← Акыда

Акыда · id 37696

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (302 стр.). Показаны 281–302 · переход к 286.

стр. 281

حكم تلبس الجن بالإنس مسألة: هل الجني يتلبس بالإنسان أولاً؟ هناك من ينكر ذلك، فقد جاءني بالأمس طبيب يعترض ويقول: كيف يدخل الجني في الإنسان؟ فقلت له: لا اجتهاد مع النص، فهل أنت معي في هذا؟ قال: نعم. قلت له: لقد جاء في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما من السنن بسند صحيح: (أن النبي ﷺ مرَّ على امرأة ولها طفل صغير يعاني من الصرع - فيه جنون- فقالت: يا رسول الله! هذا ابني- أي: انظر فيه- فنظر إليه النبي ﷺ فعلم أنه مصروع، ففغر فاه -فتح فاه- ثم تفل في فيه ثم قال: اخرج عدو الله، إني رسول الله)، فالنبي ﷺ هنا يخاطب الجني ويقول له: (اخرج عدو الله إني رسول الله) فهذا نص عن رسول الله ﷺ ، فقال لي: إن النص هو القرآن وأنه لا يحتج بالحديث والعياذ بالله. وقد جاء عن كثير من السلف إثبات الصرع، وعلاج المس، كما ورد ذلك عن أحمد بن حنبل وعن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما. ودلالة الآية واضحة جلية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، والاستمتاع هنا بإطباق المفسرين جميعاً: هو استمتاع الجني بالإنسي، بأن يشرك الإنسي بالجني مع الله، وذلك بأن يقدم القرابين للجني حتى لا يؤذيه، ومن معاني الاستمتاع هنا: أن الجني يفعل للإنسي خوارق الأمور، كأن يطير به في الهواء، ويمشي به على الماء، ويخبره بالغيب النسبي لا بالغيب المطلق. فتلبس الجن بالإنس ثابت بالكتاب والسنة، لكن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون.

стр. 282

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [٣] قد يمر المرء بحالة ضعف في الإيمان، فيرتكب معصية، ويضعف أمام وساوس الشيطان، ولكن الله يعلم منه أنه لا يحب الكفر، بل يحب الإيمان، فأنزل الله من النصوص ما يدل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان أو مسلم، وخالف في ذلك قوم من المبتدعة، فكفروا الناس بالمعاصي، وشفاعة رسول الله للعصاة ترد قول هؤلاء المبتدعة، فهو ﷺ رحمة مهداة، ونعمة من الله مسداة.

стр. 283

حكم أهل الكبائر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ما زلنا مع حديث الشفاعة، وفي الكلام عن المقام المحمود العظيم الذي شرف الله به نبيه ﷺ يوم القيامة، في حين أن كل نبي يقول: نفسي نفسي، ويحيلها على غيره، ورسول الله ﷺ يقول: (أنا لها، أنا لها)، وفي بعض الروايات يقول: (أمتي أمتي)، وذلك رحمة وشفقة منه ﷺ كما سنبين، ومن الأحاديث التي أوردها المصنف: ما جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة). إن من الفوائد العظيمة في حديث الشفاعة: حكم أهل الكبائر، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وفي بعض الروايات: (أنه يستأذن على ربه كثيراً، وكلما دخل على الله استأذن عليه، فسجد فحمد الله بمحامد يعلمه الله إياها ما كان يعلمها وهو في الدنيا، فيحمد الله بها، ويثني عليه بها، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيقول ﷺ : أمتي أمتي، ثم يأمره الله أن يذهب فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، أو من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، يعني: من أصحاب الكبائر وغيرهم، لكن الأصرح منه قوله ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). فهذه الآية تبين لنا المعتقد الصحيح لأهل السنة والجماعة، الذين يعتقدون أن أهل المعاصي والكبائر ليسوا كفاراً، وأنهم ليسوا مخلدين في نار جهنم أبداً، بل هم في مشيئة الله جل في علاه، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم بذنوبهم، ثم مآلهم بعد ذلك إلى الخلود في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 284

تكفير الخوارج والمعتزلة لأهل الكبائر إن عقيدة أهل السنة والجماعة تفضح عقيدة أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فالخوارج يكفرون بالمعصية ويقولون: إن الزاني والكاذب والسارق يكفرون بتلك المعاصي، بل إن صاحب المعصية يكون من أهل النار خالداً مخلداً فيها، ويزعمون أن لهم في ذلك أدلة من الكتاب والسنة، فهم بذلك لبسوا على الناس بفهم هذه الأدلة، وكفروا أكثر المجتمعات، بل إن بعضهم كفر نفسه أكثر من مرة، واغتسل أكثر من مرة غسل الدخول في الإسلام من جديد، وذلك أنه كان كلما اغتاب أحداً يقول عن نفسه: إني قد كفرت، فيدخل فيغتسل ليدخل الإسلام مرة أخرى.

