Полный текст (216 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
اختلاف العلماء في كون مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا
من المسائل التي تتعلق بالنهي: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ومعنى مطلق النهي يقتضي الفساد: أن العبادة إذا فُعلَتْ على غير وفق ما أمر به النبي ﷺ ، أو جاءت على نهي، أو شيء حرمه النبي ﷺ ، فالعبادة باطلة ولا يعتد بها، وإن كان ذلك في المعاملات فالعقد يكون باطلاً، ولا يملك المشتري السلعة، ولا يملك البائع الثمن، وللعلماء في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، ودليلهم في ذلك قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، وهذا على العموم، وهو ما رجحه القاضي أبو يعلى من الحنابلة وجمهرة من علماء الحنابلة، وهو قول أهل الظاهر.
القول الثاني: أن مطلق النهي لا يقتضي الفساد.
القول الثالث: التفصيل، وهو القول الصحيح الذي عليه جمهرة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وغيرهم، والتفصيل هو: أن المنهي عنه أنواع: منهي عن ذات الشيء، ومنهي عن وصف لازم لذات الشيء أو شرط فيه، ومنهي عن أمر خارج عنه.
وبالمثال يتضح المقال: فالنهي عن ذات الشيء مثل: النهي عن شرب الخمر، والنهي عن أكل لحوم الخنازير، والنهي عن مهر البغي -وهو: الأجرة التي تأخذها الزانية- والنهي عن ثمن الكلب، والنهي عن ثمن الدم، فكل ذلك منهي عنه لذات الشيء.
وأما المنهي عنه لوصف لازم للذات، مثال ذلك: الذهب بالذهب مع التفاضل، أو مع الجهل بالمساواة، هل هو نهي عن ذات الذهب أم لا؟ لا، ليس نهياً عن ذات الذهب، وإنما هو نهي عن وصف لازم وهي: الزيادة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب ربا إلا يداً بيد، سواء بسواء، مثلاً بمثل، هاء بهاء).
مثال آخر: بيع العنب لمن يعصره خمراً، هذا نهي عن وصف لازم للذات، وكذلك النهي عن الصلاة بدون وضوء، فهذا نهي عن ترك شرط ملازم للذات، والنهي عن الصلاة مع عدم استقبال القبلة، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: شطر المسجد الحرام.
وأما مسألة النهي عن شيء خارج عنه، مثل: الوضوء بالماء المغصوب، فهو نهي عن الغصب، وضابط هذا: أن يكون المنهي عنه داخل الشيء وخارج الشيء، فمثلاً: الصلاة بالماء المغصوب، هل النهي هنا عن الغصب مختص بالوضوء، أو مختص بالصلاة؟
الجواب
أن هذا النهي في خارج الصلاة وداخلها، وكذلك النهي عن لبس الحرير داخل الصلاة وخارجها، فهذا ضابط يبين لنا أن هذا من المنهيات، الذي هو المنهي عنه لوصف لازم وليس للذات، فهو لأمر خارج عن الذات فلا يقتضي الفساد.
فالأول والثاني حكمهما أنهما: يقتضيان الفساد، فمن فعل المنهي عنه لوصف لازم للذات فيقتضي الفساد؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، ومن باب أولى إن كان ارتكب ما نهي عنه لذاته أيضاً يقتضي البطلان ويقتضي الفساد، أما الذي لا يقتضي البطلان ولا الفساد إذا كان المنهي عنه داخل الشيء وخارجه، مثال ذلك: الصلاة في الأرض المغصوبة، هل هذا النهي في الصلاة وخارجها؟ وهل تبطل الصلاة في الأرض المغصوبة؟ ننظر في شروط الصلاة، هل هي متوفرة أم لا؟ وكذلك في أركانها، فنجد أنه أتى بالشروط والأركان على تمامها، فالصلاة إذاً صحيحة مع الإثم؛ لأنه صلى في أرض غصبها، والإثم منفك عن الصلاة، فهنا الجهة منفكة، فإذا كانت الجهة منفكة فيصح العمل مع الإثم، فإذا صلى في الأرض المغصوبة فصلاته صحيحة، لكن يشكل علينا عموم حديث النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، فالرد على هذا الإشكال أن نقول: هو صلى صلاة عليها أمرنا -بشروط وأركان صحيحة- فهذا العمل صحيح، وقد صلى على أرض مغصوبة ليست عليها أمرنا، فيأثم بذلك والجهة منفكة، فتكون الصلاة صحيحة؛ لأنها على ما أمر به الله ورسوله، ويكون الغصب غير صحيح، أي: أنه لا يمتلك هذه الأرض بالغصب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وهو عمل ليس عليه أمرنا، وكذلك الأمر في من غصب ماءً، أو سرق ماءً فتوضأ به وصلى، هل صلاته صحيحة أم باطله؟ نقول: الصحيح والراجح على خلاف بين العلماء: أن الصلاة صحيحة، ونحن هنا إنما نتكلم على الوضوء والصلاة لا على السرقة، فالنهي عام، سواء داخل الصلاة أو خارجها، سواء توضأ بهذا الماء أم بغيره، فإن كان النهي عن خارج أو داخل فالجهة منفكة، فنقول: الوضوء صحيح والصلاة صحيحة، لكنه بسرقة الماء يأثم، فتكون الصلاة صحيحة مع الإثم، هذا معنى هذه المسألة: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ونذكر بعض الأمثلة حتى تتضح هذه المسألة: مثال: نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، هل هذا النهي لذاته، أم لوصف لازم للذات، أم نهي عن شيء خارج عنه؟ الصحيح: أن النهي هنا لوصف لازم للذات، فهو ليس نهياً عن ذات الشيء، إذ ممكن أن يبيع بيعاً صحيحاً، لكن قد يغرر بالمشتري بجهالة ثمن، أو كيل، أو وزن.
مثال آخر: رجل لبس خاتماً من ذهب، ثم صلى صلاة العصر، فهل صلاته باطلة أم صحيحة؟ الصلاة صحيحة، وهو آثم بلبسه خاتم الذهب.
مثال آخر: صوم يوم العيدين، الأصل أن الصوم ليس منهياً عنه، ولكنه نهي عنه لذاته، وعلى ذلك يكون نهياً عن الصوم نفسه؛ لأن النهي فيه صريح، فينهى عن ذات صوم يوم العيدين.
مثال آخر: بيع حبل الحبل، أو بيع الحمل، فلو أن رجلاً اشترى ما في بطن البقرة، ولم يشترها هي، لم يجز ذلك؛ لوجود نهي عن وصف لازم للذات، وهو جهالة وغرر، وهذا هو الصحيح.
مثال آخر: بيع النجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة لا ليشتريها وإنما ليغرر بالآخر حتى يشتريها بثمن مرتفع، فيكون نهياً خارجاً عن الذات.
ومثله الغش، فإن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) لكن لو تم البيع بغش، وتوفرت الأركان والشروط فالبيع صحيح، والنهي هنا خارج عن الذات فيصح البيع، لكن مع وجود الضرر في هذا البيع، فالإثم لا يرفع إلا بالتسامح.
стр. 37
دلالة النهي
الأصل في النهي التحريم حتى تأتي قرينة تصرفه إلى الكراهة.
مثلاً: الشرب قائماً، ورد النهي عنه، لكن صرف هذا التحريم إلى الكراهة؛ لفعل النبي ﷺ .
وبعض العلماء يمثل لذلك بقول النبي ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه) فالأصل في النهي التحريم.
وأجيب بأنه: للكراهة، لقول النبي ﷺ : (إنما هو بضعة منك).
