← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37693

تيسير أصول الفقه للمبتدئين

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (216 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النسخ في القرآن المسألة الثانية التي تتعلق بالقرآن: مسألة النسخ، وهذه مسألة من أصعب ما تكون، وقد اخترنا منها بعض المسائل.

стр. 72

تعريف النسخ لغة واصطلاحاً النسخ لغة: الإزالة، تقول: الليل نسخ النهار، أي: أزاله ومحاه. واصطلاحاً: رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق بدليل شرعي من الكتاب أو السنة لفظاً أو حكماً. قوله: (رفع حكم شرعي) أي: إزالته أو تغييره، والأحكام الشرعية خمسة وهي: الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة، فنقول: رفع حكم شرعي، أي: نرفع الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم، كما أن الله جل وعلا أباح نكاح المتعة ثم نسخه بالتحريم، وأباح أكل لحوم الحمر الأهلية ثم نسخه بالتحريم، فهو إما رفع الحكم نفسه والإتيان بغيره، أو تبديله من الوجوب إلى الإباحة، أو من الوجوب إلى الندب، أو من التحريم إلى الكراهة، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم. وقوله: (السابق) يرفع باللاحق، وإذا قلت: لاحق وسابق فمعناه: أنه لابد من التاريخ لهذا المتأخر الذي رفع الحكم المتقدم، فهذا هو الصحيح، أن الحكم الرافع يكون متأخراً، والحكم الذي رفع يكون متقدماً بدليل شرعي، أي: من الكتاب أو السنة، فالناسخ إما من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وأما القياس فإنه لا ينسخ الأحكام الشرعية.

стр. 73

الأدلة على جواز النسخ والنسخ جائز بالأثر والنظر: أما بالأثر: فبتصريح قول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فجاء النسخ بالكتاب تنصيصاً. وكذلك السنة فإنها قررت ذلك: قال ﷺ : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) فنسخ. وأما من النظر: فالعقل يجوز النسخ، فمن لوازم ربوبية الله جل وعلا أنه يحكم في عباده، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالله جل وعلا هو الذي يحكم، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، وقوله ﷺ : (إنما الله هو السيد) أي: الله جل وعلا له السيادة المطلقة في التشريع، فالله جل وعلا له أن يحرم وله أن يحلل؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب، فالله جل وعلا له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فله أن يحل ويحرم كيف ما شاء، يمحو ما يشاء من الأحكام، ويثبت ما يشاء من الأحكام، فالعقل يجوز ذلك. إذاً: استدللنا من الأثر والنظر على أن النسخ جائز، وفيه رد على اليهود الذين لا يقولون بالنسخ.

стр. 74

أمثلة على النسخ في القرآن من أمثلة النسخ في الكتاب: المثال الأول: كان الله جل وعلا يأمر المؤمن أن يقف أمام عشرة من المشركين ولا يحل له أن يفر منهم، ولو فر فقد وقع تحت الوعيد الشديد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ [الأنفال:١٦]، ثم قال: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦]، فهذا وعيد شديد من الله لمن يفر من العشرة، قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]، ثم نسخ الله هذا الحكم، فكان للمرء أن يفر من ثلاثة، فنسخه من العشرة إلى الاثنين، قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، فإذا كانوا اثنين فليس له أن يولي دبره، ويكون من الذين قال فيهم النبي ﷺ : (والتولي يوم الزحف)، أي: أنه من الموبقات، فلو كان هناك جنديان من اليهود مع جندي مثلاً من الفلسطينيين فليس له أن يفر، لكن لو كانوا ثلاثة له أن يفر منهم، فإن الله جل وعلا خفف من عشرة إلى اثنين، فهذا نسخ للحكم السابق. المثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ثم قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، كان الحكم أن الذي يصوم إذا نام قبل سقوط الشمس حتى خرج وقت المغرب لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع النساء، حتى ولو جاء عليه المغرب، أي: أنه لو جاء إلى وقت سقوط حاجب الشمس فنام قبل أن يأكل، فإذا استيقظ لا يجوز له أن يأكل ولا يمس النساء، فيبقى صائماً إلى اليوم الثاني، هذا كان حكماً شاقاً على الصحابة، ولذا جاء أحد الصحابة إلى امرأته بعدما تعب تعباً شديداً في عمله، فقاربت الشمس على المغيب؛ فجهزت له الطعام وجهزت نفسها له، فلما ذهبت لتأتي بالطعام وقد سقط حاجب الشمس وجدته نائماً، فكلمته كلمة شديدة معاتبة له؛ لأنه إذا استيقظ ليس له أن يأكل أو يأتي امرأته؛ فخفف الله ونسخ هذا الحكم على المؤمنين، وذلك بأنه إذا سقط حاجب الشمس نام أم لم ينم، له أن يأكل ويشرب، وله أن يأتي النساء قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. المثال الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] أي: أي شيء من الخواطر القلبية ستحاسبون عليها، فشق ذلك على الصحابة؛ فأنزل الله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقال الله: (قد فعلت قد فعلت)، فنسخ الحكم الأول بالحكم الثاني، وهذا من سنة التدريج، وكذلك فيه نسخ. كذلك تحريم الخمر تدرج الله في تحريمه، فكان أول ما نزلت فيه آية تبين أن الخمر فيه منافع ومساوئ، والمساوئ أكثر. ثم حرم الله شرب الخمر والاقتراب منها وقت الصلاة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ثم بعد ذلك قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].

стр. 75

أمثلة على النسخ في السنة من أمثلة النسخ في السنة: المثال الأول: المتعة، وفيه خلاف فقهي عريض، والصحيح الراجح عند المحققين أن النبي ﷺ أباحها أولاً؛ لأن العرب كانوا لا يستطيعون البعد عن النساء، فكانوا إذا ذهبوا يقاتلون ليس معهم النساء، فأباح لهم النبي ﷺ أن يتزوجوا، كما قال أبي وغيره: (كان الواحد منا ينكح المرأة على ثوبه أو على دينار أو على درهم) فينكحها ويتمتع بها ثلاثة أيام بالشرط، وينفسخ العقد، فأحلها ثم حرمها يوم خيبر، ثم في سبايا أوطاس حرمها تحريماً نهائياً، فهي أحلت، ثم حرمت، ثم أحلت، ثم حرمت تحريماً نهائياً، فقال النبي ﷺ : (إن الله حرم المتعة إلى يوم القيامة) فكان هذا تحريماً نهائياً من السنة. كذلك: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها)، فهذا مثال النسخ من السنة. وقد قلنا: إن الناسخ الذي ينسخ الكتاب: إما دليل من الكتاب أو من السنة أو الإجماع، فلا ينسخ القياس ولا المصالح المرسلة ولا قول الصحابي، وأما الإجماع فلا ينسخ الإجماع؛ لأنه ليس بناسخ، ولكنه دليل على النسخ كما دل عليه المحققون من أهل الأصول، أي: لو جاء في مسألة يقول لك: الذهب المحلق ليس بحرام؛ لأن الإجماع قام على جوازه، بمعنى أن الشيخ الألباني يقول: إن الذهب المحلق كالسلسلة أو الخلخال وأي شيء له طوق فهو حرام على النساء، وله أدلة قوية، كحديث النبي ﷺ أنه قال: (من أراد أن يطوق حبيبه بطوق من نار فليطوقه بسوار)، وأيضاً قال لـ فاطمة: (أيعجبك أن يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد سورت بسوار من نار)، فباعتها واشترت بها عبداً وأعتقته، فهو يقول: إن الذهب المحلق حرام، فمن رد من أهل العلم عليه في ذلك قال: هذا خلاف الإجماع، فقد دل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، فإما أن نقول: هذا الحديث مؤول أو نقول بالنسخ، وأنا أميل إلى أنه مؤول كما سنبين، والغرض المقصود من هذا: أن الإجماع يدل على النسخ، ويوجد دليل آخر يبيح الذهب المحلق للنساء، لكن الإجماع نفسه ليس بناسخ.

стр. 76

أحوال النسخ في الكتاب والسنة إذا قلنا: إن الكتاب ناسخ، فالآية تنسخ الآية، أي: أن الكتاب ينسخ بالكتاب، وهذا بالاتفاق عند أهل العلم كما بينا في أمثلة القرآن، وهذه هي الحالة الأولى. الحالة الثانية: نسخ الكتاب بالسنة، وهذا على خلاف عريض بين أهل العلم، فالجمهور: يرون أن الكتاب ينسخ بالسنة، وتصدى الشافعي للجمهور فخالف وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة. أما الجمهور فقالوا: الأصل في النسخ تبديل الأحكام، والقرآن والسنة وحي من الله، قال ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فبالاتفاق أن الآيات هي: القرآن، والحكمة هي: السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. إذاً: فالكتاب والسنة وحي من الله جل وعلا فيمكن أن ينسخ، واستدلوا على ذلك بحديث النبي ﷺ أنه قال: (لا وصية لوارث). إذاً: الوارث لا يوصى له، فلا توصي وتقول: إن الربع هذا لأبي أو لأمي؛ لأن الأب يرث والأم ترث، فهل لي أن أقول: أوصيت ببيتي هذا لابنتي الوحيدة؟ لا يصح؛ لأنها فرع وارث. فلو أن رجلاً له: بنت وأخت، فأوصى لأخته بسيارته وقال: أختي هذه تذهب إلى المساجد تتعلم، فأوصي بسيارتي لها، هل الوصية باطلة؟ نقول: الآن لنا حالتان: الحالة الأولى: إن كانت الأخت ترث فلا وصية لها. الحالة الثانية: إن كانت الأخت حجبت بالفرع الوارث، كأن يكون عنده ولد مثلاً فحجبها، فلها الوصية. فهي لها حالتان: حالة ترث، وحالة لا ترث، فالتفصيل هو الصحيح، فإذا كانت وارثة فلا وصية لها، وإن لم ترث فلها الوصية. فالجمهور يقولون: قول النبي ﷺ : (لا وصية لوارث) نسخ لنا آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، إذاً: الأم والأب لابد أنك تكتب له وصية بالميراث، فجاء النبي ﷺ فقال: (لا وصية لوارث)، فنسخ هذا الحكم؛ لأن الأم سترث والأب سيرث، فإذاً: لا وصية لهما بهذا الحديث، فجاء الحديث فنسخ هذه الآية. أما الشافعي فيقول: لا تنسخ السنة الكتاب، وله أدلة أوضح من شمس النهار، يقول: أولاً: قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وهل السنة خير من القرآن؟ لا، القرآن فيه آيات يفضل بعضها على بعض، لكن السنة ليست بخير من القرآن. ثانياً: أجاب على أدلة الجمهور، فقال: أما الدليل الذي استدللتم به: (لا وصية لوارث)، فهذا ليس بناسخ وإنما هو مبين للناسخ، قلنا: كيف؟ قال: الناسخ لهذه الآية هو قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾ [النساء:١١] ففرض الفروض: فجعل للأب كذا وللأم كذا وهنا بهذه الآية نسخ الوصية، فجاء الحديث مبيناً لهذا الناسخ وليس بناسخ بذاته، فهذه الآية التي بينت الفرائض في الكتاب هي الناسخة لهذه الآية. وصراحة كان كلامه أقوى مما يكون، وهذا الدليل قوي جداً، ولذلك الجمهور ما عرفوا كيف يردون على الشافعي أولاً، وما عرفوا أن يأتوا بدليل أو بمثال آخر يكون فيه سنة نسخت القرآن. ولذلك إن قلنا: نحن مع الجمهور أصبحنا من المقلدة، وما عندنا دليل، وإن قلنا: نحن مع الشافعي فالمسألة حقاً صعبة؛ لكن الجمهور عادة يكون الحق مائلاً لهم، إلا أن يظهر دليل واضح للفرد فيكون الحق معه، والمقصود أن هذا خلاف معتبر، والراجح قول الجمهور على مضض.