стр. 285

أدلة الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة لقد أصبح من يريد أن يبتدع يبحث له عن حجة في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ومما استدل به هؤلاء من كتاب الله جل في علاه، ومن سنة النبي ﷺ على تكفير صاحب الكبيرة أنهم قالوا: لدينا أربعة أدله تثبت كفر صاحب المعصية منها: أن النبي ﷺ سماه كافراً، فلم لا نسميه كافراً كما سماه النبي ﷺ ؟ ومنها: أن النبي ﷺ أكد كفر صاحب المعصية، فنزع عنه اسم الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ جزم بأن صاحب المعصية من أصحاب النار. ومنها: تأكيد رسول الله أن صاحب المعصية لا يدخل الجنة. فهذه أربعة من الأدلة التي إذا نظر إليها الغر الذي لا يعرف دقائق العلوم قال: إن هؤلاء القوم عندهم من الكتاب والسنة ما لا يستطيع أحد أن يواجههم به. ونأتي هنا إلى أدلتهم التي استدلوا بها على كفر من فعل المعصية، فحديث النبي ﷺ في الصحيحين قال فيه: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، يعني: أن من رفع السلاح على أخيه، أو أشهره عليه وقاتله، فإنه كافر؛ لتصريح النبي ﷺ بذلك في قوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وآكد من ذلك: قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، قالوا: الفسوق هنا قرين للكفر، محتجين بالآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨٢]، يعني: الكافرون. فالفسوق هنا كفر عندهم، وقالوا: المذكور في الحديث ليس من الصغائر ولا المخالفات فقط بل من الكفر، وكل واحدة أشد من الأخرى، فهذا تصريح من النبي ﷺ بكفر فاعل هذه المعصية. واستدلوا أيضاً بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر، منها: النياحة على الميت)، وفي رواية (الاستسقاء بالنجوم)، وفي رواية أخرى: (الطعن في الأنساب). وقالوا: إن النبي ﷺ سمى هذا الفعل كفراً، وهو اللطم على الخدود، أو النياحة على الميت، أو الطعن في الأنساب. أما الصنف الثاني من أدلتهم: فهو تأكيد رسول الله بأن فاعل المعصية كافر، فنزع عنه اسم الإيمان، وإذا نزع عنه اسم الإيمان فقد حل محل الإيمان الكفر، وذلك في حديث النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أي: أنه لا يزني الزاني حين يزني إلا وهو كافر، فقالوا: وكذلك لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، وغير ذلك من المعاصي. وأيضاً قالوا: إن النبي ﷺ نزع الإيمان عن أكثر من واحد فعل هذه المعاصي، ومن ذلك: قوله ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فإن قلت: إنه ليس بمؤمن فهو كافر -هذا على حد قولهم-، قالوا: وقد سماه أولاً كافراً، وأكد ذلك بأن فاعل المعصية لا يسمى مؤمناً. والصنف الثالث من أدلتهم: أنهم قالوا: لقد جزم النبي ﷺ بدخول فاعل المعصية النار، والأدلة قد صرحت بأنه من أهل النار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، ثم أكد أنه من أهل النار بقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من تحسى سماً فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها)، وقال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها). وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. والصنف الرابع من الأدلة: تأكيد النبي ﷺ بأن فاعل المعصية لا يدخل الجنة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأيضاً قال: (لا يدخل الجنة قتات)، وقال: (لا يدخل الجنة ديوث)، فكل هذه الأحاديث تثبت عدم دخوله الجنة، وهي أدلة متواترة تعضد القول بأن صاحب المعصية يدخل النار ولا يدخل الجنة، وإذا قلنا: إنه يدخل النار ولا يدخل الجنة، فهو خالد مخلد في نار جهنم. فهذه هي أصناف الأدلة الأربعة التي استدل بها هؤلاء على كفر صاحب المعصية كفراً يخرجه من الملة، فيستحق بذلك الخلود في نار جهنم.

стр. 286

مذهب أهل الحق في حكم أهل الكبائر إن أهل السنة والجماعة هم الذين اعتدلوا في هذه المسألة، فهم يأخذون بأدلة كثيرة تدل على أن فاعل المعصية ليس بكافر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، أو أنه خرج من دائرة الإيمان لكنه باقٍ في دائرة الإسلام، وذلك أن مراتب الدين هي: الإسلام والإيمان والإحسان. وأهل الحق عندما يذكرون الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان يقولون: كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن؛ لأن الإسلام أقل مرتبة من الإيمان، فالمسلمون كثر، ولكن أهل الإيمان أقل، فالإيمان أعم من جهة أنه إسلام وزيادة، فيترقى المرء في سلم القرب إلى الله بالإسلام أولاً، ثم بالإيمان، فالذي يسقط عن مرتبة الإيمان لا ينزل إلى الكفر مباشرة؛ لأن هناك مرتبة تحت الإيمان وهي الإسلام، وفوق درجة الإيمان والإسلام درجة الإحسان، والإسلام أعم من جهة أنه يدخل تحته من الناس أكثر مما يدخل تحت الإيمان، فإذا كان المسلمون كثراً، فإن المؤمنين أقل منهم.

