← Акыда

Акыда · id 37696

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (302 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكبر سبب لدخول النار ثم بعد ذلك أتى المصنف بصفات أهل النار, وهي صفات كثيرة جداً لكن استجمعت منها صفة هي أسوء الصفات, وهي أجمع الزلات، وهي مذكورة في حديث النبي ﷺ في الصحيحين كما أورد ذلك المصنف، فعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، نعوذ بالله من الكبر, فالكبر خلق ذميم مهلكة على صاحبه, وهو أم الكبائر, ومنبع الرذائل، وهو القائد إلى الهلاك, وهو أول ما عصي الله تعالى به، فعندما أمر الله جل في علاه الملائكة أن يسجدوا لآدم تكبر إبليس فلم يسجد لآدم وعصى الله جل في علاه ورد عليه الأمر، كما قال الله تعالى وصور لنا ذلك: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فالكبر -والعياذ بالله- أقبح الذنوب وأكبرها هلكة على ابن آدم. والكبر معناه: التعاظم والتجبر, وهو ازدراء الناس وبطر الحق ودفعه وإنكاره, قال النبي ﷺ : (الكبر غمط الناس وبطر الحق)، وبطر الحق هو: رد الحق كبراً وازدراءً والعياذ بالله، وغمط الناس هو: ازدراء الناس واحتقارهم، فهذا معناه لغة واصطلاحاً.

стр. 247

الأسباب المؤدية إلى نمو الكبر في قلب المرء والكبر -كما ذكرت- أول ذنب عصي به الله جل في علاه، وله أسباب يجب عليك أن تتعرف عليها؛ حتى تنقي قلبك منها؛ فهو أعظم أدواء القلوب، وأسبابه أربعة أدواء، وهي: العجب والرياء والحقد والحسد. فالعجب: هو الذي يؤدي بصاحبه إلى الكبر والعياذ بالله، فينظر إلى نفسه فيقول: أنا أنا ولا أحد مثلي والعياذ بالله, ويتعاظم في نفسه كما يتعاظم الشيطان في نفسه, فأول درجات الكبر العجب, والعجب مرض قلبي، وهو كبر باطني يظهر بعد ذلك على الجوارح والعياذ بالله، فينظر المعجب بنفسه في الدنيا فلا يرى أحداً مثل نفسه، وهذا يحمله على التكبر على الناس. والحقد يورث البغضاء والكبر، فالحاقد على غيره لا يمكن أن يقبل منه شيئاً، بل يدفعه ويدفع كل ما جاء به, فالحاقد كالحاسد، والحاسد محترق، فالحقد والحسد يورثان البغض ودفع الحقائق وازدراء الناس, مع أنه في قرارة نفسه يعلم أن هذا المرء يستحق التواضع له، ويستحق الانصياع له ومع ذلك لا يقبل منه لأنه حاسد حاقد. وآخر هذه الصفات الرياء، فبعضهم يريد أن يري نفسه ومكانه أمام الناس، وأن يسمع الناس بحاله ويرون مكانته، فالمرائي عندما يشار إليه بالبنان ويأتيه الصغير فيعلمه مسألة يجهلها فلا يمكن أن يقبلها منه؛ لأنه يرائي، ولو قبل منه هذا الكلام أمام الناس فإن الناس سيفضلون هذا الرجل عليه, فيخشى أن تنزل مكانته فلا يرضى بالحق ويدفعه, وعلاج هذه الخصلة يسير، فيمكن علاجها بالإخلاص وبمتابعة مراقبة الله جل في علاه, لكن علاج الحقد والعجب والحسد من أصعب ما يكون، ولن يعافى منه إلا من عافاه الله جل في علاه, نسأل الله جل وعلا أن يعافينا من هذا، والذي ينجي الناس من هذه الأدواء هو الدعاء والتذلل في السحر لله جل في علاه أن ينقي قلبك من هذه الأدواء.

стр. 248

أنواع الكبر إن الكبر أنواع، فمنه الكبر على الله نعوذ بالله من غضبه، وهذا كفر بالله، والكبر على رسول الله والعياذ بالله، والكبر على عباد الله. فالكبر على الله كفر, والكبر على رسول الله كفر, فالكبر على الله قد يكون كبراً على ربوبية الله جل في علاه، وذلك بعدم الانصياع لله جل وعلا, وعدم الإيمان بربوبية الله جل في علاه, وهذا ما فعله الخبيث فرعون فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولم يرتضِ بربوبية الله جل في علاه, والأخبث منه النمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهذا ينازع الله في ربوبيته والعياذ بالله, فهذا كبر على الله في ربوبيته والعياذ بالله. والكبر الثاني: الكبر على إلهية الله جل في علاه، وهذا حصل من أهل مكة، فقد تكبروا على إلهية الله جل في علاه, وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وكان أحدهم يأخذ حفنة من التراب ويضعها على رأسه، ويقول: يكفيني هذا، ولا يسجد لله تذللاً ولا خضوعاً، وهذا كبر على إلهية الله جل في علاه وعلى التعبد والتذلل والخضوع والمسكنة لربهم جل في علاه, وهم مقرون بالربوبية، فالكبر هنا: كبر في الإلهية وكبر على شرع الله، مع أن توحيد الإلهية من لوازم توحيد الربوبية, وإمام هذه الطائفة هو إبليس عندما رد الأمر على ربه جل في علاه حين أمره أن يسجد ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣]، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]. فهو -والعياذ بالله- يقدح في أمر الله وحكمة الله، ويقول: ليس من الحكمة أن تفضل هذا الذي خلق من طين عليّ، فهذا كبر على أوامر الله وشرعه. ومن ذلك ما قاله ذاك الخليع الخبيث المفتون المأفون الذي قال: هذه الآية لا بد أن تشطب، يعني قول الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فأراد أن يشطبها من كتاب الله جل في علاه، ثم تأتي امرأة هذا الرجل وتقول: إنه يقوم الليل ويصوم النهار، فهذا الرجل كافر مرتد عن دين الله جل في علاه؛ لأنه رد الأمر على الله، وقال: لا يصح أن نفضل الرجل على المرأة , فالرجل والمرأة سواء، والله جل وعلا يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] بل إن العقل الرجيح يقبل ذلك, والقاعدة عند العلماء: الغنم بالغرم والخراج بالضمان, فهذا عدل السماء ولكن هؤلاء الأغبياء السفهاء بله لا يفقهون شيئاً، وهم يعاندون دين الله جل وعلا للمعاندة وللشهرة فقط, فيركبون موجة محاربة الإسلام, فهذا أيضاً كفر وكبر على أوامر وشرع الله جل وعلا، وهي من لوازم ربوبية الله. والكبر على رسول الله يكون برد أوامر رسول الله، وعدم الانصياع لسنة النبي ﷺ ، وضرب سنة النبي ﷺ عرض الحائط والأخذ بقول فقيه, ولله در من قال: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه. وبعضهم يقول: إن عقله يقدم على النص, فنعرض الأحاديث على عقولنا فإن قبلتها العقول أخذنا بها، وإلا رددناها، ووالله إن الذين يقولون: نعرضها على كتاب الله فما وافق كتاب الله أخذنا به، لهم خير من هؤلاء لأن هؤلاء يعرضون الأحاديث على عقولهم الخربة، وطبعاً الأمثلة في ذلك كثيرة، فقد ردوا حديث الذباب وهو حديث رواه أبو داود بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الجناح الثاني الدواء)، وقال في رواية أخرى أوضح من ذلك: (ويتقي بالذي فيه الداء) يعني: أنه أول ما ينزل فإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء، فأنت لو لم تغمسه فسيقع عليك الضر؛ وبعضهم يقول: كيف نعرف ذلك فلعله نزل بالجناح الذي فيه الدواء؟ فنقول: إن السنة قد جاءت مفسرة لكل شيء, قال النبي ﷺ (وإنه ليتقي بالجناح الذي فيه الداء)، فلا بد أن تغمسه حتى يأخذ الجناح الذي فيه الدواء الداء. ومع ذلك جاء عالم ألماني كافر وبين لهؤلاء المسلمين الذين يردون دين الله ويردون سنة النبي ﷺ بعد أبحاث كثيرة أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء كما في حديث النبي ﷺ . ومنهم من رد حديث النبي ﷺ في أنه تزوج عائشة وهي بنت ست سنين ودخل بها وهي بنت تسع، فيقول أحدهم: أنا عندي عقل أفكر به، فلا يمكن أن النبي ﷺ يكون قد تزوجها حتى إن روى ذلك البخاري، وهذا الحديث في البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهذه الأسانيد كالشمس وهو يردها؛ لأن عقله لم يقبل هذه الأحاديث. وهناك رجل آخر -وقد مات رحمة الله عليه وغفر زلاته وما من أحد إلا وقد زل والله غفور رحيم, لكن نحن نبين أخطاءه- رد حديث النبي ﷺ : (إن جبريل شق صدر النبي ﷺ وأخرج من قلبه حض الشيطان، وملأه علماً وحكمة)، فيقول: لا لم يشق صدره ولو شقه فإنه سيموت، مع أنه لو قيل له: إن الطبيب الفلاني الماهر أجرى ستين عملية قلب، وسبعين عملية كلى وثلاثين عملية شرايين ونجح فيها، فإنه يصدق بهذا، فهذا الطبيب عنده مهارة وجبريل ﵇ ليس عنده مهارة، أي فقه هذا لهؤلاء القوم؟!! إن جبريل ﵇ مأمور من الله جل في علاه، والله جل في علاه إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون. فيرد حديث الشق لأن عقله لا يقبله. وأيضاً رد قول النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، قال: إن البخاري لو رأى تاتشر ما روى هذا الكلام!! فنقول لهذا وأمثاله: سمعنا وأطعنا، ووالله ما علت امرأة عرشاً أبداً إلا وأتت به على دابره، وأتى الله بقومها على دابرهم, فالمرأة ضعيفة ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فمن الأبله السفيه الذي يجعل زمام أمره في يد امرأة؟ فالمرأة إذا جاعت فإنها تبكي كالأطفال، وإذا رأت قتالاً ذهب الوعي عنها، فهي لا تستطيع شيئاً، وما عندها إلا المكياج وحلاوة نفسها وجمال زينتها، وإن كنا لا نقدح في عقلها ولا في أمومتها ولا في مكانتها، لكن لا يمكن أن تصدر امرأة عليك أبداً، ووالله ليس من الرجولة ولا من الشهامة ولا من المروءة ولا من الشرع أولاً أن تقدم المرأة عليك. وبعض أصحاب الفضائيات يقول: إن المرأة كانت محدثة، فمن أين أخذتم العلم أليس من عائشة ﵂ وأرضاها؟ قلنا: نعم، قد تكون المرأة محدثة وقد تكون حافظة وصاحبة أسانيد، بل كان ابن حجر رحمة الله عليه يجلس في مجلس الإملاء ثم بعد ذلك يأتي بامرأته من خلف الستار تملي على طلبة العلم, وهناك نساء كثيرات كن يحفظن علم رسول ﷺ , لكن أن تقول: إن المرأة تتولى أمر الرجال، وتتولى القضاء فهذا غير صحيح، وجمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون: إنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تتقلد المرأة القضاء, وذهب الطبري أو ابن حزم إلى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، واستدل بتحديث عائشة وغيرها. ونحن نقول: إن الأدلة قاطعة باهرة للعقول في عدم جواز ذلك لقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وقول النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وأتوني بقاضية على مر العصور وكر الدهور في الخلافة الإسلامية، أو حتى في أيام الخلافة عندما وهنت وضعفت، فلابد للإنسان أن يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول على مراد رسول الله. الكبر الثالث: الكبر على عباد الله، وهذا أخس لأنه ليس بكفر لكنه نذير شؤم وهو يؤذن بهلكة المتكبر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وقال رسول الله ﷺ : (تخاصمت الجنة والنار، فقالت النار: ما لي يدخلني المتجبرون والمتكبرون)، فأصحاب النار هم المتكبرون. وكتب الله الذل في الدنيا والآخرة على كل متكبر، فأما في الدنيا: فإن الله لا يمكن أن يرفع رجلاً تكبر ونازعه في ربوبيته، فالله يضرب عليه الذل والصغار في الدنيا قبل الآخرة, وفي الآخرة يفضحه على رءوس الخلائق كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر على صورة رجال يغشاهم الذل من كل مكان) نعوذ بالله من التكبر. وقد رأى ابن عمر ﵁ وأرضاه رجلاً يمشي متبختراً فقال: إن هذا من إخوان الشياطين؛ لأن الشيطان هو الذي يمشي في الأرض مرحاً. وعقاب المتكبر العذاب الأليم، والله جل وعلا لا يحب المتكبرين فكفى بهذه مذمة، وكفى بها عقوبة. والمتكبر ينازع الله في ربوبيته, فكيف يفعل الله جل وعلا فيمن ينازعه في ربوبيته؟ جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: (الكبر ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار) , وأيضاً في المسند عن النبي ﷺ أنه