والصحيح الراجح: أن هذا القول يحتاج إلى دليل؛ لأن قوله: (إنما هو بضعة منك) يمكن أن نقيده باليسار، وعلى ذلك لا يكون على العموم، إلا أن يأتينا أحد بنص صريح عن النبي ﷺ كما ورد في
السؤال
أيتوضأ أحدنا من مس ذكره؟ وهذه الرواية الصحيحة: (من مس ذكره فليتوضأ) ليس فيها زيادة يمين، فمن أتانا بهذه اللفظة، وكانت صحيحة عن النبي ﷺ قلنا هي صارفة، ولكن نبقي النهي هنا للتحريم، فمن مس ذكره بيمينه فهذا محرم.
وأيضاً: ممكن أن يأتي النهي للإرشاد لا للكراهة، كقول النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك - وقال:- لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)؛ فهذا النهي: (لا تدعن) للإرشاد وليس للتحريم أو الكراهة، فهو يرشده للخير، ويحثه على أن يقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
стр. 38
النهي المطلق للفور والدوام
من المسائل المتعلقة بباب النهي: أن النهي يقتضي التكرار، فيجب على من علم بنهي النبي ﷺ أن ينتهي عنه طيلة حياته وعلى الدوام، ولذلك قال القاضي القرافي قلت: للشيخ العز سلطان العلماء إن لم يقتض النهي التكرار ما وجد عاصياً في هذه الدنيا.
والصحيح والراجح في ذلك: أن الله جل وعلا إذا قال: (انتهوا)، فالانتهاء يكون إلى يوم القيامة، إلا إذا عُلِّق بوصف معين فالحكم يدور مع علته حيث دار، وممكن أن يخرج النهي المعلق بوصف أو بعلة.
فمثلاً: النهي عن الصيام ليلاً -الوصال- على قول من رجح بحرمة الوصال، فأنه يحرم الصيام من الليل إلى الفجر.
ومن الأمثلة التي خرج بها النهي عن التحريم إلى الكراهة أو الإرشاد أو التحقير: نهى النبي ﷺ عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، قال بعض العلماء: هذا النهي للكراهة، وهذا قول الجمهور، لكن نقول: إن الأصل في النهي التحريم وائتونا بالدليل والقرينة التي صرفت النهي إلى الكراهة، لكن ممكن أن تكون القرينة: خشية أن ينكب على وجهه، وإن تمكَّن فله أن يفعل، والله تعالى أعلم.
والقاعدة التي قعَّدها جمهور الفقهاء: أن النهي أو الأمر إذا كان من الآداب فيصرف الأمر إلى الاستحباب، ويصرف النهي إلى الكراهة، وهذه مسألة تحتاج إلى دليل حتى تنضبط به المسألة.
ويخرج أيضاً النهي من التحريم إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، وقوله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً)، وكقوله ﷺ : (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
وأيضاً قول النبي ﷺ : (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا).
ويخرج النهي عن التحريم أيضاً إلى الدعاء؛ لأنه يكون من الأدنى للأعلى، كقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨].
ويخرج أيضاً من التحريم إلى التحقير، كقول الله تعالى مرشداً لأهل الصلاح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، يحقر زينة الدنيا.
وأيضاً يخرج النهي عن التحريم إلى بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، فالله جل وعلا لا يغفل عما يفعل الظالمون، وسيرجعون إليه ثم يحاسبهم على ما فعلوا.
ويخرج أيضاً النهي إلى التيئيس، كقول الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فهو ييئسهم من أن هذا العذر غير مقبول في الدنيا، ومن باب أولى في الآخرة.
стр. 39
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الندب والمحرم
الندب من الأحكام التكليفية الخمسة، وهو: ما أمر به الشرع أمراً غير جازم، وللندب أحكام عدة بحثها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، والفرق بينه وبين الواجب، ومراتبه وأسماؤه، وحكم المواظبة على تركه، وغيرها من المسائل والأحكام المتعلقة بالندب.
وأما المحرم فهو: ما نهى الشرع عنه نهياً جازماً، وهو أيضاً من الأحكام التكليفية الشرعية، وله أحكام ذكرها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، وأقسامه باعتبارات عدة، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به.
стр. 40
الكلام على المندوب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
فليس هناك علم شرفه الله تعالى ومدح أصحابه إلا علم الشرع، فهو سمو لأهل العلم ولطلبة العلم، فمرحباً بوصية رسول الله ﷺ .
стр. 41
تعريف المندوب
الندب لغة: الدعاء إلى الفعل، والمندوب: هو المدعو إليه.
وفي الاصطلاح: طلب الفعل لا على وجه اللزوم، على جهة الاستعلاء.
стр. 42
الفرق بين المندوب والواجب
والفرق بينه وبين الواجب: أن الواجب هو: طلب الفعل على وجه اللزوم، على جهة الاستعلاء، وأما بالنسبة للندب فهو: طلب الفعل لا على وجه اللزوم، فأي خطاب سيأتينا في المندوب فهو أمر وطلب، والأصل في صيغة الأمر أنها على الوجوب، لكن قد تأتي قرينة تصرفها من الوجوب إلى الاستحباب.
إذاً: فهو طلب الفعل لا على وجه اللزوم، بقرينة تبين لنا أن الشرع مثلاً قد خيرك أن تصلي ركعتين بين كل أذانين أو لا تصل.
وكذلك: إذا دخلت المسجد فلك أن تجلس دون أن تصلي أو تصلي ركعتين ثم تجلس, وهذا عند من يقول بسنية تحية المسجد.
وقولنا: (على جهة الاستعلاء)، أي: أن الأمر جاء من الأعلى إلى الأدنى, والأعلى هو الرب جل وعلا، والأدنى هو العبد.
وقد ذكرنا أن الطلب ثلاثة أنواع: من الأعلى للأدنى، ومن الأدنى للأعلى، ومن القرين إلى قرينه، وشرحناها سابقاً.
стр. 43
حكم المندوب
حكمه: يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، أي: أن من ترك السنن فلا يعاقب, ويتفرع عليه أنه لا إنكار على ترك السنن.
فمثلاً: لو لقيت رجلاً أتى إلى صلاة الظهر، فجلس ولم يصل السنن حتى يقيم المؤذن الصلاة فيصلي الفرض ولا يصلي بعده السنة، فلا تنكر عليه.
وإن وجدت رجلاً مثلاً لا يمشي بغطاء الرأس أو الغترة أو العمامة -وهذا له بابه في التأصيل الفقهي- ويقول: إنها سنة، فلا يجوز لك أن تنكر عليه، وإنما فيها المناصحة.
وأصل هذه المسألة قوله ﷺ كما في الصحيحين عندما جاءه الأعرابي فقال: (هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم سأله عن الصدقة فبين له الزكاة، ثم قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع, إلى أن قال: هل علي غيرها في الحج وفي غيره، قال: إلا أن تطوع، فقال النبي ﷺ -بعد أن قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص- أفلح وأبيه إن صدق) وفي رواية: (دخل الجنة إن صدق).
فهذا الحديث يدل على أن المندوب لا يعاقب تاركه.
والدليل على أن المندوب مأمور به شرعاً قول الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، فقوله: (وافعلوا): فعل أمر يقتضي الوجوب.
(فالخير) اسم جنس معرف بالألف واللام فيفيد العموم, أي: كل الخير سواء كان واجباً أو كان مستحباً.
стр. 44
أمثلة للمندوب
وللمندوب أمثلة كثيرة نذكر منها ما يعضد ما نحن فيه: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
قوله: (فاكتبوه): فعل أمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، لكن جاءتنا قرينة صرفت هذا الوجوب إلى الاستحباب، وهي: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] فلم يذكر الكتابة للقرض، ومفهوم المخالفة في الآية الأخيرة أنه إذا لم يأمن بعضكم بعضاً فلابد من الكتابة، فتكون واجبة عند عدم الأمن، وإذا أمن بعضكم بعضاً فالكتابة مستحبة.