стр. 287

أدلة أهل الحق على عدم كفر أصحاب الكبائر إن من نزل عن درجة الإيمان إلى درجة الإسلام لا نقول: إنه كافر بحال من الأحوال، وعندنا في ذلك من الأدلة ما يثبت ذلك، فمنها: الحديث المذكور من أحاديث الشفاعة، وهذه الفوائد من هذه الأحاديث في باب الشفاعة، وقد بينا أن الشفاعة ثابتة لأهل الإيمان، وملغاة عن أهل الكفر، والدليل على أن الشفاعة ملغاة عن أهل الكفر: هو مقدمة أولى لنتيجة مهمة، وهي أن العاصي له شفاعة، فإذا قلت: إن الشفاعة لا تجوز للكافر، وأن النبي ﷺ سيشفع في الزاني وفي السارق، فيلزم من ذلك أن الزاني ليس بكافر، والسارق ليس بكافر. ولكننا نتكلم أولاً عن المقدمة وأدلتها: قال تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال على لسانهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وجاء في سورة البقرة في أكثر من آية قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨]، فالكفرة لا شفاعة لهم، ولا شفاعة تنفعهم، ولكن النبي ﷺ يثبت أن أهل الكبائر تنفعهم الشفاعة، فالمقدمة الأولى: أن الشفاعة ملغاة عن الكفار، والمقدمة الثانية: أن أهل الكبائر لهم شفاعة، وليست ملغاة عنهم، ونتيجة المقدمتين: أن أهل المعاصي من أهل القبلة مؤمنون وليسوا من الكفار. وأول دليل في ذلك: قول النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، ووجه الدلالة في الحديث أمران: الأمر الأول: قول النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر)، إذ سماهم: أهل الكبائر، وجعل لهم الشفاعة، والثاني قوله: (من أمتي)، فجعلهم من أمة الإسلام، وأنا أقول ذلك؛ لأنه جاء حديث في مسند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (ما من أمة إلا وفيهم أهل الجنة، وأهل النار)، أو قال: (ما من أمة إلا وبعضهم في الجنة، وبعضهم في النار)، أي: أن بعضهم اتبعوا الرسل، وبعضهم كفروا بالرسل، ونهاية الحديث: (ما من أمة إلا وبعضهم في الجنة، وبعضهم في النار، إلا أمتي فكلهم في الجنة)، وهذا الإشكال في حديث صحيح عن النبي ﷺ ويحتاج إلى حل، إذ أن معناه: أن كل أمته في الجنة؛ لعموم قوله: (أمتي) والجواب أن المقصود بقوله: (أمتي) هنا: أمة التوحيد الذين أجابوا رسول الله ﷺ ، فقد يكون هناك من اسمه مسلم، ولكنه من الكفر بمكان، فهذا ليس من أمة محمد حقيقة، وإن أكل مع المسلمين، وتزوج من المسلمين، وإن ورث المسلمين، لكنه ليس من أهل الإسلام حقيقة، فقول النبي ﷺ (وأمتي كلهم في الجنة)، يعني: الذين استجابوا لي، فهم من أهل الجنة. وهذا يعضد القول بأن الشفاعة تقع لأهل الكبائر، وأن أهل الكبائر ليسوا من الكافرين. ومن الأدلة على ذلك أيضاً: إخبار الله جل في علاه أن كل ذنب كائن من سرقة، أو كذب، أو ربا، أو عقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر، فكله تحت مشيئة الله، وأن الله قد يغفره إلا الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، ثم قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فما دون الشرك من كل الذنوب والكبائر فهو تحت مشيئة الله جل في علاه. وكذلك: إن أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ الذين قالوا لا إله إلا الله، وهناك أدلة كثيرة جداً تثبت أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه من أهل الجنة، إما من أول وهلة، وإما أن يعذب ثم يدخل الجنة، وفي ذلك قال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة، ولو كان يوماً من الدهر). وقال النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، وقال ﷺ : (من قال لا إله الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، وقال النبي ﷺ أيضاً: (من قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، دخل الجنة على ما كان من عمل)، أي: على أي عمل أتى به؛ لأنه أتى بالتوحيد، فهذه الأدلة قاضية بأن من أتى بالتوحيد ولو كان من أهل الكبائر، فإنه من أهل الجنة، وإن كان مآله الأول إلى النار فإن آخر مآله هو الجنة. ومن الأدلة التي تثبت أن أهل الكبائر ليسوا من الكفار: تنصيص النبي ﷺ على أن من أهل الكبائر من يكون من أهل الجنة، وذلك في حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (بشرني جبريل ﵇ فقال: يا محمد! من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، فتعجب أبو ذر فقال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق). ومعلوم أن الزنا والسرقة كبيرتان، لكن النص يؤكد هنا أن المرء وإن زنى وإن سرق فهو من أهل الجنة، وفي الحديث: (قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي ذر). فهذا فيه دلالة صريحة على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة رغم أنف من يقول بغير ذلك، وهذه البشارة من جبريل ﵇ إنما هي وحي من ربه جل في علاه. ثم قد جاء أن فعل السيئات غفرانها داخل في المشيئة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة:١٠٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]، إذاً: هم في مشيئة الله جل في علاه. وفي حديث عبادة في الصحيحين قال: (بايعنا النبي ﷺ على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ولا تسرقوا، ثم قال: فمن ارتكب من ذلك شيئاً فعوقب به، فهو كفارة له، وإن ستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له). فأهل الكبائر تحت مشيئة الله، ورحمة الله قد سبقت غضبه، فهم إلى رحمة الله أقرب منهم إلى عقابه جل في علاه، وهذا يستدل به على أن الحدود كفارات، وذلك أن النبي ﷺ قال: (فعوقب به فهو كفارة له) أي: من عوقب على الزنا، أو على السرقة، بأن جلد مائة جلدة، أو قطعت يده بالسرقة، فهذه الحدود كفارة له، وفي هذا دلالة على أن فاعل الكبيرة ليس بكافر، ووجه الدلالة: أن الكفر لا كفارة له، ولا شيء يكفره أبداً، بل لا بد على صاحبه أن يتوب من الكفر، فإذا رأينا أن الله قد جعل للرجل كفارة للمعصية، فإننا نعلم بذلك أن تلك المعصية ليست بكفر، وأن صاحبها ليس بكافر. والذي يوضح لنا هذا جلياً حديثان: الحديث الأول: حديث المرأة الغامدية التي زنت، فقد جاءت إلى رسول الله وقالت: (يا رسول الله! طهرني، فإني حبلى من الزنا، فأرجعها النبي ﷺ حتى تلد، ثم أرجعها حتى ترضع، وبعد أن انتهت من الرضاعة أخذها النبي ﷺ فأقام عليها الحد، فكان خالد يرميها بالحجر، فتناثرت الدماء على ثوبه فقال: لعنة الله عليك، أو سبها، فقال النبي ﷺ : لا تسبها، فإنها قد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم). وفي هذه القصة دلالة على أنها كانت عاصية بزناها، وأن الرجم كان لها كفارة، فليست بكافرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس -يعني: صاحب ربا- لقبلت منه)، وهذه دلالة على عظم إثم صاحب المكس. الحديث الثاني: حديث الغامدي: (عندما جاء إلى النبي ﷺ واعترف بالزنا، فرجمه صحابة رسول الله ﷺ ، وعندما قال: لا ترجموني وخذوني إلى رسول الله ﷺ ، وكأنه يريد أن يرجع عن قوله، فألقموه الحجارة حتى قتل ﵁ وأرضاه، فقال النبي ﷺ : لو تركتموه لتاب وتاب الله عليه)، ثم بعد ذلك بين النبي ﷺ أنه في أنهار الجنة يسبح فيها، مع أنه قد فعل كبيرة وهي الزنا؛ وذلك لأن القتل أو الرجم حتى الموت قد نحى عنه هذا الزنا، فلا يسأل عنه أمام ربه جل في علاه. وهذه دلالة قاطعة دامغة على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، وأنه من أهل الإيمان، لكنه مؤمن ناقص الإيمان، وهو في دائرة الإسلام لا في دائرة الإيمان، فإذا اعتقدنا هذا الاعتقاد الصحيح وجب علينا أن نرد على الشبه التي قالها أهل الضلالة من الخوارج والمعتزلة.