стр. 77

أحوال النسخ في السنة والسنة كذلك لها حالتان: الحالة الأولى: أن السنة تنسخ السنة، فالمتواتر منها ينسخ المتواتر، والآحاد ينسخ الآحاد، وهذا بالاتفاق. فمثلاً: أحاديث تحريم نكاح المتعة نسخت الأحاديث التي أحلت نكاح المتعة. كذلك في بعض أقوال أهل العلم: أن النبي ﷺ في أول الأمر أجاز ربا الفضل: الدينار بالدينارين، والدرهم بالثلاثة، وبعض العلماء أول حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) بأنه منسوخ، وهذا تأويل، والجمع أولى منه، والخلاف الواقع هو في نسخ السنة بالكتاب وهذا سهل؛ لأن الكتاب أعلى، وهو خير من السنة فيكون أسهل، وهنا تصدى الشافعي لهذا، بل الجمهور مع الشافعي وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة، ودليله نظر بالعقل، أي: شبهة طرحها علينا فقال: لو قلنا بأن الكتاب ينسخ السنة فلن يسلم لنا حكم من السنة بحال من الأحوال، واستدل على ذلك بالبيوع، فقال: النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ونهى عن بيع الغرر، ونهى عن بيع التمر بالتمر إلا أن يكون مثلاً بمثل، ونهى عن بيع المجهول والمعدوم، فكل هذا نهى عنه النبي ﷺ ، فـ الشافعي قال: لو قلنا: بأن الكتاب ينسخ السنة فسيأتينا متنطع ويقول: كل هذه البيوع منسوخة، ما الذي نسخها يا رجل؟ يقول: الكتاب قال الله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، و (البيع) هنا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد كل البيوع، فيكون الكتاب هنا نسخ كل البيوع المحرمة التي حرمها رسول الله بالسنة. هذه هي الشبهة التي قالها الشافعي في الاعتراض على أن الكتاب ينسخ السنة. أما الجمهور فقالوا: الكتاب ينسخ السنة، وقالوا: عندنا دلائل منها: استقبل رسول الله ﷺ بيت المقدس بالسنة، فهل الله أمره أن يصلي إلى بيت المقدس؟ لا، ثم نسخ بالكتاب، قال الله جل وعلا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٥٠]، أي: شطر المسجد الحرام، ولذلك ذهب الذاهب -كما في الصحيحين- في صلاة العصر فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فقال: أنزل على رسول الله ﷺ قرآناً، وقد أمر أن يتحول إلى بيت المقدس، قال: فاستداروا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة. إذاً: فيه دلالة على أن الكتاب ينسخ السنة، وهذا هو الراجح؛ لأن الكتاب خير من السنة، والله جل وعلا يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]. أما اعتراضات الشافعي في المسألة الأولى: في قول الله تعالى: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، والسنة ليست خيراً من الكتاب، نقول: الخيرية هنا خيرية في الأحكام لا خيرية في الشرف والمكانة. أي: التخفيف من الثقيل إلى الأخف، لا خيرية في الثواب، أي: يعمل عملاً قليلاً وله الثواب الجزيل، وذلك كما بين النبي ﷺ : أننا نحن نعمل من العصر إلى المغرب وثوابنا أضعاف من عمل من الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فيعمل عملاً قليلاً ويأخذ ثواباً جزيلاً، فهذا معنى ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦] أي: التخفيف في الأحكام. وأما الاعتراض الثاني: أن الكتاب ينسخ السنة، فيأتي رجل فيقول: كل البيوع هذه محرمة، نقول: لا، ليست هذه بشبهة؛ لأن النبي ﷺ مبين عن الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقد بين لنا الرسول ﷺ ما معنى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: أحل كل البيع إلا هذه البيوع التي حرمتها عليكم، فهذا هو الجواب على اعتراض الشافعي، فالصحيح الراجح: أن الكتاب ينسخ الكتاب، والسنة تنسخ الكتاب، والكتاب ينسخ السنة.

стр. 78

ما يمتنع من النسخ مسألة: ما الذي يمتنع من النسخ؟ نقول: الذي يمتنع من النسخ هو الأخبار، ومعنى ذلك: أن يأتي خبر من الله يخبرنا عن شيء حدث ومضى، كأكل آدم من الشجرة، فلا يمكن أن يأتينا حكم ينسخ هذا، فلا تأتينا آية تقول: ما أكل آدم من الشجرة، أو أن الله جل وعلا أمر إبليس أن يسجد لآدم فأبى، ثم تأتينا آية أخرى فتقول: قد سجد إبليس لآدم. كذلك النبي ﷺ قال في قيام الساعة: (لن تقوم الساعة حتى يوسد الأمر إلى غير أهله، وينطق الرويبضة)، فيأتينا خبر آخر من النبي ﷺ يقول: إن الساعة تقوم على خلاف هذا الخبر، أو يقول: إن الساعة لا تقوم حتى يخرج الدجال أو ينزل عيسى بن مريم ﵇، فيأتينا خبر آخر من النبي ﷺ يقول: لن ينزل عيسى، مع أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى) فيأتينا خبر آخر يقول: لن ينزل عيسى، هذا لا يمكن أن يكون في كتاب الله أو سنة النبي ﷺ بحال من الأحوال، فالأخبار لا تنسخ؛ لأن الأخبار محلها الصدق والكذب، فإذا قلت: بأن خبراً لاحقاً جاء فنسخ الخبر السابق، فستقول مؤكداً: الخبر السابق كان كذباً، ولذلك أنت عندما تعيش في هذه الحياة فترى خبراً يأتيك، ثم يأتيك خبر آخر مخالف، فيقال: هذا الخبر الثاني قد كذب الخبر الأول، فهل في شرع الله جل وعلا في الكتاب أو في السنة أخبار كاذبة؟! حاشا لله! قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، والنبي ﷺ صادق مصدوق، كما قال ابن مسعود: (أخبرني الصادق المصدوق) فلا كذب في هذه الأخبار. إذاً: يمتنع النسخ في الأخبار، وفي أحكام التوحيد، وكذلك في الأحكام التي فيها تشريع عام من أول الخليقة إلى آخرها، كالفواحش وغيرها، فلا نسخ فيها، والشيء الذي الفطر مجبولة على أنها تنفر منه لا يمكن أن ينسخ؛ لأنها قوام لمعيشة الناس.

стр. 79

شروط النسخ أما شروط النسخ: فأولها: تعذر الجمع بين الدليلين، أي: إذا جاءت أدلة ظاهرها التعارض، والأصل أنه ليس هناك تعارض؛ لأنه كله يخرج من مشكاة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] فلا يوجد تعارض، لكن في نظر المجتهد يكون ظاهره التعارض، فإن أمكن الجمع فلا نذهب إلى النسخ؛ لأن العلماء قالوا: الجمع أولاً، ثم النسخ، ثم الترجيح، فلا يذهب المجتهد للنسخ في الأدلة إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ للقاعدة الفقهية التي تقول: (إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما) أو (إعمال الكلام أولى من إهماله)؛ لأنه كله خرج من النبي ﷺ ، فلو وجدت له طريقاً في أنك تعمل به فاعمل، وكما قلنا: الذين قالوا لنا: قول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) في الصلاة الجهرية منسوخة بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، نقول: لا نسخ؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، وكيف يكون الجمع؟ نقول: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] هذا في غير الفاتحة، أما الفاتحة فيقرؤها، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ثانيها: العلم بالناسخ، والعلم بالناسخ يعرف بأمور ثلاثة: الأمر الأول: بالنص، كأن يأتيني نص يقول لي: هذا نسخ هذا، فهذا أوضح وأجلى ما يكون، مثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] أي: نسخ الوقوف والمجابهة أمام العشرين بالمجابهة أمام الاثنين، فهذا النسخ صريح. كذلك في النص الصريح: قول النبي ﷺ : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) فنسخ. وأيضاً أن النبي ﷺ قال: (كنت قد أبحت لكم نكاح المتعة إن الله حرمها إلى يوم القيامة)، هذا نص صريح أيضاً في النسخ. الأمر الثاني: بقول الصحابي، كأن يقول: هذا الحكم نسخ، أوضح مثال لذلك هو: جابر بن عبد الله كما في الصحيحين، حيث بين أن آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، وكان قبل ذلك يتوضأ مما مست النار، فأي شيء طبخ فلابد أن تتوضأ إذا أردت الصلاة، فـ جابر بن عبد الله أخبر أن هذا قد نسخ، وكان آخر أمره ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. كذلك لحوم الأضاحي: (نهى النبي ﷺ أن تدخر لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام)، فبين علي بن أبي طالب أن هذا كان لعلة، هي علة: الدافة؛ لأن الفقراء كثر، فنهى النبي ﷺ أن يدخروا منها شيئاً، فلا بد أن يوزعوا على الفقراء، فلما انتهت الدافة والفقر أباح لهم أن يدخروا من لحوم الأضاحي. وكذلك حديث عائشة: نسخ الرضعات من عشر إلى خمس، وهذا أصرح ما يكون. ثالثها: العلم بالتاريخ، كأن يكون الراوي متأخراً في الإسلام، كـ أبي هريرة مثلاً، حيث يكون قد روى الحديث شخص متقدم في الإسلام، فيروي أبو هريرة حديثاً ينسخه؛ لأن أبا هريرة متأخر في الإسلام.

стр. 80

أقسام النسخ القسم الأول: نسخ الحكم واللفظ، أي: ينسخ حكمه وتلاوته، كقول عائشة: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات) فهل ممكن أحد يأتينا بهذه الآية من القرآن؟ لا، فقد نسخت حكماً وتلاوة. القسم الثاني: نسخ الحكم دون التلاوة، مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]، الحكم هذا نسخ وبقيت تلاوته. كذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] نسخت حكماً دون التلاوة. كذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] معنى الآية: أن المرأة المتوفى عنها زوجها لا تخرج من البيت أبداً مدة عام كامل، فهذه نسخت إلى أربعة أشهر وعشراً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فهذا من المنسوخ حكماً دون التلاوة؛ لأن الآية موجودة، لكن الحكم نسخ من سنة إلى أربعة أشهر وعشراً. ما الحكمة في ذلك؟ الحكمة: أولاً: أن يؤجر المرء بتلاوة القرآن؛ لأن الآية عندما يتلوها الشخص يأخذ أجراً عليها، الثاني: إثبات للنسخ، الذي هو: نسخ الحكم دون التلاوة. الثالث: أن الله جل وعلا يبين للأمة أنه يخفف عنهم، فيعلموا أن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيشكرون الله على ذلك، وهذا فيه دلالة أيضاً على أن الدين هو دين السماحة واليسر بحق إن لم يخالف الشرع، كما كان النبي ﷺ إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو مخالفاً للشرع. القسم الثالث: نسخ التلاوة دون الحكم، ومثاله هذه الآية: (والشيخ والشيخة إذا زنيا) كما في الصحيح عن ابن عباس قال: (قام عمر بن الخطاب خطيباً في الناس فقال: إني أخشى أن يطول بالناس زمان فيتركوا فرضاً فرضه الله عليهم، ألا وإنه كانت آية كنا نقرؤها مع رسول الله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا)) -ويقصد بالشيخ: المتزوج- (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) قال: فرجم رسول الله، ورجم أبو بكر) فبين للناس هذا الحكم مع أنه قد نسخ تلاوة، ولكن بقي حكماً، فكل سيد أحصن بنكاح صحيح زنى فإنه يرجم، والنكاح الصحيح كما قال جمهور أهل العلم هو: الوطء بعقد صحيح ولو مرة واحدة، مالك استثنى وقال: إلا في حيض، وهذا خلافه أيضاً يرجع إلى الفقه. الغرض المقصود: أن المحصن هو: من وطأ امرأته ولو مرة واحدة، ولو غاب عنها مائة سنة، المهم أنه يكون وطأها مرة واحدة بعقد صحيح، فهذا محصن يرجم حتى الموت: (ارجموهما ألبتة) أي: حتى الموت.

стр. 81

الحكمة من النسخ الحكمة من النسخ: أولاً: مراعاة مصلحة العباد في سنة التدرج؛ لأنه كما قالت عائشة: لو جاء فقال: الخمر حرام ما سمع الناس ولا أطاعوا، لكن الله جل وعلا درج العباد بسنة التدريج حتى يتهيئوا للأحكام، ولذلك قلنا: من الفقه أن الإنسان لو أراد أن يقيم سنة أنه يعلم الناس مرة ومرتين وثلاث حتى يعرفوها، مثل السنة التي هجرت في هذه البلاد وهي: أنه كان ﷺ إذا خطب بالناس اتكأ على الرمح، ولذلك هذا الشيء لا تجده في خطيب بحال من الأحوال، وهذه سنة قد هجرت، ولابد لأحد أن يقيمها، ولكن حتى تقوم أنت بها علم الناس مرة ومرتين وثلاث، ثم ائت بها حتى لا تنكر. كذلك: سنة الإسرار بالبسملة، آية من آيات القرآن، فكان النبي ﷺ يجهر بها أحياناً ويسر كثيراً، وما رأيت إماماً واحداً يفعل ذلك، فيسر بالبسملة إلا أهل التصوف الذين هم ليسوا طلبة علم، ولكن يقولون: نحن شوافع هذا هو الذي عندهم، ونحن نقول: السنة أنه يجهر أحياناً بالبسملة؛ لأن النبي ﷺ كان يجهر أحياناً. كذلك: من السنة التي هجرت وأصبحت المسألة إذا بدلت صارت كأنها بدعة: التزام الدعاء بعد الخطبة، الخطيب لا يدعو إلا في آخر الخطبة، فهو يدعو والناس يرفعون أيديهم ويؤمنون آخر الخطبة، وهذا أيضاً ليس من السنن، بل السنن التي هجرت كما في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يدعو أول الخطبة، ووسط الخطبة، وآخر الخطبة)، أما التزام الدعاء آخر الخطبة فهذه ليست من السنة. ثانياً: اختبار المكلفين بالسمع والطاعة، فينزل عليهم الأحكام اختباراً لهم، ليرى الانقياد الذي هو عمل القلب والاستسلام لله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، ولو شاء الله لانتصر المسلمون، ولكن الله يبتلي بعضهم ببعض: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فتن تنزل على المساجد وأئمة المساجد، فهذه الفتن تغربل البشر حتى يميز الله جل وعلا من الذي يصدق مع الله ويعمل لله من الذي لا يصدق مع الله أو يعمل لله. وإذا وقف المرء أمام الله في عرصات يوم القيامة فحاسبه على ما في قلبه كانت له الحجة، فيقول: يا رب! ابعث لي آية ابعث لي رسولاً، وأمرني، وأنا سأقول: سمعت وأطعت، مع أن الله يعلم أنه كاذب، فالله يخرج ما في قلبه ويبتليه في الدنيا، اللهم استر علينا يا رب العالمين وثبتنا عند كل بلاء. فالغرض المقصود هو: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧] يختبر العباد بالنسخ، ولذلك ترى اليهود لما اختبر الله العباد بتحويل القبلة تذمروا، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢]. رابعها: أن يبتلى العبد بالنسخ ليشكر ربه؛ لأنه ينسخ الأحكام الثقيلة إلى الأحكام الخفيفة، فيحمد العبد ربه على ما يسر عليه من أمور الدين والشريعة، ولو كان المرء يعمل بما أمر الله أولاً ما استطاع، فقد فرض الله علينا خمسين صلاة، وكان موسى يراجعه فيقول: ارجع إلى ربك، فإني قد خبرت الناس قبلك ولا يستطيع قومك، فيرجع النبي ﷺ ليراجع ربه، فنسخها الله من خمسين إلى خمس.

