Полный текст (302 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إثبات صفة النفس لله تعالى
ذكر المؤلف ﵀ صفة من صفات الله جل وعلا الثبوتية، وهي صفة النفس، وهذه صفة ثبوتية، أي: أثبتها الله لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ ، وهي صفة خبرية، لا مدخل للعقل فيها، وإذا قلنا بأنها خبرية فسنثبتها بالكتاب والسنة دون العقل؛ لأن العقل لا يدرك ذلك، وقد أثبتها الله لنفسه في كتابه، قال لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
وقال جل وعلا أيضاً على لسان عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧].
ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وأثبت لله النفس.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
إذاً: صفة النفس صفة خبرية، ثبتت لله في الكتاب، وأيضاً أثبتها له رسوله ﷺ كما في الأحاديث التي ذكرها المؤلف: (أنا مع عبدي ما ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) إثبات للنفس.
وأيضاً في أحاديث أخرى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي).
وأيضاً: (كتب الله جل وعلا كتاباً عنده على نفسه أن رحمتي سبقت غضبي).
فإذاً: هذه الصفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب وبالسنة.
أقول: نعتقد اعتقاداً جازماً ونثبت لله صفة النفس، وأنها صفة كمال وجلال لله جل وعلا لا تماثل نفس المخلوق، مع أن الاسم مشترك، نفس الخالق ونفس المخلوق، والقاعدة: الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى.
إذاً: نفس الخالق لا تماثل نفس المخلوق.
إذاً: أثبت لله صفة خبرية ثبوتية، وهي صفة النفس بلا تمثيل، أي: لا تماثل نفس المخلوق.
ولا تشبيه: ولا تشابه نفس المخلوق.
ولا تكييف: ولا أقول: النفس ليس لها كيفية، أو أثبت الكيفية، لكني أفوض هذه الكيفية للخالق جل وعلا.
إذاً: إثبات النفس لله جل وعلا: صفة خبرية تليق بجلال الله وكمال الله، لا تماثل نفس المخلوق، ولا تشابه نفس المخلوق، ولا نعلم كيفيتها، والكيفية أفوضها لله جل وعلا على طريقة السلف الذين هم أعلم، وطريقتهم هي أحكم وأسلم.
стр. 37
تحريف أهل البدع لصفة النفس لله جل وعلا
لم يرض أهل البدعة بإثبات صفة النفس، ولم يوفقوا في هذه الصفة، بل كذب أهل الضلالة والبدعة من الجهمية النفاة المعطلة في هذه الصفة، بالتحريف تارة وبالتعطيل تارة، وبالتشبيه تارة، وهم لم يفروا إلى التعطيل إلا لأنهم شبهوا نفس الخالق بنفس المخلوق، فعطلوا الصفة وقالوا: النفس ليست صفة لله جل وعلا، بل إضافتها عندما يقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وعندما يقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] كإضافة المخلوق للخالق، مثل قول الله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، فأضاف الناقة لله، إضافة المخلوق إلى الخالق، وكإضافة الكعبة لله، والكعبة بيت الله، وإضافة البيت إلى الله، إضافة المخلوق إلى الخالق، ولم يأتوا على ذلك بالأدلة.
стр. 38
الرد على أهل البدع في تحريف صفة النفس لله تعالى
نحن نعتقد أن صفة النفس صفة كمال وجلال لله جل وعلا، ونثبتها لله بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، ونعلم أن لها كيفية، لكن لا نعلم هذه الكيفية.
وفي الرد على أهل البدع الذين قالوا: هي إضافة مخلوق إلى خالق نقول: أولاً: توضيح الإضافة: المضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها ومعاني.
الأعيان القائمة بذاتها إذا أضيفت إلى الله هي إضافة مخلوق إلى خالق، وهذه الإضافة تسمى إضافة تشريف، كعيسى، وعيسى عين قائمة بذاتها، والكعبة عين قائمة بذاتها، والناقة عين قائمة بذاتها، فالأعيان القائمة بذواتها إضافتها إلى الخالق إضافة تشريف، تقول: عيسى روح الله، روح خلقها الله جل وعلا، وناقة الله، أي: ناقة خلقها الله جل وعلا، انفلقت الصخرة وخرجت الناقة لتكون معجزة من المعجزات.
إضافة المعاني إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، كأن تقول: رحمة الله، كرم الله، أمام البشر حتى يؤمنوا بها.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] العزة هنا ليست عيناً قائمة، وإنما صفة معنى، فإضافة المعاني إلى الخالق هي إضافة صفة إلى الموصوف.
إذاً: الإضافة لله إضافتان: إضافة أعيان فهي مضافة إلى الخالق للتشريف، وإضافة معان، وهي إضافة صفة للموصوف، وإذا نظرنا إلى النفس فالنفس هي معنى من المعاني أضيفت إلى الخالق، وتساوي صفة أضيفت إلى الموصوف، فنرد عليهم بهذا ونقول: إن النفس معنى من المعاني أضيفت إلى الخالق فإضافتها إضافة صفة إلى الموصوف.
ونرد عليهم بثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الله جل وعلا قد أثبت لنفسه النفس وأن رسوله قد أثبت له النفس، أي: أثبت هذه الصفة الخبرية، فكيف تنفون عن الله جل وعلا ما أثبته لنفسه؟ ليس لكم إلى ذلك سبيل إلا أن تجحدوا قول الله وقول النبي ﷺ .
والوجه الثاني: أن ظاهر القرآن وظاهر السنة يثبت لله صفة خبرية وهي صفة النفس، وأنتم خالفتم بقولكم: إنها مخلوقة ظاهر القرآن وخالفهم ظاهر السنة، وقد أجمع السلف على إثبات النفس لله جل وعلا صفة خبرية، وقد خالفتم هذا الإجماع.
الوجه الثالث: إن ادعاءكم بأن هذه الصفة إضافة مخلوق للخالق، لو قلنا بقولكم يلزمنا لوازم باطلة، والقاعدة: أنه إذا بطل اللازم بطل الملزوم، فننظر إلى اللوازم الباطلة: قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، الله جل وعلا اصطنع موسى وخلقه ليؤدي رسالته جل وعلا، وليعبد الناس ربهم جل وعلا، وليجعل الناس يوحدوا الله توحيداً تاماً خالصاً من كل شرك، فإذا قلنا بقولكم فسيكون معنى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] يعني: اصطنعتك لغيري، فمعنى ذلك: أن موسى يجعل الناس يعبدون غير الله! وهذا لا يقوله إلا كافر، وهذا كفر مبين، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٩]، فكيف يذهب موسى يعبد الناس لغير الله جل وعلا؟! هذا أول لازم باطل وهذا كفر مبين واضح جداً.
الثاني: قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] يعني: أن الله جل وعلا يغفر لمن أساء، فالرحمة يستلزم منها أن الله سيغفر لكم الذنوب، من أذنب وتاب وأناب فإن الذي سيغفر هو الله جل وعلا، فاللازم الباطل على قول الجمهية: كتب ربكم على غيره الرحمة، إذاً: غير الله جل وعلا هو الذي سيغفر هذا الذنب، فينيب العبد لغير الله جل وعلا، فأنتم ضاهيتم النصارى الذين يقولون بصكوك الغفران، تدخل المرأة الزانية ويدخل الرجل الزاني إلى القس فيعطيهما صك الغفران، ولا ينيبان إلى الله جل وعلا الذي يتوب على العصاة، وقد أخبر النبي ﷺ عن المذنب الذي يستغفر ربه أن الله جل وعلا عندما يقول العبد: رب قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فيقول الله جل وعلا-وهذا هو الشاهد-: (عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفره، فاشهدوا أني قد غفرت له).
إذاً: الرحمة والمغفرة لله جل وعلا ليست لغيره.
وهذه من اللوازم الباطلة التي تجعلنا نرد قولهم على وجوههم.
فقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] أي: لنفس الله جل وعلا.
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] أي: على نفسه جل وعلا.
стр. 39
الفوائد المستنبطة من الأحاديث التي تدل على فضل الذكر
الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث الخمسة التي ذكرناها في فضل الذكر أن النبي ﷺ لما جاءه الرجل بعدما كبر سنه يستنصحه فقال رسول الله ﷺ : (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، ولو لم يكن لفضل الذكر إلا أن الله سيذكرك لكفى بها نعمة وفضلاً، فيلزم من أن الله جل وعلا يذكرك أن يحبك، وإذا أحبك نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل بعدما يحبه: يا أهل السماء! إني أحب فلاناً فأحبوه، ثم يكتب له القبول في الأرض، ويستلزم من ذكر الله جل وعلا لك أن يرحمك، وأن يثني عليك في الملأ الأعلى.
ومن الفوائد المستنبطة من هذا الحديث العظيم في فضل الذكر: المعية.
يقول الله تعالى: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، وقال: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ومعية الله جل وعلا معيتان: معية عامة للمؤمن والكافر، ومعية خاصة.
أما المعية العامة فهي معية العلم والإحاطة، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، السياق والسباق بالمقدمة والنتيجة يثبت أنه معهم بعلمه وقد أحاط بكل شيء علماً.
ومعية خاصة: هي معية التسديد، ومعية التوفيق، والعبد الموفق هو العبد الذاكر لله جل وعلا، فلا تجعل وقتاً يمر عليك إلا وأنت تذكر الله جل وعلا، وفي كتاب شعب الإيمان أثر ضعيف جداً أنه قال: (اذكر الله حتى يقولوا: مجنون)، والمعنى أنك لا تنشغل إلا بذكر الله جل وعلا، فالعبد الذاكر هو عبد مسدد، وعبد موفق من الله جل وعلا، عبد يستجلب معية الله، ومن كان مع الله كان الله معه، فالله جل وعلا يكون معك إذا ذكرته، وإذا ذكرته جل وعلا فإن الله جل وعلا يسددك ويوفقك، لا تسمع إلا به، ولا تبصر إلا به، ولا تبطش إلا به، فهو معك بالتسديد والتوفيق، كما قال رسول الله ﷺ مبيناً لنا هذه المعية مع الله : (يا أبا بكر! لا تحزن فإن الله معنا) فالله جل وعلا جاءه بالنص، وأيضاً موسى ﵇ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٢ - ٦٣].
إذاً: معية الله هنا: معية التسديد والتوفيق والنصرة والثبات، وموسى ﵇ وهارون خافا عندما ذهبا إلى فرعون من بطشه وجبروته، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ويستلزم ذلك أن أسددكما وأكون معكما بالتوفيق والنصرة والثبات.