стр. 288

الرد على أدلة المعتزلة والخوارج الخوارج سموا صاحب الكبيرة كافراً، وأما المعتزلة فأجبن من الخوارج إذ خافوا من اتهام أهل الإيمان بالكفر، فيجهز عليهم بسبب تكفيرهم لهم، فقالوا: صاحب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن، بل هو في منزلة بين المنزلتين. وإن قيل لهم: أين هو في الآخرة؟ قالوا: في النار خالداً مخلداً فيها، فيقال لهم: إذاً: قولكم هذا هو قول الخوارج. فنحن قلنا: إن صاحب الكبيرة لا يكفر بحال من الأحوال إلا من قتل نبياً، فهذه المسألة فيها كلام آخر عند العلماء. فلو أتى الرجل بأكبر الكبائر دون الشرك فهو ليس بكافر، وعلى ذلك نرد على هؤلاء الذين ابتدعوا هذه البدعة الشديدة، فإن كلامهم قد يشوش على العقل الذي لا يعلم الأدلة، ويجعل صاحبه في حيرة من أمره، وأدلتهم كما سبق هي عدة أحاديث منها: حديث: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر، وذكر منها: النياحة على الميت)، وحديث: (لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)، وحديث: (ليس منا من لطم الخدود)، وحديث: (من غشنا فليس منا)، وحديث: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين). فأما الحديث الأول: فقد سمى النبي ﷺ فعل الكبيرة كفراً، والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن كل كفر جاء نكرة فالمقصود به كفر دون كفر، وهذا ثبت بالاستقراء والتتبع، فإن أبى علينا أهل البدعة والضلالة وقالوا: الأصل في الكفر هو الكفر الأكبر، فنقول: تعالوا لننظر هل هناك قرائن صرفت هذا الكفر الأكبر أم لا؟ وعندها نظهر لهم القرائن الكثيرة التي دلتنا على عدم إرادة الكفر الأكبر، فحديث النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وما حدث بين علي ومعاوية: هي فتنة ظهرت، فقال الخوارج: هؤلاء كفرة؛ لأنهم حكموا الرجال وما حكموا الله جل في علاه، فهل معاوية وعلي ينطبق عليهم هذا الحديث؟ الجواب لا؛ بدون أي شك، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، ولم يقل: وإن طائفتان من الكفار، بل سماهم مؤمنين، فسمى الطائفة الأولى طائفة مؤمنة، وسمى الطائفة الثانية طائفة مؤمنة، فقول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً)، يعني: كفراً دون كفر؛ لأن الله جل وعلا قد سماهم في القرآن مؤمنين. وكذلك حديث النبي ﷺ أثبت صرف الكفر إلى الكفر الأصغر، وذلك الحديث هو: قول النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين)، والابن المراد هنا: هو الحسن بن علي، وسماهم مسلمين، والنبي ﷺ هو نفسه الذي قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وسماهم كفاراً في هذا الحديث، وفي الحديث الآخر سماهم بالمؤمنين، فهذه دلالة على أن الكفر هنا غير مراد به الكفر الأكبر، ولكنه الكفر الأصغر فهو معصية وكبيرة ولا يصل إلى الكفر، ولو أتينا بهذا مع قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، فيكون المراد: الكفر الأصغر، وليس الكفر الأكبر. إذاً: فقد سمى الله المتقاتلين مؤمنين، فكيف نكفرهم نحن؟ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. وأما استدلالهم بأن النبي ﷺ تبرأ من فاعل المعصية، والتبرؤ لا يكون إلا من الكفار، وذلك حيث قال: (من غشنا فليس منا)، وقال: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين). فالرد على هؤلاء أن نقول: إن البراءة براءتان: براءة مطلقة، وبراءة مقيدة، فالبراءة المطلقة: تكون من الكفر، والنبي ﷺ لا يتبرأ من أحد مطلقاً إلا إذا كان كافراً كما قال النبي ﷺ : (لا تراءى نارهما)، يعني: الكافر والمسلم. وأما البراءة المقيدة: فإنها تكون براءة من عمل هذا الفعل، لكن صاحب العمل ليس بكافر، وإن كنا نبغض هذا العمل منه، ودليل ذلك من الكتاب والسنة، أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦]، والبراءة هنا من العمل وليست من نفس الشخص المسلم، وأيضاً: عندما قتل خالد الذين قالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقال النبي ﷺ : (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)، ولم يقل: أبرأ إليك من خالد، بل برئ من عمل خالد؛ لأن خالداً اجتهد وقال: هم قالوا: صبأنا، وما أسلموا، فقتلهم خالد، فقال النبي ﷺ : (اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد). فالبراءة هنا براءة مقيدة، وليست براءة مطلقة، يعني: أن البراءة من شخص براءة مقيدة لا تدل على أنه كافر حتى وإن أتى بالمعصية، فإننا نتبرأ من هذه المعصية، وقد نحب المرء ونبغضه، أي: نحب المرء لتوحيده ولإسلامه، ولطاعته ولصلاته ولزكاته، ونبغضه لزناه ولشربه الخمر، ونبغضه لفجره، ونبغضه لفعله الفاحشة، فقد نبغضه من وجه، ونحبه من وجه آخر، فالبراءة منه هنا تكون براءة مقيدة بالعمل فقط، وليست براءة كلية مطلقة. أما قول النبي ﷺ : (ثنتان من أمتي هما بهم كفر، فذكر النياحة على الميت) فالمراد هنا بالكفر: كفر دون كفر؛ لأن النائحة اللاطمة على وجهها ليست بكافرة، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ وضح أنه في عرصات القيامة تأتي النائحة ثم ينظر سبيلها إلى الجنة أو إلى النار، والكافر لا ينظر سبيله إلى الجنة أو إلى النار، بل سبيل الكافر إلى النار خالداً مخلداً فيها، فهذه دلالة من النبي ﷺ على أن الأحاديث التي قالها واستدل بها المبتدعة محتملة، وقد فسرها النبي ﷺ في أحاديث أخرى، فنرد المشتبه أو المحتمل إلى المقطوع به، فيدلنا ذلك على أن كل مؤمن وحد وقال: لا إله إلا الله، وسجد لله سجدة، فإنه لا يكفر بحال من الأحوال، ولو أتى بكل الكبائر، بل هو عاصٍ، وحكمه تحت المشيئة، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه الله جل وعلا فإنما يعذبه بهذه المعصية حتى يصير حمماً، ثم يلقى في نهر الحياة، وبعد ذلك يدخل الجنة خالداً مخلداً فيها، فهذه أول الفوائد من هذا الحديث.

стр. 289

رحمة النبي ﷺ لأمته الفائدة الثانية من فوائد أحاديث الشفاعة هي: في قوله ﷺ : (اختبأت دعوتي؛ شفاعة لأمتي)، يعني: اختبأ النبي ﷺ دعوته شفاعة للأمة، فما من نبي إلا ودعا على قومه أن يهلكهم الله جل في علاه بعدما عصوا وعتوا عن أمره، ولكن رسول الله ﷺ اختبأ دعوته؛ شفاعة لأمته، وهذا يدل على رحمة النبي ﷺ بأمته، فإنه ﷺ رحمة مهداة، وما بعثه الله جل وعلا إلا رحمة للعالمين، وللكافرين قبل المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ورحمة النبي ﷺ ظاهرة في شرعه ﷺ ، فقد أتى رسول الله ﷺ ؛ ليعرف الأمم بأسرها بربها جل في علاه، ويهديهم الطريق القويم والصراط المستقيم؛ حتى يصلوا إلى ربهم جل وعلا بسلام، وألا تلفحهم نار جهنم.