وأيضاً: يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] والانتشار في الأرض مستحب وليس بواجب، وهذا بالاتفاق, وهذا يرجع إلى قاعدة: الأمر بعد الحظر هل هو على الإباحة أم لا؟ وهذا مبحثه في مبحث الأمر، لكن المتفق عليه أن الانتشار في الأرض ليس واجباً، فلو أن رجلاً بعدما صلى الجمعة جلس في بيته ولم ينتشر، فلا نقول له: أنت آثم؛ لأنك لم تنتشر في الأرض! لا؛ لوجود قرينة وهي الإجماع على أن الانتشار ليس واجباً.
وأيضاً: قول النبي ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فـ (بالغ) فعل أمر، والأمر على الوجوب، لكن جاءتنا قرينة تصرف هذا الأمر إلى الاستحباب، وهي ذكر الصوم، قال النبي ﷺ : (بالغ في الاستنشاق ما لم تكن صائماً)، وهذا يدل أنه على الاستحباب، وقد يقول بعضهم: هو واجب على غير الصائم، ولا يجب على الصائم.
فنقول: إن القرينة الصارفة عن الوجوب مطلقاً قول النبي ﷺ : (توضأ كما أمرك الله)، وأمر الله هو قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].
فذكر أربعة فروض ولم يذكر غيرها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فالنبي ﷺ لم يعلم هذا الرجل الذي قال له: (توضأ كما أمرك الله) أن الاستنشاق واجب، بل أحاله على الآية، ولو كان واجباً لذكره له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه مستحب.
وأيضاً: قول النبي ﷺ في الصحيحين: (صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب)، والأمر يدل على الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الاستحباب، والصارف هنا قوله في آخر الحديث: (لمن شاء) فـ (لمن شاء) هنا للتخيير، وطالما خيره فهو مستحب.
وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فالعبد هو الذي أخذ في جهاد المسلمين مع الكفار، فأخذوه أسيراً فصار عبداً، فإذا أسلم فإن الله جل وعلا حث وأمر أن تكاتب هذا العبد، والمكاتَب هو يكتب على نفسه بالنجوم، فمثلاً يعتق إذا دفع ألف دولار، فيعطى ألف دولار منجمة, أي: في كل شهر قسطاً، فيسقط عليه المبلغ.
فهذا الأمر على الأصل هو للوجوب، وهو مصروف بالقرينة إلى الاستحباب، والقرينة في ذلك: كل مالك أنت حر التصرف فيه بالضوابط الشرعية، والشارع متشوف للعتق؛ ولذلك حث عليه وندب إليه.
وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فالأكل هنا ليس على الوجوب بالاتفاق، لكنه مستحب أن يأكل من ثمره، وهذا له حكم بليغة، فهو عندما يأكل من هذا الطعام فإنه يحمد الله جل وعلا، ويرى نعمة الله عليه، وينفق منه على القريب.
стр. 45
أسماء المندوب ومراتبه
المندوب في لسان الفقهاء يسمى مندوباً ويسمى مستحباً، والسنن بينها تفاوت، فأعلاها منزلةً السنن الرواتب، وهي: التي واظب عليها رسول الله ﷺ ، وأعلاها منزلةً الوتر وسنة الفجر.
وقد اختلف العلماء كما بين ذلك ابن رشد في (بداية المجتهد) أيهما أفضل الوتر أم سنة الفجر؟ على قولين، والراجح الصحيح أن كلا العبادتين يستحب المواظبة عليهما، فـ عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (ما ترك النبي النبي ﷺ الوتر وركعتي الفجر لا سفراً ولا حضراً)، والسنن الرواتب جاء فيها حديث أم سلمة أن النبي صلى قال: (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له قصراً في الجنة: ركعتان قبل الغداة، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء)، والصحيح أن الأجر المذكور في الحديث لا يكون إلا بالمداومة عليها؛ فلو صلاها الرجل مرة ثم تركها مرة ثم صلاها مرة أخرى فليس له هذا الثواب، فالثواب على الديمومة عليها.
стр. 46
حكم المواظبة على ترك المندوب
الذي يواظب على ترك المندوب في لغة الفقهاء يفسق، قال أحمد: من واظب على ترك الوتر ترد شهادته، وتسقط عدالته.
فالذي يواظب على ترك السنن قد يصل إلى الفسق، ويعلل الفقهاء ذلك أنه ذريعة إلى ترك الواجبات والفرائض، وهذا الرجل الذي قال: (لا أزيد على ذلك ولا أنقص) جاء الوحي من السماء فقال النبي ﷺ : (أفلح إن صدق).
وأيضاً: إذا اجتمع جماعة فتركوا شعيرة أو سنة عمداً فإنهم يقاتلون عليها، مثل: الأذان سنة على قول الجمهور، وإلا فإن الراجح فقهياً أنه واجب؛ لكن على قول الجمهور أنه سنة، فلو اجتمع جماعة فلم يؤذنوا وجب قتالهم على ذلك؛ لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام، وكان النبي ﷺ إذا مر على قوم لا يغير عليهم كي يسمع الأذان، فإذا سمع الأذان كف عنهم وإلا أغار عليهم.
стр. 47
الكلام على المحرم
стр. 48
تعريف المحرم
ننتقل إلى حكم ثالث من الأحكام التكليفية، وهو المحرم، والمحرم عكس الواجب.
والمحرم في لغة الحبشة كما قال ابن عباس معناه: الواجب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: وجب على قرية أهلكها الله أنها لا ترجع إلى الدنيا مرة ثانية.
وفي اصطلاح الفقهاء: هو طلب الكف على وجه اللزوم.
والواجب هو: طلب الفعل، والمحرم هو: طلب الكف، أي: لا تعمل، فإذا قال الله جل وعلا: لا تأكل من الشجرة، فيحرم عليك الأكل من الشجرة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فهنا طلب الكف على الفعل على جهة اللزوم على وجه الاستعلاء.
стр. 49
حكم المحرم
حكمه: يثاب تاركه ويعاقب فاعله، فالله حرم أكل الميتة، فمن أكل الميتة فهو يستحق العقاب، ومن ترك أكل الميتة فإنه يثاب.
وحرم الله أكل الخنزير، فمن أكل الخنزير فإنه يستحق العقاب، ومن تركه فإنه يثاب على تركه.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآية، وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، وقال جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
وقد يأتي المحرم بصورة الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠]، فهذه الصيغ تدل على التحريم.
стр. 50
أقسام المحرم
تنقسم المحرمات إلى قسمين: كبائر، وصغائر.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فيستدل بهذه الآية على أن المحرمات كبائر وصغائر.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، فـ (اللمم) هنا مستثناة، إذاً ليست من الكبائر، فتكون من الصغائر.
стр. 51
من علامات الكبائر
وقد ذكر العلماء للكبائر علامات منها: أولاً: ذكر العقوبة الشديدة في الآخرة، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] إذاً: فذكر العقوبة الشديدة في الآخرة تدل على أن أكل أموال اليتامى ظلماً من الكبائر.
ثانياً: أن يستحق فاعلها العقوبة في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فقطع اليد عقوبة في الدنيا تدل على أن هذا الفعل محرم وهو من الكبائر.
ثالثاً: لعن فاعلها، مثل: (لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة وذكر منهم: شاربها) إذاً: فشارب الخمر ملعون.
وأيضاً قول النبي ﷺ : (اتقوا اللعانين: الذي يتبول في طريق الناس وظلهم) فكثير من الناس يأتي إلى شجرة فيتبول أمام الناس، ويفعل محرمات جمة.
فالمحرم الأول: أنه قد تبول في طريق الناس.
الثاني: أنه لم يستتر.
الثالث: أنه لم يستنزه من بوله.