آخر الفوائد المستنبطة من هذا الحديث: أن الملائكة خير من بني آدم، عند من يقول بذلك، وفصلنا القول فيها، واختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: الملائكة خير من البشر، وعمدة أدلتهم هذا الحديث؛ لأن الله جل وعلا قال (ذكرته في ملأ خير منهم) وهذا الملأ صرح به في رواية أخرى قال: (في ملأ من الملائكة) فهذا بالتنصيص أن ملأ الملائكة خير من ملأ البشر.
وقوله: (ذكرني في ملأ) ليس فيه حجة لأهل البدع الذين يتحلقون ويذكرون الذكر الجماعي، فالمقصود بـ (ذكرني في ملأ) مجالس العلم، وتعليم القرآن وتعليم السنة أو الفقه، والحديث يفسر الحديث عندما تأتي الملائكة السياحة وتنظر إلى مجالس العلم وتجلس وتحفهم حتى تصعد إلى الله جل وعلا إلى آخر الحديث فالله جل وعلا يقول (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فهنا معنى (ذكرني في ملأ) أي: مجالس العلم، فيكون في مجالس العلم الثناء في الملأ الأعلى، أنت الآن منتشر اسمك بين الملائكة، وكل ملك يعرف اسمك ويعرف اجتهادك ومجلسك في حلقات الذكر وحلقات العلم.
إذاً: يستدلون بقوله: (في ملأ من الملائكة)، يعني: خير من هذا الملأ وهو نص صريح.
القول الثاني: جمهور من أهل العلم قالوا: صالحوا البشر خير من الملائكة، ويستدلون بأدلة كثيرة، وعمدة هذه الأدلة تفضيل الله لآدم على الملائكة حيث أمرهم بالسجود له، وأيضاً فضله عليهم بالعلم، فتمسكوا بالعلم قدر الإمكان؛ لأن آدم ارتفع على الملائكة قاطبة بالعلم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، فعلم آدم ورفعه على الملائكة.
والراجح في هذه المسألة ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية بالتوفيق بين هذين القولين: قال: إذا نظرنا للأولية قلنا بقول الأولين، وإذا نظرنا للآخرية قلنا بقول الآخرين، والمعنى: إذا نظرنا للأولية يعني: في الدنيا، قلنا بقول الأولين: يعني الملائكة أفضل؛ لأنهم يسبحون ويحمدون ويركعون ويسجدون ويفعلون ما يؤمرون ولا يعصون الله جل وعلا، وهذا في الدنيا، أما الإنسان فيخطئ ويعصي ويذنب، وهو ينيب ويستغفر، لكن يفعل المعاصي وليس كالملائكة في هذه الطهارة.
أما إذا نظرت إلى الأخروية فنقول: قد استوى البشر مع الملائكة فأهل الجنة يلهمون التسبيح، فإذا دخلوا الجنان ارتقوا إلى مرتقى عال جداً فتفوقوا على الملائكة، وهذا من أبدع ما يجمع به، ففي الدنيا تكون الملائكة أفضل من البشر؛ لأن الإنسان يخطئ ويذنب في الدنيا، وفي الآخرة يكون البشر الذي يدخلون الجنة أفضل من الملائكة؛ لأن البشر في الجنة يلهمون التسبيح، فيستوي الملك مع البشر في ذلك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وصحبه أجمعين.
стр. 40
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة الكلام على صفة النفس لله جل وعلا
من الصفات التي يجب أن نثبتها لله صفة النفس، فقد دلت عليها الآيات والأحاديث الواردة عن المصطفى ﷺ ، ونفسه سبحانه لا تشابه نفس المخلوق، وإن اتحدا في اللفظ؛ فإنهما يختلفان في المسمى والكيفية.
стр. 41
ما جاء في إثبات صفة النفس لله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! نحن ما زلنا مع الحديث في صفة النفس في هذا الكتاب العظيم -كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة - الذي فيه صفات رب العالمين.
قال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد الجبار بن العلا العطار قال: حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس أن النبي ﷺ حين خرج إلى صلاة الصبح وجويرية جالسة في المسجد فرجع حين تعالى النهار قال: (لم تزالي جالسة بعدي؟ قالت: نعم، قال: قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهن لوزنتهن، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، وزنة عرشه).
قال: أبو بكر: خبر شعبة عن محمد بن عبد الرحمن من هذا الباب خرجته في كتاب الدعاء.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده: أن رحمتى نالت غضبي).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه: أن رحمتي تغلب غضبي).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (التقى آدم وموسى ﵉ فقال له موسى: أنت الذى أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ قال آدم لموسى ﵉: أنت الذى اصطفاك الله برسالاته، واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فهل وجدته كتبه لي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، قال: فحج آدم موسى ﵉ (ثلاث مرات)) يريد كرر هذا القول ثلاث مرات.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: (إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي فلا تظالموا، كل بني آدم يخطئ بالليل والنهار ثم يستغفرني فأغفر له ولا أبالي (وقال: يا بني آدم! كلكم كان ضالاً إلا من هديت، وكلكم كان جائعاً إلا من أطعمت) فذكر الحديث.
وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)].
تكلمنا في الأسبوع الماضي على صفة النفس، وأثبتناها بالكتاب وبالسنة، وليس بالعقل؛ لأنها صفة خبريه، والصفة الخبرية هي التي لا مدخل للعقل فيها، أي: لا نعلم أن اليد لله جل وعلا تكون كمالاً.
إذاً: ثبتت هذه الصفة بالكتاب والسنة، حيث قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال عيسى ﵇ كما بين الله لنا ذلك: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
ومن الأدلة من السنة قوله ﷺ : (ومداد كلماته، ورضا نفسه) فهذا نص في أن لله نفساً، وهي صفة من صفات الله جل وعلا الثبوتية الخبرية، وفيه أن بعض الذكر أفضل من بعض، إذ إنها جلست مده طويلة تذكر الله جل وعلا، فبين لها النبي ﷺ بهذه الأربع الكلمات أنه حاز ما حازته بل وأكثر من ذلك، ففيه بيان للبيب المطيع لله جل وعلا الذي يقلل من الأعمال لكنه يكثر من الثواب إذا أتقن العمل الذي يصل به إلى ربه جل وعلا.
وذكر المؤلف حديثاً مهماً جداً، وهو في كتابة الله جل وعلا على نفسه الرحمة، حيث كتب على نفسه أن رحمته سبقت غضبه، وهذا من الأحاديث التي يقال فيها: إنها أرجى الأحاديث للعاصي، فالعاصي إذا علم أن الله جل وعلا قوي جبار يأخذ بالذنب ويغفر، ومع جبروته وقوته فإن رحمته سبقت غضبه، فإذا علم العاصي ذلك لم يكن له إلا أن يطمع ويرجو رحمة الله جل وعلا، وقد قال رسول الله ﷺ : (لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
وفي بعض الإسرائيليات أن إبليس طمع في رحمة الله عندما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] فقال إبليس: أنا شيء، يعني: شيء نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، فقال: أنا شيء أي: دخلت في رحمة الله، فأتبع الله هذه الآية ثم قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فقال اليهود: نحن من المتقين، فقطع الله دابرهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالغرض المقصود أن رحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، ولذلك ترى أن بعض الناس يقول: أنت لا ترحم ولا ترضى برحمة ربنا تنزل، وهذا كلام خطأ؛ إذ إن النبي ﷺ لما علم الرجل قال: والله ما كهرني ولا نهرني، فنعم المعلم هو ﷺ ، وخرج الأعرابي الذي بال من المسجد فرفع يديه وقال: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي ﷺ : حجرت واسعاً) فرحمة الله جل وعلا أوسع مما نتصور، وهذه تجعلنا نطمع في رحمة الله ونرجوها، لكن العلماء قالوا: إذا كنت تتعبد لله جل وعلا بالخوف والرجاء فغلب الخوف من العقاب وأنت حي قادر مطيع، وإذا كنت على شفير الموت فغلب الرجاء وأحسن الظن بالله جل وعلا.
وذكر المؤلف حديث محاجة آدم وموسى، وفيه فوائد جمة تشرح في مجلدات، ومنها: أن الله جل وعلا كتب التوراة بيده، ففيه إثبات اليد لله جل وعلا، وهي من الصفات الثبوتية الخبرية التي لا مدخل للعقل فيها، فالله جل وعلا له يد، والكيف مجهول لا نعلمه لكن نؤمن به، قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
كذلك الله جل وعلا خلق آدم بيده، ففعل جل وعلا ثلاثة أشياء بيده: كتب التوراة بيده ، وغرس غرس الجنة والفردوس الأعلى بيده، وخلق آدم بيده، والمقصود: أن الله جل وعلا فعل ذلك بيده، ثم الكون خلقه بكن، وإذا قال لشيء: كن كان.
وكذلك يستنبط من هذا الحديث أن القدر يحتج به على المصايب لا على المعايب، يعني: لا يأتي رجل يزني بامرأة ويقول: قد قدر الله علي ذلك فماذا أفعل؟! وكما بينا في المثل المضروب في المرأة التي كانت تعتقد في القدر، فدخل عليها زوجها فوجد رجلاً يزني بها؛ فجاء ليقتله ويقتل المرأة فقالت: مهلاً ما فعلت ذلك إلا بقدر الله قال: نعم أؤمن بقدر الله، فلما رأت الرجل فيه هذه الدياثة فزعت من هذا الذي يفعله وقالت: لا والله ليس هذا بمذهب.
والمقصود: أنه لا يمكن للإنسان أن يحتج بالقدر على المعايب، فمثلاً: رجل نام في الساعة الثالثة وضبط ساعة التنبيه على الساعة الثامنة لأجل الذهاب إلى العمل، وترك الفجر هل له أن يقول: قدر الله علي أنني لم أستيقظ لصلاة الفجر؟ ليس له أن يحتج بهذا، فهو مديون لربه، لكن المصيبة والبلية التي تنزل على الإنسان له يحتج بها.
ففي الحديث: أن موسى عاتب آدم ﵇ بإخراجه ذريته من الجنة قال: أنت أشغلتنا وأخرجت نفسك وذريتك من الجنة فهل هذه مصيبة أم عيب؟ مصيبة هو لم يعير بالذنب، ولم يقل له موسى: أكلت من الشجرة فعصيت ربك فأخرجتنا، وإنما ذكر له المصيبة، قال له: أخرجت نفسك وذريتك من الجنة، فاحتج بالقدر قال: أترى أن الله قد كتب علي ذلك -يعني: أن أخرج من الجنة- قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنه؟ قال: نعم، قال النبي ﷺ : (فحج آدم موسى) يعني: احتج آدم بالقدر على المصايب لا على المعايب.