стр. 290

رحمة الرسول ﷺ بالكفار إن من أروع ما يظهر رحمة النبي ﷺ بأهل الكفر: أن النبي ﷺ بعد أن أرادوا قتله، وشردوه وتكالبوا عليه، وذهب إلى بني عبد ياليل يطلب منهم أن يدخلوا تحت راية الإسلام، وأنه الرسول إليهم من الله، ردوه رداً مقيتاً، فعاد رسول الله ﷺ مهموماً هماً شديداً، فبعث الله إليه تسلية له ملكاً يستأذنه في تعذيب أعدائه، وهو ملك الأخشبين، ملك الجبال فقال: (يا محمد! إن الله أمرني أن أأتمر بأمرك، ولو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت). فانظروا إلى رحمة النبي ﷺ بأهل الكفر، وذلك أنه قال لملك الجبال: (لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، أو من يوحد الله جل في علاه). وأروع من ذلك: عندما مكن الله جل وعلا لرسوله من رقاب أهل الكفر جميعاً، حين دخل مكة متواضعاً مطأطأً رأسه؛ إرضاء لله جل في علاه، وذلك أنه دخل مكة فاتحاً، فقاموا جميعاً في صعيد واحد، فقال لهم النبي ﷺ : (ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال النبي ﷺ : اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وذلك رحمة من رسول الله ﷺ بأهل الكفر. وكذلك ورد أنه جاءه بعض المسلمين وقالوا: (يا رسول الله! ألا تدعو على المشركين؟ فقال: ما بعثت لعاناً، ولكني بعثت رحمة)، فأبى أن يدعو على المشركين رحمة منه ﷺ ، وهذا حديث صحيح.

стр. 291

رحمته ﷺ بالمؤمنين إن رحمة النبي ﷺ بأهل الإيمان بلغت مبلغها، وأروع ما يضرب في ذلك: شفاعة النبي ﷺ لهم، فإنه ترك دعوة مستجابة واختبأها لأمته، ولذلك فهو يقول يوم القيامة: (أمتي أمتي)، يبكي فيأتيه جبريل مبشراً ويقول: (إن الله يقول: يا محمد! إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك). ومن شفقة النبي ﷺ بهذه الأمة: أنه كان إذا وجد الأمر الشديد ينزل بهذه الأمة يقول: (أبشروا أنتم ثلث أهل الجنة)، ثم قال: (أبشروا أنتم ثلثي أهل الجنة)، حتى كبر عمر ﵁ وأرضاه، فقال له النبي ﷺ مبشراً زيادة بأن الله سيحثو حثوات بيده فيدخلهم الجنة، فكبر عمر ﵁ وأرضاه، وكبر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ومن رحمة النبي بأمته: تذلله وتضرعه وخضوعه لله إذ يقول: (أمتي أمتي)، بأبي هو وأمي ﷺ . وقد ظهرت رحمته بالجاهل قبل المتعلم: فهذا الرجل الذي قام يبول في ناحية المسجد، والمسجد يذكر فيه الله جل في علاه، ويذكر فيه حديث النبي ﷺ ، ويصلى فيه لله، ولكن هذا الأعرابي بال أمام الناس في المسجد، كاشفاً عن عورته، فقام الصحابة وأرادوا أن يفتكوا به، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه)، وهذا هو وجه الشاهد في رحمة النبي ﷺ ، فهذا الرجل يبول وتنتشر نجاسته في المسجد، ومع ذلك النبي ﷺ يقول: (لا تزرموه)، أي: لا تقطعوا عليه بوله، ثم علمه النبي ﷺ أن هذه المساجد ما بنيت إلا لذكر الله، فقال الرجل بعدما رأى النبي ﷺ لم ينهره: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال له النبي ﷺ : لقد حجرت واسعاً). ومن رحمة النبي ﷺ بهذه الأمة: (أن الأعرابي جاء إلى النبي ﷺ ، وأخذ بمجامع ثوبه حتى أثر في صفحة عنق النبي ﷺ وقال: أعطني، ليس من مالك ولا من مال أبيك)، يقول ذلك للنبي ﷺ بكل شدة وجفاء، والنبي ﷺ يبتسم له، ويأمر له بعطاء، فيقول للناس: أنا كالذي يربي الإبل ويعرف كيف يسيرها في معنى قوله ﷺ . وقد جاءه رجل يريد عطية، فقال النبي ﷺ : (إذا أعطيتك ورضيت فقل: رضيت)، لأنه تكلم مع النبي ﷺ بشدة وبغلظة، وكاد الصحابة أن يفتكوا به، فأعطاه النبي ﷺ وقال: (أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إن أصحابي ينظرون إليك نظرة أخرى)، أو كما قال النبي ﷺ ، وقال له: (سأقوم في الناس، وأقول لك أرضيت؟ فقل: رضيت)، يعني: حتى لا ينتهره الصحابة رضوان الله عليهم فقال: رضيت، فقام النبي ﷺ فقال للرجل: (أرضيت؟ قال: ما رضيت -أمام الصحابة- ومع ذلك رحمه النبي ﷺ ، فأخذه النبي ﷺ وأعطاه مرة ثانية وثالثة وبعد أن أعطاه قال: أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إذا قلت لك أمام أصحابي: رضيت تقول رضيت؟ قال: نعم، فقام أصحابه فقال: أعطيت الرجل فرضي، أرضيت؟ فقال: رضيت، فسكت الصحابة عنه). ومن أروع ما يدل على رحمته: قوله الذي يستحق أن يكتب بماء الذهب: (اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وكلما سجد قال: يا رب! أمتي أمتي)، حتى إن الله جل وعلا بعث له من يبشره ويسليه ويقول له: (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، هذه آخر فائدة من هذا الحديث العظيم، وهو حديث الشفاعة، أسأل الله جل في علاه أن يديم علينا هذا الخير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 292

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - عذاب القبر عذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وإثباتهما يتضمن إثبات حياة برزخية تختلف عن الحياة في الدنيا، وفيها يحصل النعيم أو العذاب، وقد أنكر بعض المبتدعة كالجهمية وغيرهم ذلك وبشبه واهية ضعيفة تخالف الكتاب والسنة وما أجمع عليه المسلمون.