стр. 52
أقسام المحرم من حيث الحرمة
والمحرم أيضاً ينقسم إلى قسمين: محرم لذاته، ومحرم لغيره.
الأول: المحرم لذاته، وهو: ما كان نجساً أو ضاراً، كتحريم أكل الخنزير، فإنه نجس وضار، وأيضاً تحريم أكل الميتة، وتحريم شرب الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
فالنبي ﷺ نهى عن بيع الدم، فبيع الدم حرام لذاته، إذاً فالعقد فاسد، ولا يمكن أن يترتب عليه آثاره.
فلو ذهب رجل إلى المستشفى كي تستأجر دمه، فتأخذ منه مثلاً نصف كيلو أو تأخذ منه نصف لتر وتعطيه أجرة على ذلك، فهذا تعاقد بين المستأجر (المستشفى) والأجير، وهذا العقد باطل لا تترتب عليه آثاره، أي: لا ينعقد هذا العقد، فالإنسان يتبرع بالدم إن كان مستطيعاً ولا يجوز له بيعه.
إذاً: فالمحرم لذاته إذا عقد عليه فالعقد باطل، وإذا أخذه أو عمل به الذي حرم عليه فإنه يأثم على ذلك.
الثاني: المحرم لغيره لا لذاته، فالمحرم لغيره الأصل فيه الحل والمشروعية، لكن حرم لغيره.
مثال ذلك: بيع العنب لمن يعتصره خمراً، ولا يجوز لك أن تبيع العنب لرجل تعلم أنه سيجعله خمراً.
فأصل بيع العنب حلال، والأصل في المعاملات الحل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالأصل في البيع الحل، فبيع العنب أصله حلال، لكن حرم لأنه وسيلة إلى المحرم، فالرجل سيأخذه ويعتصره خمراً.
وكذلك الأصل في بيع الذهب أنه حلال، لكن لو باعه لرجل يلبسه فهو حرام؛ (لأن النبي ﷺ حرم لبس الذهب والحرير على الرجال).
إذاً: فهذا لم يحرم لذاته وإنما حرم لغيره، فالمحرم لغيره هو حلال في أصله، لكنه حرم لأنه وسيلة للمحرم.
وهذا المذهب سأزيده تفصيلاً في مبحث النهي، وهل مطلق النهي يقتضي الفساد إذا كان محرماً لذاته أو محرماً لغيره؟
стр. 53
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - المكروه والمباح
من أقسام الأحكام التكليفية: المكروه، وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، والأولى تركه، وقد تأتي صيغه بالتحريم فتصرف إلى الكراهة.
وأما المباح فيتساوى فيه طرفاه، فلا ثواب ولا عقاب إلا بالنية.
стр. 54
تعريف المكروه وصيغه
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: المكروه لغة: المبغوض.
وشرعاً: طلب الكف لا على وجهة اللزوم لكن على جهة الإحسان.
قوله: (طلب الكف) مثل: لا تشرب قائماً.
وقوله: (لا على جهة اللزوم) أي: أنه لا يمنعك من الشرب.
حكمه: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
فمن شرب جالساً له الثواب من الله تعالى, وإن شرب قائماً فلا يعاقب.
وصيغه: له صيغتان: الأولى: صيغة مستقلة بذاتها بتصريح (الكراهة).
الثانية: (صيغة) التحريم المقرونة بقرينة تصرفها إلى الكراهة.
فمثال الصيغة الأولى: قول النبي في الصحيح: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال).
ومثال الصيغة الثانية: النهي عن الشرب قائماً.
стр. 55
أمثلة الكراهة
المثال الأول: مر النبي ﷺ برجل يشرب قائماً، فقال له: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو شر منه: الشيطان)، فهذه الصيغة ليس فيها التصريح بالتحريم، وإنما فيها النهي من النبي ﷺ عن الشرب قائماً.
وأوضح من ذلك: (أنه أمر من شرب قائماً أن يستقيء) ويصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: (أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائماً)، فالذين قالوا بالتحريم أولوه بتأويلين: التأويل الأول: أن هذه حالة خاصة بماء زمزم لشرفه, وهذا تأويل ضعيف.
التأويل الثاني -وهو وجيه-: أن النبي ﷺ ازدحم عليه الناس، وقال للعباس: (لولا أن تتكالب عليكم الناس لنزحت معكم) , فشرب قائماً، فهذا التأويل قوي، لكن نقول: عندنا قرينة أقوى من هذه القرينة وهي: (أن النبي ﷺ شرب قائماص من شنٍ معلقة) أي: قربة ماء، فشرب منها النبي ﷺ قائماً، وهذه قرينة قوية؛ لأن النبي ﷺ يستطيع أن يأخذ القربة ثم يجلس ويشرب بلا عناء، لكن إذا شرب قائماً فإنه يبين أن هذا النهي الذي صدر منه ليس على التحريم لكنه على الكراهة.
وفائدته: أن يبين للناس أنه لا إثم على من شرب قائماً، فلذا النبي ﷺ قد يفعل مكروهاً لا محرماً ليشرع للناس, ولينقل شرع الله لهم.
ويتفرع على هذا: أن الذي يفعل المكروه لا إنكار عليه, لكن لابد أن يبين له أنه فعل مكروهاً واستهان به، وهو بهذا لا محالة سيقع في الحرام.
المثال الثاني: البول قائماً, قالت عائشة: (ما كان النبي ﷺ يبول إلا كما تبول النساء)، أو قالت: (من قال أن النبي ﷺ بال قائماً فقد كذب)، وفيه دلالة على أن النبي ﷺ كان لا يبول إلا جالساً، وقد نهى عن البول قائماً، وقد جاءتنا القرينة تصرف التحريم إلى الكراهة عند جمهور أهل العلم, وهي كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) , ففعل النبي ﷺ صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
لكن التحقيق في المسألة فقهياً: أن من يبول قائماً يحرم عليه ذلك إلا إذا أمن الرذاذ, فإذا لم يأمن فهو عليه حرام.
ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير, ثم قال: وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله) , أي: لا يستتر ويأمن من الرذاذ الذي يعود عليه، وهذا تأويل لبعض أهل العلم، وهو تأويل راجح ووجيه.
فالذي يبول قائماً ولا يحمي نفسه منه يحرم عليه أن يبول قائماً, وهذا هو الحاصل في كثير من المراحيض الموجودة في كثير من المساجد؛ فيحرم عليه البول قائماً في تحقيق هذه المسألة.
ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ بال على الكناسة وهي رخوة لا يرتد منها رذاذ.
المثال الثالث: قضاء الحاجة مستدبر القبلة أو مستقبلها في المراحيض، أما في الخلاء فقولاً واحداً أنه يحرم ذلك؛ لحديث: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن سددوا وقاربوا)، فذهب أبو أيوب ﵁ وأرضاه إلى الشام فوجد مراحيض مستقبلةً القبلة, قال: فكنا نستدير ونستغفر الله.
المقصود: أنهم في البنيان اختلفوا؛ فذهب إلى التحريم بعض الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم, لكن التحقيق في المسألة: أن ذلك يجوز إذا وجد في الصحراء ساتر، لحديث ابن عمر: أنه اتخذ من مؤخرة الرحل ساتراً له، ولما سئل عن ذلك قال: إنما ذلك في الصحراء.
والراوي أعلم بما روى.
المثال الرابع: الأكل من جميع نواحي الطبق؛ لأن النبي قال: (يا غلام! سم الله, وكل بيمينك, وكل مما يليك) , والأصل أن هذا الأمر ظاهره التحريم, لكن جاء في الحديث عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء).
стр. 56
أقسام الكراهة
الكراهة كراهتان: كراهة تحريمية, وكراهة تنزيهية.
فالتحريمية هي: التي ثبتت بدليل ظني, أي: حديث آحاد, مثل: قول رسول الله ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه, ولا يبع أحدكم على بيع أخيه) , فهنا الكراهة كراهة تحريمية، ولا مشاحة في الاصطلاح.