أما حديث: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)، ففيه نفي الظلم وإثبات كمال الضد وهو العدل، وهذا هو الذي نثبته، إني حرمت الظلم على نفسي لكمال عدلي، فالظلم منفي عن الله لكمال عدل الله جل وعلا.
والظلم نوعان: ظلم للنفس، وظلم لغير.
أما الظلم للنفس: فهو التعدي على حدود الله جل وعلا، والتجرؤ على محارمه، وألا يجعل المرء ربه عليه رقيباً وهذا يعالج فيه الإنسان نفسه بأن يتبع السيئة الحسنة، وهو داخل في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
الظلم الثاني: ظلم المرء لغيره، وهذا لا يتوب المرء منه حتى يعفو عنه الرجل الذي ظلمه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منها اليوم) يذهب إليه إن سبه يخبره أنه اغتابه ويقول: سامحني أو يدعو له في مجلسه، وإن أخذ مالاً يرجع له المال؛ لأن النبي ﷺ قال: (قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات)، فالذي ظل
стр. 42
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب إثبات العلم لله جل وعلا
من الصفات التي يجب أن نثبتها لله صفة العلم، فقد دلت عليها الآيات والأحاديث الواردة عن المصطفى ﷺ ، وأجمع الصحابة على إثباتها، والعقل شاهد على اتصافه سبحانه بهذه الصفة.
стр. 43
ما جاء في إثبات صفة العلم لله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله جلا وعلا في محكم تنزيله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقال : ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤].
فأعلمنا الله أنه أنزل القرآن بعلمه، وخبرنا جل ثناؤه أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، فأضاف الله جل وعلا إلى نفسه العلم الذى خبرنا أنه أنزل القرآن بعلمه، وأن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه.
فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات تعالى الله عما يقول الطاعنون في علم الله علواً كبيراً].
العلم صفة من صفات الله جلا وعلا الثبوتية التي ثبتت في الكتاب والسنة، بل هي ثابتة أيضاً بالعقل كما سنبين بعد الإجماع، فهي صفة ثبوتية ذاتية، ومعنى ذاتية أي: لا تنفك عن الله جلا وعلا، ولا تستطيع أن تقول هي فعلية؛ لأنها لا تتجدد، فإن الله لا يزال عالماً حكيماً خبيراً جلا وعلا، فصفة العلم صفة ثبوتية أزلية أبدية ثابتة بالكتاب وبالسنة والإجماع والعقل.
стр. 44
الأدلة من القرآن على إثبات صفة العلم لله
أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء:٣٥]، وقال الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، وقال جلا وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال جلا وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨].
стр. 45
الأدلة من السنة على إثبات صفة العلم لله
وأما من السنة ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا تدري نفس ماذا تكسب غداً إلا الله) إلى آخر الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (علم الله جلا وعلا ما صائر إليه خلقه فهم صائرون إليه)، أو كما قال ﷺ .
ويقصد به القدر، أنه كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
كذلك صلاة الاستخارة فيها إثبات صفة العلم لله ونصها: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم) فهذا فيه إثبات العلم لله جل وعلا بالكتاب والسنة.
стр. 46
الإجماع والأدلة العقلية على إثبات صفة العلم لله
كذلك الإجماع: أجمعت الصحابة على أن لله علماً ثابتاً بالكتاب والسنة، وهذا العلم أزلي وهي صفة ثبوتية، والعقل يدرك هذه الأشياء، وهذا الكون إنما وجد بإرادة، وهذه الإرادة تستلزم العلم، وبالمثال يتضح المقال، لو أردت شراء سيارة أحدث موديل وقلت: أنا لا أريد إلا هذه السيارة، فإرادتك لهذه السيارة تنبئ بأنك تعلم تفاصيلها وتعلم عنها كل شيء، وتعلم مميزاتها وعيوبها، فهذه الإرادة تنجم عن علم ومعرفة.
ولما أراد الله خلق هذا الكون العظيم المبدع فهذا نابع عن علم، وأيضاً إتقان هذه الصنعة كهذه الجبال والأنهار والسماوات والشمس تجري لمستقر لها، والقمر يكون في الليل، والشمس يكون نهاراً وتغرب الشمس وتذهب تسجد تحت العرش، فكل هذا الإتقان يدل أنه نابع من عليم قدير.
فالعقل يؤكد هذه الصفة، فنثبت لله جل وعلا صفة العلم على أنها صفة ثبوتية أزلية، وأن الله أحاط بكل شيء علماً، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا تواري عنه سماء سماءً ولا أرض أرضاً ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره؛ فإن الله جلا وعلا قد أحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، و (شيء) هنا نكرة في سياق الإتيان تعم كل شيء دقيق وجليل يعلمه الله جلا وعلا، يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيظ الأرحام وما تزداد.
وقد قص الله على نبينا ﷺ أخباراً لا يعرفها ولا درسها ولا تعلمها، وكانت معجزة من المعجزات التي كانت بين يديه، وقص الله عليه قصة يوسف ﵇ وما حدث معه في غيابة الجب من الاضطرار الذي صبره، وما حدث له مع هذه المرأة التي دعته إلى الزنا فصبر عليها صبراً اختيارياً فضلاً منه صلى الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.
كذلك قص عليه قصة آدم وأنه أمر إبليس أن يسجد له فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وقص عليه قصة إبراهيم ﵇، فعلم بما كان، ونحن الآن نعلمه من علم الله جلا وعلا، ويعلم سبحانه ما يقع في المستقبل، ونحن ننتظر أن يقع علم ما سيكون الذي أخبر به النبي ﷺ قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فهذا حدث.
كذلك قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، وقال: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣]، ولذلك أبو بكر قام خطيباً في أهل مكة وراهنهم على انتصار الروم، وهذا الرهان هو الرهان الصحيح، يعني: المقامرة هنا مقامرة صحيحة شرعاً، وإن كان الأصل في المقامرة المحرمة، لكنها هنا تصح؛ لأنها على يقين، لو راهن أحدٌ أحداً على أمر ليس فيه ضرب من المخاطرة يصح، ولذلك كان أبو بكر ﵁ وأرضاه على يقين من أن الروم ستغلب لأنه وحي من الله جل وعلا فراهنهم على ذلك وكسب الرهان حلالاً له.
وأخبرنا ﷺ بما سيكون وما زلنا ننتظر ما يقع كما قال النبي ﷺ : (يخرج من بعدي دجالون ثلاثون يدعون النبوة) فمنهم من ظهر وحتى الآن لم يكتملوا الثلاثين.
كذلك قال ﷺ : (بين يدي الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون الأمين).
إلى آخر الحديث.
كذلك أخبرنا عن الدجال وما يحدث معه، وما أعطاه الله جل وعلا من صفات الربوبية ليختبر به إيمان العباد ابتلاءً وفتنة.
стр. 47
علم الله أحاط بكل شيء
علم الله ما يكون وما وقع، وما لم يقع، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، هو ليس موجوداً، لكن لو قدر الله أن يوجد هذا الممكن في الكون أمامنا شاهداً حاضراً فكيف سيكون، وهذا من العلم الممكن، قال الله تعالى عن الكافرين أنهم لا يسمعون سمع إجابة: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]، إذاً: الله جلا وعلا لم يسمعهم سمع إجابة، ولو أسمعهم الله لعاندوا وتعنتوا، وأعرضوا عن الله جل وعلا، ومن الممكن أيضاً خروج المنافقين في الصف المسلم يعيثون فساداً في الصف المسلم، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، فهذا أيضاً علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون يعني: لو خرج المنافق مع النبي ﷺ لأفسد في الصفوف الإسلامية، وهذا من الممكن.
كذلك من الممكن في الآخرة عندما يقف أهل الكفر على النار، ويتمنون الرجعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨] يعني: لو قدر الله جل وعلا أن يخلق الدنيا مرة ثانية ويردهم إليها ويبعث إليهم محمداً فلن يؤمنوا له، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، هذا كله في الممكنات الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، أما في المستحيلات لو كان للكون أكثر من خالق ماذا سيحدث؟! نحن لا نعلم، والله جل وعلا بين لنا أنه لو قدر أن للكون أكثر من خالق لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
إذاً: علم الله جل وعلا علم شمولي أحاط بكل شيء علماً فعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، أنتم اعتقدتم هذا الاعتقاد الجازم في قلوبكم بأن صفة العلم لله جل وعلا ثابتة أزلية أبدية يعلم بها كل شيء عظيم ودقيق، يعلم ما كان وما م يكن لو كان كيف سيكون، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١]، حتى هذه للغاية، ثم يقول لنا: (ولنبلونكم) ربما أنزل الله البلاء لكي يعلم المجاهدين والصابرين، والله يعلم كل شيء فكيف يقول (حتى نعلم) هنا في الآية؟ الصحيح أن سابق علم الله مكتوب في اللوح المحفوظ، لكن لو أتى الله جل وعلا بالعبد الكافر فقال: إني أعلم قبل أن أخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة أنك كافر، ورماه في النار، فقد تكون له الحجة على الله فيقول: يا رب! لو تركتني لكنت مؤمناً بك، ولذلك قال الله تعالى في الحكمة من إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، حتى لا تكون عندهم حجة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فعلم الله جل وعلا يظهره، حتى يكون حجة على الناس، وهذا العلم يسمى علم المحاسبة، سيحاسبك الله عليه وإلا فهو يعلم كل شيء دقيقه وجليله.
стр. 48
علم الغيب وعلم الشهادة
العلم نوعان: علم غيب، وعلم شهادة وكل ثابت لله، وقد علمه الله لبعض خلقه، وفاوت بين الناس درجات من هنا إلى السماء في أبواب العلم، وما من حديث وما من آية مدحت أهل العلم إلا والمقصود علم الشرع وهو علم الشهادة.
وعلم الغيب كذلك نوعان: غيب مطلق وغيب نسبي، أما الغيب المطلق فلا يعلمه إلا الله، ومن ادعاه فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، هذا مطلق يشمل كل الغيب، فلا يعلمه إلا الله جل وعلا، ولا يشكل علينا قول الله تعالى: ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧]، فهو يعلمهم من الغيب ما يريد، فعلم الله النبي ﷺ بعض أمارات الساعة إذاً الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جلا وعلا، أما الغيب النسبي فيمكن أن يعلمه البعض، ويغيب عن البعض، مثال ذلك ما يحدث في المسجد الآن هل هذا غيب عندنا؟ لا، ففي جلستنا هذه ما يحدث من الأخذ والرد والشرح هل يغيب عن أحد منكم؟ لا، لكن إن قدرنا أن رجلاً في الراشدية الآن بعيداً عن هذه الحلقة لا يعلم شيئاً عنا، فهذا بالنسبة له يسمى غيباً نسبياً، لكن عندنا علم شهادة، كذلك ما يحدث في أمريكا الآن نحن لا نعلمه لكن عند الأمريكيين هو علم شهادة وعندنا علم غيب، وهذا يوضح لك مسألة القرين الذي يخبر الكاهن بما يقع من الغيب النسبي.
