Полный текст (302 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - نبذة عن سيرة الإمام ابن خزيمة
إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، كان بحراً من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث والعلم، فكتب الكثير، وصنف وجمع، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، جاهد أهل البدع بلسانه وبنانه، وبين بطلان عقائدهم الزائفة، وفصل عقائد السلف وبينها وأظهرها بدلائل القرآن والسنن والآثار.
стр. 2
فضل العلماء وطلب العلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فأشرف الناس على الإطلاق هم العلماء الذين هم واسطة بين الخالق وبين المخلوق، قال ابن عيينة: أفضل البشر على الإطلاق هم الواسطة بين رب البشر وبين البشر، وقال النبي ﷺ : (العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
العلم العلم، والطلب الطلب، فإن شمس البدعة قد بزغت، ولا تخمد نار الفتنة إلا بالطلب، ولما ظهرت البدع في القرون الخيرية في القرن الثالث انبرى لها أساطين العلم، ومن أفاضل الأمة على الإطلاق هذا الإمام العظيم إمام الأئمة ابن خزيمة.
وعلم التوحيد هو أشرف العلوم على الإطلاق، إذ شرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا، بل قال ابن القيم: لن ترسخ معرفة أحد ولا قدم أحد في الإيمان ولن يستقيم إيمان أحد حتى يتعرف على رب البرية جل وعلا في صفاته وأسمائه جل وعلا.
والعلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله ونهيه، والعلم بالله هو الأصل، والعلم بأمر الله ونهيه هو علم الفروع كالفقه وغيره، فعلم الأصول هو العلم بالله جل وعلا وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتوحيد ربوبيته، وتوحيد الإلهية.
وأشرف الناس هم العلماء، وطلبة العلم الذين يسيرون على درب العلماء، ولن يستقيم إيمان عبد إلا بالعلم، قال الله تعالى في مطلع الوحي: ((اقْرَأْ))، ما قال الله: بلغ، ولا قال: تعبد، ولا قال: وحد، بل قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وفي التوحيد قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، لأنك لن توحد الله حتى تعلم.
وطلب العلم هو أشرف العبادات، كما قال الإمام أحمد: لا أرى عبادة مثل طلب العلم لمن خلصت نيته.
стр. 3
أهمية كتاب التوحيد لابن خزيمة
سندرس بإذن الله في هذا الكتاب العظيم: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لـ ابن خزيمة، وهذا كتاب جليل مهم جداً, فوائده جليلة وقيمة، تناول مؤلفه فيه صفات الله جل وعلا وأسمائه الحسنى، وتناول الكلام عن الإيمان بالغيبيات والقبر ومنازل الآخرة، وتناول أيضاً الكلام عن القدر.
وقد ألفه مؤلفه رداً على أهل البدعة والضلالة، إذ في عصره بزغت شمس البدعة من الخوارج والشيعة والجبرية والقدرية والمعتزلة والجهمية، فقام هذا العالم الجليل يرد على أهل الأهواء وأهل البدع، ومن ضمن المصنفات التي كانت نوراً في سماء العلم هذا الكتاب العظيم الخاص بالتوحيد، كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب .
стр. 4
التعريف بابن خزيمة
مؤلف هذا الكتاب هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ الحجة الفقيه، جمع الله له العلمين، فكان فارساً في ميدان الحديث أستاذاً في علم النقد والجرح والتعديل، وأيضاً كان فقيهاً مستنبطاً، ولا عجب أن يكون كذلك وقد أخذ العلم عن أكابر علماء الشافعية عن المزني والربيع، وكان يروي عنهما كتب الشافعي، وكان حافظاً حجة فقيهاً، وكان على فقه الإمام الشافعي، ولقب بإمام الأئمة صاحب التصانيف.
стр. 5
مولده ونشأته
ولد إمام الأئمة في شهر صفر من عام ٢٢٣ في نيسابور، ونشأ بها وطلب الحديث منذ حداثة سنه، فسمع من عالم خراسان ومحدثها الإمام إسحاق بن راهويه.
كان تقياً زاهداً عابداً، وثمرة العلم تظهر عند التطبيق، فالعلم وسيلة لا غاية، والغاية من العلم هي التطبيق، وكان كثير من طلبة العلم لا يأخذون عن أحد العلم حتى ينظروا في صلاته وفي ذكره وفي تعبده، وينظروا في تقواه وفي ورعه، فكان هذا الإمام ممن تعلم ليعمل، فكان تقياً زاهداً ورعاً قواماً صواماً، وكان كريماً سخياً شجاعاً ﵁ وأرضاه، ورضي عن السلف أجمعين الذين حملوا لنا هذا العلم العظيم.
سلك الإمام ابن خزيمة طريقة طلاب العلم في عصره وهي تلقي العلم أولاً عن شيوخ بلده ثم الرحلة في الطلب، والرحلة هذه كأنها سنة أميتت، وهي لم تمت بحمد لله، لكن الله جل وعلا عوضنا بكسلنا وبقلة همتنا وضعف الوازع عندنا بأن العلماء وإن كانوا في مشارق الأرض ومغاربها يصل إلينا علمهم عن طريق الاسطوانات أو عن طريق شرائط الكاسيت.
سمع في صغره كما أسلفنا من علماء نيسابور مثل ابن راهويه ومحمد بن حميد، وكان يرغب في الذهاب إلى قتيبة فاستأذن أباه فأجابه: اقرأ القرآن أولاً، وأنا أهيب بكل طالب علم أنه لا بد أولاً أن يصبر نفسه في الحفظ، أنا جلست مع بعض مشايخي وسألته عن الجد في الطلب فقال: لا تسأل عن شيء حتى تحفظ القرآن، أصل العلم في القرآن، والشيخ محمد بن إسماعيل دائماً يقول: احفظ القرآن ثم بعد ذلك تكلم عن الطلب، وهذا تأصيل أصله الشيخ أسامة العظيم من مشايخ القاهرة، لو قلنا: إنه حلية زهاد هذا العصر فهو كذلك، فهو دكتور في الأزهر متخصص في أصول الفقه، وقد درس وأخذ بكالوريوس هندسة، ثم بكالوريوس شريعة، ثم ماجستير، ثم دكتوراه في أصول الفقه، رجل عابد يقيم الليل، نسأل الله جل وعلا أن يرفعه في عليين مع الصحابة الكرام مع النبي ﷺ ، إذا قام الليل بالإخوة في رمضان لا ينتهي إلا قرب الفجر، الذين يصلون خلفه يريدون السحور وهو ما يفكر إلا بالعبادة.
رأيته في الحج وقد اسودت الوجوه من شدة حر الشمس، فرأيته ورب السماوات والأرض وكأن وجهه يشع نوراً! فالرجل متعبد جداً وزاهد، وهو شافعي المذهب، فـ الشافعي كان يقول: تفقهوا قبل أن تسودوا، وكان هو يبين هذا ويقول: لا يتزوج أحد حتى يطلب العلم؛ حتى تكون امرأته تحته، فمن كان ذا علم سيستطيع أن يسير امرأته خلفه، فكان يقول: ما يتزوج أحد حتى يحفظ القرآن.
وكان السلف لهم منهج في طلب العلم، يقول العالم لمن أراد العلم: احفظ القرآن، فإذا حفظ القرآن وجاء إلى مجلس التحديث، قالوا: لا تجلس مجلس التحديث حتى تتعلم الفرائض، لأن هذا أول علم يندثر، فيتعلم علم المواريث ثم بعد ذلك يبدأ بطلب الحديث.
هنا الأب فعل ذلك مع الابن فقال له: لن تذهب إلى قتيبة لتسمع عنه وتروي عنه حتى تحفظ القرآن، والآن في عصرنا هذا لا تستطيع أن تقول لرجل كبر سنه: لا تطلب العلم حتى تحفظ القرآن؛ فتضيعه، الآن نحن نقول لمن كبر سنه وما استطاع أن يستدرك هذه المسألة: اطلب علم التوحيد، فعلم التوحيد هو أهم العلوم، وإن لم يستطع أن يجمع بين حفظ القرآن وعلم التوحيد فعلم التوحيد يقدم؛ لأنك لن تصل إلى ربك إلا بتوحيد خالص، ولن تخلد في الجنة وتنجو من نار جهنم إلا بتوحيد خالص.
يقول ابن خزيمة: فاستظهرت القرآن، يعني: حفظته عن ظهر قلب، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن لي، فخرجت إلى مرو وسمعت بمرو من محمد بن هشام وغيره.
ثم واصل رحلاته في طلب العلم ورحل إلى بلدان كثيرة، رحل إلى بغداد، والري، والشام، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، ومصر، وواسط، وفي هذه المدن سمع من علماء أعلام في السنة والفقه وغيرها من العلوم.
стр. 6
شيوخه
كان ابن خزيمة من قرناء البخاري ومسلم، وأعظم الشيوخ الذين سمع منهم: محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري، وأيضاً إسحاق بن راهويه.
أما مكانته العلمية فكانت مرموقة جداً بين أهل العلم، وكفاه فخراً أن لقب بإمام الأئمة.
كان يجمع بين علم الحديث والفقه، وقد قلنا: من طلب الحديث دون الفقه زل في المسائل الفقهية وضعف، ومن طلب الفقه دون الحديث احتج بالضعيف ولم يستطع أن يتقوى، ولا بد من الجمع بين الحديث والفقه، وأنا أسأل ربي أن ييسر علي إتمام بحث معين سميته فقهاء المحدثين، فهؤلاء هم أفاضل الناس، هؤلاء الشموس هم العلماء بحق الذين يحتذى حذوهم، قال الإمام أحمد: كنا نسمي أهل الحديث صيادلة، وكنا نسمي أهل الفقه أطباء، فخرج علينا الشافعي، فكان طبيباً صيدلانياً جمع بين الفقه وبين الحديث.
والعلماء يعيبون جداً على يحيى بن معين الناقد الجهبذ الذي كانت ترتعد فرائص أي عالم من علماء الحديث إذا وجد يحيى بن معين؛ لأنه كان نقاداً في علم الجرح والتعديل، ومع هذا كانوا يعيبون عليه عدم علمه بفقه الحديث، جاءته امرأة تسأله: هل لي أن أغسل زوجي الذي مات وأنا حائض؟ وكان قد وصى أن تغسله، فوقف يحيى بن معين حائراً يضرب أخماساً في أسداس كما يقولون، ثم مر أبو ثور الكلبي صاحب الشافعي، فقال يحيى: اسألي هذا الرجل، فقال أبو ثور: إن رسول الله ﷺ كان يخرج رأسه لـ عائشة فترجله وهي حائض، وهذا قياس الأولى، فلما أبيح للحائض أن تفعل ذلك، والمعتكف يمكنه ذلك، فالذي هو أحوج إلى التغسيل والتنظيف فالحائض يحل لها أن تغسله.
فقال يحيى بن معين: نعم هذا الحديث جاءنا من طريق فلان عن فلان عن فلان، وطريق فلان وفلان، وأتى بكل الطرق، فقالت المرأة: ولماذا لم تجبني لما سألت؟! وأين فلان وفلان التي تتحدث عنهم عندما سألتك؟! فعابوا عليه ذلك.