стр. 249

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [١] استنبط أهل العلم من حديث الشفاعة فوائد عظيمة، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فقد ثبت في هذا الحديث صفة الغضب لله ، كما ظهرت فيه مكانة النبي ﷺ بين الرسل، وأن هؤلاء الرسل بشر قد يقعون في بعض الصغائر ويستغفرون الله منها، إلى غير ذلك من الفوائد المذكورة في كتب أهل العلم.

стр. 250

من فوائد أحاديث الشفاعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل العظيم كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة ابن خزيمة وما زال الحديث عن مسألة الشفاعة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أتي النبي ﷺ بلحم، فدفع إليه الذراع -وكان يعجبه- فنهش منه نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم ﵊، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كلماته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﵊ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك برسالاته وبتكليمه على الناس، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى بن مريم فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟).

стр. 251

معنى قوله: (ونفخ فيك من روحه) وشبهة النصارى من ذلك والرد عليهم سنتكلم على فوائد مهمة جداً في هذا الحديث، أول هذه الفوائد: قول النبي ﷺ فيقولون: (يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده) فيه إثبات صفة اليد وقد تكلمنا عنها. وقوله: (ونفخ فيك من روحه) (من) هذه يتمسك بها النصارى على أنها للتبعيض، ولذلك يقولون: إن عيسى ﵇ هو جزء من الله، ويستشهدون بحديث النبي ﷺ في الصحيحين: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) فيقولون: (من) هنا تبعيضية.

стр. 252

أقسام الإضافة إلى الله تعالى ومعناها ومعنى قول النصارى: إن (من) تبعيضية: أن عيسى جزء من الله جل في علاه، وهذا خطأ فاحش إذ (من) هنا ليست تبعيضية، فالإضافة إلى الله جل في علاه إضافتان: أعيان، ومعان، فإن كانت إضافة معان فهي إضافة صفة إلى موصوف، فقولك مثلاً: كرم الله، هذه إضافة معنى، وليست عيناً قائمة تراها تمشي أمامك، فكرم الله إضافة صفة للموصوف، كذلك: قوة الله وعزة الله فإنها إضافة صفة للموصوف. أما إضافة الأعيان فهي كقولك: الكعبة بيت الله، فالكعبة تراها أمامك عيناً قائمة، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف؛ لأنها أعظم من أي بيت آخر، ومن أي مسجد آخر، كذلك ناقة الله فهي إضافة تشريف؛ لأن هذه الناقة فيها من المعجزات التي بين الله جل وعلا كما هو معلوم. إذاً: فإضافة الأعيان إلى الله إضافة تشريف، وإضافة المعاني إلى الله إضافة صفة للموصوف. فالروح عين من الأعيان وهي مضافة إلى الله إضافة تشريف، فهذه الروح قد خلقها الله وشكلها وأدخلها في آدم ﵇، فقوله: (منه) يعني: من عنده جل في علاه، وليس معنى ذلك أنها جزء منه، فهنا رد على النصارى الذين يقولون: بأن عيسى جزء من الله، فالروح من عند الله خلقها الله جل وعلا، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، ومثل ذلك: السماء والأرض والبحار والجبال فإنها ليست جزء من الله، وقد قال الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فإذا أقروا أن السماوات والأرضين والجبال والبحار ليست جزءاً من الله، وأن معنى قوله: ((جَمِيعًا مِنْهُ)) أي: من عنده، فأضيفت إلى الله إضافة تشريف، فكذلك عيسى إضافته إلى الله إضافة تشريف، وروح آدم خلقها الله من عنده وأضيفت إليه إضافة تشريف.

стр. 253

إثبات صفة الغضب لله تعالى الفائدة الثانية: وهي مهمة جداً، ففي قوله: (فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله)، إثبات صفة الغضب صفة ثابتة لله، وهي من صفات الأفعال المتجددة التي تتعلق بالمشيئة إن شاء غضب على فلان وإن شاء رضي عنه، وإن شاء عاقب فلاناً وإن شاء تاب عليه. وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة وبالعقل. أما ثبوت هذه الصفة لله في الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩] فهذه الآيتان فيها إثبات لغضب الله جل في علاه. أما من السنة فقد أثبت رسول الله ﷺ لربه هذه الصفة حيث قال بقوله: (إن الله كتب في كتابه عنده فوق العرش: رحمتي سبقت غضبي) فقد أضاف الغضب لله جل في علاه، فكل معنى يضاف إلى الله فهو إضافة صفة إلى موصوف. أما ثبوت هذه الصفة بالعقل، فالعبد الذي تنتهك محارمه ولا يغضب لذلك ففي رجولته نقص، وليس من أصحاب المروءات، يقول الشافعي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار يعني: أن من استغضبته ولم يغضب فقد ذهبت عنه المروءة والرجولة، فإذا كانت هذه الصفة نقص في حق الإنسان إن لم يتصف بها، فالله أولى أن ينزه عن هذا النقص، وهو له الكمالات كلها، فإن كانت صفة الغضب عند مواطن الغضب كمالاً في الإنسان فمن باب أولى أن تكون كمالاً عند الله جل في علاه.

стр. 254

أسباب غضب الله تعالى إذا قلنا: إن الغضب صفة من صفات الله، تتعلق بالأسباب والأحداث. فما هي الأسباب التي تغضب الله جل في علاه؟

стр. 255

الكفر والشرك إن أكبر وأعظم الأسباب التي تجر إلى غضب الله: الكفر بالله والشرك به، وأظلم الظلم أن يشرك العبد بربه جل في علاه، وأن يصرف العبد العبادة لغير الله، وهو الذي يستحق هذه العبادة، والدليل قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. وقوله: عن الذين يقتلون الأنبياء ويكفرون بالله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١]. فهذه الآية أثبتت أن الله غضب عليهم، وقال الله تعالى عن قوم عاد: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف:٧١] وذلك لأنكم تسوون بين هذه الأسماء والأصنام وبين الله جل في علاه. إذاً: فأكبر وأعظم الأسباب التي تستجلب غضب الله: الكفر بالله والشرك به، علم الإنسان أو لم يعلم، لأننا بينا أن الشرك بالله حتى ولو كان صغيراً فإن الله لا يغفره فهو من أظلم الظلم.