إذاً: الغيب نوعان: غيب مطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن ادعاه فقد كفر، وهنا مسألة الأبراج وحظك اليوم كذا واقرأ برج الأسد وبرج كذا وأنت سعيد وغداً ستحزن بكذا كل هذا الذي يطلع عليه أخشى عليه من الكفر، والذي يطلع عليه فيقصده فقد فعلَ فعل الكفر؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لم يكن إلا لله، يعتقد أنه سيحدث له ما ذكر، فهذا كفر يخرج من الملة؛ لأنه بذلك يعتقد أن الغيب يعلمه غير الله، والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، بل الرسول لا يعلم الغيب، والحوادث التي وقعت ولا يعلمها الرسول كثيرة، وأشهر حادثة وقعت حادثة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان عندما أخذت كبد حمزة ﵁ وأرضاه أسد الله وأسد رسوله فلاكتها ثم لفظتها، فقال النبي ﷺ : (الحمد لله الذي لم يجعل جزءاً منه في النار) معتقداً بأن هند ستموت على الكفر، فأصبحت من الصالحات العابدات ﵂ وأرضاها، فثبت أن النبي ﷺ نفسه لا يعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله، وأنتم تعتقدون ذلك وأنا أعتقد ذلك.
стр. 49
إخبار الكاهن ببعض المغيبات
هنا إشكال: الكهنة قد يخبرون بما سيحدث غداً ثم يحدث ما أخبروا به، فلو ذهب أحدكم إلى كاهن يسأله يقول لك: أنت في العام المقبل يوم الإثنين، في الساعة السادسة ستقابل امرأة اسمها كذا وستتزوجها، تأتي في العام المقبل يوم الإثنين في الساعة التي أخبر بها تنظر في المرأة فتجدها ثم تتزوجها، فهل يعلمون الغيب؟ لا، النبي ﷺ أجاب عن ذلك وأخبر أن الجن يركب بعضهم فوق بعض ليخترقوا السمع، فيأخذ الجني الكلمة ثم يقرقرها للذي تحته وربما يأتيه شهاب قبل أن يقرقرها، ثم يقرقرها للذي تحته حتى تصل إلى الكاهن فيكذب معها مائة كذبة، لكن الإنسان ينظر في الكلمة التي صدق فيها، وهذا ليس بإشكال وليس بغيب؛ لأنه يخترق الجني هذه الكلمة من السماء ويقرقرها في أذن وليه.
لكن السؤال والإشكال: ما الحكمة في ذلك؟ أليس الغيب كله لله جل وعلا؟ ما الحكمة في أن يعلم الكاهن جزئية من الجزئيات فيخبر عنها فيشوش على الناس، فيعتقدون في غير الله ما يعتقد إلا في الله؟ نقول: هذا ابتلاء من الله جل وعلا، أما أعطى الله الدجال أن ينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، ويأتي إلى الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتخرج، ويقتل المرء ويناديه: فيأتي متهللاً أمامهم؟! أعطاه الله شيئاً من صفات الربوبية بلاءً واختباراً لعباده، إذاً الغيب كله لله جل وعلا، فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله سبحانه.
стр. 50
الطوائف التي أنكرت صفة العلم لله
الذين أنكروا العلم هم ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلم فكفروا، وابن تيمية كفرهم وقال: كفرة الجهمية حيث نفوا عن الله العلم.
أما المعتزلة وهم أفراخ الجهمية فنفوا عن الله علم ما يكون وأثبتوا له علم ما كان؛ ولذلك تراهم يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوها يعني: إذا عمل العبد عملاً الله يعلمه.
القسم الثالث: الفلاسفة المناطقة وهم كالجهمية وكلامهم سفسطة؛ قالوا: إن الله يعلم الكليات لكن لا يعلم الجزئيات، فهؤلاء الثلاثة الأقسام أفراخ لليهود قال ابن عيينة: إذا وجدت عالماً ضالاً فاعلم أنه من أفراخ اليهود، وإن وجدت عابداً ضالاً فاعلم أنه من أفراخ النصارى أو كما قال.
فهذا الانحراف في صفات الله منبعه ومنشؤه اليهود الذين نفوا عن الله العلم، ولذلك قالوا: الله جل وعلا لما خلق آدم ثم خلق البشر وجد أنهم يعيثون في الأرض فساداً فبكى حتى أرمد يعني: الله جل وعلا كما في التوراة المزيفة التي حرفوها! أما الرد عليهم فهو يسير فنقول: أولاً: قد أثبت الله لنفسه صفة العلم، وأثبتها له رسوله، وأجمعت الأمة عليه، فكيف تنفون عن الله ما أثبته لنفسه، وتنفون عن الله ما أثبته له رسوله ﷺ ، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ [الإسراء:٣٦]؟ لا بد أن تقول: سمعت وأطعت، آمنا بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، وخالفتم أيضاً الإجماع.
الأمر الثاني: خالفتم ظواهر النصوص، وليس لكم ثمة أدلة.
الأمر الثالث: أن من قال بقولكم يلزمه لوازم باطلة ومنها: أن تقول: إن الله إذا كان لا يعلم فهو يجهل، والجهل صفة نقص، والله منزه عن كل نقص، بل الجاهل لو قلت له: يا جاهل لصفعك على وجهك لأنك وصفته بالجهل، فالجهل صفة نقص والله جل وعلا وتعالى وتقدس منزه عن كل نقص، هذا ما يرد عليهم به.
أما حكمهم: فغلاة الجهمية كفرة، وأما القدرية المعتزلة فلو قالوا بنفي علم ما يكون فإنهم يكفرون، ولكن المعتزلة قل منهم من ينفي العلم، ولذلك كان الشافعي يقول: حاجوهم بالعلم يعني: إذا نفوا العلم كفروا، وإذا أقروا بالعلم لا بد أن يقروا بالقدر؛ لأن الله يعلم أفعال العباد، وهو الذي خلقها، وكان بعضهم يقول: لا أقول: يعلم، وأقول: لا يجهل، يعني: أنه لا يثبت الصفة، لكن ينفي ضدها، ونحن قلنا: النفي المحض لا كمال فيه، بل لا بد أن يثبت في النفي كمال الضد فنقول: يعلم أي: لا يجهل، وهذه كانت مناظرة بين بشر المريسي عليه من الله ما يستحق وبين عبد العزيز المكي الشافعي وهو عالم من علماء السنة كان يناظره فقال: أنت تقول: لا يجهل فتنفي عنه الجهل، ونفي الجهل لا يستلزم حدوث العلم، فلا بد أن تقول: هو يعلم ثم تنفي عنه بعد ذلك الجهل ثم تثبت كمال الضد وهو العلم.
قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، فيه دلالة على أن الله يكون شهيداً، ونعم الشهيد جل وعلا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام:١٩]، وخير شهيد هو الله جل وعلا، ولذلك النبي ﷺ لما خطب في حجة الوداع قال: (اللهم قد بلغت، فأقروا وقالوا: قد بلغت، فرفع أصبعه إلى السماء فقال: اللهم فاشهد! اللهم فاشهد).
كذلك قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٦]، دلالة على علو الله جل وعلا، وأن نزول القرآن يكون من علو إلى سفل، وقوله: ((أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ)) هذا فيه رد على الزنادقة غلاة الشيعة.
الذين يقولون: كانت النبوة لـ علي فأعطاها جبريل محمداً ﷺ ، فالله يعلم أين يجعل رسالته، وهو يعلم أنها تنزل على محمد، فلو خان جبريل فترك علياً وذهب إلى محمد إذاً الله جل وعلا غافل حاشا لله أن نقول ذلك! قال تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، وفي الآيات رد على الزنادقة غلاة الشيعة الذين يقولون: إن جبريل خان الرسالة فجعلها لمحمد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 51
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر إثبات وجه الله تعالى
يثبت أهل السنة لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن ذلك الوجه، فقد ثبتت هذه الصفة الخبرية في القرآن والسنة، ولم يثبتها أهل البدع، وأولوها بالثواب أو الذات، وقد ورد عليهم أهل السنة وبينوا بطلان تأويلهم الذي هو في الحقيقة تحريف للمعاني بلا حجة ولا برهان.
стр. 52
إثبات صفة الوجه لله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: لا زلنا مع كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ، لإمام الأئمة ابن خزيمة، وسنتحدث عن صفة من صفات البارئ جل وعلا، ألا وهي صفة الوجه.
قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥].
الوجه صفة من الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسوله ﷺ في سنته، فهي صفة تليق بجلال الله وكماله، وهذه الصفة صفة ثبوتية، أي: أن الله أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الله يوصف بأن له وجهاً، ووجه الله له صفات كما سنبينها، وهذه الصفة صفة ثبوتية خبرية لا مدخل للعقل فيها، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، وهي أيضاً ثابتة بالسنة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، إلى أن قال: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، وقوله: سبحات وجهه أي: أنوار وجهه.
وفي الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه)، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يتمتع برؤية وجه الله الكريم، والمعنى: رداء الكبرياء والعظمة على وجه الله جل وعلا.
وأيضاً في السنن بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه علمنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: (أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم)، والشاهد: (ووجهه الكريم)، فثبتت هذه الصفة في السنة كما ثبتت في الكتاب.
وأجمع سلف الأمة على أن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله، وأن وجه الخالق ليس كوجه المخلوق، ومن قال: إن وجه الله كوجه فلان من الناس فقوله كفر؛ لأنه شبه الخالق بالمخلوق، قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الخالق بالمخلوق فقد كفر، فنحن نثبت لله وجهاً لكنه يليق بجلاله ويليق بجماله وكماله جل وعلا، فأجمع سلف الأمة على أن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله لا يشبه وجه المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ووجه الدلالة في الآية أن وجهاً عند أهل النحو يعرب: فاعلاً، وهو مضاف إلى الرب، والمضاف إلى الله نوعان، أعيان قائمة بذاتها ومعان، فمن الأعيان التي تضاف إلى الله: عيسى روح الله فقد أضيف إلى الله، ومثله الكعبة بيت الله فالكعبة مضافة إلى الله جل وعلا، ومنه أيضاً: ناقة الله، فالناقة مضافة إلى الله جل وعلا، فهذه المضافات أعيان قائمة بذاتها، والأعيان القائمة بذاتها إذا أضيفت إلى الله تسمى أضافتها: إضافة تشريف.