والإمام أحمد بن حنبل اشتد على يحيى بن معين؛ لأنه كان يتكلم في الشافعي، والشافعي جبل لا يؤثر فيه كلام أحد، حتى وإن كان يحيى بن معين، فـ الشافعي إمام كالشمس، فكان يتكلم فيه يحيى بن معين فعابوا عليه ذلك، واشتكوا إلى أحمد بن حنبل ذلك وقالوا: أما تسمع صاحبك يتكلم في الشافعي؟! فقال أحمد بن حنبل: أما إن يحيى بن معين يجهل ما يقوله الشافعي، ومن جهل شيئاً عاداه.
أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية كان يجلس مع مناظريه وهم مقلدة، يحفظون الفروع من الفقه فقط، ولا يعرفون فقه الأدلة، بينما شيخ الإسلام ابن تيمية أعطاه الله قوة في العلم وبسط له، فكان يقف يناظرهم، فيقولون: هذا رجل ما يفقه شيئاً! نسأله عن الشمال فيتكلم عن الجنوب والشرق والغرب ويبعد عن المسألة، قال ابن القيم: هذا من سعة علمه وفقهه وغوصه في الأدلة، ومن شدة جهلهم وضيق أفقهم، فأي إنسان يجهل ما يقال يعادي صاحب المقولة.
стр. 7
ثناء العلماء على ابن خزيمة
ابن خزيمة شهد له فحول العلماء بالحفظ والفقه، والقدرة على الاستنباط والفهم، وقد جاء هذا الاعتراف والثناء من تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم، ومن شيوخه الذين تلقى عنهم، مثل أبي حاتم الرازي الذي قيل: إنه أحفظ من البخاري، ومثل أبي زرعة الذي كان أيضاً أحفظ من البخاري، لكن البخاري كان أتقن منهما في العلل وغير ذلك، سئل أبو حاتم عن محمد بن خزيمة فقال: ويحكم! هو يسأل عنا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به، وهذا كما سئل يحيى بن معين عن أحمد بن حنبل فقال: أو أحمد يسأل عنه؟! هو يسأل عنا، أحمد إمام الدنيا.
والربيع صاحب الشافعي حامل فقهه، هو أحد من تفقه عليه ابن خزيمة، قال لبعض تلاميذه: هل تعرفون ابن خزيمة؟ قلنا: نعم، قال: استفدنا منه أكثر مما استفاد هو منا.
قال الدارقطني: كان ابن خزيمة إماماً عديم النظير.
قال الذهبي: كان هذا الإمام جهبذاً عالماً بالحديث، بصيراً بالرجال.
وقال أيضاً: ابن خزيمة الإمام الحافظ الحجة الفقيه.
وقال ابن حبان: ما رأيت من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا ابن خزيمة.
قال ابن كثير عنه: كان بحراً من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث وطلب العلم، فكتب الكثير وصنف وجمع، وهو من المجتهدين في دين الإسلام.
قال أبو علي: لم أر مثل محمد بن إسحاق كان يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة، وهذا معناه أنه كان يذكر الحديث وأيضاً يفقه متن هذا الحديث.
فقد كان محدثاً وفقيهاً مثل البخاري جبل الحفظ، فكتاب البخاري يدلك على فهم دقيق واستنباط بديع من الأحاديث، كان يقطع الأحاديث ويبوبها على أبواب، فتراجم أبواب البخاري تثبت لك أنه كان فقيهاً؛ ولذلك تنازعه الحنابلة والشافعية فكل ينسبه إلى مذهبه، فالشافعية كتبوا: البخاري شافعي المذهب، وفي تراجمه كثيراً ما يرجح مذهب الشافعي، وقال الحنابلة: حدث عن شيخه الإمام أحمد بن حنبل في الصحيح، والراجح أنه إمام مجتهد مطلق.
قال الذهبي: كان لـ ابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه، ولاتباعه لسنة النبي ﷺ .
стр. 8
عقيدة ابن خزيمة
كان ابن خزيمة سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث، يقول بما قاله الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون وتابعوهم، ومما يبين هذا قوله في هذا الكتاب: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونطبق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز أن يكون عدماً كما قاله المبطلون.
والفرق بين التشبيه والتمثيل أن التشبيه هو المطابقة في أغلب الصفات، والتمثيل: في كل الصفات، قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَي﴾ [الشورى:١١].
فكل معطل مشبه باللزوم؛ لأنه شبه أولاً فخشي من إثبات التشبيه فقال: يد الله كيد البشر، عين الله كعين البشر، لا، ليس له يد ولا عين؛ فعطل خوفاً من التشبيه.
والتعطيل تعطيلان: تعطيل كلي وجزئي، تعطيل بنفي الاسم والصفة، وهو تعطيل غلاة الجهمية، يقولون: لا عليم ولا علم، ولا كريم ولا كرم، ولا عزيز ولا عزة، أعوذ بالله من هذا الضلال المبين والكفر الفاحش، فغلاة الجهمية ينفون عن الله الاسم والصفة، هذا هو التعطيل الكلي، نفي الاسم والصفة.
والتعطيل الجزئي: نفي الصفة دون الاسم، يثبتون الاسم فيقولون: الله من أسمائه الحسنى العليم، لكن لا يثبتون العلم، ولذلك كثير من القدرية يقولون: الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها، فهؤلاء عطلوا الصفة دون الاسم.
وهم في تعطيل الصفة متفاوتون، فمنهم من يعطل جميع الصفات، ومنهم من يعطل أغلب الصفات وهم الأشاعرة الذين أثبتوا السبع الصفات التي يدل عليها العقل كما زعموا.
وقال ابن خزيمة أيضاً: نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارئنا، ونقول: من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع وبصير، ولا نقول: إن هذا تشبيه المخلوق بالخالق، ونقول: إن لله يدين يمينين لا شمال فيهما، ونقول: إن من كان في بني آدم سليم الجوارح والأعضاء فله يدان يمين وشمال، ولا نقول: إن يد المخلوق كيد الخالق عز ربنا عن أن تكون يده كيد خلقه.
ومعنى كلامه أن الأسماء والصفات توقيفية، يعني: لا بد من وجود نص من كتاب أو من سنة حتى نقول: هذا اسم لله أو هذه صفة من صفات الله جل وعلا.
والله جل وعلا اسمه السميع البصير، ويوصف المرء بالسمع والبصر، فيقال: إنه سميع بصير، فاتفقا في التسمية لكن يختلفان في الكيفية، قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأسماء الله تتضمن صفات كمال، لكن الإنسان قد يسمى باسم لا يتضمن الصفة، فمثلاً: يسمى كريماً وهو أبخل البشر، أو شجاعاً وهو أجبن الناس.
وهنا قال ابن خزيمة: إن لله جل وعلا يدين لا شمال فيهما، والدليل على أن لله يدين اثنتين قول الله جل وعلا: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فهو من باب التعظيم، والعظمة كلها لله، فحق لله أن يعظم نفسه، أما ترى أن الملك مثلاً يقول لأتباعه: إن الملك يأمر بكذا، وما يقول: أنا، يعظم نفسه.
أما قوله: لا شمال فيهما فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لله يد يمين ويد شمال؛ بدليل الحديث الذي في صحيح مسلم قال: (ثم يأخذ السماوات بشماله) فصرح بالشمال.
القول الثاني: قالوا: في الحديث: (كلتا يدي ربي يمين)، فلا نثبت لله يد شمال.
ونحن نقول: إذا ثبت أن لله شمالاً سمعنا وأطعنا، وأثبتنا ما أثبته الله لنفسه، وأثبتنا ما أثبته له رسوله، لكن الزيادة في هذا الحديث ضعيفة، إذ إن الثقة خالف الثقات وذكر لفظة (الشمال)، فلا شمال لله جل وعلا؛ لضعف هذا الحديث، ولو ثبت لأثبتا الشمال لله.
قال ابن خزيمة: ونحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، وما بينهما من صغير وكبير لا يخفى على خالقنا خافية في السماوات السبع والأرضين السبع، ولا ما بينهما ولا فوقهن ولا أسفل منهن، لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه، وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنهم إنما يرون ما قرب من أبصارهم، مما لا حجاب ولا ستر بين المرء وبين أبصارهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 9
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - المقدمة
أمر التوحيد أمر عظيم، فهو أول ما يجب على العبد في الإسلام، وهو آخر مطلوب من العبد، وهو المدخل إلى الجنة والمنقذ من النار، وقد قسمه العلماء إلى أقسام؛ كي يسهل فهمه وتتيسر دراسته، وهذا التقسيم له ما يشهد له من الأدلة.
стр. 10
أقسام التوحيد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! بمناسبة افتتاح هذا الكتاب الكريم العظيم؛ كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة سنذكر مقدمة أصيلة وتأصيلاً كاملاً لعلم التوحيد؛ حتى يظهر جلياً لطلبة العلم ما يأسسون عليه بنيانهم، ثم يسيرون على نهجه.
إن التوحيد هو أشرف العلوم على الإطلاق، فشرف العلم -كما بينا سابقاً- من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا، والناس حاجتهم إلى التوحيد أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء، فلا يستقيم إيمان عبد، ولا يقبل عند ربه جل وعلا، ولا ينجيه الله من الخلود في نار جهنم إلا بالتوحيد الخالص من الشرك.
والتوحيد قسمه بعض المتأخرين تقسيماً استنباطياً اجتهادياً، وقد استنبط هذا شيخ الإسلام، وهذا التقسيم هو تقسيم التوحيد إلى قسمين: القسم الأول: هو التوحيد العلمي الخبري.
القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي.
أو بتقسيم آخر: توحيد العبادة، أو توحيد الله جل وعلا بأفعاله.
القسم الثاني: توحيد الله بأفعال العباد.
стр. 11
توحيد المعرفة والإثبات
القسم الأول من التوحيد هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية: هو أن تعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه أن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي، وأن له مطلق السيادة ومطلق الحكم والأمر والنهي، فأما الخالق فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وأما الرازق فقال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، فالرزق المطلق هو من قبل الله جل وعلا، والخلق المطلق هو من قبل الله، وهناك خلق آخر ناقص وليس بكامل، يقوم به الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فالخلق المطلق وهو الإيجاد من العدم يتفرد به الله جل وعلا.
وأما الخلق الناقص وهو النقل من صورة إلى صورة، كنقل الحديد إلى سيارة، والخشب إلى باب، فهذا يسمى خلقاً لكنه خلق ناقص وليس بخلق مطلق.
وهو المدبر، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، وقال الله تعالى مبيناً ذلك بياناً جلياً: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
قال ابن مسعود: يرفع أقواماً ويخفض آخرين، ويعطي هذا ويمنع هذا، ويميت هذا ويحيي هذا.
وكل ذلك من لوازم الربوبية.
وله الحكم المطلق، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، وقال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
فالخلق إن كان من لوازم الربوبية فالأمر أيضاً والتشريع من لوازم الربوبية، فالأمر كله لله جل وعلا.
فهذا هو معنى توحيد الربوبية: أن تعتقد اعتقاداً جازماً بهذه الصفات التي هي من لوازم الربوبية.