стр. 293

بعض الشبه التي يوردها منكرو حياة البرزخ وعذاب القبر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ختم المؤلف ﵀ الكتاب بمسألتين: المسالة الأولى: شبهه من شبهات أهل البدع والضلالة وهم الجهمية وغيرهم في مسألة إحياء الموتى في القبور وسؤال القبر. فقد سبق الكلام عن عذاب القبر، مع الأدلة التي تثبت ذلك، ولكن أهل البدعة والضلالة من الجهمية وغيرهم ينكرون عذاب القبر، ثم يشوشون على أهل السنة والجماعة ببعض الشبه التي تثبت أنه لا إحياء ولا سؤال في القبر، فيستدلون بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]. ووجه الدلالة من هذه الآية: مفهوم المخالفة، فقوله الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، منه أن قبل الخلق موت، ثم بعد الخلق إحياء، فالموت الأول في قوله: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، ثم إحياء وهو الخلق، ثم الموت عندما يأتي أجل الإنسان، وهذا هو الموت الثاني، ثم الإحياء يوم البعث، يقولون: بأن الموتة الأولى العدم، والإحياء الأول الخلق، ثم الموتة الثانية عند قضاء الأجل، ثم الإحياء الثاني يوم البعث، فيتحقق قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]. فلا إحياء ثالث في القبر، إذ لو قلنا: بأن هناك إحياء في القبر فسيكون هناك إحياء ثالث، ثم بعده موت، وهذا مخالف للآية. فهذه الشبهة التي أوردها المؤلف عن الجهمية في كتابه. وهناك بعض الشبه الأخرى التي قال بها أهل الضلالة والبدعة، فقالوا: من الأدلة على أنه لا سؤال ولا إحياء في القبر: قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]. فقالوا: هذه الموتة فقط هي التي ذكرها الله جل في علاه، فإذا دخل الجنة فلن يموت موتة أخرى، فلو قلنا بإحيائه في القبر، ثم سؤاله، ثم بالإماتة، كان هناك موتة ثانية، وهذه مخالفة أيضاً للآية، وهذه أدلتهم من السمع. أما من النظر فقالوا: رأينا الميت المقبور أمامنا لا نسمع له صوتاً من الألم ولا نرى تعذيباً يقع عليه. والأمر الثاني: أن أصحاب القبور منهم من يتمتع في نعيم الجنة، والآخر الذي بجانبه يعذب ويتألم من العذاب، ولا يأتي شيء من نعيم صاحب النعيم لصاحب العذاب، وهذا لا يعقل.

стр. 294

الرد على القائلين بأنه لا إحياء ولا سؤال في القبر أولاً: استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]. استدلال بالمفهوم، المفهوم مطروح غير معمول به، وإن كان مفهوم العدد عند علماء الأصول مختلف فيه، والراجح أنه يعمل بمفهوم العدد. قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ومفهوم المخالفة هنا أنه لا يجوز الزيادة على مائة جلدة، فنقول: هذا المفهوم غير معمول به، فقول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] لا يعني أنه لن يكون هناك أكثر من حياتين أو قوتين، فإن الله قد أمات أقواماً أكثر من مرتين، وأحياهم أكثر من اثنتين، ومنهم الذي مر على القرية وذكره الله في قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، فأماته الله قبل أن يأتيه الأجل وأحياه مرة ثانية. أيضاً صاحب البقرة الذي كان في بني إسرائيل عندما قتل عمه ليرثه، ثم أخذه وطرحه على مشرفة القرية، وقال: قتلوا عمي وأريد الدية، فالله جل في علاه حتى يبين لهم آية من الآيات أمرهم أن يأتوا ببقرة، فقال: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣] فأحياه الله جل وعلا أكثر من مرة. وأيضاً بنو إسرائيل أنفسهم قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]. وأيضاً أصحاب الكهف أماتهم الله ثلاثمائة عام: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]. وكثير من هذه الأقوام وهذه الطوائف قد أماتهم الله جل في علاه. بل إن بني إسرائيل أمرهم موسى أن يقتل كل واحد منهم أخاه حتى يرضي الله جل وعلا عنهم حيث قال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، ثم بعد ذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦]، فهذه أيضاً موت وإحياء، وفيها دلالة على أن هناك طوائف وأقواماً أماتهم الله أكثر من مرة وأحياهم أكثر من مرة، فمفهوم المخالفة هنا غير معمول به. والرد الثاني: أن المقصود بقوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] أنه بعد الخلق، فبعد الخلق الموتة الأولى وهي موتة الأجل، والموتة الثانية بعد الإحياء من القبر، ويكون الإحياء الأول في القبر والإحياء الثاني عند البعث، فتؤول الآية بذلك حتى لا يشوش علينا أهل البدع والضلالة، ويثبت لنا أن الله يحيي المقبور، ثم يسأله، ثم بعد ذلك يتنعم أو يعذب. أما الشبهة الثانية: قالوا: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]. ونقول: هذه تأويلها أنه لا يتذوق الموت الذي هو كموت الدنيا إلا في الدنيا فقط أما في غيرها فلا؛ لأن الحياة البرزخية التي هي أول منازل الآخرة تغاير حياة الدنيا، ولا يصح قياس حياة الآخرة على حياة الدنيا، ولا اتفاق بين الحياة البرزخية وبين الحياة الدنيوية. وأيضاً يمكن أن يقال لهم: إن الموت الذي يحدث في القبر ليس بموت، بل هو نوم، والدليل على ذلك أن الآثار صحت بأن الميت بعدما يبشر بالجنة يقول: رب! أقم الساعة رب! أقم الساعة، فيقال: نم كنوم العروس)، فيكون هذا تأويل على أنها نومة إذا تنزلنا في ذلك، لكن الإجابة الأولى هي الأقوى. أما من ناحية النظر، فإذا قالوا: إن المقبور يتألم، وما نراه يتألم، ولا نراه يعذب، ولا نرى مطرقة على رأسه، ولا نرى الحيات التي تزعمون وتقولون. نقول: هذه بالنسبة لله جل في علاه أيسر ما تكون، فهو إن أراد شيئاً قال له: كن فيكون. وقبل أن نتكلم عن الحياة البرزخية نذكر شيئاً في الواقع المشاهد، فأحد الصحابة عاهد الله بصدق قلب -وقد كشف الله عن قلبه فوجده صادقاً- ألا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك، فلما قتل في المعركة، حماه الله من أن يمسه مشرك؛ لأنه صدق الله فصدقه الله. والقرطبي كان يؤمن جداً بقول النبي ﷺ : (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ويعلم أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، ومرة ذهب العسكر للقرطبي يطلبونه، فلما قال هذا الذكر قال: والله! قد مروا أمامي ولم يروني، وهذا بقدرة الله جل في علاه. والصحابي الجليل الذي أراد أن يتزوج عناق وكانت بغياً، وكان يخادنها قبل أن يسلم، فلما أسلم ورأته راودته عن نفسه، فذهب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أريد أن أتزوج عناقاً، فأنزل الله جل في علاه: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣]، إلى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، فلما لم يتزوجها أخبرت المشركين أنه من جند رسول الله ﷺ . قال: فقام القوم يبحثون عني، فوقفوا عند رأسي وجعل بولهم يأتي على رأسي ولم يروني. فهذا واقع مشاهد، والله جل وعلا يعمي أبصارهم كما أعمى بصيرتهم فلم يروا هذا العبد، فما بالكم في أمر الآخرة؟! فأمر الآخرة لا يقاس عليه أمر الدنيا، والله جل وعلا يخفي عن الناس أمر العذاب وهو يعذب، ولو أن العباد رأوا هذا العذاب لانتهى الأمر، ولأصبح لا يوجد فرق بين الخبيث ولا الطيب فكل سيؤمن، والمكذبون حين يرون العذاب يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧]، وقد بين الله جل وعلا أن أرقى الإيمان هو الإيمان بالغيب، والله يقيناً سيعذب، فأنت تعلم أن ربك يحيي ويميت يقيناً. والمقصود: نحن نؤمن بالغيب ونقول: إذا ثبت بالطريق الصحيح وبالسند الصحيح عن النبي ﷺ فنحن نسلم لذلك ونقول: سمعنا وأطعنا، وهذا الإيمان بالغيب يفرق بين عبد وبين آخر، وكلما ازداد إيمان العبد بالغيب ازداد يقينه في الله وارتقى عند ربه جل وعلا، وكلما قل كلما قل اليقين في الله، والإنسان يتعامل مع ربه بضعف يقين أو بقوة يقين، ونسأل الله جل وعلا أن يقوي يقيننا فيه جل في علاه. وأيضاً لما قالوا: إن الرجل في القبر يعذب والآخر بجانبه يتنعم وهذا لا يعقل. نقول: هذا يعقل في أمر الدنيا فما بالكم في أمر الآخرة؟! أما في أمر الدنيا: فإن الرجل ينام وبجانبه آخر، فيرزقه الله برؤية صالحة من المبشرات، والآخر يأتي الشيطان يحزنه، فالأول: يرى أنه يعانق الحور العين، ويأكل من ثمر الجنة، ويسبح في أنهار الجنة، بينما الثاني: يرى في منامه أن الشيطان يضربه، وأنه يقتل ويقطع، والألم يأتيه من كل مكان، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، وهل هذا يشوش على هذا؟! أبداً والله! فمن باب أولى أن يكون هذا مقراً في مسألة الآخرة. فهذه الردود التي يرد بها على أهل البدعة والضلالة الذين أنكروا عذاب القبر.