النوع الثاني من المضافات: المعاني، وهي: ليست أعياناً قائمة بذاتها، والمعاني إذا أضيفت إلى الله جل وعلا تكون إضافتها إضافة صفة إلى الله مثل قولنا: القرآن كلام الله، فالكلام مضاف إلى الله، ومعلوم أن الكلام معنى لا عين، والمعنى إذا أضيف لله فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والوجه معنى من المعاني، أضيف إلى الرحمن فإضافته إضافة صفة إلى الموصوف.
стр. 53
صفات وجه الله تعالى
الوجه الثابت لله تعالى صفة تليق بجلاله له أوصاف، ثبتت في الكتاب وفي السنة، وحينما يعتقد المسلم هذه الأوصاف فإنه يعرف كيف يتعبد لربه بهذه الأوصاف.
الوصف الأول في الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقد وصف هذا الوجه بأنه: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فوجه الله موصوف بالجلال، وموصوف بالإكرام، ومعنى الجلال العظمة والسلطان، فالمعنى: أن العظمة كلها لله جل وعلا، وأن السلطان لله جل وعلا بأكمله.
الوصف الثاني: الإكرام، والإكرام مصدر أكرم، وقولنا: وجه الله مكرم أي: أننا نكرم وجه الله، ولا يعني ذلك أن الله جل وعلا يحتاج لأحد أن يكرمه حاشا لله، بل إن إكرامك أنت لوجه الله يعني: الثناء عليه بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فثناؤك على الله إكرام لوجهه جل وعلا؛ لتنال جزيل الثواب، والنبي ﷺ يقول: (ما أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك أرسل الرسل، وما أحد أحب إليه الثناء من الله، ولذلك أمر عباده أن يمدحوه)، وفي الحديث: (قال: حمدني عبدي، أثنى علي عبدي) فالثناء عبادة من أجل العبادات، فوجه الله مكرم أي: مثنى عليه به من عباد الله الصالحين، فأنت تثني على الله فتقول: رب له الجمال وله الكمال وله وجه يوصف بأنه له الكمال وله الجلال.
كما ثبتت صفة الوجه في الكتاب فقد ثبتت أيضاً في السنة كما تقدم، قال النبي ﷺ : (رداؤه الكبر أو الكبرياء على وجهه، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وسبحات وجهه أي: أنوار وجهه، وكما أن وجه الله له الجلال، وله الإكرام، فوجه الله له نور، ونور وجه الله جل وعلا لو بلغ البشر لأحرقهم، وصفة الأنوار لوجه الله تعالى تجر المرء أن يقدر الله حق قدره، ولذلك عاب الله على قوم لم يعظموا الله حق عظمته، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، وقال أيضاً: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، فأنت لو علمت أن لربك الإجلال والإكرام والسلطان وأن له وجهاً له أنوار فلا بد أن تكرم هذه الوجه وتعظم الله حق التعظيم، ولذلك نرى أن النبي ﷺ أقر ذلك في نفوس العباد فقال: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) فأنت من تعظيمك وتقديرك لجلال الله ولسلطان الله ولعظمة وجه الله لا تسأل بوجه الله إلا أغلى شيء أنت تحتاج إليه وهو الجنة، فلا تسأل الله بوجهه إلا الجنة، ولذلك يعاب على امرئ يريد اللقمة أو اللقمتين أو الدرهم أو الدرهمين فيسأل بوجه الله، وهذه خسة، فالصحيح أن المرء لا يسأل بوجه الله إلا شيئاً عظيماً، وإن سئل بوجه الله فلا ينبغي أن يرد السائل بل يعطيه، من باب تعظيمه لوقار الله ولجلال الله ولكمال الله.
стр. 54
بدعة نفي صفة الوجه
نفي صفة الوجه أهل التعطيل والنفاة الذين يحرفون صفات الله جل وعلا، وما أدري كيف يعيشون في هذه الدنيا ثم يرحلون إلى الله جل وعلا فكيف يرونه يوم القيامة؟ وهل سيسعدون برؤية وجه الله وهم ينفون عن الله الوجه، فيقولون: لا وجه له؟! هل سيسعدون بذلك وقد أولوا الصفة فقالوا: الوجه معناه الذات، وقالوا: الله ليس له وجه؛ لأننا لو قلنا بأن الله له وجه شبهناه بالخلق، فقالوا: الوجه هنا بمعنى الذات، وقالت طائفة منهم: الوجه بمعنى الثواب، فقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ثوابه.
ولأنهم أولوها بالذات وبالثواب فقد قالوا: صفة الوجه صفة مخلوقة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ثم أحدثوا تساؤلاً فقالوا: هل يخص الوجه دون الذات بالبقاء فقط؟ وهل يعقل هذا أو يتكلم به أحد؟ فإن قيل: لا، قالوا: إذاً: ما ذكر الوجه إلا وهو يقصد الذات، ولا يمكن أن نقول: إن ذات الله تفنى، -حاشا لله- ويبقى الوجه فقط، إذاً قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، دلالة على أن ذاته ستبقى، فالوجه هنا بمعنى الذات.
ومما استدلوا به على التأويل أيضاً: عمل المخالف فقد خاطبوا المخالفين فقالوا: أنتم تدعون السلفية وأنكم تتبعون السلف، فلماذا أولتم قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقلتم: وجه الله في هذه الآية يعني: قبلة الله، وهذا تأويل، فلنا أن نؤول فنقول: ويبقى وجه الله أي: تبقى الذات، وليس هناك ثمة فرق.
стр. 55
الرد على بدعة نفي صفة الوجه
يرد على من نفى صفة الوجه بالإجمال ثم بالتفصيل، أما الرد عليهم إجمالاً فنقول: لقد خالفتم كتاب الله جل وعلا في قولكم: الله ليس له وجه، فقد قال عن نفسه: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]، فقد خالفتم ظاهر القرآن وخالفتم أيضاً ظاهر السنة، فإن النبي ﷺ أثبت لله وجهاً وقد تقدم الحديث قريباً، وخالفتم إجماع السلف، وقد خالفتم قول الله تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، ولا علم لكم بهذا، هذا الرد إجمالاً.
أما الرد تفصيلاً فنقول: أولاً: زعمكم أن المقصود بالوجه هنا هو الذات كلام مردود بالكتاب وبالسنة، أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وجعل الوجه مضاف إلى الرب، ويقصد بالرب هنا الذات، فلا يمكن أن نقول: إن الله جل وعلا أنزل لنا الكتاب بلسان عربي مبين يكرر الذات مضافاً للذات، إذ إن هذا منكر في لغة العرب، وبذلك علم أن الوجه صفة مضافة إلى الذات، وأيضاً في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] كلمة: (ذو) مرفوعة لأنها صفة لوجه، وبذلك يعلم أن الوجه يخالف الذات؛ لأن الرب هنا مضاف إليه مجرور، فلو نعت بذي لقال: ذي الجلال والإكرام، لكنه لما قال: ذو دل ذلك على أنها صفة للوجه لا للرب.
أما السنة فقد قال النبي ﷺ : (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم)، ومعلوم أن الأصل في العطف المغايرة، والنبي ﷺ قد استعاذ بالذات فقال: أعوذ بالله العظيم، ثم استعاذ مرة ثانية بالصفة فقال: وبوجهه الكريم، ولو كان الوجه بمعنى الذات لكان التكرار لا معنى له، وكانت الجملة الثانية لغواً، والنبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم فيتعين أن معنى: أعوذ بالله العظيم: الاستعاذة بالذات المقدسة، ثم غاير وقال: (وأعوذ بوجهه الكريم)، فاستعاذ بالصفة.
ويبقى عليه لازم باطل وهو أن النبي ﷺ عندما يقول: (أعوذ بوجهه الكريم)، استعاذ بغير مخلوق، فيرد عليهم بأن هذه الصفة مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، فقد استعاذ بصفة من صفات الله جل وعلا.
أما قولكم بأن الوجه في الآية بمعنى الثواب، وأن المعنى: يبقى ثواب ربك، أو: كل شيء هالك إلا الثواب فهذا مخالف لظاهر القرآن والسنة ويلزم من هذا القول لوازم باطلة هي كالتالي: اللازم الأول: أن يوصف الثواب بأنه ذو جلال وإكرام، وهذا لا يمكن بحال من الأحوال، فوصفه بذلك باطل معلوم البطلان؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
فوصف الوجه بذو الجلال والإكرام ولا يمكن أن يوصف الثواب بأنه ذو الجلال والإكرام.
اللازم الثاني: يلزم من قولكم أن الوجه معناه الثواب أن الثواب له بصر وله أنوار جلية تحرق البشر، ويفهم هذا من قول النبي ﷺ : (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلو أن الوجه بمعنى الثواب لكان معنى الحديث: لأحرقت سبحات ثوابه ما انتهى إليه بصره من خلقه! وهذا يدل على بطلان قولهم.
اللازم الثالث: يلزم من القول بأن الوجه هو الثواب أن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق وحاشاه، فهو لا يستعيذ إلا بالخالق جل وعلا؛ لأن النبي ﷺ قال: (وأعوذ بوجهه الكريم)، فلو وضع الثواب موضع الوجه، لكان معنى قول النبي ﷺ : وأعوذ بثوابه العظيم، وبهذا القول نجعل النبي ﷺ يبيح الاستعاذة بغير الله وهذا شرك، وبذلك يرد على المعتزلة النفاة الذين ينفون الصفة، وتصفوا لنا الأدلة بأن لله وجهاً، ووجه الله جل وعلا ذو جلال وإكرام وذو أنوار ولا يسأل بوجه الله إلا الجنة.
أما اعتراضهم بقول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ [البقرة:١١٥]، فإن هذه الآية كما ذكر علماء التفسير نزلت خاصة في السفر، ومعلوم أن السياق من المخصصات؛ فإنهم إذا كانوا على الراحلة في السفر صلوا إلى غير القبلة، فحيثما توجهت الراحلة فثمة القبلة، والنبي ﷺ إذا كان في سفر، وكان على راحلته لم يشترط استقبال القبلة، بل حيثما توجهت به الراحلة صلى، فنزلت الآية لترفع الحرج عن المؤمنين في السفر وتبيح لهم أن يصلوا حيثما توجهت بهم الراحلة أو ما يقوم مقامها اليوم من طائرة أو عربة أو غيرهما، قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] وفي هذه الآية قولان للسلف: القول الأول: أن معنى ((وَجْهُ اللَّهِ)): قبلة الله، ويستدلون على ذلك بأن السياق الذي نزلت فيه الآية يفسر المقصود من الآية.