ولم يشرك أحد في الربوبية، بل إن كل المشركين إلا النزر اليسير كانوا يؤمنون بالربوبية ولم يشككوا فيها، والنبي ﷺ لما أتى بشريعته إلى مشركي العرب ما عارضوه في ربوبية الله جل وعلا، وإنما عارضوه في الإلهية، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وقال الله تعالى مبيناً أنهم يقرون بالربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، وهذا يدلك على خطأ بعض العلماء المعاصرين الذين فسروا قول الله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] لا رب إلا الله، فهذا ليس بصحيح.
وقالوا أيضاً: إذا أتى بلوازم الربوبية واعتقد اعتقاداً جازماً أن الخالق والمكون والمدبر هو الله فقد تم توحيده، ودخل الجنة، وهذا خطأ فاحش، إذ إن المشركين يقرون بذلك، والفارق بين المشرك والمؤمن هو توحيد الإلهية كما سنبين.
فلم يشرك إلا النزر اليسير في توحيد الربوبية، وجحد به من جحد وهو عالم به كفرعون، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
وأيضاً المانوية والثانوية، فهم يقولون: إن للكون خالقين، خالق للنور وخالق للظلمة، فهؤلاء أشركوا في الربوبية، وأيضاً الشيوعيون الدهريون في عصرنا الذين يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، ويقولون: هكذا خلقت، والناس خلقوا صدفة، والطبيعة هي التي أوجدتهم! فهؤلاء نزر يسير، وأما المشركون قاطبة فهم مقرون بربوبية الله جل وعلا.
والنوع الثاني من القسم الأول وهو من أهم وأجل أقسام التوحيد، وهو الذي زلت فيه الأقدام، وظهرت فيه البدعة على أوجها، ألا وهو: توحيد الأسماء والصفات.
ومعنى توحيد الأسماء والصفات: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن لله جل وعلا أسماء حسنى وصفات علا، هذه الأسماء أعلام على ذات الله جل وعلا، وكلها حسنى؛ لأنها تتضمن صفات كمال، فالله اسم من أسماء الذات الإلهية، وعلم على ذات الله جل وعلا، وهو يتضمن صفة كمال ألا وهي الإلهية، والكريم اسم من أسماء الله جل وعلا، وهو من الأسماء الحسنى؛ لأنه يتضمن صفة الكمال وهي الكرم، والقدير اسم من أسماء الله الحسنى، وهو علم على ذات الله، وإذا قيل لك: العليم القدير فذهنك ينصرف إلى الذات الإلهية المقدسة، فكل اسم يتضمن صفة كمال.
стр. 12
قواعد في الأسماء والصفات
هنا قواعد مهمة تضبط لنا هذه الأسماء: أولها: كل هذه الأسماء حسنى؛ لأنها تتضمن صفات كمال، وباب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أوسع؛ لأن كل اسم يحمل صفة ولا عكس، فليست كل صفة تحمل اسماً، فالعزيز يتضمن صفة العزة، والرءوف يتضمن صفة الرأفة، وهكذا الكريم والرحيم والرحمن، وأما الصفات فلا تستطيع أن تشتق من كل صفة اسماً، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فصفة الاستواء لا نستطيع أن نشتق منها اسماً وهو المستوى، وهذا يدلك على أن باب الأسماء أضيق من باب الصفات.
ثانيها: أسماء الله لا تنحصر، فهي كثيرة وعديدة ولا تنحصر في عدد، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك).
إذاً: فهناك بعض الخلق يعلمون من أسماء لله ما لا يعرفها الآخرون.
ثم قال: (أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فهناك أسماء لله كثيرة يعلمها الله ولا يعلمها أحد من خلقه، فهذه دلالة على أن أسماء الله كثيرة جداً وليست محصورة بعدد.
وأيضاً حديث النبي ﷺ في الشفاعة العظمى وفيه: أن آدم يقول: اذهبوا إلى نوح، اذهبوا إلى إبراهيم، اذهبوا إلى موسى، حتى تحال إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها، فيذهب تحت العرش فيسجد يقول: فيعلمني الله جل وعلا محامد أحمده بها) أي: محامد الآن تعلمتها، والحمد ثناء على الله جل وعلا بما هو أهل له، فيثني على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، إذاً: ففيها أسماء لا يعلمها النبي ﷺ إلا عندما يسجد عند العرش، ويدلك ذلك على أن أسماء الله لا تنحصر.
ولا يشكل علينا حديث النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فالإجابة يسيرة جداً وهي: أن هذه الأسماء التسعة والتسعين لها ميزة خاصة عن بقية الأسماء كلها، وهذه الميزة هي: (من أحصاها دخل الجنة)، ومعنى أحصاها أي: حفظها عن ظهر قلب، وتعبد بها لله، يعني: ما يتوسل إلا بها، فقد حفظ اسم الكريم فيقول: يا كريم! أكرمني برضاك عني، وحفظ اسم القدير فيقول: يا قدير! أنجني من الظالمين، يا عزيز أعزني بطاعتك، فيتعبد لله بهذه الأسماء.
وأيضاً أن يتخلق بآثار هذه الصفات، فالله جل وعلا رءوف يحب كل رءوف، وكريم يحب كل كريم، فأنت من تعبدك لله بالاسم أو بالصفة أن تتخلق بأثر هذا الاسم، فاسم الله الكريم فأنت تكون كريماً، واسم الله العفو، فهو عند المقدرة يعفو، فأنت إن كنت قادراً على ظالم فاعف عنه إلا أن يكون في هذه مساءة، أو يكون هذا فيه زيادة كبر لهم، وإن كنت تعلم أن الله عزيز فاعتز أنت بطاعته، وتخلق بآثار هذه الصفات.
فالتسعة والتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة، فهذه هي الميزة لها، ولا يخفى علينا أن لله أسماء كثيرة كما في هذه الأحاديث.
وقبل أن ننتقل إلى الكلام في الصفات أضبط لطالب العلم قاعدة مهمة جداً وهي: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم الاشتراك في المسمى، فإذا قلت: الله الرحيم، أو الله الكريم، وسمي أحد الناس كريماً، فهذا الاشتراك هو بالنسبة للاسم والصفة، وهو لا يدل على الاستواء، فكرم الله جل وعلا فيه الكمال المطلق، وكرم هذا المخلوق ناقص ولو كان كرمه ككرم حاتم الطائي.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فالله له يد، والإنسان له يد، فاشتركا في الاسم، فهذه يد وهذه يد، لكن لا يلزم من ذلك أن تتساوى يد الله ويد المخلوق أبداً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 13
صفات الله تعالى
الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية.
فالصفات الثبوتية: هي الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله في سنته.
وهذا يعني: أن أسماء الله كلها توقيفية، وهذا فيه رد على النصارى الذين يسمون الله جل وعلا بالأب.
وأما الصفات السلبية فهي الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه، ونفاها عنه رسوله ﷺ في سنته.
والصفات الثبوتية قد ذكرها الله بنفسه في كتابه ورسوله في سنته، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨]، فأثبت لنفسه صفة العلم والحكمة، وقال الرسول ﷺ : (أربعوا على أنفسكم إنكم تدعون سميعاً بصيراً)، فأثبت له السمع والبصر.
إذاً: الصفات الثبوتية أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ .
стр. 14
الصفات الثبوتية
الصفات الثبوتية تنقسم إلى أقسام ثلاثة: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية.
فالصفات الذاتية هي الصفات التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال، فهي أزلية أبدية لم يزل متصفاً بها ولا يزال، مثل العلم، فالله لم يزل متصفاً به ولا يزال، فليس هناك لحظة لا يعلم الله جل وعلا فيها كما قالت القدرية، فهم يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعدما تفعل! وهذا غير صحيح، فهذا علم أزلي لم يزل الله ولا يزال متصفاً به.
وأيضاً العزة والقدرة والحياة فكل هذه صفات ذاتية أزلية أبدية لا تنفك عن الله بحال من الأحوال.
النوع الثاني: الصفات الفعلية، وهي الصفات التي تتجدد وتتعلق بالمشيئة، مثال ذلك: النزول، كما قال النبي ﷺ : (ينزل ربكم إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر)، فالله ينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله جل وعلا، وأما البشر فنزولهم يليق بنقصهم.
وأيضاً قال النبي ﷺ : (يضحك ربكم من رجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة)، فالله يضحك ضحكاً يليق بكماله، كما قال الصحابي للرسول ﷺ : (أيضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: إذاً لم نعدم خيراً من رب يضحك)؛ لأن لازم هذا الضحك أن يرحمنا، وأنت لو دخلت على صديق لك مسرور وطلبت منه أي شيء فإنه يعطيك إياه برحابة صدر، ولله المثل الأعلى، فإن كان ربك يضحك فلازم ذلك أن يغدق عليك النعم ويرحمك رحمة واسعة، فهذه الصفات تسمى صفات فعلية.
النوع الثالث: الصفات الخبرية وهي: الصفات التي لا مدخل للعقل فيها، وأما الصفات الأزلية الأبدية فالعقل يثبتها ويقبلها وإن كانت توقيفية، فالعقل يثبتها ولا يعارضها، كالعلم، فهذا الكون وهذه البحار وهذه الجبال وهذه الأشجار والنجوم والشمس التي تطلع في الصباح وتغرب في المساء، كل هذا الكون المدبَّر لابد أن يكون نابعاً عن علم وعن حكمة، فهذه تدلك على إثبات العلم والحكمة عقلاً.
وأما الصفات الخبرية فلا مدخل للعقل فيها، وضابطها: أن مسماها بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، كاليد والساق والعين، فاليد جزء مني لكنها بالنسبة لله تسمى صفة خبرية، ولا يقال: جزء من الله، بل هي صفة من صفات الخبرية.
فلله يد ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ولله ساق ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، ولله عين ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وهذا كله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
إذاً: فهذه الصفات الثبوتية تضبطها قاعدة مهمة جداً وهي: أنها كل ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله بلا تمثيل؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وننزه الله بلا تعطيل.
стр. 15
الصفات السلبية
القسم الثاني من الصفات: الصفات السلبية، أي الصفات المنفية عن الله، وهي الصفات التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فنفى اللغوب، واللغوب: هو الإعياء والتعب، أي: ما مسنا من تعب ولا إعياء، وقال النبي ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، فنفى عنه صفة النوم.
إذاً: الصفات المنفية هي التي نفاها الله عن نفسه أو نفاها عنه رسوله ﷺ ، وضابط هذه الصفات أن يتقدمها (ما) أو (لا) أو أي حرف من حروف النفي، ولا نتعبد لله بها بالنفي المحض، فالنفي المحض ليس فيه كمال، ونحن قد قعدنا قاعدة وهي: أن لله أسماء حسنى وصفات علا، فهي كلها كاملة، والنفي المحض لا كمال فيه، فتنفي لتثبت كمال الضد، فأقول: إن الله لا ينام؛ لكمال حياته وكمال قيوميته.
والله خلق السموات والأرض ولم يمسه تعب ولا لغوب؛ لكمال قوته وكمال قدرته، إذاً فتنفي هذه الصفات عن الله مع إثبات كمال الضد.