أقول: من الورع أن يترك الإنسان المكروه، فإذا عرف الإنسان المكروه, وتعلم كيف ينبت أن هذا مكروهاً, فيجب عليه أن يجتنبه؛ لأن من توسع في المباح وقع في المكروه لا محالة، ومن توسع في المكروه وقع في الحرام لا محالة، والنبي ﷺ يقول: (فاتقوا الشبهات).
стр. 57
تعريف المباح وأمثلته
المباح لغة: المعلن والمأذون فيه.
واصطلاحاً: ما استوى فعله وتركه.
حكمه: لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
صيغه: رفع الجناح أو الملامة، كقول الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] , وقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] , فمباح للأعرج أو المريض أو الذي به عاهة أن يتخلف عن الغزو, وأيضاً قال: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] , أي: إذا طلق الرجل امرأته الطلقة الأولى، فإنها زوجته كما قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]؟ وله أن يراجعها متى شاء, أما التي طلقت طلاقاً بائناً، وأصبحت بائنة بينونة كبرى وما زالت في العدة، فله أن يعرض، وتكون بالنسبة إليه بمثابة المتوفى عنها زوجها.
أيضاً: يلحق بها المختلعة؛ فهي لها عدة استبراء الرحم فقط على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأن في الخلع خلاف هل هو طلاق أم ليس بطلاق؟ والراجح أنه ليس بطلاق بل فسخ, والعدة حيضة واحدة, ولذا فله أن يعرض.
стр. 58
المباحات تنقلب بالنيات إلى عبادات
من فعل المباح بنية يثاب عليه، ولذلك قعد علماء الفقه قاعدة فقهية فقالوا: العادات تنقلب بالنيات إلى عبادات.
وأصل ذلك قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) , فوجه الشاهد: (إنما الأعمال) , ووجه الدلالة: (الأعمال) جمع, والجمع المعرف بالألف واللام يفيد العموم.
مثال ذلك: قول الصحابي: إن لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، أي: أنه ينام حتى يقيم الليل.
أيضاً: الثوري كان يأكل كثيراً، فلما عاتبوه على ذلك, قال: إني أستعين بذلك على الجهاد.
فإن كنت تأكل كثيراً فاحتسب أنك تقوي جسدك للجهاد في سيبل الله؛ فمن يأكل كثيراً له أن يحتسب ذلك؛ فيتلذذ بالطعام ويحتسب أن ذلك تقوية له على الطاعة.
وممكن لمن يلعب الكرة أن يحتسب أنها تقوية للبدن، فعندما تحتسب ذلك فلك الأجر، لكن كلها لا ترتقي لأن تكون كذكر الله وتسبيحه وتحميده.
стр. 59
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان
لكل حكم شرعي سبب لا بد من وجوده ليوجد الحكم، وشرط بعدمه يعدم الحكم، وإذا وجد مانع للحكم امتنع، وكل هذا يسمى صحة إن سلم من المعارض ووافق الشرع، ويبطل إن وجد المعارض، سواء كان ذلك في العبادات أو المعاملات.
стр. 60
تعريف السبب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الوضع هو: أن تجعل شيئاً علامة وأمارة لشيء.
السبب من الأحكام الوضعية.
السبب لغة هو: ما يتوصل به المرء إلى مقصود ما, قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥].
وفي الاصطلاح: ما يجعله الشارع علامة لحكم شرعي وجوداً وعدماً.
فيوجد الحكم الشرعي بوجود هذه الأمارة، وينتفي الحكم الشرعي بانتقاء هذه الأمارة, فمثلاً: الحكم الشرعي لمن زنا بعدما أحصن أنه يرجم، فجعل الشارع الزنا مع الإحصان علامة على حكم شرعي، وهو: الرجم حتى الموت؛ فمن زنا بعد أن أحصن فقد أتى بسبب حكم شرعي، وهو: أن يرجم حتى الموت.
(وجوداً): أي: إذا وجد الزنا وجد الحكم، وهو: الرجم حتى الموت.
(وعدماً): أي: إذا لم يزن المحصن لم يرجم حتى الموت.
مثال ذلك أيضاً: زوال الشمس عن كبد السماء علامة على صلاة الظهر, ووجود مثلي الظل علامة على صلاة العصر, وهكذا.
أيضاً: حلول شهر رمضان علامة على حكم شرعي، وهو: صيام هذا الشهر.
стр. 61
علاقة السبب بالعلة
من المباحث التي تتعلق بالسبب: العلة, فدائماً يقولون هذا الحكم علته كذا.
والسبب والعلة بينهما عموم وخصوص, فالسبب أعم من العلة, وهما يتفقان عند معرفة المناسبة للحكم الشرعي، فيطلق على السبب العلة, كرجل شرب الخمر، يقام عليه الحد أربعون جلدة, وهناك مناسبة للحكم وهي: زوال العقل، فالإسكار سبب لتحريم الخمر, أو أن الإسكار علة لتحريم الخمر؛ لأن الشرع جاء بحفظ العقل الذي يحفظ المال والعرض، فإذا وجد ما يفسد ما جاء الشرع بحفظه فهو محرم.
إذاً: الحكمة من تحريم الخمر هي حفظ العقل, والمناسبة في تحريم الخمر: أنه يذهب العقل، والحكمة من التحريم يسمى: علة أو سبباً.
إذاً: هما يتفقان في معرفة المناسبة للحكم.
مثاله: رجل بكر زنى بامرأة ثيب؛ فالحكم أن الرجل عليه مائة جلدة وتغريب عام, والمرأة ترجم حتى الموت, والحكمة من ذلك: أن الشرع جاء ليحفظ العرض؛ لأن المحصن عندما يرى أن الزاني المحصن يرجم حتى الموت سيرتدع.
وينفرد السبب عندما لا نعلم الحكمة من الحكم الشرعي, مثال ذلك: (((أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، ما الحكمة من أن الظهر يكون في هذا الوقت أو ذاك؟ فهذا يسمى: سبباً.
كذلك القصر في السفر؛ فالسفر سبب ليس له علة, وكذلك أباح الله للمسافر أن يفطر, والعلة قول الله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
стр. 62
تعريف الشرط وأمثلته
الشرط في اللغة: العلامة اللازمة, أي: لا تنفك عن الإنسان.
واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود.
والشرط خارج عن الشيء وليس في ماهية الشيء.
مثاله: الوضوء شرط من شروط الصلاة؛ فمن لم يتوضأ فصلاته باطلة, ويقال له: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل, وعدم الوضوء يدل على عدم صحة الصلاة.
أو: رجل توضأ ثم قال: سمعت ربي يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهل أقول له: قم فصل؟ لا؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود.
أو: الشاهدان شرط لصحة عقد النكاح: رجل أخذ ابنته وذهب يزوجها بلا شاهدان؛ فهنا اختل شرط من الشروط وهو: شاهدا عدل، فيلزم من عدم وجود الشهود عدم صحة العقد.
أيضاً: رجل يبيع الذهب؛ فجاءته امرأة تبيع خاتمها؛ فأخذه منها وأعطاها نصف القيمة.
فهنا وجد شرط التقابض واختل شرط التماثل؛ فلما عدم التماثل عدم صحة العقد.
стр. 63
الفرق بين الشرط والركن
الفرق بين الشرط والركن من عدة أمور: الأول: أن الركن في ماهية الشيء, والشرط خارج الماهية.
الثاني: أن الركن يلزم من وجوده الوجود، والشرط لا يلزم من وجوده الوجود.