القول الثاني وهو القول الراجح من أقوال السلف: أن قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: هناك وجه الله؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه)، ولذلك نهى النبي ﷺ أن يبصق المصلي أمامه أو عن يمينه؛ لأن الملك عن يمينك، قال النبي ﷺ : (فإما في ثيابه أو عن يساره) فنهى أن يبصق المصلي أمام وجهه؛ لأن الله قبل وجهه، فقول الله تعالى: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) معناه: أنك لو كنت في صحراء وحضرت الصلاة وأنت مأمور أن تقصد الكعبة، وما استطعت أن تعرف اتجاه الكعبة، ثم اجتهدت في الجهة فصليت وأخطأت هذا المقصد أو هذا الاتجاه، وقد اجتهدت قدر استطاعتك عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]؛ فإن الله جل وعلا يقبل صلاتك وهو قبل وجهك، فيكون معنى قوله تعالى: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)): إثبات لصفة الوجه لله جل وعلا وزيادة إخبار بأن الله يكون قبل وجهك حتى لو اجتهدت ولم تستطع تحديد الجهة الصحيحة للكعبة.
стр. 56
معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)
يقول تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، قال أهل العلم في تفسير هذه الآية: هو عامة يراد بها الخصوص أو هي عامة مخصوصة؛ لأن هناك أموراً أو أشياءً لا تهلك، فليس كل شيء هالك، بل إن معنى الآية: كل شيء قابل للهلاك، وهناك أشياء غير قابلة للهلاك، فوجه الله وذاته المقدسة تبقى، ويبقى أيضاً ثمانية أشياء: الجنة، والنار؛ لأن الله خلق الجنة للبقاء وخلق النار للبقاء كذلك فهما لا تفنيان، ومما يبقى كذلك اللوح المحفوظ والقلم، والكرسي، والعرش، وعجب الذنب الذي ينبت منه الإنسان بعد أن ينزل الله على الأرض مطراً كمني الرجال والأرواح، فأرواح المؤمنين في عليين وأرواح الكافرين في أسفل سافلين، فتبين أن قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] يعني: قابل للهلاك، ونظائر ذلك في الشرع كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥].
فقوله تعالى: ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ))، ورد فيه لفظة (كل) وكل نص في العموم ومع ذلك قال تعالى: ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ))، فالمساكن لم تدمر، فيكون معنى الآية: كل شيء قابل للتدمير بالريح، فالريح لا تدمر المساكن وهي غير الأعاصير التي تحدث للكفرة في أيامنا هذه، إذ إن هذه آية من آيات الله جل وعلا، فمعلوم أن الأصل في الرياح أنها لا تدمر المساكن لقوله تعالى: ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)).
ومن نظائر ذلك أيضاً قول الله تعالى عن الملكة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، فليس المعنى أنها أوتيت من كل شيء، فهي مثلاً لم تعط ما خص به الرجال عن النساء من لحية وغيرها، وإنما أوتيت من كل ما يمكن لملكة أن تعطاه، وبذلك يعلم أن قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ليس على عمومه، بل هناك أشياء تبقى منها ذات الله المقدسة والوجه وثمانية أشياء خلقت للبقاء وسبق ذكرها.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] يدل على بقاء وجه الله، وإذا بقي وجه الله جل وعلا لزم أن تبقى ذات الله جل وعلا، وأيضاً يستلزم من ذلك أن العمل الصالح لا يفنى، بل يبقى حتى يثاب عليه المرء؛ لأن أي عمل ابتغي به وجه الله يأخذ نفس الحكم ويبقى حتى يثاب عليه المرء الثواب العظيم.
стр. 57
فوائد مستنبطة من قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)
قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، قال المفسرون: فيها إشارة إلى أن العمل لا يقبل إلا بالإخلاص، ومما يؤكد ذلك ما ثبت في الصحيحين أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل للمغنم أي ذلك في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، فابتغاء وجه الله جل وعلا دلالة على أهمية الإخلاص، وأن العمل لا يقبل عند الله جل وعلا إلا بالإخلاص، ومعلوم أن العمل لا بد له من شرطين: الشرط الأول: الإخلاص، والشرط الثاني: متابعة سنة النبي ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: متبع فيه سنة النبي ﷺ ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: مخلص لوجه الله الكريم.
كما يستنبط من قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الكهف:٢٨]، الحرص على مصاحبة الجليس الصالح، والنفور عن جليس السوء؛ لأن الجليس الصالح إما أن يذكرك بآية أو بحديث أو يرشدك لعلم قد جهلته أو يتعلم منك علماً جهله هو، فتفوز أنت ويفوز معك، بخلاف جليس السوء الذي يقودك إلى المعصية والرذيلة.
ويستنبط أيضاً من هذه الآية أنك إذا خاللت فينبغي أن لا تخالل إلا العالم السلفي ولا تخالل المبتدع ولا الذي لا يتخذ كتاب الله جل وعلا ولا سنة النبي ﷺ منهجاً له؛ لأنك إما أن تبتدع كما ابتدع ثم لا تقبل توبتك عند الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا حجب التوبة عن كل مبتدع، وإما يحيّزك عن كتاب الله، وإما أن لا يربطك بسنة النبي ﷺ .
стр. 58
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب ذكر إثبات صفة وجه الله تعالى
إن لله من صفات الجلال والكمال ما يزيد المؤمن إيماناً، ومن صفات الله وجهه الكريم، الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، فعلى المؤمن أن يبذل في الدنيا نفسه وماله وحياته لله؛ شوقاً إلى لقائه، وطمعاً في النظر إلى وجهه.
стр. 59
أدلة إثبات صفة الوجه لله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ما زلنا مع شرح هذا الكتاب العظيم الجليل كتاب التوحيد، وإثبات صفات ربي ، وهذا الكتاب هو لإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة.
لقد تكلمنا عن إثبات صفة الوجه، وبينا الرد على كلام المبتدعة الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، نفوا هذه الصفة، وكذلك الذين أولوها بالذات، وهنا نستكمل الكلام على هذه الصفة، ثم نشرع في الفوائد المستنبطة من الروايات التي ذكرها المصنف، فالوجه لله جل وعلا هو صفة كمال، وجلال، وبهاء، وعظمة، وهذه الصفة قد ثبتت لله جل وعلا بالكتاب، وبالسنة، وبإجماع الصحابة الكرام.
стр. 60
الأدلة من القرآن
أما إثباتها بالكتاب فقد قال الله تعالى مبيناً الاعتقاد الصحيح فيه جل وعلا، وأن له صفة الوجه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
وهذه الآية فيها إثبات للوجه، وصفة الوجه لله تعالى الصفات الخبرية، ووجه الدلالة في الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، هو أن الله أضاف الوجه له جل وعلا، ونحن نقول: إن الصفة إذا ذكرت مطلقة، فإننا لا نستطيع أن نثبتها لله جل وعلا إلا أن يضيفها إلى نفسه ، وإن كانت هناك صفة جرى الكلام عليها، وقلنا: إنها خرجت عن هذه القاعدة في الصفات فصفة الوجه نثبتها لله جل وعلا؛ لأنه قد أضافها إلى نفسه، وهناك في الكلام عن صفة الساق لم يضفها إلى نفسه وأثبتناها له، وقلنا: إنها خرجت عن القاعدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
فهنا لو لم يبين النبي ﷺ أن الله سيكشف عن ساقه يوم القيامة فيخرون سجداً له لما قلنا: إن لله ساقاً؛ لأن الآية بمفردها لا نستطيع أن نستدل بها على أن لله ساقاً، حيث لم يضفها إلى نفسه، وأما هنا في صفة الوجه فإنها مضافة إلى الرب .
وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وهنا صفة الوجه أيضاً مضافة إلى الله جل وعلا.
أيضاً قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وهذا تصريح بإضافتها إلى الله، فإن (ذو) هنا صفة للوجه، فالوجه ذو جلال وإكرام.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١]، يعني: ابتغاء وجه الله جل وعلا، فأضاف الوجه لنفسه تعالى.
والآيات في هذا كثيرة.
стр. 61
الأدلة من السنة
أيضاً وردت من السنة أحاديث كثيرة أثبتت الوجه الله جل وعلا، منها: قال النبي ﷺ : (وأسألك لذة النظر إلى وجهك).
وأيضاً قول النبي ﷺ : (وما بين القوم، وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن).
وأيضاً قول النبي ﷺ عندما دعا بقوله: (وأسألك بنور وجه الله جل وعلا الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة).
فالأحاديث في هذا كثيرة، وكلها أثبتت هذه الصفة العظيمة، وهي صفة الجمال والكمال والجلال لله جل وعلا أي: صفة الوجه الله.
стр. 62
إجماع الصحابة
أجمع الصحابة الكرام على أن الله جل وعلا يتصف بهذه الصفة الخبرية، وهي صفة الوجه، فإذا سألك سائل وقال: أتعتقد أن لربك وجهاً؟ فأجب: نعم.
فلو قال: كيف هو؟ فقل له: نقف عند ما جاءت به الآيات: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فوجه الله ذو جلال وإكرام، وأما السؤال عن الكيف فلا يصح، فإن الصفة معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، يعني: السؤال عن الكيفية بدعة، فلوجه الله كيفية لكننا لا نعلمها، ولكن الله يعلمها، ولا بد أن نؤمن بها، ولا بد أن نعلم أن الوجه في اللغة معلوم.
стр. 63
الأدلة من العقل
إن العقل يثبت أن لله وجهاً، وإذا قيل في الصفات الخبرية: إنها تثبت بالعقل فليس معنى ذلك: أن للعقل مدخلاً فيها، بل المراد أن العقل لا يرفضها، فصفات الله جل وعلا كلها صفات كمال وجلال.
стр. 64
مستلزمات الإيمان بصفة الوجه لله تعالى
إذا علم أحد أن لربه وجهاً كله بهاء وأنوار، وجلال، وعظمة، واعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، فواجب عليه أن يسعى سعياً حثيثاً لإكرام وإجلال وإعظام هذا الوجه، ويتشوق إلى رؤية هذا الوجه الكريم، ولذلك كان النبي ﷺ من شدة شوقه إلى رؤية وجه الله يقول: (وأسألك الشوق إلى لقائك، وأسألك لذة النظر إلى وجهك).