стр. 82

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الثاني: السنة تعد السنة النبوية الدليل الثاني من الأدلة الشرعية، ومصدر ثان من مصادر التشريع الإسلامي، وهي حجة على الخلق أجمعين، وعلاقتها بالقرآن: إما أن تكون مفسرة له، أو مبينة لمجمله، أو مقيدة لمطلقه، أو ناسخة له، والسنة على أنواع عدة، فمنها: القولي، والفعلي، والتقريري.

стр. 83

تعريف السنة عند العلماء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. السنة في اللغة: الطريقة المتكررة، قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]. وأما السنة في الاصطلاح فتختلف معانيها باختلاف الذين عرفوها، فعند الفقهاء تعريف السنة غير تعريف السنة عند الأصوليين، غير تعريف السنة عند المحدثين، وعند أهل العقيدة أيضاً. ففي اصطلاح أهل العقيدة السنة هي: خلاف البدعة ونقيضها. وأما السنة عند الفقهاء فهي بمعنى: النافلة، أي: غير الواجب، مثل السنن الراتبة التي نصليها أو غيرها. وأما السنة عند المحدثين فهي: كل ما أسند أو أُضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية. وأما السنة عند الأصوليين -وهذا هو مبحثنا-: فهي كل ما أضيف أو كل ما أسند إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. إذاً: الفرق بين تعريف الأصوليين وتعريف المحدثين هو: الزيادة في قول المحدثين: كل صفة خَلقية أو خُلقية؛ لأن السنة عند الأصوليين هو: كل ما أسند أو أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير فقط. ومعنى: (ما أسند إلى النبي ﷺ أي: أضيف إلى النبي ﷺ ، والعلماء قد بينوا أن الإضافة إلى النبي ﷺ إضافات، فممكن أن يقول: -مثلاً- مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ ، فهذا إسناد للنبي ﷺ ، أو يقول: مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ ، فهذه إضافة للنبي ﷺ أيضاً، وإن كان الصحابي يعنعن. أو يقال مثلاً: حديث عن أبي هريرة يبلغ به، أي: يبلغ به للنبي ﷺ ، أو ينميه، أو يرفعه، وكل ذلك إسناد للنبي ﷺ ، وأيضاً من الإسناد والإضافة -وهو الأكثر انتشاراً عند المحدثين- إذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا وقد بين العلماء ذلك، والراجح: أن قول الصحابي: أمرنا أو نهينا لا يكون إلا من النبي ﷺ ، ولا يكون من غيره. وبعض العلماء قال: ممكن أن يكون من أبي بكر أو من عمر، والصحيح الراجح: أن قول الصحابي: أُمرنا أو نُهينا إسناداً للنبي ﷺ كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦])، فأُمرنا أو نُهينا من الصحابي تدل على أنه يبلغ به للنبي ﷺ . فكل ما أسند أو أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أي: كل ما يتكلم به الرسول ﷺ كما في الصحيحين مثلاً عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). أي: إتلاف المال، فهذا من قول النبي ﷺ . من قول النبي ﷺ أيضاً أنه قال: (ولا تبع ما ليس عندك) كما في حديث حكيم بن حزام في السنن بسند صحيح، فهذا من القول أيضاً. ومعنى: (أو فعل) الفعل ما قام به النبي ﷺ فرآه الصحابة فنقلوه عنه، ومثال ذلك: حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين قال: (دخلت على رسول الله ﷺ فرأيته يتسوك بسواك، فكان يدخل السواك إلى فمه، فكان يتهوع فيقول: أع أع) من كثرة ما يدخل السواك في فمه، وهذا من فعل النبي ﷺ . وأيضاً: من فعل النبي ﷺ من حديث ابن عمر: (كان النبي ﷺ إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه) فهذا أيضاً من فعل النبي ﷺ . معنى: (أو تقرير) أن النبي ﷺ يرى صحابياً يفعل شيئاً، ويكون الفعل هذا من باب الأحكام الشرعية فلا ينكر عليه، فهذا من باب التقرير أو من باب الإقرار. كأن يرى صحابياً من الصحابة يفعل شيئاً، أو يخبر النبي ﷺ به ويقره على ذلك، كما في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله: (كنا نعزل والقرآن ينزل) أي: والوحي ينزل، والعزل: هو أن يجامع الرجل امرأته ولكن لا يقذف في الداخل، قال: (كان نعزل والقرآن ينزل) أي: أنه إقرار من النبي ﷺ فلم ينكر عليهم العزل، فهذه سنة تقريرية، أو يخبر النبي ﷺ بفعل صحابي، ويكون هذا الفعل متعلق بحكم شرعي، فإذا أقره النبي ﷺ فهذا إقرار، ويشترط أن يخبر سماعاً أو يرى فيقر ذلك، وهذه هي السنة التقريرية.

стр. 84

حجية السنة وشروط ذلك والسنة حجة شرعية، ومعنى حجة شرعية: إذا أتاك الحديث وجب عليك العمل به، وذلك بشرطين اثنين: الشرط الأول: أن يكون صحيح السند، أي: أن تعلم يقيناً أنه صحيح إلى رسول الله ﷺ ، أو تعلم ظناً، أو غالب ظن، أنه خرج من فم النبي ﷺ . الشرط الثاني: أن تفقه معناه، أي: لا تفعل شيئاً تجهله، بل تسأل أهل العلم لتفقه معناه، أما الذي لا يحتاج إلى سؤال ولا إلى فقه فيجب عليك العمل به دون أن ترجع إلى أهل العلم كما بين وألمح إلى ذلك ابن القيم.

стр. 85

الأدلة على حجية السنة السنة حجة شرعية، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والعقل. أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، فهذا على العموم، فيأمرنا الله جل وعلا أن نأخذ بما آتانا النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وأن نترك ما نهانا عنه النبي ﷺ . وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فجعل طاعة الرسول من طاعة الله جل وعلا. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فأفرد طاعة للرسول ولم يفرد لأولي الأمر؛ لأن طاعة ولي الأمر تكون في طاعة النبي أو طاعة الله جل وعلا. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فنفى الإيمان عمن لا يسمع ويطيع لما سمع. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فهذه دلالة على أن الإيمان مرتبط بالسمع والطاعة لرسول الله ﷺ . وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال الشافعي أو وبالاتفاق أن معنى: (آيات الله): القرآن، (والحكمة): السنة. وأما من السنة: ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فطاعة النبي ﷺ واجبة بنص الحديث؛ لأن الذي يأبى يدخل النار، ولا يدخل النار إلا في محرم، فيجب على المرء أن يتبع النبي ﷺ . وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (ألا وإني قد أوتيت هذا الكتاب ومثله معه) أي: في الحجية، والمثلية بمعنى: أن السنة ترتقي إلى أن تكون مثل القرآن في الحجة، أي: يلزمنا العمل بها، فهي ثابتة بالكتاب والسنة وبالعقل أيضاً، والنبي ﷺ ما عليه إلا البلاغ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، فهو يبلغ، وهذا البلاغ محل إلزام الناس، والاستسلام بالعمل بهذا الذي يبلغه الرسول كما قال الشافعي: آمنت بالله -أي: استسلمت- وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله ﷺ . إذاً: حجية السنة ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالعقل.

стр. 86

علاقة السنة بالقرآن علاقة السنة بالقرآن: أنها مفسرة له، ومقيده لمطلقه، ومبينة لمجمله، وعلى الراجح من أقوال أهل العلم أنها ناسخة للقرآن.

стр. 87

السنة مفسرة للقرآن السنة مفسرة للقرآن، فهي تبين وتفسر مراد الرب جل وعلا في كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. والقاعدة التي قعدها المحققون من أهل التفسير: أن أفضل التفاسير: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بقول الصحابي، ثم تفسير القرآن باللغة، ولكن بضوابط كما قعدها شيخ الإسلام. فالسنة مفسرة للقرآن وتبين مراد الله جل وعلا، ومثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فالصحابة شق عليهم الأمر، وقالوا للنبي ﷺ -كما في الصحيح-: (وأينا لم يظلم نفسه؟) ففهموا من هذه الآية أن الظلم المذكور: الظلم الأصغر والأكبر، فقالوا: (أينا لم يظلم نفسه؟) أي: من منا لم يتعد شرع الله جل وعلا، أو يعصِ الله جل وعلا؟ فقال النبي ﷺ : (ليس ذلك، ثم بين لهم وتلا الآية: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]) ففسر النبي ﷺ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: لم يلبسوا إيمانهم بشرك، وهذا تفسير من النبي ﷺ ، وهو الصحيح الذي يفسر القرآن به، وهذا لا يمنع أن المرء الذي ظلم نفسه بالمعاصي لا يكون له الأمن التام، لكن الغرض المقصود أن السنة قد فسرت هذه الآية. أيضاً قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقد صح عن النبي ﷺ أنه فسر الزيادة: برؤية الله جل وعلا في الجنة. مثال آخر: لما قال النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله! ألم يقل الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، فقال لها النبي ﷺ -مفسراً لهذه الآية أن هذا ليس نقاش حساب-: هذا عرض، ومن نوقش الحساب عذب) ففي هذا دلالة على أن السنة تفسر القرآن، وهذه هي العلاقة الأولى بين السنة والقرآن.

стр. 88

السنة مبينة لمجمل القرآن السنة مبينة لمجمل القرآن، مثال ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا مجمل، فالصلاة لها أركان وشروط وسنن وهيئات لا نعرفها، فبينها النبي ﷺ ، وبين أوقاتها، وإن كانت الأوقات مشار إليها بالتلميح في القرآن؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]. فقوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): إشارة لوقت الظهر ووقت العصر. وقوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ): وقت المغرب ووقت العشاء. وقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ): يقصد به صلاة الفجر، فهذا تلميح، لكن النبي ﷺ بيَّن الأوقات الخمس كما في الصحيح: أن جبريل أتاه عندما صار ظل كل شيء مثله ومثليه إلى آخر الحديث المشهور. وأيضاً بين النبي ﷺ أن من أركان الصلاة الفاتحة فقال: (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له)، وبين لنا الهيئات كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ونهيت عن الكف) والأعظم السبعة هي: الجبهة والأنف الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، فهذا كله بيان لكيفية الصلاة. وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا مجمل بينه النبي ﷺ بأن الزكاة تخرج بشرطين اثنين: حولان الحول، وبلوغ النصاب. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فقد بين النبي ﷺ كيفية حج البيت. إذاً: السنة النبوية مبينه لمجمل القرآن.

стр. 89

السنة مقيدة لمطلق القرآن السنة مقيدة لمطلق القرآن، فهناك مطلقات في القرآن تعمل على إطلاقها، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فاليد في اللغة: تطلق على كل اليد، فهل نقطع من الكتف، أم من العضد، أم من المرفق، أم من الكوع، أم من البوع؟ اختلف الناس هل يقطع من الكوع، أو من المرفق، أو من العضد؟ فجاء النبي ﷺ وقطع بفعله من الكوع، فهذه قيدت مطلق القرآن.

стр. 90

السنة ناسخة للقرآن الراجح من أقوال أهل العلم: أن السنة تنسخ القرآن، وضربوا لذلك مثلاً. وهو: قول النبي: (لا وصيه لوارث) وقلنا: إن هذا لا يستقيم، لكن الجمهور يقولون: بأن السنة تنسخ القرآن.

стр. 91

أنواع السنة السنة النبوية على أنواع: سنة قوليه، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.

стр. 92

السنن القولية أما السنن القولية: فقول النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). وقول النبي ﷺ : (إن أحبكم إلي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة مساوئكم أخلاقاً) فهذه سنة قولية، وهي أقوى حجة من التي تليها، فالسنة القولية أقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية، ومعرفة الأقوى يفيدنا علمياً إذا تعارض القول والفعل، فإن القول يكون أقوى من الفعل، فنقدم القول على الفعل، وهذا بشرط: عدم إمكانية الجمع، وذلك كما بينا بقول النبي ﷺ : (تريد أن يشرب معك الهر) وقوله: (يشرب معك من هو شر منه الشيطان) وأمر أحدهم عندما شرب قائماً أن يجلس، ومع ذلك شرب قائماً، فتعارض القول والفعل، فأمكن الجمع بينهما فنقول: إن فعل النبي ﷺ صارف للتحريم إلى الكراهة، فأمكن الجمع هنا: فيكره الشرب قائماً ولا يحرم، لكن إذا لم نستطع أن نجمع نقدم القول على الفعل. لكن الشوكاني -هو من المتأخرين- يقعد قاعدة غريبة وهي: أنه إذا عارض قول النبي ﷺ فعله فيقول: فعل النبي خاص به، ونقدم دائماً القول. والمقصود أن السنة القولية أشد حجة وأقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية.