وأيضاً من الأدب عند النفي أن تنفي نفياً مجملاً ولا تفصل، فلا تقول: الله ليس بعرض ولا بجوهر ولا بكذا ولا بكذا؛ لأن تعدد النفي فيه إساءة أدب مع الله جل وعلا، وأما تعدد صفات الإثبات ففيه أدب مع الله ومدح وثناء عليه جل وعلا.
стр. 16
توحيد العبادة
القسم الثاني: توحيد العبادة، أو توحيد الله في أفعال العباد، وهذا هو الذي من أجله أنزل الله الكتب، وخلق الخلق، ومن أجله ضرب الصراط، ومن أجله جعل الجنة والنار، وهو توحيد الإلهية.
ومعناه: إفراد الله جل وعلا بالعبادة، والقاعدة: أن كل عبادة ثبتت بالكتاب والسنة أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، وأيضاً: كل سبب شرعه الله فالأخذ به توحيد، والأخذ بالأسباب التي لم يشرعها الله جل وعلا ولا رسوله شرك.
وتفسير ذلك مثلاً: أن تأتي إلى سبب شرعه الله جل وعلا كالتبرك بشرب ماء زمزم، فهذا سبب في الشفاء، قال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له)، فهذا توحيد، وأما إذا أخذت سبباً لم يسببه الله جل وعلا، ولم يشرعه في كتابه ولا على لسان النبي ﷺ ، فقد دخلت في باب من أبواب الشرك، مثال ذلك: قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب).
وهذا فيه تفصيل، فإن اعتقد أن النجم يتحكم في الكون من دون الله، وهو الذي ينزل المطر، فهذا الاعتقاد كفر يخرج من الملة؛ لأنه اعتقد الربوبية في غير الله جل وعلا، فإن اعتقد أن هناك من يدبر الأمر غير الله كالذين يدعون في الأولياء وأرواح الأولياء فكل هذه الشركيات تخرج من الملة.
وأما إذا اعتقد أن النجوم سبب في نزول المطر كالسحاب فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنك جعلت سبباً لم يشرعه الله، والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فالله جل وعلا قد بين لك سبب المطر وهو: أنه يثير سحاباً، وهذا السحاب يتراكم وينزل بسببه المطر.
إذاً فتوحيد الإلهية هو إفراد الله بالعبادة، فكل عبادة تصرفها لله بعد ثبوتها بالشرع فهي توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
стр. 17
الإسلام والإيمان
الإسلام والإيمان من التوحيد، والإسلام معناه: الاستسلام التام والخضوع والإذعان لله جل وعلا، وقد مدح الله إبراهيم فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: لأوامر الله، وهذا لما أمره أن يذبح ابنه، فقام ليذبحه استسلاماً لأوامر الله جل وعلا.
وأركان الإسلام خمسة كما في الحديث: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً).
والإيمان في اللغة معناه: التصديق، وفي الشرع: هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فلا ينفع التصديق فقط، ولابد من تصديق مستلزم للخضوع والمسكنة، ومستلزم للقبول والإذعان.
وهو يتعدى بنفسه ويتعدى باللام ويتعدى بالباء، فإذا تعدى بنفسه فإنه يكون بمعنى الأمان، تقول: أمنته، أي: أعطيته الأمان ضد الخوف، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، وإذا تعدى بالباء مثل: آمنت بالله وآمنت برسول الله، فمعناه: صدقت بربوبية الله وبإلهية الله جل وعلا، وصدقت برسالة الرسول ﷺ ، فإذا تعدى بالباء فيكون معناه التصديق.
وإذا تعدى باللام فيكون معناه الاستسلام والخضوع والانقياد، مثل: آمنت لله، أي: انقدت وخضعت واستسلمت لأوامر الله، ومثل آمنت لرسول الله، أي: استسلمت في اتباعي لرسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] يعني: اتبعه واستسلم له.
فالذي يتعدى باللام معناه الاتباع والانقياد التام.
стр. 18
العلاقة بين الإسلام والإيمان
العلاقة بين الإسلام والإيمان أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، بمعنى أنه إذا اجتمع الإسلام والإيمان في الذكر افترقا في المعنى، فيكون الإسلام معناه الأفعال الظاهرة، والإيمان معناه الأفعال الباطنة، وأظهر مثال لذلك حديث جبريل ﵊ قال: (أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة) إلى آخر هذه الأفعال الظاهرة، وسأله عن الإيمان -فاجتمع في الذكر هنا مع الإسلام- فقال: (أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته) أي: أن تقر في قلبك كما سنبين أنه قول وعمل، فتقر في قلبك بالله وملائكته وكتابه ورسله إلى آخر الحديث.
إذاً: إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى، فيكون الإسلام بمعنى الفعل الظاهر، وكان الإيمان بمعنى الفعل الباطن، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] يعني: في الظاهر ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
وإذا افترقا في الذكر اجتمعا في المعنى، فإذا ذكر الإسلام وحده دخل تحته الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل تحته الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فكل الأفعال الظاهرة والأفعال الباطنة هي الدين المذكور في هذه الآية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فيدخل معه الإيمان والإحسان، وكما قال النبي ﷺ : (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم).
والإيمان: قول وعمل، فهو قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالجوارح وعمل بالقلب.
قول باللسان، أي: أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقول بالقلب، أي: أن تصدق وتقر بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر إلى آخر هذه المعاني التي شرحناها، وعمل بالأركان أي: أن تصلي وتزكي وتجاهد وتحج، وعمل بالقلب ومعناه المحبة والرجاء والخوف والتوكل واليقين والخشية والإنابة، فهذا هو عمل القلب، وكل ذلك مترابط، والإيمان كل متكامل.
стр. 19
حكم صاحب الكبيرة
وهنا مسألة وهي: من فعل كبيرة من الكبائر فهل ينسحب الإيمان منه؟ وهل يخرج من الملة ويخلد في نار جهنم؟ الخوارج غلوا وقالوا: إنه يخرج من الملة ويخلد في النار، وأهل السنة والجماعة يقولون: فاعل الكبيرة تحت مشيئة الله، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ورحمه.
ولا يشكل علينا قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وقول النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (من غشنا فليس منا)، وقوله: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين)، فلا يشكل علينا ذلك؛ لأنه مؤول، فقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) نفى عنه الإيمان المطلق، أي: كمال الإيمان، وأما أصل الإيمان وهو الإسلام فهو موجود في القلب لا يرتفع عنه، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : (إن جبريل جاءني فبشرني أن من مات من أمتي وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، وعلى رغم أنف أبي ذر)، فهذا فيه دلالة على أن الزاني والسارق وشارب الخمر تحت مشيئة الله، كما قال النبي ﷺ عن ابن النعيمان: (ما أراه إلا يحب الله ورسوله)، وكان معتاداً على شرب الخمر، ومع ذلك لم ينزع من قلبه حب الله والرسول ﷺ .
стр. 20
أنواع الكفر
الكفر كفران: كفر أكبر وكفر أصغر، كما أن الشرك شركان: شرك أكبر وشرك أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الذي يخرج به صاحبه من الملة، ويخلد في نار جهنم، والكفر الأصغر صاحبه على شفا هلكة لكنه أيضاً تحت مشيئة الله جل وعلا، والكفر الأصغر: مثل الحلف بغير الله، كما قال النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك)، أو من اتخذ سبباً لم يشرعه الله كالتمائم، وإذا اعتقد أن السبب ينفع ويضر من دون الله فهذا شرك أكبر وكفر أكبر.
والفرق بينهما أن صاحب الشرك الأكبر والكفر الأكبر في نار جهنم خالد مخلداً، وأما صاحب الشرك الأصغر والكفر الأصغر فهو تحت المشيئة، فقد يدخل الجنة من أول وهلة، وقد يعذب بخطيئته ثم بعد ذلك يدخل الجنة.
ولا يمكن لإنسان بحال من الأحوال أن يكفر أحداً إلا الجهال المتجرئون، فهم الذين يطلقون التكفير، فلا يمكن لأحد أياً كان أن يكفر أحداً من المسلمين حتى يكون معه دليل أوضح من شمس النهار، خوفاً على نفسه من أن يقع في قول النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فإن كان كافراً بحق ثبتت عليه، وإن لم يكن حارت ورجعت على هذا المكفر الجاهل الذي تكلم بما لا يعي ولا يعلم، فلا يصح لأي إنسان أن يتجرأ على مسألة التكفير، فإذا كان هناك دليل كشمس النهار على التكفير فهذا مخرج.
ولا يلزم من الوقوع في الكفر تكفير الفاعل، فالقول قد يكون كفراً، والفعل قد يكون كفراً، ومع ذلك لا يكون القائل والفاعل كافراً حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، إلا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، كرجل يقوم في وسط الطريق فيسب الله جهاراً نعوذ بالله من ذلك، فهذا كفر وفاعله كافر ولا يلزم إقامة الحجة عليه ولا إزالة الشبهة؛ إذ إن هذا معلوم من الدين بالضرورة، أو رجل يسب رسول الله ﷺ ، فهذا لابد أن يقتل، وهو كافر، ولابد على ولي الأمر أن يقتله، وحتى ولو تاب فلابد على ولي الأمر أن يقتله، فهذا كفر معلوم من الدين بالضرورة.
وهنا أمر وهو: أن المعلوم من الدين بالضرورة أمر متفاوت، فقد يكون الحكم معلوماً من الدين بالضرورة في بلد، ولا يكون معلوماً من الدين بالضرورة في بلد آخر، فالذي نشأ ببادية بعيدة ولم يعلم من أحكام الشرع شيئاً لا نطبق عليه هذه القاعدة.
стр. 21
الكلام في القدر
القدر إجمالاً: هو قدرة الله، وهو فعل الله، فالله فعال لما يريد، ولا يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فكل شيء بقدر كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣].
فكل شيء مقدر، والقدر هو فعل الله جل وعلا وقدرته، وهو من لوازم ربوبية الله جل وعلا.
стр. 22
مراتب القدر
الإيمان بالقدر يستقيم عندما تؤمن بأربع مراتب: علم فكتابة فإرادة فخلق، فتؤمن بعلم الله جل وعلا، وهو يشمل كل شيء، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهكذا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام:٢٧] أي: الكفار، ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].
المرتبة الثانية: الكتابة، فكل شيء مكتوب ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣] يعني: في اللوح المحفوظ.
والكتابة أربع كتابات: كتابة أزلية، كتابة عمرية، كتابة عامية، كتابة يومية.
فالكتابة الأزلية في اللوح المحفوظ كانت قبل أن يخلق الله الخلق بخمسين ألف سنة، فكتب كل شيء، كتب هذا المجلس الذي سنجلس فيه، وكتب ما نتكلم به، وكتب حركاتنا وسكناتنا ونومنا وقيامنا، فكل ذلك مكتوب قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
والكتابة الثانية: كتابة عمرية، أي: في عمرك، وهذه الكتابة هي التي في صحف الملائكة، فعندما يأتي الملك بعد مائة وعشرين يوماً يقول: أي رب! أذكر أم أنثى؟ أي رب! الرزق؟ أي رب! الأجل؟ أي رب! أشقي أم سعيد؟ فيكتب.