стр. 256

قتل المؤمن بغير حق أيضاً من الأسباب التي تستلزم غضب الله جل علاه: قتل المؤمن بغير حق، فإن دم المؤمن محترم وعظيم عند الله، وقد بينا أكثر من مرة موقوفاً ومرفوعاً أن ابن عباس كان يطوف بالكعبة ويقول: (أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمة دم المسلم وعظمة دم المسلم عند الله أعظم منك وأشرف). وكما في السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (لو أن أهل السماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم لأكبهم الله في النار) فإذاً: قتل أو سفك دم المؤمن بغير حق من أظلم الظلم الذي يستلزم غضب الله، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فمن أسباب غضب الله جل في علاه التجرؤ على دم المؤمن المسلم إذ إن أولياء الله الصالحين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 257

اليمين الكاذبة من أسباب غضب الله تعالى اليمين الكاذبة الفاجرة المنفقة للسلعة الممحقة للبركة، وأعظمها ظلماً في اللعان، كما قال الله تعالى مبيناً حال المرأة التي لاعنها زوجها: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] ولذلك فإن النبي ﷺ أوقفها وقال: (اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩]) فهذا يستلزم غضب الله. فإذا اعتقد العبد الاعتقاد الجازم بأن الله يغضب، وأن غضب الله يتعلق بالأسباب، وأن غضب الله جل في علاه يستلزم الانتقام -كما سنبين- فإنه لن يتجرأ على حدود الله، ولا على أوامره. فعلى العبد أن يخلص في توحيده لربه جل في علاه، وإذا اقتحم محارم الله وتعدى على إخوانه أو ظلم نفسه فعليه أن يستغفر ربه ويعود ويئوب، ويستحضر هذا الحديث العظيم: (رحمتي سبقت غضبي) فيتوسل إلى الله برحماته ألا يعاجله بالعقوبة، فإن الله يغضب، لكن لا يعاجل بالعقوبة، ورحمته وسعت كل شيء. إذاً: فإذا فعل العبد ما يستلزم غضب ربه فعليه أن يسارع بالتوبة وبالأوبة وبالإنابة إلى الله جل في علاه، ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤].

стр. 258

عقيدة أهل البدع في صفة الغضب والرد عليهم إن أهل البدعة والضلالة ألحدوا في هذه الصفة، ولم يتعبدوا لله بها، لذلك تراهم يحارون، مع أنهم لو اعتقدوا الاعتقاد الصحيح أن الله له الجلال والكمال، لما تعبوا ولا أتعبوا الناس، ولآمنوا بهذه الصفة، لكن حيرهم الشيطان فاحتاروا وضاعوا وضلوا وأضلوا، فقالوا: إن الله لا يغضب؛ لأنه لو غضب لكان له قلب يتغير ووجه يتمعر، والإنسان إذا غضب تغير قلبه وتمعر وجهه، فلو قلنا: إن الله يغضب فقد شبهنا الخالق بالمخلوق. وقد انقسموا إلى طوائف، فمنهم من قال: لم يغضب الله أبداً، والغضب لا ينسب إلى الله، ومنهم من قال: الغضب ينسب إلى الله، لكن معناه الانتقام، فحرفوا معنى الغضب إلى الانتقام، فبدل أن يقولوا: إن الغضب صفة من صفات الله تعالى قالوا: هو الانتقام. والرد عليهم: أولاً: نقول: نحن نستيقن في ربنا أنه يغضب غضباً له كيفية يعلمها هو ونجهلها، فنحن نفوض الكيفية لربنا، وإذا سألنا سائل وقال: هل يغضب ربنا؟ نقول: نعم نؤمن برب يغضب، فإن قال: كيف يغضب ربنا؟ نقول: الغضب في اللغة معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والكيف مجهول، وهوعند الله لا نعلمه، فالله يغضب بكيفية تليق بحلاله وبكماله، أما قولكم: بأن الله إذا غضب يكون كالبشر، فالجواب أن هناك قاعدة مهمة لا بد من ضبطها وهي: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى، فقولنا: يغضب الله ويغضب محمد استويا واشتركا في الاسم، وهذا الاشتراك لا يستلزم التساوي في المسمى؛ فإن غضب الله يليق بجلاله وكماله وعظمته، وغضب محمد أو غضب زيد هو غضب يليق بعجزه ونقصه وفقره. ولا مقارنة بين الغضبين، حاشا لله، فإن غضب الله يليق بجلال الله وكمال الله جل في علاه، وقد أثبت لعبده الغضب وأثبت لنفسه الغضب، وما لنا لا نثبت ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ . أما الذين قالوا: إن الغضب هو الانتقام فهؤلاء هجموا على شرع الله وهدموا المعاني؛ فالله يكلمنا باللغة العربية بلسان عربي مبين، وبلغة نفهمها ونعقلها، وحاشا لله أن ينزل علينا قرآناً لا نعقله ولا نفهمه ولا نتدبره، فالله جل وعلا أنزل علينا القرآن لنتدبر ولنعقل، وما أنزل علينا القرآن لنتخبط ونفهم خلاف ما يريده منا، فهو أخبرنا أنه يغضب، وأيضاً الرسول ﷺ وكله الله بمهمة عالية بعد التبليغ وهي البيان، فكان على الرسول ﷺ أن يبين إن كان الغضب هو الانتقام ويقول: إن قول الله: ((غضب الله عليه)) معناه: انتقم الله منه، لكن الرسول ﷺ لم يقل ذلك، وقد قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]؛ وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] وقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. إذاً: هذا اتهام صريح بأن الرسول ﷺ قد فرط وقصر؛ لأنه لم يبين لنا أن الغضب معناه الانتقام، وهذا الاعتقاد منقصة في حقكم؛ لأن رسول الله ﷺ قد بلغ وبين أتم البلاغ وأتم البيان. ثانياً: أنتم خالفتم الكتاب وخالفتم السنة وخالفتم إجماع الأمة على أن الغضب صفة من صفات الله. ثالثاً: الانتقام لازم من لوازم الغضب، إذ لو غضب الله فإنه يلزم من غضبه أن ينتقم ممن غضب منه، وأنتم آمنتم بأن الله له انتقام ونحن آمنا بأن الله له انتقام، لكن قبلها أثبتنا أن له غضباً يلزم منه الانتقام من المغضوب عليهم، وهنيئاً لمن يقرأ كل يوم في الخمس الصلوات: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فيستلزم ذلك أن الله سينتقم من المغضوب عليهم؛ لأن الله إذا غضب على عبد انتقم منه سبحانه جل في علاه، فنحن نثبت لله صفة الغضب، وأيضاً نثبت لازم الصفة وهو الانتقام.

стр. 259

خوف الأنبياء والرسل من ذنوبهم يوم القيامة ومن فوائد حديث الشفاعة فائدة مهمة جداً وهي في قول آدم: (وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي!! وفي آخر الرواية يقول: وكل يذكر ذنباً قد أذنبه). ففي هذا مسألتان مهمتان: الأولى: بشرية الرسل، والثانية: وعصمة الرسل.

стр. 260

بشرية الرسل إن الرسل بشر كما نحن بشر، رداً على من يقول: إن محمداً من نور وإن عيسى ابن الله وإن عزيراً ابن الله حاشا لله جل في علاه، الرسل بشر مثلنا ينسون كما ننسى، ويأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، ويقضون حاجتهم، ويجامعون نساءهم، ويفتقرون ويبتلون بلاءات شديدة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] فبشرية الرسول الله ﷺ معلومة، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨] يعني: جعلناهم جسداً يأكلون الطعام فهم بشر، وأيضاً بين الله جل وعلا لرسوله بأن قبله رسلاً كانت لهم أزواج وذرية، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فهم من البشرية بمكان. وأيضاً مما يدل على بشرية الرسل أن إبراهيم ﵇ ألقي في النار، ويونس ﵇ ابتلعه الحوت، والنبي ﷺ ضرب بالحجارة وأدميت بذلك رجله الشريفة ﷺ ، فكل هذه الابتلاءات تدل على بشرية الرسل، وليس لواحد أن يقول: إن محمداً قد خلق من نور، أو يقول: إن عيسى روح من الله، أو: إن عزيراً ابن الله، حاشا لله، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد. فقول آدم ﵇: (أكلت من الشجرة) لحاجته وحاجة البشر إلى الطعام، فهذه دلالة على بشريته، وأيضاً قوله: (فعصيته) دلالة على بشريته؛ فإن كل بشر جبل على المعصية، وقد جاء في الحديث: (لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)، إذاً: كل إنسان أرسله الله إلى البشرية فهو بشر منهم، والله جل وعلا ما أنزل ملكاً؛ لأنه لو كان في الأرض ملائكة لبعث ملكاً، ولأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملك ولا يستوعبوا ما يقوله، من قوة وعظمة خلق الملائكة.

