أن يقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

стр. 38

النهي المطلق للفور والدوام من المسائل المتعلقة بباب النهي: أن النهي يقتضي التكرار، فيجب على من علم بنهي النبي ﷺ أن ينتهي عنه طيلة حياته وعلى الدوام، ولذلك قال القاضي القرافي قلت: للشيخ العز سلطان العلماء إن لم يقتض النهي التكرار ما وجد عاصياً في هذه الدنيا. والصحيح والراجح في ذلك: أن الله جل وعلا إذا قال: (انتهوا)، فالانتهاء يكون إلى يوم القيامة، إلا إذا عُلِّق بوصف معين فالحكم يدور مع علته حيث دار، وممكن أن يخرج النهي المعلق بوصف أو بعلة. فمثلاً: النهي عن الصيام ليلاً -الوصال- على قول من رجح بحرمة الوصال، فأنه يحرم الصيام من الليل إلى الفجر. ومن الأمثلة التي خرج بها النهي عن التحريم إلى الكراهة أو الإرشاد أو التحقير: نهى النبي ﷺ عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، قال بعض العلماء: هذا النهي للكراهة، وهذا قول الجمهور، لكن نقول: إن الأصل في النهي التحريم وائتونا بالدليل والقرينة التي صرفت النهي إلى الكراهة، لكن ممكن أن تكون القرينة: خشية أن ينكب على وجهه، وإن تمكَّن فله أن يفعل، والله تعالى أعلم. والقاعدة التي قعَّدها جمهور الفقهاء: أن النهي أو الأمر إذا كان من الآداب فيصرف الأمر إلى الاستحباب، ويصرف النهي إلى الكراهة، وهذه مسألة تحتاج إلى دليل حتى تنضبط به المسألة. ويخرج أيضاً النهي من التحريم إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، وقوله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً)، وكقوله ﷺ : (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). وأيضاً قول النبي ﷺ : (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا). ويخرج النهي عن التحريم أيضاً إلى الدعاء؛ لأنه يكون من الأدنى للأعلى، كقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]. ويخرج أيضاً من التحريم إلى التحقير، كقول الله تعالى مرشداً لأهل الصلاح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، يحقر زينة الدنيا. وأيضاً يخرج النهي عن التحريم إلى بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، فالله جل وعلا لا يغفل عما يفعل الظالمون، وسيرجعون إليه ثم يحاسبهم على ما فعلوا. ويخرج أيضاً النهي إلى التيئيس، كقول الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فهو ييئسهم من أن هذا العذر غير مقبول في الدنيا، ومن باب أولى في الآخرة.

стр. 39

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الندب والمحرم الندب من الأحكام التكليفية الخمسة، وهو: ما أمر به الشرع أمراً غير جازم، وللندب أحكام عدة بحثها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، والفرق بينه وبين الواجب، ومراتبه وأسماؤه، وحكم المواظبة على تركه، وغيرها من المسائل والأحكام المتعلقة بالندب. وأما المحرم فهو: ما نهى الشرع عنه نهياً جازماً، وهو أيضاً من الأحكام التكليفية الشرعية، وله أحكام ذكرها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، وأقسامه باعتبارات عدة، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به.

стр. 40

الكلام على المندوب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). فليس هناك علم شرفه الله تعالى ومدح أصحابه إلا علم الشرع، فهو سمو لأهل العلم ولطلبة العلم، فمرحباً بوصية رسول الله ﷺ .
следующие страницы →