стр. 93

السنة الفعلية السنة الفعلية هي: التي تنقل لنا من فعل النبي ﷺ ، مثال ذلك: أنه كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على يمينه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي سنن أبي داود أيضاً أنه كان إذا قام من الليل فانتهى، أي: صلى الوتر، تكلم وتسامر مع عائشة إذا كانت مستيقظة، وإلا اضطجع على يمينه، وهذا من فعل النبي ﷺ . وتتعلق بأفعاله ﷺ أمور منها: أولاً: أن الأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب، أي: أنه لا يمكن لأحد أن يلزم الناس بفعل النبي ﷺ ، ودليل ذلك: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قام من الليل كما في حديث عائشة في اليوم الأول وقام خلفه أناس، ثم قام آخرون إلى اليوم الثالث، فالنبي ﷺ لم يخرج إليهم في اليوم الرابع، فاجتمع الناس في المسجد وضج بالناس، فلما سألوه عن ذلك قال: (خشيت أن تفرض عليكم). والدلالة من هذا الحديث هي: أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم)، ولو كان الأصل في الفعل الوجوب لكان من أول ليلة واجباً، والأمر الثاني: أنه قال: (خشيت أن تفرض) أي: أنها ليست بفرض، وهذه دلالة على أن فعله المجرد ليس بواجب. إذاً: الأصل في أفعال الرسول أنها ليست واجبة، وهذا يفيدك علمياً، فمثلاً: لو احتج عليك أحد بفعل النبي ﷺ ، كالوصال مثلاً أو غيره، فأنت تقول له: الفعل ليس بواجب، والأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب. ثانياً: أن أفعال النبي ﷺ على أنواع: النوع الأول: أفعال خاصة برسول الله، والأصل عدم الخصوصية، أي: أن النبي ﷺ لو فعل شيئاً يتعبد به لله، فالأمة بأسرها إما يجب أو يستحب أن تفعل هذا الفعل، أي: أن فعل النبي عام لكل الأمة وليس خاصاً به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، لكن هناك بعض الأفعال خاصة برسول الله بقرينة، فالقاعدة التي يقعدها العلماء: الأصل في أفعال الرسول عدم الخصوصية إلا أن تأتي قرينة تدل على الخصوصية. مثال ذلك: نكاح النبي ﷺ لأكثر من أربع نسوة، والله جل وعلا ما أباح للأمة أكثر من أربع نسوة، فالنبي ﷺ تزوج ثلاث عشرة امرأة، وتوفي عن تسع ﷺ : الأولى: ابنة الجون، وهي التي لم يدخل بها النبي ﷺ ؛ لأن عائشة قالت لها: إذا أردت أن يحبك النبي ﷺ ، ويكون شديد الحب لك، فإذا رأيتيه فقولي: أعوذ بالله منك، فانجرت المرأة لذلك؛ لأنه لم يكتب لها أن تكون زوج النبي ﷺ ، وكانت جميلة جداً، فغارت منها عائشة ولقنتها الاستعاذة، فقالت: (أعوذ بالله منك. فقال النبي ﷺ : استعذت بمعاذ)؛ ولذلك استنبط العلماء فقالوا: إن التقي النقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن ينسحب، ولذلك جبريل ﵇ لما قالت مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، فالتقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن يتراجع، فلو أراد أن يبطش أو يظلم لا بد أن يتراجع، فقالت: أعوذ بالله منك إن كنت تقياً، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم:١٩]، فهي قالت للرسول: (أعوذ بالله منك، فقال: استعذتي بمعاذ الحقي بأهلك). والغرض المقصود: أن النبي ﷺ له خاصة أن يتزوج أكثر من أربع نسوة. الثانية: المرأة الواهبة نفسها، فهذه خصوصية للنبي ﷺ أن تأتي امرأة تعرض نفسها للنبي ﷺ ، فينظر فيها فإن أعجبته تزوجها بلا مهر، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فقال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فهذه دلالة على الخصوصية. أما ما يحدث الآن في عصرنا فلابد من التعزير أو الجلد أو الرجم لمن يفعل ذلك، فلو أن امرأة أتت لرجل وقالت له: وهبت نفسي لك. وهو يقول لها: وهبت لك نفسي، فيتزوجها على ذلك طالما بلغت المحيض، أو بلغت سن الرشد -كما يقولون- وهو من بعد ٢١ سنة، فهنا لا يجوز شرعاً، فالصحيح أن الواهبة نفسها خاصة للنبي ﷺ . ومن مثال الخصوصية للنبي ﷺ : الوصال: وهو صوم اليومين أو الثلاثة دون إفطار، فالنبي ﷺ كان يواصل الصوم، أي: كان يصوم يوماً بعد يوم، وهذه كانت خاصة للنبي ﷺ على الراجح من أقوال أهل العلم، لأنهم أرادوا الوصال فنهاهم عن ذلك وزجرهم، وأنا أقول على الراجح لأن المسألة فيها خلاف. فبعضهم قال: إنها خصوصية للنبي ﷺ ؛ لأنه قال: (إني لست كهيئتكم) وهذه دلالة على الخصوصية. وأيضاً قال ﷺ : (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وهذه أيضاً خاصة برسول الله ﷺ . النوع الثاني: أفعال مبينة، فهذه حكمها حكم المبين، إن كانت تبين الواجب فهي واجبة، وإن كانت تبين المستحب فهي مستحبة. مثال ذلك: الركوع والسجود في هيئات الصلاة، فهذه الهيئات هيئات تبين أموراً واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإذاً: أي هيئة من هيئات الصلاة سترجع إلى أمر النبي ﷺ : (صلوا) فيكون بيان الواجب واجب. وأيضاً: قول النبي ﷺ -مثلاً-: (خذوا عني مناسككم) فمنها المستحب ومنها الواجب، كالرمل مستحب، والرمل: هو تقارب الخطى أثناء الطواف، وذلك في الثلاثة الأشواط الأولى كما في الصحيحين عن عائشة وابن عمر وهو يصف النبي ﷺ أنه كان يرمل ثلاثة أشواط، وحكمه مستحب، فلماذا يكون مستحباً والنبي ﷺ يقول: (خذوا عني مناسككم)؟ والأصل هو الأمر: (خذوا عني)، لأنه معلل، والتعليل صارف؛ ولذلك يرى الشنقيطي في (أضواء البيان) أن الرمل ليس بسنة، وذلك على أساس أنه معلل؛ ولأن النبي ﷺ كان يرمل؛ لأن المشركين كانوا على الجبل ينظرون إليهم ويقولون: جاءكم قوم أصابتهم حمى يثرب لا يستطيعون السير، قد أنهكوا من شدة الحمى، فكان النبي ﷺ يبين لهم أن يغيضوا الكفار تبييناً بالجلد، فيرملون حتى يغيضوا الكفار، وهذه سنة، وهذا تعريجاً على أن السنة أنك تغيض الكافر، وهناك أشياء تعملها هي في الأصل محرمة، ولكن إذا كانت تغيظ الكفار فتباح، كالمشية بالتكبر، فالنبي ﷺ يقول: (من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة) كما في الصحيحين عن أبي هريرة، ومع ذلك أبو دجانة لما أخذ السيف، مشى بين الصفين يتبختر، فقال النبي ﷺ : (هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف) فالغيظ للكفار تعبد لله جل وعلا، ولذلك استنبط ابن القيم بفقه عالٍ: أن الإنسان إذا عصى الله فتاب وأناب وخلا بربه فبكى، له أن يخرج لسانه للشيطان، حتى يغيظه، وهذا فقه عز أن يوجد في هذا الزمان. والغرض المقصود: أن الرمل كان لسبب ولعلة، والعلة هذه تبين أن الأصل الاستحباب وليس الوجوب. فهذه الأفعال تكون أفعالاً مبينة إما لواجب فتكون واجبة، وإما لمستحب فتكون مستحبة. النوع الثالث: أفعال جبلية، وهذه ليست بسنة متبعة، ومثالها: عندما تأتي وتأكل الطعام باليد وتقول هذه سنة، فهذا خط؛ لأن هذه جبلة أصلاً، وهذه من عادات العرب، فقد كانوا يأكلون بأيديهم، وأنت لو أكلت بالملعقة لا يقال لك: إنك خالفت السنة، وإنما هذه أفعال جبلية، أو أكلت بالشوكة ليس فيها شيء، فهي أفعال جبلية، وكان يلعق أصابعه؛ لأن العلة هي: أنك لا تدري أين هي البركة؟ إذاً: العق الملعقة، فلعل البركة تكون فيها، لأن العلة موجودة، فهي أصلاً أفعال جبلية. وأيضاً: كاضطجاع النبي ﷺ إذا نام نفخ، كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وكان النبي ﷺ إذا نام نفخ) فالنفخ في النوم ليس بسنة. وكذلك مشية النبي ﷺ ليست بسنة. وتكون سنة إذا نوى المرء بالعادة عبادة، فمثلاً: إذا نوى المرء أنه يأكل بيده امتثالاً لفعل النبي ﷺ ، أي: يفعل كما فعل النبي ﷺ ، ويبتسم كما ابتسم النبي ﷺ ، وينام كما ينام النبي ﷺ ، يريد أن يفعل كل شيء صح عن النبي ﷺ بقدر الإمكان، ويسدد ويقارب حتى يفعل ذلك، يقول: أحببت رسول الله، وأحب كل فعل ورد عن رسول الله، فهذه يثاب عليها للقاعدة التي قعدناها وهي: أن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات، فهو إذا نوى ذلك واحتسب أجر أنه يتمثل لفعل النبي ﷺ فله بذلك الأجر. إذاً: الأفعال الجبلية ليست بسنة أصالة، لكن تنقلب عبادة للمرء إذا نوى فيها. ومن الأفعال الجبلية أيضاً: أن النبي ﷺ كان يحب الدباء، فكان يتتبعه في الصحفة، وأنس قال: ما رأيت ﷺ يفعل شيئاً إلا وفعلته، وكان يتتبع الدباء، فأكل الدباء مع أنه لم يكن يحبه، لكن عندما وجد النبي ﷺ يحب الدباء فعل ذلك، أيضاً أعرف من يحب الذراع من الشاة؛ لأن النبي ﷺ كان يحبها، وأيضاً كان يحب العسل والحلوى، فهو يحب ذلك لحب النبي ﷺ لها؛ فهو يحتسب الأجر بذلك، فتنقلب له بذلك إلى عبادة يؤجر عليها. والاكتحال

стр. 94

السنة التقريرية السنة التقريرية حجة أيضاً، لكنها أضعف من السنة الفعلية، فعند تعارض الفعل مع الإقرار يقدم الفعل على الإقرار، وذلك إذا لم نستطع الجمع بينهما. والسنة التقريرية هي: أن يرى النبي ﷺ فعل صحابي يتعلق به حكم شرعي، فيقره عليه، أو يرى فعلاً له حكم يتعلق بحكم شرعي، فيقره على ذلك. مثاله: الحديث الذي في سنن أبي داود أو في المسند أن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه كان في غزوة ذات السلاسل عندما بعث له النبي ﷺ بـ أبي بكر وعمر وأمر عليهم أبا عبيدة، وقال: (تطاوعا ولا تختلفا) وأبو عبيدة أفضل من عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، ولكنه لا يداني أبا بكر وعمر في المكانة، فلما ذهب إليه فقال أبو عبيدة: أنا الأمير، أمرني على أفاضل الناس، وأراد أن يصلي بالناس، فقال عمرو بن العاص: لا، أنا الأمير، ولا يؤم المرء في سلطانه، قال أبو عبيدة: أمرني الرسول ﷺ : (تطاوعا ولا تختلفا، سأنزل على رأيك)، فكان هو الأمير، فوضعوا أنفسهم خلف أظهرهم، وانتصروا على أنفسهم قبل أن ينتصروا على الشيطان، ولذلك يقول بعض العلماء: لن ينتصر على الشيطان إلا من انتصر على نفسه وهواه، ولن ينتصر في الجهاد أحد حتى يجاهد نفسه وهواه، وبعض العلماء قالوا: إن خالداً وانتصاراته التي انتصر بها على الكفار لا تداني انتصاره على نفسه عندما عزله عمر، فعندما عزله عمر أصبح جندياً كأي جندي في الجيش، ولذلك قال النبي ﷺ : (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) لأنه لا يريد إلا رضا الله جل وعلا، فلذلك نزل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة تحت إمرة عمرو بن العاص، وفي ليلة شاتية شديدة البرودة، قام عمرو بن العاص فوجد نفسه جنباً، فقال: كيف أصلي بالناس؟! لا بد أن أغتسل، فذهب فوجد الماء بارداً، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فتيمم مع وجود الماء فصلى بهم وهو جنب، مع أنه علمياً لا يصح التيمم مع وجود الماء، ونحن الآن نترك الضرورة لأننا لا نعرفها، فلما ذهب عمرو بن العاص قص على النبي ﷺ القصة، فقال النبي ﷺ : (أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقال عمرو ﵁ وأرضاه: تذكرت قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وكان البرد شديداً)، فبين له أنه لو اغتسل في شدة البرد لكان من الممكن أن يموت من شدة البرد، فتبسم النبي ﷺ مقراً لفعل عمرو بن العاص، فهذا إقرار من النبي ﷺ ، وهذا يكون حكماً عاماً للأمة، أي: لو قام الرجل جنباً ووجد الماء بارداً جداً، وليس عنده غاز وليس عنده سخان وليس عنده أي شيء، ولا يستطيع أن يغتسل بهذا الماء البارد، فله أن يتيمم، فيأخذ التراب، أو على قول المالكية: فيما صعد على الأرض، ويضرب ضربة ويتيمم ويصلي، فيكون حكماً عاماً بإقرار النبي ﷺ لفعل عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه. وفي سنن أبي داود أيضاً مثال: عباد بن بشر وعمار بن ياسر عندما كانا مرابطين، فنام عمار وقام عباد فصلى، فافتتح القراءة فجاء أحد الكفار فضربه بسهم أو برمح فنزف دماً، وما ترك الصلاة حتى استيقظ عمار فقال: لم لم توقظني؟ قال: ما أردت أن أقطع الصلاة أو القراءة، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فأقرهما على ذلك، فنحن نحتج بهذا الحديث، مع أن بعض مشايخنا يرى أن الدم نجس، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، لكن الشيخ يقول: المسألة بإجماع الفقهاء أن الدم نجس، وهذا الإجماع فيه نظر كبير، بل الحسن البصري وغيره من السلف، يقولون: بأن الدم طاهر، والصحيح الراجح أن الدم طاهر، فالنبي ﷺ أقر رجل صلى ودمه ينزف، وعمر بن الخطاب لما طعنه هذا الملعون البئيس أبو لؤلؤة وكان جرحه ينزف دماً، فصلى بهذا الدم، وكان ابن مسعود بسند صحيح يذبح الجزور ويلطخ بدمها وما فيها، ويقوم يصلي ولا يغير ثيابه، فهذه دلالة على أن الدم طاهر. والدليل الآخر على أن الدم طاهر: أن الأصل عدم النجاسة حتى يأتينا الدليل بالنجاسة، ولا دليل إلا في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس؛ لأن التصريح جاء به، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، وحديث أسماء أو غيرها عندما قال لها النبي ﷺ : (أقرصيه ثم انضحيه بالماء) قالت: دم الحيض يصيب الثوب، فأمرها -كما في صحيح مسلم - النبي ﷺ أمرها أن تحكه وتقرصه وتنضحه بالماء، فهذه دلالة على أنه نجس، ونحن نتفق أن دم الحيض نجس. لكن حديث عباد بن بشر وعمار بن ياسر يدل دلالة قوية على أن النبي ﷺ أقر الصلاة بالدماء، وأن الدم ليس بنجس، وممكن يستشكل علينا من يقول بأن الطهارة في الثوب ليست شرطاً في صحة الصلاة، لكن رأي الجمهور على أنها شرط لصحة الصلاة، والصحيح الراجح كما قلت أن الخلاف فيها قوي، لكن القول: بأن في المسألة إجماع، وأن القول بطهارة الدم بدعة، فهذا كلام مستعجب، وكلام يتعجب منه المرء؛ لأنه ورد عن السلف بأسانيد صحيحة أن الدم طاهر وليس بنجس، فكيف يقال أنه بالإجماع، والخلاف فيه قوي جداً، وإن كنت تريد رداً على المعترض، فأنا أريد الدليل الذي يعترض به المعترض. فإن قال قائل: الدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]. قلنا: نحن نقول معك: إن الدم المسفوح رجس، ولكن الرجس لا تدل على أنه نجس، فالخمر طاهر وقال فيها إنها رجس، وهناك بحث عالٍ جداً يبين أن الكحول والخمر طاهرة، والشوكاني رد على من اعترض بهذه الآية وقال: اللغة لا تبين أن الرجس نجاسة، بل يشترك النجس وغيره، فهي ليست فصلاً للنزاع بل هي محتملة، والمحتمل لا يقصد به فض النزاع، ولا بد أن تأتي بدليل قاطع عليه، والدليل القاطع إنما هو في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس، وكذلك الشهيد، ففي الحديث: (أن يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) والأصل الطهارة وعدم النجاسة، فلا تحلني ولا تنقلني عن الأصل إلا بدليل أوضح من شمس النهار، ونحن قلنا: إن استصحاب الأصل من أقوى الأدلة إلا أن يكون هناك دليل تنقلني عنه من الأصل إلى ما تقول به أنت. والغرض المقصود: أن الحديث فيه إقرار من النبي ﷺ على فعل عباد بن بشر.