فلا بد على المؤمن التقي أن يتهيأ بالأعمال لرؤية هذا الوجه الكريم، وحتى يصل إلى درجة أن ينظر إلى وجه الله جل وعلا في جنات عدن، كما قال النبي ﷺ لمولاه عندما قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، فعند أداء الفرائض -وهي أحب ما تكون لله جل وعلا- ثم إتباع الفرائض بالنوافل حتى يتهيأ فيقف أمام ربه ويسأله النظر لوجهه الكريم، كما تشوق موسى ﵇ وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وذلك عندما استمع إلى صوت الله جل وعلا فاشتاق إلى رؤية وجه الله الكريم، ولكن وجه الله، أنوار وبهاء وعظمة، فعندما تجلى للجبل جعله دكاً، بل كل الجبال ستكون دكاً إذا تجلى لها الله جل وعلا بأنواره وسبحات وجهه، وهذا هو الذي جعل النبي ﷺ يتشوق إلى رؤية وجه الله الكريم.
كذلك لا بد خصوصاً على من آمن بهذه الصفة أن يسارع في الخيرات ويبدأ بالقلب أولاً، ويجتهد في تطهيره من كل دنس، وتطهيره من الحسد والحقد والغل وغير ذلك من الأمراض والأدواء التي هي من أمراض القلوب.
ثم بعد ذلك يطهر أعماله الظاهرة، ولسان حاله يقول: وعجلت إليك ربي لترضى، فيسعى ليهيأ نفسه حتى ينظر إلى وجه الله الكريم، أو يكون ممن يستحق أن يرى وجهه الكريم، فإن كثيراً من الناس خسروا رؤية الله جل وعلا كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، نعوذ بالله من ذلك، فيكون قد هيأ نفسه أولاً، ثم ينصح كل الأمة أن تتخلى عن المعاصي، وعن النظر إلى الحرام؛ لأن هذا مدعاة لعدم رؤية الله جل وعلا، أو حرمان المتعة الكاملة برؤية الله، فالمتعة برؤية الله مرتبطة بالطاعة، ومن يرى الله في الفردوس الأعلى لا يكون كمن يراه في أقل درجة من درجات الجنة، فإن المتعة تتفاوت، كما أن الدرجات تتفاوت في الخير وفي الفضل.
فمن المسارعة في الخيرات أن يبتعد عن المعاصي والمساوئ والسيئات، وكذلك لابد للإنسان حتى ينظر إلى وجه ربه الكريم أن يخلص العمل لله جل وعلا، ولوجهه سبحانه.
فإنه اعتقد أن لربه هذه الصفة العظيمة الجليلة، فيلزمه أن يخلص العمل لربه الجليل كما قال الله تعالى مادحاً أبا بكر ﵁ وأرضاه خير هذه الأمة بعد نبينا: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١]، وهذا مدح وبشارة لـ أبي بكر، فهو الذي اعتقد اعتقاداً جازماً صحيحاً سليماً بأن لربه وجهاً كريماً، فإذا به يريد أن يرى هذا الوجه، فعمل مخلصاً لوجه الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولما سئل النبي ﷺ عن الأعمال التي تقبل عند الله قال: (لا يقبل الله من العمل إلا ما كان صالحاً، وابتغي به وجهه).
فإن شرط القبول للأعمال هو ابتغاء وجه الله جل وعلا فيها، فإذا اعتقدت بأن لله وجهاً فلا بد أن تسعى وترتقي بأنوار الإيمان؛ لترى ربك جل وعلا.
стр. 65
جلال وعظمة صفة الوجه لله تعالى
стр. 66
وجه الله تعالى كريم ذو جلال
إن لوجه الله صفات وسمات بينها لنا الله في كتابه، وبينها لنا رسوله ﷺ .
وصف الله وجهه بأنه ذو جلال وإكرام، فقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فوجه الله ذو الجلال والعظمة، والبهاء، والإكرام، وجه الله جل وعلا لا بد أن يكرم ويجلَّ، فالله له الكمال المطلق، والعظمة المطلقة، فيكرم وجه الله جل وعلا، ويتذلل العبد لوجه الله جل وعلا بالسجود بخضوع، قال النبي ﷺ : (إن العبد إذا قام في مصلاه يصلي فإن الله قبل وجه هذا المصلي)، فإن الله مع علوه قريب قبل هذا العبد الذي يصلي، فيكرمه المصلى بتذلله وإخلاصه لله.
وليست الصفة نفسها هي التي تكرم، بل الذي يكرم هو الله جل وعلا، فإذا أكرمت وجهه فإنه يكرمك، وإذا تذللت وسجدت خاضعاً لربك جل وعلا، فإنك تأتي يوم القيامة فيكرمك الله؛ لأنك أكرمت وجهه ذو الجلال والإكرام.
стр. 67
عظمة سبحات وجهه تعالى
وجه الله جل وعلا له سبحات، فورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام)، ثم قال في آخر الحديث: (حجابه النور)، وفي رواية: (حجابه النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: أحرقت أنوار وجه الله جل وعلا كل ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصر الله ينتهي إلى كل شيء، أي: يصل إليه، فلو كشف الله الحجاب لأحرق الدنيا وما عليها، والسموات ومن فيها.
стр. 68
رداء الكبرياء على وجهه تعالى
وصف الرسول وجه الله تعالى بأن عليه رداء كما في الصحيحين عن النبي ﷺ عند الكلام عن الجنان: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه جل وعلا).
فهناك رداء على وجه الله، وهو رداء الكبرياء، ولذلك فإن كل متكبر لا يدخل الجنة؛ لأنه ينازع الله جل وعلا في صفة من صفاته، وهي صفة الكبرياء.
وأيضاً جاء في الأحاديث الصحيحة أن هناك حجاباً آخر لله تعالى وهو النور، ولذلك قال النبي ﷺ : (حجابه النور)، وفي رواية أخرى صحيحة أيضاً قال: (حجابه النار)، فرداء الكبرياء على وجهه ، وحجابه النور وحجابه النار، وقد ورد في بعض الآثار بأسانيد صحيحة عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (فإن لله سبعين حجاباً).
وفسر العلماء ذلك أن كل هذه تعتبر حفاظاً على البشر؛ لأن الله جل وعلا لو أشرقت أنوار وجهه على الدنيا لأحرقت كل هذه الدنيا.
стр. 69
فوائد من الأحاديث التي ذكرها المصنف
стр. 70
فضل المجاهد المخلص
نذكر هنا بعض الفوائد المستنبطة من بعض الأحاديث التي ذكرها المصنف.
من هذه الفوائد المستنبطة من الرواية الأولى أن الجهاد هو أرفع الطاعات، فلا يمكن أن يقبل الجهاد عند الله جل وعلا إلا عند ابتغاء وجهه به، وهذه الفائدة مستنبطة من الحديث: (مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله، مثل القائم المصلي حتى يرجع المجاهد).
وهناك حديث آخر ذكر فضلاً أعظم من هذا، وهو في السنن بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (قيام ساعة في الصف في سبيل الله ابتغاء وجه الله جل وعلا خير من قيام ستين سنة) يعني: من قيام ليالي هذه المدة حتى تتورم قدم القائم، ولكن قيام الساعة في الصف ابتغاء وجه الله أو في سبيل الله خير من ذلك كله.
стр. 71
حكم سب الرسول ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى سليمان وهو الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: قال عبد الله: قسم رسول الله ﷺ قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فاحمر وجهه، وغضب حتى وددت أني لم أخبره، قال شعبة: أحسبه قال: يرحمنا الله وموسى -شك شعبة في (يرحمنا وموسى) - قد أوذي بأكثر من هذا فصبر].
في هذا الحديث يشعر الإنسان بالأسى والحزن عندما يرى التجرؤ على رسول الله ﷺ ، وكان في عصر الصحابة من قبل هذا الأعرابي، أما الصحابة فقد كانوا إذا سمعوا هذا الكلام عن النبي ﷺ تقوم لهم الثائرة، ويكون أحدهم كالأسد الثائر لا يهنأ بعيش حتى يقتص لرسول الله ﷺ ، وقد ضرب أروع الأمثلة على ذلك رجل أعمى في امرأته التي هي من العاطفة ومن الود والمحبة منه بمكان، ولكنها كانت تتغنى بسب الرسول ﷺ ، وتقول الشعر في الرسول ﷺ ، في حين أنها كانت ترعى زوجها هذا، وهو رجل أعمى لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يذهب ليقضي حاجته إلا مع من يساعده على ذلك، وكانت امرأته هي التي تفعل ذلك به، فلما سمعها تتكلم في رسول الله ﷺ قام فبقر بطنها وقتلها، ولما ذهب إلى رسول الله ﷺ وأخبره أهدر النبي ﷺ دمها.
فما بالنا نرى ونسمع الآن ما يحترق له القلب، وما يعتصر له القلب ألماً عن رسول الله ﷺ من مسبة وشتم واستهانة واستهزاء به، ولا نجد من يدافع عن رسول الله ﷺ إلا بالألسنة فقط، ففي عصورنا كثر المتجرءون بدعوى حرية الرأي، وحرية النشر، فـ سلمان رشدي سب رسول الله ﷺ ، وسب الصحابة، وأزواج النبي ﷺ .
وآخر أخذ جائزة نوبل، وهو الذي سب الرسول ﷺ ، وهذه الأمور كلها تحصل تحت ستار حرية الرأي، فهل من حرية الرأي أن يستهزئ المرء برسول الله ﷺ أو يطعن في عرض رسول الله ﷺ ؟ فإن الصحابة عندما سمعوا مثل هذا الكلام كفروا من قاله، وقد قلنا في القاعدة التي قعدناها: إن القول قد يكون كفراً، أو الفعل كفراً، ولكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة، ولكن في هذه المسألة يختلف الأمر، ولا يحتاج فيها إلى إقامة حجة؛ لأن الاستهزاء أو السب معلوم بمجرد الوصف، فمن سب رسول الله ﷺ فقد كفر، وارتد عن دين الله.
ويدل على ذلك هذا الحديث العظيم، عندما قام هذا الخارجي غائر العينين يقول لرسول الله ﷺ وهو يقسم: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! وكأن النبي ﷺ لا يريد ابتغاء وجه الله جل وعلا، فقال النبي ﷺ مندهشاً (ويحك، أو ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل).
فلما قال هذه الكلمة كفر في وقتها، ويدل على ذلك فعل الصحابة، وذلك أنه قام خالد، وفي رواية أخرى قام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق.
ونستفيد من هذه الكلمة أمرين: الأمر الأول: أنه وصفة بالنفاق، والنفاق كان اعتقادياً لا عملياً، فهو يخرج من الملة، ويدل على ذلك قولهم بضرب العنق، فإن النفاق العملي هو الذي قال عنه النبي ﷺ (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب)، هل حكم من يكذب في حديثه القتل؟
الجواب
لا، فهذا النفاق الذي يستحق صاحبه القتل هو النفاق الاعتقادي، والنبي ﷺ ما أنكر على خالد هذا، ولا قال له: لا تقل له: منافق، لكنه نحاه عن القتل، وأقره على فهمه، وهو يستحق القتل، وسأدلل على هذا بأنه جاء في حديث آخر الإشارة إلى أنه يستحق القتل، لكن عدم قتله كان لأمر آخر وعلة أخرى وهي قوله ﷺ : (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، ثم إن آخر الرواية تدل على أنه منافق يستحق القتل، وذلك أن النبي ﷺ قال: (يخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، ثم قال: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد وإرم).