كتابة عامية: وهي في ليلة القدر، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، قال ابن عباس: يكتب الحاج والمعتمر، ويكتب الميت والحي، والذي يرزق، والذي يولد له، والذي يتزوج إلى آخره.
الرابعة: كتابة يومية، فالملائكة الذين يتعاقبون ويتقابلون في العصر والفجر يكتبون ما يجري في اليوم.
وكل هذه الكتابات التي في صحف الملائكة يمكن أن يبدلها الله جل وعلا إلا التي كتبت في اللوح المحفوظ، فالكتابة العمرية والعامية واليومية يمكن أن تبدل، ويدل على ذلك عمل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقد كان يطوف بالكعبة ويقول: اللهم إن كنت قد كتبتني شقياً فامحها واكتبني عندك سعيداً، ثم يتلو ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
إذاً: الذي يتبدل ويتغير ويمحى هو ما في صحف الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فلا يتبدل فيه شيء بحال من الأحوال، وفهم هذا يخرج المرء من إشكال عظيم وهو: إذا كان القدر نازلاً لا محالة فكيف يذكر النبي ﷺ أن القدر والدعاء يعتلجان، وأن القوي منهما يدفع الآخر، فكيف يكون ذلك والقدر قد قدر وانتهى الأمر؟
و
الجواب
أن في اللوح المحفوظ أن هنا الرجل سيدعو الله والله يقبل دعاءه فيرد القدر بهذا الدعاء، لكن ليس هذا مكتوباً في صحف الملائكة، فالملائكة القدر الذي في صحفهم سينزل عليه ولكنه يأتي الدعاء فيرفعه، فيمحى من صحف الملائكة، والله تعالى أعلى وأعلم.
المرتبة الثالثة: الإرادة، فما من شيء في هذا الكون إلا وهو بإرادة الله جل وعلا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] ، وإرادة الله إرادتان: إرادة كونية وإرادة شرعية.
فالإرادة الكونية: هي المشيئة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه ضابطها أنها تقع لا محالة، فلا مرد لها، وتكون فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، فكفر أبي جهل أراده الله كوناً، وكفر أبي لهب أراده الله كوناً، هو لا يحبه لكن أراده كوناً لحكمة عنده، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] يعني: يريد إرادة كونية، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
والإرادة الثانية: الإرادة الشرعية، وهي المحبة، وهذه فيما يحبه الله فقط، وقد تقع وقد لا تقع، وهذه خاصة بالإيمان والتيسير للطاعات، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] فقد تقع وقد لا تقع، فكثير من الناس أشركوا بالله جل وعلا وكفروا به، فالإرادة الشرعية هي المحبة.
وقد يكون الشيء مراداً شرعاً وكوناً كإيمان أبي بكر.
وأما غير المراد كوناً ولا شرعاً فمثل كفر المؤمن، فالله لا يرضاه شرعاً وأيضاً لم يقدره كوناً.
المرتبة الرابعة: الخلق، والخلق المطلق لله جل وعلا، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، ومن الخلق أن الله خلق أفعال العباد، خلق العبد وخلق أفعاله، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته).
стр. 23
خلق الله تعالى للمعاصي والشرور
هنا مسألة في القدر وهي: هل المعاصي خلقها الله أم لم يخلقها؟
الجواب
الله خلقها، فهو خالق كل شيء، لكن الشر لا ينسب إليه، كما قال النبي ﷺ : (والشر ليس إليك) أي: لا ينسب الشر إليك بحال من الأحوال؛ تأدباً مع الله، فالذي يمرض والذي يشفي هو الله سبحانه، لكن انظر إلى التأدب مع الله من نبيه إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] فأضاف المرض إلى نفسه؛ لأن الله هو الذي خلق فيه المرض، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] تأدباً مع الله فلا تنسبه إلى لله مع أن الله جل وعلا هو الذي خلقه وأوجده.
والله لم يخلق شراً محضاً، لكن خلق الشر نسبياً إضافياً، فهو يضاف إلى المخلوق لا إلى الخالق.
إذاً: يكتنف الشر فعلان: فعل الله وفعل العبد، فأما بالنسبة لله فكل أفعال الله جل وعلا كمال، وهي خارجة عن صفات كمال وأسماء حسنى، فكل فعل الله جل وعلا ممدوح، وكل فعل لله جل وعلا خير، وأما بالنسبة للعبد فهو على حسب فعله إن كان معصية أو كان طاعة.
فمثال ذلك: أن الله جل وعلا خلق زيداً، فذهب زيد فشرب الخمر، فالله خلق فيه هذا الفعل، فإذا نسبته إلى الله جل وعلا فإنك ستنسبه إليه خلقاً وإيجاداً، وستنسبه إلى العبد فعلاً واكتساباً فهو الذي شرب الخمر.
стр. 24
عدم جواز الاحتجاج بالقدر على المعاصي
هل يجوز الاحتجاج بالقدر؟ مثل أن يذهب رجل فيزني، فإذا أنكرت عليه قال: هذا قضاء وقدر، وقد جاء أن رجلاً من الجبرية دخل على امرأته فوجد رجلاً يزني بها فقال: ما هذا يا فاعلة الفاحشة؟ فقالت: مهلاً فإن هذا بقدر الله، قال: نعم بقدر الله، وسكت هذا الغبي، فلما رأت ذلك قالت: والله ما هذا بدين بحال من الأحوال، أصبح الرجل ديوثاً بسبب فقهه بهذه العقيدة الخربة.
فالمعصية لا يحتج عليها بالقدر لكن القاعدة: أن القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب، فأي مصيبة تنزل عليك فإنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، فيؤمن بها ويرضى بها قلبه، فالله جل وعلا يسلم قلبه ويزيده على ذلك إيماناً، وتنزل عليه برداً وسلاماً.
ففي المصائب لك أن تحتج بالقدر وأما في المعايب فلا تحتج بالقدر بحال من الأحوال، والحديث الذي يبين لنا هذا جلياً هو حديث احتجاج موسى مع آدم، قال النبي ﷺ يبين لنا أن آدم ﵇ كانت معه الحجة القوية: (قال موسى لآدم: أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؟! فقال النبي ﷺ : فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى).
وللعلماء تأويلات كثيرة جداً لهذا الحديث، والراجح أن موسى احتج على آدم بخروجه من الجنة، وهذه مصيبة كبرى أنّا خرجنا من الجنة، ولم يحتج على آدم بمعصيته وأكله من الشجرة، فلما احتج عليه في المصيبة كانت الحجة مع آدم، فقال: قدر الله علي هذه المصيبة، فقال النبي ﷺ : (فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى).
стр. 25
مراتب الصحابة في الأفضلية وحكم من سبهم
أختم هذا الدرس بهذه المسألة وهي: أن الصحابة أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وأفضلهم على الإطلاق بعد محمد ﷺ هو أبو بكر، وهم في الفضل على ترتيب الخلافة، فأفضل هذه الأمة بعد نبينا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ولا يقدم علي على عثمان أبداً، والنبي ﷺ لم يوص لأحد، وأبو بكر فقط هو الذي خلافته إما بالنص الصريح أو بالتلميح، والصحيح الراجح أنها بالاستنباط والتلميح وليست بالنص الصريح.
وأما حكم من سب الصحابة فقد قسمنا من سب الصحابة إلى أربعة أقسام، فثلاثة منهم كفرة خرجوا من الملة، وقسم واحد ليسوا بكفرة.
فالأول: هم الذين يسبون الصحابة ويقولون: هم كفرة كفروا بعد رسول الله، فهؤلاء الغلاة يدخلون في حيز الكفر؛ لأنهم كذبوا الله ورسوله، فقد عدلهم الله في كتابه وهم يقولون: هم كفرة.
الثاني: الذين يسبونهم من أجل دينهم، فيسبون أبا بكر أو عمر أو عثمان من أجل دينه، فهذا أيضاً يكفر.
الثالث: الذين يسبون عائشة بالذات في شرفها، فيقولون: لم يبرئها الله، وهذه فعلت كذا وكذا.
الرابع: الذين يسبون بعضهم من أجل ميلهم إلى أحدهم وتركهم للآخر، كالذين يسبون مثلاً: عماراً ويسبون علياً من أجل معاوية مثلاً، أو يسبون معاوية من أجل علي، فهذا ليس بكفر؛ لأنهم لم يسبونهم لدينهم، لكن هذا من الميل الأعمى مع الجهل المطبق، فيجعله من الفسقة لا من الكفرة.
وكما بينا أن منهج أهل السنة والجماعة أنهم يترضون عن جميع الصحابة ﵃ المصيب منهم والمخطئ، والذي أصاب له أجران والذي أخطأ له أجر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 26
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ضوابط مهمة في التفريق بين الاسم والصفة
ذكر العلماء ضوابط في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهذه الضوابط مستنبطة من الأدلة، ومنها أن كل اسم فيه صفة ولا عكس، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وأسماء الله توقيفية، وهي بالغة الغاية في الحسن.
стр. 27
العلاقة بين اسم الله وصفته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الاسم مشتق من السمة، والسمة هي العلامة، واسم الله علامة على ذات الله جل وعلا.
وهو مشتق من السمو والعلو وهذا في حق الله حق، وأسماء الله جل في علاه في غاية الحسن والكمال والجلال والعظمة، فكل اسم من أسماء الله يتضمن صفة من صفات الكمال، وهذه دلالة على غاية الحسن في أسماء الله جل في علاه.
فإذا قلنا: الكريم اسم من أسماء الله، فهو يتضمن صفة من صفات الكمال والجلال وهي الكرم.
ومن كمال الحسن أن الاسم الذي يتضمن صفة من صفات الكمال يستلزم بعض صفات الكمال أيضاً، فتزيد الكمال كمالاً فإذا قلنا: اسم الله القدير، فالقدير اسم من أسماء الله جل وعلا يتضمن صفة كمال وهي: القدرة.
ومن الصفات التي تستلزمها القدرة: الإرادة فلا أحد يقدر على شيء وهو لا يريده؟ ومنها: الحياة؛ لأن القدير لا يمكن أن يكون قديراً إلا وهو حي.
فهي أعلام وأوصاف تتضمن صفات كمال، وأسماء الله جل في علاه ليست محصورة في عدد، وقد قال النبي ﷺ فيمن أصابه هم أو غم أن يقول: (اللهم! إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، وهذه دلالة على أن هناك أسماء استأثر الله بها في علم الغيب ولم يعلمها أحد إلا هو سبحانه جل في علاه، وهذه فيها دلالة كبيرة جداً على أن أسماء الله لا تنحصر في عدد.