стр. 95

أنواع الأخبار يبقى لنا مسألة واحدة تتعلق بالسنة وهي: أنواع الأخبار، والأخبار تنقسم إلى قسمين: متواتر، وآحاد. فالمتواتر هو: ما نقل عن النبي ﷺ من جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب، كألف عن ألف عن ألف، فهؤلاء يستحيل أن يتواطئوا على الكذب، وبعض العلماء اشترط فيهم شروطاً بجانب أن يكونوا ثقات، منها: أن يكون نقلهم عن طريق الحس، كالسمع أو المشاهدة، والمتواتر حجة قاطعة؛ لأنه دليل قطعي وليس دليلاً ضمنياً، فيجب العمل به، ويجب الاعتقاد به أيضاً. والمتواتر ينقسم إلى قسمين: متواتر معنوي، ومتواتر لفظي. فاللفظي مثل: قول رسول الله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). والمعنوي مثل: حديث (المسح على الخفين) فالمعنوي: أن يأتي الحديث من أكثر من طريق بنفس شروط التواتر، لكن يأتي بالمعنى لا بنفس اللفظ. وأما الآحاد فهو: ما نقل عن النبي ﷺ بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور، وهو حجة أيضاً؛ لكنه ظني وليس قطعياً، وهو يفيد العلم والعمل على الراجح من أقوال أهل العلم.

стр. 96

حجية خبر الآحاد الدليل على حجية خبر الآحاد: الكتاب والسنة والعقل أيضاً، أي: الأثر والنظر. أما الكتاب: فعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فهذا عام، أي: ما أتاكم عن الرسول من متواتر وآحاد فعليكم أن تأخذوه. وأما من السنة فمثالان أوضح من شمس النهار: الأول: ما تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يبعث الآحاد للأمم أو للكفرة أو للملوك يدعوهم إلى الإسلام، كما في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ بعث إلى كسرى وقيصر فقال: (باسم الله، من محمد رسول الله إلى قيصر ملك الروم: السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم الأريسيين)، فالذي ذهب بها إلى ملك الروم واحد، وأيضاً الذي ذهب بها إلى كسرى واحد. وأيضاً بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه لا إله إلا اله) أي: أن يعبدوا الله ويوحدوه، فإن هم أطاعوك فأعلمهم بكذا وأعلمهم بكذا، والمقصود أنه بعث واحداً. وأيضاً بعث معه أبا موسى الأشعري وبعث علي قاضياً، فبعثهم يعلمون الناس التوحيد والعقيدة والأحكام، بل تواتر أن النبي ﷺ كان يبعث بالآحاد لإقامة الدين ولتعليم الناس العقيدة والأحكام الشرعية، فهذه دلالة على أن الآحاد حجة في العقيدة والأصول والفروع إن صح التقسيم. الثاني: ما تواتر عن الصحابة أنهم كانوا يعملون بالآحاد ولا يطرحونها، وهناك حديث مختلف في صحته وهو يبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة على الإطلاق؛ لأن العلوم التي عزت عنهم كانت عند أبي بكر، وذلك أنه لما دخل وقبل النبي ﷺ وقال: (طبت حياً ميتاً)، فاختلفوا فيما بينهم، كيف يغسل النبي ﷺ ؟! وأين يدفن؟! وكيف يصلى عليه؟! فكان هذا العلم عند أبي بكر؛ لأنه قال: يغسل بثيابه، وهناك حديث عن عائشة أنه أخذهم النعاس وأوحي إليهم بذلك، والمقصود أنه ورد عن أبي بكر أنه كان عنده الدليل، وقال: (كل نبي يدفن في المكان الذي مات فيه)، هذا إن صح الحديث، فالحديث مختلف في صحته، لكن المقصود أنه حديث آحاد وأخذوه من أبي بكر وعملوا به، وهذه دلالة على أن الآحاد يعمل به ولا يطرح، وهو متواتر عن الصحابة. وأما من ناحية النظر والعقل: فإن الرسول قد بلغ وقد ورد تبليغه عن الثقات، وهذا شرط في الآحاد حتى يصح. فالحديث الصحيح هو: ما اتصل سنده عن العدل الضابط أو العدل تمام الضبط -ونقول: تمام الضبط حتى نفرق بين الصحيح والحسن، فالحسن خفيف الضبط- عن مثله إلى منتهاه، ونقول عن مثله، حتى يكون الحديث صحيحاً لا بد أن تكون طبقات السند كلها عن ثقة ثبت أو ثقة ثقة، فلو وجد واحد قيل فيه: صدوق، أو صدوق يهم، لقلنا: إن الحديث نزل من درجة الصحة إلى درجة الحسن، لا عن درجة الاحتجاج، بل درجة الحسن، والمقصود أن الآحاد إذا علمت بالنظر أنها بنقل الثقة الثبت عن الثقة الثبت، عن مثله، عن الصحابي الذي عدلهم الله من فوق سبع سماوات، عن النبي ﷺ ، وجب العمل به، بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]؛ لأن هذه هي حجية خبر الآحاد. واشترط بعض الفقهاء كالمالكية للعمل بالآحاد شروطاً، أما الشافعية والحنابلة -وكلامهم هو الأقوى والأرجح- فبالإطلاق يؤخذ بخبر الآحاد ويعمل به. فأما شروط المالكية فيه: أولاً: أن يكون خبر الآحاد لا يخالف عمل أهل المدينة، وهذه من أصول مالك أن عمل أهل المدينة يقدم على خبر الآحاد؛ لأنه يقول: إن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل معين فمؤكد أنهم أخذوه عن النبي ﷺ ، ولو عمل أهل المدينة بحكم التواتر فيكون أقوى من الآحاد فيقدم، وهذا كلام ليس بصحيح، بل إن خبر الآحاد لا يرد في أي حال من الأحوال، وعمل أهل المدينة ليس بحجة، بل إن الصحابة الذي كانوا في المدينة قد تفرقوا في البلاد، فـ ابن عباس في مكة، وابن مسعود في العراق، ومعاذ وغيره من الصحابة تفرقوا في البلاد، فعمل أهل المدينة يمكن أن يكون من أهل المدينة، فقول النبي ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فهذا الحديث ورد في الصحيحين، وقد رده مالك؛ لأن عمل أهل المدينة يخالفه، وقلنا: حتى عمل أهل المدينة يوافقه، فـ سعيد بن المسيب وغيره يقول به، والزهري وغيره يخالفونه ويعملون به، والمقصود أن حديث النبي ﷺ لا يرد. ثانياً: ألا يخالف الأصول العامة، واتفقوا مع الأحناف في هذا الشرط، فمثلاً: النبي ﷺ قعد قاعدة وهي الخراج بالضمان، ومعناه: محمد له مال على أحمد، فأحمد قال له: نحن لنا أجل كذا وهذا رهن القرض، وأعطاه شاة رهناً للقرض هذا، فالرجل المرتهن أخذ الرهن ويعلفه ويطعمه، فخلافاً للشافعي أنه كل يوم يحلب الشاة ويشرب لبنها، وهو ضامن لو ماتت، فالنبي ﷺ قال: (الخراج بالضمان)؛ لأنه ضمن أي شيء يأتيه منها من اللبن وغيره، فهذا يكون ملكاً له، ولا يطالبه به الراهن في أي حال من الأحوال. وأيضاً ردوا حديث المصراة، وهي التي يبقى الحليب فيها حتى تظهر أنها سمينة، وأنها تدر لبناً كثيراً فيغرر بالمشتري، والنبي ﷺ بين أن بيع المصراة لا يجوز؛ لأن فيه تغرير بالمشتري، والنبي ﷺ قد نهى عن بيع المصراة، لكن قال: (إذا رضيها المشتري فهي له، وإذا لم يرضها فله أن يردها ومعها صاعاً من تمر مقابل اللبن) فهم اعترضوا وقالوا: بعدم الأخذ بهذا الحديث؛ لأنه يخالف الأصول، فالنبي ﷺ قال: (الخراج بالضمان) فهو خرج اللبن، فلماذا يرد الصاع من التمر؟! وهي كانت بضمانه لو ماتت عنده، ولا يطالب البائع بمال، فالخراج بالضمان. لكن نقول لهم: أولاً: الحديث أصل بذاته، والأصول إن كانت نابعة من الحديث فهي أصل بذاتها، فالسنة أصل بذاتها، والحديث أصل بذاته، وأما الشبهة التي ألقيتموها علينا بأن الخراج بالضمان، نقول: إن قول النبي ﷺ : (الخراج بالضمان) هذا عام مخصوص بالرهن. ثانياً: هو لا ينزل تحت الحديث: (الخراج بالضمان) لأن اللبن اختلط، بين لبن كان محبوساً ولبن أخذ عند الرجل فاختلط هذا بذاك، فإذا اختلط حصل النزاع، والنبي ﷺ يقول: (لا تتدابروا) وحتى لا يحصل التدابر ولا التشاحن حسم المادة وفصل النزاع وقال: (ردها وصاعاً من تمر)، حتى لم يقل: رد اللبن؛ لأنه لا بد أنك ترد اللبن نفسه أو ترد مثله. واشترط الأحناف بانفراد عن المالكية شرطاً وهو: ألا يخالف الحديث القياس، وهذا كلام باطل، فالقياس إذا خالف النص قلنا: إنه فاسد، لكن لهم شروط في القياس، كأن يكون جلياً، وغيرها. والشرط الأخير الذي اشترطه الأحناف: أن الراوي إذا خالف ما روى رد الحديث، أي: لو أن راوياً روى رواية، وخالفها فيرد الحديث بذلك؛ لأن القاعدة عندهم: أن الحجة فيما رأى لا فيما روى، وهذا كلام متهالك؛ لأنه يحتمل أن الراوي الذي روى هذا الحديث اجتهد اجتهاداً، أو نسي الرواية فلم يتذكرها عند العمل. فقد ورد عن عائشة ﵂ وأرضاها في بعض الروايات أنها عملت بغيرها، وورد ذلك عن ابن عمر أيضاً وعن غيرهما، فنحن نقول: الحجة فيما روى لا فيما رأى؛ ولأنه كما قعد ابن عبد البر: لا حجة لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، وكما قال مالك وأحمد والشافعي وغيره: إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله ﷺ . وابن عباس كما في الصحيح جلس يتكلم عن متعة الحج، فقال التابعون له: إن أبا بكر يقول بغير ذلك وعمر يقول بغير ذلك، فقال ابن عباس: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، فإذا خالف قول الصحابي قول النبي ﷺ فلا يقدم إلا قول النبي ﷺ ؛ لأنه لا حجة إلا في قول رسول الله ﷺ ، وما تعبدنا الله إلا باتباع نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وهذه هي الشروط التي اشترطها الفقهاء، وهي شروط ليست بصحيحة، وكلام الشافعية والحنابلة هو أصح الأقوال بأن: خبر الآحاد حجة بالإطلاق. أما قولنا: الحجة فيما روى لا فيما رأى، أي: إذا ابن عمر مثلاً قال: إن النبي ﷺ كان يرفع يديه، وهو لم يكن يرفع يديه، أو روى أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى وابن عمر ينكر الضحى، وهناك تفصيل فقهي في هذه المسألة، وهل ابن عمر ينكر الضحى أو ينكر صلاتها جماعة؟ ورد في الصحيحين أن عروة بن الزبير لما أراد أن يخرج من عند ابن عمر وجد الناس يصلون، فسأله عن ذلك، فلما أنكرها قال: بدعة، فقال عروة: يا أم المؤمنين! -يقصد عائشة - أتسمعين ما يقول؟ فوهمت عائشة، فنحن نقول: إنه روى أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى كل يوم سبت يذهب إلى مسجد قباء، ومن صلى فيه صلاة فهي بأجر عمرة. وأيضاً كان النبي صلى الل

стр. 97

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الثالث: الإجماع الإجماع حجة معتبرة شرعاً، ومخالفه على خطر عظيم، وهو مظهر من مظاهر متانة الدين الإسلامي، وقدسية أحكامه وتعاليمه؛ لأنه لا يكون عبثاً، بل لا بد له من مستند أوجب حصول الإجماع، وقد تناوله العلماء بالتعريف وبيان أنواعه باعتبارات متعددة، وذكر مسائل كثيرة تتعلق به، وذلك لما له من أهمية في معرفة الأحكام الشرعية.