стр. 261

عصمة الرسل عصمة الرسل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: عصمة في التبليغ وفي الوحي، وهذه بإجماع الأمة بأسرها، فقد أجمعت على أن الرسل معصومون في الوحي وفي التبليغ، فهم يبلغون الرسالة ولا ينسون ولا يخطئون أبداً، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] وقال : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩]. فالله جل وعلا تكفل لكل رسول بعصمته في الاستقبال للوحي وفي التبليغ، فبالإجماع لا يمكن أن يخطئ رسول في أمر الوحي، وأيضاً ليس للرسول أن يأتي بقول من عنده، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦] فهذه دلالة على أنه ليس لرسول أبداً أن يأتي بشيء من عنده، ولذلك جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) أي: وهو أمين الوحي ﷺ . الثاني: العصمة من الكبائر، فقد أجمعت الأمة أيضاً على أن الرسل معصومون من الوقوع في الكبائر، إذ كيف يقعون في الكبائر وهم قدوة وأسوة للناس، وهم المنارات التي يهتدى ويقتدى بها؟! وقد تكفل الله بعصمة الرسل من الكبائر، فهذا يوسف ﵇: ﴿رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] فقال الله تعالى مصوراً تصويراً بديعاً هذه القصة: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وألطف وأعجب ما يقال في تفسير هذه الآية: أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، يعني: وما حدث منه الهم بحال من الأحوال؛ لأن (لولا) حرف امتناع للوجود، فامتنع همه بها لوجود برهان الله، هذا مفهوم الكلام، وليس كما يقول بعضهم: إنه هم بها فصرفه الله، فأصل الهم غير موجود؛ لأن الله جل وعلا قال: ((لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)) يعني: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فامتنع وجود الهم لوجود برهان الله جل في علاه. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] فهذه دلالة على أن كل الرسل من المخلصين، وأن الله جل وعلا تكفل بعصمة كل الرسل من الكبائر، وهذا بالإجماع. الثالث: العصمة من الصغائر، فهناك خلاف بين أهل السنة والجماعة في مسألة الصغائر، هل يقع فيها الأنبياء والرسل أو لا؟ قال بعض أهل العلم: الأنبياء لا يقعون في الصغائر بحال من الأحوال، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وقول الله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] يعني: اقتده بهدى الأنبياء واتخدهم أسوة لك، فإذا قلنا: إنهم يقعون في الصغائر فقد أمرنا بالتأسي بهم في اقتراف المعاصي وهذا محال، ولا يمكن لله جل وعلا أن يأمرنا أن نأتسي بالأنبياء في اقتراف الصغائر، فهذه الآيات فيها دلالة على أن الأنبياء معصومون من فعل الصغائر، وهذا القول ضعيف، والقول الراجح الصحيح الذي ندين الله به هو قول الجمهور، وهو أن الأنبياء غير معصومين من فعل الصغائر، فهم يقعون في الصغائر، ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] فقوله: ((وعصى)) تصريح من الله جل وعلا أن آدم وقع في العصيان، وأيضاً قال الله تعالى حاكياً عن موسى عندما وكز الرجل: (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥] فهذه دلالة على أنه وقع في المعصية. وفي حديث الشفاعة قال آدم: (فعصيته) وعيسى ﵇ لما أحال الناس إلى النبي ﷺ ولم يذكر ذنباً قالوا: فيه تصريح أنه لم يقع في الذنوب. فالله جل وعلا قد أثبت العصيان للأنبياء في الصغائر فقط، فنثبته كما أثبته الله جل في علاه، لكن لا بد أن نقول: إن الله لا يقر نبياً على أي صغيرة، بل يبينها له في وقتها ويتوب عليه، والتائب من الذنب بعد توبته يكون حاله خيراً من حاله قبل التوبة؛ ولذلك جاء في الحديث (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ويقول بعض السلف: إن داود ﵇ كان حاله بعد التوبة أفضل من حاله قبل التوبة، وقلنا: إن التوبة تودع في القلب المسكنة والخضوع والتذلل لله جل وعلا، والبكاء من خشية الله، والخوف من عقوبة الله، والهرولة في طاعة الله جل في علاه، وإتباع الحسنة بالسيئة تمحها، فهذه كلها أحوال للذي تاب من الذنب، ولا تكون للذي لم يتب أولم يقترف هذا الذنب. إذاً فالصحيح الراجح أن الأنبياء يقعون في الصغائر، لكن هناك أمر لا بد أن نتكلم فيه، ألا وهو أن الأنبياء معصومون من الصغائر التي فيها دناءة وخسة، فلا يمكن أن يأتي النبي فيسرق لقمة ليأكلها حاشا لله، لكن من ممكن أن يقع في معصية، كآدم حين نهاه الله أن يأكل من الشجرة فأكل منها هو وزوجته وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فهذه دلالة قوية على أنهم عصوا أمر الله جل في علاه، وليس معنى ذلك أن يقع في الصغائر الخسيسة التي تخدش المروءات كما بينا. أما الرد على الذين قالوا: بأن الأنبياء معصومون من الصغائر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فهو أننا وإن كنا نوافقهم على ذلك، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، إلا أنه ليس لنا أسوة حسنة في الصغائر التي يقع فيها؛ لأنه لا يقر عليها، وقد تاب منها، ونحن لنا فيه أسوة حسنة في التوبة؛ لأننا جبلنا على المعصية، فالإنسان ظالم جهول لنفسه، ولا يمكن أن ينجو من المعاصي، ودخوله الجنة لا يكون إلا برحمة الله وفضله، فقد ورد في الحديث: (لن تدخلوا الجنة بعملكم، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) أي: لا بد أن تنزل رحمات الله جل في علاه على هذا الإنسان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ) [النحل:٥٣] وكان رسول الله ﷺ يقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وذلك لأن النفس ظالمة جهولة. إذاً: لنا أسوة برسول الله ﷺ وبالرسل أجمعين في التوبة، وذلك بأن نسارع في التوبة ولا نقر أنفسنا على هذه المعاصي.

стр. 262

وجوب محبة الله الفائدة الأخيرة من حديث الشفاعة في قوله ﷺ : (فذهبوا إلى إبراهيم ﵇ وقالوا: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض) فهناك من ينتقصون من قدر النبي ويقولون: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد ﷺ ، وقبل الرد عليهم لابد أن نتكلم عن محبة الله حتى نصل إلى أعلى درجاتها وهي الخلة نقول: لا يستقيم إيمان عبد إلا بمحبة الله جل في علاه، وهذا أصل أصيل وركن ركين في القلب، إن خلا القلب منه فإن الإنسان كافر لا يدخل جنة ربه جل في علاه، بل لا بد من محبة الله، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة:١٦٥] وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم -نفى الإيمان- حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فالركن الركين والأصل الأصيل في القلب هو محبة الله ، ولها أصل ومكمل، والمكمل درجات، أما الأصل فإنه إذا انتفى انتفى الإيمان، وأما المكمل فهو درجات.

стр. 263

الأمور التي تعرف بها محبة الله تعرف محبة الله في قلب العبد بثلاثة أمور: الأمر الأول: إذا تعارض أمر الله وأمر رسوله ﷺ مع هوى العبد أو مع أي شخص كائن من كان، فإنه إن قدم هواه أو أمر أي شخص على أمر الله وأمر رسوله فهذا يراجع إيمانه؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء:٦٥] الآية، وهناك آية هي الشاهد على المحبة، وهي قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] أي: علامة المحبة أن تقدم أمر رسول الله ﷺ على أمر أي أحد كائناً من كان، فالله جل وعلا أناط المحبة باتباع أمر رسول الله ﷺ ، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:٣٦] هذه أول علامة على محبة الله في القلب. الأمر الثاني: محبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله، إذا أبغض الله الفاحشة فعليك أن تبغض الفاحشة، وإذا أبغض الله كل حرام صغيراً كان أو كبيراً فعليك أن تبغض ما يبغضه الله جل وعلا، وإذا أحب الله الطاعة فعليك أن تحب الطاعة، وإذا أحب الله أهل الطاعة فعليك أن تحب أهل الطاعة، وإذا أحب الله أولياءه المؤمنين وبغض أعداءه الكافرين فيجب عليك أن تحب أولياءه وبغض أعداءه، وإلا فلتراجع إيمانك، فقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة:٢٢] أي: لا بد أن تجد في قلبك بغضاً لأهل الكفر، ولأهل الإلحاد، وبغضاً للذين يبغضون أهل الإسلام، وتجد في قلبك قوة المحبة لأهل الإيمان، ويتفاوت ذلك في قلبك بتفاوت الطاعة، فكلما كان العبد أطوع لربه كان حبك له أشد وأعظم؛ لأن حب الله له أشد وأعظم.

стр. 264

إثبات الخلة لمحمد ﷺ والرد على من نفاها إن محبة الله درجات، وآخر هذه الدرجات وأعلى منصة فيها هي: الخلة، وهذه الخلة ليس لأحد أن يرتقي إليها فالله جل وعلا يصطفي من يشاء ليجعله خليلاً، ولم يتخذ أحداً من أهل الأرض قاطبة خليلاً إلا إبراهيم ومحمداً، وهذا فيه رد على الذين يغالون في محمد -وهم يقصرون في حقه وينتقصون من قدره- فيقولون: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، ويستدلون بحديث في الترمذي بسند ضعيف أن النبي ﷺ قال: (وأما صاحبكم فحبيب الرحمن) وأيضاً تلوك ألسنتهم كلمة عن ابن عباس -وهي ضعيفة لا تصح عنه- أنه قال: أنتم لا تؤمنون بأن تكون الخلة لإبراهيم والرؤية لمحمد وهذا ضعيف ليس بصحيح، بل الخلة لمحمد ولإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. فالصحيح الراجح أن محمداً خليل الرحمن كما أن إبراهيم خليل الرحمن، والدليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) فهذا تصريح وفصل في النزاع، بحديث إسناده كالشمس، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال (لو كنت متخذاً أحداً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن) فهذا فيه تصريح أيضاً على أن النبي ﷺ خليل الرحمن.