وحديث النبي ﷺ في الشفاعة قال: (فأذهب تحت العرش فأخر ساجداً لربي فأحمده بمحامد يعلمنيها) يعني: يعلمني محامد ما كنت أعلمها في الدنيا، والمحامد من الحمد، والحمد هو: الثناء الجميل على المحمود بصفات الكمال والأسماء الحسنى، أي: أن النبي ﷺ يحمد الله بمحامد ما كان يعلمها في الدنيا وعلمها عندما يخر ساجداً قبل الشفاعة، فإنه يتعلمها في ذلك الوقت فقط، فأسماء الله جل وعلا في علم الغيب خبأها الله عن عباده، وعن رسوله ﷺ ، فهي غير محصورة في عدد، لكن يشكل علينا حديث النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فحصرها في تسعة وتسعين، والإجابة على ذلك كما هو مشهور أن التسعة والتسعين لهم ميزة، وهذه الميزة هي: أن من حفظها، وأحصاها، وعدها، وتعبد بها لله جل في علاه، وتخلق بآثارها فإنه يدخل الجنة، أما أن يقال: هذه دلالة على أن الله جل وعلا ليس له أسماء غيرها فهذا خطأ، كأن تقول: أعددت خمسة دراهم للصدقة، فهل في هذا دلالة أنني ليس معي غير هذه الخمس؟
الجواب
لا، وإنما الخمس الدراهم لها ميزة وهي أنها للنفقة، ولي مال آخر فهذا الحديث ليس فيه حصر لأسماء الله جل في علاه.
стр. 28
كل اسم فيه صفة ولا عكس
العلاقة بين الأسماء والصفات: كل اسم صفة ولا عكس، فيمكن أن تشتق من الاسم صفة ولا عكس، فالله اسم من أسماء الله جل في علاه، وهو أعظم الأسماء وهو الاسم الأعظم لله جل في علاه، وإذا قلت: الله الكريم، فإعراب الكريم: صفة لله، مع أن الكريم منفرد هو اسم من أسماء الله فلما أضيف إلى الله أضيف على أنه صفة للموصوف، إذاً الاسم يصح أن يكون صفة، والصفات ليست أسماء فقد قال الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فالمستوى ليس من أسماء الله، فليس كل صفة اسماً من أسماء الله؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الصفات لا يشتق منها الأسماء إلا بالتوقيف.
стр. 29
باب الصفات أوسع من باب الأسماء
باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن هذه هي التي تفرق بين الاسم وبين الصفة.
فصفات الله تتعلق بأفعاله وأفعال الله لا تنحصر، فإذا رأيت فعلاً قلت: إن هذا ليس باسم ولكنه صفة، وباب صفات الله أوسع من باب أسمائه لأنها تتعلق بالأخبار.
стр. 30
أسماء الله توقيفية
أسماء الله توقيفية يعني: لا يمكن أن أعلمها إلا عن طريق السمع من الكتاب أو السنة أو القياس.
أي أنها مستقاة من الكتاب والسنة، أما القياس فلا يدخل في أمر التوقيف، إذاً اسم الله لا بد أن تتلى فيه آية أو ينص عليه الحديث.
واختلف العلماء في ذلك على قولين: جمهور أهل السنة والجماعة حتى الأشاعرة قالوا: إن أسماء الله توقيفية لا نعلمها إلا من الكتاب أو من السنة، أما المعتزلة فقالوا: كل اسم استحسناه فإننا نطلقه على الله جل في علاه؛ لأنهم يقدمون العقل على النقل.
وهذا كلام فيه خطر عظيم، فمن يفعل ذلك يكون قد تقول على الله بغير علم، وقد حذر الله أيما تحذير من ذلك فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 31
ضوابط الاسم الوارد في الكتاب والسنة
ضوابط الاسم ما يلي: أولاً: أن يقبل العلامات التي تدخل على الاسم، كأن يقبل الألف واللام، ويقبل التنوين والخفض، وتدخل عليه علامات الجر، وبالمثال يتضح المقال: فالله جل وعلا سمى نفسه في كتابه الحكيم الخبير.
وهذان الاسمان يقبلان التنوين فصح أن تقول: حكيمٌ خبيرٌ، ويقبل الألف واللام: الحكيم الخبير، وتدخل عليه أدوات الجر قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] الضابط الثاني: أن يكون في غاية الحسن وغاية الكمال، فانظر للاسم إذا وجدت فيه ممدحة ومحمدة لربك جل في علاه فهو اسم فالعزيز: يقبل علامات الاسم، وهو يتضمن كمال.
الحميد: كل المحامد لله جل وعلا فهو حميد يحمد عباده ويشكر صنيعهم من الطاعات، وهو محمود بصفات الكمال والجلال والبهاء والعظمة سبحانه جل في علاه، فما دامت فيه صفة كمال فيها غاية الحسن فهو اسم له.
الكبير فيه غاية الكمال، فإن الكبرياء كله والعظمة كلها لله جل في علاه، فالله أكبر من كل شيء، والله أكبر من أن يتصوره أو يتفكر في ذاته الإنسان.
والبيهقي يقول: إن القديم اسم من أسماء الله، والقديم ليس غاية في الحسن، ومعنى ذلك أنه ليس باسم من أسماء الله، فقد سقط منه ضابط من الضوابط لمعرفة أسماء الله جل في علاه.
وجاء في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر)، وعند إطلاق الدهر نجد أنه لم يتوفر فيه ضابط من الضوابط، وهو أنه ليس في غاية الحسن والكمال، فدل ذلك على أنه ليس باسم من أسماء الله جل في علاه.
وقال الله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، نجد أن هذا الاسم ينطبق عليه جميع ضوابط أسماء الله، فهو يقبل علامات الاسم، وهو كذلك في غاية الحسن والكمال، لكن الصحيح الراجح أنه ليس باسم، للقرائن المحتفة التي أثبتت أنه ليس اسماً من أسماء الله، فأسماء الله جل وعلا لا تضاف، وهنا قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، ولم يقل: الله النور، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].
والذي جعلنا نقول: إنه ليس اسماً من أسماء الله أن في قراءة لـ زيد بن علي ﵁ وأرضاه، قال: (الله نّوَّرَ السماوات والأرض).
فمعنى ذلك أن الله جل وعلا بقدرته وعظمته وبهائه هو الذي نوَّرَ السماوات والأرض كما فسرها ابن عباس وابن مسعود قال: هو نور، ونوَّرَ السماوات والأرض بالشمس والقمر والكواكب وغيرها، فهذه القراءة الثانية جعلتنا نقول: إنه ليس من أسماء الله .
فهذه القرينة التي أثبتت أن النور ليس من أسماء الله جل في علاه؛ لأنه فعل من أفعاله، والمقصود بالنور هنا: نور الحجاب، فقد وردت أحاديث في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، ثم قال: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) أي: أنوار وجه الله، إذاً هي صفة: النور، فكل هذه آثار وقرائن محتفة تثبت لنا أن هذه صفة من صفات الله جل في علاه، ولا عتب ولا إنكار على من جعله اسماً من أسماء الله؛ لأنه لو طبق القاعدة لظهر له أنه من الأسماء، إلا أننا أخذنا الأدلة كلها ودرنا معها حيث دارت.
فالقرائن المحتفة: أثبتت لنا الفعل، والفعل يكون من باب الصفات وليس من باب الأسماء؛ لأن الله نوّر السماوات والأرض.
وقال الله حاكياً عن إبراهيم أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، لو طبقنا عليه الضوابط لوجدنا أنه يقبل علامات الاسم، وفيه الكمال والحسن؛ لهذا عدّه بعض العلماء من الأسماء، وبعض العلماء قال: في نفسي تردد من هذا الاسم؛ لأنه جاء مقيداً وما جاء مطلقاً، وثبوت الأسماء أنها تأتي مطلقة، مثل: الرحمن، الرحيم، الكريم، العليم.
стр. 32
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - الكلام على صفة النفس لله جل وعلا
صفة النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، ولا يمكن إدراكها بالعقل؛ لأنها صفة خبرية، وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات لله تعالى بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وإذا ذكر العبد ربه في نفسه ذكره ربه في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه.
стр. 33
إثبات الصفات لله تعالى على طريقة أهل السنة والجماعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله: أنا مع عبدي حينما يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).
حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج قال: حدثنا ابن نمير قال: حدثنا الأعمش بهذا السند مثله عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله: عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب).
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله ﵎: ابن آدم! اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، فإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة، أو قال: في ملأ خير منهم) قال عبد الرحمن: (ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي)].
إن صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية، والصفات الثبوتية: هي الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ .
أما الصفات المنفية أو السلبية فهي الصفات التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ .
والصفات الثبوتية ثلاثة أنواع: صفات ذاتية لا تنفك عن الله، فهي أزلية أبدية.
صفات فعلية تتعلق بالمشيئة وهي متجددة كالكلام والضحك والغضب.
صفات خبرية وهذه الصفات المسماة عندنا أجزاء وأبعاض، ولولا السمع لما أمكن للعقل أن يدركها، والفرق بينها وبين سابقتيها من الصفات: أن الصفات الذاتية والصفات الفعلية للعقل مجال أن يدركها ويمكن أن يكون عاضداً في الاستدلال عليها، وهذا الذي ننطلق منه ونقول: طريقة إثبات صفات الله جل وعلا بطريقتين: الطريقة الأولى: طريقة السمع.
الطريقة الثانية: طريقة الصنعة، أو طريقة التدبر، كما قال ابن القيم.
طريقة السمع: أي طريقة الوحي من الكتاب والسنة.
فالصفة يثبتها الله في كتابه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، أثبت لنفسه السمع والبصر .
وقال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
وقال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقال جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨].
وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، فيعلم أنها من عند الله، وأن الله حكيم خبير، ويضع الشيء في موضعه، فإذا علم ذلك هدى الله قلب العبد إلى الإيمان، فأثبتها الله في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ وحياً، وحي كتاب أو سنة، قال ﷺ : (ألا إني قد أوتيت القرآن ومثله معه) وقال رسول الله صلى عليه وسلم: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً).
وكان يقول: (يا حي! يا قيوم! برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
وكان يقول: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي، وأعوذ بعزتك) فيثبت لله العزة والعظمة.
هذه هي الطريقة الأولى طريقة الوحي.
أما الطريقة الثانية فهي طريقة الاستدلال بالصنعة أو بالتدبر والتفكر، إذا نظرت إلى هذا الكون البديع، وإلى هذا التناسق العجيب، فهذه السماوات ذو النجوم المتلألئة الباهرات، وهذه الأنهار والأشجار، وهذه الأرض التي سطحها الله جل وعلا، تدل على حكيم خبير قوي عزيز، تقول: هذا الكون المترابط المتناسق، ما نسقه وما أبدعه إلا قوي ذو علم وذو إرادة وهو كبير ، وأيضاً إذا نظرت إلى الكمالات في الإنسان فتقول: أن صفة الكرم أو صفة الشجاعة أو صفة الجود كمال في الرجل أو في المخلوق، فالخالق أولى بهذا الكمال؛ لأنه إذا كانت صفات الكمال في المخلوق من باب أولى أن تقول: الذي خلقه وأبدعه له هذه الصفات، هذا من طريق العقل، وهي تختص بالذاتية والفعلية، أما الصفات الخبرية لا مدخل للعقل فيها، لولا أن الشرع والسمع جاء بها لا يمكن لك أن تدركها بالعقل، يعني: اليد في الإنسان من الممكن أن تكون كمالاً، لكن لا تكون لله كمالاً؛ لأن القاعدة: ليس كل كمال في الإنسان يكون كمالاً في الرب جل وعلا، وليس كل ما يوصف به الرب يكون كمالاً للإنسان، أقول لك بالتصريح مثلاً: الكبر في الإنسان نقص، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) فالكبر نقص في الإنسان، أما في الخالق فهو كمال، وكذلك الكبرياء والعظمة لله جل وعلا، قال الله في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما ألقيته في النار) يقذفه الله في النار لو نازعه في هذه الصفات.