مثال ذلك: الرضا في عقد النكاح: فلو أن الأب عقد لبكر عن رضا منها صح العقد, أما الثيب لو عقد لها وليها عن غير رضاً منها فإن العقد مفسوخ؛ فعدم الرضا يلزم منه عدم صحة العقد، ولا يلزم من وجوده وجود العقد، هذا في الثيب, أما في البكر ففي المسألة خلاف فقهي عريض, والجمهور يرون أن للولي أن يجبر موليته على النكاح إذا كانت المصلحة في ذلك, وخالف في ذلك الأحناف.
стр. 64
تعريف المانع وأمثلته
المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
مثاله: من كان ذاهباً إلى المسجد فوجد الباب مغلقاً.
فهذا مانع من أداء العبادة في المسجد.
أيضاً: القتل والرق والكفر موانع الإرث, وكذلك وجود من هو مقدم في الدرجة على الترتيب المعروف: بنوة ثم أبوة ثم أخوة ثم عمومة؛ فيحجب الأول الثاني ويمنعه من الإرث, ومن قتل أباه يمنع من الإرث, لأنه تعجل الشيء قبل أوانه فعوقب بحرمانه.
كذلك: التوحيد مانع من الخلود في النار؛ فمن سرق ونهب وغش وقتل؛ ثم مات فتوزن حسناته وسيئاته ثم يجازى بحسب ذلك في النار، ثم يخرج من النار بعد ذلك مادام قد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهي مانع من الخلود في النار, وعلى هذا يحمل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]؛ فحتى يستحق الخلود في النار لابد من توافر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع.
مثال ذلك أيضاً: الزواج من البنت مانع من العقد على خالتها أو عمتها أو أختها؛ فالإيجاب والقبول والشهود شرط, لكن الزواج من أختها مانع من موانع العقد عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]؛ فمع أن الأصل الحل إلا أن المانع لما وجد وجد الحكم بالمنع.
كذلك: عدم إرسال الرسل مانع من العذاب, كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
стр. 65
تعريف الصحة وأمثلته
الصحة في اللغة: السلامة من المرض.
واصطلاحا: موافقة أمر الشرع في العبادات أو المعاملات.
فالعبادة إذا كانت صحيحة فإنه يترتب عليها آثارها الشرعية, أي: أن العبادات التي تتوافر فيها الشروط والأسباب والأركان وتنتفي فيها الموانع فهي عبادة صحيحة, تبرأ بها الذمة.
مثاله: من صلى في المسجد إلى القبلة وقرأ الفاتحة في كل ركعة وبركوع وسجود واطمئنان فصلاته صحيحة.
كذلك: من وفى ماله النصاب وحال عليه الحول فأخرج زكاته كاملة عن طيب نفس منه صحت زكاته, ولم نطالبه بإخراجها مرة أخرى.
كذلك: من نوى صيام رمضان وامتنع عن الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان صح صيامه، ولم نطلب منه أن يعيده مرة أخرى, وبرئت ذمته منه.
وهذا معنى الصحة في العبادات.
كذلك في المعاملات: إن كانت الشروط صحيحة واستوفت الأركان, قلنا: هذا العقد صحيح, وإذا صح العقد ترتبت عليه آثاره.
مثاله: رجل اشترى من آخر سيارة معلومة واطلع على عيوبها, وسلم البيع من الغرر, وقال الأول: اشتريت, وقال الآخر: بعت, ووجد الإيجاب والقبول والتقابض, واكتملت أركان العقد صح البيع, وبرئت الذمة, وتمت الملكية، وترتبت على الملكية آثارها.
стр. 66
تعريف البطلان وأمثلته
البطلان لغة: الفساد.
واصطلاحاً: عكس الصحة.
أي: عدم موافقة الشرع.
حكمه: عدم ترتب الآثار الشرعية عليه.
مثاله: رجل صلى وأطال الصلاة, ولكنه لم يقرأ بالفاتحة؛ فصلاته باطلة, ويلزمه أن يعيد الصلاة.
أيضاً: رجل أعطى للآخر سيارة على أن يجربها لمدة أسبوع؛ فإذا أعجب بها اتصل به وأعطاه سعرها؛ فهذا عقد باطل؛ لأن الثمن مجهول, والعقد باطل؛ ولذلك المشتري لا يمتلك السيارة، والبائع لا يمتلك المال.
هذا هو معنى البطلان.
كذلك: من رأى خلخال امرأته في نهار رمضان؛ فداعبها فأنزل؛ فصيامه صحيح؛ لأن البطلان لا يكون إلا بالجماع, ولا دليل على البطلان من الإنزال, ولا يترتب عليه كفارة.
اختلف الأحناف مع الجمهور في الفساد والبطلان, فالبطلان والفساد عند الجمهور واحد, وعند الأحناف مختلفان؛ فهما يستويان في العبادات فقط, أما في المعاملات فهناك عقد باطل, يعني: لا يترتب عليه آثاره, وعقد فاسد, وهو: يلزم صاحبه ويترتب عليه آثاره؛ فلو وجد عقد فيه شرط باطل؛ فالعقد فاسد ويترتب عليه آثاره.
والله أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 67
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب
يعتبر الكتاب العزيز أصل الأصول، فهو المرجع الذي ترجع إليه أدلة الأحكام كلها، وقد بحثه العلماء في مؤلفاتهم، وخاصة في علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، وذكروا مسائل كثيرة تتعلق به، ومنها: تعريفه، وحكم القراءة الشاذة، والنسخ فيه، وغير ذلك المسائل الأخرى.
стр. 68
أصل الأصول (الكتاب)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فكما بينا الأحكام الخمسة ضمن الأحكام الوضعية، فنتكلم -بمشيئة الله تعالى- عن الأدلة لهذه الأحكام، فأصل الأصول والمرجع الذي ترجع له أدلة هذه الأحكام هو: الكتاب، والسنة، والكتاب هو أصل الأصول.
стр. 69
تعريف القرآن الكريم
القرآن: هو: كلام الله المعجز، المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد ﷺ ، المنقول إلينا بالتواتر.
قوله: (كلام الله) الله جل وعلا تكلم به بصوت وحرف وسمعه جبريل الرسول الملكي من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي ﷺ ، فكان جبريل إذا تلا القرآن على رسول الله أسرع رسول الله ﷺ فيردد ما قاله جبريل، خشية النسيان، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، فكان جبريل يسمعه من الله ، وينزل به على محمد ﷺ ، فهو كلام الله، وهذا فيه رد رد على المعتزلة، وفي الظاهر أيضاً رد على الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة يقولون: هو كلام الله، لكن الأشاعرة قولهم في القرآن أخبث من قول المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق، ونحن نقول: لا، كلام الله صفة من صفاته، تكلم الله بالقرآن بصوت مسموع وحرف.
قوله: (المعجز) أي: الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أي: نزل هذا القرآن على البلغاء منهم، فقد كانوا أفصح الناس وأبلغهم، حتى إن شاعرهم جلس من طلوع الشمس ينثر شعراً إلى غروب الشمس، وكان عنده ضعف في نطقه بالراء، فإذا تكلم ونطق بحرف الراء فالناس سيستنكرون منه هذا الحرف، فأتى بأكثر من مائة وعشرين بيتاً من الشعر ليس فيه حرف الراء من الفصاحة والبلاغة، كانوا بلغاء وفصحاء، ومع ذلك لم يأتوا بمثل هذا القرآن.
قال الله تعالى معجزاً إياهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
وأيضاً الله جل وعلا أعجزهم أيما إعجاز فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٤] ثم أعجزهم بعشر سور من مثله، ثم أعجزهم بسورة فقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف واحد، مع أن الله أعجزهم أكثر بالحروف المقطعة، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن من هذه الحروف التي تتكلمون بها، فالمعجز: هو الذي أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولذلك كان هذا رداً على طه حسين وأمثاله من الزنادقة الذين يلمحون بأن القرآن من كلام محمد أو من الشعر الجاهلي والعياذ بالله! وهذا كفر مبين.