стр. 98

مجمل الكلام في الدليل الثاني من أدلة التشريع: السنة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. تقدم الكلام عن الدليل الثاني من أدلة التشريع: هو السنة، والسنة أنواع: سنة فعلية وسنة قولية وسنة تقريرية. مثال السنة التقريرية: إقرار الرسول للصحابي الذي صلى بالناس جنباً متيمماً، بعد أن قال: (أصليت بالناس جنباً؟)، فهو أقره بأنه تيمم وصلى بهم جنباً؛ وذلك بسبب شدة البرودة، فاحتج الصحابي بالآية وهي قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وأما عن علاقة السنة بالقرآن فهي: مفسرة للقرآن، مبينة لمجمله، وناسخة له على الراجح من أقول أهل العلم، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه. فمثلاً: لفظة السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فالسنة بينت أن القطع يكون من الرسغ. والسنة دلالتها على الأحكام ثابتة بالأثر وبالنظر: فمن الأثر: قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وأيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥]. ووجه الشاهد هو قوله: ((بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) و (ما) هنا اسم مبهم يدل على العموم، أي: كل ما أراك الله فاحكم بينهم به، أي: أن الله أراك في القرآن حكماً، وأراك في السنة حكماً، فاحكم بينهم بهذه الأحكام التي أراك الله إياها. والسنة حفظت كما حفظ القرآن؛ وذلك بأن قيض الله رجالاً قاموا بتمييز الصحيح من الضعيف من الموضوع فيها. وأما العمل بالسنة فواجب، وما صح من السنة فهو حجة ولا يجوز رده؛ لقول الرسول ﷺ : (يوشك أن يأتي أحدكم شبعان على أريكته، يقول: هذا كتاب الله بيننا، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني قد أوتيت هذا الكتاب ومثله معه) رواه أبو داود في سننه.

стр. 99

من أدلة التشريع: الإجماع الدليل الثالث من أدلة التشريع: الإجماع. هناك ثلاثة أدلة متفق عليها، وهي: الكتاب، والسنة: والإجماع، والرابع: القياس وهو مختلف فيه؛ فأهل الظاهر ينكرون القياس.

стр. 100

تعريف الإجماع الإجماع لغة هو: العهد والاتفاق، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، يقال: أجمع المرء على أمر ما، أي: عزم على فعله. وفي الاصطلاح هو: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة النبي ﷺ على حكم شرعي. فإذا نزلت نازلة من النوازل، فنظر فيها فقهاء الصحابة أو فقهاء التابعين، فاجتمع رأيهم على حكم شرعي لهذه النازلة، وقالوا: إنها تحرم، أو أنها واجبة، أو أنها مستحبة، فهذا يسمى إجماعاًًً. والمجتهد هو: الذي بلغ درجة الاجتهاد في العلم بالكتاب والسنة علوم الآلة. قوله: (اتفاق مجتهدي هذه الأمة)، يخرج بالمجتهد: المقلد، فلو اتفق المقلدة بأسرهم على مسألة ما فلا عبرة بإجماعهم، ويخرج بالمجتهد أيضاً: طالب العلم؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، وعالم مجتهد، ووسط، وهو طالب العلم المتبع، الذي يعلم المسألة عن قول إمام بدليله. أيضاً: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ يخرج به: اتفاق الأمم السابقة، فلو اجتمعت كل الأمم السابقة فلا يؤخذ بإجماعهم. قوله: (بعد وفاته)، أي: أنه لا إجماع في عصر النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ حال حياته هو الحاكم، وسنته هي الحاكمة، فقول بعض الصحابة: (كنا نبيع أمهات الأولاد، أو كنا نتسرى بأمهات الأولاد) ليس فيه إجماع، بل الدليل فيه هو: السنة المرفوعة عن النبي ﷺ . قوله: (على حكم شرعي) خرج بذلك: الحكم الوضعي، فالحكم الشرعي يدور على خمسة أحكام: واجب، مستحب، مباح، مكروه، محرم.

стр. 101

حجية الإجماع الإجماع حجة بالأثر والنظر: أما حجيته بالكتاب: فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فهذا دليل على الإجماع، ووجه الشاهد هنا: مفهوم المخالفة، أي: أنكم إذا تنازعتم ولستم على الحق، فردوا الأمر إلى الله وإلى الرسول يظهر لكم الحق، فإن لم تتنازعوا فأنتم على حق، فمفهوم المخالفة في دليل الخطاب يدل على أنهم على حق مع عدم التنازع. وكذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] فقوله: ((أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ)) فهذا هو وجه الشاهد، أي: أن الله جل وعلا جعل هذه الأمة وسطاً، وجعلها شهداء على الناس، والشاهد الذي يرضاه الله جل وعلا لا يجتمع إلا على حق. وكذلك: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]. وجه الدلالة في الآية: أن سبيل المؤمنين -الذي هو الاجتماع- هو الحق؛ لأن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين، فدل هذا على الإجماع وحجيته. وأما حجيته بالسنة: فهو الحديث الضعيف: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي بسند ضعيف، لكن له طرق يقوي بعضها بعضاً، فيرتقي لدرجة الحسن لغيره. ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الأمة إذا اجتمعت، فإنها لا تجتمع إلا على حق. لكن يغنينا عن هذا الحديث: حديث متواتر وهو في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم) فهذا الحديث فيه دلالة على أن هناك طائفة ستوفق للحق، وحتى لو خالفها من خالفها، فهم على الحق. إذاً: فاجتماعهم يكون حق وحجة، والطائفة التي تجتمع على الحق هم صفوة الأمة؛ لأننا قلنا: مجتهدي هذه الأمة، فإن لم تكن طائفة المجتهدين هم الطائفة التي تظهر على الحق فمن سيكون غيرهم؟! وأما دليل حجية الإجماع من النظر: فإن الله جل وعلا جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وجعل أفضل صحبة صاحبت النبي ﷺ هي هذه الصحبة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فمن لوازم خيرية هذه الأمة أنها إذا اجتمعت لا تجتمع إلا على الحق، وهذا من تمام الخيرية ولوازمها.

стр. 102

أنواع الإجماع باعتبار الدلالة الإجماع نوعان: إجماع قطعي، وإجماع ظني. الأول: الإجماع القطعي: وهو الذي أجمعت عليه الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلاة، والإجماع على تحريم الزنا، والإجماع على تحريم السرقة، فهذا إجماع قطعي؛ لأنه لا يحتاج إلى استنباط ولا استقراء ولا دقة نظر في الأدلة. وقد تواترت أقوال أهل العلم والمحققين من أهل الأصول على تكفير من أنكره، فهذا قول الآمدي والرازي والقرافي وقبلهم الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) قال: إن من أنكر الإجماع القطعي فهو كافر، وقال القرافي: يكفر من أنكر أو من جحد الإجماع، بشرط أن يكون قطعياً، فمن أنكر الإجماع القطعي فهو كافر. الثاني: الإجماع الظني: وهو الذي يحتاج إلى استقراء وتتبع واجتهاد ودقة نظر في الأدلة، وهذا لا يعرفه كثير من الناس. ومثاله: إجماع الأمة على أن الجد له في الميراث السدس. ومن أنكر الإجماع الظني فإنه لا يكفر بل لا يفسق، وقد نقل الآمدي الخلاف بين أهل العلم على ثبوت الإجماع الظني، وهناك قاعدة عند العلماء: أن الخلاف المعتبر لا إنكار فيه، ولكن فيه المناصحة. فالراجح: أنه لا يفسق ولا يبدع الذي يخالف الإجماع الظني؛ لأن ثبوته صعب. فهذا الإجماع القطعي والإجماع الظني من حيث الدلالة.

стр. 103

أنواع الإجماع باعتبار التصريح وغيره أما الإجماع من حيث التصريح وغيره فهو نوعان: إجماع صريح، وإجماع سكوتي. الأول: الإجماع الصريح: وهو الذي صرح فيه كل إمام عالم مفت مجتهد من هذه الأمة بالحكم الشرعي. مثال ذلك: وقع في عصر الصحابة: أن امرأةً جاعت فأرادت أن تأكل فزنت بدرهمين، فجاء عمر بن الخطاب ليجلدها، ولما تكلم معها علم أنها لم تكن تعلم أن الزنا حرام، فقال عمر بن الخطاب: هي جاهلة بالحكم فلا تجلد، فوافقه الصحابة وقالوا: لا تجلد، فهذا إجماع صريح. وكذلك مثل: قضية التأمين، والتأمين تأمينان: تأمين تجاري، وتأمين تعاوني. فالتأمين التعاوني كصندوق الزمالة وغيره، وهذا لا حرج فيه، لكن التأمين التجاري يعتبر نازلة من النوازل، أي: أنه لا يوجد أحد تكلم عنه، غير ابن عابدين تكلم في التأمين البحري، فيوجد تأمين على الحياة، وتأمين على العين وغير ذلك، وهناك ممثلات يؤمنَّ على أنفسهن، ومنهن من تؤمن على عينها، أو لاعب الكرة يؤمن على رجله، فهذا التأمين يعتبر نازلة، فالشيخ ابن باز ينظر في التأمين ويقول: حرام، لكن الشيخ مصطفى الزرقا يقول: إنه جائز، والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني يقولان: إنه حرام، ويأتي المجمع الفقهي في الكويت فيقول: حرام، وتأتي دار الإفتاء في الأزهر وتجتمع مع إدارة البحوث فيقولون: حرام، فيسمى هذا إجماعاً صريحاً، وقد اتفق أهل العلم على أن الإجماع الصريح حجة. كذلك مثلاً: البنوك الإسلامية، إن لم تكن كلها حرام فجل معاملاتها تخالف الشرع، يقول الشيخ الألباني: هؤلاء يتعاملون بتعامل أخس من تعامل اليهود، الذين قال فيهم النبي ﷺ : (قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحوم الميتة أذابوه، ثم جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه) فهؤلاء فحول أهل العلم وأساطين أهل العلم الذين لا مخالف لهم يقولون: بأن هذه البنوك تتعامل تعاملاً فيه تحايل على الربا، فإذا قال العلماء المجتهدون: إن هذا تحايل على الربا، وأجمعوا على أنه لا يجوز، فهذا الإجماع صريح وهو حجة، لكن لو أن العلماء سكتوا عن هذه الفتوى فيسمى إجماعاً سكوتياًًً، ولا يسمى إجماعاً صريحاً. الثاني: الإجماع السكوتي: وهو أن يسكت علماء العصر على فتوى لمجتهد من المجتهدين دون إنكار، كأن يصل إلى العلماء أن العالم المجتهد الفلاني قال: بتحريم نقل الأعضاء، كبيع الكلى، فسكتوا، فالسكوت هنا معناه الرضا، وهذا يسمى إجماعاً سكوتياًًً. وهذا الإجماع اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه إجماع وهو حجة. القول الثاني: أنه ليس بإجماع وليس بحجة وهذا قول الشافعية والمالكية. وأدلتهم في ذلك: القاعدة التي قعدها الإمام الشافعي من النظر: أنه لا ينسب لساكت قول -فأول من تكلم في القواعد الفقهية هو الشافعي، كما أنه أول من كتب في الأصول، وأول قاعدة تكلم بها الشافعي: لا ينسب لساكت قول- فإذا انتقلت الفتوى إلى إمام وسكت عنها فلا يكون حجة؛ لأن هناك احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون ذهل عن المسألة، لشغله بشيء آخر، ولم يفت فيها. الاحتمال الثاني: أن يكون خائفاً من جَوْر السلطان، كمن عايش العصر العباسي، فيصعب عليه أن يفتي بفتوى مخالفة، كما جلد الإمام مالك على فتوى أفتاها في تحريم نكاح المتعة؛ لأنهم ينقلون عن ابن عباس أنه يقول: بإباحة نكاح المتعة، فلم يكن يستطيع أحد من العلماء أن يقولها جهاراً، فقالها الإمام مالك فجلدوه. الاحتمال الثالث: أنه سكت؛ لأنه لم يترجح له شيء في المسألة فتوقف، فهذه احتمالات تبين أن الساكت لم يقر على هذه الفتوى. القول الثالث: أنه ليس بإجماع لكنه حجة. القول الأول: قول الأحناف والحنابلة: أنه إجماع وهو حجة، فقالوا: إنه إذا مرت الفتوى على عالم فلم ينكرها دل ذلك على أنه رضي بها، كما قال النبي ﷺ : (فإذنها صماتها) أي: سكوت المرأة إذن منها؛ ولذلك قالوا: السكوت علامة الرضا، وقالوا: الأصل عدم الاحتمالات. القول الثالث: قول بعض الشافعية من المحققين وبعض الأحناف: أنه ليس بإجماع، لكنه حجة ظنية لا يلزم العمل به. ومعنى هذا: أن الحجة الظنية يسوغ الاختلاف فيها، أما الإجماع القطعي فلا يجوز الاختلاف عليه، وهذا هو الفارق، فهذا القول قول وسط بين القولين، وهو الصحيح والراجح، ولو قال قائل: بأنهم إذا سكتوا على فتوى وعلمنا يقيناً أن هذه الفتوى بلغت العلماء، وانقرض عصر هؤلاء العلماء، فإنه يكون إجماعاًً. لما أبعد. ولكن القول الثالث: هو الراجح والصحيح.