стр. 265

حقيقة الخلة ومعناها وبيان من يستحقها الخلة هي أعلى درجات المحبة، والخلة معناها: أن تتخلل محبة الله الروح، فيعتقد العبد أنه لا يعيش إلا لله، ولا يموت إلا الله، وليس له شيء، فهو لله وفي الله ومع الله، وقلبه كله معلق بالله، ولو وضعت الدنيا بأسرها في كفة ووضع رضا الله في كفة تراه مسارعاً إلى رضا الله جل في علاه، وترى البلاء ينصب عليه صباً، فهذا هو الذي اتخذه الله خليلاً، فإبراهيم ﵇ ابتلاه الله جل في علاه، لينظف قلبه حتى لا يكون فيه ثمة شيء إلا محبة الرحمن جل في علاه، فقد ابتلي بكفر أبيه، وقال الله تعالى عن أبيه أنه قال له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] فهو يأمره بأن يخرج من بلدته. ثم ذهب إبراهيم إلى النمرود عليه من الله ما يستحق، وكان له وزير سوء كما في حديث النبي ﷺ (ما من نبي ولا ولي ولا خليفة استخلفه الله على الأرض إلا جعل الله له بطانتين: بطانة خير تدله على الخير وتعينه عليه، وبطانة سوء تدله على الشر وتمسك عنه الخير، فمن أراد الله به خيراً جعل له بطانة الخير) فبطانة النمرود كان وزير سوء، فقال للنمرود: إن رجلاً دخل هذه القرية ومعه امرأة جميلة، وكانت سارة عليها رضوان الله، من أجمل النساء؛ لأن العلماء يقولون: إن يوسف كما أخذ شطر الجمال من آدم أخذت سارة شطر جمال حواء ﵈ فلما قيل للنمرود ذلك أمر بأن يؤتى بإبراهيم، فلما أتي بإبراهيم قال له: من هذه المرأة؟ فقال: هي أختي - وهذه التي صرح أنه كذب فيها من الثلاث الكذبات - ثم ذهب ثم ذهب إلى سارة فقال: ليس هناك أحد مسلم في هذه الأرض غيري وغيرك وإني قد سألني عنك فقلت: إنك أختي فلا تزيدين على ذلك، فأمر النمرود أن يؤتى بـ سارة إليه، فابتلي إبراهيم ابتلاء شديداً وزلزل زلزالاً شديداً؛ لأن امرأته عند رجل طاغية لا يتقي الله في شيء، وهي امرأة جميلة، وهو ما أرادها إلا لنفسه، فذهبت المرأة وقلب إبراهيم يرتجف مما سيحدث مع امرأته، لكنه متوكل حق التوكل على ربه جل في علاه، ومستيقن أن المليك المقتدر جبار السماوات والأرض أن سيدبر الأمر من فوق العرش، فهو يعلم من يتقدم ومن يتأخر، بل لا يتقدم أحد ولا يتأخر إلا بأمره ومشيئته، فعندما جيء بالمرأة ودخل عليها يريدها، فكان كلما اقترب منها ومد يده إليها أخذ أخذاً شديداً، فقال: لا أقربك بسوء فادعي الله أن يفرج عني فتدعو الله له فيفرج الله عنه، ثم يأتيها مرة ثانية فيؤخذ أخذاً شديداً فيقول لها: ادعي الله أن يفرج عني ولا أمسك بسوء، فتدعو الله له فيفرج عنه، وهذا من كرامات الله جل وعلا لأوليائه وحفظه لهم، فوالله الذي لا إله إلا هو إن الله لا يسلم أولياءه لأعدائه أبداً، وإن فعل الله ذلك فلحكمة أعظم من هذا الفعل بكثير، علمناها أو جهلناها فهي عند الله، لكننا نثق بأنه لا يكون في الكون شيئاً إلا بإرادته، وإرادته ومشيئته تحت حكمته وعلمه، كما قال الله تعالى قبلها: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١] فمشيئة الله تخضع لعلمه وحكمته ، فمن رحمته ولطفه أنه حفظ سارة، فقال لها النمرود في الثالثة: ادعي الله لي ولن أمسك بسوء فدعت الله ففرج عنه فأعطاها هاجر، ثم قال لوزيره: أنت وزير سوء، فقد أتيتني بشيطان ولم تأتني بامرأة، ثم ذهبت ورجعت إلى إبراهيم ﵇. ومن البلاءات التي ابتلي بها إبراهيم أنه الله أمره أن يضع امرأته وابنه الوليد في أرض قاحلة ليس بها شيء، قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] ولذلك قالت المستيقنة بربها: يا إبراهيم آلله أمرك بهذا، فبين لها أن هذا استسلام لأوامر الله، وما ماء زمزم التي منحنا الله إياها إلا ببركة وجود هاجر ﵂ وأرضاها، والبلاء الأشد الذي حصل لإبراهيم أنه لما بلغ معه الولد السعي وأخذ جزءً من شغف قلبه غار الله أن يكون في قلب خليله محبة لأحد غيره، فأراد سبحانه أن يقطع هذه العلاقة، فأمره أن يذبحه، انظروا إلى الإيمان والاستسلام، اللهم ارفعنا إلى هذه الإيمانيات يا رب العالمين، ونظف قلوبنا من كل الذنوب والأرجاس واجعلنا من الذين يوحدونك توحيداً خالصاً لوجهك الكريم. فإبراهيم لما رأى الرؤية أن اذبح ولدك استسلم وقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وقال الولد: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، وهنا استسلام تام لله جل وعلا، فلما علم الله جل وعلا من عبده وهو العليم الخبير أنه لا شيء في قلبه إلا الله، قال: يا إبراهيم ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥]، يعني: ليس المقصود تذبح الذبح، وإنما المقصود هو نقاء القلب من كل شيء، إلا رضا الله وحب الله، لذلك أنزله الله هذه المنزلة واتخذه خليلاً. والنبي ﷺ عندما عرض نفسه على العشائر والطوائف ردوا عليه بأقبح الردود، وتآمرت قريش على قتله، وقبل ذلك تآمروا على حبسه وحبس من معه من المؤمنين، ومن الابتلاءات التي ابتلي بها رسول الله ﷺ أن كفار قريش وضعوا له الأملاك والأموال وكل الوجاهات حتى يتنحى عن هذا الدين، فما رجع عن دينه طرفة عين، وهكذا فقد صبر الرسول الله ﷺ صبراً شديداً كما ورد في المسند وغيره بسند صحيح: (أوذيت في الله ما لم يؤذ نبي قط) وذلك لأن الإيذاء المعنوي أشد بكثير من الإيذاء الحسي، فالله تعالى رفعه بذلك منزلة عظمى وهي منزلة الخلة، قال: (اتخذني الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتبعين لرسول الله ﷺ ، وممن يتعلمون التوحيد فيحققونه واقعاً بين الناس. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 266

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب -فوائد أحاديث الشفاعة [٢] أعظم موقف سيقفه المرء هو الموقف الأكبر يوم القيامة، وفي ذلك اليوم يتمنى المرء شفاعةً تنتشله من هذا الموقف العصيب، وقد أخبر الرسول ﷺ في حديث الشفاعة: أنه سيسجد، ولا يرفع رأسه إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة، فيقف ليكون أهم طلب له أن يقول: يا رب أمتي أمتي! فنسأل الله أن تنالنا شفاعته في ذلك اليوم.

стр. 267

تتمة فوائد حديث الشفاعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: لقد تكلمنا سابقاً عن الشفاعة وأهميتها، ومن يستحقها، وعن حرص الرسول على هذه الأمة، وقوله في عرصات القيامة: (أمتي أمتي) في حين يقول كل نبي: (نفسي نفسي). بعد ذلك يأتي الرسول ﷺ فيسجد تحت العرش، ثم يقال له: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، وسبق أن تكلمنا عن الفوائد المستنبطة من أحاديث الشفاعة، ونتكلم الآن هنا فنقول: قوله في آخر الحديث: (اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس) ففيه دليل: على ثبوت صفة الكلام لله جل في علاه. قوله: (قالوا: فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم ﵇، فيأتون عيسى ﵇، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم) وقوله: (وكلمت الناس في المهد)، هذه معجزة من المعجزات، فقد اقتضت حكمة الله جل في علاه أنه لا يرسل رسولاً إلا ويعضده بالمعجزات التي تكون بين يديه، حتى لا يكذبه أحد من البشر، وحتى تكون هذه المعجزات دليلاً له على صدقه، وعلى أنه مرسل من قبل الله جل في علاه. فما من نبي إلا وأيده الله بالمعجزات، فنوح ﵇ كانت السفينة من أكبر المعجزات التي أظهرت قوة صدق نوح ﵇ أمام قومه. وأيضاً: إبراهيم ﵇ كانت له معجزات كثيرة، منها: إلقاؤه في النار، قال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. وأيضاً: عيسى ﵇ كان يحيي الموتى، وكان يبرئ الأكمه، قال تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة:١١٠]. وقبله موسى: فقد كانت عصاه تنقلب حية، ويده إذا نزعها تخرج بيضاء أمام الناظرين، حتى يؤثر في الناس، ويُعلِّم الناسَ أن هذا من الله وليس منه. فعيسى ﵇ أعطاه الله هذه المعجزة، وهي الكلام مع الناس في المهد، وهو طفلٌ رضيعٌ.

стр. 268

الفرق بين المعجزة والكرامة والمعجزة والكرامة أمر يهبه الله جل وعلا لعبد من عباده ويؤده به، فالمعجزة للنبي، والكرامة للولي، وهما يتفقان ويفترقان، فيتفقان: في أن كلاً من المعجزة والكرامة أمر خارق للعادة، فالمعجزة أمر خارق للنبي، والكرامة أمر خارق للولي، ويفترقان: في أن المعجزة يتحدى النبيُّ بها أي أحد يأتي بمثلها، أما الولي الذي تظهر له كرامات فلا يتحدى بها، ولا يجوز له أن يدعي الكرامة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. فالنبي يصرح بالتحدي بها؛ لأن الله أيَّده بها حتى يعلم الناس صدق رسالته فيؤمنوا به، وأما الكرامة فهي لطف وكرم وتفضل وتمنن من الله جل في علاه لإظهار مكانة هذا المتعبد الناسك. وهذه المعجزة التي بين يدي عيسى أنه يتكلم في المهد قد اتفقت لبعض أولياء الله الصالحين، كما في حديث النبي ﷺ قال: (ثلاثة تكلموا في المهد) منهم عيسى ﵇، وابن كثير كان يروي بعض الآثار التي يتسامح فيها، وذكر منها: أن عيسى كان يكلم أمه وهو في بطنها، أي: كان إذا خلت به كلمها وهو في بطنها. وقد ذكر الله كلام عيسى ﵇ في قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠].