فهذه دلالة على كفره بهذا وخروجه من هذه الملة، فسب الرسول ﷺ كفر، وليس فيه عذر بالجهل، وليس فيه إقامة حجة، ولا إزالة شبهة؛ لأنه معلوم ضرورة.
وقد وقع اتفاق أهل العلم أن حد هذا الكافر المرتد القتل؛ لقول النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه)، واختلف العلماء هل يستتاب أو لا يستتاب؟ والصحيح الراجح أنه يستتاب حتى لا يقتل ردة، والدليل فعل عمر، وإذا كانت الاستتابة يعامل بها الكافر، فمن باب أولى الرجل الذي كان مسلماً فكفر ويرجى له أن يرجع إلى الإسلام سريعاً، فالشريعة تفتح أبوابها على مصراعيها للكافر ليدخل في الإسلام، فالمسلم من باب أولى عليه أن يرد إلى الإسلام فيستتاب فإن كان الحد حقاً لله كاستهزاء بالله أو سب له جل وعلا، فإنه يستتاب ولا يقتل، بل يسقط عنه حكم القتل.
أما في حق النبي ﷺ في عصرنا فلا يسقط عنه حد القتل على الراجح من أقوال أهل العلم، نعم يستتاب ليقتل حداً لا ردة، يعني: فلا يعاقب يوم القيامة على سبه للرسول ﷺ بعد ما تاب وقتل حداً، فإذا سب الله إذا تاب لا يقتل، وإذا سب رسول الله ﷺ وتاب فلا بد أن يقتل، والفارق بينهما أن الله جل وعلا بين لنا أن رحمته سبقت غضبه، وأن الله جل وعلا في حقه يسامح ويغفر.
والنبي ﷺ كذلك كان في حياته كما عمل مع عبد الله بن أبي السرح لما سب النبي ﷺ ، وكان يكتب للنبي الوحي، ففر إلى مكة وقال: كنت أكتب الوحي للرسول، فيقول لي: اكتب كذا فأكتب غيره، يريد أن يشكك في رسول الله ﷺ ، ثم ارتد، ولما ذهب إلى عثمان، وجاء به عثمان إلى الرسول، ومد يده ثلاث مرات ليبايع النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يغض الطرف عنه، ويريد أحداً يقوم يقتله، وفي الثالثة بايعه النبي ﷺ ، فقال لهم: (أما قام أحدكم عندما رآني لا أريد أن أبايعه يقتله، فقالوا: كيف نعرف يا رسول الله؟ لو أشرت إلينا بعينك)، ولكن أدبه النبوي جعله يقول: (ما كان للنبي أن يكون له خائنة الأعين).
يعني: أن النبي ﷺ له أن يسقط هذا الحد، وكما أسقط في هذه الحالة، ولم يرد قتل هذا الخارجي الذي قال: هذه قسمة لا يراد بها وجه الله جل وعلا، وذلك لمصلحة أعظم.
وأيضاً أسقط القتل عن ابن أبي السرح؛ لأنه حق النبي ﷺ ، فإذا تنازل عنه فله ذلك، لكن أين النبي ﷺ في عصرنا ليتنازل عن حقه؟ فنقول: الأصل في زماننا إقامة الحد عليه وهو القتل، إلا أن يتنازل الرسول، وهذا ليس موجوداً في عصورنا هذه، فلا بد أن يقام عليه الحد، حيث لا ناقل لنا عن الأصل، فيستتاب فإن تاب ورجع فإنه يقتل حداً لا ردة، بل يقتل على الإسلام، وإن لم يتب يقتل ردة، ولا يكون مسلماً.
стр. 72
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
استنبط العلماء من هذه الرواية العظيمة قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وذلك أنه عندما قام خالد فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فتلك مصلحة؛ ليزجر كل متجرئ عن هذا المنكر العظيم.
لكن كان هناك مفسدة أعظم منه، وهي: أن المنافقين والمشركين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر يفرحون بها أيما فرح، فينشرون بين الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فيخشى الناس من الدخول إلى الإسلام، وهذه مفسدة أعظم من تلك المصلحة، فراعى النبي ﷺ هذه المفسدة ودرأها، ولم يجلب تلك المصلحة إذ المفسدة أعظم.
ومما يدخل تحت هذه القاعدة مسألة سب الأصنام فإنها مصلحة لا مفسدة، فتسفيه أحلام الذين يعبدونها من دون الله جل وعلا مصلحة، لكن هناك مفسدة أعظم إذا سب المؤمن الصنم، وهي أن يقوم كافرهم وجاهلهم وخبيثهم فيسب الله جل وعلا، وهذه مفسدة أعظم بكثير من مصلحة سب هذه الأصنام، ولذلك منعنا الله من سب الأصنام درءاً للمفسدة فقال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
وكذلك تغيير بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فهي الآن ليست كما بناها إبراهيم ﵇، فإن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵂ وأرضاها عندما هاله أن رأى قريشاً جعلوا باب الكعبة عالٍ حتى لا يدخل إلا الأماجد الأكارم وكبراء الناس عندهم، وأيضاً رأى أن قواعدها ليست على قواعد إبراهيم، فقال: (لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس)، يعني: كل الناس الفقير منهم والغن، والوضيع والرفيع، (وباب منه يخرجون).
فهذا الحديث أصل في أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
فالمصلحة أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم، فذلك هو مكانها الصحيح؛ وأن يكون باب الكعبة متاحاً؛ ليدخل منه الرفيع والوضيع، ولكن هذا الفعل سينتج عنه مفسدة أعظم، وذلك أنه لو هدم الكعبة وهم دخلوا الإسلام قريباً، فسيقولون: إنه لا يقدس الكعبة، وآباؤنا كانوا يقدسون الكعبة، فيفتنون عن دينهم، فلذلك راعى النبي ﷺ المفسدة والمصلحة.
стр. 73
التذلل لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت (أن النبي ﷺ علمه، وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك إليك) الحديث بتمامه.
وفي هذا الحديث: (اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة)].
هذا الحديث يبين أن سيد الخلق أجمعين كان يسارع في مرضاة ربه جل وعلا، فهو يقول: لبيك وسعديك، لبيك اللهم لبيك أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وكان الصحابة يتمثلون ذلك فيقولون: لبيك تعبداً ورقاً، لبيك إخلاصاً وورعاً، كما ورد عن بعض الصحابة، وكأن لسان حاله: (وعجلت إليك ربي لترضى) والخير في يديك، ومنك وإليك، وفي هذا دلالة على أن الإنسان إذا كان في خير فإن هذا ليس منه، ولا من ذكائه وفعله، بل كل خير فيه هو من الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِيْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، فلا يقول الإنسان: أنا الذي فهمت هذا الفهم، بل يقول: الله فهمني هذا.
كان ابن تيمية يمرغ وجهه في التراب ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، يا مفهم سليمان فهمني، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣].
قوله: (فالخير منك وإليك)، يعني: من الله جل وعلا، يرد الفضل إلى الله جل وعلا، فمن اعتقد هذا الاعتقاد الصحيح فلن يتذلل ولن يلين قلبه إلا لله جل وعلا، ولن يرى مستحيلاً في هذه الدنيا؛ لأنه يرى كل شيء تحت قدرة الله تعالى، فإن أبا بكر ﵁ وأرضاه أصبح خير هذه الأمة بعد رسول الله بمنة الله جل وعلا وفضله.
إن هذا الحديث يدعونا إلى الطمع الكبير في فضل الله، وإن كان الطمع مذموماً في أمور الدنيا، لكنه ممدوح في الدين، فيطمع المرء طمعاً كبيراً في فضل الله جل وعلا، فإن أردت أن تكون شهيداً فاطمع في إعطاء ربك، أو أن تكون عالماً فاطمع في فضل ربك، أو أن ترافق النبي ﷺ في الفردوس الأعلى فاطمع في فضل ربك، واعلم أن الخير كله بيد الله جل وعلا.
стр. 74
المخرج من الفتن الاعتصام بأمر الله
قول النبي ﷺ (وشوقاً إلى لقائك في غير الضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) يجرنا هذا الحديث إلى الكلام عن مسألة الفتن التي تأتي وتجعل الحليم حيراناً، فما أخوف حال المرء في الفتنة! وللإنسان في ذلك أحوال: الأول: حال المنفرد في العزلة، وذلك بأن يعض على أصل شجرة إلى أن يرى الخير فيذهب إليه، فإن لم ير ذلك فالعزلة، والعزلة أفضل، وأعني: العزلة القلبية لا العزلة الجسدية، وذلك بأن تكون مع الناس بجسدك لا بروحك، روحك في السماء تحلق، وقلبك معلق بالعرش، وجسدك مع البشر تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتصبر على أذاهم، فهذه هي الحالة الأولى ولا بد لكل إنسان أن يتمرس عليها من الآن.
الحالة الثانية: أن تتمنى الموت، وذلك إن لم تر الخير، أو لم تر أنك تقدم لدين الله جل وعلا شيئاً، أو أنك لن تقدر على النجاة من هذه الفتن التي تطرأ على هذه الأمة، فحينها تتمنى الموت في غير فتنة، وهذا استثناء من الأصل العام الذي أصله الشرع، وهو النهي عن تمني الموت إلا في هذه، وهي عندما تخشى على نفسك أو على دينك من الفتنة، فلك أن تتمنى الموت، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى عن مريم: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسِيَّاً مَنْسِيَّا﴾ [مريم:٢٣]، وهي إنما قالت ذلك خشية على نفسها من فتنة الدين أو أن يتهموها بالزنى، وقد قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، فالإنسان يمكنه أن يتمنى الموت في حال الفتنة، كما قال النبي ﷺ : (في غير فتنة مضلة).
وهذا آخر ما يستنبط من فوائد هذين الحديثين.
стр. 75
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب ذكر إثبات وجه الله تعالى وصفة الصورة لله
لله وجه يليق بجلاله كما أثبت ذلك لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، وقد جاء في حديث إثبات الصورة لله، واختلف العلماء في تصحيحه وتوجيهه، والقاعدة عند أهل السنة: أن ما ثبت لله بالدليل يثبت بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تحريف ولا تعطيل.
следующие страницы →