стр. 104

الأقوال في مسألة إنشاء قول ثالث بعد الإجماع هذه مسألة أخرى تتعلق بمسألة الإجماع، وهي: إذا اختلف العلماء في مسألة على قولين، فهل يسوغ إنشاء قول ثالث بعد القولين أم لا؟ فمثلاً: التيمم، اختلف العلماء فيه على قولين بعد الاتفاق على الجواز، أي: ما هو الذي يتمم به المرء؟ فالحنابلة والشافعية قالوا: التيمم لا يكون إلا بالتراب، بينما المالكية والأحناف قالوا: كل ما صعد على الأرض يتمم به. فهل يمكن لمن أتى بعدهم أن ينشئوا قولاً ثالثاً، كأن يقولوا: يجوز التيمم بورق الشجر أو بالزجاج. فهذا فيه خلاف بين العلماء، والخلاف هنا منشؤه: أنه حصل الإجماع على القولين فلا يسوغ الاختلاف عليه، وهذه مسألة خلافية اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: الجواز مطلقاً. القول الثاني: المنع مطلقاً. القول الثالث: التفصيل. القول الأول: قالوا: هذا ليس بإجماع، بل اسمه: خلاف، فيسوغ أن يَختلف الناس فيه أيضاً. القول الثاني: قالوا: أي مسألة اختلفوا فيها على قولين ليس فيها ثمة قول ثالث. القول الثالث: الذين قالوا بالتفصيل، وهو الراجح الصحيح، قالوا: لا يجوز أن ينشئوا قولاً ثالثاً في القدر المشترك بينهما؛ لأن أي مسألة فيها قولان يوجد فيها اشتراك في جزئية ما، فهذا يسمى إجماعاً، فلا نأتي بقول ثالث في هذه الجزئية، وأما في الخلاف فيجوز أن نأتي بقول ثالث. وبالمثال يتضح المقال: الله جل وعلا جعل عدة المتوفى عنها زوجها حولاً كاملاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] لكن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] نسخت آية: ﴿إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، فيسمى هذا النسخ: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، وهو من باب نسخ القرآن بالقرآن، وأنواع النسخ ثلاثة: الأول: نسخ الحكم والتلاوة. الثاني: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. فإذاً: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لكن إذا كانت امرأة حاملة ومتوفى عنها زوجها، فبأي عدة تعتد؟ قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] إذاً: عدة الحامل سواء متوفى عنها زوجها أو غير متوفي عنها زوجها، كأن طلقها: أن تضع حملها. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول علي بن أبي طالب وابن عباس قالا: تمكث أبعد الأجلين، أي: لو كانت حاملةً في الشهر الثامن، وبقي عليها شهر واحد حتى تضع، فأبعد الأجلين هنا أربعة أشهر، أما لو كان هناك امرأة حامل في الشهر الثاني وتوفي عنها زوجها، فأبعد الأجلين هنا حتى تضع حملها. القول الثاني: قول الجمهور، قالوا: المتوفى عنها زوجها إن كانت حاملة فإن عدتها وضع الحمل، واستدلوا على ذلك بحديث سبيعة الأسلمية كما في الصحيحين: (أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما انتهت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالزواج إن بدا لي). فبين لها أنها تحل للرجال بعد أن تضع حملها، فهذا دليل قوي على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع الحمل، وهذا هو الراجح، فإذا طبقنا على هذه المسألة القول التفصيلي هنا: فهل يجوز لنا أن نأتي بقول ثالث أو لا؟ أولاً ما هو القدر المشترك بين القولين؟ القدر المشترك: أنها إذا كانت حاملة فهي في العدة، سواء مر عليها أربعة أشهر وعشراً، أو لم تمر؛ وهذا هو القدر المشترك الذي لا يجوز إحداث قول ثالث يخالفه. فلو أتى شخص بقول ثالث: لا بد أن تمكث أربعة أشهر وعشراً قولاً واحداً، سواء كانت حاملة أو غير حامل، فهذا قول لا يصح؛ لأنهم اجمعوا على أنتهاء عدتها: إما أبعد الأجلين، وإما وضع الحمل، والقدر المشترك هو وضع الحمل.

стр. 105

مستند الإجماع وهنا مسألة أخيرة وهي: مستند الإجماع: اتفق العلماء على أن الإجماع لا بد أن يكون له دليل، فإن كان مستند الإجماع الكتاب صح ذلك، ومثاله: تحريم الأم، فهذا مستنده الكتاب. وقد يكون الإجماع مستنده السنة، كإعطاء الجد السدس، وإعطاء الجدة السدس. أما إن كان مستند الإجماع الاجتهاد، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عدم الصحة، وأنه ليس بحجة. القول الثاني: وهو القول الراجح والصحيح: أنه حجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] وأولي الأمر هنا: العلماء. فدل ذلك أنه حجة، وأنه لو رد إلى أولي الأمر، واستنبطوه فاتفقوا فهو إجماع، فهذه الآية فيها دلالة على أن الإجماع الذي استند إلى الاجتهاد أنه حجة.

стр. 106

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الرابع: القياس يعتبر القياس دليلاً شرعياً على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد تناوله العلماء ضمن مواضيع أصول الفقه، فأوضحوا معناه، وبينوا حجيته بالكتاب والسنة والنظر، وتناولوا أيضاًَ أركانه وشروطه بشيء من الإسهاب، وذلك لما له من أهمية في أخذ الأحكام الشرعية منه.

стр. 107

تعريف القياس إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فالدليل الرابع من أدلة الأحكام هو: القياس، وفيه خلاف خفيف. القياس لغة: التقدير والمساواة. يقال: قست الأرض بالمتر، أي: قدرتها به. ومن معاني القياس: التسوية بين شيئين، ويأتي أيضاً في بمعنى: الميزان، أي: الذي توزن به الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧] أي: الذي توزن به الأمور. والقياس في الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في حكم بجامع بينهما، أو لاشتراك علة بينهما. قوله: (إلحاق) أي: سأسوي الفرع بالأصل. (إلحاق فرع بأصل في حكم) بمعنى: إذا كان الأصل حكمه الوجوب فسيكون الفرع حكمه الوجوب، وإذا كان الأصل مستحباً فالفرع سيكون مستحباً، وإذا كان الأصل محرماً فالفرع يكون محرماً. فمثلاً: أقول: إن الذهب ربوي، يعني: أن الذهب بالذهب يحرم إلا بشرطين اثنين: الأول: التقابض في المجلس. الثاني: المساواة. فأقول: بالنسبة للدولار أو الجنيه، أو بالنسبة للدرهم أو الدينار يلحق بالذهب، فالدرهم والدينار فرع، والذهب والفضة أصل، لكن كيف أعرف أن هذا أصل؟ أعرف ذلك أن الأصل هو: الذي ثبت بالكتاب والسنة أو الإجماع، أما الذي يثبت بالقياس فليس بأصل، فثبت في السنة أن الذهب بالذهب ربا إلا بالشرطين السابقين، وأما الدرهم والدينار والورق أو الدولار أو الجنيه فلم يذكر أي واحد من هؤلاء في النص، فنقول: إن الدولار بالدولار أو الجنيه بالجنيه هذا فرع، فهل نلحقه بالأصل؟ الجواب نعم، فنقول: يلحق الدولار بالدولار على الذهب بالذهب الذي هو الأصل، وهذا يعني أنه ربوي، ولا بد أن يتوفر فيه شرطان: الشرط الأول: المساواة، فيكون الدولار بدولار، وألف بألف، ولو كان ألف دولار بألف وواحد دولار فهذا ربا؛ لأنه لا بد المساواة. الشرط الثاني: التقابض في المجلس. إذاً: الفرع الذي هو العملة الورقية فرع ألحقته بالأصل، وهو الذهب بالذهب الذي ثبت في السنة. قال: (إلحاق فرع بأصل في الحكم) فحكم الذهب بالذهب حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس. إذاً: يبقى حكم الدولار بالدولار حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس، لكن لماذا يلحق الفرع بالأصل؟ الجواب: يلحق لاشتراكهما في العلة. وقد اختلف الفقهاء في علة الربا بالنسبة للذهب: فجمهور أهل العلم يرون أن العلة الثمنية أو غالب الثمنية؛ لأن هناك خلافاً طفيفاً بين أهل العلم؛ فالشافعية والحنابلة أو الشافعية والمالكية يرون أن هذه العلة قاصرة لا تتعدى إلى غيرها. بينما قال الأحناف والحنابلة: العلة في الذهب الوزن. والرأي الصحيح هو رأي الجمهور: أن العلة في الذهب أنها الثمنية أو غالب الثمنية. فلو قلنا بقول الأحناف والحنابلة فمعنى ذلك: أن الحديد بالحديد لا يجوز، إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل، لأن الأحناف يرون أن الوزن هو العلة، فأي شيء موزون عندهم يكون ربوياً، ولا يجوز إلا مثلاً بمثل مع التقابض في المجلس. والصحيح الراجح: أن العلة هي الثمنية، فالعلة التي في الذهب الثمنية، والعلة في الجنيه والدولار الثمنية؛ لأنه ثمن للأشياء؛ إذ لا تشتري إلا بها، فالعلة اتفقت هنا، فالجامع بينهما علة الثمنية، فألحقنا حكم الدولار بالدولار بحكم الذهب بالذهب، ويشترط فيه شرطان حتى يصح: التقابض في المجلس، وأيضاً التساوي في العدد.

стр. 108

أركان القياس القياس له أركان أربعة: الركن الأول: الأصل. الركن الثاني: الفرع. الركن الثالث: الحكم. الركن الرابع: العلة. فالركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه، ويشترط في الأصل: أن يثبت بالنص، والنص: كتاب أو سنة أو إجماع. الركن الثاني: الفرع، وهو المقيس الذي نقيسه على الأصل. الركن الثالث: الحكم، والمراد به الأحكام الخمسة: واجب أو محرم، فالمراد الحكم الذي اقتضاه الدليل الشرعي، فإذا قال النبي ﷺ : (الذهب بالذهب ربا إلا مثلاً بمثل يداً بيد) فهذا معناه: أن الذهب بالذهب مع التفاضل أو عدم التقابض ربا. فيكون حكمه هنا أنه حرام، فيكون الحكم هو: ما اقتضاه الدليل الشرعي من إباحة أو استحباب أو تحريم أو وجوب. الركن الرابع: العلة، وهي الوصف المناسب الذي من أجله وجد الحكم طرداً وعكساً. كأن تقول مثلاً: حرمت الخمر للونها الأصفر، يعني: لو وجدت خمر لونها أحمر أو أبيض فهل تحل؟ لا تحل، بل هي محرمة، إذاً: هذه ليست علة؛ لأن العلة تكون وجوداً وعدماً طرداً وعكساً، والوصف المناسب هو الإسكار، فالإسكار هو العلة لتحريم الخمر. ومعنى: (طرداً وعكساً) أي: إذا وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم. فمثلاً: الخمر محرمة بالنص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] إذاً: ثبت التحريم بالكتاب، والنبي ﷺ يقول: (سيأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، وقال ﷺ : (كل مسكر حرام وكل مسكر خمر). فالمقصود: أن الخمر أصل ثبت تحريمه بالكتاب والسنة. والفرع: البيرة، إذ أنها ليست ثابتة لا بالكتاب ولا بالسنة، فهذا الفرع نريد أن نلحقه بالأصل، ونسويه به في الحكم، وهو الحرمة، فيكون حكم بيع البيرة أو شرب البيرة أو شراء البيرة حرام. فاستنتجنا هذا الحكم بجامع العلة، وهي الإسكار. فإن قيل: قد يشرب رجل زجاجة كبيرة فلا يسكر؟ ف الجواب قال النبي ﷺ : (ما أسكر كثيرة فقليلة حرام) إذاً: قليله حرام؛ لأن كثيره مسكر؛ فهذا تطبيق عملي للأركان الأربعة، وكيفية إلحاق الفرع بحكم الأصل. فإذا قيل: الخمر أصل، وعصير الموز فرع، فهل يلحق به؟ فنقول: إن عصير الموز لا يسكر، فالعلة منتفية فلا يلحق به. وإذا قلنا: الخمر أصل، وماء الشعير فرع، فهل يمكن أن ألحق هذا الفرع بالأصل؟ فالجواب: لو تحققت علة الإسكار نلحقها بالخمر، فإن لم تحقق فإن الأصل في الأشياء الحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨] فـ (ما) صيغة من صيغ العموم، فكل ما في الأرض حلال طيب، إلا ما فصل لكم وحرم عليكم فإنه يكون حراماً.