стр. 269

أمثلة وقصص عن الكرامة

стр. 270

قصة جريج العابد لقد جعل الله جل وعلا لـ جريج الراهب كرامة، فكان جريج -كما وصف لنا النبي ﷺ عابداً ناسكاً في صومعة من صوامع بني إسرائيل، وكان زاهداً ترك الدنيا بأسرها ليتعبد ويتنسك لله جل في علاه. ففي ذات مرة جاءت إليه أمه وقالت: يا جريج! وكان في صلاته، لكن الفقه لم يصل إليه فقال: يا رب! أمي وصلاتي، أي: هل أبقى على ما أنا عليه بين يديك، أم أجيب أمي؟ فنازعه الأمر كثيراً حتى قال: لا، أكون في صلاتي، فرجح ألا يخرج من الصلاة ولا يجيب أمه، فغضبت منه أمه غضباً شديداً؛ لأنه لم يرد عليها، فقالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجوه المومسات. وهذا فقه عظيمٌ غفل عنه كثير من الناس وهو: أن بر الوالدين يقدم على كثير من الصلوات والصيام والنفقات؛ لأنه مقترن بالتوحيد، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم قرن الله به عبادةً هي من أجل العبادات، حيث قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فمن أراد الإحسان فعليه بتوحيد الله ثم بر الوالدين، ولذلك: لما جاء الرجل يريد أن يجاهد في سبيل الله، قال له النبي ﷺ : (أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)، وقال للآخر: (اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما). فبر الوالدين من أوجب الواجبات، فإذا تعارض هذا الواجب مع مستحب أو نافلة فلا بد أن يقدم الواجب، ولا بد من تقديم الأهم على المهم، فما بالكم بتقديم الواجب على المستحب؟! وجريج لم يتوسع في الفقه، فلم يجب أمه فغضبت عليه فدعت عليه، ففي ذات مرة جاء بنو إسرائيل، وأخذوا امرأة باغية تفعل الفاحشة، فقالوا: عليك بهذا الرجل جريج، أي: افتنيه، فاتفقوا معها على بعض المال، فذهبت إلى جريج تراوده عن نفسه، لكنه كان بائعاً نفسه لربه جل في علاه، فأبى عليها، فلم تستطع أن تفتنه عما هو فيه، فرجعت أدراجها خائبة فوجدت راعياً فمكنته من نفسها فوطئها فحملت منه، فلما حملت منه أنجبت وقالت: هذا الطفل من جريج العابد، فتعجب بنو إسرائيل من جريج، لكن عندما كان متقياً عابداً متنسكاً لم يضع الله جل وعلا عبادته هباءً، فأتوا عليه فهدموا صومعته وعذبوه وأخذوه وأهانوه، فلما أهانوه، واللاتي يفعلن الفاحشة واقفات أمامه، وهو ينظر إليهن، فلما نظر إلى وجوههن تبسم، وتذكر دعاء أمه، وعلم في هذه اللحظات أنه أخطأ في حق أمه، وكأنه يراجع نفسه ويندم على ما فعل مع أمه، ثم قال لهم: ائتوني بالطفل، فجاء الطفل فغمزه وقال: من أبوك؟ فقال: أبي فلان الراعي، فلما سمعوا من الطفل هذا الكلام علموا أنها كرامة لهذا الصالح العابد المتنسك، فقالوا: نبني لك صومعةً من ذهب، فقال: لا، أعيدوها كما كانت.

стр. 271

قصة الطفل الرضيع كذلك من الذين تكلموا في المهد كرامة: امرأة كانت ترضع طفلاً لها، فبينما هو يلتقم الثدي إذ نظرت أمه إلى رجل له شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا الرجل، تعني: ذا هيبة ومكانة وقدر عند الناس، فترك الطفل ثديها وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم مرت امرأة وهم يتهمونها ويضربونها وهي مظلومة فقالت الأم: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه المرأة، فقال الطفل: اللهم اجعلني مثلها، فلما تعجبت المرأة علمت أن الأول كان ظالماً، فلذلك قال الطفل: اللهم لا تجعلني مثل هذا الظالم، والثانية كانت مظلومة فلذلك قال: اللهم اجعلني مثلها؛ لأن الله جل وعلا أقسم بعزته وجلاله أنه سينصر المظلوم ولو بعد حين، حيث قال تعالى في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).

стр. 272

قصة الطفل مع أصحاب الأخدود ومن الذين تكلموا في المهد: الطفل الذي كانت أمه من أصحاب الأخدود، فعندما شقوا الأخاديد وأشعلوها ناراً ليحرقوا بها كل من أقر بتوحيد الله، جاءت المرأة التي معها هذا الطفل، وخافت على طفلها، فقال لها الطفل: يا أمي! إنك على الحق. يشجعها على أن تلقي بنفسها في النار، وهذه كرامة اتفقت مع معجزة عيسى ﵇.

стр. 273

قصة شاهد يوسف لما قالت امرأة العزيز: إن يوسف راودها عن نفسها، شهد الطفل براءة يوسف ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧]. فالشاهد -كما قالوا- كان طفلاً صغيراً، وكانت هذه معجزة ليوسف ﵇.

стр. 274

صفات من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من فوائد حديث الشفاعة: قال ﷺ : (فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) فمن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، حتى يحرص الإنسان أن يكون منهم؟ وهل لهم صفات تعرف؛ حتى يتمثل الإنسان بهذه الصفات، لعل الله جل وعلا أن يدخله الجنة من غير حساب ولا عذاب؟ قد بات الصحابة يدوكون ويخوضون أيضاً في صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالنبي ﷺ أوضح لهم وصْف هؤلاء فقال: (هم الذين لا يسترقون أو قال: الذين لا يرقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون) ورواية: (لا يرقون) وإن كانت في صحيح مسلم إلا أنها رواية شاذة؛ لأن النبي ﷺ رقى وأمر بها، وجبريل قد رقى، فهذه الرواية خطأ، وبعض العلماء هروباً من توهيم الراوي أو القول بشذوذ الرواية يقولون: (لا يرقون) أي: لا يرقون بالرقية غير الشرعية، وهذا كلام باطل، وكذلك (لا يسترقون) لا بد أن نشترط فيها شروطاً، وهي: أن تكون رقية شرعية. فرواية: (يرقون) رواية شاذة. إذاً: (لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون) كأن جماع هذه الصفات الثلاث قوله: (وعلى ربهم يتوكلون).

стр. 275

ما جاء في التطير بما أن العامة وقع فيهم التشاؤم والتطير كثيراً فسنأخذ من هذه الصفات الثلاث: التطير ونتكلم عنه. التطير لغة: التشاؤم بالطير، وهو من عادات الجاهلية، فإنهم كانوا إذا أرادوا سفراً أطلقوا طيراً، فإذا ذهب يميناً تيمنوا، تبركاً، فقالوا: نسافر، وإذا ذهب شمالاً تشاءموا وقالوا: نكف عن السفر. واصطلاحاً: هو التفاؤل والتشاؤم بكلام أو أشخاص أو أماكن أو أيام وشهور أو سنين، كالذين يتطيرون بالغراب، فإذا رأوا الغراب قالوا: لا نسافر أو لا نتزوج أو لا نفعل كذا، أو يتطيرون بالبوم، ويقولون: إن هذه البومة عندما تنطق بالأصوات التي تخرجها كأنها تقول: خراب، أي: خراب على البيت التي تكون فيه. ومن النظير في الكلام: أن يذهب رجل للاختبار فيسمع شخصاً يقول لآخر: يا راسب! فيقسم أنه لن يذهب حتى لا يرسب، أو يضحك رجل كثيراً، فتراه يقول متشائماً: اللهم اجعله خيراً، فيتشاءم من الضحك مع أن هذا الضحك منة من الله جل في علاه يستوجب منك الشكر؛ لأن الله هو الذي أضحك وأبكى، فأنت تضحك فتحمد الله؛ لأنه أدخل عليك السرور وضحكت. وقد يرون امرأة عجوزاً فيقولون: عجوز النحس، أو يقول إذا رآها: فلو رآها أحدهم يقول: لا نعمل اليوم، تشاؤماً بها. وكثير من الناس يتشاءمون بالأيام، كيوم الأربعاء، فلا يذهبون فيه للعمل؛ لأن يوم الأربعاء هو اليوم الذي ينزل فيه البلاء، وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، وأنه ينزل البلاء يوم الأربعاء، لكن لا يستلزم ذلك التشاؤم بيوم الأربعاء، أو التشاؤم بشهر شوال، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فقد كانوا يقولون: إن الزواج في شوال خسارة ووبال على الذي يتزوج؛ ولذلك ردت على أهل الجاهلية عائشة ﵂ وأرضاها، وقالت: (من كان أحظى عند نبي الله ﷺ مني؟ قد عقد علي في شوال، وبنى بي في شوال)، تعني: أنه تزوجها ﵂ في شوال ﷺ .