стр. 295

الأدلة التي تثبت عذاب القبر

стр. 296

الأدلة من الكتاب على ثبوت عذاب القبر وحتى أنهي هذه المسألة: إن عذاب القبر والإحياء في القبر وسؤال القبر ثابت -ثبوت الجبال الرواسي لا شك في ذلك بحال من الأحوال- من الكتاب ومن السنة وإجماع أهل السنة. أما من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]. فالعذاب الأدنى فسره جمهرة من المفسرين فقالوا: هو عذاب القبر. الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أولت (في الآخرة) أنها أول منازلها وهي: القبر، أي: الثبات في القبر، فيثبت الله جل وعلا العبد ليقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ ، وديني الإسلام. الآية الثالثة -وهي فاصلة في النزاع- التي تثبت عذاب القبر والإحياء والإماتة والنعيم والعذاب في القبر، قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: في القبر؛ لأنه بعد ذلك ذكر المآل فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، إذاً: قبل أن تقوم الساعة هم في الحياة البرزخية يعرضون على النار غدواً وعشياً، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 297

الأدلة من السنة على ثبوت عذاب القبر أما في السنة ففي الصحيحين هناك حديث متفق عليه وهذا من أعلى درجات الصحة، وهو ما جاء عن ابن عباس ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير). وهذه دلالة صريحة على أن التعذيب يحدث في القبر، وسمعه النبي ﷺ ، والحديث المفسر الآخر أن رسول الله ﷺ قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر)، يعني: ستمتنعون عن دفن موتاكم لو سمعتم عذاب القبر. فهذه دلالة واضحة جداً على أن في القبر عذاباً ونعيماً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 298

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - موضع العرش والكلام عليه من الصفات الفعلية لله صفة الاستواء على العرش، فالله مستو على عرشه بائن عن خلقه محيط بهم، والإيمان باستواء الله على عرشه يلزم منه الإيمان بأن لله عرشاً يستوي عليه، وأن عرشه تعالى كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض وبعد خلقهن صار العرش فوق السماء.

стр. 299

الكلام على عرش الرحمن والاستواء عليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: المسألة الأخيرة التي ختم بها المصنف كلامه: وهي عرش الرحمن. فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبية الله، والإيمان بإلهية الله، والإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ومن ضمن الإيمان بصفات الله جل في علاه: أن تؤمن بصفات الله الفعلية، ومن صفات الله الفعلية الاستواء على العرش، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فإذا آمنت بأن الله استوى على عرشه فلا بد لزاماً أن تؤمن بأن هناك مخلوقاً اسمه العرش، فالله جل وعلا خلق العرش، وذكره في غير ما موضع من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩]، وقال جل في علاه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وقال جل في علاه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]. وأيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (لا إله إلا الله رب العرش العظيم). فهذا العرش عظيم معظم مكرم ممجد عند الله جل في علاه، وتمجيد هذا العرش وتعظيم هذا العرش بأن الله استوى عليه، وكفى بالعرش شرفاً أن الله استوى عليه، فهو جسم مجسم.

стр. 300

معنى العرش وبيان عظمته معنى العرش: هو سرير الملك، وهو جسم مجسم له قوائم، لكن لا يعلم عظم خلقه ولا كيفية خلق العرش إلا الله جل في علاه. أما الدلالة على قوائم العرش فالحديث الذي في الصحيح وهو أن النبي ﷺ عندما يبعث الناس قال: (فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش). وخلق العرش عظيم كما قلت، كيف لا وقد أحاط بكل السماوات والأرض، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقد ورد في الآثار بأسانيد صحيحة: (أن السماوات وما فيهن والأرضين وما فيهن بالنسبة للكرسي كحلقات في ترس)، وهذا الكرسي فقط، وابن عباس يقول: الكرسي موضع القدمين، وجنة الفردوس سقفها عرش الرحمن، فلك أن تتخيل عظم خلق العرش عندما يقول النبي ﷺ : (أن السماوات والأرضين وما فيهن بالنسبة للكرسي كحلقات في ترس)، والكرسي هو موضع القدمين كما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه. وأيضاً لك أن تتصور عظم خلق العرش لقول النبي ﷺ في الصحيح: (إن الله أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، فكيف بطوله؟! وكيف برجله؟! وكيف بيده؟! وهو يحمل العرش يسبح لله جل في علاه. ويروى في بعض الإسرائيليات -التي ينظر في أسانيدها والتي تقال للترقيق- أن حملة العرش بعدما يأتي يوم القيامة ينظرون إلى عظمة الله فيبكون ويقولون: ما عبدت حق عبادتك، جل في علاه، هو الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل، وحتى القليل من العمل لا يكون إلا منه، وما من شيء فيه خير للعبد إلا هو من الله جل في علاه. والمقصود: أن العرش عظيم وعظم خلق العرش لا يقدر قدره إلا ربنا جل في علاه.