والإنجاب في الإنسان كمال، ومعلوم أن عدم الإنجاب عند العقيم نقص، وهو يبحث بحثاً حثيثاً أن يرزقه الله من شتى الطرق ولداً، فعدم الإنجاب أو أن يكون عاقراً أو عقيماً نقص فيه، لكن هو بالنسبة لله جل وعلا كمال، ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١]، فالقاعدة: أنه ليس كل كمال في الإنسان يكون كمالاً لله جل وعلا.
فلذلك نقول: الصفات الخبرية بالذات لا مدخل للعقل فيها، الشرع هو الذي يبين لنا ذلك، وهي للإنسان جزء منه وهي كمال، لكن أنت لا تستطيع أن تقول: اليد كمال لله جل وعلا، فلولا أن الشرع جاءنا بأن لله يد، كما قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، لما قلنا بها، أيضاً الساق، أيضاً الأنامل، كل ذلك هي صفات خبرية لا يمكن أن ندركها بالعقول، ولكن بالشرع ندركها، هذه طريقة إثبات الصفة بالكتاب والسنة، ويدركها العقل إن كانت ذاتية أو فعلية.
стр. 34
تحريم التشبيه والتمثيل في صفات الله تعالى
طريقة السلف هي أحكم وأعلم، لا على كلام أهل البدع، وهم يثبتون الصفة بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، أي صفة جاءت عن الرب جل وعلا يثبتونها كما جاءت بظاهر الدلالة بلا تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه.
التمثيل معناه: أن يعتقد المرء صفة لله وهي مماثلة لصفة المخلوق بالمطابقة، دون أدنى فرق، كأن يجعل اليد اليمنى إذا جاءت على اليسرى مطابقة لها، دون أدنى فرق، تقول الكف الأيمن يماثل الكف الأيسر، فالمشبه يعتقد أن صفة الله جل وعلا في الاستواء على العرش، هي الاستقرار على سرير الملك، فيماثل هذه الصفة بصفة المخلوق، أو يقول يد الله مثل يد المخلوق دون أدنى فرق، هذا معنى التمثيل، فالتمثيل: المطابقة في كلية الصفة.
أما التشبيه فهو كالتمثيل لكنه أقل درجة منه، فهو تشبيه بأكثر الصفة، لا بكل الصفة، فالمطابقة في التماثل والأغلبية في التشبيه.
إذاً: لا مطابقة في التشبيه، فالتمثيل مطابقة، وأما التشبيه في الأكثرية والأغلب.
أما التكييف: فهو أن يثبت لله صفة ويكيف هذه الصفة ويتخيل لها صورة دون أن يقدر لها مماثلاً، كأن يقول: يد الله جل وعلا لها كيفية كذا وأصابع كذا أو أنامل كذا، فيكيف له كيفية دون أن يقدر ويماثل، هذا معنى التكييف.
والسلف بطريقتهم الأحكم والأعلم يثبتون لله الصفة بلا تمثيل، يد الله لا تماثل يد البشر، ودون تشبيه، استواء الله على العرش لا يشابه استواء البشر على سرير الملك، ودون تكييف يقولون: إن هذه صفة، لكن لا نعلمها والله يعلمها، ويدل على ذلك الأثر والنظر، أما من الأثر فلنفي المماثلة قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت لنفسه صفات وأخبر بنفي المماثلة، وهذا الخبر يتضمن عدم المماثلة، يعني: ينهاكم أن تماثلوا صفاته بصفات المخلوق.
وقال الله تعالى مصرحاً بالنهي: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤].
إذاً: نثبت الصفة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، دون المماثلة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، و ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] هذا من الأثر.
ومن النظر أيضاً ننفي المماثلة والمشابهة، فإن لله ذاتاً -حتى عند أهل البدع- لا تشبه ولا تماثل ذات المخلوق، فنقول لهم: الذات أصل والصفة فرع، وحكم الأصل ينتقل إلى حكم الفرع، والصفة تابعة للموصوف، والقول في الصفات كالقول في الذات، وأنتم توافقون وتقولون: لله ذات لا تماثل ذات المخلوق، إذاً: هذا أصل والفرع عليه الصفة، فقولوا مثلما قلتم في الذات: لله صفات لا تماثل صفات المخلوق، إذاً: ألزمناهم نحن بما أقروا به، هذا الدليل الأول بالنظر.
الدليل الثاني نظراً: أننا إذا قلنا بأن صفات الخالق تماثل صفات المخلوق لازم ذلك أننا نثبت لله النقص، إذ إن صفات المخلوق لازمها يعتريه النقص، والأصل في المخلوق الجهل والنقص، فلو ماثلنا صفات الخالق بصفات المخلوق يلزمنا أن ننسب النقص لله جل وعلا، وقد نزه الله جل وعلا نفسه عن ذلك، ونزهه رسوله ﷺ .
إذاً: التمثيل والتشبيه منفي، لا يجوز ويحرم أثراً ونظراً.
стр. 35
تحريم تكييف صفات الله تعالى
التكييف يحرم أثراً ونظراً، أما أثراً فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، الذي يكيف صفة الله جل وعلا، يكيف يد الله جل وعلا، كأنه أدرك يد الله جل وعلا، وكأنه أحاط بها علماً، وهو كاذب في دعواه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، وأنت إذا قلت بكيفية صفة من صفات الله جل وعلا دون أن تراها، ودون أن يخبرك رسولك ﷺ قد قلت على الله بغير علم، ووقعت في مخالفة هذه الآية: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، هذا أثراً.
أما نظراً فنقول: المكيف إذا أراد أن يكيف الصفة له في هذا التكييف مسالك ثلاثة: المسلك الأول: أن يرى صاحب هذه الصفة، فالرسول ﷺ رأى بيت المقدس عندما أسري به إليه، فلما سألوا محمداً ﷺ : صف لنا بيت المقدس، وصفه لهم بكل كيفياته، فالذي يكيف صفة الله نلزمه ونقول: أنت رأيت الله؟ إذا قال: نعم، فهذا إما مجنون وإما يكفر بهذا، فإن رسول الله ﷺ ما رأى الله على التحقيق، وعند أهل التحقيق ما رأى الله في الدنيا، ولن يرى الله أحد إلا في الآخرة، كما قال النبي ﷺ : (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) إذاً: هذا المسلك الأول ينفي التكييف.
المسلك الثاني: أن يخبره الصادق المصدوق بكيفية هذه الصفة، فهل ثمة دليل عن النبي ﷺ يكيف له صفة من صفات الله جل وعلا؟ لن يجد لذلك سبيلاً، فالمسلك الثاني أيضاً لا يمكن أن يقف به أمامنا، فننفيه عنه.
المسلك الثالث: أن يرى المثيل، وهل لله مثيل؟ والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، إذاً: يبطل نظراً أن يكيف هذه الصفة.
بل نحن نلزمه بما هو أدنى ونقف معه ونقول: كيف لنا ثلاثة أجنحة من أجنحة جبريل الستمائة، لا يستطيع أن يأتي بجناح واحد ليكفيه، فإن لم يستطع أن يكيف صفة لمخلوق، فهو أعجز أن يأتي بكيفية صفة للخالق، ولذلك ورد في الآثار: (لا تتفكروا في ذات الله) يعني: كيفيات صفات الله، فإن الله لا تصل إليه فكرة، ، مهما يصل بك الفكر إلى كيفية من كيفيات صفات الله جل وعلا فالله أعظم وأجل، ، فكبر وسبح ونزه ربك.
إذاً: فالتكييف باطل أثراً ونظراً.
فطريقة السلف إثبات الصفة بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف.
стр. 36
إثبات صفة النفس لله تعالى
ذكر المؤلف ﵀ صفة من صفات الله جل وعلا الثبوتية، وهي صفة النفس، وهذه صفة ثبوتية، أي: أثبتها الله لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ ، وهي صفة خبرية، لا مدخل للعقل فيها، وإذا قلنا بأنها خبرية فسنثبتها بالكتاب والسنة دون العقل؛ لأن العقل لا يدرك ذلك، وقد أثبتها الله لنفسه في كتابه، قال لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
وقال جل وعلا أيضاً على لسان عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧].
ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وأثبت لله النفس.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
إذاً: صفة النفس صفة خبرية، ثبتت لله في الكتاب، وأيضاً أثبتها له رسوله ﷺ كما في الأحاديث التي ذكرها المؤلف: (أنا مع عبدي ما ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) إثبات للنفس.
وأيضاً في أحاديث أخرى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي).
وأيضاً: (كتب الله جل وعلا كتاباً عنده على نفسه أن رحمتي سبقت غضبي).
فإذاً: هذه الصفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب وبالسنة.
أقول: نعتقد اعتقاداً جازماً ونثبت لله صفة النفس، وأنها صفة كمال وجلال لله جل وعلا لا تماثل نفس المخلوق، مع أن الاسم مشترك، نفس الخالق ونفس المخلوق، والقاعدة: الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى.
إذاً: نفس الخالق لا تماثل نفس المخلوق.
إذاً: أثبت لله صفة خبرية ثبوتية، وهي صفة النفس بلا تمثيل، أي: لا تماثل نفس المخلوق.
ولا تشبيه: ولا تشابه نفس المخلوق.
ولا تكييف: ولا أقول: النفس ليس لها كيفية، أو أثبت الكيفية، لكني أفوض هذه الكيفية للخالق جل وعلا.
إذاً: إثبات النفس لله جل وعلا: صفة خبرية تليق بجلال الله وكمال الله، لا تماثل نفس المخلوق، ولا تشابه نفس المخلوق، ولا نعلم كيفيتها، والكيفية أفوضها لله جل وعلا على طريقة السلف الذين هم أعلم، وطريقتهم هي أحكم وأسلم.
стр. 37
تحريف أهل البدع لصفة النفس لله جل وعلا
لم يرض أهل البدعة بإثبات صفة النفس، ولم يوفقوا في هذه الصفة، بل كذب أهل الضلالة والبدعة من الجهمية النفاة المعطلة في هذه الصفة، بالتحريف تارة وبالتعطيل تارة، وبالتشبيه تارة، وهم لم يفروا إلى التعطيل إلا لأنهم شبهوا نفس الخالق بنفس المخلوق، فعطلوا الصفة وقالوا: النفس ليست صفة لله جل وعلا، بل إضافتها عندما يقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وعندما يقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] كإضافة المخلوق للخالق، مثل قول الله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، فأضاف الناقة لله، إضافة المخلوق إلى الخالق، وكإضافة الكعبة لله، والكعبة بيت الله، وإضافة البيت إلى الله، إضافة المخلوق إلى الخالق، ولم يأتوا على ذلك بالأدلة.