стр. 276

الفرق بين الطيرة والفأل هناك فرق بين الطيرة والفأل: فالفأل: هو أن تتفاءل بالكلمة الحسنة، كأن تذهب مثلاً إلى العمل فتجد رجلاً يقول: يا رابح! فيطمئن قلبك وتسير قدماً إلى هذا العمل، لعل الله جل وعلا يرزقك رزقاً واسعاً. والفأل جزء من الطيرة، لكن الفرق بينهما يتجلى في أمور ثلاثة: فالتطير منهي عنه شرعاً، والفأل مأمور به شرعاً، والدليل على أن الإنسان مأمور بالتفاؤل: قول النبي ﷺ : (الطيرة شرك، وكان يعجبه الفأل)، والكلمة الطيبة من الفأل، وكان النبي ﷺ ينظر في أمير الجيش، ويسأله ما اسمك؟ فإذا وجد اسمه حسناً جعله أميراً للجيش؛ تفاؤلاً بذلك. فهذا هو الفرق الأول. الفرق الثاني: أن التشاؤم سوء ظن بالله والعياذ بالله، وسوء الظن بالله من أظلم الظلم، وفيه جهل بصفات الله تعالى، وأما التفاؤل ففيه حسن ظن بالله، والإنسان مأمور أن يحسن الظن بالله إلى الممات، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ -كما في مسند أحمد - قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء، فإن كان خيراً فله، وإن كان شراً فله). الفرق الثالث: أن المتفائل يأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله جل في علاه؛ لأنه يأخذ بها ليطمئن قلبه بالفأل والكلمة الطيبة، والنبي ﷺ كان يتفاءل بالكلمة الطيبة، ففي الحديث: (وكان يعجبه الفأل). أما المتشائم فإنه يعتمد على أسباب لم يشرعها الله جل في علاه؛ لأن قلبه ينقبض عن العمل بالبوم أو الغراب أو غير ذلك من الأسباب التي لم يشرعها الله جل في علاه: والتفاؤل والتشاؤم يلتقيان في أمر واحد وهو: التأثير، أما الفأل فيؤثر في الرجل الذي يريد أن يمضي قدماً في العمل فيطمئن أكثر، ويزداد سروراً بالكلمة الطيبة، بل يزداد قوة في هذا العمل. والتشاؤم أيضاً يؤثر في العبد، لكنه يؤثر عليه سلبياً؛ لأنه يبتليه بالهم والحزن وغيره، فينقبض إذا وجد البوم أو الغراب فلا يسافر، وإذا وجد أحداً يقول: يا فاسق! لم يعمل هذا العمل، فيأتي التأثير فيهما معاً، لكن التأثير الأول له سبب شرعي، والآخر ليس له سبب شرعي.

стр. 277

حكم التطير من تطير فقد أشرك؛ لأن النبي ﷺ قال: (الطيرة شرك) فلو أن رجلاً يتطير برؤية عجوز أو غيرها، ويتوقف عن العمل بسبب هذا، فهل يكون قد أشرك شركاً أكبر يخرج من الملة أم لا؟ أقول: هناك قاعدة لابد أن يتمثل لها طالب العلم قياماً ويحفظها جيداً وهي: أن كل شرك أو كفر جاء نكرة فالمقصود به الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر، أما إذا عرِّف فسيكون المقصود به حينئذ: الشرك الأكبر، أو الكفر الأكبر، إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الشرك الأصغر والكفر الأصغر، ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : (اثنتان في أمتي هما بهم كفر، وذكر: النياحة على الميت) فالنياحة على الميت كفر أصغر. وأيضاً: النبي ﷺ يقول: (إن مما بالناس كفراً النياحة والطعن في النسب)، فهذا كفر أصغر بالإجماع. ومن الأدلة أيضاً على أن الطيرة من الشرك الأصغر قول النبي ﷺ : (الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون). فلو أن إنساناً يسترقي للاستشفاء، فهو لا يدخل الجنة بغير حساب، بل عليه حساب، فيدخل الجنة بعد الحساب إن غلبت حسناته على سيئاته؛ لأنه من أمة محمد ﷺ . ومن الأدلة على أن الطيرة شرك أصغر عمومات قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، وعمومات: أن من أتى بالتوحيد فإنه يدخل الجنة حتى ولو كان متطيراً.

стр. 278

علاج التطير فإذا ابتلي امرؤ بهذا التطير وأراد أن يداوي نفسه من هذا التطير؛ لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر، فالعلاج سهل يسير بينه لنا النبي ﷺ ، كما جاء في بعض الأحاديث -مدرجاً- عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: (وما منا من أحد إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل). إذاً: فالعلاج الأول: هو عمق التوكل وحسن التوكل على الله جل في علاه في كل الأمور، والثقة بأن الله هو الذي يرفع ويخفض، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع، وأن الله مالك هذا الكون، مع حسن الأخذ بالأسباب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وفي آية أخرى قال: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]. فإن اعتقد المرء هذا الاعتقاد الجازم بأن مقاليد الدنيا بأسرها بيد الله فلن يتوكل إلا على الله. وأما الأخذ بالأسباب فالدليل على ذلك: فعل رسول الله ﷺ ، وليس هناك متوكل على الله مثل رسول الله، فهو أكثر الخلق توكلاً على الله، فإنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ولما أراد الهجرة أخذ خرِّيتاً ماهراً حتى يبين له الطريق، وهو مع ذلك متوكل على الله جل في علاه، وأيضاً لما هاجر سلك طريقاً غير الطريق الذي يتخذه الناس، هذه دلالة على حسن الأخذ بالأسباب، مع أنه يقيناً يعلم أن الله سينقذه، وأن الله لن يجعل لهم سبيلاً عليه، وأن الله سينصره، وأن الله سيمكن لدينه، لأنه قال لـ فاطمة ﵂ وأرضاها: (ما على أبيك بأس)، وقال: (لا يترك هذا الدين بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل)، وقد قال هذا وهو في مكة. العلاج الثاني: أن يمضي قدماً؛ لأن الطيرة التي يحاسب عليها المرء هي ما أمضته أو ردته عن العمل، كما جاء في بعض الآثار وصححها بعض العلماء: (الطيرة ما أمضاك أو ما ردك). فلو وجدت ما تتشاءم به فلا تعبأ به، واجعله خلف ظهرك وسر قُدُماً، وأحسن الظن بالله جل في علاه، فسيأتيك الخير. العلاج الثالث: هو أن تدعو بالدعاء الذي علمك النبي ﷺ ؛ ليذهب الله عنك هذه الطيرة، وهو قول النبي ﷺ : (من وجد ذلك في قلبه فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك). وهناك دعاء آخر: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك). ومعنى (لا طير إلا طيرك) أي: أن الطير الذي يحلق في السماء لا يملك نفعاً ولا ضراً، بل هو بيدك يا رب! فأنت الذي تتحكم في هذا الكون.

стр. 279

معنى الاستغاثة والعلاقة بينها وبين الدعاء وحكمها إن الاستغاثة من توحيد الإلهية، والاستغاثة لغة: مشتقة من الإغاثة، وهي: النصر عند الشدة وتفريج الكربة. قال شيخ الإسلام: الاستغاثة في الاصطلاح: هي طلب الغوث من الرب الجليل؛ لرفع البليات، وتفريج الكربات. وهي طلب الغوث من الذي يملك ذلك، ولا تكون إلا لله، لا لمحمد ولا لعيسى ولا لأحد. وأما العلاقة بين الاستغاثة وبين الدعاء: فبينهما عموم وخصوص مطلق، فالدعاء أعم من الاستغاثة؛ إذ الدعاء طلب لدفع الشر وجلب الخير، يعني: أنه يكون في الشدة وفي الرخاء. وأما الاستغاثة فهي طلب لدفع الضر لا لجلب الخير، يعني: لا تكون إلا في الشدة، فكل مستغيث داع ولا عكس. والاستغاثة عبادة، وكل دليل يدل على أن الدعاء عبادة فهو يدل على أن الاستغاثة عبادة؛ لأنه إذا دل على أن الدعاء عبادة فالاستغاثة داخلة في دائرة الدعاء فهي عبادة كالدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، أي: عن دعائي، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة). فإذاً: إذا كان الدعاء عبادة فإن الاستغاثة عبادة؛ لأنها جزء من العبادة.

стр. 280

معنى قاعدة: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك وأمثلة عليها هذه قاعدة مهمة جداً: فكل عبادة ثبتت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك. قال رسول الله ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله) قوله: (فليحلف) هذا أمر من النبي ﷺ ولا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب فلا يجب على الإنسان أن يحلف كلما تكلم، لكن نقول: طالما وهو على الاستحباب وهو أمر من الشارع فالله لا يأمر إلا بما يحب، وقال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). ومفهوم المخالفة في الحديث: أنه من حلف بالله فقد أتى بالتوحيد، فهذا دليل على أن الحلف عبادة، وأن صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك. وكذلك الصلاة عبادة، فمن صرفها لغير الله فقد أشرك. وأيضاً: الطواف عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك. والدليل على أنها عبادة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله لا يأمر إلا بما يحب، وكل ما يحبه الله جل وعلا فهو من العبادة، والذي يطوف بالقبور كقبر السيدة زينب، وقبر البدوي وقبر عبد القادر الجيلاني فهذا قد وقع في الشرك؛ لأن الطواف عبادة. كذلك: الذبح عبادة، والدليل هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢]. فإذا اشترى الرجل سيارة جديدة وذبح لها ذبيحة، وسمى الله فقال: باسم الله والله أكبر، أو ذبح للولي، فهذا يعتبر ذبحاً لغير الله؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] إذاً: فالذبح لولي أو لملك معظم يكون شركاً. أما إذا جاءك رجلٌ عزيز عليك فذبحت له فلا يقال: إن هذا الذبح شرك، ولا يقال: توحيد، ولكن يقال: هذا من الكرم، لكن إذا ذبح شخص لقدوم الملك، والملك لا يجلس عنده إلا مدة السلام فقط، ثم لما ذهب ذلك الرجل العزيز عليه رمى هذه اللحم ولم يأكله أو يوزعه، فكأنه ذبح تشريفاً لقدومه فقط، فهنا يقع في الشرك. أيضاً: قد تبين في الشرع أن الاستغاثة عبادة، وأن صرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فمن استغاث بغير الله فقد أشرك، ومن استغاث بعيسى فقد أشرك، ومن استغاث بمحمد ﷺ فقد أشرك، ومن استغاث بإبراهيم فقد أشرك؛ لأن الاستغاثة لا تكون إلا بالله جل في علاه. جاء في الحديث: (فاستغاثوا بآدم)، وكذلك في الآية ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]. أقول: هناك استغاثة أباحها الله جل في علاه بشروط وقيود فما حكم هذه الاستغاثة؟ نقول قبلها: إن الله ورسوله قد ذكرا هذه الاستغاثة، كما في الآية والحديث وأقرَّاها، والله تعالى ورسوله لا يقرَّان الشرك. وأما شروط الاستغاثة المباحة فتُعْلَمْ من خلال الاستقراء، فالرجل المستغيث بموسى لما استغاث به كان موسى حياً فهذا أول شرط، وكان موسى حاضراً، هذا شرط ثانٍ، فاستغاث به الرجل ولموسى القدرة على ذلك كما قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]. إذاً: فالرجل نظر إلى موسى فوجده حياً حاضراً قادراً فاستغاث به، وكذلك في الحديث لما استغاثوا بآدم، فإنه كان حياً حاضراً، وكانوا يظنون أنه قادر على أن يشفع لهم، لكنه امتنع واعتذر لهم بأن له ذنباً يمنعه من الشفاعة. إذاً: من خلال ما سبق، نفهم أن الاستغاثة بالمخلوق مباحة بشروط وهي: أن يكون المستغاث به حياً حاضراً قادراً على الشفاعة. ولكن لو جاء إلى رجل وقال له: أجدبنا، فاتق الله فينا وأنزل علينا المطر، فهذه استغاثة شركية؛ لأنها استغاثة بحي حاضر، لكنه غير قادر على ذلك.