стр. 109

ذكر أدلة من قال بالقياس القياس حجة ودليل من أدلة الأحكام، وقد ثبتت حجية القياس بالكتاب والسنة والنظر. أما بالكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] فعندما ألحق الله العذاب ببني النضير قال لأهل الإسلام: اعتبروا يا أولي الأبصار! يعني: اعلموا أنكم لو فعلتم مثل فعلهم فسيكون العقاب نفس العقاب. فالأصل: بنو النضير، والفرع: المسلمون، والعلة: التعدي. وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، فهنا قياس البعث في اليوم الآخر بإحياء الأرض بعد موتها، فالأصل: الأرض الميتة، نزل عليها الماء فاهتزت وربت؛ لأن الله أحياها بهذا الماء، والفرع: الإنسان، يموت فيبلى ويبقى عجب الذنب، فهذا الفرع نلحقه بالأصل، فيحيا كما أحيا الله الأرض، فإن السماء تمطر مطراً كالمني، فيأتي على عجب الذنب، ثم يقوم حياً مبعوثاً من قبل الله جل وعلا، فيبعثه الله ويحييه كما يحيى هذه الأرض. وأما الأدلة من السنة على إثبات القياس فهي كثير منها: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: (أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضية إياه؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى). فقوله: (أرأيت) فيه ضرب مثل، وضرب الأمثال قياس، فالأصل: دين الآدمي على الآدمي، والفرع: دين الله، والحكم: وجوب قضاء الدين، والعلة: وجود الدين، والدين للآدمي فيه مطالبة، فلا بد أنك تقضي الدين، وأيضاً حق الله لابد من قضائه، وهذا قياس اسمه: قياس الأولى؛ لأن النبي ﷺ قال: (فدين الله أحق أن يقضى) أي: من باب أولى، وهذا اسمه قياس جلي. وفي حديث آخر: (جاء رجل مغضباً إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولداً أسود) هو أبيض وامرأته بيضاء، وأتت بولد أسود، فالأمر فيه ريبة، فجاء يعرض بامرأته، وفيه دلالة على أن التعريض لا يقام بموجبه الحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. فقال له النبي ﷺ : (ألك بعير؟ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، فقال: أفيها أورق؟ - يعني: لونه مختلف- قال: إن فيها أورقاً، فقال: من أين هذا؟) يعني: إن كان هؤلاء حمراً، وهذا جاء: لون رصاصي، ولون مختلف عن اللون الأحمر، فمن أين جاء هذا اللون؟ (فقال: يا رسول الله! لعله نزعه عرق) يعني: جد البعير الكبير له نفس اللون، فنزع العرق منه، فقال النبي ﷺ : (وولدك لعله نزعه عرق) فهذا أيضاً قياس، فالأصل: الإبل المختلفة الألوان، والفرع: الآدمي، والحكم: أن الاختلاف في اللون لا يدل على الزنا، ولا يدل على أنه أصلاً أدخل عليه ما ليس منه. وعلة الإلحاق: العرق الموجود في الجلد أو في غيره. والمقصود: أنه بين له وضرب له مثلاً يجعله يعرف أن هذا ليس بزنا، وهذا من باب القياس. والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقيسون الوقائع التي تنزل عليهم. مثال ذلك: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه). فـ ابن عباس نظر فجعل العلة عدم القبض، فقال ابن عباس: (وأحسب كل شيء مثل الطعام، أو قال: أحسب كل شيء ينزل منزلة الطعام)، فقاس غير الطعام على الطعام. فلو أن رجلاً اشترى سيارة من معرض سيارات، فلما اشتراها تركها اتصل بوكالة، فباع لها السيارة، وصاحب الوكالة قال له: الشيكات عندي فابعث الوكيل أو الأجير الذي عندك ليأخذها، فبعثه فأخذ الشيكات والرجل في بيته، فذهب الرجل وأخذ السيارة، فهذا البيع لا يصح لعدم القبض. والقبض في المنقول أن ينقله، وفي الذي لا ينقل يكون القبض بالتخلية. ومعنى ذلك: أن المنقول -وهو الشيء الذي يحمل- يؤتي به إلى مجلس العقد، والسفن منقولة أيضاً لكن لأنها كبيرة جعلوها كغير المنقول، والعمارات والبنايات والشقق يكون القبض فيها بالتخلية، وذلك بأن تعطيه المفتاح. ففي المثال السابق لم يقبض السيارة فلا يصح البيع، فأنا أعرج على كلام ابن عباس: (أحسب كل شيء كالطعام)، إذاً: كل شيء يشترى -سيارة، حديد، مكينة- لا يباع حتى يقبض وحتى ينقل، وهذا قياس من ابن عباس ﵁ وأرضاه. وكذلك كثير من الصحابة كانوا يقيسون، وبعث عمر بن الخطاب بكتاب تلقته الأمة بالقبول إلى أبي موسى الأشعري ينصحه ببعض النصائح، ثم بين له القياس، فقال: (وعليك بالفهم). وكان بعض علمائنا يقول: الفهم كل العلم، أو الفهم شطر العلم. والفهم هو دقة النظر في الأدلة، وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم، ولذلك تجد في هذا العصر علماء يعلمون الحلال من الحرام لكنهم ليسوا بفقهاء، فهم علماء لكنهم ليسوا بفقهاء؛ لأنهم لا يدققون النظر، فالفهم عال جداً، فيرتقي به العالم عن العلماء أجمعين بدرجات، أما رأيت أن الله قد قدم سليمان ﵇ على داود ﵇ بسبب الفهم مع أنه قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]. فقال عمر لـ أبي موسى: (الفهم الفهم فيما يأتيك، وعليك بالنظير والنظير، يعني: إذا أتتك المسألة ولا تعرف لها دليلاً، فانظر إلى نظيرها من الشرع ثم قف عليه. والمزني تلميذ الشافعي صاحب (المختصر على الأم) قال: أجمع الفقهاء الذين رأيناهم على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل. فهذه أدلة من يقول بالقياس من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ومن بعدهم. ومن النظر نقول: إن الله جل وعلا خلق الخلق، وشرع الشرائع من أجل التسهيل عليهم، ومن أجل تكميل مصالحهم، فمقاصد الشريعة جاءت بإكمال المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فهذا مقصد من مقاصد الشريعة، والقياس يحقق هذا المقصد. ومن النظر أيضاً هناك مسائل كثيرة جداً لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، فألمح الله للمجتهدين أن يقيسوا فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فهذا الاستنباط هو من باب القياس.

стр. 110

ذكر أدلة من أنكر القياس لكن الإمام ابن حزم الظاهري سل السيوف وسن الرماح ليقطع رقاب من يقولون بالقياس، ومنهجه هو مثل منهج داود الظاهري، لكن ابن حزم في كتابه (الإحكام) شد الحرب، وشنع على كل من يقول بالقياس، وهذا الرجل له حجة باهرة قوية جداً، لكن عند تدقيق النظر يعلم بطلان هذا القول، والمقصود: أن الذين ينكرون القياس يشنعون على من يقول بالقياس. ومن الأدلة التي استدلوا بها على رد القياس: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فالله جل وعلا لم يقل في البيرة قولاً، والرسول لم يقل في البيرة قولاً، فإذا تكلمت في ذلك فأنت متقدم بين يدي الله ورسوله. الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فأي شيء ستتكلم فيه بدون علم - والعلم عندهم هو: العلم اليقيني، أي: الكتاب أو السنة- فقد تكلمت من غير كتاب وسنة، فأنت ستقفو ما ليس لك به علم. الدليل الثالث: أن الصحابة ذموا القياس، ومنهم عمر بن الخطاب فإنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فتكلموا بالرأي). فذموا الرأي، وأهل الرأي هم أهل قياس. وأيضاً عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إياكم والمكايلة)! قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة. فحذرهم من القياس. وورد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره) لكننا نقف على الأثر، فهذا علي بن أبي طالب رفض القياس، مع أن الشافعي يرى مسح الأسفل والأعلى، ويقيس الأسفل على الأعلى. فالمقصود: أن علي بن أبي طالب أيضاً رفض القياس. ثم قالوا: أنتم تدندنون حول القياس، وتقولون: إن الشريعة جاءت بعدم التسوية بين المختلفين، وبالتسوية بين المتماثلين، لكننا نجد الشرع جاءنا بمتماثلين وفرق بينهما، قلنا: كيف هذا؟ قالوا: المرأة تحيض فلا تصلي ولا تصوم، لكن بعد طهرها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وهما متماثلان في الوجوب، فلم فرقتم بين المتماثلين؟ إذاً: أنتم أصلكم باطل، فالشريعة جاءت تفرق بين المتماثلين. وذكروا أمثلة كثيرة منها: أن السارق تقطع يده، والغاصب لا تقطع يده. وهم أيضاً يحتجون بأن أول من قاس هو إبليس، فيقولون: إذاً: أنتم تتبعون إبليس، فإبليس هو قائدكم ومعلمكم؛ لأن إبليس هو أول من قاس، فإنه قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. قالوا: فأنتم تتبعون خطوات إبليس، والله يحرم هذا، كما قال سبحانه: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١]. فنقول: الراجح الصحيح مع الجمهور، وأن القياس دليل من الأدلة الشرعية، وكفى بالأدلة التي سردتها من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والنظر على أن القياس حجة ودليل شرعي. والله جل وعلا بين لنا القياس بقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] فهو بين أنه يثير السحاب في السماء، ثم ينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه يحيي الموتى كما أحيا هذه الأرض البوار الميتة، فبين هذا بالقياس، والنبي ﷺ قاس، والصحابة فعلوا ذلك، فلا نعدو الكتاب ولا نعدو السنة ولا نعدو هؤلاء الذين قاسوا، وهم أفضل الأمة، وهم صحابة رسول الله ﷺ . وأما الرد على المخالف فنقول: إن استدلاله بقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] وأن القائس متقدم بين يدي الله ورسوله، نقول: إن القياس ليس تقدماً بين يدي الله ورسوله، فإن الله بين لنا القياس في كتابه، والرسول قد قاس، فهذا ليس تقدماً بين يدي الله ورسوله. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وأنك لو عملت بالقياس عملت بالظن، وظنك هذا قد يكون مخطئاً، إذاً: ستقفو ما ليس لك به علم. فنقول: إن الأدلة القطعية شرعت لنا الاجتهاد؛ ولذلك النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر) فهذا ليس بأنه يقفو ما ليس له علم، ولذلك اشترط العلماء أن الذي يقيس لا بد أن تتوفر فيه آلة الاجتهاد وأدواته، وهذا الكلام يقال لمن لا يملك آلة الاجتهاد، لكن المجتهد قد أحال الله العلم عليه، كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]؛ لأن أهل الذكر يتدبرون الأمر، ويتدبرون المسألة ويأتون بالنتيجة. وأما كلام عمر فيحمل على الرأي الذي يصادم النص؛ لأن عمر نفسه أصل القياس، وقال لـ أبي موسى: وعليك النظير بالنظير. ثم إن في الأثر ما يؤيد هذا التأويل، وهو أنه قال: أعيتهم الأحاديث، فإذاً: هو يذم الذين يأخذون بالرأي مصادمين به النص. أو نقول: إنه يقصد أهل الأهواء الذين لا يريدون الحق في حال من الأحوال، لكن يضربون بالأحاديث عرض الحائط، وينظرون إلى رأيهم، ويقولون: نقدم العقل على النقل، وهؤلاء هم أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية وغيرهم. أما قول علي بن أبي طالب: (لو كان الدين بالرأي لمسحنا الأسفل، لكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح أعلى الخ)، فنقول: أنه أسند الفعل للرسول، وإذا جاء النص بطل الرأي وبطل القياس، فلا قياس مع النص بحال من الأحوال. وبهذا تسلم لنا أدلة حجية القياس، وتكون الأدلة المعارضة كلها أدلة ضعيفة لا تنتهض لنفيه. أما الإشكال الذي أوردوه على قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة فنقول: نحن أصلنا أصلاً وهو: كل قياس صادم النص فهو فاسد الاعتبار، فعندنا نص قال: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فندور مع النص حيث دار، إذاً: قياس الصلاة على الصوم قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مصادم النص. فهذا وجه. الوجه الثاني: المشقة؛ فالصوم شهر واحد في العام، فكان أيسر في القضاء، لكن الصلاة كل يوم، فيشق عليها القضاء، والله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فكل ذلك يدل على أن المشقة تجلب التيسير؛ لأن من مقاصد الشريعة التيسير على البشر، فلما خالف القياس هنا مقاصد الشريعة طرح أرضاً ولم نأخذ به. أما قياس إبليس، فنقول: إنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته النص. أيضاً لو تنزلنا معه فيكون قياساً مع الفارق؛ لأن الماء أفضل من النار. ومن النظر أيضاً هناك مستجدات كثيرة جاءت لو لم يكن فيها قياس لضاعت الأمة؛ ولذلك نحن نرى أن الله جل وعلا أراد أن يرفع ويبين لهذه الأمة قدر العلماء بالقياس وبالاجتهاد والنظر، فكل نازلة تنزل ترى العالم يأخذ بالكتاب والسنة ويجتهد حتى يستنبط الحكم من هذا الدليل، ولذلك قال الشافعي: وما من نازلة إلا في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] لكن علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والعلم يتفاوت، فمنه علم مستنبط، ومنه علم صريح.
следующие страницы →