فالله جل وعلا يبين أن هذا الكلام هو كلامه، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، فهو كلام الله المعجز.
قوله: (المتعبد بتلاوته) هذا قيد ليخرج به الحديث القدسي؛ لأنه أقرب إلى القرآن، فالقرآن لفظاً ومعنىً من الله جل وعلا، والحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي ﷺ .
ويمكن أن نقول: الحديث القدسي عام في اللفظ والمعنى، لكن أكثر المعنى موكول إلى رسول الله ﷺ ، فيخرج بالمتعبد بتلاوته: الحديث القدسي، ومعنى: المتعبد بتلاوته: أن الإنسان لابد أن يأتي بنفس الألفاظ، فمثلاً: الفاتحة لا يمكن لأحد أن يصلي بالفاتحة بمعناها دون لفظها، لابد من نفس اللفظ، لأنه لفظ توقيفي، كما يوجد خلاف بين المحدثين: هل الحديث يمكن أن ترويه بالمعنى أو لا؟ والراجح أنه ممكن أن تروي الحديث القدسي بالمعنى ولك الأجر، لكنك غير متعبد بتلاوته.
قوله: (المنزل على محمد ﷺ هذا فيه دلالة على أن محمداً هو الذي اختص بهذه الخصيصة، وفيه بيان أن القرآن هو أكبر المعجزات التي أوتيها رسول الله ﷺ .
قوله: (المنقول إلينا بالتواتر) يخرج لنا الآحاد من الأحاديث القدسية التي نقلت لنا عن طريق التواتر.
стр. 70
حكم القراءة الشاذة
وهنا مسائل تختص بأول أصل من الأصول في الأدلة، ومنها: المسألة الأولى: حكم القراءة الشاذة، هذه المسألة تتعلق بأصل الأصول وهو القرآن، والقراءة الشاذة: هي القراءة التي نقلت إلينا بغير التواتر، فتسمى عند العلماء قراءة شاذة.
ومثال هذا القراءات: الزيادة في مصحف ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فهذه قراءة شاذة؛ لأنها لم تنقل إلينا بالتواتر.
وقد اختلف العلماء في حكم القراءة الشاذة بعدما اتفقوا أنها ليست من القرآن، وعلى هذا فلا تأخذ هذه القراءات حكم القرآن، أي: لا يتعبد بتلاوتها.
جمهور أهل العلم يرون أن القراءة الشاذة ليست بحجة.
وذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية والجمهور من الأحناف إلى أنها حجة ويعمل بها في الأحكام، وهذا له أثره في الخلاف الفقهي.
من الأدلة التي استدل بها الجمهور: أولاً: أنها افتقدت شرطاً من شروط القرآن.
وهو: التواتر، فلا تأخذ حكم القرآن، والقرآن هو الحجة وغيره ليس بحجة.
ثانياً: أنها لم تضف لا للمشرع، ولا لنقل الشرع على الراجح أصولياً، ومعنى: (لم تضف إلى المشرع) أي: الله، ومعنى: (لم تضف إلى ناقل الشرع) على الراجح من أقوال أهل العلم هو الرسول ﷺ ، ودليل ذلك: أن الذي أقرأها لا يقول: إنها من القرآن، وكذلك لا يقول: قال الله تعالى، ولا يقول: إنها من قول النبي ﷺ .
وأما حجة جمهور الحنابلة والأحناف وبعض الشافعية فقالوا: تنزل القراءة الشاذة منزلة الحديث الحسن، فحكمها حكم الحديث المرفوع، والحديث المرفوع حجة في الأحكام.
والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم هو: قول الجمهور: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة؛ لأنها فقدت شرط القرآن، والقرآن هو الحجة، فهو يأتينا بالتواتر، فإذا فقد شرط التواتر فليس من القرآن، وكذلك الذي يقرأ بها لا يقول: قال رسول الله كذا، فكيف ننزلها منزلة الحديث الحسن؟! فالصحيح الراجح: أن القراءة الشاذة ليست بحجة في الأحكام، ويظهر هذا الخلاف بالمثال، قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، ثم قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] قرأها ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فانظر إلى المثال هنا، ابن مسعود يقرؤها: (متتابعات) والقراءات العشر لم يأت فيها هذا اللفظ، فالقراءة هنا قراءة شاذة، إذاً: الذي فقد الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة مآله في الكفارة إلى صيام ثلاثة أيام ولا يلزمه فيها التتابع، فممكن أن يصوم الثلاثة الأيام متفرقات، فهذا قول الجمهور؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود: (ثلاثة أيام متتابعات) هذه قراءة شاذة.
وطالما هي قراءة شاذة إذاً: لا حجة فيها، فنقول: يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام متفرقات، أو يصوم متتابعات وهذا أولى له، لكن إن فرق الأيام لا نلزمه بالتتابع.
أما الحنابلة والأحناف فيلزمون من يكفر عن يمينه بالتتابع؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود وإن كانت شاذة فهي حجة، وكيف تكون حجة؟ قالوا: تنزل منزلة الحديث الحسن، والحديث الحسن ولو كان آحاداً فهو حجة فيلزم العمل به، ونحن لا نوافقهم على هذا الإنزال، ونقول: طالما فقد شرط التواتر فلا حجة فيه.
وقراءة ابن مسعود تكون من اجتهاده وهو قول له، فإن كانت القراءة قولاً لـ ابن مسعود فلا نلزم به؛ لأن الحجة في القرآن وفي السنة، وقول الصحابي فيه اختلاف إذا لم يخالفه أحد، فإذا خالفه أحد فمن باب أولى ألا يؤخذ ولا يكون حجة؛ لأن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر رسول الله ﷺ .
وهنا: يشكل علينا حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها كانت تقول: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن إلى خمس رضعات مشبعات، ومات رسول الله ﷺ وهي مما يتلى من القرآن).
ابن حزم وأهل الظاهر وجمهور المالكية يقولون: إن الذي يحرم في الرضاع مصة أو مصتان أو ثلاث مصات، وحديث عائشة لا يؤخذ به؛ لأنه ليس بقرآن، ونحن نأخذ به فنقول: لا، خمس رضعات مشبعات يحرمن، أما يشكل علينا هذا؟ نقول: هذا ليس بقرآن فكيف يكون حجة؟ ونحن قعدنا قاعدة وقلنا: إما أن يكون قرآناً بالتواتر فهو حجة، وإما أن يكون حديثاً، وهذا ليس بقرآن ولا حديث، فكيف نحتج به؟ وعلماء جمهور الشافعية الذين يقولون: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة يحتجون بحديث عائشة على أن خمس رضعات مشبعات يحرمن فكيف يجاب عن هذا الإشكال؟
الجواب
نقول: الحجة ليس في قول عائشة، وإنما الحجة في إقرار النبي ﷺ ، ويلمح قول عائشة على أنه مات الرسول ﷺ وهي مما يتلى، أي: أن النبي ﷺ أقر بذلك، فهو يعتبر في حكم الحديث المرفوع؛ لأن إقرار النبي ﷺ حجة، والسنة تنقسم إلى سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة إقرارية، وهذا من باب السنة الإقرارية، فهي إذا فقدت الشرط الأول الذي هو التواتر، فإن الشرط الثاني موجود، وهو: الإضافة إلى ناقل الشرع، وهو الإضافة إلى الله أو إلى الرسول ﷺ ، فلا يشكل علينا حكم حديث عائشة رضي الله عها وأرضاها.
стр. 71
النسخ في القرآن
المسألة الثانية التي تتعلق بالقرآن: مسألة النسخ، وهذه مسألة من أصعب ما تكون، وقد اخترنا منها بعض المسائل.