стр. 281

حكم تلبس الجن بالإنس مسألة: هل الجني يتلبس بالإنسان أولاً؟ هناك من ينكر ذلك، فقد جاءني بالأمس طبيب يعترض ويقول: كيف يدخل الجني في الإنسان؟ فقلت له: لا اجتهاد مع النص، فهل أنت معي في هذا؟ قال: نعم. قلت له: لقد جاء في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما من السنن بسند صحيح: (أن النبي ﷺ مرَّ على امرأة ولها طفل صغير يعاني من الصرع - فيه جنون- فقالت: يا رسول الله! هذا ابني- أي: انظر فيه- فنظر إليه النبي ﷺ فعلم أنه مصروع، ففغر فاه -فتح فاه- ثم تفل في فيه ثم قال: اخرج عدو الله، إني رسول الله)، فالنبي ﷺ هنا يخاطب الجني ويقول له: (اخرج عدو الله إني رسول الله) فهذا نص عن رسول الله ﷺ ، فقال لي: إن النص هو القرآن وأنه لا يحتج بالحديث والعياذ بالله. وقد جاء عن كثير من السلف إثبات الصرع، وعلاج المس، كما ورد ذلك عن أحمد بن حنبل وعن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما. ودلالة الآية واضحة جلية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، والاستمتاع هنا بإطباق المفسرين جميعاً: هو استمتاع الجني بالإنسي، بأن يشرك الإنسي بالجني مع الله، وذلك بأن يقدم القرابين للجني حتى لا يؤذيه، ومن معاني الاستمتاع هنا: أن الجني يفعل للإنسي خوارق الأمور، كأن يطير به في الهواء، ويمشي به على الماء، ويخبره بالغيب النسبي لا بالغيب المطلق. فتلبس الجن بالإنس ثابت بالكتاب والسنة، لكن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون.

стр. 282

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [٣] قد يمر المرء بحالة ضعف في الإيمان، فيرتكب معصية، ويضعف أمام وساوس الشيطان، ولكن الله يعلم منه أنه لا يحب الكفر، بل يحب الإيمان، فأنزل الله من النصوص ما يدل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان أو مسلم، وخالف في ذلك قوم من المبتدعة، فكفروا الناس بالمعاصي، وشفاعة رسول الله للعصاة ترد قول هؤلاء المبتدعة، فهو ﷺ رحمة مهداة، ونعمة من الله مسداة.

стр. 283

حكم أهل الكبائر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ما زلنا مع حديث الشفاعة، وفي الكلام عن المقام المحمود العظيم الذي شرف الله به نبيه ﷺ يوم القيامة، في حين أن كل نبي يقول: نفسي نفسي، ويحيلها على غيره، ورسول الله ﷺ يقول: (أنا لها، أنا لها)، وفي بعض الروايات يقول: (أمتي أمتي)، وذلك رحمة وشفقة منه ﷺ كما سنبين، ومن الأحاديث التي أوردها المصنف: ما جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة). إن من الفوائد العظيمة في حديث الشفاعة: حكم أهل الكبائر، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وفي بعض الروايات: (أنه يستأذن على ربه كثيراً، وكلما دخل على الله استأذن عليه، فسجد فحمد الله بمحامد يعلمه الله إياها ما كان يعلمها وهو في الدنيا، فيحمد الله بها، ويثني عليه بها، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيقول ﷺ : أمتي أمتي، ثم يأمره الله أن يذهب فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، أو من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، يعني: من أصحاب الكبائر وغيرهم، لكن الأصرح منه قوله ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). فهذه الآية تبين لنا المعتقد الصحيح لأهل السنة والجماعة، الذين يعتقدون أن أهل المعاصي والكبائر ليسوا كفاراً، وأنهم ليسوا مخلدين في نار جهنم أبداً، بل هم في مشيئة الله جل في علاه، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم بذنوبهم، ثم مآلهم بعد ذلك إلى الخلود في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 284

تكفير الخوارج والمعتزلة لأهل الكبائر إن عقيدة أهل السنة والجماعة تفضح عقيدة أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فالخوارج يكفرون بالمعصية ويقولون: إن الزاني والكاذب والسارق يكفرون بتلك المعاصي، بل إن صاحب المعصية يكون من أهل النار خالداً مخلداً فيها، ويزعمون أن لهم في ذلك أدلة من الكتاب والسنة، فهم بذلك لبسوا على الناس بفهم هذه الأدلة، وكفروا أكثر المجتمعات، بل إن بعضهم كفر نفسه أكثر من مرة، واغتسل أكثر من مرة غسل الدخول في الإسلام من جديد، وذلك أنه كان كلما اغتاب أحداً يقول عن نفسه: إني قد كفرت، فيدخل فيغتسل ليدخل الإسلام مرة أخرى.

стр. 285

أدلة الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة لقد أصبح من يريد أن يبتدع يبحث له عن حجة في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ومما استدل به هؤلاء من كتاب الله جل في علاه، ومن سنة النبي ﷺ على تكفير صاحب الكبيرة أنهم قالوا: لدينا أربعة أدله تثبت كفر صاحب المعصية منها: أن النبي ﷺ سماه كافراً، فلم لا نسميه كافراً كما سماه النبي ﷺ ؟ ومنها: أن النبي ﷺ أكد كفر صاحب المعصية، فنزع عنه اسم الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ جزم بأن صاحب المعصية من أصحاب النار. ومنها: تأكيد رسول الله أن صاحب المعصية لا يدخل الجنة. فهذه أربعة من الأدلة التي إذا نظر إليها الغر الذي لا يعرف دقائق العلوم قال: إن هؤلاء القوم عندهم من الكتاب والسنة ما لا يستطيع أحد أن يواجههم به. ونأتي هنا إلى أدلتهم التي استدلوا بها على كفر من فعل المعصية، فحديث النبي ﷺ في الصحيحين قال فيه: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، يعني: أن من رفع السلاح على أخيه، أو أشهره عليه وقاتله، فإنه كافر؛ لتصريح النبي ﷺ بذلك في قوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وآكد من ذلك: قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، قالوا: الفسوق هنا قرين للكفر، محتجين بالآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨٢]، يعني: الكافرون. فالفسوق هنا كفر عندهم، وقالوا: المذكور في الحديث ليس من الصغائر ولا المخالفات فقط بل من الكفر، وكل واحدة أشد من الأخرى، فهذا تصريح من النبي ﷺ بكفر فاعل هذه المعصية. واستدلوا أيضاً بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر، منها: النياحة على الميت)، وفي رواية (الاستسقاء بالنجوم)، وفي رواية أخرى: (الطعن في الأنساب). وقالوا: إن النبي ﷺ سمى هذا الفعل كفراً، وهو اللطم على الخدود، أو النياحة على الميت، أو الطعن في الأنساب. أما الصنف الثاني من أدلتهم: فهو تأكيد رسول الله بأن فاعل المعصية كافر، فنزع عنه اسم الإيمان، وإذا نزع عنه اسم الإيمان فقد حل محل الإيمان الكفر، وذلك في حديث النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أي: أنه لا يزني الزاني حين يزني إلا وهو كافر، فقالوا: وكذلك لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، وغير ذلك من المعاصي. وأيضاً قالوا: إن النبي ﷺ نزع الإيمان عن أكثر من واحد فعل هذه المعاصي، ومن ذلك: قوله ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فإن قلت: إنه ليس بمؤمن فهو كافر -هذا على حد قولهم-، قالوا: وقد سماه أولاً كافراً، وأكد ذلك بأن فاعل المعصية لا يسمى مؤمناً. والصنف الثالث من أدلتهم: أنهم قالوا: لقد جزم النبي ﷺ بدخول فاعل المعصية النار، والأدلة قد صرحت بأنه من أهل النار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، ثم أكد أنه من أهل النار بقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من تحسى سماً فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها)، وقال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها). وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. والصنف الرابع من الأدلة: تأكيد النبي ﷺ بأن فاعل المعصية لا يدخل الجنة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأيضاً قال: (لا يدخل الجنة قتات)، وقال: (لا يدخل الجنة ديوث)، فكل هذه الأحاديث تثبت عدم دخوله الجنة، وهي أدلة متواترة تعضد القول بأن صاحب المعصية يدخل النار ولا يدخل الجنة، وإذا قلنا: إنه يدخل النار ولا يدخل الجنة، فهو خالد مخلد في نار جهنم. فهذه هي أصناف الأدلة الأربعة التي استدل بها هؤلاء على كفر صاحب المعصية كفراً يخرجه من الملة، فيستحق بذلك الخلود في نار جهنم.
следующие страницы →