стр. 301

بيان مكان العرش العرش له حالتان: الحالة الأولى: قبل الخلق، والحالة الثانية: بعد الخلق. فالعرش قبل الخلق كان على الماء، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] يعني: العرش كان قبل خلق السماوات والأرض على الماء، ويفسر لنا ذلك رسول الله ﷺ -لأن السنة مبينة لمجملات القرآن مفسرة له- وهو يقول: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء)، فالله جل في علاه كان ولم يكن شيء مع الله جل في علاه، وكان عرشه على الماء، ثم استوى الله جل وعلا إلى السماء فسواهن سبع سماوات. فكان الله جل وعلا ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، فاستوى الله جل وعلا إلى السماء بعدما كان العرش على الماء فسواهن سبع سماوات، ثم بعد ذلك أصبح العرش فوق السماء. وفي الصحيح عن ابن مسعود بسند صحيح وهو في حكم المرفوع أنه قال: (بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء -وهذه اللفظة فيها كلام- مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه).

стр. 302

فضائل العرش والعرش له فضائل كثيرة في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فهو يحب المؤمنين، وفي هذا رد على أهل البدعة والضلالة وأهل التأويل الذين يقولون: إن هذه جمادات لا تشعر وليس لها ذلك، ولا بد أن تؤول، فيؤولون قول النبي ﷺ : (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه) يقولون: المقصود به أهل الجبل، يقولون: وهو كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، قالوا: اسأل أهل القرية، فإن الجدران لا تنطق. والصحيح أن الجبل يحب، فقد كان يحب رسول الله ﷺ ، ويحب صحابة رسول الله ﷺ ، والأرض نفسها تبغض أهل المعاصي وتنقم على أهل المعاصي، وما من شيء إلا ويشكو من ابن آدم ومعاصي ابن آدم. فالجمادات لها شعور ولها إحساس ولها عبادات، كيف لا وقد صرح الله بذلك، وكيف أرد على ربي قوله، وهو يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]. ولقد ورد بسند بصحيح عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام فكانوا يأكلون ويسمعون تسبيح الطعام. ورسول الله ﷺ كان يتكئ على جذع أثناء خطبته، ثم بعدما بني له المنبر كان النبي ﷺ يخطب عليه، فحن الجذع إلى رسول الله وسمعوا له أنيناً من شدة الحزن، وما سكت الجذع حتى نزل النبي ﷺ عن المنبر ووضع يده الشريفة عليه. وموسى ﵇ عندما اغتسل وكانوا قد اتهموه بأنه آدر، وأراد الله جل وعلا أن يبين أنه ليس به مرض، فقام الحجر فأخذ ثوب موسى وفر به وموسى يجري خلفه يضربه. وكان الشجر يسلم على رسول الله ﷺ بمكة. وفي الصحيح وفي سنن ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (إن العرش قد اهتز لجنازة سعد) وفي بعض الروايات: (اهتز العرش فرحاً بقدوم سعد). فقال الذين يؤولون -ونقل ذلك البيهقي غفر الله لنا وله-: إن المقصود: اهتز حملة العرش فرحاً بقدوم روح سعد، والصحيح الراجح أن العرش هو الذي اهتز؛ لأن هذا هو قول النبي ﷺ ، وليس لنا أن نقدر تقادير أو نقول أن هذا مؤول إلا بقرينة، ولا قرينة هنا. فمن فضائل العرش أنه يحب المؤمنين ويعتز بالمؤمنين، واهتز لـ سعد سيد الأنصار، وسعد هذا هو الذي قال لرسول الله ﷺ : (كأنك تومئ إلينا يا رسول الله! قال: اللهم نعم، فقال: يا رسول الله! أحبب من شئت وابغض من شئت، وصل حبل من شئت واترك من شئت، والله لو خضت البحر لخضناه معك). وسعد بن معاذ هو الفقيه الأريب اللبيب صاحب المكانة عند الله جل في علاه، وهو الذي قال: اللهم! لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وذلك لما نقضوا العهد مع المسلمين في غزوة الأحزاب، فلما أقسم هذا البار على الله أبر الله قسمه وما أماته حتى حكمه فيهم، وقال النبي ﷺ : (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)، ولما أتي به في مرضه ووضع بين يدي النبي ﷺ به فقال له النبي: (إن القوم رضوا بحكمك عليهم، فنظر إلى اليهود فقال: أترضون بذلك؟ قالوا: نعم، أخ كريم، فأشار إلى ناحية رسول الله وطرفه لم ينظر إلى وجه رسول الله ﷺ -وهذا من الأدب مع رسول الله ﷺ وقال: أترضون بذلك؟ قال رسول الله: نعم، فقال: الرجال يقتلون، والنساء والذراري تسبى فقال النبي ﷺ : قد حكمت عليهم بحكم الله من فوق سبع سماوات). هذه مكانة سعد الذي قال فيه النبي ﷺ : (لمناديل سعد في الجنة خير من كذا وكذا). سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه اهتز عرش الرحمن لقدومه؛ فأي فضيلة وأي مكانة لـ سعد بن معاذ عند الله جل في علاه، لما يستشعر هذا العرش العظيم بفضل سعد فيهتز لقدوم روحه ﵁ وأرضاه. ومن فضل العرش في الدنيا أيضاً: أن الله جل وعلا وضعه كما وضع الكعبة تطوف حوله الملائكة، ثم أوحى الله لملائكته الذين يحملون العرش والذين يطوفون حوله أن يستغفروا لمن في الأرض، فالملائكة الذين يحفون بالعرش ويطوفون حوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]. وفضل العرش يوم القيامة فضل عظيم، لكن هذا لا يناله إلا الخاصة والشرفاء عند الله جل في علاه، فالله جل في علاه إذا حشر الخلائق حشرهم على أرض غير الأرض وسماء غير السماء: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]. فهذه الأرض لا معلم لأحد فيها ولا مستظل لأحد فيها، فالشمس تدنو من الرءوس قدر ميل ولا مستظل لأحد منها إلا عرش الرحمن. فعرش الرحمن أفضل ظل يستظل به المؤمن الشريف الذي له المكانة الراقية عند الله جل في علاه، والله ما جعل هذا العرش ظلاً لأحد إلا للخاصة. قال رسول الله ﷺ كما في الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، ثم سرد السبعة. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً من هؤلاء السبعة فنستظل بظل عرش الرحمن، وهاء الضمير في قوله ((إلا ظله)) تعود على عرش الرحمن، ولا تعود على الله؛ لأن الظل ليس صفة من صفاته تعالى، نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها، ويجعلنا من المستغفرين، ويجعلنا من المتذللين الخاضعين له، المتقنين في أمر التوحيد الذي هو فرض عين علينا، المتعبدين له به.