стр. 72
تعريف النسخ لغة واصطلاحاً
النسخ لغة: الإزالة، تقول: الليل نسخ النهار، أي: أزاله ومحاه.
واصطلاحاً: رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق بدليل شرعي من الكتاب أو السنة لفظاً أو حكماً.
قوله: (رفع حكم شرعي) أي: إزالته أو تغييره، والأحكام الشرعية خمسة وهي: الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة، فنقول: رفع حكم شرعي، أي: نرفع الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم، كما أن الله جل وعلا أباح نكاح المتعة ثم نسخه بالتحريم، وأباح أكل لحوم الحمر الأهلية ثم نسخه بالتحريم، فهو إما رفع الحكم نفسه والإتيان بغيره، أو تبديله من الوجوب إلى الإباحة، أو من الوجوب إلى الندب، أو من التحريم إلى الكراهة، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم.
وقوله: (السابق) يرفع باللاحق، وإذا قلت: لاحق وسابق فمعناه: أنه لابد من التاريخ لهذا المتأخر الذي رفع الحكم المتقدم، فهذا هو الصحيح، أن الحكم الرافع يكون متأخراً، والحكم الذي رفع يكون متقدماً بدليل شرعي، أي: من الكتاب أو السنة، فالناسخ إما من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وأما القياس فإنه لا ينسخ الأحكام الشرعية.
стр. 73
الأدلة على جواز النسخ
والنسخ جائز بالأثر والنظر: أما بالأثر: فبتصريح قول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فجاء النسخ بالكتاب تنصيصاً.
وكذلك السنة فإنها قررت ذلك: قال ﷺ : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) فنسخ.
وأما من النظر: فالعقل يجوز النسخ، فمن لوازم ربوبية الله جل وعلا أنه يحكم في عباده، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالله جل وعلا هو الذي يحكم، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، وقوله ﷺ : (إنما الله هو السيد) أي: الله جل وعلا له السيادة المطلقة في التشريع، فالله جل وعلا له أن يحرم وله أن يحلل؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب، فالله جل وعلا له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فله أن يحل ويحرم كيف ما شاء، يمحو ما يشاء من الأحكام، ويثبت ما يشاء من الأحكام، فالعقل يجوز ذلك.
إذاً: استدللنا من الأثر والنظر على أن النسخ جائز، وفيه رد على اليهود الذين لا يقولون بالنسخ.
стр. 74
أمثلة على النسخ في القرآن
من أمثلة النسخ في الكتاب: المثال الأول: كان الله جل وعلا يأمر المؤمن أن يقف أمام عشرة من المشركين ولا يحل له أن يفر منهم، ولو فر فقد وقع تحت الوعيد الشديد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ [الأنفال:١٦]، ثم قال: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦]، فهذا وعيد شديد من الله لمن يفر من العشرة، قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]، ثم نسخ الله هذا الحكم، فكان للمرء أن يفر من ثلاثة، فنسخه من العشرة إلى الاثنين، قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، فإذا كانوا اثنين فليس له أن يولي دبره، ويكون من الذين قال فيهم النبي ﷺ : (والتولي يوم الزحف)، أي: أنه من الموبقات، فلو كان هناك جنديان من اليهود مع جندي مثلاً من الفلسطينيين فليس له أن يفر، لكن لو كانوا ثلاثة له أن يفر منهم، فإن الله جل وعلا خفف من عشرة إلى اثنين، فهذا نسخ للحكم السابق.
المثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ثم قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، كان الحكم أن الذي يصوم إذا نام قبل سقوط الشمس حتى خرج وقت المغرب لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع النساء، حتى ولو جاء عليه المغرب، أي: أنه لو جاء إلى وقت سقوط حاجب الشمس فنام قبل أن يأكل، فإذا استيقظ لا يجوز له أن يأكل ولا يمس النساء، فيبقى صائماً إلى اليوم الثاني، هذا كان حكماً شاقاً على الصحابة، ولذا جاء أحد الصحابة إلى امرأته بعدما تعب تعباً شديداً في عمله، فقاربت الشمس على المغيب؛ فجهزت له الطعام وجهزت نفسها له، فلما ذهبت لتأتي بالطعام وقد سقط حاجب الشمس وجدته نائماً، فكلمته كلمة شديدة معاتبة له؛ لأنه إذا استيقظ ليس له أن يأكل أو يأتي امرأته؛ فخفف الله ونسخ هذا الحكم على المؤمنين، وذلك بأنه إذا سقط حاجب الشمس نام أم لم ينم، له أن يأكل ويشرب، وله أن يأتي النساء قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].
المثال الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] أي: أي شيء من الخواطر القلبية ستحاسبون عليها، فشق ذلك على الصحابة؛ فأنزل الله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقال الله: (قد فعلت قد فعلت)، فنسخ الحكم الأول بالحكم الثاني، وهذا من سنة التدريج، وكذلك فيه نسخ.
كذلك تحريم الخمر تدرج الله في تحريمه، فكان أول ما نزلت فيه آية تبين أن الخمر فيه منافع ومساوئ، والمساوئ أكثر.
ثم حرم الله شرب الخمر والاقتراب منها وقت الصلاة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ثم بعد ذلك قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].
стр. 75
أمثلة على النسخ في السنة
من أمثلة النسخ في السنة: المثال الأول: المتعة، وفيه خلاف فقهي عريض، والصحيح الراجح عند المحققين أن النبي ﷺ أباحها أولاً؛ لأن العرب كانوا لا يستطيعون البعد عن النساء، فكانوا إذا ذهبوا يقاتلون ليس معهم النساء، فأباح لهم النبي ﷺ أن يتزوجوا، كما قال أبي وغيره: (كان الواحد منا ينكح المرأة على ثوبه أو على دينار أو على درهم) فينكحها ويتمتع بها ثلاثة أيام بالشرط، وينفسخ العقد، فأحلها ثم حرمها يوم خيبر، ثم في سبايا أوطاس حرمها تحريماً نهائياً، فهي أحلت، ثم حرمت، ثم أحلت، ثم حرمت تحريماً نهائياً، فقال النبي ﷺ : (إن الله حرم المتعة إلى يوم القيامة) فكان هذا تحريماً نهائياً من السنة.
كذلك: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها)، فهذا مثال النسخ من السنة.
وقد قلنا: إن الناسخ الذي ينسخ الكتاب: إما دليل من الكتاب أو من السنة أو الإجماع، فلا ينسخ القياس ولا المصالح المرسلة ولا قول الصحابي، وأما الإجماع فلا ينسخ الإجماع؛ لأنه ليس بناسخ، ولكنه دليل على النسخ كما دل عليه المحققون من أهل الأصول، أي: لو جاء في مسألة يقول لك: الذهب المحلق ليس بحرام؛ لأن الإجماع قام على جوازه، بمعنى أن الشيخ الألباني يقول: إن الذهب المحلق كالسلسلة أو الخلخال وأي شيء له طوق فهو حرام على النساء، وله أدلة قوية، كحديث النبي ﷺ أنه قال: (من أراد أن يطوق حبيبه بطوق من نار فليطوقه بسوار)، وأيضاً قال لـ فاطمة: (أيعجبك أن يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد سورت بسوار من نار)، فباعتها واشترت بها عبداً وأعتقته، فهو يقول: إن الذهب المحلق حرام، فمن رد من أهل العلم عليه في ذلك قال: هذا خلاف الإجماع، فقد دل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، فإما أن نقول: هذا الحديث مؤول أو نقول بالنسخ، وأنا أميل إلى أنه مؤول كما سنبين، والغرض المقصود من هذا: أن الإجماع يدل على النسخ، ويوجد دليل آخر يبيح الذهب المحلق للنساء، لكن الإجماع نفسه ليس بناسخ.
следующие страницы →