стр. 38
الرد على أهل البدع في تحريف صفة النفس لله تعالى
نحن نعتقد أن صفة النفس صفة كمال وجلال لله جل وعلا، ونثبتها لله بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، ونعلم أن لها كيفية، لكن لا نعلم هذه الكيفية.
وفي الرد على أهل البدع الذين قالوا: هي إضافة مخلوق إلى خالق نقول: أولاً: توضيح الإضافة: المضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها ومعاني.
الأعيان القائمة بذاتها إذا أضيفت إلى الله هي إضافة مخلوق إلى خالق، وهذه الإضافة تسمى إضافة تشريف، كعيسى، وعيسى عين قائمة بذاتها، والكعبة عين قائمة بذاتها، والناقة عين قائمة بذاتها، فالأعيان القائمة بذواتها إضافتها إلى الخالق إضافة تشريف، تقول: عيسى روح الله، روح خلقها الله جل وعلا، وناقة الله، أي: ناقة خلقها الله جل وعلا، انفلقت الصخرة وخرجت الناقة لتكون معجزة من المعجزات.
إضافة المعاني إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، كأن تقول: رحمة الله، كرم الله، أمام البشر حتى يؤمنوا بها.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] العزة هنا ليست عيناً قائمة، وإنما صفة معنى، فإضافة المعاني إلى الخالق هي إضافة صفة إلى الموصوف.
إذاً: الإضافة لله إضافتان: إضافة أعيان فهي مضافة إلى الخالق للتشريف، وإضافة معان، وهي إضافة صفة للموصوف، وإذا نظرنا إلى النفس فالنفس هي معنى من المعاني أضيفت إلى الخالق، وتساوي صفة أضيفت إلى الموصوف، فنرد عليهم بهذا ونقول: إن النفس معنى من المعاني أضيفت إلى الخالق فإضافتها إضافة صفة إلى الموصوف.
ونرد عليهم بثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الله جل وعلا قد أثبت لنفسه النفس وأن رسوله قد أثبت له النفس، أي: أثبت هذه الصفة الخبرية، فكيف تنفون عن الله جل وعلا ما أثبته لنفسه؟ ليس لكم إلى ذلك سبيل إلا أن تجحدوا قول الله وقول النبي ﷺ .
والوجه الثاني: أن ظاهر القرآن وظاهر السنة يثبت لله صفة خبرية وهي صفة النفس، وأنتم خالفتم بقولكم: إنها مخلوقة ظاهر القرآن وخالفهم ظاهر السنة، وقد أجمع السلف على إثبات النفس لله جل وعلا صفة خبرية، وقد خالفتم هذا الإجماع.
الوجه الثالث: إن ادعاءكم بأن هذه الصفة إضافة مخلوق للخالق، لو قلنا بقولكم يلزمنا لوازم باطلة، والقاعدة: أنه إذا بطل اللازم بطل الملزوم، فننظر إلى اللوازم الباطلة: قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، الله جل وعلا اصطنع موسى وخلقه ليؤدي رسالته جل وعلا، وليعبد الناس ربهم جل وعلا، وليجعل الناس يوحدوا الله توحيداً تاماً خالصاً من كل شرك، فإذا قلنا بقولكم فسيكون معنى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] يعني: اصطنعتك لغيري، فمعنى ذلك: أن موسى يجعل الناس يعبدون غير الله! وهذا لا يقوله إلا كافر، وهذا كفر مبين، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٩]، فكيف يذهب موسى يعبد الناس لغير الله جل وعلا؟! هذا أول لازم باطل وهذا كفر مبين واضح جداً.
الثاني: قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] يعني: أن الله جل وعلا يغفر لمن أساء، فالرحمة يستلزم منها أن الله سيغفر لكم الذنوب، من أذنب وتاب وأناب فإن الذي سيغفر هو الله جل وعلا، فاللازم الباطل على قول الجمهية: كتب ربكم على غيره الرحمة، إذاً: غير الله جل وعلا هو الذي سيغفر هذا الذنب، فينيب العبد لغير الله جل وعلا، فأنتم ضاهيتم النصارى الذين يقولون بصكوك الغفران، تدخل المرأة الزانية ويدخل الرجل الزاني إلى القس فيعطيهما صك الغفران، ولا ينيبان إلى الله جل وعلا الذي يتوب على العصاة، وقد أخبر النبي ﷺ عن المذنب الذي يستغفر ربه أن الله جل وعلا عندما يقول العبد: رب قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فيقول الله جل وعلا-وهذا هو الشاهد-: (عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفره، فاشهدوا أني قد غفرت له).
إذاً: الرحمة والمغفرة لله جل وعلا ليست لغيره.
وهذه من اللوازم الباطلة التي تجعلنا نرد قولهم على وجوههم.
فقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] أي: لنفس الله جل وعلا.
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] أي: على نفسه جل وعلا.
стр. 39
الفوائد المستنبطة من الأحاديث التي تدل على فضل الذكر
الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث الخمسة التي ذكرناها في فضل الذكر أن النبي ﷺ لما جاءه الرجل بعدما كبر سنه يستنصحه فقال رسول الله ﷺ : (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، ولو لم يكن لفضل الذكر إلا أن الله سيذكرك لكفى بها نعمة وفضلاً، فيلزم من أن الله جل وعلا يذكرك أن يحبك، وإذا أحبك نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل بعدما يحبه: يا أهل السماء! إني أحب فلاناً فأحبوه، ثم يكتب له القبول في الأرض، ويستلزم من ذكر الله جل وعلا لك أن يرحمك، وأن يثني عليك في الملأ الأعلى.
ومن الفوائد المستنبطة من هذا الحديث العظيم في فضل الذكر: المعية.
يقول الله تعالى: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، وقال: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ومعية الله جل وعلا معيتان: معية عامة للمؤمن والكافر، ومعية خاصة.
أما المعية العامة فهي معية العلم والإحاطة، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، السياق والسباق بالمقدمة والنتيجة يثبت أنه معهم بعلمه وقد أحاط بكل شيء علماً.
ومعية خاصة: هي معية التسديد، ومعية التوفيق، والعبد الموفق هو العبد الذاكر لله جل وعلا، فلا تجعل وقتاً يمر عليك إلا وأنت تذكر الله جل وعلا، وفي كتاب شعب الإيمان أثر ضعيف جداً أنه قال: (اذكر الله حتى يقولوا: مجنون)، والمعنى أنك لا تنشغل إلا بذكر الله جل وعلا، فالعبد الذاكر هو عبد مسدد، وعبد موفق من الله جل وعلا، عبد يستجلب معية الله، ومن كان مع الله كان الله معه، فالله جل وعلا يكون معك إذا ذكرته، وإذا ذكرته جل وعلا فإن الله جل وعلا يسددك ويوفقك، لا تسمع إلا به، ولا تبصر إلا به، ولا تبطش إلا به، فهو معك بالتسديد والتوفيق، كما قال رسول الله ﷺ مبيناً لنا هذه المعية مع الله : (يا أبا بكر! لا تحزن فإن الله معنا) فالله جل وعلا جاءه بالنص، وأيضاً موسى ﵇ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٢ - ٦٣].
إذاً: معية الله هنا: معية التسديد والتوفيق والنصرة والثبات، وموسى ﵇ وهارون خافا عندما ذهبا إلى فرعون من بطشه وجبروته، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ويستلزم ذلك أن أسددكما وأكون معكما بالتوفيق والنصرة والثبات.
آخر الفوائد المستنبطة من هذا الحديث: أن الملائكة خير من بني آدم، عند من يقول بذلك، وفصلنا القول فيها، واختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: الملائكة خير من البشر، وعمدة أدلتهم هذا الحديث؛ لأن الله جل وعلا قال (ذكرته في ملأ خير منهم) وهذا الملأ صرح به في رواية أخرى قال: (في ملأ من الملائكة) فهذا بالتنصيص أن ملأ الملائكة خير من ملأ البشر.
وقوله: (ذكرني في ملأ) ليس فيه حجة لأهل البدع الذين يتحلقون ويذكرون الذكر الجماعي، فالمقصود بـ (ذكرني في ملأ) مجالس العلم، وتعليم القرآن وتعليم السنة أو الفقه، والحديث يفسر الحديث عندما تأتي الملائكة السياحة وتنظر إلى مجالس العلم وتجلس وتحفهم حتى تصعد إلى الله جل وعلا إلى آخر الحديث فالله جل وعلا يقول (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فهنا معنى (ذكرني في ملأ) أي: مجالس العلم، فيكون في مجالس العلم الثناء في الملأ الأعلى، أنت الآن منتشر اسمك بين الملائكة، وكل ملك يعرف اسمك ويعرف اجتهادك ومجلسك في حلقات الذكر وحلقات العلم.
إذاً: يستدلون بقوله: (في ملأ من الملائكة)، يعني: خير من هذا الملأ وهو نص صريح.
القول الثاني: جمهور من أهل العلم قالوا: صالحوا البشر خير من الملائكة، ويستدلون بأدلة كثيرة، وعمدة هذه الأدلة تفضيل الله لآدم على الملائكة حيث أمرهم بالسجود له، وأيضاً فضله عليهم بالعلم، فتمسكوا بالعلم قدر الإمكان؛ لأن آدم ارتفع على الملائكة قاطبة بالعلم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، فعلم آدم ورفعه على الملائكة.
والراجح في هذه المسألة ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية بالتوفيق بين هذين القولين: قال: إذا نظرنا للأولية قلنا بقول الأولين، وإذا نظرنا للآخرية قلنا بقول الآخرين، والمعنى: إذا نظرنا للأولية يعني: في الدنيا، قلنا بقول الأولين: يعني الملائكة أفضل؛ لأنهم يسبحون ويحمدون ويركعون ويسجدون ويفعلون ما يؤمرون ولا يعصون الله جل وعلا، وهذا في الدنيا، أما الإنسان فيخطئ ويعصي ويذنب، وهو ينيب ويستغفر، لكن يفعل المعاصي وليس كالملائكة في هذه الطهارة.
أما إذا نظرت إلى الأخروية فنقول: قد استوى البشر مع الملائكة فأهل الجنة يلهمون التسبيح، فإذا دخلوا الجنان ارتقوا إلى مرتقى عال جداً فتفوقوا على الملائكة، وهذا من أبدع ما يجمع به، ففي الدنيا تكون الملائكة أفضل من البشر؛ لأن الإنسان يخطئ ويذنب في الدنيا، وفي الآخرة يكون البشر الذي يدخلون الجنة أفضل من الملائكة؛ لأن البشر في الجنة يلهمون التسبيح، فيستوي الملك مع البشر في ذلك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وصحبه أجمعين.
стр. 40
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة الكلام على صفة النفس لله جل وعلا
من الصفات التي يجب أن نثبتها لله صفة النفس، فقد دلت عليها الآيات والأحاديث الواردة عن المصطفى ﷺ ، ونفسه سبحانه لا تشابه نفس المخلوق، وإن اتحدا في اللفظ؛ فإنهما يختلفان في المسمى والكيفية.
следующие страницы →